← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ " ﴿هَذَا هُدًى﴾: هذا القرآن بيان الضلالة، والذين كفروا به ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾. وقلت: والآيات السابقة أيضًا- أعني قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ - تدل عليه. واعلم أنه تعالى لما عد أنواع استخفافهم وتكذيبهم بالقرآن، ووصفهم بالكذب الإفك والإثم والاستكبار، ورتب عليه البشارة بالعذاب، وحكى عن استهزائهم وانتهاز فرصتهم ليستخفوا به، ورتب عليه: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، عينه تعيينًا، وميزه تمييزًا، وجعله كالعلم المشار إليه بالحسن، ونكر خبره تنكير تهويل، فقال: ﴿هَذَا هُدًى﴾، أي: هذا المتميز المشخص كامل في الهداية، ليس بخاف على كل ذي بصيرة: أنه ليس بمكان للتكذيب والاستهزاء، والذين كذبوا به، واستكبروا عن قبوله، وأعرضوا عنه بالاستهزاء: لهم عذاب بعد عذاب، أي: عذاب مضاعف، لأن الرجز والعذاب شيء واحد، والمراد: التكثير لا التحديد، ثم ثنى إلى ما أبدأ السورة به من ذكر الآيات: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾. ويمكن أن يقال- والله أعلم-: أن المشار إليه بقوله: ﴿هَذَا﴾ المذكور، يعني: ما ذكر من أول السورة من الآيات الدالة على الوحدانية، كالوحي النازل من العزيز الحكيم، وكأفعاله الخاصة الآفاقية والأنفسية، ﴿هُدًى﴾ أي: هدى لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه. يؤيده قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾، وتفسير المصنف: " ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدمة"، فيكون المراد بقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أيضًا: تلك الآيات. وفي اقتران ذكر "الرب" معه، وذكر "الله" في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: إشعار بأن تلك لتلاوة وذلك الإرشاد لم يكن إلا لمحض الإنعام، والكافرون عكسوا القضية، فكفروا بدل الشكر، ولذلك جيء بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾، وبقوله: ﴿وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ﴾، وفصل الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، والثانية بقوله: ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ لينبه ?

стр. 7737

لأنّ "آيات ربهم" هي القرآن، أي: هذا القرآن كامل في الهداية، كما تقول: زيد رجل، تريد: كامل في الرجولية، وأيما رجل. "والرجز": أشد العذاب، وقرئ بجر "أليم" ورفعه. [﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١٢ - ١٣] ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر. فإن قلت: ما معنى ﴿مِنْهُ﴾ في قوله: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وما موقعها من الإعراب؟ قلت: هي واقعة موقع الحال، والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، وحاصلة من عنده، يعني: أنه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي جميعًا منه، وأن يكون ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ تأكيدًا لقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾، ثم ابتدئ قوله: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وأن يكون ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْهُ﴾ خبره. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالشكر على الإنعام، وبالتفكر على أن ذلك الإنعام أيضًا دليل من الدلائل السابقة، وأخرت من أخواتها تطرئةً للتنبيه، وعلم من ذلك أن التفكر ملاك التعقل والإيقان والإيمان، والله أعلم. قوله: (وأيما رجل): تفسير ثان لقوله: "زيد رجل". فإن قلت: ليس ما في الآية كالمثال، لأن "رجل" هو "زيد"؟ قلت: بل الكتاب هو هدىً مبالغة، قال صاحب "المفتاح": "أنت تعلم أن شأن الكتب السماوية الهداية لا غير، وبحسبها يتفاوت شأنهن في درجات الكمال". قوله: (تقديره: هي جميعًا منه): أي: المذكورات كائنة منه جميعًا. ?

стр. 7738

وقرأ ابن عباس: " منة"، وقرأ سلمة بن محارب: "منه"، على أن يكون "منه" فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك -أو: هو- منه. [﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ١٤ - ١٥] حذف المقول لأنّ الجواب دال عليه، والمعنى: قل لهم: اغفروا يغفروا، ﴿لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم لوقائع العرب: أيام العرب. وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين، ووعدهم الفوز فيها. قيل: نزلت قبل آية القتال، ثم نسخ حكمها. وقيل: نزولها في عمر ﵁، وقد شتمه رجل من غفار، فهمّ أن يبطش به. وعن سعيد بن المسيب: كنا بين يدي عمر بن الخطاب، فقرأ قارئ هذه الآية، فقال عمر: ليجزي عمر بما صنع. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليل الأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ ابن عباس: "منة"): قال ابن جني: "وقرأها أيضًا [عبد الله بن] عمرو الجحدري، فهي منصوبة على المصدر، دل عليه قوله: ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ جَمِيعً﴾، لأن ذلك من منة الله تعالى، أي: من عليه منة". قوله: (على أن يكون "منه" فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي): ووجهه: أن الله تعالى سخر ذلك للمنة علينا، فكأن المنة هو السبب في ذلك. قوله: (لأن الجواب دال عليه): أو ﴿يَغْفِرُوا﴾ دال على أن المقول: اغفروا، كقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، أي: في القتال، فحذف، لأن ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ دل عليه. ?

стр. 7739

فإن قلت: قوله: ﴿قَوْمًا﴾ ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا، وهم معارف؟ قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزي أيما قوم وقومًا مخصوصين؛ لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو مدح لهم وثناء عليهم): وهو من باب التجريد، وأنشد ابن جني عن أبي علي الفارسي: أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا .... وفي الله أن لم يعدلوا حكم عدل وقال: "وهو تعالى أعرف المعارف، وسماه الشاعر حكمًا عدلًا، وأخرج اللفظ مخرج التنكير، ألا ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف". وقلت: وإليه أشار المصنف بقوله: "أيما قوم وقومًا مخصوصين" إلى آخره، وكذا جرد عمر ﵁ من نفسه شخصًا اسمه عمر، كأنه غيره، وحكم عليه بأنه ليجزى ما صنع من صبره واحتماله من الرجل الذي شتمه من غفار، وهم أن يبطش به. ?

стр. 7740

﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه. ومعنى قوله عمر: "ليجزى عمر بما صنع": ليجزي بصبره واحتماله وقوله لرسول الله ﷺ عند نزول الآية: "والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي". وقرئ: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾؛ أي: الله ، و"ليجزى قوم"، "وليجزي قومًا"، على معنى: وليجزي الجزاء قومًا. [﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١٦ - ١٧] ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة، ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة والفقه، أو فصل الخصومات بين الناس، لأنّ الملك كان فيهم والنبوّة، ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق، ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾): ابن عامر وحمزة والكسائي: بالنون، والباقون: بالياء. قوله: (على معنى: وليجزى الجزاء قومًا): قال صاحب "التقريب": وفي المجهول في نصب ﴿قَوْمًا﴾ على: ليجزى الجزاء قومًا: نظر؛ لأنهم قالوا: إذا وجد المفعول به تعين، فالأولى أن ينتصب بـ"أعني" أو "يجزي" لدلالة المجهول على جاز، وقال أبو البقاء: "الجيد أن يكون التقدير: ليجزى الخير قومًا، على أن "الخير" مفعول بع في الأصل، كقولك: جزاك الله خيرًا، وإقامة المفعول الثاني إقامة الفاعل جائز، أو التقدير: ليجزى الجزاء، على أن القائم مقام الفاعل المصدر، وهو بعيد". وقال صاحب "الكشف": لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل، ومعك مفعول صحيح، ?

стр. 7741

﴿بَيِّناتٍ﴾ آيات ومعجزات، ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين، فما وقع بينهم الخلاف في الدين ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾ ما هو موجب لزوال الخلاف، وهو ﴿العِلْمُ﴾، وإنما اختلفوا لبغي حدث بينهم، أي: لعداوة وحسد. [﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ١٨ - ١٩] ﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾ على طريقة ومنهاج، ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾ ما لا حجة عليه من أهواء الجهال. ودينهم المبنى على هوى وبدعة -وهم رؤساء قريش حين قالوا: ارجع إلى دين آبائك-، ولا توالهم؛ إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما المتقون: فوليهم الله، وهم موالوه. وما أبين الفصل بين الولايتين. [﴿هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢٠] ﴿هَذَا﴾ القرآن ﴿بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى﴾ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل روحًا وحياة، (و) هو (هدًى) من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذاب لمن آمن وأيقن. وقرئ: "هذه بصائر"، أي: هذه الآيات. [﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ٢١] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإذن الخبر مضمر، كما أضمر "الشمس" في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، لأن ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص: ٣٢] دليل على تواري الشمس. قوله: (بمنزلة البصائر في القلوب): البصيرة في القلب: ما يستبصر به الإنسان، كما أن البصر في العين: ما يبصر به. وقيل: أن البصيرة نور القلب، كما أن البصر نور العين. ?

стр. 7742

﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان، والاجتراح: الاكتساب. ومنه: الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي: كاسبهم، ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ أي: نصيرهم، وهو من "جعل" المتعدي إلى مفعولين، فأوّلهما: الضمير، والثاني: الكاف، والجملة -التي هي (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ) - بدل من الكاف؛ لأنّ الجملة تقع مفعولًا ثانيًا، فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم، كان سديدًا، كما تقول: ظننت زبدًا أبوه منطلق. ومن قرأ: ﴿سَواءً﴾ بالنصب: أجرى "سواء" مجرى مستويًا، وارتفع ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ على الفاعلية، وكان مفردًا غير جملة، ومن قرأ: "ومماتهم" بالنصب: جعل "محياهم ومماتهم": ظرفين، كمقدم الحاج وخفوق النجم، أي: سواء في محياهم وفي مماتهم. والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيًا، وأن يستووا مماتًا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والجملة - التي هي "سواء محياهم ومماتهم"- بدل من الكاف): وقلت: الضميران في "محياهم" و "مماتهم" للكافرين وللمؤمنين جميعًا، قال مكي: " (سواء محياهم ومماتهم) مستو في البعد من رحمة الله، والضميران للكفار والمؤمنين، ويبعد عند سيبويه رفع ﴿مَّحْيَاهُمْ ومَمَاتُهُمْ﴾ بـ (سواء)، لأنه ليس باسم فاعل ولا مشبه به، وإنما هو مصدر". قوله: (ومن قرأ ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب): حفص وحمزة والكسائي، والباقون: بالرفع. قال مكي: "على هذا: ﴿سَوَاءً﴾ حال من الضمير في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾، ويرفع ﴿مَّحْيَاهُمْ ومَمَاتُهُمْ﴾ به، لأنه بمعنى: مستو، والمفعول الثاني لـ "جعل": الكاف في ﴿كَالَّذِينَ﴾، والضميران يعودان على الكفار والمؤمنين". ?

стр. 7743

لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي، ومماتًا، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدّ لهم. وقيل: معناه: إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأنّ المسيئين والمحسنين مستوٍ محياهم في الرزق والصحة، وإنما يفترقون في الممات، وقيل: (سواء محياهم ومماتهم) كلام مستأنف على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم، كل يموت على حسب ما عاش عليه. وعن تميم الداري ﵁: أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردّد إلى الصباح: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وعن الفضيل: أنه بلغها فجعل يردّدها ويبكي ويقول: يا فضيل، ليت شعري من أي الفريقين أنت؟ [﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٢٢] ﴿وَلِتُجْزى﴾ معطوف على ﴿بِالحَقِّ﴾، لأنّ فيه معنى التعليل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال مكي: " (ما) - في قوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ - أن جعلت معرفةً كانت في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾ فاعلًا، وإن جعلت نكرةً كانت في موضع نصب على البيان". قوله: ("سواء محياهم ومماتهم"): كلام مستأنف، وذلك أنه حين أنكر حسبان أن يستوي الكافر والمؤمن، قيل: فإذن كيف الحال؟ فأجيب: أن المؤمن يعيش حميدًا ويموت سعيدًا، يعيش في طاعة الرحمن، ثم المرجع إلى الرضوان، والكافر يعيش في طاعة الشيطان، والمآب إلى النيران، فأنى يستويان. قوله: ﴿ولِتُجْزَى﴾ معطوف على ﴿بِالْحَقِّ﴾، لأن فيه معنى التعليل): أي: إنما خلقها ?

стр. 7744

أو على معلل محذوف، تقديره: خلق الله السماوات والأرض، ليدل به على قدرته ولتجزى كل نفس. [﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢٣] ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه. وقرئ: "آلهة هواه"، لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى، يعبد كل وقت واحدًا منها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لكون خلقها حقًا "أو على معلل محذوف"، ولو قال: "على علة محذوفة" كان أولى، لأن المقدر هو قوله: "ليدل بها على قدرته". ولقائل أن قوله: "ليدل بها على قدرته": معنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ وبيان للوجه الأول، وأما بيان الوجه الثاني: فهو أن يقال: "ولتجزى كل نفس بما كسبت فعل ذلك"، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقيل: أراد بـ"المعلل": التعليل، فيكون المعلل مصدرًا ميميًا، قال القاضي: " ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ كأنه دليل على الحكم السابق، من حيث أن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المسيء والمحسن، وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات". قوله: (لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده): وفي "التيسير": كانوا في الجاهلية يعبدون ما يستحسنونه، فإذا استحسنوا غيره تركوا الأول، وعبدوا الثاني، فإنما كان أحد يعبد ما يهواه، فعلى هذا يكون "الهوى" مصدرًا بمعنى المفعول، أي: يجعل إلهه مهويه، كقولك: فلان رجائي، أي: مرجوي. ?

стр. 7745

﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ وتركه عن الهداية واللطف وخذله، ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ عالما بأنّ ذلك لا يجدي عليه، وأنه ممن لا لطف له، أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقرّبة، ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ﴾ إضلال ﴿اللَّهُ﴾؟ ! وقرئ: ﴿غِشَاوَةً﴾ بالحركات الثلاث، و"غشوة" بالكسر والفتح، وقرئ: "تتذكرون". [﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٢٤] ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ نموت نحن ويحيا أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون مواتًا نطفًا في الأصلاب، ونحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران: الموت والحياة، يريدون: الحياة في الدنيا والموت بعدها، وليس وراء ذلك حياة. وقرئ: "نحيا"، بضم النون، وقرئ: "إلا دهر يمرّ". وما يقولون ذلك عن علم، ولكن عن ظنّ وتخمين، كانوا يزعمون أنّ مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الألطاف المحصلة والمقربة): مضى تفسيرها في أول البقرة. قوله: (وقرئ: ﴿غِشَاوَةً﴾ بالحركات الثلاث): حمزة والكسائي: بفتح الغين وإسكان الشين، والباقون: بكسر الغين وفتح الشين وألف بعدها. قوله: (كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر): هذا تفسير الدهر. قال القاضي: "الدهر: مرور الزمان، والأصل: مدة بقاء العالم". الراغب: "الدهر في الأصل: اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، واستعير للعادة الباقية مدة الحياة، فقيل: ما دهري بكذا". ?

стр. 7746

وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان، ومنه قوله ﵇: «لا تسبوا الدهر، فإنّ الله هو الدهر»، أي: فإنّ الله هو الآتي بالحوادث، لا الدهر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واعلم أنه تعالى لما ذكر خلق السماوات والأرض وقيده بالحق، وقد تقرر غير مرة أن المراد بالحق: المعرفة والعبادة، وتعليل الخلق ها هنا بقوله: ﴿ولِتُجْزَى﴾ دلالة بينة عليه، قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾، يعني: ألا تتعجبوا من هذا الذي اتبع هواه، وأضله الله، وختم على سمعه وقلبه، كيف ضل عن سبيل المعرفة ورفض العمل، وطعن في تلك الحكمة البالغة، وادعى الحكمة لنفسه، وقال: لا عمل ولا جزاء، و ﴿مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا ومَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ﴾؟ ! بخلاف المؤمن الذي جعل هواه تبعًا لدينه، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، ألا ترى كيف رتب قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ على التفكر في خلق السماوات والأرض المؤدي إلى حقية خلقهما؟ فدل بعطف قوله: ﴿وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ على ﴿اتَّخَذَ﴾ على أنهم إنما اتبعوا أهواءهم الباطلة، ولم يجيلوا فكرهم في تلك الآيات الباهرة الدالة على تلك الحكمة البالغة لسبق علمه الأزلي والقضاء المقدر، وذلك الذي جسرهم أن يبطلوا حكمة الله بقولهم: ﴿مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا﴾. ثم نفى العلم عنهم على الاستغراق بقوله: ﴿مَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، وذيل الآيات بقوله: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾، ورتب فيه: ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ تقريرًا وتأكيدًا، فعلم قطعًا أن من اقتنى شيئًا من الهذيان، وسماه حكمة، واتبع الهوى، ورفض العمل، وأنكر الهدى الذي هو القول بالحشر: هو ممن أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، وما له بما يقول من علم، وهو أجهل خلق الله، وإن جمع أسفارًا من الهذيانات، نعوذ بالله من سخط الله. قوله: (لا تسبوا الدهر): روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود عن أبي هريرة ?

стр. 7747

[﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢٥ - ٢٦] وقرئ: حجتهم بالنصب والرفع؛ على تقديم خبر كان وتأخيره. فإن قلت: لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته، وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة، أو لأنه في أسلوب قوله: تحيّة بينهم ضرب وجيع كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد: نفى أن تكون لهم حجة البتة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في قوله تعالى: ﴿ومَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ﴾، قال: قال النبي ﷺ : "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار". النهاية: "كان من شأن العرب ذم الدهر وسبه عند النوازل والحوادث، أي: لا تسبوا الدهر، فإنكم إذا سببتموه وقع السب على الله تعالى، لأنه تعالى هو الفعال لما يريد، لا الدهر". الراغب: "قيل: معناه: أن الله فاعل ما يضاف إلى الدهر، فإذا سببتم الدهر تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموه، قيل: الدهر الثاني في الخبر غير الأول، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل، ومعناه: أن الله هو الدهر، أي المتصرف المدبر المقيض لما يحدث، والأول أظهر". قوله: (كما يدلي المحتج بحجته): المغرب: "أدليت الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه: أدلى بالحجة: أحضرها، وفي التنزيل: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨﴾، أي: تلقوا أمرها والحكومة فيها". قوله: (نفي أن تكون لهم حجة البتة): وهو على مذهب التميمي نحو قوله: ?

стр. 7748

فإن قلت: كيف وقع قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ جوابًا لقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؟ قلت: لما أنكروا البعث، وكذبوا الرسل، وحسبوا أنّ ما قالوه قول مبكت: ألزموا ما هو مقرّون به من أنّ الله هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعى الحق، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، ومن كان قادرًا على ذلك كان قادرُا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه. [﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ٢٧ - ٣١] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبلدة ليس بها أنيس .... إلا اليعافير وإلا العيس يعني: ليس لهم حجة البتة، إذ لو كانت لهم حجة كانت هذه، وهذه ليست بحجة، بل هي استبعاد وعناد، فإذن ليست لهم حجة البتة. قوله: (ألزموا ما هم مقرون به): يعني: لما لم يكن لهم حجة عند إيراد الآيات البينات لإثبات الحشر إلا قولهم: "ائتوا بآبائنا" عنادًا، قيل لهم ذلك لأنهم مقرون بأنه المحيي والمميت. ?

стр. 7749

عامل النصب في ﴿يَوْمَ تَقُومُ﴾: ﴿يَخْسَرُ﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من﴾ يَوْمَ تَقُومُ﴾. ﴿جاثِيَةً﴾ باركة مستوفزة على الركب، وقرئ: "جاذية"، والجذوّ: أشد استيفازًا من الجثوّ، لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وعن ابن عباس: جاثية: مجتمعة، وعن قتادة: جماعات؛ من الجثوة، وهي الجماعة، وجمعها: جثا، وفي الحديث: «من جثا جهنم». وقرئ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ﴾؛ على الابتداء، و"كل أمة" على الإبدال من ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويمكن أن يقال: إنهم لما قالوا: "ائتوا بآبائنا أن كنتم صادقين" عنادًا وتمردًا، قيل لهم: دعوا آباءكم، فإن القاهر القادر العالم بكل شيء يفعل كيت وكيت، فضلًا عما اقترحتموه، ولكن أنتم جهلاء لا تعلمون ذلك، كما قال: ﴿ومَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾. ونحوه في الإنكار قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] جوابًا عن قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧ - ٤٨]. قوله: (من جثا جهنم): النهاية: "في الحديث: "من دعاء الجاهلية فهو من جثا جهنم"، وفي آخر: "من دعا: يا لفلان، فإنما يدعو إلى جثا النار"، والجثا: جمع"جثوة" بالضم، وهو الشيء المجموع، ومنه حديث ابن عمر: "أن الناس يصيرون يوم القيامة جثًا، كل أمة تتبع نبيها"، أي: جماعة". وفي "الفائق": "والجثوة: ما جمع من تراب وغيره، فاستعيرت". ?

стр. 7750

﴿إِلى كِتابِهَا﴾ إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس، كقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ محمول على القول. فإن قلت: كيف أضيف "الكتاب" إليهم وإلى الله ؟ قلت: الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم ولابسه؛ أما ملابسته إياهم: فلأن أعمالهم مثبتة فيه، وأما ملابسته إياه: فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾ يشهد عليكم بما عملتم، ﴿بِالْحَقِّ﴾ من غير زيادة ولا نقصان، ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ الملائكة ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: نستكتبهم أعمالكم. ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ في جنته، وجواب "أما" محذوف، تقديره: وأما الذين كفروا فيقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، والمعنى: ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف المعطوف عليه. [﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ٣٢ - ٣٣] وقرئ: "والساعة" بالنصب؛ عطفًا على الوعد، وبالرفع عطفًا على محل "إن" واسمها، ﴿مَا السَّاعَةُ﴾ أي شيء الساعة؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الإضافة تكون للملابسة): ويمكن أن يقال: أن الإضافة إليها تدل على معنى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، أي: تدعى إلى كتابها، وإلى ما يختص بها من الأعمال صالحها وسيئها، لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ومن ثم ذيل بقوله: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وأما الإضافة إلى الله: فللإشارة إلى أن كل ما ثبت فيه صدق وحق وعدل، وأنه تعالى يجازيها على القليل والكثير، ولذلك عقب بقوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾، وذيل بالجمع، ثم قسم بقوله: ﴿فَأَمَّا﴾ ﴿وَأَمَّا﴾. والله أعلم. ?

стр. 7751

فإن قلت: ما معنى ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾؟ قلت: أصله نظن ظنًا، ومعناه: إثبات الظن فحسب، فأدخل حرفا النفي والاستثناء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أصله: نظن ظنًا، ومعناه: إثبات الظن فحسب): قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ لأن موردهما واحد، وهو الظن، والحصر حيث تغاير الموردان، والأولى أن يحمل المنفي على الاعتقاد المطلق؛ تعميمًا للخاص، والمثبت على موضوعه، أي: لا نعتقد إلا اعتقادًا راجحًا لا جازمًا، ولذلك أكده بقوله: ﴿ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾، أو يحمل المنفي على موضوعه، ويخصص المثبت بالظن الضعيف. قلت: أخذ الوجه الأول من قول الواحدي: " ﴿إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا﴾: أي: ما نعلم ذلك إلا حدسًا وتوهمًا، وما نستيقن كونها"، ومن قول أبي البقاء: "إن الظن قد يكون بمعنى العلم والشك، فاستثنى الشك، أي: ما لنا اعتقاد إلا الشك". وقلت: معنى سؤال المصنف ﵀: "ما معنى ﴿إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا﴾؟ ": أن"المصدر فائدته كفائدة الفعل، فلو أجري الكلام على الظاهر لقيل: أن نظن إلا نظن، وهو ناقص من الكلام، ولم يجيزوا: ما ضربت إلا ضربًا؛ لأن معناه، ما ضربت إلا ضربت، لأنه لا فائدة فيه"، هذا كلام مكي. وقال أبو البقاء: "التقدير: أن نحن إلا نظن ظنًا، و"إلا" مؤخرة، ولولا هذا التقدير لكان المعنى: ما نظن إلا نظن". ?

стр. 7752

ليفاد إثبات الظن مع نفى ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن توكيدًا بقوله: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾. ﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أي: قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات، كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٥]. [﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَاواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ * ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ٣٤ - ٣٥] ﴿نَنْساكُمْ﴾ نترككم في العذاب كما تركتم عدة لِقاءَ ﴿يَوْمِكُمْ هذا﴾، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما معنى جواب المصنف: فإنه جعل أصل الكلام: نظن ظنًا، ثم زيد أداة الحصر لمزيد التأكيد، وإثبات الظن ونفي ما سواه للمبالغة، لا ليرد ب"ما" و"إلا" إنكار المنكر كما هو مقتضاهما، ولذلك أكد بقوله: ﴿ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾. ونحوه مجيء"إن" في قولنا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٦]، فإنها لمجرد التوكيد، ثم بسط الكلام لا لنفي الشك ورد الإنكار كما عليه موضوعها. فإذن مورد التركيبين واحد، ولم يتغاير سوى التوكيد، وأما معنى قوله: "وزيد نفي ما سوى الظن توكيدًا": فهو ﴿إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا﴾ لما دل بمفهومه [على] نفي سوى الظن، وهو اليقين، أكد بمنطوق قوله: ﴿ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ذلك المفهوم، فيكون من باب الطرد والعكس. قوله: (أو عقوبات أعمالهم): أي: وضع"السيئات" التي هي أسباب العقوبات موضع مسبباتها، فلا يكون الاستشهاد بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٥] لجهة المشاكلة، إذ ليس في الكلام ما يذكر في صحبته: السيئات المراد بها العقوبات. ?

стр. 7753

وهي الطاعة، أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم، ولم تخطروه ببال، كالشيء الذي يطرح نسيًا منسيًا. فإن قلت: فما معنى إضافة اللقاء إلى اليوم؟ قلت: كمعنى إضافة المكر في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، أي: نسيتم لقاء الله في يومكم هذا ولقاء جزائه. وقرئ: "لا يخرجون" يفتح الياء، ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي يرضوه. [﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣٦ - ٣٧] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي): فعلى هذا النسيان وإسناده إلى الله على الاستعارة التمثيلية، ولذلك جاء بكاف التشبيه في قوله: "كالشيء الذي يطرح"، وعلى الأول: محمول على الغاية والنهاية، لأن من نسي شيئًا تركه، فيكون من وضع اسم السبب على المسبب. قوله: (كمعنى إضافة المكر في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾): قال: "ومعنى ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: مكرهم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي". وما نحن بصدده من القبيل الأول؛ لأن "اليوم" مفعول، وهو ملقىً لا لاق، إلا أن يقال: أن اللقاء مضاف إلى الفاعل، على أن ما تستقبله أنت فهو أيضًا يستقبلك، وعليه قراءة من قرأ: "فتلقى آدم من ربه كلمات"؛ بنصب "آدم" ورفع"كلمات"، ونحوه قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، قال: " ﴿مَاتِيًّا﴾ مفعول بمعنى فاعل"؛ لأن وعد الله يأتي، وقال أبو البقاء: " ﴿مَاتِيًّا﴾ على بابه، لأن ما تأتيه فهو يأتيك". ?

стр. 7754

﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ فاحمدوا الله لذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين، فان مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب، وكبروه، فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾، وحق مثله أن يكبر ويعظم. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته، وسكن روعته يوم الحساب». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأساس: "لقيته لقاءً ولقيانًا، ولاقيته والتقيته". ونحوه: "نهاره صائم"؛ أسند "الصوم" إلى "النهار" للزومه فيها، ولإيجاب المصير إلى الله ولقائه- كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٧]، ولا يقع ذلك إلا في ذلك اليوم- جعل "اليوم" بنفسه لاقيًا، يعني: أن الاشتغال باللذات والانهماك في الشهوات أذهلكم وألهتكم عن تذكر العاقبة، وسلط عليكم نسيانها، فيكون قوله: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ واردًا على المشاكلة، وإن تقدم على صاحبه، يعني: جازيناكم جزاء نسيانكم، والله أعلم. قوله: (فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب): اعتبر فيه عموم الحمد وعموم الوصف وعموم الحامد، وذلك من ترتب قوله: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ على قوله: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ ورَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وتكرير الوصف وتعانقه بكل من المذكورات بحسب ما يقتضيه الوصف من معنى المالكية والتربية، وما يوجب على المربوبين من النداء بالثناء نطقًا وحالًا. وتحريره: أن "الحمد" مطلقًا: هو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها من الفضائل والكمالات، وهذا المقام يوجبه؛ فإن المربوب عام في العقلاء وغير العقلاء، وفيضان معنى الربوبية على قدر قابلية كل منهم ظاهر، وشهادة كل منهم على حسب استعداده معلوم مكشوف، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ?

стр. 7755

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولعل المصنف ما تعرض لمعنى الاستغراق الذي يعطيه معنى التعريف في"الحمد"، وتقديم"لله" عليه، كما تعرض في فاتحة الكتاب؛ أنه لمطلق الجنس، لا للاستغراق؛ فرارًا مما لا يطاق. واعلم أنك إذا ضممت مع معنى الزبدة والخلاصة من قوله: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ ورَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وهو تصوير عظمة الله، معنى قوله: ﴿ولَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾، وأخذت فائدة تقديم المسند على المسند إليه فيهما، لمحت مسحةً من معنى الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار"، أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة. وإذا تأملت معنى الفاء في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾، وترتبه على معاني السورة المحتوية على آلاء الله وأفضاله، المشتملة على الدلائل الآفاقية والأنفسية، المنطوية على البراهين الساطعة والنصوص القاهرة في المبدأ والمعاد، عثرت على أمور غربية وأسرار عجيبة. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. والحمد لله رب العالمين. * * * ?

стр. 7756

سورة الأحقاف مكية، وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: خمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ١ - ٣] ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا خلقًا ملتبسًا بالحكمة والغرض الصحيح وَبتقدير أَجَلٍ مُسَمًّى تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا﴾ من هول ذلك اليوم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الأحقاف مكية، وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: خمس وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وبتقدير أجل مسمى تنتهي إليه): فاعل "ينتهي" ضمير راجع إلى ﴿خَلَقْنَا﴾، يريد: أن قوله: ﴿وأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ عطف على ﴿بِالْحَقِّ﴾ بتقدير مضاف، نحوه قوله تعالى في الحجر: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥]، والمعنى: ما خلقنا السماوات والأرض إلا بأن نوحد ونعبد، وبأن نثيب من أقبل على ذلك، ونعاقب من أعرض عنه، ولذلك أنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل، وهؤلاء الكفار يعكسون الأمر ويعرضون، ونحو هذا الأسلوب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وقد استقصينا فيه القول في الأنعام. ?

стр. 7757

الذي لا بد لكل خلق من انتهائه إليه مُعْرِضُونَ لا يؤمنون به، ولا يهتمون بالاستعداد له. ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم. [﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ٤] ﴿بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي: من قبل هذا الكتاب، وهو القرآن، يعني: أنّ هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله، ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأوّلين؛ من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من شحم، أي: على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب. وقرئ: "أثرة"، أي: من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم. وقرئ: "أثرة" بالحركات الثلاث في الهمزة مع سكون الثاء، فالإثرة -بالكسر- بمعنى: الأثرة، وأما الأثرة: فالمرّة من مصدر: أثر الحديث: إذا رواه، وأما الأثرة -بالضم- فاسم ما يؤثر، كالخطبة: اسم ما يخطب به. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإبطال الشرك): قال القاضي: "وتخصيص الشرك بالسماوات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية". قوله: (وقرئ: "أثرة"): وفي أكثر النسخ: "قرأ علي: أثرة، ولا وجه لها"، وفي "الكواشي" أيضًا: "وقرئ: "أثرة" بفتح الهمزة والثاء"، وفي "المحتسب": "قرأ ابن عباس- بخلاف- وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون: "أو أثرة من علم" بغير ألف، وقرأ علي ﵁ والسلمي: "أو أثرة" ساكنة الثاء". ?

стр. 7758

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ٥] ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ معنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالًا من عبدة الأصنام، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كلّ بغية ومرام، ويدعون من دونه جمادًا لا يستجيب لهم، ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا، وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء، وكانوا عليهم ضدًا، فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرّة، لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم. وإنما قيل "مَنْ" و"هُمْ"؛ لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم؛ من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلًا وغباوة. ويجوز أن يريد: كلّ معبود من دون الله من الجن والإنس والأوثان، فغلب غير الأوثان عليها. وقرئ: "ما لا يستجيب"، وقرئ: "يدعو غير الله من لا يستجيب"، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء): الانتصاف: "في قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ نكتة، وهي أنه تعالى جعله غاية عدم الاستجابة، وهي مستمرة، لكن أشعرت بأن ما بعدها أزيد منه زيادةً بينةً ملحقةً بالمباين، إذ تتجدد هناك العداوة". وقلت: نحوه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨]، يعني: أن عليك الطرد والرجم إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى معه اللعن. ?

стр. 7759

﴿وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ * وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٦ - ٧] ﴿بَيِّناتٍ﴾ جمع بينة، وهي الحجة والشاهد، أو واضحات مبينات، واللام في ﴿لِلْحَقِّ﴾ مثلها في قوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا﴾ [الأحقاف: ١١]، أي: لأجل الحق، ولأجل الذين آمنوا، والمراد بالحق: الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع الضميرين؛ للتسجيل عليهم بالكفر، وللمتلوّ بالحق، ﴿لَمَّا جاءَهُمْ﴾ أي: بادهوه بالجحود ساعة أتاهم، وأوّل ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر، ومن عنادهم وظلمهم: أنهم سموه سحرًا مبينًا ظاهرًا أمره في البطلان لا شبهة فيه. [﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٨] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرًا إلى ذكر قولهم: إن محمدًا افتراه. ومعنى الهمزة في ﴿أَمْ﴾: الإنكار والتعجيب، كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضي منه العجب، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر): الانتصاف: "هذا الإضراب مثل الغاية التي ذكرها لكونها أزيد من الأول، فنزلت لزيادتها عليها كالمنافية لها، إذ تكذيب الآيات أبلغ من قولهم: إنها سحر، والغاية هي التي ذكرها آنفًا في قوله: ﴿مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ ". قوله: (المقضي منه العجب): قيل: يقال: يقضى منه: ينهى منه، أي: يبلغ النهاية؛ من: قضى حاجته، أو يفعل؛ من: قضيت كذا: إذا فعلته، أو يحكم منه بالعجب؛ من: قضيت كذا؛ أي: حكمت به. ?

стр. 7760

وذلك أن محمدًا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، ولو قدر عليه دون أمّة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقًا من الله له، والحكيم لا يصدّق الكاذب فلا يكون مفتريًا. والضمير للحق، والمراد به الآيات. ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ على سبيل الفرض: عاجلني الله تعالى -لا محالة- بعقوبة الافتراء عليه، فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي، ولا تطيقون دفع شيء من عقابه عني، فكيف أفتريه وأتعرّض لعقابه؟ ! يقال: فلان لا يملك إذا غضب، ولا يملك عنانه إذا صمم، ومثله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، ومنه قوله ﵇ «لا أملك لكم من الله شيئًا». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وذلك أن محمدًا): إشارة إلى "قولهم المستنكر"؛ يعني: أن قولهم: أن محمدًا افتراه، بعد إقرارهم أنه معجز، مما يقضى منه العجب، وتقريره: أن محمدًا لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، لأن هذا مباين لكلام البشر، ولو فرض أنه قادر على هذا المفترى لكانت قدرته عليه معجزة لكونه خارقًا للعادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقًا من الله له، والحكيم لا يصدق الكاذب، فلا يكون مفتريًا، وخلاصته: أن إقرارهم بإعجازه، ونسبتهم إياه إلى الافتراء: مما يقضى منه العجب. هذا التقرير إنما يستحسن إذا أريد بقولهم: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ الدلالة على اعترافهم به، وعجزهم عن الإتيان بمثله، كما قال في مفتتح سورة يونس: "قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ٢]: دليل عجزهم واعترافهم به، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرًا". قوله: (لا يقدر عليه): الضمير المجرور راجع إلى ﴿آيَاتِنَا﴾ باعتبار وضع "الحق" موضعها، والإشارة بقوله: ﴿هَذَا﴾ في التنزيل أيضًا إليه بهذا الاعتبار. ?

стр. 7761

ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تندفعون فيه؛ من القدح في وحي الله تعالى، والطعن في آياته، وتسميته سحرًا تارة وفرية أخرى، ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يشهد لي بالصدق والبلاغ، ويشهد عليكم بالكذب والجحود. ومعنى ذكر العلم والشهادة: وعيد بجزاء إفاضتهم، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ موعدة بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر وتابوا وآمنوا، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوا. فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إليهم في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي﴾؟ قلت: كان فيما أتاهم به النصيحة لهم والإشفاق عليهم من سوء العاقبة وإرادة الخير بهم، فكأنه قال لهم: إن افتريته وأنا أريد بذلك النصح لكم وصدكم عن عبادة الآلهة إلى عبادة الله، فما تغنون عني -أيها المنصوحون- إن أخذني الله بعقوبة الافتراء عليه؟ ! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تندفعون فيه): اندفع الفرس؛ أي: أسرع، واندفعوا في الحديث؛ أي: خاضوا. الراغب: "فاض الماء: إذا سال منصبًا، وأفاض إناءه: ملأه حتى أساله، قال تعالى: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾، ومنه: فاض صدره بالسر، أي: سال، ورجل فياض: سخي، ومنه استعير: أفاضوا في الحديث: إذا خاضوا فيه، وحديث مستفيض: منتشر، وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي: ادفعوا بكثرة؛ تشبيهًا بفيض الماء". قوله: (وإشعار بحلم الله عنهم): نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، أي: لا يعاجل بالعقوبة بأن لا يمسكها ويهدمها عليهم لعظم جرمهم. قوله: (فكأنه قال لهم: أن افتريته وأنا أريد بذلك النصح لكم): خلاصة الجواب: أن إسناد "لا تملكون" على الفرض، وهو من باب إرخاء العنان والكلام المنصف. ?

стр. 7762

[﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٩] البدع: بمعنى: البديع، كالخف بمعنى الخفيف، وقرئ: "بدعًا" بفتح الدال، أي: ذا بدع، ويجوز أن يكون صفة على "فعل"، كقولهم: دين قيم، ولحم زيم. كانوا يقترحون عليه الآيات ويسألونه عما لم يوح به إليه من الغيوب، فقيل له: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ فآتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات، فإنّ الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم، ولقد أجاب موسى صلوات الله عليه عن قول فرعون: ﴿فَمَا بَالُ القُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]؟ بقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "الكلام جرى فرضًا وتقديرًا، ومتى فرض الافتراء امتنع كونه ناصحًا، فلا مصلحة للمكلف في العمل بالمفترى، ويتم ذلك على قاعدة المعتزلة: أن العقل يصل إلى معرفة حكم الله تعالى، فيتصور النصح مع الافتراء، إذا أمر بالتوحيد مثلًا، ولو قال: حكم الله بوجوب التوحيد، وأنا رسول به، كان محقًا عندهم، وهي قاعدة باطلة. والجواب عن الآية عندنا أن إسناد ﴿تَمْلِكُونَ﴾ إليهم تنبيه بالشيء على مقابله بالمفهوم، أي: أن كنت مفتريًا وأنتم المحقون، فالعقوبة واقعة لا بد منها، ولا تقدرون على دفعها عني، وإن كنت محقًا وأنتم المفترون، فالعقوبة تقع بكم، ولا أقدر على دفعها عنكم، كقوله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] "، انتهى كلامه. قوله: (دين قيم): أي: قائم، و"البدع" على هذا التقدير بمعنى: مبدع. قوله: (ولحم زيم): روى الجوهري عن الأصمعي: "اللحم الزيم: المتفرق، ليس بمجتمع في مكان". ?

стр. 7763

﴿وَما أَدْرِي﴾ -لأنه لا علم لي بالغيب- ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقذر لي ولكم من قضاياه، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ﴾، وعن الحسن: وما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب. وعن الكلبي: قال له أصحابه -وقد ضجروا من أذى المشركين-: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أؤمر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها- يعني: في منامه- ذات نخيل وشجر؟ ". وعن ابن عباس: ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وقال: هي منسوخة بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ويجوز أن يكون نفيًا للدراية المفصلة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها) إلى قوله: (ذات نخيل وشجر): والحديث من رواية البخاري عن عائشة ﵂، قال النبي ﷺ للمسلمين بمكة: "إني أريت دار هجرتكم سبخةً ذات نخل بين لابتين، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر ﵁ قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي وأمي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر ﵁ نفسه على رسول الله ﷺ ، الحديث. الأساس: "رفعته لأمر كذا: قدمته إليه، ورفعت له غاية فسما إليها، قال بشر: إذا ما المكرمات رفعن يومًا .... وقصر مبتغوها عن مداها وضاقت أذرع المثرين عنها .... سما أوس إليها فاحتواها" وقال غيره: رفع لي شخص ونار، أي: لاح لي ورأيته. قوله: (نفيًا للدراية المفضلة): هذا ينصرف إلى تفسير ابن عباس، فلا تكون الآية منسوخة. ?

стр. 7764

وقرئ: "ما يفعل"، بفتح الياء؛ أي: يفعل الله . فإن قلت: ﴿إنّ يُفْعَلُ﴾ مثبت غير منفي، فكان وجه الكلام: ما يفعل بي وبكم؟ قلت: أجل، ولكن النفي في ﴿وَمَا أَدْرِي﴾ لما كان مشتملًا عليه لتناوله "ما" وما في حيزه، صح ذلك وحسن، ألا ترى إلى قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، كيف دخلت الياء في خبر "أنّ"، وذلك لتناول النفي إياها مع ما في حيزها. و"ما" -في ﴿مَا يُفْعَلُ﴾ - يجوز أن تكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة، وقرئ: "يوحي"، أي: الله . [﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١٠] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "أجود ما قيل فيه: حمله على الدراية المفضلة"، وإن كان يدري أن مصيره إلى النعيم، ومصيرهم إلى العذاب. قوله: (النفي في ﴿وَمَا أَدْرِي﴾ لما كان مشتملًا عليه لتناوله "ما" وما في حيزه، صح ذلك وحسن): الانتصاف: "بني على أن المجرور قد عطف على مثله، وأنهما جمعيًا في صلة موصول واحد، ولو قيل: المجرور الثاني من صلة موصول محذوف على مثله، أي: وما أدري ما يفعل بي ولا ما يفعل بكم، لم يفتقر إلى تأويل، وحذف الموصول وتفاصيله صحيح، قال: فمن يهجو رسول الله منكم .... ويمدحه وينصره سواء أي: أفمن يهجوه ومن ينصره سواء؟ ". ?

стр. 7765

جواب الشرط محذوف، تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين. ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. والشاهد من بني إسرائيل: عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله، فتحقق أنه هو النبي المنتظر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والشاهد من بني إسرائيل: عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة): هذا القول بعد قوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أؤمر بالخروج إلى أرض": يوهم أن إحدى الآيتين نازلة بمكة، والأخرى بالمدينة، ومن ثم قال صاحب "الكواشي": "السورة مكية، إلا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ الآية، وإلا ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآية، ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] ". وروى محيي السنة عن بعض المفسرين: "أن الشاهد هو موسى بن عمران ﵇، قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، لأن آل (حم) نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، والآية واردة في محاجة كانت من رسول الله ﷺ لقومه، ومثل القرآن: التوراة، فشهد موسى على التوراة، ومحمد ﷺ على القرآن، وكل واحد يصدق الآخر". وروى محيي السنة أيضًا عن قتادة والضحاك: " أن الشاهد هو عبد الله بن سلام". وقلت: دليلهما: أن قوله ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ عطف على الشرط، فيكونان شرطين، وجواب كل منهما على البدل: فلا تكونوا ظالمين، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، والشرط لا يستدعي حصوله عند التكلم به، فتضمن الشرط الأول معنى الاستدراج والكلام المنصف، لأن كون القرآن من عند الله متيقن محقق، فلا يعلق بـ"إن" إلا لنكتة، واشتمل الشرط الثاني على معنى المعجزة والإخبار بالغيب، فلا تنافي شهادة عبد الله ابن سلام بالمدينة أن تكون الآية نازلة بمكة. ?

стр. 7766

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما تقريره على ما رواه محيي السنة: "أن الآية نزلت في محاجة كانت من رسول الله ﷺ لقومه": فهو أن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم بِهِ﴾: أمر له صلوات الله عليه بالرد عليهم فيما طعنوا في القرآن، ولما كان قوله: ﴿مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ قرينةً له، اقتضى أيضًا أن يكون مثل ذلك في الرد، وكذا قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أما الأول: فهو أن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أمر لرسول الله ﷺ بالرد عليهم، وذلك أن قوله: ﴿وإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، والإضراب عنه بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أوجب أن يقال لهم: أخبروني أن القرآن الذي تنسبونه إلى السحر تارة، وإلى الافتراء أخرى- مع أنكم عرفتم أنه حق وصدق محض، وأنه من عند الله، لما جربتم به قواكم، وعجزتم عن الإتيان بمثل أقصر سوره، وأنتم أرباب البلاغة وفرسان البيان، ولما تضمن الدعوة إلى التوحيد ومكارم الأخلاق- أن كان من عند الله أما تكونون ظالمين؟ يدل على هذه المعاني تصريح قوله: ﴿لِلْحَقِّ﴾ بعد ذكر ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾. وأخبروني أيضًا: أن يشهد بذلك أعلم علماء أهل الكتاب مما يجده في الوحي النازل: أما تكونون ظالمين وأخس الناس وأضلهم عن طريق الحق؟ ، أفلا تتفكرون وتتركون العناد والإعراض؟ فأضيف إلى دليل العقل دليل السمع. وأما الثالث: فهو أن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ رد آخر، وذلك أن قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا إلاَّ بِالْحَقِّ وأَجَلٍ مُّسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] دل على أن القوم أعرضوا عن قبول القول بالحشر والإقرار بالتوحيد، وأبوا إلا الشرك والمعاندة، فقيل: قل لهم: ﴿مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿وإذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف: ٦]. وأما الثاني: فهو أن قوله: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ رد آخر، وبيان ذلك أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ ?

стр. 7767

وقال له: "إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أوّل أشراط الساعة؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٥]، دل بالإدماج وإشارة النص على أنه تعالى ضمن فيه ما به أعرضوا عن التوحيد والبعث والطعن في الرسول المنذر، فقيل: قل لهم: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ الآية، فدل على أن ذلك الطعن هو أنهم اقترحوا عليه الآيات، وكانوا يسألونه عما لم يوح إليه من الغيوب، كما ينبئ عنه كلام المصنف، ويؤيد هذا أن فصلت الآية بقوله: ﴿ومَا أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، لأنه مطابق لقوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾. قوله: (عبد الله بن سلام): بالتخفيف، قال: "ليس في الأسماء "سلام" بالتشديد إلا أبو عبيد القاسم بن سلام، وفي النساء: سلامة بالتشديد"، قال: "إسلامه شبيه بإسلام أبي بكر ﵄، فإنه لم يتلعثم، كما أن أبا بكر ﵁ كان كذلك". قوله: (إني سائلك عن ثلاث) الحديث: أخرجه البخاري عن أنس، وفي رواية المصنف اختلاف وزوائد. "أشراط الساعة": العلامات التي تتقدمها، مثل: خروج الدجال، وطلوع الشمس من المغرب. ?

стр. 7768

وما أوّل طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ فقال ﵊: أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته. فقال: أشهد أنك رسول الله حقًا". ثم قال: "يا رسول الله"، إن اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود، فقال لهم النبي ﷺ : أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال: هذا ما كنت أخاف -يا رسول الله- وأحذر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ينزع إلى أبيه أو إلى أمه): أي: إذا جاء يشبه أحدهما ويجذب إليه، ويقال: "العرق نزاع". قوله: (قوم بهت): بهت فلان فلانًا: إذا كذب عليه، فهو باهت، وقوم بهت. قيل: زيادة الكبد: هي شيء نابت على جانب الكبد، وهو ألذ من الكبد. كل ذلك في"جامع الأصول". وروى المظهري في شرحه عن بعض العلماء: لعل ذلك إشارة إلى إعدام ما يقبل التغير والتأثر، كما في ذبح الموت الذي يؤتى به على صورة الكبش؛ إشارةً إلى أن نعيم أهل الجنة في الجنة أبدي بلا انقطاع، وعذاب أهل النار- الذين لهم استحقاق الخلود في النار- أبديٌّ بلا انقطاع. ?

стр. 7769

قال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمسي على الأرض: "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام): يعني: كلما رآه يقول: إنه من أهل الجنة، وإلا فإنه صلوات الله عليه قال ذلك في حق كثير من أصحابه، رضوان الله عليهم. الحديث: أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص، وفيه بدل: "لأحد يمشي": "لحي يمشي"، وتمامه: وقال: نزلت: ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ الآية أو في الحديث. وروينا عن الشيخين أيضًا عن قيس بن عباد في حديث طويل قال: "كنت جالسًا في مسجد المدينة، فجاء رجل فيه أثر من الخشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج، فاتبعته، وسألته عن ذلك، فقال: سأحدثك ما ذاك، رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ ، فقصصتها عليه، رأيتني في روضة، ووسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، وفي أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه"، إلى أن قال: "فرقيت حتى كنت في أعلى العمود، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك، فلقد استيقظت وإنها لفي يدي، ?

стр. 7770

الضمير للقرآن، أي: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ [الأعلى: ١٨]، ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣]. ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك، يعني كونه من عند الله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقصصتها على النبي ﷺ ، فقال: تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود: عمود الإسلام، وتلك العروة: العروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت". قوله: (على نحو ذلك، يعني: كونه من عند الله): يريد: أن الضمير المضاف إليه في قوله: ﴿مِثْلِهِ﴾ راجع إلى القرآن، والمشبه إما ما في التوارة من الألفاظ الدالة على معاني التوحيد والوعد والوعيد، دون ما دل على بيان الفروع، وإما الكتب المنزلة، ووجه الشبه: كونه من عند الله. وقال محيي السنة والواحدي: "إن "المثل" صلة، معناه: عليه، أي: على أنه من عند الله". ويجوز أن يحمل الوجه الآخر على هذا، ويمكن أن يقال: إن"المثل" نحوه في قولك: مثلك يجود، أي: أنت تجود، يعني: من هو على صفتك من الكرم والسخاوة وبسطة اليد يجود. المعنى: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي: على ما هو عليه، وعلى صفته من كونه وحيًا من الله، نازلًا من عنده، معجزًا بالغًا في فصاحته، وفي إخباره عن المغيبات، موافقًا لما في كتب الله، كما قال: "وأنه من جنس الوحي، وليس من كلام البشر". وحينئذ يحسن عطف قوله: ﴿واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ على "آمن"، وترتيبهما بالفاء معًا على المذكور؛ ليكون إيمانه واستكبارهم صادرين عن أمر واحد، وه عرفانهم أن القرآن حق وصدق وصواب، وأنه معجزة من الله، وأن عبد الله أنصف فآمن، وأن المشركين عاندوا فكفروا، ?

стр. 7771

فإن قلت: أخبرني عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة النظم. قلت: الواو الأولى عاطفة لـ"كفرتم" على فعل الشرط، كما عطفته "ثُمَّ" في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢]، وكذلك الواو الآخرة عاطفة لـ"استكبرتم" على "شهد شاهد"، وأما الواو في ﴿وَشَهِدَ﴾ فقد عطفت جملة قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، على جملة قوله: ﴿كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾، ونظيره قولك: "إن أحسنت إليك وأسأت، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويقع قوله: ﴿القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ في محزه، لأنه من وضع العام موضع المضمر؛ للإيذان بأنهم وضعوا الاستكبار موضع الإذعان للحق بعد وضوح البينات. قال الواحدي: "معنى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أن الله جعل جزاء المعاندين للإيمان بعد الوضوح والبيان أن يمدهم في ضلالتهم، ويحرمهم الهداية"، والله أعلم. قوله: (الواو الأولى عاطفة لـ"كفرتم" على فعل الشرط) إلى آخره: الانتصاف: "لم يوجه المعطوفات على جهة واحدة، لأنه قد يكون العطف لمجموع مفردات على مجموع مفردات للتقابل بين المفردات، ومنه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ". وقوله: (ونظيره قولك: أن أحسنت إليك): فقوله: ﴿إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم﴾ نظير قوله: "إن أحسنت إليك وأسأت"، فآذن بأن كونه من عند الله إحسان وإنعام يوجب استقباله بالشكر التام، فعكسوا وكفروا به، وقوله: ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ نظير قوله: "وأقبلت عليك وأعرضت"، فإن شهادة عبد الله بن سلام الموجبة لإيمانه: إقبال ?

стр. 7772

وأقبلت عليك وأعرضت عني، لم "نتفق" في أنك أخذت ضميمتين، فعطفتهما على مثليهما. والمعنى: قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الله تعالى عليهم وإرشاد لهم بأن أعلم أهل الكتاب إذا شهد وآمن، فحق أمثالهم التلقي بالخضوع والاستكانة، فعكسوا أيضًا بالاستكبار والإعراض. وهذا التقرير يؤذن بأن "استكبرتم" عطف على ﴿فَآمَنَ﴾، وكلاهما مسببان عن ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، وهذا أحسن من جعل المصنف عطف "استكبرتم" على ﴿وشَهِدَ﴾، ويعضده قول القوم: "شرنا وابن شرنا". قوله: (ضميمتين): أي: "أقبلت" و"أعرضت" (على مثليهما): وهما "أحسنت" و"أسأت"، يقال: ضميمك في السفر، أي: رفيقك، وجواب الشرط: "لم نتفق"، و"في أنك أخذت" متعلق "نظيره". وقوله تعالى: ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إلَيْهِ﴾ بالواو، عطفًا على مقدرات شتى، بيان لبعض استكبارهم الذي منعهم عن الإيمان بالقرآن. قوله: (ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ ): يريد: أن جواب الشرط محذوف، وهو هذا، قال الواحدي ومحيي السنة: "جواب الشرط محذوف، على تقدير: أليس قد ظلمتم، يدل عليه قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال الحسن: جوابه: فمن أضل منكم، كما قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآية، وقال أبو علي: تقديره: أتأمنون عقوبة الله". وقلت: تقدير إثبات مطلق الظلم أوفق لما سبق أنهم وضعوا الاستكبار موضع الإذعان والإيمان. ?

стр. 7773

وقد جعل الإيمان في قوله: ﴿فَآمَنَ﴾ مسببًا عن الشهادة على مثله، لأنه لما علم أنّ مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه، وأنه من جنس الوحي، وليس من كلام البشر، وأنصف من نفسه، فشهد عليه واعترف، كان الإيمان نتيجة ذلك. [﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١١ - ١٤] ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأجلهم، وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمدًا السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم. وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر، ثم يقول: لولا إني فترت لزدتك ضربًا، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقًا ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه. فإن قلت: لا بدّ من عامل في الظرف في قوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ومن متعلق لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، وغير مستقيم أن يكون ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ هو العامل في الظرف؛ لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا بد من عامل في الظرف): يعني: "إذ" لازمة الإضافة، وقد أضيفت إلى قوله: ﴿لَمْ يَهْتَدُوا﴾ فلا يعمل فيها، وأيضًا هي للمضي، فلا يجوز أن يكون العامل: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، للاستقبال، والفاء في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ للاستقبال، والفاء في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ تقتضي سببًا، ولا بد من البيان. ?

стр. 7774

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب: أن عاملها مقدر، وهو السبب في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، والتقدير: إذ لم يهتدوا ظهر عنادهم فسيقولون، وحذف عامل الظرف جائز، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]، قال أبو البقاء: "تقديره: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عرفناه، لدلالة ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ عليه"، وكذا في قول الناس: حينئذ الآن، أي: كان ذلك حينئذ، واسمع الآن منه. وقال الواحدي: "إذ: بمعنى "إن"، والمعنى: إن لم يصيبوا الهداية بالقرآن فسيقولون إنه كذب". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "يجوز "إذ" أن تكون متضمنةً معنى الشرط؛ لدلالة الفاء بعدها، وكونها في معنى "إذا"، وحسن تعبيرها بها لدلالتها على تحقق ذلك؛ لكونها للماضي، ويجوز أن تكون معمولًا لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ باعتبار إرادة الاستمرار". الانتصاف: "لم يمنع عمل ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ إلا الاستقبال، فلا مانع لأن الاستقبال إنما جاء للإشعار بدوام ما وقع، وأنهم حرفوا وقالوا: هذا أساطير، وإفك قديم، فمعناها: وقالوا إذ لم يهتدوا به: هذا إفك قديم، وداموا عليه؛ فعبر عن الوقع والدوام والاستقبال بالسين، كقول إبراهيم ﵇: ﴿إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧]، وهذا طريق الجمع بين قوله: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، وبين قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧]، ولولا دخول الفاء على الفعل لتعين هذا، لكن الفاء دلت بسببيتها على محذوف هو السبب، وقطعت الفعل عن الظرف، فتعين ما ذكره الزمخشري لأجل الفاء، لا لأجل السين". ?

стр. 7775

قلت: العامل في "إذ" محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]، وقولهم: حينئذ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون: هذا إفك قديم. فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف، وكان قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مسببًا عنه، كما صحّ بإضمار "أنّ" قوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، لمصادفة "حَتَّى" مجرورها، والمضارع ناصبه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: الاستقبال إذا دل على الاستمرار فيما مضى حالًا فحالًا، نحو: لو تحسن إلى لشكرت، كان بمعنى المضي، وإذا دل على الاستمرار فيما يجيء وقتًا فوقتًا كان متوغلًا في معناه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وربما دل على الاستمرار دائمًا، نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، وهذا من القبيل الثاني، ولذلك قرن بالسين، وذلك أن قوله: ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متصل بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم بِهِ﴾، على معنى: أخبروني أن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم ظالمين؟ ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم عند سماعهم هذا الكلام المنصف الذي ليس بعده إرشاد أظهروا العناد، ولم ينظروا بنظر الإنصاف، وتكلموا بما هو نص على الاستكبار والتجبر، وقالوا لأجل الذين آمنوا: لو كان الإيمان خيرًا ما سبقونا إليه. ولهذا وضع المضمر. فنبه بقوله: ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ حبيبه صلوات الله عليه على تماديهم في العناد، وإقناطًا له عن إيمانهم، وتسليةً عن طعنهم، وأنهم حين لم يهتدوا بهذا الكلام المنصف ظهر عنادهم، فأعلم أنهم لا يهتدون بعد ذلك أبدًا، ويستمر منهم حينًا بعد حين الطعن في القرآن، فتارةً يقولون: أساطير الأولين، وأخرى: إنه سحر مبين، وإفك قديم، وأمثال ذلك. قوله: (كما صح بإضمار "أن"): يريد: أن "إذ" ها هنا تقتضي عاملًا، نظير ﴿يَقُولَ﴾ هناك تستدعي ناصبًا، والفاء هنا تقتضي سببًا، نحو ﴿حَتَّى﴾ هناك تستدعي مجرورًا، فيقدر هنا: "ظهر عنادهم"، ليكون عاملًا في "إذ" سببًا لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، وهناك "أن" ليكون عاملًا في ﴿يَقُولَ﴾، ويجعل الفعل في تأويل المصدر؛ ليصح أن يقع مجرورًا بـ ﴿حَتَّى﴾. ?
следующие страницы →