Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
فيلطف به. وأما الوحي فقد كان، ولكنه عرض ولم يتبعه حتى يهتدي، وإنما يقول هذا تحيرًا في أمره وتعلالًا بما لا يجدي عليه، كما حكي عنهم التعلل بإغواء الرؤساء والشياطين ونحو ذلك، ونحوه: ﴿لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقوله: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ ردّ من الله عليه، معناه: بلى قد هديت بالوحي فكذبت به واستكبرت عن قبوله، وآثرت الكفر على الإيمان، والضلالة على الهدى. وقرئ بكسر التاء على مخاطبة النفس. فإن قلت: هلا قرن الجواب بما هو جواب له، وهو قوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ ولم يفصل بينهما بآية؟ قلت: لأنه لا يخلو: إما أن يقدّم على أخرى القرائن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنه لا يخلو: إما أن يقدّم على أخرى القرائن)، وفي أكثر النسخ: "أخرى القرائن"، وهي أبين وأكشف، ومعنى "إحدى" وإن كانت عامة إلا أنه يريد بها غير الأولى؛ لأن الجواب لا يتقدم. قال صاحب "التقريب": إنما لم يقرن "بلى" بما هو جواب له، وهو: ﴿أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾، لأنه لو أخر ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾ انتقض الترتيب بين التحسر، ثم التعلل، ثم تمني الرجعة، ولو وسط "بلى" ليقترنا تبتر النظم بالفصل بين القرائن.
وقال القاضي: فصل الجواب عن السؤال، لأن تقديمه يفرق القرائن، وتأخير المردود يخل بالنظم المطابق للوجود؛ لأنه يتحسر بالتفريط، ثم يعلل بفقد الهداية، ثم يتمنى الرجعة، وهو لا يمنع تأثير قدرة الله تعالى في فعل العبد، ولا ما فيه من إسناد الفعل إليه.
وقلت: مراد المصنف أنه لم يقرن قوله: ﴿بَلَى قَدْ جِاءَتْكَ آياتِي﴾ مع قوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾ وهو جوابه؛ لأنه لو قرن به لا يخلو: إما أن يقدم الجواب على أخرى القرائن الثلاث، يعني: قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾، لأن أولى القرائن: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى﴾، وثانيتها: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾، وآخرها: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾، وإنما كانت قرائن؛ لأن كلَا منها مصدرة بالقول، ومرتبة على ترتيب أنيق، أو
стр. 7282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تؤخر الوسطى، أي: قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾، عن الأخرى، وهي: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾، فلا يحسن الأول؛ لما يلزم منه الافتراق بين الأقوال الثلاثة المنتظمة، واختلاط كلام الغير بها، ولا الثاني وإن انتظمت الأقوال، واتصل الجواب بالسؤال؛ لما يلزم منه تفكيك الترتيب من حيث المعنى، وهو أولى بالمراعاة من اللفظ؛ لأن التحسر مقدم على التعلل، وهو على التمني؛ لأن النفس عند رؤية أهوال يوم القيامة ترى الناس مجزئين بأعمالهم تتحسر على تفوتها عليها، ثم قد يتعلل بأن لم يكن التقصير مني، فلو هداني الله لكنت من المتقين، فإذا تفكر وعلم أن التقصير كان منه يتمنى الرجوع لتلافي ما فوته ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، فلو قدم شيء من ذلك لا ينقض الالتئام.
وقلت -والله أعلم-: قد مر أن الخطاب بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ عام شامل للمسرفين كلهم، وأن المقصود الأولي منهم المشركون، وكذلك قوله: ﴿وَأَسْلِمُوا﴾ هو المطلوب الأولي، وان التنكير في ﴿نَفْسٌ﴾ يجوز أن يكون للتكثير، فكأنه قيل: قل: يا عبادي الذين فرطت منهم سقطات لا تقنطوا من رحمتي، وأنيبوا وأسلموا، واتبعوا ما أنزلت إليكم، أي: أجمعوا كلكم على الرجوع إلى الله بالتوبة، وأحدثوا الإسلام، واقرنوا بها الأعمال الصالحة من قبل أن يفجأكم ما يفوت عليكم، فتفترق كل نفس بما يلزمها من طائرها في عنقها، فتقول النفس المفرطة: يا حسرتى على ما فرطت في طاعة الله، وقصرت عن متابعة ما أنزل الله تعالى، والحال أني سخرت. وتقول النفس الكارفة المكذبة: لو أن الله هداني، أي: دعاني إلى الإسلام، لكنت من الذين اجتنبوا عن الشرك، وتقول النفس الأبية المعرضة: لو أن لي كرة فأكون من الذين أحسنوا في الرجوع إلى الله والإنابة، فيقال لكل واحد منهما: أيتها المكذبة، بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها، أي: دعوناك إلى الإسلام، فاستكبرت واستمررت على كفرك، حيث كنت من مرة الكاملين في الكفر. ولهذا ذكر الضمير في: ﴿جَاءَتْكَ﴾، ولم يؤنثها باعتبار النفس، فظهر أن "أو" العاطفة لتنويع الأنفس، أو بمعنى "بل".
أنشد الجوهري:
стр. 7283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى .... وصورتها أو أنت في العين أملح
والكلام مرتبط بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، وهذا كله عند إنزال البأس، وحين لم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، لقوله تعالى: ﴿واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ﴾ الآية، وأما يوم القيامة يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فترى من بين الأنفس الذين كذبوا على الله الكاملين في الكفر وجوههم مسودة، وإنما خصها بالذكر لما سبق أن الكلام وارد فيه، فينطبق على هذا قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، وقوله من قبل: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾، ثم ينجي الله الذين اتقوا من الشرك بفلاحهم من الإيمان، وبالتصديق في العاقبة على حسب مراتبهم وأعمالهم بفضله وكرمه من تسويد الوجوه ومن الثوي في جهنم؛ لأنهم ما كذبوا بآيات الله وما استكبروا وما كانوا من زمرة الكافرين.
وظهر أيضًا بهذا النظم السري أن قوله: "لا يبعد عنهم قوم يسفهونه بفعل القبائح، وتجويز أن يخلق خلقًا لا لغرض، ويؤلم لا لعوض، ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق، ويجسمونه بكونه مرئيًا معاينًا" إلى آخره، بعيد عن المرام، وينبو عنه المقام.
وقال صاحب "الانتصاف": الزمخشري عدا طوره، فنقيم عليه حد الرد، أما نسبة أهل السنة إلى أنهم ينسبون القبائح إلى الله تعالى، فلم ينسبوا إليه قبيحًا، فإن التصرفات في الملك لا توصف بالقبح. وأما المعتزلة فيقولون: ليس خالق كل شيء، ويكذبون؛ لأن الأفعال شيء، لقوله بعيد هذا: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءِ﴾، ويقولون: الله يخلق لا لغرض، لأنه الفعال لما يشاء، وعندهم أنه تعالى ليس فعالًا لما يشاء، لأن الفعل إما منطو على مصلحة فيجب عليه فعله، أو مفسدة فيجب عليه تركه، فأين أثر المشيئة له؟ !
وأما اعتقاد تكليف ما لا يطاق تظليمًا؛ فباطل، لأنه من لازم خلق الله، ولازم الحق حق، وإنما الظلم التصرف في ملك الغير بغير إذنه.
стр. 7284
الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن تؤخر القرينة الوسطى، فلم يحسن الأوّل، لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن. وأما الثاني: فلما فيه من نقص الترتيب؛ وهو التحسر على التفريط في الطاعة، ثم التعلل بفقد الهداية، تم تمني الرجعة، فكان الصواب ما جاء عليه؛ وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. فإن قلت: كيف صح أن تقع ﴿بَلَى﴾ جوابًا لغير منفي؟ قلت: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ فيه معنى: ما هديت.
[﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٦٠]
﴿كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ وصفوه بما لا يجوز عليه تعالى، وهو متعال عنه، فأضافوا إليه الولد والشريك، وقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ [يونس: ١٨]، وقالوا: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وقالوا: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨]، ولا يبعد عنهم قوم يسفهونه بفعل القبائح، وتجويز أن يخلق خلقًا لا لغرض، ويؤلم لا لعوض،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: "ويجوزون الألم لا لعوض"؛ فما يقول في إيلام البهائم والأطفال، وليس بسبب سابق، ولا في البهائم لثواب لاحق.
وأما الرؤية التي دل عليها قوله ﷺ الصادق المصدوق: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته"؛ فنص لا يقبل التأويل بالتهاويل، والتستر بالبكلفة ستر لا تستر، وليس كالتهتك بالباطل الذي اعتمده، وتعريضه بأنهم أثبتوا قدمًا لكونهم أثبتوا لله صفات الكمال، كلا والله ما جعل له أندادًا إلا القدرية الذين جعلوا نفوسهم يخلقون ما يريدون على خلاف مراد ربهم، حتى شاء الله ما لم يكن، وكان ما لم يشأ، فمن أثبت من صفات الله ما شهد به كتابه وسنة رسوله، فلا طعن عليه، ولو كره المبطلون.
وأما إثبات القدم واليد والجنب ففرية، ولم يقل بهذا أحد من أهل السنة، وإنما أثبت
стр. 7285
ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق، ويجسمونه بكونه مرئيًا معاينًا مدركًا بالحاسة، ويثبتون له يدًا وقدمًا وجنبًا متسترين بالبلكفة، ويجعلون له أندادًا بإثباتهم معه قدماء. ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: جملة في موضع الحال إن كان ﴿تَرَى﴾ من رؤية البصر، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب.
[﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٦١]
قرئ: (ينجي) و ﴿يُنَجِّي﴾، ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾: بفلاحهم، يقال: فاز بكذا؛ إذا أفلح به وظفر بمراده منه. وتفسير المفازة: قوله: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، كأنه قيل: ما مفازتهم؟ فقيل: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾، أي: ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. أو بسبب منجاتهم، من قوله تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القاضي صفات سمعية وردت في القرآن، ولم يتجاوزوا في إثباتها على ما وردت به السنة، وغيره حمل اليد على النعمة والقدرة، والوجه على الذات، فلا وجه لإساءة أدبه.
قوله: (﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: جملة في موضع الحال)، قال صاحب "الكشف": واستغنى عن الواو لمكان الضمير. وقال الزجاج: يجوز ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ على البدل من ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا﴾، أي: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة.
قوله: (أو بسبب منجاتهم)، عطف على قوله: "بفلاحهم". الأساس: نجوت منه نجاة، ونجاني الله، وأنجاني، وهو منجاة من السيل. قال الباهلي:
فهل تأوي إلى المنجاة أني .... أخاف عليك معتلج السيول
стр. 7286
الْعَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] أي: بمنجاة منه، لأنّ النجاة من أعظم الفلاح، وسبب منجاتهم العمل الصالح؛ ولهذا فسر ابن عباس ﵄ المفازة بالأعمال الحسنة. ويجوز: بسبب فلاحهم؛ لأنّ العمل الصالح سبب الفلاح؛ وهو دخول الجنة. ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه: مفازة؛ لأنه سببها. وقرئ: (بمفازاتهم)، على أن لكل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن "مفازتهم" قد فسر أولًا بفلاحهم حقيقة، يدل عليه قوله: "يقال: فاز بكذا؛ إذا ظفر بمراده". وقال في "الأساس": طوبى لمن فاز بالثواب، وفاز من العقاب، أي: ظفر ونجا. وثانيًا: بالمنجاة مجازًا، ولذلك علله بقوله: "لأن النجاة من أعظم الفلاح"، وقال في "الأساس": ومن المجاز: المفازة، سميت باسم المنجاة على سبيل التفاؤل، وفوز المسافر: ركب المفازة ومضى فيها. ولما لم يستتب معنى السببية بهذا التفسير قال: "وسبب منجاتهم العمل الصالح"، ورجع المعنى إلى قوله: "ينجي الله الذين اتقوا بسبب منجاتهم"، المسبب عن العمل، فهو مجاز في المرتبة الثانية. وثالثًا: بالفلاح المفسر بدخول الجنة المسبب عن العمل، وهو قريب من الوجه السابق، فالفلاح على الأول هو النجاة من العذاب، وعلى هذا: الظفر بالمراد. ورابعًا: بالعمل الصالح، لكن في المرتبة الأولى؛ لأن الفوز والفلاح مترادفان.
ويمكن أن يقال: إن "مفازتهم" على الوجه الثاني كناية تلويحية؛ لأن "المفازة" التي هي الفلاح دلت على النجاة، والنجاة على العمل الصالح، وعلى الثالث: كناية رمزية؛ لأنه استدل بفلاحهم المفسر بدخول الجنة على وجود العمل، وعلى الرابع: مجاز مرسل من إطلاق المسبب على السبب.
وقيل: قوله: (ويجوز أن يسمى) إلى آخره، تأكيد لإرادة العمل بالمفازة، لأنها سببها، وليس بشيء.
قوله: (وقرئ "بمفازاتهم")، أبو بكر وحمزة، والباقون" ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ بغير ألف. قال أبو علي: الإفراد للمصدر والجمع؛ لأن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها.
стр. 7287
متق مفازة. فإن قلت: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ﴾ ما محله من الإعراب على التفسيرين؟ قلت: أما على التفسير الأول: فلا محل له؛ لأنه كلام مستأنف. وأما على الثاني: فمحله النصب على الحال.
[﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ ٦٢ - ٦٣]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على التفسيرين)، أحدهما: أن تكون الباء في ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ حالًا أو صلة؛ نحو: كتبت بالقلم، والمراد بالمفازة: الفلاح والفوز بالمطلوب وإدراك السعادة الأزلية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] إشارة إلى هذا المعنى.
نقل الواحدي عن المبرد أنه قال: المفازة: مفعلة من الفرز، وهو السعادة، وإن جمع فحسن، كقولك: السعادة والسعادات. والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم- أي: بنجاتهم- من النار، وفوزهم بالجنة. تم كلامه.
ولما كان اهتمام شأن المتقين حينئذ التفادي عما لحق المكذبين على الله من سواد الوجوه والثوي في جهنم؛ لقوله تعالى: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أو قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بيانًا له، فظهر أن المتقين هم المصدقون الذين تواضعوا وأخبتوا لله، والمراد بـ"السوء": سواد الوجوه، وبـ"الحزن": الثواء في جهنم.
والثاني: أن يراد بـ"المفازة": العمل على الوجوه المذكورة، والباء: للتسبب، و ﴿لَا يَمَسُّهُمُ﴾ حال، والمعنى: وينجي الله الذين اتقوا بسبب أعمالهم غير ملتبسين بالسوء والحزن، فقوله: "لا محل له؛ لأنه كلام مستأنف" إشارة إلى قوله: "كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم السوء".
стр. 7288
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو مالك أمرها وحافظها، وهو من باب الكناية؛ لأن حافظ الخرائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك؛ وهي المفاتيح، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: مقليد، ويقال: إقليد، و: أقاليد، والكلمة أصلها فارسية. فإن قلت: ما للكتاب العربي المبين وللفارسية؟ قلت: التعريب أحالها عربية، كما أخرج الاستعمال المهمل من كونه مهملًا. فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ قلت: بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر: ٦١]، أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخاسرون. واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها، وهو مهيمن عليها فلا يخفى عليه شيء من أعمال المكلفين فيها وما يستحقون عليها من الجزاء، وقد جعل متصلًا بما يليه على أن كل شيء في السماوات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: هو مالك أمرها وحافظها)، قال القاضي: أي: لا يتمكن من التصرف فيها غيره، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها، وفيها مزيد دلالة على الاختصاص؛ لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتيحها. وفي قوله: " مزيد دلالة على الاختصاص" إشارة إلى أن التقديم للاختصاص أيضًا.
قوله: (بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ﴾)، أي: قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متصل بقوله: ﴿وَيُنَجَّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ على سبيل التقابل لتضاد بين مفردات الجملتين من حيث المعنى.
قال القاضي: وتغير النظم للإشعار بأن العمدة في فلاح المؤمنين فضل الله، وفي هلاك الكافرين بأن خسروا أنفسهم، والتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد قضية الكرم.
قوله: (وقد جعل متصلًا بما يليه)، عطف على قوله: "فقوله"، أي: اتصل بقوله: ﴿وَيُنَجَّي اللهُ﴾، وقد جعل متصلًا بقوله: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
стр. 7289
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا أن يكون الأمر كذلك ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقيل: سأل عثمان ﵁ رسول الله ﷺ عن تفسير قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال: "يا عثمان، ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير"، وتأويله على هذا: أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد، وهي مفاتيح خير السماوات والأرض، من تكلم بها من المتقين أصابه، والذين كفروا بآيات الله وكلمات توحيده وتمجيده، أولئك هم الخاسرون.
[﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ٦٤]
﴿أَفَغَيْرَ اللهِ﴾ منصوب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾. و ﴿تَامُرُونِّي﴾ اعتراض. ومعناه: أفغير الله أعبد بأمركم؟ وذلك حين قال له المشركون: استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك. أو ينصب بما يدل عليه جملة قوله: ﴿تَامُرُونِّي أَعْبُدُ﴾؛ لأنه في معنى: تعبدونني وتقولون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: هذا الثاني أوفق لتأليف النظم؛ لأن قوله: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من جنس قوله تعالى فيما سبق: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وفاصلة تلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ليكون كالتخلص إلى قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، كما أن فاصلة هذا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ كالتخلص إلى ما بدئ به السورة، وشحنت منه؛ من حديث الأمر بالعبادة بالإخلاص ونفي الشرك، وهو قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ﴾.
وأما معنى الاعتراض فإن قوله: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه معنى إثبات القدرة والعلم، وهما المصححان للبعث والحشر، وعند ذلك يوفى جزاء المحسن والمسيء؛ فهو لذلك مؤكد لمعنى الكلام السابق واللاحق.
قوله: (لأنه في معنى: تعبدونني)، أي: الجملتان في تأويل: " تعبدونني"، بمعنى: تقولون
стр. 7290
لي: اعبد، والأصل: تأمرونني أن أعبد، فحذف "أن" ورفع الفعل، كما في قوله:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
ألا تراك تقول: أفغير الله تقولون لي: اعبده، و: أفغير الله تقولون لي: أعبد؟ فكذلك: أفغير الله تأمرونني أن أعبده، و: أفغير الله تأمرونني أن أعبد، والدليل على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لي: اعبد؛ ليرجع المعنى إلى قولك: أفغير الله تقولون لي: اعبده؛ على الإضمار على شريطة التفسير، أفغير الله تقولون لي: اعبد؛ بلا ضمير على التقديم، وأصله: أفتقولون: اعبد غير الله. يجوز أن يقال: أفغير الله تأمرونني أن أعبده، وأفغير الله تأمرونني أن أعبد. ففيه التفادي عما حظره أبو البقاء، بأنه يفضي إلى تقديم الصلة على الموصول، أو يلزم حذف الموصول وبقاء صلته.
وحاصل الوجهين: أن "غير الله" منصوب ب ﴿أَعْبُدُ﴾، ويحجره ظاهر ﴿تَامُرُونِّي﴾ لما يستدعي تقدير: "أن"، فيلزم المحذور السابق، فيجعل ﴿تَامُرُونِّي﴾: إما اعتراضًا؛ لئلا تقدر "أن"، أو أن تجعل الجملة بمعنى: تقولون لي: اعبد؛ لينتصب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾ ها هنا، لأن القول لا يستدعي "أن"، كما يستدعيه الأمر. أما قوله: "ألا تراك تقول" إلى آخره؛ فتعليل لتصحيح ﴿تَامُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ بقوله: تقولون لي: اعبد.
وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿تَامُرُونِّي﴾، و ﴿أَعْبُدُ﴾ بدلًا منه، والتقدير: قل: أفتأمرونني بعبادة غير الله، وهو بدل الاشتمال، ومن باب: أمرتك الخير. ورواه صاحب "الكشف" عن أبي علي، وقال: هو الصواب، وليس "غيره" الخبر، وقيل: إن "غير" منصوب بفعل محذوف، أي: فتلزمونني غير الله، وفسره ما بعده.
قوله: (والأصل: تأمرونني أن أعبد)، قال أبو البقاء: وقد ضعف هذا الوجه حيث كان التقدير: أن أعبد، فعند ذلك يفضي إلى تقديم الصلة على الموصول. وليس بشيء؛ لأن
стр. 7291
صحة هذا الوجه: قراءة من قرأ (أعبد) بالنصب.
وقرئ: (تأمرونني) على الأصل؛ و ﴿تَامُرُونِّي﴾، على إدغام النون أو حذفها.
[﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٦٥ - ٦٦]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أن" ليست في اللفظ، ولا نفي عملها، فلو قدرنا بقاء حكمها؛ لأفضى إلى حذف الموصول وبقاء صلته؛ وذلك لا يجوز إلا في ضرورة الشعر.
وروى صاحب"الكشف" عن أبي سعيد: "أن" ها هنا لما حذفت بطل حكمها، ولو كان حكم "أن" باقيًا لوجب نصب "أعبد"، ولم يقرأ به أحد.
قوله: (وقرئ: "تأمرونني" على الأصل)، ابن عامر ونافع: بنون واحدة مخففة، والباقون: بواحدة مشددة. قال صاحب "الكشف": من قرأ بالتخفيف حذف إحدى النونين، كقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، وقوله: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ﴾ [الأنعام: ٨٠]، وقول عمرو:
يسوء الفاليات إذا فليني
أي: فلينني. وأنكر هذه القراءة بعضهم، ومن أنكر مثل هذا حرم عليه الشروع في كتاب الله، والنظر في كلام الأئمة، وشهد ببلادته.
стр. 7292
قرئ: ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، و (ليحبطن) على البناء للمفعول، و (ليحبطن) بالنون والياء، أي: ليحبطن الله، أو الشرك. فإن قلت: الموحى إليهم جماعة، فكيف قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ على التوحيد؟ قلت: معناه: أوحي إليك: لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله، أو: أوحي إليك وإلى كل واحد منهم: لئن أشركت، كما تقول: كسانا حلة، أي: كل واحد منا. فإن قلت: ما الفرق بين اللامين؟ قلت: الأولى موطئة للقسم المحذوف، والثانية: لام الجواب، وهذا الجواب ساد مسد الجوابين، أعني: جوابي القسم والشرط. فإن قلت: كيف صح هذا الكلام مع علم الله أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟ قلت: هو على سبيل الفرض، والمحالات يصح فرضها لأغراض، فكيف بما ليس بمحال؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمء جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]؟ يعني على سبيل الإلجاء، ولن يكون ذلك لامتناع الداعي إليه ووجود الصارف عنه. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾؟ قلت: يحتمل: ولتكونن من الخاسرين بسبب حبوط العمل. ويحتمل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾)، بفتح الياء والباء: المشهورة، والبواقي: شواذ.
قوله: (هو على سبيل الفرض)، والمراد به: تهييج الرسل وإقناط الكفرة، وإطلاق الإحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم؛ لأن شركهم أقبح، أو يكون على التقييد بالموت، كما صرح في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وعطف: ﴿ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ من عطف المسبب على السبب.
قوله: (ولن يكون ذلك)، أي: مشيئة الإيمان على القسر والإلجاء، لا متناع الداعي إلى القسر والإلجاء؛ لأن بناء التكليف على الاختيار ووجود الصارف، وهو الحكمة، لأن المشيئة عنده تابعة للحكمة؛ لأن الحكيم لا يقسر على الكفر، ثم يعذب عليه.
قوله: (ما معنى قوله: ﴿ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾؟ )، أي: لم أطلقه؟ ولذلك قيد في الجواب تارة بقوله: ﴿مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ بسبب حبوط العمل، فعطف ﴿ولَتَكُونَنَّ﴾ على
стр. 7293
ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم إن مت على الردة ويجوز أن يكون غضب الله على الرسول أشد، فلا يمهله بعد الردة: ألا ترى إلى قوله: ﴿إذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]؟ ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾: رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن كنت عاقلا فاعبد الله، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا منه. ﴿وَكُنْ مِنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾ من باب عطف المسبب على السبب، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتِيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلهِ﴾ [النمل: ١٥]، على رأي صاحب "المفتاح"، وأخرى بقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم. وقوله: "ويجوز أن يكون غضب الله على الرسول أشد"، فعلى هذا يترك على إطلاقه مبالغة، أي ليحبطن عملك وليقهرنك بلا مهلة.
قوله: (بل إن كنت عاقلًا فاعبد الله)، هذا مذهب الزجاج. قال مكي: نصب "الله" بـ"اعبد"، وقال الفراء والكسائي: هو نصب بإضمار فعل، تقديره: بل اعبد الله فاعبد، والفاء للمجازاة عند أبي إسحاق، وزائدة عند الأخفش.
الانتصاف: مقتضى كلام سيبويه: أن الأصل: تنبه فاعبد الله، فحذفوا الفعل الأول اختصارًا، واستنكروا الابتداء بـ"الفاء"، ومن شأنها التوسط، فقدموا المفعول، وصارت "الفاء" متوسطة لفظًا، ودالة على المحذوف، وانضاف إليها فائدة الحصر؛ لإشعار التقدم بالاختصاص.
فإن قلت: هب أن الفاء في قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ دلت على إضمار الشرط، فما الدال على تخصيص "إن كنت عاقلًا" على رأي المصنف، أو "تنبه" كما فهم صاحب "الانتصاف" من كلام سيبويه؟
стр. 7294
الشَّاكِرِينَ﴾ على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد آدم. وجوز الفراء نصبه بفعل مضمر هذا معطوف عليه، تقديره: بل الله أعبد فاعبد.
[﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦٧]
لما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تقديره؛ عظمه حق تعظيمه قيل: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وقرئ بالتشديد على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: دل عليه ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾، أي: السفهاء الخفاف الأحلام، كأنه تعالى حين سمع أن رهطا من قريش قالوا على نحو ما ورد في سورة الكافرون: يا محمد، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. أمر رسول الله ﷺ أن يرد عليهم بقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾، وحين سمعهم أيضًا يقولون: استلم بعض آلهتنا، كما نص عليه المصنف هنا، رده بقوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾، يعني: لما سفهتهم في ذلك الرد خص ربك بالعبادة إن كنت عاقلا، واشكره حيث لم يجعلك من جنس ما هو أضل من الأنعام، وجعلك من أفضل الخلق وأشرفهم، بل رفع منزلتك عليهم، وجعلك سيد ولد آدم. فافهم هذه الرموز والتلويحات، وترحم على المصنف في إبرازه لتلك المحاسن.
قوله: (وجوز الفراء نصبه بفعل مضمر، والتقدير: بل الله أعبد فاعبد)، قال صاحب" التقريب": غرضه أن لا يتقدم على الفاء ما في حيزه.
قوله: (عظمه حق تعظيمه)، جواب "إذا"، وقوله: "قيل: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ " جواب "لما"، يعني: لما تعورف واشتهر بين الناس أن العظيم إذا عرف حق معرفته عظم حق تعظيمه، ولما لم يوجد ذلك في حق الملك العظيم ذي الملك والملكوت والجلال
стр. 7295
معنى: وما عظموه كنه تعظيمه ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريقة التخييل، فقال: ﴿والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجبروت، قيل: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. والأسلوب من باب الكناية؛ لأن تعظيمك الشيء واحترامك إياه وقيامك بواجبه مستلزم لتقديرك إياه في نفسك حق تقديره، وهو مستلزم لأن تكون قد عرفته حق معرفته، فذكر اللازم الوسط، وأريد الملزوم، كما يقال: فلان نحار؛ أي: مضياف، بدل مهزول الفصيل، ظاهر كلام المصنف على أنه من إطلاق السبب المركب على المسبب، وأن قوله: "وقدره حق تقديره" عطف تفسيري.
قوله: (على طريقة التخييل)، وعن بعضهم: التخييل: تصوير حقيقة الشيء، والتمثيل: تشبيه قصة بقصة، والاستعارة: تشبيه مفرد بمفرد أو مركب بمركب، وفيه بحث.
وقال القاضي: في الآية تنبيه على عظمته، ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازًا، كقولهم: شابت لمة الليل.
الانتصاف: لفظ "التخييل" عبارة موهمة.
وقلت: المراد بـ"التخييل": التصوير؛ بأن تخيل عند ذكرك هذه الأشياء في ذهنك معنى عظمة الله، ليمتلئ قلبك رعبًا ومهابة، ويحصل لك من ذلك روعة وهزة لم تحصل من مجرد قولك: عظمة الله، كما إذا أردت أن تقول بدل "فلان جواد": "فلان كثير الرماد"، فأنت عند ذكرك " كثير الرماد" متصور كثرة إحراق الحطب، ثم كثرة الطبخ، ثم كثرة تردد الضيفان، فتجد من الروعة ما لا تجده إذا قلت: فلان جواد، والأسلوب من الكناية الإيمائية، نحوه قول البحتري:
أو ما رأيت المجد ألقى رحله .... في آل طلحة ثم لم يتحول؟
واعلم أن الإمام أورد في هذا المقام إشكالًا في سورة "طه"، وأجبنا عنه.
стр. 7296
والغرض من هذا الكلام- إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه_ تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز، وكذلك حكم ما يروى: أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال، ثم قرأ تصديقًا له: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية، وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب؛ لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخر على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيما الأفهام والأذهان ولا يكتنهها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تصوير عظمته)، خبر "الغرض"، و"إذا" متعلق بـ"الغرض".
قوله: (ما يروي: أن جبريل ﵇ جاءه)، وعن بعضهم: ما ثبت عن رسول الله ﷺ بهذا اللفظ، وإنما صح: "جاء حبر" و"جاء يهودي"، و"جاء رجل من أهل الكتاب".
وقلت: الحديث بتمامه رواه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن مسعود، مع تغيير يسير، وفيه: "جاء حبر إلى رسول الله ﷺ ".
قوله: (وأن الأفعال العظام)، عطف تفسيري على "القدرة"، و"هينة" خبر "إن"، و"لا يوصل السامع" صفة "هوانًا"، و"حتى أن يعلموا" غاية عنايتهم بالمبحث، أي: ما اعتنوا بالبحث حتى يعلموا.
стр. 7297
الأوهام هينة عليه هوانًا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل، ولا ترى بابًا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء، فإن أكثره وعليته تخييلات قد زلت فيها الأقدام قديمًا، وما أتي الزالون إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير، حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه؛ إذ لا يحل عقدها الموربة، ولا يفك قيودها المكربة إلا هو، وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة، والوجوه الرثة؛ لأن من تأول ليس من هذا العلم في عبر ولا نفير، ولا يعرف قبيلًا منه من دبير. والمراد بالأرض: الأرضون السبع،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يحل عقدها الموربة)، الأساس: تأربت العقدة: توثقت، وأربتها: وثقتها، ومن المجاز: تأرب علينا فلان: تعسر. وعقد مكرب ومكروب: موثق، وكربه الأمر: غمه وأخذ بنفسه.
الجوهري: الكرب: الحبل الذي يشد في وسط العراقي، ثم يثنى، ثم يثلث، ليكون هو الذي يلي الماء، فلا يعفن الحبل الكبير، تقول منه: أكربت الدلو فهي مكربة.
قوله: (في عبر ولا نفير)، المثل: "في العبر ولا في النفير"، يريدون ب"العبر": عير أبي سفيان، وبـ"النفير": الذين نفروا إلى قتاله ﷺ ، فكل من تخلف عنهما قالوا فيه ذلك.
يضرب لمن لا يصلح لمهمة. وسبق في "الأنفال" بيانه مستوفى.
قوله: (ولا يعرف قبيلًا من دبير)، قال الميداني: القبيل: ما أقبل به من الفتل على الصدر، والدبير: ما أدبر عنه. الجوهري: القبيل: ما أقبلت به المرأة من غزلها حين تفتله. وقال الأصمعي: هو مأخوذ من الشاة المقابلة والمدابرة؛ فالمقابلة: التي شق أذنها [إلى] قدام،
стр. 7298
يشهد لذلك شاهدان: قوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَوَاتُ﴾؛ ولأن الموضع موضع تفخيم وتعظيم، فهو مقتض للمبالغة، ومع القصد إلى الجمع وتأكيده بالجميع أتبع" الجميع" مؤكدة قبل مجيء الخبر؛ ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمدابرة: هي التي شقت أذنها إلى خلف. وقال في "الأساس": ومن المجاز: ما يعرف قبيلًا من دبير. وأصله في الحبل إذا مسح اليمين على اليسار علوا فهو قبيل، وإذا مسحها عليها سفلًا فهو دبير.
قوله: (يشهد لذلك ﴿جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَوَاتُ﴾)، يعني: دل عطف ﴿وَالسَّمَوَاتُ﴾ على سبيل التقابل_ وهي: جمع محلى باللام الاستغراقي، وأنها سبع_ على أن المراد ب"الأرض": الأرضون السبع.
قال القاضي: "السموات" معطوفة على"الأرض" منطوية في حكمها.
قوله: (ولأن الموضع موضع تفخيم وتعظيم)، وذلك أنهم نسبوا إليه ما لا يليق بجلاله وما هو منزه عنه، ولذلك أتبعه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قال القفال: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ كقول القائل: ما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت كذا وكذا، أي: لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت، فوجب أن لا تحط عن قدري ومنزلتي. ونظيره قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فالمعنى: ما قدروا الله حق قدره، إذ زعموا أن له شركاء، وأنه لا يقدر على إحياء الموتى، مع أن جميع الأرضين والسماوات كلها تحت قهره وسلطانه.
قوله: (أتبع"الجميع" مؤكدة)، أي: من حيث المعنى، وكان من حقه أن يجاء به بعد مضي
стр. 7299
يقع عن أرض واحدة، ولكن عن الأراضي كلهن. والقبضة: المرة من القبض، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦]، والقبضة بالضم: المقدار المقبوض بالكف، ويقال أيضًا: أعطني قبضة من كذا؛ تريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، كما روي: أنه نهى عن خطفة السبع. وكلا المعنيين محتمل. والمعنى: والأرضون جميعاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخبر؛ لأنه معموله، فقدم لهذا الاهتمام. قال أبو البقاء: "الأرض" مبتدأ، و ﴿قَبْضَتُهُ﴾ الخبر، ﴿جَمِيعًا﴾ حال من "الأرض"، أي: إذا كانت مجتمعة قبضته، أي: مقبوضة، فالعامل في "إذا" المصدر، لأنه بمعنى المفعول. وقال أبو علي: التقدير: ذات قبضته. ورد عليه بأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبله. وأجيب أنه الآن غير مضاف إليه؛ لأن بعد حذف المضاف لا يبقى حكمه.
وقال صاحب "الكشف": قدر أبو علي في "الحجة": والأرض ذات قبضته، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، وعلى ما في "الحلبيات" يتأتى إعمال ﴿قَبْضَتُهُ﴾ في "إذا"، لأنه بمعنى المفعول.
وقال أبو البقاء: ويقرأ "قبضته" بالنصب؛ على معنى: في قبضته، وهو ضعيف؛ لأن هذا الظرف محدود، فهو كقولك: زيد في الدار.
ولهذا جاء المصنف بالعذر في قوله: "جعلها ظرفا مشبها للمؤقت بالمبهم".
قوله: (أنه نهى عن خطفة السبع)، النهاية: "أنه نهى عن المجثمة والخطفة"، يريد: ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة، وهي حية؛ لأن ما أبين من حي فهو ميت، والخطفة: المرة الواحدة، فسمي بها العضو المختطف.
стр. 7300
قبضته، أي: ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة، يعنى: أن الأرضين مع عظمهن وبسطتهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته، كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة، كما تقول: الجزور أكلة لقمان، والقلة جرعته، أي: ذات أكلته وذات جرعته؛ تريد: أنهما لا تفيان إلا بأكلة فذة من أكلاته، وجرعة فردة من جرعاته. وإذا أريد معنى القبضة فظاهر؛ لأن المعنى: أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة.
فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ: (قبضته) بالنصب؟ قلت: جعلها ظرفا مشبها للمؤقت بالمبهم. ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ من الطي الذي هو ضد النشر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه. وقيل: ﴿قَبْضَتُهُ﴾: ملكه بلا مدافع ولا منازع، و ﴿بِيَمِنِهِ﴾: بقدرته. وقيل: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِنِهِ﴾: مفنيات بقسمه؛ لأنه أقسم أن يفنيها، ومن اشتم رائحة من علمنا هذا فليعرض عليه هذا التأويل ليتلهى بالتعجب منه ومن قائله، ثم يبكي حمية لكلام الله المعجز بفصاحته، وما مني به من أمثاله؛ وأثقل منه على الروح، وأصدع للكبد تدوين العلماء قوله، واستحسانهم له، وحكايته على فروع المنابر، واستجلاب الاهتزاز به من السامعين. وقرئ: (مطويات) على نظم السماوات في حكم الأرض،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الجزور أكلة لقمان)، وهو لقمان بن عاد، وكان أكولًا، وأفرطوا في الإفراط في أكله، حتى رووا أنه كان يتغدى بجزور ويتعشى بجزور ويتعلل بفصيل، فأفضى إلى امرأته فلم يصل إليها، فقال: كيف أصل إليك وبيني وبينك جزوران، وكان شجاعًا.
قوله: (وقيل: ﴿قَبْضَتُهُ﴾: ملكه) إلى آخره، شروع فيما قيل في تفسير الآية، وقوله (ومن اشتم رائحة من علمنا) تحكم في الفرق بين التفسيرين؛ تفسيره وتفسيرهم.
قوله: (على نظم السماوات في حكم الأرض)، يعني: كما أن الأرض أخبر عنها بقبضته، فدخلت تحت القبضة، أخبر عن السماوات بيمينه، فدخلن تحت اليمين، وكما أن ﴿جَمِيعًا﴾ حال مقدم، كذا ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾، وافتراق هذه القراءة من الأولى افتراق قولك: الكتاب مطوي بيمينه، وبيمينه مطويًا، والأولى أولى؛ لما يتصور منه السامع طي النشر
стр. 7301
ودخولها تحت القبضة، ونصب (مطويات) على الحال. ﴿ ﴾: ما أبعد من هذه قدرته وعظمته، وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء.
[﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ ومَن فِي الأَرْضِ إلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ ٦٨]
فإن قلت: ﴿أُخْرَى﴾ ما محلها من الإعراب؟ يحتمل الرفع والنصب: أما الرفع فعلى قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، وأما النصب فعلى قراءة من قرأ: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، والمعنى: ونفخ في الصور نفخة واحدة، ثم نفخ فيه أخرى. وإنما حذف لدلالة ﴿أُخْرَى﴾ عليها، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان. وقرئ: (قيامًا ينظرون): يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب. وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم. ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود في مكان لتحيرهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مشاهدته، ومن ثم جاء: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأما حكم الأرض فبالقبض أنسب، فاختلف لذلك التركيب؛ ولأن تقديم الحال على العامل المعنوي ضعيف.
قال ابن الحاجب: وقد اختلف في مثل: " زيد كائنا في الدار"، فجوزه بعضهم؛ لأن التقدير: استقر أو مستقر، وبعضهم يجعلون المقدر نسيًا منسيًا، والظرف هو العامل في المعنى، وهذا أرجح؛ لأنه لم يثبت ملثه في فصيح الكلام؛ ولأنه في حكم العدم، وصارت العاملة مع النائب عنه.
قوله: (فعلى قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾) يعني: جاء في ذلك الموضع كذا، فيحمل هذا عليه. وقال القاضي: دل قوله تعالى: ﴿أُخْرَى﴾ على أن المراد من قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ نفخة واحدة.
стр. 7302
[﴿وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ووُضِعَ الكِتَابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَدَاءِ وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ * ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٦٩ - ٧٠]
قد استعار الله النور للحق والقرآن والبرهان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قد استعار الله النور للحق والقرآن والبرهان)، يعني: لا يحمل "النور" الذي في الآية على حقيقته للصارف، وقد ورد في التنزيل بمعنى الحق والقرآن والبرهان على المجاز من ذلك، فعلى هذا: قوله تعالى: ﴿وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ مستعار لقولنا: وتزينت أرض القيامة بما يقام فيها من الحق وبسط العدل من القسط في الحساب. وينادي على أنه مستعار الإضافتان؛ أي: إضافة "النور" إلى "الرب"، وإضافة "الرب" إلى "الأرض". عن بعضهم: دل على أنه مستعار إضافة" النور" إلى"الرب"؛ لأن الله هو الحق العدل، فناسب أن يراد بـ"النور": الحقية والعدالة، فالحق والعدل صفة الله وما أضيف إليه المراد به المصدر لا الوصف؛ ليتغايرا.
وقلت: شبه إقامة الله الحق والعدل في أرض القيامة للاستنفاع بهما، وتزيينهما بهما، بإشراق النيرين وجه الأرض، وتبيين ما فيها، ثم حذف المشبه، وأقيم المشبه به مقامة، وجعلت القرينة الإضافتين، وفي الممثل به ثلاثة أشياء: وجود النيرين، وإشراقها الأرض، وإبانة الأشياء بنورهما؛ ففي المشبه تحقبق وجود الحق والعدل، وبسطهما في أرض القيامة، وإقامتهما بحسب اقتضاء صالح الأعمال وسيئها، لا على أن هذه الأشياء كل واحد مشبه ومشبه به، بل على جعل الوجه منتزعا من المجموع، إما على التوهم؛ ليكون تمثيلية، أو على التحقيق والزبدة؛ لتكون عقلية.
إذن قوله أولًا: "استعار النور للحق والقرآن والبرهان في مواضع" تصحيح هذه الاستعارة بحسب العرف التنزيلي. وثابيًا: "وينادي عليه بأنه مستعار" بإقامة الصارف الموجب للتأويل، وثالثا: "وإضافة اسمه إلى الأرض" بتخصيص المستعار له وأنه العدل لكن بطريق اللوزم، وكأن الرتبة في هذا المقام ملزوم العدل. ورابعا: "ثم ما عطف على إشراق الأرض"
стр. 7303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بأن النظم أيضًا يقتضي ذلك التخصيص. وخامسا: "ترى الناس يقولون للملك العادل" بتصحيحها بحسب العرف العام. وسادسًا: "الظلم ظلمات يوم القيامة" بإنشائها بحسب استعمال الضد في الألفاظ النبوية. وسابعًا: "وكما فتح الآية بإثبات العدل ختمها بنفي الظلم"، بأن مراعاة رد العجز على الصدر على طريقة الطرد والعكس داعية إلى تفسير النور بالعدل.
كأنه قصد بذلك كله مخالفة أقوال بعض المفسرين وترجيح أحد الأقوال فيها، فوجب لذلك أن يوردها في الذكر، ثم ينظر إلى وجه الترجيح نظر إنصاف.
قال الواحدي رحمة الله: إن الله يخلق في القيامة نورا يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به من غير شمس ولا قمر. هذا أحد قولي الزجاج. وقال محيي السنة: أشرقت الأرض بنور خالقها، وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه فما يضارون في نوره كما لا تضارون في الشمس في اليوم الصحو. وهذا قول آخر للزجاج. وقال الحسن والسدي: بعدل ربها، وأراد بالأرض: عرصات القيامة. وهذا القول هو المختار عند المصنف، وتبعه القاضي.
وقال السجاوندي: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ عدله الصافي عن ملكة الغير. واختار الإمام قول الواحدي وقال: الآية تدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم أن يكون ذلك النور من خلق الله تعالى؛ لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله شرفه الله تعالى بأن أضافه إلى نفسه كبيت الله وناقة الله، هذا أقوى من حمله على العدل؛ لأنا نفتقر إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز.
وقلت: القول ما اختار محيي السنة. وقد روى الإمام مسلم بن الحجاج في"صحيحه" عن أبي هريرة: " قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في
стр. 7304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة"؟ قالوا: لا. قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ " قالوا: لا، قال: فو الذي نفسي بيده لا تضارون في ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما، فيلقى العبد ربه فيقول_ أي له_: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك؟ " الحديث، قال الزجاج: روي "لا تضارون" بتشديد الراء، ولا "تضامون" بتشديد الميم، ومعنى "لا تضارون" لا يضار بعضكم بعضًا، أي: لا يخالف بعضكم بعضًا في ذلك، يقال: ضاررت الرجل أضار مضارة وضرارًا، إذا خالفه.
ومعنى "لا تضامون": لا يضم بعضكم بعضًا فيقول واحد للآخر: أرنيه. كما يفعلون عند النظر إلى الهلال. وما اختار محيي السنة ما اختاره إلا لهذا النص الصريح، وما تعسف المصنف تلك التعسفات إلا فرارا منه، وقد جاء وصف الباري بالنور، ومن أسمائه الحسنى النور، روينا عن الإمام أحمد بن حنيل ومسلم والترمذي عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه؟ ". وزاد أحمد: "نور أني أراه". على طريق الإيجاب. وقال حجة الإسلام في "مشكاة الأنوار" بأن النور الحق هو الله تعالى، ثم قال: بل أقول ولا أبالي: إن اسم النور على غير النور الأول مجاز محض.
стр. 7305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا، وإن من مذهب السلف الصالح أن يجري الكلام فيه وفي أمثاله على ظاهره بعد أن نقر أن هذا النور ليس من نوع هذه الكيفية الفائضة على الأجسام، ونحيل كنه معرفته إلى قصور أفهام البشر. ووجدت في تضاعيف كلام الإمام ما معناه: أن طريق المحققين من الموحدين القول بأنا نعلم أنه ليس مراد الله في أمثال هذه الصفات هذه المشاهدات، وأما تعيين المراد فهو مفرض إلى الله تعالى، وأما قول محيي السنة: ذلك حين يتحلى الله الرب لفصل القضاء بين خلقه، فهو الذي يقتضيه المقام من التأويل وعليه التعويل؛ لأن المقام مقام تجلي الذات بصفات الجلال والعظمة؛ لما يلوح من صفحات معنى الآية تباشير معنى قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] ولمجيء الأفعال المتناسقة على البناء للمفعول على نحو قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: ٤٤] الآية.
قال المصنف: ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل قادر قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك في أفعاله، ولا يذهب الوهم إلى أن غيره الفاعل. بل الكلام من مبدئه وارد على سنن أحوال الملوك ومرون عادتهم، فإن الملك العظيم إذا ضرب سرداق جلاله وعظمته ليوم يشهد لقضاء شؤون العامة يأمر بإحضار خواص حضرته وأساطين مملكته، ثم يبرز من الحجب بحيث يشاهده الظالم والمظلوم، ويتصدى لفصل القضاء بنفسه، والحاكم العادل إذا جلس للقضاء في مسنده يضع بين يديه فرقان حكم الله ويأمر بإحضار العدول وإقامة الشهود، ولا مانع من إجراء هذه الألفاظ على هذه المعاني، على أن كنه معرفته موكول إلى علم الله.
وفي جعل النور مجازًا عن العدل تحجير للواسع، وتقصير للكلام الجامع، على أن العدل من لوازم هذا البيان. وأما قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فهو متصل بقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وتذييل لمعناه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وكان الوالد المغفور له_ تغمده الله بغفرانه_ كثيرًا ما يجري على لسانه أن جماعة من
стр. 7306
في مواضع من التنزيل، وهذا من ذاك. والمعنى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾ بما يقيمه فيها من الحق والعدل، ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات، وينادي عليه بأنه مستعار إضافته إلى اسمه؛ لأنه هو الحق العدل. وإضافة اسمه إلى الأرض؛ لأنه يزينها؛ حيث ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل، ولا أعمر لها منه. وفي هذه الإضافة أن ربا وخالقها هو الذي يعدل فيها، وإنما يجوز فيها غير ربها، ثم ما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء بالحق، وهو النور المذكور. وترى الناس يقولون للملك العادل: أشرفت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون: أظلمت البلاد بجور فلان. وقال رسول الله ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة". وكما فتح الآية بإثبات العدل، ختمها بنفي الظلم. وقرئ: (وأشرقت) على البناء للمفعول، من شرقت بالضوء تشرق: إذا امتلأت به واغتصت. وأشرقها الله، كما تقول: ملأ الأرض عدلًا وطبقها عدلًا. و ﴿الْكِتَابِ﴾: صحائف الأعمال، ولكنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضلاء الشرق كانوا يتحسرون على الظفر بالتفسير الكبير الموسوم بـ"مفاتيح الغيب"؛ ليقفوا على تفسير تحقيق هذه الآية فيها، والله ولي الإفضال.
وأنشد صاحب "المطلع" لعباس بن عبد المطلب يمدح النبي ﷺ :
وأنت لما ولدت أشرقت الـ .... أرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النـ .... ــــنور وسبل الرشاد نخترق
قوله: (الظلم ظلمات يوم القيامة)، الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر.
قوله: (واغتصت)، الجوهري: المنزل غاص بالقوم، أي: ممتلئ بهم.
стр. 7307
اكتفي باسم الجنس. وقيل: اللوح المحفوظ. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخبار. وقيل: المستشهدون في سبيل الله.
[﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ويُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ ٧١ - ٧٢]
الزمر: الأفواج المتفرقة بعضها في أثر بعض، وقد تزمروا، قال:
حتى احزألت زمر بعد زمر
وقيل في زمر الذين اتقوا: هي الطبقات المختلفة: الشهداء، والزهاد، والعلماء، والقراء، وغيرهم. وقرئ: (نذر منكم). فإن قلت: لم أضيف إليهم اليوم؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حتى احزألت زمر بعد زمر)، قيل أوله:
إن العفاة بالسيوب قد غمر
الأساس: احزأل السراب بالظعن: زهاها. واحزألت الإبل في السير: ارتفعت. وأنشد المصراع.
الراغب: الزمرة: الجماعة القليلة، ومنه قيل: شاة زمرة، قليلة الشعر. ورجل زمر، قليل المروءة، ومنه اشتق الزمر والزمارة كناية عن الفاجرة.
стр. 7308
أرادوا لقاء وقتكم هذا، وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة. وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضًا في أوقات الشدة.
﴿قَالُوا بَلَى﴾ أتونا وتلوا علينا، ولكن وجبت علينا كلمة الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨]؛ لسوء أعمالنا، كما قالوا: ﴿غضلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قِوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب؛ وهو الكفر والضلال. واللام في ﴿المُتَكَبِّرِينَ﴾ للجنس؛ لأن ﴿مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ فاعل "بئس"، و"بئس" فاعلها: اسم معرف بلام الجنس، أو مضاف إلى مثله، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: فبئس مثوى المتكبرين جهنم.
[﴿وسِيقَ الَذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلَى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وعْدَهُ وأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ﴾ ٧٣ - ٧٤]
﴿حَتَّى﴾ هي التي تحكى بعدها الجمل، والجملة المحكية بعدها هي الشرطية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ لسوء أعمالنا) إلى قوله: (فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب) هذا موافق لمذهبه، قال القاضي: كلمة العذاب هو الحكم عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل النار، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على اختصاص ذلك بالفكر.
وقيل: كلمة العذاب: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مشنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. قال أيضًا في قوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾: "اللام في ﴿المُتَكَبِّرِينَ﴾ للجنس"، ولا ينافي إشعاره بأن مثواهم في النار لتكبرهم عن الحق أن يكون دخولهم فيها لأجل أن كلمة العذاب حقت عليهم، فإن تكبرهم وسائر مقابحهم مسببة عن كلمة العذاب.
стр. 7309
إلا أن جزاءها محذوف، وإنما حذف؛ لأنه في صفة ثواب أهل الجنة؛ فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف، وحق موقعه ما بعد ﴿خَالِدِينَ﴾. وقيل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا﴾ جاؤوها (وفتحت أبوابها)، أي: مع فتح أبوابها. وقيل: أبواب جهنم لا تتفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها، بدليل قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠]؛ فلذلك جيء بالواو، كأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها. فإن قلت: كيف عبر عن الذهاب بالفريقين جميعًا بلفظ السوق؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وحق موقعه)، أي: الجزاء المقدر بعد قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. وعن بعضهم: أي: فادخلوها خالدين كان ما كان ووقعوا فيما وقعوا. وقوله: كان ما كان ووقعوا فيما وقعوا؛ جزاء ﴿إِذَا جَاؤُوهَا﴾، قال الزجاج: اختلف الناس في جواب "إذا" قيل: الواو مسقطة، أي: حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها. وسمعت محمد بن يزيد_ يعني المبرد_ يذكر أن الجواب محذوف، التقدير: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا﴾ إلى آخر الآية سعدوا، أي: حتى إذا جاؤوها وقع مجيئهم مع فتح أبوابها حتى يجتمع المجيء مع الفتح في حال واحدة.
قال الزجاج: والذي عندي: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ دخلوها. وقول المبرد موافق للقول الأول للمصنف.
قوله: (أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها)، قال الراغب: إن جهنم لما كانت أشد المحابس، ومن عادة الناس إذا شددوا أمرها ألا يفتحوا أبوابها إلا لداخل أو خارج، ولما كانت جهنم أهولها أمرًا وأبلغها عقابًا أخبر عنها بما شوهد من أحوال الحبوس، وأما الجنة فلأن من فيها يتشوقون للقاء أهلها، ومن رسم المنازل إذ بشر من فيها بإياب أربابها إليها أن تفتح أبوابها استبشارًا لهم وتطلعا إليهم، ويكون ذلك قبل مجيئهم، فأخبر عن ذلك على ما جرت به العادة، فيكون حذف الجزاء وإدخال الواو على المعطوف عليه لذلك فاعرفه.
стр. 7310
قلت: المراد بسوق أهل النار: طردهم إليها بالهون والعنف، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى جبس أو قتل. والمراد بسوق أهل الجنة: سوق مراكبهم؛ لأنه لا يذهب بهم إلا راكين، وحثها إسراعًا بهم إلى دار الكرامة والرضوان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المراد بسوق أهل النار: طردهم إليها بالهوان … وبسوق أهل الجنة: سوق مراكبهم)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا"، الحديث.
وعن الترمذي، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم تحشرون رجالًا وركبانا وتجرون على وجوهكم".
وعن الترمذي، ع أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانا، وصنفًا على وجوههم". الحديث.
قال القاضي: المشاة المؤمنون الذين خلطوا صالح أعمالهم بسيئها ويكونون مترددين بين الخوف والرجاء، يرجون رحمة الله لإيمانهم، ويخافون عذابة بسوء أعمالهم، فلعلهم أصحاب اليمين. والصنف الركبان هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات واجتنبوا عن السيئات، يسرعون إلى ما أعدلهم في الجنان إسراع الركبان، ولعلهم السابقون؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١] واثنان على بعير، وثلاثة على بعير،
стр. 7311
كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين. ﴿طِبْتُمْ﴾ من دنس المعاصي، وطهرتم من خبث الخطابا ﴿فَادْخُلُوهَا﴾ جعل دخول الجنة مسببًا عن الطيب والطهارة، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفصيل لمراتبهم ومنازلهم في السبق وعلو الدرجة، أو على سبيل التمثيل؛ لأن تفاوتهم في المراكب بحسب تفاوت نفوسهم واختلاف أقدامهم في العلم والعمل.
قوله: (جعل دخول الجنة مسببًا عن الطيب والطهارة)، يعني: رتب الأمر بالدخول بالفاء على ﴿طِبْتُمْ﴾. قال الإمام: قالت المعتزلة: هذا يدل على أن أحدًا لا يدخلها إلا إذا كان طاهرًا عن كل المعاصي. وإلى هذا أشار المصنف بقوله: "فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة" إلى قوله: "إلا أن يهب لنا الوهاب الكريم توبة نصوحًا" تعريضًا.
وقلت: ويحصل ذلك أيضًا بأن يبدل الله سيئاتهم حسنات فيدخلون طاهرين طيبين بفضل الله، على أن أحدًا لا يدخلها إلا بفضله.
روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة وجابر قالا: قال رسول الله ﷺ : "قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله"، قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته". وفي رواية أخرى لأبي هريرة: "لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة". وبالشفاعة أيضًا، والأحاديث فيها بلغت مبلغ التواتر، وبعد التعذيب أيضًا على ما روينا عن مسلم، عن جابر في حديث طويل: "أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس". يؤيده ما رواه الواحدي عن قتادة: إنهم طيبوا قبل
стр. 7312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخول الجنة بالمغفرة واقتص بعضهم من بعض، فلما هذبوا وطيبوا قال لهم الخونة: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوها﴾.
اعلم أن خاصية التركيب ومقتضى التأليف لا يساعد تفسير المصنف "السوق" بقوله: "والمراد بسوق أهل الجنة: سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين"، ولا تأويله ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بقوله: "وقيل: في زمر الذين اتقوا؛ هي الطبقات المختلفة: الشهداء والزهاد والعلماء والقراء"؛ لأن الآيات من باب الجمع مع التقسيم، فإن قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ جمع الأنفس كلها في حكم توفي أجور الأعمال صالحها وسيئها. وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ إلى آخر الآيات تقسيم لذلك الجمع وتفصيل لذلك المجمل، وقد أوثر فيهما الذين كفروا والذين اتقوا على الكافرين والمتقين ليدل على العموم قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] أي: الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل: إلى الظالمين. وأوقع ﴿زُمَرًا﴾ في الموضعين حالًا من ضمير الفريقين؛ ليدل على أنهم على طرائق شتى أفواجا متفرقة على تفاوت منازلهم مراتبهم، كما ورد في حديث أبي هريرة: "صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، ورأبعة على بعير"، وحققه القاضي، وقوبل كل من المفضلين بالآخر فوجب أن يفسر ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بما يكون مقابلا لقوله: " الذين كفروا وكذبوا بآيات الله ورسله واليوم الآخر وغلبت عليهم شقوتهم وحقت عليهم كلمة العذاب"، بأن يقال: وسيق الذين اتقوا الشرك وآمنوا بآيات الله ورسله وباليوم الآخر إلى الجنة زمرًا، فرقة طيبين، وفرقة طابوا بالشفاعة، وفرقة هذبوا بالاقتصاص، وأخرى نجوا بالمغفرة وأدركتهم كلمة ربهم الحسنى، كما قال: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ كما حقت كلمة العذاب على أولئك الأشقياء.
стр. 7313
فما هي إلا دار الطيبين ومثوى الطاهرين؛ لأنها دار طهرها الله من كل دنس، وطيبها من كل قذر، فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها، فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة! ما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة! إلا أن يهب لنا الوهاب الكريم توبة نصوحًا، تقي أنفسنا من درن الذنوب، وتميط وضر هذه القلوب. ﴿خَالِدِينَ﴾: مقدرين الخلود. ﴿الْأَرْضَ﴾: عبارة عن المكان الذي أقاموا فيه واتخذوه مقرًا ومتبوا وقد ورثوها، أي: ملكوها وجعلوا ملوكها، وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون، تشبها بحال الوراث وتصرفه فيما يرثه واتساعه فيه، وذهابه في إنفاقه طولًا وعرضًا.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾؟ وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلت: يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة، فيتبوأ من جنته حيث يشاء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما اختيار لفظ" السوق" وبناء الفعل للمفعول فلللدلالة على عظمة الكبرياء والجلال، ولتوافق ما ختم به الكلام بما بدئ به، ألا ترى كيف قيل: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وض الشُّهَدَاءِ﴾؟ فكما أن ذلك المجيء لا يدل على فضلهم وكرامتهم بل على الكبرياء والجلال، وكذلك هذا السرق. وأيضا: لا يليق بهذا المقام أن يقال: وحثها إسراعًا بهم إلى دار الكرامة كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك؛ لأنه صدور من جناب ملك الملوك بعد قضاء الحق وتوفي الأجور، ويمكن أن يجرى على المشاكلة، فإن لما نسب السوق إلى الكفار وانضم معه مقام الجبروت والكبرياء، قيل: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي عكسه قوبل في الكهف: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] بقوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾: [الكهف: ٣١]. قال: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ متكأ، من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.
قوله: (يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة)، ينصره ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلًا لمن ينظر إلى جناية وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة،
стр. 7314
ولا يحتاج إلى جنة غيره.
[﴿وتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٧٥]
﴿حَافِّينَ﴾: محدقين من حوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يقولون: سبحان الله والحمد لله، متلذذين لا متعبدين. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿بَيْنَهُم﴾؟ قلت: يجوز أن يرجع إلى العباد كلهم، وأن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون إلا قضاء بينهم بالحق والعدل، وأن يرجع إلى الملائكة، على أن ثوابهم_ وإن كانوا معصومين جميعًا_ لا يكون على سنن واحد، ولكن يفاضل بين مراتبهم على حسب تفاضلهم في أعمالهم، فهو القضاء بينهم بالحق. فإن قلت: قوله: ﴿وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ من القائل ذلك؟ قلت: المقضي بينهم، إما جميع العباد، وإما الملائكة، كأنه قيل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية"، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
قوله: (﴿حَافِّينَ﴾: محدقين)، قال مكي: هو نصب على الحال؛ لأن"ترى" رؤية العين، وواحدة: حاف. وقال الفراء: لا واحد له.
قوله: (لا متعبدين)، يقال: تعبد الله: أي: عبده. وتعبده الله أي: استعبده. وفلان يتعبد، كما تقول: يتزهد. الأساس: فلان قد استعبده الطمع، وتعبدني فلان واعتبدني، صيرني كالعبد له.
قوله: (المقضي بينهم إما جميع العباد أو الملائكة)، وعلى الأول: تكرير الحمد لإناطة معنى زائد به؛ لأن الأول: للتفضلة بين الفريقين بحسب الوعد والوعيد والسخط
стр. 7315
وقضى بينهم بالحق، وقالوا: الحمد لله على قضائه بيننا بالحق، وإنزال كل منا منزلته التي هي حقه.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه يوم القيامة، وأعطاه الله ثواب الخائفين الذين خافوا". وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والرضوان، والثاني للتفرقة بينهما بحسب الأبدان: فريق في الجنة وفريق في السعير، فتكون الآية كالتتميم بالنسبة إلى الأولى في إتمام القضاء، وعلى الثاني كالتكميل؛ لأن ذلك القضاء في حق بني آدم، وهذا في حق الملائكة، ويؤيد التأويل الثاني: تكرير التحميد في الآيتين. فإن قلت: إنما يستقيم هذا في حق المؤمنين الذين قضي لهم بالجنة، وأما الكافرون الذين قضي لهم بالنار فكيف يحمدون عليه؟ قلت: بحمل الجميع على المجاز، بأن يراد بالعباد المؤمنين، أو أن يقصد بالحمد المدح على قضائه بالحق والقسط، كما يرى الظالم المنصف إذا استوفى الحاكم العادل منه حق جنايته، فإنه قد يأخذ في مدحه، وإليه الإشارة بقوله: "وإنزال كل منا منزلته التي هي حقه".
قوله: (وعن عائشة ﵂، الحديث من رواية الترمذي عنها: " أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل".
تمت السورة
حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ
* * *
стр. 7316
سورة المؤمن
مكية. قال الحسن: إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛
لأن الصلوات نزلت بالمدينة، وقد قيل في الحواميم كلها:
إنها مكيات، عن ابن عباس وابن الحنفية
وهي خمس وثمانون آية، وقيل: ثنتان وثمانون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿حم (١) تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ١ - ٣]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة المؤمن
مكية، وهي خمس وثمانون آية،
وقيل: ثنتان وثمانون آية
بس الله الرحمن الرحيم
ربما يوجد في بعض النسخ هذه الزيادة، وهي أن" سورة المؤمن مكية، قال الحسن: إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٥٥]؛ لأن الصلاة نزلت بالمدينة. وقد قيل في الحواميم كلها: إنها مكيات عن ابن عباس وابن الحنفية"، وكأن الرواية غير صحيحة؛ لأن الصلاة إنما فرضت بمكة بلا خلاف سنة إحدى عشرة من النبوة، وأما حديث المعراج والإسراء من المسجد الحرام من الحجر، وإيجاب فرض الصلاة خمسين كل يوم، والترجيع فيها إلى أن بلغ
стр. 7317
قرئ بإمالة ألف (حا) وتفخيمها، وبتسكين الميم وفتحها. ووجه الفتح: التحريك لالتقاء الساكنين، وإيثار أخف الحركات، نحو أين وكيف، أو: النصب بإضمار"اقرأ"، ومنع الصرف للتأنيت والتعريف، أو للتعريف، وأنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل. التوب والنوب والأوب اخوات في معنى الرجوع. والطول: الفضل والزيادة، يقال: لفلان على فلان طول،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خمس صلوات فقد رواه الأئمة مثل البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وروي عن ابن مسعود: الحواميم ديباج القرآن. وقال أيضًا: إذا وقعت في آل حم_ أي: الحواميم_ كأني وقعت في روضات دمثات، أي: لينات الترب.
قوله: (بإمالة ألف "حا" وتفخيمها)، ابن كثير وقالون وحفص وهشام بفتح الحاء في جميع الحواميم، وورش وأبو عمرو بين بين، والباقون بالإمالة وبتسكين الميم السبعة، قال الزجاج: فأما الميم فساكنة في قراءة القراء كلهم إلا عيسى بن عمر فإنه فتحها، وهو على وجهين: أحدهما أن يجعل اسمًا للسورة، وعدم صرفها؛ لأنها على لفظ الأسماء الأعجمية، نحو هابيل وقابيل، والمعنى على "اتل حم يا هذا" والأجود أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين، حيث جعله اسمًا للسورة حكاية عن حروف الهجاء.
قوله: (أو النصب)، عطف على قوله: "ووجه الفتح" أي: قرئ "حم" بفتحها أو نصبها. وجه الفتح: التحريك لالتقاء الساكنين، ووجه النصب بإضمار"اقرأ" ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يعطف على التحريك، وفيه حزازة.
стр. 7318
والإفضال، يقال: طال عليه وتطويل؛ إذا تفضل. فإن قلت: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفًا وتنكيرًا، والموصوف معرفة يقتضي أن يكون مثله معارف؟ قلت: أما ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فمعرفتان؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن أو غدًا حتى يكونا في تقدير الانفضال، فيكون إضافتهما غير حقيقيه؛ وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش. وأما ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾ فأمره مشكل؛ لأنه في تقدير: شديد عقابه، لا ينفك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والإفضال)، وهو عطف على "الفضل".
الراغب: الطول من الأسماء المتضايفة، يقال: طويل وطوال كعريض وعراض، والجمع: طوال. وقيل: طيال، وتطاول: أظهر الطول أو الطول، قال تعالى: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] والطول خص به الفضل والمن، قال تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾.
قوله: (فأمره مشكيل)، قال ابن الحاجب في" الأمالي": لأن إضافته غير محضة على كل حال؛ لأنه صفة مشبهة فلا يفرق بين ماضيه وغيره، بخلاف اسم الفاعل. وقال أيضًا: في هذه الصفات إشكال آخر وهو قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فإنه معرفة فلا يحسن أن يكون صفة لقوله: ﴿مِنَ اللهِ﴾ لأنك فصلت بينه بالبدل، ولا يحسن أن يكون صفة للبدل؛ لأنه نكرة و ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ معرفة، فالأولى أن يقال: هو بدل ثان من البدل الأول، فكأنه قال: من الله العزيز العليم، من الله غافر الذنب، من الله ذي الطول.
وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون ﴿شَدِيدُ﴾ بمعنى "مشدد"، كما جاء "أذين" بمعنى "مؤذن"، فتكون الإضافة محضة.
стр. 7319
من هذا التقدير، وقد جعله الزجاج بدلًا، وفي كونه بدلًا وحده بين الصفات نبو ظاهر، والوجه: أن يقال: لما صودف بين هؤلاء والمعارف هذه النكرة الواحدة، فقد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك: قصيدة جاءت تفاعيها كلها على "مستفعلن"، فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز، فإن وقع فيها جزء واحد على "متفاعلين" كانت من الكامل. ولقائل أن يقول: هي صفات، وإنما حذف الألف واللام من ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾، ليزاوج ما قبله وما بعده لفظًا، فقد غيرا وا كثيرا من كلامهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لما كان القابل بالنظر إلى أنه شيء له القبول، لا بالنظر إلى أنه عامل، صلح أن يكون صفة له بالإضافة إلى التوبة، وكان معرفة فصلح أن يكون "الشديد" من حيث إنه شيء له الشدة لا بالنظر إلى أنه عامل صفة له لإضافة إلى التوبة، وكان "العقاب" معرفة، فعلى هذا يكون "شديد العقاب" معرفة كما أنهما معرفتان، فليتأمل.
ويؤيده قول الإمام: لا نزاع في أن ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] صفتان، ومصححهما كونهما مفيدين معنى الدوام والاستمرار، فكذلك قوله: ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾ لأن صفات الله منزهة عن الحدوث والتجدد، فكونه شديد العقاب معناه كونه بحيث يشد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبدًا وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن.
وقلت: نحو من هذا مر في ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦].
قوله: (نبو ظاهر)، عن بعضهم: توسيط البدل بين الصفات جائز في النحو، لكنه قبيح بين علماء البيان؛ لأن الصفات تدل على أنه مقصود، والبدل يدل على أنه غير مقصود، فيلزم التناقض.
стр. 7320
عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا: ما يعرف سحادليه من عنادليه، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع؛ على أن الخليل قال_في قولهم: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل_: إنه على نية الألف واللام كما كان "الجماء الغفير" على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة، وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما يعرف سحادليه من عنادليه)، ما وجدت في الأصول له وجها سوى في الحاشية، السحادل: الذكر. والعنادلان: الخصيتان. وذكر بعضهم أنه مذكور في كتاب "الشامل في اللغة".
قوله: (بالرجل خير منك … على نية الألف واللام)؛ لأنه صفة للمعرفة، يعن: إن منع لفظة من إدخال الألف واللام فهو منوي؛ لأن"أفعل من كذا" معهود بين المتكلم والمخاطب، ولذلك جاز أن يدخل ضمير الفصل بينه وبين المبتدأ.
قوله: (الجماء الغفير)، عن بعضهم: إنما نصب"الجماء الغفير" على الحكاية، كما يقال: جاء القوم الجماء الغفير، أي: جما غفيرًا. وقال الميداني: قال سيبويه: هو اسم جعل مصدرًا فانتصب كانتصاب قوله:
فأرسلها العراك ولم يذدها
قوله: (قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة)، كأنه قيل: من الله غافر الذنب وقابل التوب ولا شيء أذنى من عقابه، ونظيره قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
следующие страницы →