← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

سورة المؤمن مكية. قال الحسن: إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ لأن الصلوات نزلت بالمدينة، وقد قيل في الحواميم كلها: إنها مكيات، عن ابن عباس وابن الحنفية وهي خمس وثمانون آية، وقيل: ثنتان وثمانون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿حم (١) تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ١ - ٣] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة المؤمن مكية، وهي خمس وثمانون آية، وقيل: ثنتان وثمانون آية بس الله الرحمن الرحيم ربما يوجد في بعض النسخ هذه الزيادة، وهي أن" سورة المؤمن مكية، قال الحسن: إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٥٥]؛ لأن الصلاة نزلت بالمدينة. وقد قيل في الحواميم كلها: إنها مكيات عن ابن عباس وابن الحنفية"، وكأن الرواية غير صحيحة؛ لأن الصلاة إنما فرضت بمكة بلا خلاف سنة إحدى عشرة من النبوة، وأما حديث المعراج والإسراء من المسجد الحرام من الحجر، وإيجاب فرض الصلاة خمسين كل يوم، والترجيع فيها إلى أن بلغ

стр. 7317

قرئ بإمالة ألف (حا) وتفخيمها، وبتسكين الميم وفتحها. ووجه الفتح: التحريك لالتقاء الساكنين، وإيثار أخف الحركات، نحو أين وكيف، أو: النصب بإضمار"اقرأ"، ومنع الصرف للتأنيت والتعريف، أو للتعريف، وأنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل. التوب والنوب والأوب اخوات في معنى الرجوع. والطول: الفضل والزيادة، يقال: لفلان على فلان طول، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خمس صلوات فقد رواه الأئمة مثل البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وروي عن ابن مسعود: الحواميم ديباج القرآن. وقال أيضًا: إذا وقعت في آل حم_ أي: الحواميم_ كأني وقعت في روضات دمثات، أي: لينات الترب. قوله: (بإمالة ألف "حا" وتفخيمها)، ابن كثير وقالون وحفص وهشام بفتح الحاء في جميع الحواميم، وورش وأبو عمرو بين بين، والباقون بالإمالة وبتسكين الميم السبعة، قال الزجاج: فأما الميم فساكنة في قراءة القراء كلهم إلا عيسى بن عمر فإنه فتحها، وهو على وجهين: أحدهما أن يجعل اسمًا للسورة، وعدم صرفها؛ لأنها على لفظ الأسماء الأعجمية، نحو هابيل وقابيل، والمعنى على "اتل حم يا هذا" والأجود أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين، حيث جعله اسمًا للسورة حكاية عن حروف الهجاء. قوله: (أو النصب)، عطف على قوله: "ووجه الفتح" أي: قرئ "حم" بفتحها أو نصبها. وجه الفتح: التحريك لالتقاء الساكنين، ووجه النصب بإضمار"اقرأ" ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يعطف على التحريك، وفيه حزازة.

стр. 7318

والإفضال، يقال: طال عليه وتطويل؛ إذا تفضل. فإن قلت: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفًا وتنكيرًا، والموصوف معرفة يقتضي أن يكون مثله معارف؟ قلت: أما ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فمعرفتان؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوب الآن أو غدًا حتى يكونا في تقدير الانفضال، فيكون إضافتهما غير حقيقيه؛ وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش. وأما ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾ فأمره مشكل؛ لأنه في تقدير: شديد عقابه، لا ينفك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والإفضال)، وهو عطف على "الفضل". الراغب: الطول من الأسماء المتضايفة، يقال: طويل وطوال كعريض وعراض، والجمع: طوال. وقيل: طيال، وتطاول: أظهر الطول أو الطول، قال تعالى: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] والطول خص به الفضل والمن، قال تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾. قوله: (فأمره مشكيل)، قال ابن الحاجب في" الأمالي": لأن إضافته غير محضة على كل حال؛ لأنه صفة مشبهة فلا يفرق بين ماضيه وغيره، بخلاف اسم الفاعل. وقال أيضًا: في هذه الصفات إشكال آخر وهو قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فإنه معرفة فلا يحسن أن يكون صفة لقوله: ﴿مِنَ اللهِ﴾ لأنك فصلت بينه بالبدل، ولا يحسن أن يكون صفة للبدل؛ لأنه نكرة و ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ معرفة، فالأولى أن يقال: هو بدل ثان من البدل الأول، فكأنه قال: من الله العزيز العليم، من الله غافر الذنب، من الله ذي الطول. وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون ﴿شَدِيدُ﴾ بمعنى "مشدد"، كما جاء "أذين" بمعنى "مؤذن"، فتكون الإضافة محضة.

стр. 7319

من هذا التقدير، وقد جعله الزجاج بدلًا، وفي كونه بدلًا وحده بين الصفات نبو ظاهر، والوجه: أن يقال: لما صودف بين هؤلاء والمعارف هذه النكرة الواحدة، فقد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك: قصيدة جاءت تفاعيها كلها على "مستفعلن"، فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز، فإن وقع فيها جزء واحد على "متفاعلين" كانت من الكامل. ولقائل أن يقول: هي صفات، وإنما حذف الألف واللام من ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾، ليزاوج ما قبله وما بعده لفظًا، فقد غيرا وا كثيرا من كلامهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لما كان القابل بالنظر إلى أنه شيء له القبول، لا بالنظر إلى أنه عامل، صلح أن يكون صفة له بالإضافة إلى التوبة، وكان معرفة فصلح أن يكون "الشديد" من حيث إنه شيء له الشدة لا بالنظر إلى أنه عامل صفة له لإضافة إلى التوبة، وكان "العقاب" معرفة، فعلى هذا يكون "شديد العقاب" معرفة كما أنهما معرفتان، فليتأمل. ويؤيده قول الإمام: لا نزاع في أن ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] صفتان، ومصححهما كونهما مفيدين معنى الدوام والاستمرار، فكذلك قوله: ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾ لأن صفات الله منزهة عن الحدوث والتجدد، فكونه شديد العقاب معناه كونه بحيث يشد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبدًا وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن. وقلت: نحو من هذا مر في ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. قوله: (نبو ظاهر)، عن بعضهم: توسيط البدل بين الصفات جائز في النحو، لكنه قبيح بين علماء البيان؛ لأن الصفات تدل على أنه مقصود، والبدل يدل على أنه غير مقصود، فيلزم التناقض.

стр. 7320

عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا: ما يعرف سحادليه من عنادليه، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع؛ على أن الخليل قال_في قولهم: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل_: إنه على نية الألف واللام كما كان "الجماء الغفير" على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة، وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما يعرف سحادليه من عنادليه)، ما وجدت في الأصول له وجها سوى في الحاشية، السحادل: الذكر. والعنادلان: الخصيتان. وذكر بعضهم أنه مذكور في كتاب "الشامل في اللغة". قوله: (بالرجل خير منك … على نية الألف واللام)؛ لأنه صفة للمعرفة، يعن: إن منع لفظة من إدخال الألف واللام فهو منوي؛ لأن"أفعل من كذا" معهود بين المتكلم والمخاطب، ولذلك جاز أن يدخل ضمير الفصل بينه وبين المبتدأ. قوله: (الجماء الغفير)، عن بعضهم: إنما نصب"الجماء الغفير" على الحكاية، كما يقال: جاء القوم الجماء الغفير، أي: جما غفيرًا. وقال الميداني: قال سيبويه: هو اسم جعل مصدرًا فانتصب كانتصاب قوله: فأرسلها العراك ولم يذدها قوله: (قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة)، كأنه قيل: من الله غافر الذنب وقابل التوب ولا شيء أذنى من عقابه، ونظيره قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

стр. 7321

إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال. فإن قلت: ما بال الواو في قوله: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾؟ قلت: فيها نكتة جليلة؛ وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [القمر: ٥٥] أي: عند مليك لا يوصف ملكه، ومقتدر لا يكتنه اقتداره، ولكن لما كانت السورة متضمنة للإنذار البليغ والدعوة إلى الإنابة والتوبة استدعى ذلك لبراعة الاستهلال أن يسلك بالأوصاف كلها طريقة الإبدال المستلزمة لتكرير العوامل؛ ليكون أنبل وأفخم. وقوله: (وهي غفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين)، قال القاضي: ويجوز أن يستدل بالواو على تغاير الوصفين؛ إذ ربما يتوهم الاتحاد وتغاير موقع الفعلين؛ لأن الغفر هو الستر فيكون الذنب باقيًا، وهو لمن لم يتب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، و"التوب" مصدر كالتوبة، وقيل: جمعها. وقلت: كأنه أراد بقوله: "تغاير موقع الفعلين رد قول المصنف، يعني: إنما جيء بالواو ليفرق بين الوصفين ويؤذن بتغاير موقع الستر والقبول، فيكون الغفران بالنسبة إلى من لم يتب، والقبول بالنسبة إلى من تاب. روى السلمي عن سهل رحمهما الله: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ﴾ أي: ساتره على من يشاء، ﴿وقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أي: ممن تاب إليه وأخلص العمل، وعليه النظم؛ لأن تأخير القبول عن الغفران_ على أن رتبته التقديم بحسب الموجود في شخص واحد_ دل على نفي توهم الجمع فيه. الراغب: الغفر: إلباس الشيء ما يصونه عن الدنس، ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوعاء، واصبغ ثوبك، فإنه أغفر للوسخ، والغفران والمغفرة من الله تعالى: هو أن يصون

стр. 7322

للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول. وروي: أن عمر ﵁ افتقد رجلًا ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتايع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب: من عمر إلى فلان: سلام عليك، وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * حم] إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وختم الكتاب، وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيًا. ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه! فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع فأحسن الزوع وحسنت توبته، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم قد زل فسددوه ووقفوه، وادعوا له الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشياطين عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العبد من أن يمسه العذاب. والاستغفار طلب ذلك بالمقال والفعال. وقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَغَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] لم يؤمروا بأن يسألوه ذلك باللسان دون الفعل، فقد قيل: الاستغفار باللسان دون الفعال فعل الكاذبين. قوله: (تتابع في هذا الشراب)، الأساس: فلان يتتايع في الأمور: يرمي بنفسه فيها من غير تثبيت. وتتايع الناس في الشر: تهافتوا. قوله: (فسددوه ووقفوه)، قيل: وقفه على الترتيب: أطلعه عليه. ويروى: " وفقوه" عن بعضهم؛ أي: ادعو الله بالسداد وبالتوفيق.

стр. 7323

[﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البِلادِ﴾ ٤] سجل على المجادلين في آيات الله بالكفر_ والمراد: الجدال بالباطل_ من الطعن فيها، والقصد إلى إدحاض الحق وإطفاء نور الله، وقد دل على ذلك في قوله: ﴿وجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥]، أما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها، ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله، وقوله ﷺ : "إن جدالًا في القرآن كفر" وإيراده منكرًا، وأن لم يقل: إن الجدال، تمييز منه بين جدال وجدال. فإن قلت: من أين تسبب لقوله: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن جدالًا في القرآن كفر)، هذا الحديث مذكور في "شرح السنة"، أوله: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء فيه كفر". رواه أبو جهيم، وفيه أيضًا: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "المراء في القرآن كفر". قوله: (وإيراده منكرًا، وأن لم يقل: إن الجدال تمييز بين جدال وجدال)، قال الإمام: استعمال الجدال_ أي: تعديه_ بـ"في" مشعر بالجدال الباطل، واستعماله بـ"عن" مشعر بدلجدال لأجل تقريره والذب عنه، فإن الجدال نوعان: حق وباطل، أما الحق فهو حرفة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ﴿قَالُوا يًا نُوحُ قَدْ جِادِلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]. والجدال في آيات الله هو أن يقول مرة: إنه سحر، ومرة: إنه شعر، ومرة: إنه أساطير الأولين.

стр. 7324

ما قبله؟ قلت: من حيث إنهم لما كانوا مشهودًا عليهم من قبل الله بالكفر، والكافر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من: جدلت الحبل أحكمت فتله. وجدلت البناء: أحكمته. قوله: (من حيث إنهم [لما] كانوا مشهودًا عليهم من قبل الله بالكفر)، أي: مسجلًا عليهم بالكفر في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأداة الحصر، يعني لما بالغ في الحكم بالكفر عليهم صار سببًا لأن يقال: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾؛ لأن الكافر شقي مطلقًا منغمس في لذات هذا العاجل غافل عن الآجل، وعاقبته الدمار، والعاقل لا ينظر إلى ظاهر الحال والتمتع بزهرة الحياة الدنيوية، فالفاء جواب شرط محذوف، وإليه الإشارة بقوله: "لما كانوا مشهودًا عليهم بالكفر"، والكافر لا أحد أشقى منه، وجب على من تحقق ذلك أن لا ترجح أحوالهم في عينه، ويكون قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ كالتذييل على سبيل التمثيل لجملة أحوال المجادلين الكافرين. وقلت: الظاهر أن اتصال ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾ بما قبله من حيث الإنظار والإمهال للتمتع باللذات العاجلة للاستدراج، وإلا كان حقهم أن يصب عليهم العذاب صبًا بسبب عنادهم وجدالهم الباطل ليدحضوا به الحق، أي: لا يجادل في آيات الله الظاهرة إلا المعاند المكابر، ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البِلادِ﴾ وتمتعهم أيامًا قلائل، فإنا نأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ألا ترى إلى سوء عاقبة أولئك المكذبة المجادلة من قوم نوح والأحزاب من بعدهم، فأمهلتهم ثم أخذتهم فكيف كان عقاب؟ وكذلك حقت كلمة ربك على هؤلاء الذين كفروا وجادلوا بالباطل، وأما اتصال ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ بالكلام السابق، فهو أنه تعالى لما قال: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ وفخم السورة أو الكتاب بكونه تنزيلًا من الإله المعبود الموصوف.

стр. 7325

لا أحد أشقى منه عند الله؛ وجب على من تحقق ذلك أن لا ترجح أحوالهم في عينه. ولا يغره إقباله في دنياهم وتقلبهم في البلاد بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة، وكانت قريس كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن، ولهم الأموال يتجرون فيها ويتربحون، فإن مصير ذلك وعاقبته إلى الزوال، ووراءه شقاوة الأبد. ثم ضرب لتكذيبهم وعداوتهم للرسل وجدالهم بالباطل وما ادخر لهم من سوء العاقبة مثلًا: ما كان من نحو ذلك من الأمم، وما أخذهم به من عقابه، وأحله بساحتهم من انتقامه. وقرئ: (لا يغرك). [﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَاخُذُوهُ وجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ٥] ﴿والأَحْزَابُ﴾ الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم؛ وهم: عاد وثمود وفرعون وغيرهم، ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بصفات العلم الكلي والعز الغالب، والجامع بين غفران الذنب وقبول التوبة، المتفرد بالعقاب الذي لا يكتنه كنهه، وبالإفضال الذي لا يقادر قدره قال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: ما يجادل في مثل هذا الكتاب الذي اشتمل على الآيات البينات إبانة وإعجازًا المنزل من مثل ذلك الموصوف بنعوت الكمال إلا أمثال هؤلاء الكفرة المغروري، فلا يغرن مثلك في منصب الرسالة تقلب أولئك الأنعام المنغمسين في هذا الحطام. فقوله: ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ مظهر أقيم مقام المضمر للتعظيم والتفخيم. قوله: (ما كان من نحو ذلك)، قيل: هو مفعول ثان ل"ضرب"، وقيل: بدل من"مثلًا". والأحسن أن يكون مفعولًا أول؛ لأن المعنى: ضرب ما وجد من نحو ذلك من لأمم "وأحله بساحتهم" عطف على"أخذهم" والضمير راجع إلى "ما"، ومن انتقامه " XXXX

стр. 7326

﴿بِرَسُولِهِمْ﴾، وقرئ: (برسولها)، ﴿لِيَاخُذُوهُ﴾: ليتمكنوا منه، ومن الإيقاع به وإصابته بما أرادوا من تعذيب أو قتل. ويقال للأسير: أخيذ. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ يعني أنهم قصدوا أخذه، فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم فتعاينون أثر ذلك. وهذا تقرير فيه معنى التعجيب. [﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ٦] ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في محل الرفع بدل من ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، أي: مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار. ومعناه: كما وجب إهلاكهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿لِيَاخُذُوهُ﴾: ليتمكنوا منه)، يريد أن يقوله: ﴿لِيَاخُذُوهُ﴾ كناية عن عن القتل والتعذيب؛ لأنهم ما اهتموا بالأخذ المتعارف، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] ولا قتضاء مقام التسلي. وقوله: "ليتمكنوا منه" بيان لا ستلزم الأخذ القتل. قوله: (فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه)، "على" صلة"جزائهم"، أي: جازيتهم على إرادة أخذهم الرسول. فإن قلت: الظاهر أن قوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ جزاء لتكذبيهم واهتمامهم بأخذ الرسول والجدال بالبناطل، لا سيما وأصل الكلام في الجدال لقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فكيف جعله جزاء لقوله: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَاخُذُوهُ﴾؟ قلت: السؤال ظاهر، والجواب مشكل، ويمكن أن يقال: إن تكذيبهم وجدالهم كان للحسد، وأن مثل ذلك الرسول لا ينبغي أن يكون موطًا العقب، فلن يتخلصوا منه إلا بالقتل، فجعل ذلك أخذًا في الاعتبار تغليبًا أو مشاكلة، وإنما اعتبر هذا لا ما سيق له الكلام من المجادلة الباطلة مزيدًا للتسلي.

стр. 7327

في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة؛ أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل. و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: قريش، ومعناه: كما وجب إهلاك أولئك الأمم، كذلك وجب إهلاك هؤلاء؛ لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو في محل النصب)، عطف على قوله: " في محل الرفع"، وعلى الأول: المراد الأمم المذكورة في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يدل عليه قوله: " كما وجب إهلاكهم في الدنيا إلى الآخره"، والتشبيه واقع في حالتهم، والوجه الجامع للطرفين إيجاب العذاب، يعني: كما وجب عليهم عذاب الاستئصال في الدنيا؛ لأجل الكفر، كذلك وجب عليهم عذاب النار في الآخرة؛ لأجل قولنا: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. وعلى الثاني: التشبيه واقع بين حالتي أولئك الكفرة وهؤلاء الحاضرين، والوجه الجامع قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. فإن قلت: ما وجه اختصاص كل من الوجهين بما خصه؟ قلت: على الأول: الذين كفروا مظهر وضع موضع المضمر للعلية فلم يحتج إلى تعليل آخر، فأبدل ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ تقريرًا وتوكيدًا. وعلى الثاني: ليس بذلك، فاستدعى أن يكون تعليلًا على وجه يبين وجه تشبيه حالة هؤلاء بأولئك، ويحتمل أن يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامًا متناولًا للمذكورين وغيرهم، و"أنهم" تعليل أو بدل، فيدخل في العموم المذكورون دخولًا أوليًا، فعلى الأول: "أنهم" بدل لا غير، وعلى الثاني: تعليل. وعلى الثالث: يحتملهما. والنظم أوفق للثاني لقوله: "ثم ضرب لتكذيبهم مثلًا ما كان من نحو من الأمم". ولما فرغ من ضرب المثل وإدخال المجادلين في آيات الله المعرضين عن الإنابة إلى غافر الذنب وقابل التوب في زمرة الذين ظهرت عليهم آثار وصف شديد العقاب تذييلًا، وأراد أن يشرع في ذكر مخالفيهم من المؤمنين المخبتين المنيبين إلى قابل التوب ذي الطول، أجل قدرهم وعظم شأنهم، فاستأنف بذكر الكروبيين المقربين عنده، وجعل التخلص

стр. 7328

وقرئ: (كلمات). [﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ * رَبَّنَا وأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدتَّهُمْ ومَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وأَزْوَاجِهِمْ وذُرِّيَّاتِهِمْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * وقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ٧ - ٩] روي: أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. وعن النبي ﷺ : "لا تتفكروا في عظم ربكم، ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة، فإن خلقًا من الملائكة يقال له: إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله، وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سماوات، وإنه ليتضاءل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والرابطة بينهم وبينهم الإيمان، فأدخلهم في زمرتهم لهذا الوصف، كما أدخل أولئك في زمرة الأمم السالفة لجامع الكفر، وذكر ثناءهم لهم واستغفارهم إياهم، وصرح بذكر ما به امتازوا من الفرقة السابقة بقولهم: ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾. قوله: (وقرئ"كلمات")، نافع وابن عامر: على الجمع، والباقون: بالتوحيد. قوله: (وقد مرق رأسه)، أي: جاوز وخرق وتعدى. الأساس: مرق السهم مروقا، ومن المجاز: مرق من الذين مروقًا. قوله: (ليتضاءل)، النهاية: يتضاءل: يتصاغر تواضعًا له. وتضاءل الشيء: إذا انقبض وانضم بعضه إلى بعض.

стр. 7329

من عظمة الله حتى يصير كأنه "الوصع". وفي الحديث: "إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغذوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيالً لهم على سائر الملائكة". وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة، يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مئة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وقرأ ابن عباس: (العرش) بضم العين. فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون؟ قلت: فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى؛ وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول المجسمة، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين، ولما وصفوا بالإيمان؛ لأنه إنما يوصف بالإيمان الغائب، فلما وصفوا به على سبيل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الوصع)، يروى بفتح الصاد المهملة وسكونها، طائر أصغر من العصفور، والجمع: وصعان. قوله: (لو كان كما تقول المجسمة، لكان حملة العرش ومن حوله معاينين مشاهدين ولما وصفوا بالإيمان)، قال الإمام: إنهم مدحوا بوصف الإيمان، والإقرار بوجود شيء معين لا يوجب المدح، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس بكونها مضيئة لا يوجب المدح؟ ورحم الله صاحب "الكشاف"، فلو لم يحصل في الكتابه إلا هذه النكتة لكفاه شرفًا وفخرًا.

стр. 7330

الثناء عليهم، علم أن إيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء في أن إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا، وهو منزه عن صفات الأجرام. وقد روعي التناسب في قوله: ﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم. وفيه تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن. فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضي قط، ثم لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي، حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض، قال الله تعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَنء فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]. أي: يقولون: ﴿رَبَّنَا﴾، وهذا المضمر يحتمل أن يكون بيانًا ل ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ﴾ مرفوع المحل مثله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "التقريب": وفي لزوم المشاهدة من الحمل واختصاص الإيمان بالغيب ولزوم استواء الإيمانين من كل وجه نظر. الانتصاف: استدلالة على أنهم لا يشاهدون؛ بقوله: "يؤمنون"؛ لا يصح؛ لأن الإيمان هو التصديق، ولا يشترط فيه غيبة المصدق به بدليل الإيمان بالآيات المشاهدة من انشقاق القمر وقلب العصا. الإنصاف: الإيمان بالآيات المشاهدة ليس إيمانًا بوجودها بل إيمان بأنها دالة على صدق النبي المتحدي بها. الانتصاف: غرض الزمخشري من هذا التقرير وقصده نفي صحة الرؤية، وقوله: "لو كانت الرؤية صحيحة لرأته حملة العرش"، لا يلزم؛ فإن الرؤية عبارة عن إدراك يخلقه الله، ويجوز أن لا يخلق لهم هذه الرؤية أو لا يرفع المانع والحجاب.

стр. 7331

وأن يكون حالًا. فإن قلت: تعالى الله عن المكان، فكيف صح أن يقال: وسع كل شيء؟ قلت: الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى، والأصل: وسع كل شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم، كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء)، أصلة نحو قول صاحب "المفتاح" في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]: إسناد الاشتعال إلى الرأس. وعليه ما روينا عن مسلم عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة فبمها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة". وإلى هذا المعنى ينظر ما جاء في سورة "الشورى": ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فإن الاستغفار فيها محمول على عموم المجاز، وهو طلب مطلق الغفران، فيراد بالاستغفار في حق المؤمنين خاصة: غفران الذنوب وإزالة العقاب في الآخر وإيصال الثواب، كما قال ها هنا: ﴿وقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ ثم قال: ﴿رَبَّنَا وأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وفي حق الكافرين: ترك معاجلة العقاب في الدنيا بشؤم كفرهم، كما ذكر في "الفرقان" في قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]. وفي حقهما جميعًا بإدرار الرزق والارتفاق بما خلق لهم من المنافع الجمة، وبالترجم فيما بينهم. ويعضده تذييل تلك الآية بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] حيث صدره بكلمة التنبيه المؤذنة بالتحقيق، وأردفها بـ"إن" المؤكدة، وأتى بالاسم الجامع، ووسط ضمير الفصل بين المعرفتين، فإذن هذه الآية التي في سورة "المؤمن" مختصة بمن وجد منهم الإيمان بدليل العدول من المؤمنين إلى الذين آمنوا، وأما قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ

стр. 7332

فإن قلت: قد ذكر الرحمة والعلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فكالمقدمة للاستغفار والوسيلة إلى طلب الحاجة، فيجب أن يقصد العموم فيها؛ ليكون أنجح إلى المطلوب، ويعني شأنك هذا فافعل بهؤلاء خاصة في الآخرة ما هم مفتقرون إليه حينئذ، فإذن الفاء في ﴿فَاغْفِرْ﴾ مرتبة للدعاء على الوصفين. فإن قلت: جعل الرحمة علة للمغفرة ظاهر، فما بال العلم؟ قلت: معناه حققنا أن رحمتك وسعت كل شيء فاغفر للذين تابوا، وعرفنا أن علمك أحاط بكل شيء فأنجح مقاصدهم ما علموا وما لم يعلموا فإنك أعلم بأحوالهم ومصالحهم، وعليه قول الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨ - ٣٩]، فإنه ﵇ جعل العلم وحده وسيلة إلى الطلب. قال المصنف في "تفسيره": إنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا ويفسدنا، وأنت أرحم بنا منا، وأنصح لنا منا بأنفسنا. تم كلامه. وهاهنا نكتة في نهاية من اللطف ولا بد من إظهارها، وهي أن الخليل ﵇ حين وصف الله تعالى بسعة العلم واستلزم ذلك سعة الرحمة واستغرق في بحار رحمته ورأى أن رحمته وسعت كل شيء، طمع في غفران والديه وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] فأدخل الكافر في الرحمة والغفران ان تناسيًا عن جواز ذلك، فضلًا عن المؤمنين. ذكر المصنف نحو هذا في سورة" التوبة" عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وما نحن بصدده أولى وأخرى بالرجاء، وكيف لا وقد نص الله تعالى على ذكر الرحمة والعلم، وقدم الرحمة، وأغرق في وصف ذاته تعالى بهما كما مر. قوله: (قد ذكر الرحمة والعلم)، خلاصة السؤال: أن الفاء في "فاغفر" مما يعقب بالتفصيل

стр. 7333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المفصل، والمفصل مشتمل على شئين، وليس في التفصيل إلا شيء واحد. وأجاب أن العلم مندرج في قوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ ومراد فيه؛ إذ ليس المراد أنهم يستغفرون لمن آمن مطلقا كما يقتضيه مطلق قوله: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: الذين وجد منهم الإيمان، بل لمن آمن وعلم منه التوبة عن المعاصي والكفر جميعًا، كما هو قضية مذهبه، يؤيد هذا التأويل قوله في سورة "الشورى": ألا ترى إلى قوله في سورة "المؤمن": ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وحكايته عنهم: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ كيف وصفوا المستغفر لهم بما يستوجب الاستغفار؟ فما تركوا للذين آمنوا من المصدقين طمعًا في استغفارهم، فكيف بالكفرة؟ وقوله ها هنا: "ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم"، أي: في الطهارة عن أرجاس الشرك وأوضار الذنوب، والعاصي غير التائب ليس بطاهر. وقال صاحب "الانتصاف": أخطأ الزمخشري في هذا المقام من وجوه: مراعاة المصلحة، واعتقاد امتناع غفران الكبائر بلا توبة، واعتقاد وجوب التوبة على الله، وجحد الشفاعة، وأقبح ما فيه المراد بالاستغفار زيادة الكرامة، مع أن صريح المسؤول إنما هو المغفرة، ووقاية عذاب الجحيم. فأقول: إذا جعل العلم قيدًا للمذكور ولا يجعل مستقلا في الدلالة كما مر فلا طائل إذن تحت وصفه بتلك السعة والمبالغة فيها، ولا فائدة في ذكر الرحمة والإغراق فيها، وأن المغفور له إذا كان في مثل الملائكة من الطهارة فأي حاجة إلى الاستغفار؟ فضلًا عن تلك المبالغات، هذا تحجر للواسع. كما روينا عن البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة قال: قام رسول الله ﷺ في الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي: اللهم ارحمني

стр. 7334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فلما سلم رسول الله ﷺ قال: "لقد تحجرت واسعًا"، يريد: رحمة الله. تحجرت واسعًا، أي: ضيقت، من قولهم: حجر فلان إذا اتخذ له على الأرض حجارة محدقة بها. أما قوله: "أن السيئات هي الصغائر أو الكبار المتوب عنها، والوقاية منها: التكفير"، فقد أجاب عنه الإمام: لا يجوز ذلك؛ لأن إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة عندكم واجب، وما كان فعله واجبًا كان طلبه بالدعاء عيبًا قبيحًا عندكم، وكذا إسقاط عقوبة الصغيرة واجب، فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن يكون ذلك لطلب زيادة منفعة على الثواب؛ لأن ذلك لا يسمى مغفرة. انتهى. فحينئذ يجب القول بأن المراد بالتوبة التوبة عن الشرك، كما قال الواحدي: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ من الشرك ﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي: دينك الإسلام. فإن قلت: لو لم يكن التوبة من المعاصي مرادًا لكان يكفي أن يقولوا: فاغفر للذين آمنوا ليطابق السابق؟ قلت_ والله أعلم_: هو قريب من وضع المظهر موضع المضمر من غير اللفظ السابق، وبيانه أن قوله: ﴿رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، جاء مفصولًا عن قوله: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: الذين وجد منهم الإيمان، بيانًا لكيفية استغفارهم، كأن قيل: كيف يستغفرون للذين وجد منهم الإيمان؟ وما تلك الكلمات؟ فقيل: يقولون: ﴿رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، فالآية بيان لكيفية الاستغفار لحال المستغفر لهم، ووصفهم المميز يعرف بالذوق.

стр. 7335

فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملًا على حديثهما جميعًا، وما ذكر إلا الغفران وحده! قلت: معناه: فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك. وسبيل الله: سبيل الحق التي نهجها لعبادة ودعا إليها. ﴿إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أي: الملك الذي لا يغلب، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئًا إلا بداعي الحكمة، وموجب حكمتك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما فائدة العدول عن المضمر وأن لم يقل: فاغفر لهم، بل قيل: ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ فهي أن الملائكة كما عللوا الغفوان في حق مفيض الخيرات بالعلم الشامل والرحمة الواسعة، عللوا الغفران في حق مفيض الخيرات بالعلم الشامل والرحمة الواسعة، عللوا قابل الفيض أيضًا بالتوبة عن الشرك واتباع سبيل الإسلام. روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن معاذ بن جبل قال: "كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له: عفير، فقال: يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا". وفي رواية أنس: أن نبي الله ﷺ قال: "ما من عبد يشهد أن لا إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته". فإن قلت: هذه التوبة إنما تصح في حق من سبق شركة على إسلامه، ومن ولد مسلمًا ودام عليه كيف يدخل فيه؟ قلت: الآية نازلة في زمن الصحابة، وجلهم انتقلوا من الشرك إلى الإسلام. ولو قيل: اغفر لمن لم يشرك لخرجوا. فغلب الصحابة على سنن جميع الأحكام، والله أعلم.

стр. 7336

أن تفي بوعدك. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: العقوبات. أو: جزاء السيئات، فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر أو الكبائر المتوب عنها. والوقاية منها: التفكير، أو قبول التوبة. فإن قلت: ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة، والله لا يخلف الميعاد؟ قلت: هذا بمنزلة الشفاعة، وفائدته: زيادة الكرامة والثواب. وقوئ: (جنة عدن)، و: (صلح) بضم اللام، والفتح أفصح، يقال: صلح فهو صالح، وصلح فهو صليح؛ و: (ذريتهم). [﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إذْ تُدْعَوْنَ إلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ * ذَلِكُم بِأَنَّهُ إذَا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ ١٠ - ١٢] أي: ينادون يوم القيامة، فيقال لهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، والتقدير: لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغني بذكرها مرة. و ﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ منصوب بالمقت الأول. والمعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: كأن الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر، حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان، فتأبون قبوله وتختارون عليه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و ﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ منصوب بالمقت الأول)، قال أبو البقاء ومكي وصاحب "الكشف": ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ لا يعمل في ﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾؛ لأن المصدر إذا أخبر عنه لم يجز أن يعلق به شيء يكون في صلته؛ لأنه الإخبار عنه يؤذن بتمامه، وما يتعلق به يؤذن بنقصانه. وقال ابن الحاجب في"الأمالي": والمعنى إذا انتصب ﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ بالمقت الأول: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم في الآخرة،

стр. 7337

الكفر أشد مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذ أوقعنكم فيها باتباعكم هواهن." وعن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم، فنودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾. وقيل: معناه: لمقت الله إياكم الأن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. و ﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾: تعليل. والمقت: أشد البغض، فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشده. ﴿اثْنَتَيْنِ﴾: إماتتين وإحياءتين. أو: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وليس فيه من الاعتراض سوى الرق بين المصدر ومعموله بالأجنبي، وهو "أكبر" الذي هو الخبر، وهو جائز؛ لأن الظروف يتسع فيها. قوله: (و ﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ تعليل)، وإنما جعله تعليلًا لا ظرفًا في هذا الوجه؛ لأنهم لم يمقتوا أنفسهم حين دعوا إلى الإيمان، وإنما مقتوها في النار، وعند ذلك لا يدعون إلى الإيمان، قاله أبو البقاء صاحب "الكشف"، وقالا: إذا بطل هذان الوجهان علمت أنه متعلق بمضمر دل عليه قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ أي: مقتكم الله حين دعيتم إلى الإيمان فكفرتم. وقلت: ولا ارتياب في تعسفه، والأحسن ما قدره مكي، حيث قال: والعامل فيه"اذكروا" أي: اذكروا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، ونحوه: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣]. قال المنصف: (وهو تحسير لهم وتنديم على ما فرطوا فيه حين دعوا إلى السجود وهم سالمو الأصلاب ممكنون مزاحو العلل).

стр. 7338

موتتين وحياتين. وأراد بالإماتتين: خلقهم أمواتًا أولًا، وإماتتهم عند انفضاء آجالهم، وبالإحياءتين: الإحياءة الأولى، وإحياءة البعث. وناهيك تفسيرًا لذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وناهيك تفسيرًا لذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] الآية)، قال الإمام: احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وذلك أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين: موته في الدنيا، ولا بد من إثبات حياة في القبر لتحصل الموتتان، ثم قال: والسؤال عليه أنه لو كان الأمر كذلك لقد حصلت الحياة ثلاث مرات، وهذا الذي عناه المصنف بقوله: "لزمه ثلاث إحياءات" وزيفه بل تهكم بقوله: "إلا أن يتحمل فيجعل إحدى الحياتين غير معتدبها"، قال الإمام: أهملوا ذكر الحياة في القبر؛ لقلة وجودها وقصر مدتها. ثم قال المصنف: "أو يزعم أن الله تعالى يحييهم في القبور" إلى آخره. يعني: لا عذرلهم في الدفع عن إثبات ثلاث إحياءات إلا أن يزعموا هذا، وهو باطل بالاتفاق، فالا ستثناء في قوله: "إلا أن يتحمل" نحو الاستثناء في قول الأعشى: وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها .... أعيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا أواري أي: إن كان الآري يعد أحدًا فلا أحد فيه إلا إياه، أي ليس لهم جواب البتة. وفي قوله: "خلاف ما في القرآن" معنى النفي، كما في قوله: ﴿وَيَابَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَه﴾ [التوبة: ٣٢]، أي: ليس كما قال إلا أن يتمحل. وقلت: لهم أن يحبيبوا: إنما يلزما ثلاث إحياءات في الآية إذا حملت الإماتة الأولى على المجاز، وأما إذا أجريت على الحقيقة على ما اقتضاه المقام فلا؛ لأن مراد الكفار من

стр. 7339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا القول اعترافهم بما كانوا ينكرونه في الدنيا ويكذبون الأنبياء حين كانوا يدعونهم إلى الإيمان بالله وحده واليوم الآخر، لأن قولهم هذا كالجواب عن النداء في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إذْ تُدْعَوْنَ إلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ كأنهم أجابوا أن الأنبياء دعونا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وكنا نعتقد ما تعتقده الدهرية أن لا حياة بعد الممات، فلم نلتفت إلى دعوتهم ودمنا على ما كنا عليه من الكفر والمعاصي، فالآن نعترف بالموتتين والحياتين لما قاسينا من شدائدهما وأهوالهما، ولهذا الفائدة استعقب قوله ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ كما في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] فيكون الذنب تكذيب البعث. نظيره قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] إلى قوله: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: ١١]. قال المصنف: " بذنبهم: بكفرهم في تكذيبهم الرسل". قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لا يلزم ثلاث إحياءات؛ لأن مرادهم من قولهم: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أنا الآن تيقنا أنك أحييتنا بعد الإماته فاعترفنا. فقولهم: ﴿أَمَتَّنَا﴾ إلى الآخر سبب لاعترافهم؛ فلذلك جاؤوا بالفاء، وذلك أنهم كانوا منكرين للبعث، وبسبب ذلك كانوا كثيري الذنوب، فاعترفوا بما علموا أن الله تعالى كما كان قادرًا على الإنشاء كان قادرًا على الإعادة، وهذا موافق لقول المصنف في بيان وجه التسبب في ﴿فَاعْتَرَفْنَا﴾ أنهم أنكروا البعث، فلما تكرر عليهم الإماته والإحياء علموا قدرته على الإعادة، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها بسبب إنكار البعث. هكذا لخصه صاحب "التقريب". فظهر من هذا البيان أن مقام هذه الآية غير مقام قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فإن هذه لبيان الإقرار والاعتراف منهم في الآخرة بما أنكروه في

стр. 7340

وكذا عن ابن عباس ﵄. فإن قلت: كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتًا إماته؟ قلت: كما صح أن تقول: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل، وقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر، ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في صحته: أن الصغر والكبر جائزان معًا على المصنوع الواحد، من غير ترجع لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء، فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر: لزمه ثلاث إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن، إلا أن يتحمل فيجعل إحداها غير معتدبها، أو يزعم أن الله يحييهم في القبور، وتستمر بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها، وبعدهم في المستثنين من الصعقة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ [النمل: ٨٧]. فإن قلت: كيف تسبب هذا لقوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾؟ قلت: قد أنكروا البعث فكفروا، وتبع ذلك من الذنوب ما لا يحصى؛ لأن من لم يخش العاقبة تحرق في المعاصي، فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكررا عليهم، علموا بأن الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم. ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ أي: إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ قط، أم اليأس واقع دون ذلك، فلا خروج ولا سبيل إليه؟ وهذا كلام من غلب عليه اليأس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدنيا، وتلك لبيان الامتنان الذي يستدعي شكر المنعم، أو لبيان الدلائل لتصرفهم عن الكفر كما صرحه المصنف، ولا يلزم أيضًا على هذا ما أورده في السؤال: "كيف صح أن يسمى خلقهم أمواتًا إماته؟ " فيحتاج إلى ذلك الجواب المتعسف. قوله: (أي: إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ قط، أم اليأس واقع؟ ). الانتصاف: وعلى هذا بنى من قال:

стр. 7341

والقنوط، وإنما يقولون ذلك تعللًا وتحيرًا؛ ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك، وهو قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ذلكم الذي أنتم فيه، وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به ﴿فَالْحُكْمُ لِلهِ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد. وقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقاب مثله لا يكون إلا كذلك، وهو الذي يطابق كبرياءه ويناسب جبروته. وقيل: كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا الله، من هذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هل إلى نجد وصول .... أو على الخيف نزول؟ أي: إن هذا الأمر غلب فيه اليأس على الطمع. الإنصاف: ليس المثال مطابقًا لما في الآية؛ لأن "خروج" و"سبيل" نكرتان، أي: ليس طريق من الطرق إلى نوع من الخروج، وفي الشعر: "الخيف" و"نجد" معرفتان، لكن حصل اليأس من أحد الأمرين. وقلت: يكفي في التشبيه أن يقابل: "وصول" و"نزول" وهما نكرتان بقوله: "سبيل" في إرادة الإبهام والشيوع، وأما اليأس فحاصل من المفهوم بحسب المقام، على أن الآية خلت مما يدل على أحد الأمرين، نعم الآية أبلغ؛ لأن الشيوع فيها في "خروج" و"سبيل" معًا. وله أن يقول: إن الشاعر لم يرد بـ"نجد" و"الخيف" الموضعين بعينهما، بل إنه قصد به اليأس من حصول الوصول إلى المحبوب في أي مكان كان، دل عليه ذكر المكانين، كما دل ذكر الزمانين على عموم الأزمتة في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. قوله: (على حسب ذلك)، أي: ذلك الكلام الذي صدر عن اليأس والقنوط. قوله: (ذلكم الذي أنتم فيه، وأن لا سبيل لكم إلى خروج)، جعل المشار إليه ما دل عليه قوله: ﴿فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ مع ما يتصل به من كلامه السابق، وهو قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾. قوله: (كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا الله من هذا)، الجوهري: حرورا: اسم

стр. 7342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قرية، يمد ويقصر، نسبت إليها الحرورية من الخوارج، وكان أول مجتمعهم وتحكيمهم فيها. وعن بعضهم: ومعنى تحكيمهم قولهم: لا حكم إلا الله، وكان القياس حراوراوي، لكنه استطيل فحذف الزوائد، كما تقول براكي في النسبة إلى براكا. وقال الفقيه أحمد بن داود الدينوري في "تاريخه": لما بايع الخوارج رئيسهم عبد الله ابن وهب الراسبي قام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أما بعد، فإن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق والجهاد في سبيله ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [ص: ٢٦]، وقال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وأشهد على أهل دعوتنا من أهل ديننا أن قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في الحكم، وإن جهادهم لحق. يعني: عليًا ومعاوية ﵄. وكتب في جواب كتاب إلى علي ﵁: أما بعد، إنك لم تغضب لربك، ولكن غضبت لنفسك، فإنك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين_ يعني: أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص_، وشهدت على نفسك أنك كفرت فيه، فإن استأنفت التوبة رجعنا إليك، وإن تكن الأخرى فإنا ننابذك على سواء، وإن الله لا يهدي كيدًا الخائنين. فقاتلهم علي ﵁. ولعل تمسكهم بالآية من حيث إنه تعالى أثبت الحكم لله ووصف نفسه بالعلي الكبير، فآذن بأن الوصفين علتان لذلك الإثبات، وعلي ﵁ لما رضي بحكم الحكمين خالف النص، وليس كذلك؛ لأنه ليس في عبارة النص، ولا إشارته دلالة على ذلك؛ لأن

стр. 7343

[﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ومَا يَتَذَكَّرُ إلاَّ مَن يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ ١٣ - ١٦] ﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها. والرزق: المطر؛ لأنه سببه. ﴿ومَا يَتَذَكَّرُ إلاَّ مَن يُنِيبُ﴾: وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله، فإن المعاند لا سبيل إلى تذكره واتعاظه. ثم قال للمنيبين: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ أي: اعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك، وإن غاظ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما دل عليه قوله ﴿فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ من اليأس التام والإقناط الكلي والحكم بالخلود في النار، وقوله: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إذَا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل لذلك الحكم، وقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ إشارة إلى قطع ذلك الحكم وبت القضاء، أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم آثرتم الشرك على التوحيد، والله تعالى حكم في الأزل أنه لا يغفر لمن يشرك به شيئًا، فلا راد الحكمه ولا دافع لقضائه؛ لعلو شأنه وعظمة كبريائه. هذا تأويل ظاهر مكشوف، وينصره ما ذكره الواحدي: فالحكم لله، أي: أنه حكم بعذاب من أشرك به ولا يرد حكمه، والعلي الكبير الذي لا أعلى منه ولا أكبر. وفيه أن قول المصنف: " على أن عذاب مثله لا يكون إلا كذلك"، غير مطابق. قوله: (ثم قال للمنيبين: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ أي: اعبدوه)، بيان لربط الفاء بما قبلها، يعني: ختم الآيات البينات، والبيانات الشافية الكافية من مفتتح السورة إلى هنا بقوله: ﴿ومَا يَتَذَكَّرُ إلاَّ مَن يُنِيبُ﴾ تعريضًا بمن تمرد وعصى، وأشرك بالله وعتا، ثم قال للمنيبين: وإذا كان كذلك فأنتم منيبون ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فقوله: ﴿ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ عطف على قوله: ﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، والآيات ما سبق، وذلك أنه تعالى لما حكى

стр. 7344

ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ ثلاثة أخبار لقوله: ﴿هُوَ﴾ مترتبة على قوله: ﴿الَّذِي يُرِيكُمْ﴾، أو أخبار مبتدإ محذوف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحوال المشركين في هذه السورة، وأراد أن يشرع في أحوال المخلصين المنيبين على قضية التضاد كما قال: "وإن غاظ ذلك أعداءكم"، جعل قوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ وما يتصل به تخلصًا إلى ذكرهم، يعني: هو الذي يريكم آياته جميعًا من الآفاق والأنفس ويفصلها، ويدبر أمور معاشكم بإنزال الرزق من السماء، ولمعادكم بالدعوة إلى الدين الخالص؛ لأنه رفيع الدرجات، ولأنه ذو العرش، ولأنه يلقي الوحي الذي هو الحياة الأبدية، وهو الأمر بالخير والدعوة إلى الدين الخالص. ويدل على المناسبة بين هذه الصفات وتلك الصفات اختلافها تعريفًا وتنكيرًا، أما ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ فهو مثل قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يحتمل التعريف والتنكير، وأما فائدة التنكير فالدلالة على التجدد والإيذان باستمرار صعود الملائكة وقتا بعد وقت، وإليه الإشارة بقوله: (وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش) وأما التعريف فيه، فقد قال الواحدي: الرفيع بمعنىى الرافع. وأما قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ ففي إفادته استمرار الوحي من لدن آدم إلى انتهاء زمن سيدنا رسول الله ﷺ ، ثم اتصاله إلى قيام يوم التناد بإقامة من يقوم بالدعوة_ على ما روى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يبعث لهذا الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها"_ ظاهر مكشوف، ومعنى التجديد إحياء ما اندرس من العلم بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وهو مناسب لقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ يريد الوحي الذي هو أمر بالخير وبعث إليه.

стр. 7345

وهي مختلفة تعريفًا وتنكيرًا. وقرئ: (رفيع الدرجات) بالنصب على المدح، و ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾، كقوله: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣]؛ وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش، وهي دليل على عزته وملكوته. وعن ابن جبير: سماء فوق سماء، والعرش فوقهن. ويجوز أن يكون عبارة عن رفعة شأنه وعلو سلطانه، كما أن ذا العرش عبارة عن ملكه. وقيل: هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه في الجنة. ﴿الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ الذي هو سبب الحياة من أمره، يريد: الوحي الذي هو أمر بالخير وبعث عليه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما أن ذا العرش عبارة)، يعني: أن "ذا العرش" هنا مثل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كناية عن الملك من غير إرادة الحقيقة. قال المصنف فيه: يقال: استوى فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتة، كذلك" رفيع الدرجات" كناية عن رفعة شأنه وعلو سلطانه من غير إرادة الدرجات الحقيقة، وعلى الوجه الأول أيضًا كناية، لكن مع إرادة الحقيقة؛ لقوله: "وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش" وهو دليل على عزته وملكوته، وهو أنسب لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ والمراد الوحي؛ ليكون على وزان قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا﴾ [النحل: ١ - ٢] وأما قول من قال: هي درجات ثوابة التي ينزلها أولياءه في الجنة، فمناسب لقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فتكون قرينة دالة على أن الدرجات مستعارة لمراتب الثواب استعارة محسوس لمعقول. الأساس: ومن المجاز: لفلان درجة رفيعة. قوله: (﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ … يريد الوحي)، يعني: المراد بالأمر ها هنا: الوحي، وصح ذلك؛ لأن الوحي أمر بالخير، وإنما ذهب إليه؛ لأن ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ بيان لـ"الروح" فلذلك استعير للوحي الروح، وقد حققنا وجه الاستعارة في مفتتح سورة "النحل"، فـ ﴿مِنْ﴾ على هذا

стр. 7346

فاستعار له الروح، كما قال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ﴿لِيُنْذِرَ﴾ الله، أو الملقى عليه؛ وهو الرسول، أو الروح. وقئ: (لتنذر) أي: لتنذر الروح؛ لأنها تؤنث، أو على خطاب الرسول. وقرئ: (لينذر يوم التلاق) على البناء للمفعول. و ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾: يوم القيامة؛ لأن الخلائق تلتقي فيه. وقيل: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: المعبود والعابد. ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾: ظاهرون لا يسترهم شيء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بيانية، والذي يفهم من ظاهر كلام الواحدي: " ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ من قضائه أو بأمره" أنها ابتدائية؛ أي: من جهته وبأمره. قال أبو البقاء: "من" يجوز أن يكون حالًا من ﴿الرُّوحَ﴾، وأن يكون متعلقًا بـ ﴿يُلْقِي﴾. وقال القاضي: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ خبر رابع، تمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد، وفيه دليل على أن النبوة من عطاء الله يختار لها من يشاء من عباده. قوله: (﴿لِيُنْذِرَ﴾ الله أو الملقى عليه … أو الروح)، فالإسناد إلى الرسول حقيقي، وإلى الله نحو: كسا الخليفة الكعبة؛ لاحتمال الحقيقة والمجاز. وإلى نحو: أنبت الربيع البقل، في أنه لا يحتمل إلا المجاز. والوجه الثاني أقرب من جهة اللفظ والمعنى؛ لقرب المرجع إليه وقوة الإسناد. قوله: (وقيل: المعبود والعابد)، هذا أولى الوجوه؛ لأن هذا المطلق محمول على ما ورد في كثير من المواضع، نحو: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، ولإبدال قوله: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ من ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾، وبيان ﴿هُم بَارِزُونَ﴾ بقوله: ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾. قال مكي: ﴿هُم بَارِزُونَ﴾ مبتدأ وخبر في وخبر في موضع خفض بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، وظروف

стр. 7347

من جبل أو أكمة أو بناء؛ لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء في الحديث: " يحشرون عراة حفاة غرلًا". ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أي: من أعمالهم وأحوالهم. وعن ابن مسعود ﵁: لا يخفى عليه منهم شيء. فإن قلت: قوله: ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ بيان وتقرير لبروزهم، والله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء برزوا أو لم يبرزوا، فما معناه؟ قلت: معناه: أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه. قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨]؛ وذلك لعلمهم أن الناس يبصرونهم، وظنهم أن الله لا يبصرهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الزمان إذا كانت بمعنى "إذ" أضيفت إلى الجمل؛ الفعلي والاسمي، وإن كانت بمعنى "إذا" لم تضف إلا إلى الفعل، فإذا وقع بعدها اسم مرفوع أضمر فعل يرتفع به؛ لأن "إذا" حينئذ بمعنى الشرط، وهي لا تستقبل في اللفظ وفي المعنى، وليست "إذا" كذلك؛ لأنه لا معنى للشرط فيها؛ لأن"إذ" لما مضى، والشرط لا يكون لما مضى، فافهم ذلك. قوله: (كما جاء في الحديث)، والحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا". في "الجامع": الغرل: القلفة التي تقطع من جلد الذكر.

стр. 7348

وهو معنى قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به. ومعناه: أنه ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه أهل المحشر: لله الواحد القهار. وقيل: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط، فأول ما يتكلم به أن ينادى مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾، الآية فهذا يقتضي أن يكون المنادي هو المجيب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو معنى قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨])، يعني: معنى قوله: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾، ومعنى ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ واحد؛ لأنهم إذا برزوا لله الواحد القهار في ذلك اليوم لا يخفى على الله منهم شيء في زعمهم، كما قال: " فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى الحال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه". قوله: (بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة)، الحديث من رواية البخاري ومسلم عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد". قوله: (فهذا يقتضي أن يكون المنادي هو المجيب)، يعني: دل الاستئناف من قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ على التعليل، فيجب أن يكون السائل والمجيب هو الله ، فإنه لما سأل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ وأجاب هو بنفسه: ﴿للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكان المقام موقع السؤال وطلب التعليل، فأوقع ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى﴾ جوابًا عنه، يعني: إنما اختص الملك به؛ لأنه وحده يقدر على مجازاة كل نفس ما كسبت، وله العدل التام فلا يظلم أحدًا، وله التصرف التام فلا يشغله شأن عن شأن، فيسرع الحساب. ولو أوقع: ﴿للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ جوابًا عن أهل المحشر، لم يحسن هذا الاستئناف.

стр. 7349

[﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ ١٧] لما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك؛ وهي أن كل نفس تجزى ما كسبت، وأن الظلم مأمون؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأن الله لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد، وهو أسرع الحاسبين. وعن ابن عباس ﵁: إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها، ولا أهل النار إلا فيها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب الكواشي: بعد فناء الخلق يقول تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلم يجب، فيقول تعالى ﴿للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ والوقف على "اليوم" كاف، وعلى "القهار" تام، "اليوم" الثاي: معمول "تجزى". وكذا عن أبي البقاء. قوله: (لم يقل) من القيلولة، وهو من قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقد فسر هناك المقيل بالمكان الذي يأوون إليه للاسترواح. وروينا في "شرح السنة": "لا ينتصف النهار من يوم الجمعة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء". وروى الواحدي عن ابن مسعود وابن عباس: "لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار". وفيه: أن حكم الكل في تلك الساعة كذلك، لكن ليس فيه بقاء ذلك الحكم، فكيف وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة البالغة مبلغ التواتر خروج العصاة من أمة محمد صلوات الله عليه من النار، إما بمحض الغفران أو بشفاعة رسول الله ﷺ ؟ منها ما روينا عن البخاري ومسلم: "يخرج من النار قوم كأنهم الثعارير". الثعارير: صغار القثاء.

стр. 7350

[﴿وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ١٨] الآزفة: القيامة، سميت بذلك لأزوفها، أي: لقربها. ويجوز أن يريد بـ ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾: وقت الخطة الآزفة؛ وهي مشارفتهم دخول النار، فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم، فلا هي تخرج فيموتوا، ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا، ولكنها معترضة كالشجا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧]. فإن قلت: ﴿كَاظِمِينَ﴾ بما انتصب؟ ؟ قلت: هو حال عن أصحاب القلوب على المعنى؛ لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ويجوز أن يكون حالًا عن القلوب، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر، ، وإنما جمع الكاظم جمع السلامة؛ لأن وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء، كما قال تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وقال: ﴿فَظَلَّتْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معترضة كالشجا)، الجوهري: أشجاه يشجيه إشجاء: إذا أغصه. يقال: شجي _ بالكسر _ يشجى شجى. قوله: (كما قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧]، مثال لقوله: (وهي مشارفتهم دخول النار)، فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها. قوله: (وأن القلوب كاظمة على غم وكرب)، أي: تبقى القلوب كالساكت الممتلئ قلبه غمًا وغيظًا. قال صاحب "الكشف": نسبة الكظم إلى القلب كنسبة الكتابة إلى اليد. وقال: معنى "كاظمين" متوقفين عن كل شيء إلا عما دفعت إليه من فكرها فيه، كذلك قوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] المتوقفين عما يدعو إليه الغضب.

стр. 7351

أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، ويعضده قراءة من قرأ: (كاظمون)، ويجوز أن يكون حالًا عن قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾، أي: وأنذرهم مقدرين أو مشارفين الكظم، كقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. الحميم: المحب المشفق. والمطاع: مجاز في المشفع؛ لأن حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؟ قلت: يحتمل أن يتناول النفي الشفاعة والطاعة معًا، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة، كما تقول: ما عندي كتاب يباع، فهو محتمل نفي البيع وحده، وأن عندك كتابًا إلا أنك لا تبيعه؛ ونفيهما جميعًا، وأن لا كتاب عندك، ولا كونه مبيعًا. ونحوه: ولا ترى الضب بها ينجحر يريد: نفي الضب وانجحاره. فإن قلت: فعلى أي الاحتمالين يجب حمله؟ قلت: على نفي الأمرين جميعًا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويعضده قراءة من قرأ "كاظمون")، لأن "كاظمون" على هذا محمول على "القلوب" خبر لها، و ﴿لَدَى الحَنَاجِرِ﴾ ظرف "كاظمون" قدم عليه، أو هو خبر بعد خبر. وعلى التقدير الأول وهو قوله: "إذ قلوبهم لدى حناجرهم" كان ﴿كَاظِمِينَ﴾ حالًا من الضمير المجرور في الخبر، ولا يجوز إجراء "كاظمون" عليه حالًا، ولا على المبتدأ خبرًا؛ إلا على التأويل. وقدر صاحب الكواشي: "هم كاظمون" فعلى هذا يقوى إرادة أصحاب القلوب. قوله: (وأن عندك كتابًا إلا أنك لا تبيعه)، عطف تفسيري على قوله: "نفي البيع وحده"، وكذا قوله: "وأن لا كتاب عندك ولا كونه مبيعًا" تفسير لقوله: "ونفيهما جميعًا".

стр. 7352

من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله، وأولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلا من أحبه الله ورضيه، وأن الله لا يحب الظالمين، فلا يحبونهم، وإذا لم يحبونهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]؛ ولأن الشفاعة لا تكون إلا في زيادة التفضل، وأهل التفضل وزيادته إنما هم أهل الثواب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣]، وعن الحسن: والله ما يكون لهم شفيع البتة. فإن قلت: الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه، فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها؟ قلت: في ذكرها فائدة جليلة؛ وهي أنها ضمت إليه؛ ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله)، يعني: الواجب أن ينفي الشافع والطاعة، لا أن هناك شافعًا غير مطاع؛ إذ ليس للظالمين شافع البتة؛ لأن الشفعاء أولياء الله، والأولياء لا يشفعون للظالمين، والتعريف في "الظالمين" عنده للجنس، وعندنا للعهد؛ لأن "الظالمين" من وضع المظهر موضع المضمر والمراد بهم "المنذرين" في قوله: ﴿وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾. قوله: (ليقام انتفاء الموصوف في مقام الشاهد على انتفاء الصفة)؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها قال صاحب "التقريب". وإنما لم يقتصر على نفي الشفيع؛ لأن المقصود نفي كونه مشفعًا، لا نفي ذات الشفيع، وإن كان الثاني دليلًا على الأول ومستلزمًا له، فأراد ذكر المقصود مع الاستشهاد عليه، كقول من عوتب على العقود عن الغزو: ما لي فرس أركبه. أي: لا يمكنني الركوب لعدم الفرس، فكذا لا يمكن التشفيع لعدم الشفيع، فذكر المقصود والدليل عليه - وهو التقرير - أظهر مما في الأصل. وقال والده صاحب "التهذيب": حاصل كلام الزمخشري أنه استدل بعدم الموصوف

стр. 7353

الموصوف، بيانه: أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت: ما لي فرس أركبه، ولا معي سلاح أحارب به، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علة مانعة من الركوب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على عدم الصفة؛ لأن وجود الصفة بلا موصوف محال. وقوله: "فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف"، كأنه استدلال بعدم الصفة على عدم الموصوف، وهو يناقض ذلك التقرير. وقلت: مقصود المصنف من قوله: "في ذكرها فائدة جليلة" أن مجيء الصفة ونفيها ليس إلا للمبالغة في نفي الموصوف، فمعنى قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ في هذا المقام: كيف يتأتى الشفيع ولا الشفيع؟ كمعنى قول القائل لمن يعاتبه على القعود عن الغزو: ما لي فرس أركبه. أي: كيف يتأتى مني الركوب ولا فرس لي؟ فكان ذكر الركوب والاستدلال على عدم تأتيه بعد الفرس دليلًا على أن انتفاء الفرس أمر لا نزاع فيه، وأن المخاطب لا يناقشه فيه، وكذلك ذكر التشفيع والاستدلال على عدم تأتيه بعدم الشفيع دليل على فقدان الشفيع، أمر محقق مشهور لا نزاع فيه، وإليه الإشارة بقوله: " الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه"، والأسلوب من باب نفي الشيء بنفي لازمه، فجيء بالصفة ليجعل نفي الموصوف دليلًا على انتفائها، فيلزم منه نفي توهم الموصوف، يعني: بلغ الموصوف في الانتفاء مبلغًا متناهيًا حتى صار دليلًا على انتفاء الصفة؛ لما يلزم من انتفاء الموصوف انتفاء الصفة؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون المجموع دليلًا على المطلوب وهو انتفاء الموصوف بالكلية. وقد استقصينا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] القول فيه. قال صاحب " الانتصاف": نفي المجموع يصح بنفي جزئه وبنفي كله، فإن كان المراد نفي الأمرين فذكر الصفة كالعلة لنفي الذات، أي لا طاعة فلا شفاعة، أو لا ذات فلا صفة، فيكون النفي مرتين من وجهين مختلفين، فظهر أن الفاء في "فيكون ذلك" نتيجة من قوله: ""ليقام انتفاء الموصوف"، لا من قوله: "لأن الصفة لا تتأتى"، فلا يلزم التناقض كما ظن.

стр. 7354

والمحاربة، كأنك تقول: كيف يتأتى مني الركوب والمحاربة ولا فرس لي ولا سلاح معي؟ ! فكذلك قوله: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ معناه: كيف يتأتى التشفيع ولا شفيع؟ فكان ذكر التشفيع والاستشهاد على عدم تأتيه بعدم الشفيع وضعًا لانتفاء الشفيع موضع الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه. [﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ١٩] الخائنة: صفة للنظرة، أو مصدر بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة، والمراد: استراق النظر إلى ما لا يحل، كما يفعل أهل الريب، ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين؛ لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يساعد عليه. فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾؟ قلت: هو خبر من أخبار ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾، مثل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولكن ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قد علل بقوله: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاق.﴾، ثم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأمر المعروف)، أي: المشهور الثابت القائم، فكأنه قد علم من غير شبهة أن لا شفيع، فيستدل به على عدم الشفيع. قوله: (لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يساعد عليه)، لأن مراعاة النسبة بين القريتين في فصيح الكلام واجب، فإذن لا يجوز أن يكون "الخائنة" صفة للعين، أي: العين الخائنة، ثم أضيف الصفة إلى موصوفها؛ لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يناسبه؛ لأنه نسب الإخفاء إلى الصدور فأوجب ذلك أن ينسب الخائنة إلى الأعين. ويقال: يعلم نظرة الأعين ويعلم ما تخفي الصدور. وفيه بحث؛ لأن المقصود من الإسناد المبالغة، وأن الله تعالى يعلم استراق العين لا العين الخائنة، سواء ضم إليه قرينتها أو لم يضم. وقال القاضي: النظرة الخائنة النظرة الثانية إلى غير المحرم واستراق النظر إليه، أو خيانة الأعين. والجملة خبر خامس للدلالة على أنه ما من خفى إلا وهو متعلق للعلم والجزاء. قوله: (هو خبر من أخبار ﴿هُوَ﴾، أي: لفظة ﴿هُوَ﴾ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، يعني: ﴿يَعْلَمُ﴾ خبر لـ ﴿هُوَ﴾، مثل ﴿يُلْقِي﴾.

стр. 7355

استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؛ فبعد لذلك عن أخواته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فبعد لذلك عن أخواته)، فإن قلت: فهلا لم يقدم على ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ أو على إخوانه؛ لئلا يحصل هذا البعد؟ قلت: لا يخلو إما أن يؤتى به قبل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ أو بعده، ولا يجوز الأول؛ لأن هذا متضمن للتهديد كما قال: "والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل". وقال الواحدي: يعلم مسارقة النظر إلى ما لا يحل، وما تسر القلوب في السر من المعصية، ، ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ فيجزي بالحسنة والسيئة، وذلك وارد في الامتنان على ما يوجب الشكر من نعمة الحياتين، وقد سبق اتصاله بما قبله. ولا الثاني؛ لأنه إما أن يقدم على "رفيع الدرجات" أو يؤخر عنه. رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ ولا يجوز الأول؛ لأن ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ في الوجه المختار مفسر بمصاعد الملائكة ومهابطها للسفارة بين المرسل والمرسل إليه، وهو كالمقدمة لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وورودهما عقيب ﴿ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ للإيذان بأن الماء كما هو حياة الأرض الميتة، كذلك الوحي حياة للقلوب الميتة. ولا الثاني؛ لأنه إذا لم يجز ذلك فالبطريق الأولى هذا؛ لئلا يتخلل بين المقدمة ولاحقتها أجنبي، وإنما عقب به قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ وما يتصل به من الاستطراد لمناسبة بينهما لفظًا ومعنى، كما قال: هو مثل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، أما اللفظ فكلاهما مضارعان، وأما المعنى فلدلالة كل منهما على الوعيد والتهديد، أما العلم فكما سبق، وأما الوحي فلتصريح تعليله بقوله: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ إلى آخره. فإن قلت: لم لا تجعل العلم علة لنفي شفاعة الشفيع، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي
следующие страницы →