← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

فإن قلت: أخبرني عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة النظم. قلت: الواو الأولى عاطفة لـ"كفرتم" على فعل الشرط، كما عطفته "ثُمَّ" في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢]، وكذلك الواو الآخرة عاطفة لـ"استكبرتم" على "شهد شاهد"، وأما الواو في ﴿وَشَهِدَ﴾ فقد عطفت جملة قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، على جملة قوله: ﴿كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾، ونظيره قولك: "إن أحسنت إليك وأسأت، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويقع قوله: ﴿القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ في محزه، لأنه من وضع العام موضع المضمر؛ للإيذان بأنهم وضعوا الاستكبار موضع الإذعان للحق بعد وضوح البينات. قال الواحدي: "معنى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أن الله جعل جزاء المعاندين للإيمان بعد الوضوح والبيان أن يمدهم في ضلالتهم، ويحرمهم الهداية"، والله أعلم. قوله: (الواو الأولى عاطفة لـ"كفرتم" على فعل الشرط) إلى آخره: الانتصاف: "لم يوجه المعطوفات على جهة واحدة، لأنه قد يكون العطف لمجموع مفردات على مجموع مفردات للتقابل بين المفردات، ومنه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ". وقوله: (ونظيره قولك: أن أحسنت إليك): فقوله: ﴿إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم﴾ نظير قوله: "إن أحسنت إليك وأسأت"، فآذن بأن كونه من عند الله إحسان وإنعام يوجب استقباله بالشكر التام، فعكسوا وكفروا به، وقوله: ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ نظير قوله: "وأقبلت عليك وأعرضت"، فإن شهادة عبد الله بن سلام الموجبة لإيمانه: إقبال ?

стр. 7772

وأقبلت عليك وأعرضت عني، لم "نتفق" في أنك أخذت ضميمتين، فعطفتهما على مثليهما. والمعنى: قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الله تعالى عليهم وإرشاد لهم بأن أعلم أهل الكتاب إذا شهد وآمن، فحق أمثالهم التلقي بالخضوع والاستكانة، فعكسوا أيضًا بالاستكبار والإعراض. وهذا التقرير يؤذن بأن "استكبرتم" عطف على ﴿فَآمَنَ﴾، وكلاهما مسببان عن ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، وهذا أحسن من جعل المصنف عطف "استكبرتم" على ﴿وشَهِدَ﴾، ويعضده قول القوم: "شرنا وابن شرنا". قوله: (ضميمتين): أي: "أقبلت" و"أعرضت" (على مثليهما): وهما "أحسنت" و"أسأت"، يقال: ضميمك في السفر، أي: رفيقك، وجواب الشرط: "لم نتفق"، و"في أنك أخذت" متعلق "نظيره". وقوله تعالى: ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إلَيْهِ﴾ بالواو، عطفًا على مقدرات شتى، بيان لبعض استكبارهم الذي منعهم عن الإيمان بالقرآن. قوله: (ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ ): يريد: أن جواب الشرط محذوف، وهو هذا، قال الواحدي ومحيي السنة: "جواب الشرط محذوف، على تقدير: أليس قد ظلمتم، يدل عليه قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال الحسن: جوابه: فمن أضل منكم، كما قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآية، وقال أبو علي: تقديره: أتأمنون عقوبة الله". وقلت: تقدير إثبات مطلق الظلم أوفق لما سبق أنهم وضعوا الاستكبار موضع الإذعان والإيمان. ?

стр. 7773

وقد جعل الإيمان في قوله: ﴿فَآمَنَ﴾ مسببًا عن الشهادة على مثله، لأنه لما علم أنّ مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه، وأنه من جنس الوحي، وليس من كلام البشر، وأنصف من نفسه، فشهد عليه واعترف، كان الإيمان نتيجة ذلك. [﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١١ - ١٤] ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأجلهم، وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمدًا السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم. وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر، ثم يقول: لولا إني فترت لزدتك ضربًا، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقًا ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه. فإن قلت: لا بدّ من عامل في الظرف في قوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ومن متعلق لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، وغير مستقيم أن يكون ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ هو العامل في الظرف؛ لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا بد من عامل في الظرف): يعني: "إذ" لازمة الإضافة، وقد أضيفت إلى قوله: ﴿لَمْ يَهْتَدُوا﴾ فلا يعمل فيها، وأيضًا هي للمضي، فلا يجوز أن يكون العامل: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، للاستقبال، والفاء في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ للاستقبال، والفاء في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ تقتضي سببًا، ولا بد من البيان. ?

стр. 7774

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب: أن عاملها مقدر، وهو السبب في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، والتقدير: إذ لم يهتدوا ظهر عنادهم فسيقولون، وحذف عامل الظرف جائز، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]، قال أبو البقاء: "تقديره: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عرفناه، لدلالة ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ عليه"، وكذا في قول الناس: حينئذ الآن، أي: كان ذلك حينئذ، واسمع الآن منه. وقال الواحدي: "إذ: بمعنى "إن"، والمعنى: إن لم يصيبوا الهداية بالقرآن فسيقولون إنه كذب". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "يجوز "إذ" أن تكون متضمنةً معنى الشرط؛ لدلالة الفاء بعدها، وكونها في معنى "إذا"، وحسن تعبيرها بها لدلالتها على تحقق ذلك؛ لكونها للماضي، ويجوز أن تكون معمولًا لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ باعتبار إرادة الاستمرار". الانتصاف: "لم يمنع عمل ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ إلا الاستقبال، فلا مانع لأن الاستقبال إنما جاء للإشعار بدوام ما وقع، وأنهم حرفوا وقالوا: هذا أساطير، وإفك قديم، فمعناها: وقالوا إذ لم يهتدوا به: هذا إفك قديم، وداموا عليه؛ فعبر عن الوقع والدوام والاستقبال بالسين، كقول إبراهيم ﵇: ﴿إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧]، وهذا طريق الجمع بين قوله: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، وبين قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧]، ولولا دخول الفاء على الفعل لتعين هذا، لكن الفاء دلت بسببيتها على محذوف هو السبب، وقطعت الفعل عن الظرف، فتعين ما ذكره الزمخشري لأجل الفاء، لا لأجل السين". ?

стр. 7775

قلت: العامل في "إذ" محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]، وقولهم: حينئذ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون: هذا إفك قديم. فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف، وكان قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مسببًا عنه، كما صحّ بإضمار "أنّ" قوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، لمصادفة "حَتَّى" مجرورها، والمضارع ناصبه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: الاستقبال إذا دل على الاستمرار فيما مضى حالًا فحالًا، نحو: لو تحسن إلى لشكرت، كان بمعنى المضي، وإذا دل على الاستمرار فيما يجيء وقتًا فوقتًا كان متوغلًا في معناه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وربما دل على الاستمرار دائمًا، نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، وهذا من القبيل الثاني، ولذلك قرن بالسين، وذلك أن قوله: ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متصل بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم بِهِ﴾، على معنى: أخبروني أن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم ظالمين؟ ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم عند سماعهم هذا الكلام المنصف الذي ليس بعده إرشاد أظهروا العناد، ولم ينظروا بنظر الإنصاف، وتكلموا بما هو نص على الاستكبار والتجبر، وقالوا لأجل الذين آمنوا: لو كان الإيمان خيرًا ما سبقونا إليه. ولهذا وضع المضمر. فنبه بقوله: ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ حبيبه صلوات الله عليه على تماديهم في العناد، وإقناطًا له عن إيمانهم، وتسليةً عن طعنهم، وأنهم حين لم يهتدوا بهذا الكلام المنصف ظهر عنادهم، فأعلم أنهم لا يهتدون بعد ذلك أبدًا، ويستمر منهم حينًا بعد حين الطعن في القرآن، فتارةً يقولون: أساطير الأولين، وأخرى: إنه سحر مبين، وإفك قديم، وأمثال ذلك. قوله: (كما صح بإضمار "أن"): يريد: أن "إذ" ها هنا تقتضي عاملًا، نظير ﴿يَقُولَ﴾ هناك تستدعي ناصبًا، والفاء هنا تقتضي سببًا، نحو ﴿حَتَّى﴾ هناك تستدعي مجرورًا، فيقدر هنا: "ظهر عنادهم"، ليكون عاملًا في "إذ" سببًا لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، وهناك "أن" ليكون عاملًا في ﴿يَقُولَ﴾، ويجعل الفعل في تأويل المصدر؛ ليصح أن يقع مجرورًا بـ ﴿حَتَّى﴾. ?

стр. 7776

وقولهم: ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كقولهم: أساطير الأوّلين. ﴿كِتابُ مُوسى﴾ مبتدأ، ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ظرف واقع خبرًا مقدمًا عليه، وهو ناصب ﴿إِمَامًا﴾ على الحال، كقولك: في الدار زيد قائمًا. وقرئ: "ومن قبله كتاب موسى"؛ على: وآتينا الذين قبله التوراة. ومعنى ﴿إِمَامًا﴾: قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه، ﴿وَهَذَا﴾ القرآن ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لكتاب موسى، أو: لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب. وقرئ: "مصدق لما بين يديه". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ مبتدأ، ﴿ومِن قَبْلِهِ﴾ ظرف واقع خبرًا): وقلت: لو روعي التناسب بين القرينتين ويقال: ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ فاعل الظرف على مذهب الأخفش، وقد ذكره صاحب "الكشف"، كان أحسن، ولم يلزم التقديم الذي لا يفيد هنا معنى التخصيص إليه، ولا الفصل بين الحال وعاملها، ويكون المعنى: حصل ومضى من قبله كتاب موسى إمامًا، وميز وشوهد عيانًا أن كتابك هذا مصدق معجز، وأطلق ﴿مُصَدِّقٌ﴾، ولم يقل: "مصدق له"، أي: لكتاب موسى؛ تعميمًا وإيذانًا بأنه مصدق للكتب السماوية كلها، لاسيما نفسه، لكونه معجزًا نازلًا بلسان عربي مبين، تحدي به العرب العرباء، فأفحموا، ومع ذلك أنه نذير للذين ظلموا بشير للمحسنين. وإنما عدل عن "العادلين" إلى "المحسنين" ليكون ذريعةً إلى البشارة بقوله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لمن قال: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وقيل: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ دون "الذين أحسنوا"، بعد قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: لينذر الذين وجد منهم الظلم، ويبشر الذين ثبتوا واستقاموا على الإحسان والإخلاص، إعلامًا بأن الإنسان مفتقر إلى ما يهذب به نفسه ويقوم أوده كل الافتقار؛ لأن الاستقامة على الصراط السوي لا توجد إلا في الأفراد، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. ?

стр. 7777

﴿لَسَانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من ضمير الكتاب في "مصدق"، والعامل فيه ﴿مُصَدِّقٌ﴾، ويجوز أن ينتصب حالًا عن: ﴿كِتَابٌ﴾ لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة، وجوّز أن يكون مفعولًا لـ ﴿مُصَدِّقٌ﴾، أي: يصدق ذا لسان عربي، وهو الرسول. وقرئ: ﴿لِيُنذِرَ﴾ بالياء والتاء، و"لينذر": من: نذر ينذر: إذا حذر. ﴿وَبُشْرى﴾ في محل النصب، معطوف على محل ﴿لِيُنذِرَ﴾، لأنه مفعول له. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن ثم علل بشارة المحسنين بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾، ومن هنا تقف على جلالة محل العشرة المبشرة رضوان الله عليهم. قوله: ﴿لِّسَانًا عَرَبِيًا﴾ حال من ضمير الكتاب): قال الزجاج: "المعنى" مصدق لما بين يديه عربيًا، وذكر ﴿لِّسَانًا﴾ توكيدًا، كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، أي: جاءني زيد صالحًا، و"رجلًا" توكيد"، وسمى أبو البقاء هذه الحال حالًا موطئة، وأما قوله: "أن ينتصب [حالًا] عن كتاب، ويعمل فيه معنى الإشارة"، ففيه خلاف، ذكرناه في أول البقرة. قال القاضي: "فائدتها الإشعار بالدلالة على أن كونه مصدقًا للتوارة، كما دل على أنه حق، دل على أنه وحي وتوقيف من الله ". قوله: (وقرئ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء والتاء): نافع وابن عامر والبزي- بخلاف عنه-: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. ?

стр. 7778

[﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ١٥ - ١٦] قرئ: "حسنًا"، بضم الحاء وسكون السين، وبضمهما، وبفتحهما، و ﴿إِحْسَانًا﴾، و ﴿كُرْهًا﴾، بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة، كالفقر والفقر، وانتصابه على الحال، أي: ذات كره، أو على أنه صفة للمصدر، أي: حملًا ذا كره. ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ﴾ ومدّة حمله وفصاله ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وهذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر، لأن مدّة الرضاع إذا كانت حولين؛ لقوله : ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، بقيت للحمل ستة أشهر. وقرئ: "وفصله"، والفصل والفصال: كالفطم والفطام، بناء ومعنى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: "حسنًا" بضم الحاء وسكون السين): الكوفيون: ﴿إحْسَانًا﴾، والباقون: "حسنًا"، والكوفيون وابن ذكوان: ﴿كُرْهًا﴾ بضم الكاف، والباقون: بفتحها. قال ابن جني: " (حسنًا) بالفتح، قراءة علي ﵁ والسلمي، يحتمل أن يكون مصدرًا كالمصادر التي اعتقب فيها الفعل، نحو: الشغل والبخل، وأن يكون صفةً لا مصدرًا، لكونه رسيل القبيح، أي: وصيناه بوالديه فعلًا حسنًا، وإن شئت نصبته بـ"وصينا"، لأنه بمعنى: ألزمناه الحسن في أبويه، وإن شئت قدرت: "ألزمناه"، ونصبت به لا بـ"وصينا" المذكور". ?

стр. 7779

فإن قلت: المراد بيان مدّة الرضاع لا الفطام، فكيف عبر عنه بالفصال؟ قلت: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه، لأنه ينتهي به ويتم، سمي فصالًا، كما سمى المدّة بالأمد من قال: كل حي مستكمل مدّة العمر .... ومود إذا انتهى أمده وفيه فائدة، وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال ووقته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما سمى المدة بالأمد): الراغب: "الأمد والأبد: يتقاربان، لكن الأبد: عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود، ولا يتقيد، ولا يقال: أبد كذا، والأمد: مدة لها حد مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر، نحو أن يقال: أمد كذا، كما يقال: زمن كذا، والفرق بين الزمان والأمد: أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدأ والغاية، ولذلك قيل: المدى والأمد يتقاربان". قوله: (كل حي مستكمل) البيت: "مود": أي هالك؛ من: أوى: إذا هلك، يقول: كل حي يستكمل مدة عمره، ويهلك إذا انتهى عمره. قوله: (وفيه فائدة): أي: فيه إشارة النص وإدماج معنى الفصل والفطام التام المنتهي بالفصال، ولو قيل: "وحمله وفطامه ثلاثون شهرًا" لم يكن نصًا في الرضاع التام المنتهي بالفصال، وفي كل عدول عن الظاهر إشارةً إلى دقيقة. ?

стр. 7780

وقرئ: "حتى إذا استوى وبلغ أشدّه"، وبلوغ الأشد: أن يكتهل ويستوفى السنّ التي تستحكم فيها قوّته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن قتادة: ثلاث وثلاثون سنة، ووجهه: أن يكون ذلك أوّل الأشد، وغايته الأربعين. وقيل: لم يبعث نبيّ قط إلا بعد أربعين سنة. والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه، لأن النعمة عليهما نعمة عليه. وقيل في العمل المرضي: هو الصلوات الخمس. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أناف على الثلاثين): الجوهري: "أناف: أشرف". قوله: (وناطح الأربعين): الأساس: "الناطح: هو المستقبل مما يزجر". قوله: (استوزع الشكر): الجوهري: "استوزعت الله شكره، فأوزعني، أي: استلهمته فألهمني". الراغب: "أوزعني: معناه: ألهمني، وتحقيقه: أولعني بذلك أو اجعلني بحيث أزع نفسي عن الكفران، يقال: وزعته عن كذا: كففته، وقيل: الوزوع: الولوع بالشيء، ورجل وزع". قوله: (وقيل في العمل المرضي: هو الصلوات الخمس): هو معطوف على مقدر، أي: يجوز أن يقال في قوله: ﴿وأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: أنه يراد به الأعمال الصالحات مطلقًا، ويجوز أن يراد به الصلوات الخمس، والأول أوجه، لأنه علم من قوله تعالى: ﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الإسلام والتوحيد، كما نص عليه، ويعلم من هذا الأعمال الصالحات، فيعود المعنى إلى قوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الإسلام والتوحيد، ﴿وأَنْ أَعْمَلَ﴾ الأعمال الصالحات، ويجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، وفيه إشارة إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. ?

стр. 7781

فإن قلت: ما معنى "فِي" في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾؟ قلت: معناه: أن يجعل ذرّيته موقعًا للصلاح ومظنة له، كأنه قال: هب لي الصلاح في ذرّيتي، وأوقعه فيهم. ونحوه: يجرح في عراقيبها نصلي ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من المخلصين، وقرئ: "يتقبل"، و"يتجاوز" بفتح الياء، والضمير فيهما لله ، وقرئا بالنون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يجرح في عراقيبها نصلي): أوله: وإن تعتذر بالمحل عن ذي ضروعها .... إلى الضيف أي: يحدث الجرح في عراقيبها نصلي، المعنى: أن اعتذرت بقلة اللبن بسبب القحط إلى الضيف أعقرها؛ لتكون هي بدل اللبن، "ذي ضروعها": أي: لبنها، جعل المتعدي بمنزلة اللازم لإرادة الحقيقة، ثم عداه كما يعدى اللازم مبالغة. قال ابن الحاجب: "الآية من باب قوله: "فلان يعطي ويمنع"، مما استعمل فيه الفعل المتعدي محذوفًا مفعوله حذفًا غير مقصود، وهذا أبلغ في المدح من القصد إلى المفعول على طريقة خصوص وعموم، لما فيه من المبالغة، وجعل "الذرية" كأنها محل للصلاح". قوله: (وقرئ: "يتقبل" و"يتجاوز" بفتح الياء): شاذة، قال الزجاج: "وهي جائزة، ولا أعلم أحدًا قرأ بها"، وقرأ حفص وحمزة والكسائي: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ونَتَجَاوَزُ﴾ بالنون فيهما مفتوحة، ونصب ﴿أَحْسَنَ﴾، والباقون: بالياء مضمومةً فيهما، ورفع "أحسن". ?

стр. 7782

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾؟ قلت: هو نحو قولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه، تريد: أكرمني في جملة من أكرم منهم، ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم. ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾: وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز. وقيل: نزلت في أبي بكر ﵁، وفي أبيه أبي قحافة، وأمّه أم الخير، وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم. وقيل: لم يكن أحد من الصحابة، من المهاجرين منهم والأنصار، أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر. [﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ١٧ - ١٨] ﴿وَالَّذِي قالَ﴾ مبتدأ خبره: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾، والمراد بـ"الذي قال": الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ ﴿ونَتَجَاوَزُ﴾: وعد من الله تعالى): الراغب: "التقبل: قبول الشيء على وجه يقتضي ثوابًا كالهدية ونحوها"، وقال الواحدي ومحيي السنة: "الأحسن: بمعنى: الحسن"، وقال القاضي: " ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يعني: طاعاتهم، فإن المباح حسن ولا يثاب عليه". قوله: المراد بـ"الذي قال": الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعًا): الانتصاف: "وفي الآية رد على من زعم أن المفرد الجنسي لا يعامل معاملة الجمع، لا في الصفة، ولا في، فلا يقال: الدينار الصفر خير من الدرهم البيض". ?

стр. 7783

وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة: هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمّه أمّ رومان إلى الإسلام، فأفف بهما، وقال: ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو، وهما من أجداده، حتى أسألهما عما يقول محمد. ويشهدوا لبطلانه أن المراد بـ"الذي قال": جنس القائلين ذلك، وأنّ قوله: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم، وعن عائشة ﵂ إنكار نزولها فيه، وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية، تبايعون لأبنائكم، فقال مروان: يا أيها الناس، هو الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فسمعت عائشة، فغضبت، وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: يمكن أن يرد بهذا قول صاحب "المفتاح" حيث قال: "امتنع لوجوه كثيرة لا تخفى على متقني أنواع الأدب، أدناها: وجوب نحو: الرجل الطوال، والفرس الدهم، أو صحته لا أقل، على الاطراد، وكل ذلك على ما ترى فاسد". قوله: (وعن عائشة ﵂ إنكار نزولها فيه): عن البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ شيئًا، فقال: فخذوه، فدخل بيت عائشة ﵂، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾، فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: "ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا ما أنزل في سورة النور من براءتي". ?

стр. 7784

وقرئ: "أف": بالكسر والفتح بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال: حس، علم منه أنه متوجع. واللام للبيان، معناه: هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما. وقرئ: ﴿أَتَعِدَانِّنِي﴾: بنونين، و"أتعداني" بأحدهما، و"أتعداني" بالإدغام، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: "قال عبد الرحمن: "أجئتم بها هرقليةً وقوقية! "، أراد: أن البيعة لأولاد الملوك سنة ملوك الروم والعجم، وهرقل: اسم ملك الروم"، "وقالت عائشة ﵂ لمروان: أن النبي ﷺ لعن أباك، وأنت فضض من لعنة الله"، أي: قطعة وطائفة منها". قوق: اسم ملك من ملوك الروم، قال في "الفائق": "هرقل: كان من ملوك الروم، وهو أول من ضرب الدنانير، وأول من أحدث البيعة، يريد: أن البيعة للأولاد من عادتهم. الفضض: فعل بمعنى: مفعول؛ من: فض: إذا كسر، أي: أنت طائفة من اللعنة فضضت منها، وروي: فضيض وفضض، والفضض: جمع فضيض، وهو الماء العريض، افتضضت الماء: أخذته ساعة يخرج، كورد جني، وصبي وليد، أي: قريبي العهد من الجني والولادة، أي: سلت من اللعنة حديث عهد بها". قوله: (وقرئ: "أف" بالكسر والفتح): نافع وحفص: ﴿أُفٍّ﴾ بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون: بكسر الفاء من غير تنوين. قوله: (وقرئ: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾): هشام: "أتعدان" بنون واحدة مشددة، والباقون: بنونين مكسورتين، قال الزجاج: "ويجوز تعداني" بالإدغام، وإن شئت أظهرت النونين، وإن شئت ?

стр. 7785

وقد قرأ بعضهم: "أتعدانني" بفتح النون، كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرتين والياء، ففتح الأولى تحريًا للتخفيف، كما تحراه من أدغم، ومن أطرح أحدهما، ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أن أبعث وأخرج من الأرض، وقرئ: "أخرج". ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ يعني: ولم يبعث منهم أحد، ﴿يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله، ﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك. ﴿فِي أُمَمٍ﴾: نحو قوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف: ١٦]. وقرئ: "أن"، بالفتح، على معنى: آمن بأن وعد الله حق. [﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ١٩] ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من الجنسين المذكورين ﴿دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منهما. فإن قلت: كيف قيل: ﴿دَرَجَاتٌ﴾، وقد جاء: "الجنة درجات، والنار دركات"؟ قلت: يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب؛ لاشتمال "كل" على الفريقين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أسكنت الياء، وإن شئت فتحتها، ورويت عن بعضهم: "أتعدانني" بالفتح، وذلك لحن لا وجه له، فلا تقرأن به؛ لأن فتح نون الاثنين خطأ، وإن حكي في شذوذ، فلا تحمل القراءة على الشذوذ". قوله: (﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث): قالوا: الويل: بمعنى الهلاك، ودلالته على الحث على الفعل من حيث أن فيه إشعارًا بأن ما هو مرتكب له: حقيق بأن يهلك مرتكبه، وأن يطلب له الهلاك، فإذا سمع ذلك كان باعثًا على تركه. قوله: (على وجه التغليب؛ لاشتمال "كل" على الفريقين): جعل مصحح التغليب لفظ ?

стр. 7786

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "كل"؛ لاشتماله على فريق المؤمنين الذين لهم الدرجات، وفريق الكافرين أصحاب الدركات، والمراد بالفريقين ما ذكرهما في قوله، والظاهر أن أحد الجنسين ما دل عليه قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]، والآخر قوله: ﴿والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ [الأحقاف: ١٧]، إذا ليس مما يقرب ذكره ويصلح لذلك غيرهما. وأما تقرير التغليب: فهو أنه تعالى لما ذكر الفريق الأول، ووصفهم بثبات في القول، واستقامة في الفعل، ورتب عليه جزاءهم، وأوقع قوله: ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥] استطرادًا في البين، وعقب ذلك بذكر فريق الكافرين، ووصفهم بعقوق الوالدين، وبإنكارهم البعث، وجعل العقوق أصلًا في الاعتبار وكرر في القسم الأول الجزاء، وهو ذكر الجنة مرارًا ثلاثًا، وأفرد جزاء الكافر، وهو ذكر النار، وأخره بعد ذكر ما يجمعهما من قوله: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾، غلب "الدرجات" على "الدركات" لذلك. فيه: أن لا شيء أعظم من التوحيد والثبات عليه، ثم بر الوالدين والإحسان إليهما، ولا شيء أفحش من عقوق الوالدين وإنكار الحشر، وفي إيقاع إنكار الحشر مقابلًا لإثبات التوحيد؛ الدلالة على أن المنكر معطل مبطل لحكمة الله في إيجاد العالم. وهذا الترتيب الأفيق، والنظم الرصين: يوقفك على ضعف قول من قال: أن الآية في حق عبد الرحمن، روى محيي السنة عن الزجاج أنه قال: "قول من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه: يبطله قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ الآية، لأنه تعالى أعلم أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن من أفاضل المسلمين، فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب". ?

стр. 7787

﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ -وقرئ: بالنون- تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات، والعقاب دركات. [﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ٢٠] ناصب الظرف هو القول المضمر قبل ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾، وعرضهم على النار: تعذيبهم بها؛ من قولهم: عرض بنو فلان على السيف؛ إذا قتلوا به، ومنه قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر: ٤٦]، ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم؛ من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها، فقلبوا. ويدل عليه تفسير ابن عباس: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿ولِيُوَفِّيَهُمْ﴾ وقرئ بالنون): ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وهشام: بالياء، والباقون: بالنون. قوله: (ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم؛ من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها): الانتصاف: "إن كان "عرضت الناقة على الحوض" مقلوبًا، فعرض الذين كفروا على النار ليس مقلوبًا؛ لأن الحوض جماد لا إدراك له، والناقة هي المدركة، وأما النار فقد ورد أنها مدركة إدراك أولي العلم، فهو كقولك: عرضت الأسرى على الأمير". وقلت: عرضت الناقة على الحوض: من القلب المقبول الذي نزل فيه الحوض منزلة المدرك، أنشد المصنف رحمه الله تعالى: إذا ما استحين الماء يعرض نفسه .... كرعن بسبت في إناء من الورد ?

стр. 7788

﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ أي: ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر ﵁: "لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أبو العلاء: إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت .... عن الماء فاشتاقت إليها المناهل ألا ترى كيف أتبع- الأول_ عرض الماء نفسه قوله: "إناء من الورد"، والثاني: صرح بالاشتياق لما في ورودها المناهل ترتيبها بجمالها، بخلافها إذا تركت غير واردة، كذلك هؤلاء الكفار بلغ عنادهم وتصميمهم إلى أن جهنم تستعرض قربانهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. قوله: (بصلائق وصناب): ويروى: "بصلاء وصناب)، الصلاء؛ من صلاه: كالشواء؛ من شواه، النهاية: "في حديث عمر ﵁: "أما- والله- ما أجهل عن كراكر وأسنمة، ولو شئت لدعوت بصلاف وصناب وصلائق": الصلف: هو الغلو في الظرف، والزيادة على المقدار، مع تكبر. والصلائق: الرقاق، واحدتها: صليقة، وقيل: هي الحملان المشوية؛ والصلائق: الرقاق، واحدتها: صليقة، وقيل: هي الحملان المشوية؛ ?

стр. 7789

ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم، فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا"، وعنه: "لو شئت لكنت أطيبكم طعامًا، وأحسنكم لباسًا، ولكني أستبقي طيباتي". وعن رسول الله ﷺ : "أنه دخل على أهل الصفة، وهم يرقعون ثيابهم بالأدم، ما يجدون لها رقاعًا، فقال: أأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة، ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير، قال: بل أنتم اليوم خير". وقرئ: "أأذهبتم" بهمزة الاستفهام، و"آأذهبتم" بألف بين همزتين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من: صلقت الشاة: إذا شويتها، ويروى بالسين، وهو ما سلق من البقول وغيرهم، والصناب: الخردل المعموم بالزيت، وهو صباغ يؤتدم به، والكركرة- بالكسر- زور البعير الذي إذا برك أصاب الأرض، وجمعها: كراكر، يريد: إحضارهم للأكل؛ لأنها من أطايب ما يؤكل من الإبل". قوله: (بل أنتم اليوم خير): أي: حالتكم اليوم أنفع لكم في الدين، مما إذا فتح عليكم البلاد، واستغنيتم، روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن معاوية: أنه دخل على خاله أبي هاشم بن عتبة يعوده، فبكى أبو هاشم، فقال: ما يبكيك يا خال، أوجعًا يشئزك أم حرصًا على الدنيا؟ فقال: فكلا لا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا وقال: "لعلك تدرك أموالًا يؤتاها أقوام، وإنما يكفيك من جميع المال خادم ومركب في سبيل الله"، وإني أراني قد جمعت. وفي "صحيح البخاري" عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: "أتي عبد الرحمن ابن عوف بطعام، وكان صائمًا"، فساق الحديث إلى قوله: "قد بسط للناس من الدنيا ما بسط، ولقد خشيت أن عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام". قوله: (وقرئ: "أأذهبتم" بهمزة الاستفهام): ابن ذكوان: "أأذهبتم" بهمزتين محققتين من غير مد، وابن كثير وهشام أطول مدًا على أصله، والباقون: بهمزة واحدة من غير مد على الخبر. ?

стр. 7790

﴿الهُونِ﴾: الهوان، وقرئ: "عذاب الهوان"، وقرئ: ﴿تَفْسُقُونَ﴾ بضم السين وكسرها. [﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢١] الأحقاف: جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، من: احقوقف الشيء: إذا اعوج، وكانت عاد أصحاب عمد، يسكنون بين رمال، مشرفين على البحر، بأرض يقال لها: الشحر، من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة. و﴿النُّذُرُ﴾ جمع نذير، بمعنى: المنذر أو الإنذار، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ من قبله ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ومن بعده. وقرئ: "من بين يديه ومن بعده"، والمعنى: أنّ هودًا ﵇ قد أنذرهم، فقال لهم: لا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم العذاب. وأعلمهم أنّ الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره. وعن ابن عباس ﵁: يعني الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا في زمانه. ومعنى ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ على هذا التفسير: ومن بعد إنذاره. هذا إذا علقت ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ بقوله: ﴿أَنذَرَ قَوْمَهُ﴾، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ﴿تَفْسُقُونَ﴾ بضم السين وكسرها): الضم: السبعة، والكسر: شاذ. قوله: (هذا إذا علقت ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ بقوله: ﴿أَنذَرَ قَوْمَهُ﴾): يعني: يحتمل أن يكون ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ حالًا، وأن يكون معترضةً بين المفسر والمفسر، قال القاضي: "أي: لا تعبدوا، فإن النهي عن الشيء إنذار عن مضرته، فعلى أن يكون حالًا ينبغي أن يقدر للقوم العلم بمقتضى الحال؛ ليدخل تحت الإنذار ويفيد الاعتبار، إما بتعليم هود إياهم قطعًا؛ إذا أريد ب" من خلفه": الذين سيبعثون بعده، أو أنهم شاهدوا ذلك وعلموا؛ إذا أريد بهم الذين بعثوا في زمانه وأنذروا بعده، ويجوز أن يحصل لهم العلم بذلك بالتعليم، وقريب منه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]، أي: أتكفرون والحال أنكم عالمون بهذه القصة؟ ! ?

стр. 7791

ولك أن تجعل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ اعتراضًا بين ﴿أَنذَرَ قَوْمَهُ﴾ وبين ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾، ويكون المعنى: واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك، فاذكرهم. [﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَافِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢٢] الإفك: الصرف، يقال: أفكه عن رأيه، ﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾ عن عبادتها، ﴿بِما تَعِدُنا﴾ من معاجلة العذاب على الشرك، ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ صادقًا في وعدك. [﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ٢٣] فإن قلت: من أين طابق قوله: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحال يجوز أن يكون من فاعل ﴿أَنذَرَ﴾، أي: أنذر قومه معلمًا إنذار الرسل قبله وبعده، أو من مفعوله، أي: أنذرهم وهم عالمون بإنذار سائر الرسل؛ إما بالمشاهدة أو بتعليمه إياهم. وعلى أن تكون معترضة: المعنى: اذكر- يا محمد- إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب الأليم، واذكر أيضًا أنه قد أنذر من تقدمه من الرسل، ومن تأخر عنه مثل ذلك الإنذار، وإليه الإشارة بقوله: "فاذكرهم"، وإنما كرر "اذكر" لأن كلًا من المعترض والمعترض فيه مستقلان في القصد، بخلاف الحال. وأما قوله: "ومعنى: ﴿ومِنْ خَلْفِهِ﴾ على هذا التفسير": فإشارة إلى تفسير ابن عباس؛ لأن ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ إذا فسر بالذين بعثوا في زمانه: يصح أن يقع إنذار بعضهم بعد إنذاره، وقوله تعالى: ﴿وقَدْ خَلَتِ﴾ - على الوجه الأول- جاء بلفظ الماضي، والمراد: الذين سيبعثون، على سنن الإخبار عن المستقبل بالماضي تحقيقًا له. قوله: (من أين طابق): تحرير السؤال والجواب: كأنهم قالوا: أجئتنا لتصرفنا عن ألهتنا بما تعدنا من نزول العذاب، فمتى هذا الوعد؟ فأتنا بالموعود أن كنت صادقًا. فأجيبوا: إنما العلم عند الله لا يأتيه لوقته إلا هو، فكيف آتيكم به- كما قال-؟ ?

стр. 7792

جوابًا لقولهم: ﴿فَاتِنا بِما تَعِدُنا﴾؟ قلت: من حيث إنّ قولهم هذا استعجال منهم بالعذاب، ألا ترى إلى قوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، فقال لهم: لا علم عندي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم حكمة وصوابًا، إنما علم ذلك عند الله، فكيف أدعوه بأن يأتيكم بعذابه في وقت عاجل تقترحونه أنتم؟ ومعنى: ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ -وقرئ بالتخفيف- أن الذي هو شأني وشرطي أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف والصرف عما يعرّضكم لسخط الله بجهدي، ولكنكم جاهلون لا تعلمون أنّ الرسل لم يبعثوا إلا منذرين، لا مقترحين، ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه. [﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٢٤ - ٢٥] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حكمةً وصوابًا): مفعول له، أي: ما أعلمني الله ذلك إلا لحكمة يعلمها الله، ومصالح لا أعلمها. قوله: (وقرئ بالتخفيف): أي: "أبلغكم"، بالتخفيف: أبو عمرو، والباقون: بالتشديد. قوله: (أن الذي هو شأني وشرطي): خبر، والمبتدأ هو: "معنى"، وقوله: "قرئ بالتخفيف" اعتراض، وقوله: "لا مقترحين ولا سائلين" بعد قوله: "لم يبعثوا إلا منذرين": نحو: ما زيد إلا قائم لا قاعد، وقد منعه صاحب "المفتاح"، وفيه إيذان بأن قوله: ﴿إنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكُم﴾ جواب عن قوله: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَافِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، وخلاصته: أن إتيان العذاب ليس إلي، وأن الذي علي وأنا مأمور به: تبليغ ما أرسلت به. ?

стр. 7793

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ في الضمير وجهان: أن يرجع إلى ﴿مَا تَعِدُنَا﴾، وأن يكون مبهمًا قد وضح أمره بقوله: ﴿عَارِضًا﴾ إما تمييزًا وإما حالًا، وهذا الوجه أعرب وأفصح، والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء، ومثله: الحبي والعنان؛ من حبا وعنّ: إذا عرض. وإضافة "مستقبل" و"ممطر" مجازية غير معرفة، بدليل وقوعهما -وهما مضافان إلى معرفتين- وصفًا للنكرة. ﴿بَلْ هُوَ﴾ قول قبله مضمر، والقائل: هود ﵇، والدليل عليه قراءة من قرأ: "قال هود: بل هو"، وقرئ: "قل: بل ما استعجلتم به هي ريح"، أي: قال الله: قل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أعرب وأفصح): لما فيه من البيان بعد الإبهام، والإيضاح غب التعمية. قوله: (الحبي): الجوهري: "الحبي: السحاب الذي يعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء". قوله: (والقائل: هود، والدليل عليه): هذا يشعر بأن في خلافًا، قال محيي السنة: "يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾ ". وقلت: يؤيد هذا القول التعقيب في قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾، لأنه ليس ثمة قول، بل هو عبارة عن سرعة استئصالهم وحصول دمارهم من غير ريب، وكذلك ذكر " الأمر"، كما قال: "وذكر" الأمر"، وكونها مأمورةً من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقويه". ونحو هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، قال: "معناه: فأماتهم الله، وإنما جيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته". ?

стр. 7794

﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبر عن الكثرة بالكلية، وقرئ: "يدمر كل شيء"، من: دمر دمارًا: إذا هلك. ﴿لَا تَرَى﴾ الخطاب للرائي من كان، وقرئ: ﴿لَا يُرَى﴾، على البناء للمفعول بالياء والتاء، وتأويل القراءة بالتاء -وهي عن الحسن-: لا ترى بقايا ولا أشياء منهم إلا مساكنهم. ومنه بيت ذي الرمّة: وما بقيت إلّا الضلوع الجراشع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى تقدير المصنف: الفاء فصيحة، أي: قال لهم هود ذلك ثم أدركتهم الريح، فأبادتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. ولا ارتياب في أن ذلك القول أبلغ وأجرى على قوانين البلاغة، وأنسب للفصاحة التنزيلية. قوله: (وقرئ: ﴿لا يُرَى﴾ على البناء للمفعول): عاصم وحمزة: ﴿إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ بالرفع، والباقون: بالتاء المفتوحة وبالنصب، قال: القراءة بالياء أقوى؛ لأنه لا يقال: ما جاءتني إلا امرأة، لكن: ما جاءني إلا امرأة، أي: شيء إلا امرأة، والأصل: ﴿لا يُرَى﴾ بالتذكير؛ لأن المعنى: شيء من الأشياء، وإنما أنث نظرًا إلى لفظ " مساكنهم". قوله: (وما بقيت): أوله- من رواية ابن جني لذي الرمة-: برى النحز والأجرال ما في غروضها .... فما بقيت إلا الصدور الجراشع ?

стр. 7795

وليست بالقوية. وقرئ: "لا ترى إلا مسكنهم"، و"لا يرى إلا مسكنهم". وروي: أنّ الريح كانت تحمل الفسطاط والظعينة، فترفعها في الجوّ حتى ترى كأنها جرادة. وقيل: أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم، قالت: رأيت ريحًا فيها كشهب النار. وروي: أوّل ما عرفوا به أنه عذاب: أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم، فاحتملتهم، فطرحتهم في البحر. وروي: أنّ هودًا لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطًا إلى جنب عين تنبع. وعن ابن عباس: اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود، وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وعن النبي ﷺ : أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراكب ينحز بواسطة الرحل: أي: يدق، والجرل- بالتحريك-: الحجارة، وأرض حركة: أي: ذات جراول، والجمع: الأجرال، والغرض: غرض الدابة، وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج، والبطان للقتب، يقال: غرضت البعير: مددت عليه الغرض، والجراشع: جمع الجرشع، وهو من الإبل العظيم الصدر المنتفخ الجنبين، يصف النون يقول: هزلها الاستحثاث والأعمال فما بقيت إلا الصدور المنتفخة. قوله: (اللهم إني أسألك خيرها) الحديث: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة ﵂ مع اختلاف يسير. ?

стр. 7796

وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به، وإذا رأى مخيلة: قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فيقال له: يا رسول الله، ما تخاف؟ فيقول: إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: «هذا عارض ممطرنا». فإن قلت: ما فائدة إضافة "الرب" إلى الريح؟ قلت: الدلالة على أن الريح وتصريف أعنتها مما يشهد لعظم قدرته، لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده، وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقوّيه. [﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ٢٦] ﴿إِنْ﴾ نافية، أي: فيما ما مكناكم فيه، إلا أنّ "إِنْ" أحسن في اللفظ؛ لما فيه مجامعة "ما" مثلها من التكرير المستبشع، ومثله مجتنب، ألا ترى أن الأصل في «مهما»: ماما، فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: "المخيلة: موضع الخال، وهو الظن، كالمظنة، وهي السحابة الخليقة بالمطر، ويجوز أن تكون مسماةً بالمخيلة التي هي مصدر، كالمحبسة من الحبس". قوله: (يعضد ذلك): أي: لعظم قدرته، فإن في إضافة "الرب" إلى "الريح" في قوله " ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ دلالةً على عظم شأنها، وأنها من جنود الله، ومما يستقيم أن ينسب إلى الرب ، ثم دل ذلك على عظمة بارئها، وأن مثل هذا الشيء العظيم مملوك له، منقاد لتصرفه، ثم أكد هذا المعنى باقتران الأمر معه، تتميمًا لتعظيم من أضيف إليها، لأن المراد بالأمر: واحد الأوامر، فيكون استعارةً مكنية، شبهت- لكونها منقادةً لتكوين الله فيها ما يشاء، وأنها غير ممتنعة على الله- بالعقلاء المميزين، فلا يتوقفون لامتثال أوامره. ?

стр. 7797

ولقد أغث أبو الطيب في قوله: لعمرك ماما بان منك لضارب وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل، فقال: لعمرك ما إن بان منك لضارب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولقد أغث أبو الطيب): الأساس: "أغث فلان في كلامه: إذا تكلم بما لا خير فيه، وفلان لا يغث عليه شيء: لا يمتنع". قوله: "لعمرك ما ما بان): وفي رواية: يرى أن ما ما بان منه لضارب .... بأقتل مما بان منه لعائب "ما" الأولى: ناقية، والثانية: موصولة، وهي اسم "ما"، و "بأقتل" في موضع الخبر، واسم "أن": ضمير الشأن، يقول: إنه يرى العيب أشد من القتل، قال الواحدي: "معناه: أنه ما الذي بان منك لضارب بأقتل من الذي بان منك لعائب". وقال صاحب "المثل السائر": "أخذه أبو الطيب من أبي تمام حيث قال: فتىً لا يرى أن الفريضة مقتل .... ولكن يرى أن العيوب مقاتل وسرقه". ?

стр. 7798

وقد جعلت إن صلة، مثلها فيما أنشده الأخفش: يرجّي المرء ما إن لا يراه .... وتعرض دون أدناه الخطوب وتؤوّل بـ: أنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه. والوجه هو الأوّل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لعمرك ما أن بان): وفي بعض النسخ: "إن ما بان"، ولا يجوز الوجهان؛ لأن "ما" إذا قدمت كانت موصولةً مبتدأ، ولا تستقيم الباء في خبره، وإذا أخرت تقع الباء في خبر "إن" النافية، ولا يجوز أيضًا، لأن الباء لا تستقيم إلا في خبر "ليس"، أو "ما" بمعنى "ليس"، أو "هل". قوله: (يرجي المرء ما أن لا يراه) البيت: قيل: هو مأخوذ من قوله: "تؤملون ما لا تدركون"، وقريب من معناه قول الآخر: المرء قد يرجو الرجا .... ء مؤملًا والموت دونه قوله: (والوجه هو الأول): لأن المعنى الثاني يؤدي إلى أن يقال: مكناهم في مثل ما مكناكم فيه، فيلزم تفصيل تمكين هؤلاء على أولئك، لأن المشبه به أقوى في الوجه غالبًا، وعلى الأول: معناه: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، والذي سيق له الكلام أن كفار مكة دون أولئك الكفار في التمكين في الأرض، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦]، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام، السعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا. ?

стр. 7799

ولقد جاء عليه غير آية في القرآن؛ ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحث على الاعتبار. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من شيء من الإغناء، وهو القليل منه. فإن قلت: بم انتصب ﴿إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ﴾؟ قلت: بقوله: ﴿فَما أَغْنى﴾. فإن قلت: لم جرى مجرى التعليل؟ قلت: لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذا أساء؛ لأنك إذا ضربته في وقت إساءته، فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، إلا أن "إذ" و"حيث"، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك. [﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢٧] ﴿ما حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل مكة، ﴿مِنَ الْقُرى﴾ من نحو حجر ثمود وقرية سدوم وغيرهما. والمراد: أهل القرى. ولذلك قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. [﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٢٨] القربان: ما تقرب به إلى الله تعالى، أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأحد مفعولي "اتخذ": الراجع إلى ﴿الَّذِينَ﴾ المحذوف، والثاني: ﴿آلِهَةً﴾. و ﴿قُرْبَانًا﴾: حال، ولا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا، و ﴿آلِهَةً﴾ بدلًا منه؛ لفساد المعنى. وقرئ "قربانًا" بضم الراء، والمعنى: فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا، و ﴿آلِهَةً﴾ بدلًا منه، لفساد المعنى): قيل: لأن الآلهة لا تتخذ قربانًا، وإنما يتقرب إليها، وقال بعضهم: لا يصح أن يقال: تقربوا بها من دون الله، لأن الآلهة لا يتقرب بها، لأنك إذا جعلت ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا لـ"اتخذ"، فكأنك قلت: اتخذوهم- أي: الأصنام- قربانًا وآلهة، والإله لا يتخذ قربانًا، فيفسد المعنى. قال الفاضل نور الدين الحكيم الأبرقوهي: يفسد المعنى؛ لأنه لا يستقيم أن يقال: كان من حق الله أن يتخذ فربانًا، وهو اتخذوا الأصنام من دونه قربانًا، كما استقام أن يقال: كان من حق الله?

стр. 7800

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يتخذ إلهًا، وهم اتخذوا الأصنام من دونه آلهة. هذا تقرير كلامه، وهو سديد، إلا أن لقائل أن يقول: أن المصنف ذكر في "البقرة" في قوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: " أي: بين يدي الله، على قول، وعلى ذلك يستقيم أن يقال: اتخذوا الأصنام متقربًا بها بين يدي الله، وأيضًا قد قيل: إن ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعول له، وعلى ذلك فهو غير مخصوص بما يتقرب به، فيسوغ أن يجري بمعنى المتقرب إليه، وحينئذ يستد أن يقال: إنه مفعول ثان أيضًا. هذا كلامه. وقال مكي وأبو البقاء: "إنه مفعول ثان". وقال صاحب "الكشف": " ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعول ثان قدم على الأول، أي: آلهةً ذات قربة". وقال صاحب "التقريب": وغاية تقريره: أن اتخاذ الله قربانًا وشفعاء جهة معتبرة في النصرة، ولو جعل مبدلًا منه لكان في حكم الطرح، وخرج عن الاعتبار، وفيه نظر. الانتصاب: "لا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا، و ﴿آلِهَةً﴾ حالًا؛ لأنه يصير بمعنى الذم إلى ترك اتخاذ الله متقربًا به، لأنك إذا قلت لعبدك: اتخذت فلانًا سيدًا دوني! لمته على نسبة السيادة لغيره، والله تعالى لا يتقرب به، ولكن يتقرب إليه". وقلت: المصنف لم يرد بـ" فساد المعنى" إلا خلاف المعنى المقصود؛ إذ لم يكن قصدهم في اتخاذهم الأصنام آلهةً على زعمهم إلا أن يتقربوا بها إلى الله تعالى، ألا ترى كيف صرح وكيف جيء بأداة الحصر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣﴾، لاسيما في هذا المقام، لأن الذي سيق له الكلام، وجعل أصلًا في ?

стр. 7801

﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: غابوا عن نصرتهم، ﴿وَذلِكَ﴾ إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم عنهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء. وقرئ: "أفكهم": والإفك والأفك: كالحِذر والحَذر. وقرئ: "وذلك أفكهم"، أي: وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق. وقرئ: "أفَّكهم" على التشديد للمبالغة، و"آفكهم" جعلهم آفكين، و"آفكهم"، أي: قولهم الآفك ذو الإفك، كما تقول: قول كاذب، و"ذلك إفك مما كانوا يفترون"، أي: بعض ما كانوا يفترون من الإفك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاعتبار: هو التقريع والتوبيخ على عدم الشفاعة والنصرة التي جعلوها وسيلةً إليها وغرضًا في اتخاذهم آلهةً معبودة، حيث أولي كلمة التخضيض لفظ النصرة، ولو جعل مبدلًا لانعكس، سواء جعل في حكم الساقط أو توطئةً وتمهيدًا للبدل، لأن التوطئة غير مقصودة بالذات، وبه لوح في قوله: "أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا". ولو حمل على المفعول له صح أيضًا، وأفاد المقصود. وقول من قال: إن ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ مفعولان: أشد فسادًا؛ لما يؤدي إلى صيرورة الناصر والمنصور- في قوله: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ - واحدًا، لأن الضمير في ﴿اتَّخَذُوا﴾ حينئذ راجع إلى الموصول. والمعنى الصحيح- كما ذهب إليه المصنف-: هلا نصر هؤلاء الكفار الذين اتخذوهم آلهة من دون الله متقربًا بهم إلى الله. قوله: (وقرئ: "وذلك أفكهم"): وقال مكي: "وهو فعل ماض، و"ما" في موضع رفع أيضًا؛ عطف على ذلك، وقيل: على المضمر المرفوع في "أفكهم"، وحسن ذلك للتفرقة بالمضمر المنصوب بينهما، فقام مقام التأكيد". قوله: (و"ذلك إفك مما كانوا يفترون"): أي: وقرئ: "إفك"، ومعنى هذه القراءة راجع إلى الأولى، لأن عطف ﴿ومَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ على ﴿إفْكُهُمْ﴾ من باب عطف العام على الخاص، ?

стр. 7802

[﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢٩ - ٣٢] ﴿صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك. وقرئ: "صرفنا" بالتشديد، لأنهم جماعة. والنفر: دون العشرة، ويجمع: أنفارًا. وفي حديث أبي ذر ﵁: "لو كان ها هنا أحد من أنفارنا". ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ الضمير للقرآن، أي: فلما كان بمسمع منهم، أو لرسول الله ﷺ ، وتعضده قراءة من قرأ "فَلَمَّا قضى"، أي: أتمّ قراءته وفرع منها، ﴿قَالُوا﴾ قال بعضهم لبعض: ﴿أَنْصِتُوا﴾ اسكتوا مستمعين، يقال: أنصت لكذا، واستنصت له. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني: قولهم: هؤلاء شفعاؤنا، أو اتخذناهم آلهةً نتقرب بها إلى الله: إفك وبعض ما كانوا يفترون؛ قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. قوله: (وفي حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا): وحديثه على ما ذكر في "الفائق": "قال أبو ذر: قال أخي أنيس: أن لي حاجةً بمكة، فانطلق، فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: ساحر شاعر كاهن، وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون، فقلت: اكفني حتى أنظر، قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا. ?

стр. 7803

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فانطلقت، فتضعفت رجلًا من أهل مكة، فقلت: أين هذا الذي تزعمونه الصابئ؟ فأشار إلي وقال: الصابئ الصابئ، فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم وحجر، فخررت مغشيًا علي، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم، فغسلت عني الدم، وشربت من مائها، ثم دخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت بها ثلاثين، ما بين يوم وليلة، وما لي بها طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع. فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، قد ضرب الله على أصمختهم، فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا علي وهما تدعوان إسافًا ونائلًا، فقلت: أنكحوا إحداهما الأخرى، فما ثناهما ذلك، فقلت، وذكرت كلامًا فاحشًا لم يكن عنه، فانطلقتا وهما تقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا، فاستقبلها رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ بالليل، وهما هابطان من الجبل، فقال رسول الله ﷺ : ما لكما؟ قالتا: صابئ بين الكعبة وأستارها، قال: فما قال لكما: فقالتا: كلمةً تملأ الفم. ثم ذكر خروجه إلى رسول الله ﷺ ، وتسليمه عليه، وأنه أول من حياه بتحيةً الإسلام، وقال: فذهبت لأقبل بين عينيه، فقدعني عنه صاحبه. قوله: الريث: الإبطاء، ورجل ريث، وعن الفراء: رجل مريث العينين: إذا كان بطيء النظر. أقراء الشعر: أنحاؤه وأنواعه، جمع قرو، ويقال للبيتين أو القصيدتين: هما على قرو واحد، وقري واحد. وشنف وشنئ: أخوان، ولكن شنف لا يتعدى إلا باللام. تجهمه: كلح في وجهه وغلظ له في القول، تضعفته: استضعفته، النصب والنصب: حجر كانوا ينصبونه فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح. يقال: وجدت سخفةً من جوع، وهي الخفة تعتري الإنسان إذا جاع، من السخف، وهي الخفة في العقل. يقال: ليلة ضحياء وإضحيان وإضحيانة، وهي المقمرة من أولها إلى آخرها، وإفعلان: مما قل في كلامهم. ?

стр. 7804

روي: أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلما حرست السماء، ورجموا بالشهب، قالوا: ما هذا إلا لنبإ حدث، فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جنّ نصيبين- أو نينوى-، منهم زوبعة، فضربوا، حتى بلغوا تهامة، ثم اندفعوا إلى وادي نخلة، فوافقوا رسول الله ﷺ ، وهو قائم في جوف الليل يصلى -أو في صلاة الفجر-، فاستمعوا لقراءته، وذلك عند منصرفه من الطائف، حين خرج إليهم يستنصرهم، فلم يجيبوه إلى طلبته، وأغروا به سفهاء ثقيف. وعن سعيد بن جبير ﵁: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، وإنما كان يتلو في صلاته، فمروا به، فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر، فأنبأه الله باستماعهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: أن إسافًا كان رجلًا، ونائلة امرأة، فدخلا البيت، فوجدا خلوة، ففجرا، فمسخهما الله حجرين. الأنفار: جمع نفر، وهم الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العسرة، والنفرة: مثله، وهو من النفير، لأن الرجال هم الذين إذا حزبهم أمر نفروا لكفايته، القدع والردع: أخوان". كلها في"الفائق". وذكر ابن عبد البر في"الاستيعاب" حديث إسلام أبي ذر بغير هذا الوجه، والله أعلم. قوله: (زوبعة): النهاية: "التزبع: التغير وسوء الخلق وقلة الاستقامة، كأنه من الزوبعة؛ الريح المعروفة". قوله: (وعن سعيد بن جبير: ما قرأ رسول الله ﷺ [على الجن] ولا رآهم): هذا يخالف ما روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود عن علقمة، قلت لابن مسعود: هل صخب النبي ﷺ ليلة الجن منكم أحد، قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك وطلبناك فلم نجدك، ?

стр. 7805

وقيل: بل أمر الله رسوله أن ينذر الجنّ، ويقرأ عليهم، فصرف إليه نفرًا منهم، جمعهم له، فقال: "إني أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة، فمن يتبعني؟ " قالها ثلاثًا، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لم يحضره ليلة الجنّ أحد غيري، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فبتنا بشر بات بها قوم، قال: أتاني داعي الحن، فذهبت معه، وقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم"، الحديث. وفي رواية لمسلم: أن ابن مسعود قال: "لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، ووددت أني كنت معه". قوله: (إلا عبد الله بن مسعود، قال: لم يحضره ليلة الجن أحد غيري) الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل عن ابن مسعود: "قمت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، وأخذت إداوة، ولا أحسبها إلا ماء، حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودةً مجتمعة، قال: فخط لي رسول الله ﷺ [خطأ]، ثم قال: قم هاهنا حتى آتيك، ومضى رسول الله ﷺ إليهم، فرأيتهم يتثورون إليه، فسمر معهم ليلًا طويلًا، حتى جاءني مع الفجر، وقال لي: هل معك من وضوء؟ قلت: نعم، ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ، فقلت: ما كنت أحسبها إلا ماء، فإذا هو نبيذ، فقال رسول الله ﷺ : تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منها، ثم قام يصلي، فأدركه شخصان منهم. ?

стр. 7806

فانطلقنا، حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون، فخط لي خطًا، وقال: "لا تخرج منه حتى أعود إليك"، ثم افتتح القرآن، وسمعت لغطًا شديدًا، حتى خفت على رسول الله ﷺ ، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم انقطعوا كقطع السحاب، فقال لي رسول الله ﷺ : "هل رأيت شيئا؟ ". قلت: نعمن رجالًا سودًا مستثفري ثياب بيض. فقال: "أولئك جنّ نصيبين"، وكانوا اثني عشر ألفًا، والسورة التي قرأها عليهم: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]. فإن قلت: كيف قالوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾؟ قلت: عن عطاء: أنهم كانوا على اليهودية. وعن ابن عباس: إنّ الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى ﵇، فلذلك قالت: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. فإن قلت: لم بعّض في قوله: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فصفهما خلفه، ثم صلى بنا، فقلت: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: جن نصيبين". قوله: (في شعب الحجون): الحجون: موضع فيه مقابر مكة، أنشد لجرهم: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا .... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا .... صروف الليالي والجدود العواثر قوله: (أسودة): النهاية: " أسودة: جمع قلة لـ"سواد"، وهو الشخص، لأنه يرى من بعيد أسود". قوله: (مستثفري ثياب): النهاية: "وهو أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه، كما يفعل الكلب بذنبه". ?

стр. 7807

قلت: لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم ونحوها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان): وقلت: قد استقصينا القول في هذا المعنى في سورة إبراهيم ﵇، وعند قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣ - ٤] في سورة نوح ﵇. الانتصاف: "الحربي إذا نهب الأموال، وسفك الدماء، ثم حسن إسلامه، جب الإسلام ما تقدم، ويقال: إنه لا يرد وعد المغفرة للكافر على تقدير الإيمان في كتاب الله إلا مبعضة، وهذا منه، فلعل سره: أن مقام الكافر قبض لا بسط، فلذلك لم يبسط رجاؤه في مغفرة كل الذنوب". قال صاحب "الانتصاف": مقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، وقد أمر الله موسى أن يقول لفرعون قولًا لينًا، وقد ورد: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهي غير مبعضة، و "ما" للعموم، ولا سيما وقد وقعت في الشرط، والحديث الصحيح ينصر هذا التأويل، وقد أوردناه في سورة إبراهيم ﵇. ?

стр. 7808

ونحوه قوله عزّ وعلا: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣ - ٤]. فإن قلت: هل للجنّ ثواب كما للإنس؟ قلت: اختلف فيه: فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، لقوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾، وإليه كان يذهب أبو حنيفة ﵀، والصحيح أنهم في حكم بني آدم، لأنهم مكلفون مثلهم. ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا ينجي منه مهرب، ولا يسبق قضاءه سابق، ونحوه قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]. [﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣٣] ﴿بِقادِرٍ﴾ محله الرفع؛ لأنه خبر "أن"، يدل عليه قراءة عبد الله: "قادر"، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أوّل الآية على "أن" وما في حيزها. وقال الزجاج: "لو قلت: ما ظننت أنّ زيدًا بقائم، جاز. كأنه قيل: أليس الله بقادر؟ ! ، ألا ترى إلى وقوع ﴿بَلَى﴾ مقرّرة للقدرة على كل شيء من البعث وغيره، لا لرؤيتهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقال الزجاج): وفي "كتابه": "دخلت الباء في خبر "أن" لدخول ﴿أَوَ لَمْ﴾ في أول الكلام، ولو قلت: "ظننت أن زيدًا بقائم" لم يجز، ولو قلت: "ما ظننت أن زيدًا بقائم" جاز؛ لدخول "ما"، ودخول "أن" إنما هو توكيد الكلام، فكأنه في تقديره: أليس الله بقادر على أن يحيي الموتى". قوله: (وقوع ﴿بَلَى﴾ مقررة للقدرة، لا لرؤيتهم): يعني: "بلى" كلمة إيجاب يجاب بها النفي، وقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا﴾ فيه نفي، وهي ليست بمقررة له، لأن المعنى لا يساعد عليه، بل لقوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ من حيث المعنى، قال القاضي: " ﴿بَلَى﴾ تقرير للقدرة على وجه عام، ليكون كالبرهان على المقصود، كأنه تعالى لما صدر السورة بتحقيق المبدأ، أراد ختمها بإثبات المعاد". ?

стр. 7809

وقرئ: "يقدر"، ويقال: عييت بالأمر: إذا لم تعرف وجهه. ومنه: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥]. [﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٣٤] ﴿أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ محكي بعد قول مضمر، وهذا المضمر هو ناصب الظرف، و ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى العذاب، بدليل قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾، والمعنى: التهكم بهم، والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]. [﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ ٣٥] ﴿أُولُوا الْعَزْمِ﴾ أولوا الجد والثبات والصبر، و ﴿مِنَ﴾ يجوز أن تكون للتبعيض، ويراد بأولي العزم: بعض الأنبياء، قيل: هم نوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبَّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة، وقال: إنها معبر، … ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويراد بأولي العزم: بعض الأنبياء): قال القاضي: "وهم أصحاب الشرائع، اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها". قوله: (معبرة): وفي نسخة: "معبرة"، روي عن المصنف: المعبر- بفتح الميم-: موضع العبور، كالجسر والقنطرة، وبكسره: السفينة المعبرة. ?

стр. 7810

فاعبروها ولا تعمروها. وقال الله تعالى في آدم: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، وفي يونس: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]. ويجوز أن تكون للبيان، فيكون: ﴿أُولُو الْعَزْمِ﴾ صفة الرسل كلهم. ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ﴾ لكفار قريش بالعذاب، أي: لا تدع لهم بتعجيله، فإنه نازل بهم لا محالة، وإن تأخر، وأنهم مستقصرون حينئذ مدّة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها ﴿ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾. ﴿بَلاغٌ﴾ أي: هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة، أو هذا تبليغ من الرسول ﵇، ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ إلا الخارجون عن الاتعاظ به، والعمل بموجبه، ويدل على معنى التبليغ قراءة من قرأ: "بلغ فهل يهلك"، وقرئ: "بلاغًا"، أي بلغوا بلاغًا، وقرئ: "يهلك" بفتح الياء وكسر اللام وفتحها؛ مِن: هلك وهلِك، و"نهلك" بالنون، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾. وعن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيكون ﴿أُوْلُوا العَزْمِ﴾ صفة الرسل): أي: من حيث المعنى، لأن ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ على هذا: حال من "أولي العزم"، وفي الحقيقة: الحال بيان لهيئة صاحبها، كالصفة، وعلى الأول: "من" للتبعيض. قوله: (أو هذا تبليغ): قال القاضي: " ﴿هَذَا﴾ الذي وعظتم به، أو هذه السورة، ﴿بَلَاغٌ﴾ أي: كفاية، أو تبليغ من الرسول ﷺ ، وقيل: ﴿بَلَاغٌ﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿لَهُمْ﴾، وما بينهما اعتراض، أي: لهم وقت يبلغون إليه، كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه، استقصروا مدة عمره". وقلت: الذي هو أقضى لحق البلاغة: أن تجعل الآية كالخاتمة للسورة، والفذلكة لما ?
следующие страницы →