Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
كانوا يدعون الحرص على الجهاد، ويتمنونه بألسنتهم، ويقولون: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ في معنى الجهاد، ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ﴾ وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم، وسقطوا في أيديهم، كقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٧٧].
﴿مُحْكَمَةٌ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجها إلا وجوب القتال. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين. وقيل لها: محكمة؛ لأنّ النسخ لا يرد عليها من قبل أنّ القتال قد نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. وقيل: هي المحدثة، لأنها حين يحدث نزولها لا يتناولها النسخ، ثم تنسخ بعد ذلك أو تبقى غير منسوخة. وفي قراءة عبد الله: "سورة محدثة"، وقرئ: "فإذا نزلت سورة وذكر فيها القتال" على البناء للفاعل ونصب "القتال".
﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي الأقدام، ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: تشخص أبصارهم جبنًا وهلعًا وغيظًا، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت، ﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ وعيد بمعنى: فويل لهم، وهو أفعل؛ من الولي، وهو القرب، ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كاعوا): أي: تأخروا وجبنوا، الأساس: "كع الرجل، وكعكعه الخوف، فتكعكع"، الجوهري: "كعت عن الشيء أكيع، وأكاع: لغة في: كععت عن الأمر أكع: إذا هبته وجبنت".
قوله: (ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه): روى الواحدي عن الأصمعي: "معنى قولهم في التهديد: أولى لك: وليك مكروه، وقاربك ما تكرهه". وروي عن أبي علي: أنه علم للويل مبني على وزن "أفعل"، من لفظ "الويل" على القلب، أصله: "أويل"، وهو غير منصرف، كأحمد، للعلمية وكونه على وزن "أفعل".
?
стр. 7842
﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كلام مستأنف، أي: طاعة وقول معروف خير لهم. وقيل: هي حكاية قولهم، أي: قالوا: طاعة وقول معروف، بمعنى: أمرنا طاعة وقول معروف، وتشهد له قراءة أبيّ: "يقولون: طاعة وقول معروف".
﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدّ، والعزم والجد لأصحاب الأمر، وإنما يسندان إلى الأمر إسنادًا مجازيًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو: فلو صدقوا في إيمانهم، وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم.
[﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ ٢٢ - ٢٣]
عسيت وعسيتم: لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم فيقولون: عسى أن تفعل، وعسى أن تفعلوا، ولا يلحقون الضمائر، وقرأ نافع بكسر السين، وهو غريب، وقد نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات؛ ليكون أبلغ في التوبيخ.
فإن قلت: ما معنى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ … أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾؟ قلت: معناه: هل يتوقع منكم الإفساد؟ فإن قلت: فكيف يصح هذا في كلام الله عز وعلا، وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلت: معناه: أنكم لما عهد منكم أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم، وعرف تمريضكم، ورخاوة عقدكم في الإيمان: يا هؤلاء ما ترون؟ هل يتوقع منكم -إن توليتم أمور الناس، وتأمرتم عليهم، لما تبين منكم من الشواهد، ولاح من المخايل- ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ تناحرًا على الملك وتهالكًا على الدنيا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "الكشف": ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وهو اسم التهديد والوعيد، كأنه قال: الوعيد لهم، و "أولى" غير منصرف، لأنه على وزن الفعل، وصار اسمًا للوعيد، وقول المفسرين: وليك شر فاحذر، لا يريدون به أن "أولى" فعل، وإنما ذاك تفسير على المعنى.
قوله: (تناحرًا): أي: تحارصًا وتهالكًا، تهالك على الفراش: سقط.
?
стр. 7843
وقيل: إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله ﷺ وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضًا ووأد البنات؟
وقرئ: "وليتم"، وفي قراءة على بن أبي طالب ﵁: "توليتم"؛ أي: إن تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم، ومشيتم تحت لوائهم، وأفسدتم بإفسادهم؟ وقرئ: ﴿وَتُقَطِّعُوا﴾، و"تقطعوا"؛ من التقطيع والتقطع.
﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين، ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ لإفسادهم وقطعهم الأرحام، فمنعهم ألطافه وخذلهم، حتى صموا عن استماع الموعظة، وعموا عن إبصار طريق الهدى.
ويجوز أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المؤمنين الخلص الثابتين، وأنهم يتشوفون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم، فإذا أنزلت سورة في معنى الجهاد، رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: أن أعرضتم وتوليتم): عطف على قوله: (إن توليتم أمور الناس"، ومرجع معنى التوقع إلى الخلق، كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
قوله: (وقرئ: ﴿وتُقَطِّعُوا﴾ و "تقطعوا"): الأولى: هي المشهورة، والثانية: شاذة.
قوله: (ويجوز أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُو﴾: المؤمنين الخلص): عطف على قوله: "كانوا يدعون الحرص على الجهاد، ويتمنونه بألسنتهم"، وعلى الوجه الأول: قوله: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ من باب التجريد؛ جرد من الذين آمنوا القائلين: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾، وهم هم، وعلى الثاني: غير الأولى، ولذلك قال: "رأيت المنافقين فيما بينهم
?
стр. 7844
[﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ ٢٤]
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة، حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾، و"أم" بمعنى: بل، وهمزة التقرير، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة: إذن -والله- يجدوا في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تدبروه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا.
فإن قلت: لم نكرت "القلوب"، وأضيفت "الأقفال" إليها؟ قلت: أما التنكير: ففيه وجهان: أن يراد: على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يضجرون منها". والجملة مستأنفة على التقديرين، والتقدير الأخير أنسب للتنافي والتقابل الواقع بين الفريقين في آيات هذه السورة- كما مر-، وقرينتها ستجيء، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٣] الآية، وستقف عليه.
قوله: (يجدوا في القرآن زاجرًا عن معصية الله): فيه تجريد، كقوله: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
قوله: (أخذوا بالمتشابه فهلكوا): من قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]، والتدبر في القرآن: تمييز المحكم من المتشابه، وجعله أصلًا يؤول إليه معنى المتشابه.
قوله: (أن يراد: على قلوب قاسية مبهم): نحوه ما أنشد ابن جني:
أمير المؤمنين على صراط .... إذا اعوج الموارد مستقيم
?
стр. 7845
أو يراد: على بعض القلوب، وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة "الأقفال": فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح.
وقرئ: "إقفالها"؛ على المصدر.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ ٢٥ - ٢٨]
﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرًا لـ"إنّ"، كقولك: إنّ زيدًا عمرو مرّ به، ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾: سهل لهم ركوب العظائم، من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا كقولك: أمير المؤمنين على الصراط المستقيم، لا فرق بينهما؛ لأن مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته، من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته. تم كلامه.
فكأنه جعل قلوبهم جنس القلوب، ادعاء لكمال معنى القساوة فيها، ولذلك قال: "على قلوب قاسية"، وهو قريب إلى التجريد.
قوله: (على بعض القلوب): روى السلمي عن ابن عطاء: قلوب أقفلت عن التدبر، وألسن منعت عن التلاوة، وأسماع صمت عن الاستماع، ومن القلوب قلوب كشف عنها الغطاء، فلا تكون لها راحةً إلا التلاوة أو الاستماع أو التدبر، فشتان ما بين الحالتين.
قوله: (وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق): علم الاشتقاق باحث عن أخذ صيغة مع شروط الأخذ لا غير، وعلم التصريف باحث عن كيفية المأخوذ،
?
стр. 7846
﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ ومدّ لهم في الآمال والأماني، وقرئ: "وأملي لهم"، يعني: إنّ الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم، كقوله تعالى: ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقرئ: "وأملي لهم" على البناء للمفعول، أي: أمهلوا ومدّ في عمرهم.
وقرئ: "سوّل لهم"، ومعناه: كيد الشيطان زين لهم، على تقدير حذف المضاف.
فإن قلت: من هؤلاء؟ قلت: اليهود كفروا بمحمد ﷺ من بعد ما تبين لهم الهدى، وهو نعته في التوراة. وقيل: هم المنافقون.
﴿الذين قَالُوا﴾ اليهود، والذين ﴿كَرِهُوا مَا نّزَّلَ اللهُ﴾ المنافقون. وقيل: عكسه، وأنه قول المنافقين لقريظة والنضير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لنخرجنّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١]. وقيل: ﴿بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: التكذيب برسول الله ﷺ ، أو بـ"لا إله إلا الله"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن الهيئات والحالات الحاصلة في المأخوذ، والقياس التصريفي يقتضي أن يقال: سأل إذ لا موجب للتليين.
قال صاحب"التقريب": وليس مشتقًا من السؤل، كما توهمه بعضهم؛ إذ لا يساعده التصريف، لأنه كان حقه"سأل" بالهمز، ولا الاشتقاق؛ لأن السؤل بمعنى الحاجة، فعل بمعنى مفعول، وليس في ﴿سَوَّلَ﴾ معنى السؤال، وشرط الاشتقاق اتفاق المعنى.
قوله: (إن الشيطان يغويهم، وأنا أنظرهم): قال الواحدي: "ويحسن الوقوف على قوله: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ لأنه فعل الشيطان، والإملاء فعل الله، وعلى قول الحسن: لا يحسن الوقف؛ لأنه يقول: الشيطان مد لهم في الأمل".
قوله: (أو بـ"لا إله إلا الله"): هذا التكذيب لا يستقيم إلا إذا حمل على أن المنافقين قالوا ذلك للمشركين، لأن اليهود أيضًا موحدون.
?
стр. 7847
أو ترك القتال معه. وقيل: هو قول أحد الفريقين للمشركين: سنطيعكم في التضافر على عداوة رسول الله ﷺ والقعود عن الجهاد معه. ومعنى: ﴿فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ في بعض ما تأمرون به، أو في بعض الأمر الذي يهمكم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾، وقرئ: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾ على المصدر، قالوا ذلك سرًّا فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم، فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذ؟
وقرئ: "توفاهم"، ويحتمل أن يكون ماضيًا، ومضارعًا قد حذفت إحدى تاءيه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧]. وعن ابن عباس ﵄: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره.
﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف، ﴿ما أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من كتمان نعت رسول الله ﷺ ، و ﴿رِضْوانَهُ﴾ الإيمان برسول الله.
[﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ * وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ ٢٩ - ٣٠]
﴿أَضْغانَهُمْ﴾ أحقادهم، وإخراجها: إبرازها لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، وإظهارهم على نفاقهم وعداوتهم لهم، وكانت صدورهم تغلي حنقًا عليهم.
﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ لعرفناكهم ودللناك عليهم، حتى تعرفهم بأعيانهم لا يخفون عليك، ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بعلامتهم، وهو أن يسمعهم الله تعالى بعلامة يعلمون بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في التضافر): بالضاد المعجمة، الجوهري: "تضافروا على الشيء: تعاونوا عليه".
قوله: (﴿لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ لعرفناكهم): قال الزجاج: "كما تقول: قد أريتك هذا الأمر، أي: قد عرفتك إياه".
قوله: (ودللناك عليهم حتى تعرفهم بأعيانهم): روينا في " مسند أحمد بن حنبل" عن
?
стр. 7848
وعن أنس ﵁: ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات، وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة، وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق.
فإن قلت: أي فرق بين اللامين في ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ و ﴿لَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾؟ قلت: الأولى هي الداخلة في جواب «لو»، كالتي في ﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ كررت في المعطوف، وأما اللام في ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف.
﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ في نحوه وأسلوبه. وعن ابن عباس: هو قولهم: مالنا -إن أطعنا- من الثواب؟ ولا يقولون: ما علينا -إن عصينا- من العقاب. وقيل: اللحن: أن تلحن بكلامك، أي: تميله إلى نحو من الأنحاء، ليفطن له صاحبك، كالتعريض والتورية، قال:
ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا .... واللّحن يعرفه ذوو الألباب
وقيل للمخطئ: لاحن؛ لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.
[﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ ٣١]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبي مسعود: "خطبنا رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستةً وثلاثين".
قال: (ولا يقولون: ما علينا أن عصينا): يعني: كان حقهم على ما هم عليه من العصيان أن يقولوا: ما لنا- أن عصينا- من العقاب، فأتوا على أسلوب ما يؤذن المدح، بقولهم: ما لنا-إن أطعنا- من الثواب.
قوله: (أن تلحن بكلامك): أي: بمثله من الأنحاء، وأنشد الزجاج قول الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيا نًا وخير الحديث ما كان لحنا
?
стр. 7849
﴿أَخْبارَكُمْ﴾ ما يحكى عنكم، وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد، إنما يعرف أمرها في أنحاء قولها. هذا هو المراد من قول المصنف: "كالتعريض والتورية"، أي: الإيهام.
الراغب: "اللحن: صرف الكلام عن سننه الجاري عليه، إما بإزالة الإعراب أو التصحيف، وهو المذموم، وذلك أكثر استعمالًا، وإما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى، وهو محمود من حيث البلاغة، وإليه قصد بقول الشاعر- عند أكثر الأدباء-:
وخير الحديث ما كان لحنا
وإياه قصد بقوله: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾، ومنه قيل للفطن لما يقتضي فحوى الكلام: لحن، وفي الحديث: "لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض"، أي: ألسن وأفصح وأبين كلامًا، وأقدر على الحجة".
قوله: (وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها): أي: عبر بـ ﴿أَخْبَارَكُمْ﴾ عن "أعمالكم" في قوله: ﴿ونَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ على سبيل الكناية، لأن الإخبار تابع لوجود المخبر عنه، المعنى: يختبر أخباركم، أن كان الخبر حسنًا فالمخبر عنه- الذي هو العمل- حسن، وإن كان الخبر قبيحًا فالعمل أيضًا قبيح.
وقال ابن الحاجب في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾: " العلم يطلق باعتبار الرؤية، والشيء لا يرى حتى يقع، أو بمعنى المجازاة، المعنى: حتى نجازي المجاهدين منكم والصابرين".
?
стр. 7850
لأن الخبر على حسب المخبر عنه؛ إن حسنًا فحسن، وإن قبيحًا فقبيح. وقرأ يعقوب: "ونبلو"، بسكون الواو؛ على معنى: ونحن نبلو أخباركم. وقرئ: "وليبلونكم" و"يعلم"، و"يبلو" بالياء.
وعن الفضيل: أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللهم لا تبلنا، فإنك إن بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا، وعذبتنا.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ ٣٢]
﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب؛ لأنها مع كفرهم برسول الله ﷺ باطلة، وهم قريظة والنضير، أو سيحبط أعمالهم التي عملوها، والمكايد التي نصبوها في مشاقة الرسول، أي: سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم، بل يستنصرون بها، ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. وقيل: هم رؤساء قريش، والمطعمون يوم بدر.
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ ٣٣]
﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ أي: لا تحبطوا الطاعات بالكبائر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومعنى الابتلاء: أن الله تعالى يعاملنا بما يعامل بعضنا بعضًا، فقوله: "ليعلم حسنها" -أي: حسن الأعمال- تعليل لابتلاء الأعمال.
وقوله: (لأن الخبر على حسب المخبر عنه): تعليل لإطلاق"الأخبار" على"الأعمال".
قوله: (وقرئ "وليبلونكم" و"يعلم" و"يبلو" بالياء): أبو بكر، والباقون بالنون.
قوله: (لا تحبطوا الطاعات بالكبائر): الانتصاف: "الكبائر لا تحبط الحسنات، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
?
стр. 7851
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، والكبيرة عند المعتزلة: تحبط الصالحات، ولو كانت مثل زبد البحر، وما أورده الزمخشري من الآثار وجب رده على قاعدة الحق بالتأويل، فإن لم يقبل التأويل فطريقه أن يحسن الظن بالمنقول عنه، وتغليط قائله، وكلام ابن عمر: ظاهره أولى بنصرة أهل السنة، والآية محمولة عندنا على الإخلال بركن أو شرط يقتضي البطلان من أصله، لا أنه يبطل بعد استكمال شرائط الصحة والقبول".
وقال القاضي: " ﴿لا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ كما أبطل هؤلاء بالكفر والنفاق، أو لا تبطلوا بالعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر".
وقلت: أما قصية النظم: فإنه تعالى لما حكى عن المؤمنين الذين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد: ٢٠]، وكانوا يدعون بذلك الحرص على الجهاد، وحين أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال جبنوا وكعوا وأبوا إلا مخالفة طاعة الله ورسوله، وذمهم على ذلك ذمًا بليغًا، وأطنب فيه، حتى ختمه بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾، أتبع ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، أي: لا تكونوا أمثالهم فيما أمرتم به من الجهاد في سبيل الله، فتجبنوا فيه، فإن ذلك نفاق وتشبيه بالكفرة الذين صدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول، فسيحبط الله أعمالكم، كما أبطل أعمالهم.
?
стр. 7852
كقوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى أن قال: ﴾ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، وعن أبي العالية: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن حذيفة: فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر: كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولًا، حتى نزل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر، ونرجو لمن لم يصبها. وعن قتادة ﵀: رحم الله عبدًا لم يحبط عمله الصالح بعمله السيئ.
وقيل: لا تبطلوها بمعصيتهما، وعن ابن عباس: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، وعنه: بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب، فإنّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقيل: ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣٤]
﴿ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ قيل: هم أصحاب القليب، والظاهر العموم.
[﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ ٣٥]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالحاصل أنه من باب التغليظ والتقابل، ويؤيده تعقيبه بقوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ﴾ بالفاء، وفصله بقوله: ﴿ولَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.
قوله: (قيل: هم أصحاب القليب): أي: قليب بدر، وهم قريش.
?
стр. 7853
﴿فَلا تَهِنُوا﴾ فلا تضعفوا ولا تذلوا للعدوّ، ﴿وَ﴾ لا ﴿تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾، وقرئ: "السلم"، وهما المسالمة، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: الأغلبون الأقهرون، ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أي: ناصركم. وعن قتادة: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة. وقرئ: "ولا تدّعوا"؛ من: ادّعى القوم وتداعوا: إذا دعوا، نحو قولك: ارتموا الصيد وترموه. و"تدعوا" مجزوم لدخوله في حكم النهي، أو منصوب لإضمار "إن"، ونحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ [طه: ٦٨].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "السلم") بكسر السين: أبو بكر وحمزة، والباقون: بفتحها.
قوله: (ضرعت إلى صاحبتها): الأساس: "ضرع له وإليه ضرعًا: إذا استكان وخشع، وهو يتضرع إليه، ولم يزل ضارعًا حتى فعلت كذا"، وعن بعضهم: ضرع؛ أي: مال على سبيل الخضوع، فهو ضرع، سمي بالمصدر للمبالغة، وضرعت: إذا استكانت، وفتح الراء خطأ.
قوله: (بالموادعة): الجوهري: "هي المصالحة".
قوله: (ونحو قوله: ﴿وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾: قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾): يعني: نظيره في كونه تقريرًا للغلبة والقهر، وقد صدرت ب"إن" المؤكدة، وحليت بلام التعريف، وفي لفظ العلو، وصيغة التفضيل. نعم ليس فيه تكرار الضمير ولا الاستئناف، لكنه حال مقررة لمعنى النهي، مردوفة بما يزيدها تقريرًا وتبيينًا، أي: لا ينبغي أن تتضرعوا إلى الصلح، والحال أنتم قاهرون عليهم، وأن الله ناصركم عليهم في الدنيا، وخاذلهم، وهو موفي أجوركم في العقبى.
?
стр. 7854
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾: من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلًا من ولد أو أخ أو حميم، أو حربته، وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله، من الوتر، وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام، ومنه قوله ﵊: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله»، أي: أفرد عنهما قتلًا ونهبًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال مكي: " ﴿وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ الجملة حال من الضمير المرفوع في"تدعوا"، وكذلك ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ ﴿ولَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ".
قوله: (أو حربته): الجوهري: "حرب الرجل ماله؛ أي: سلبه، فهو محروب".
قوله: (وهو من فصيح الكلام): لأنه تعالى أجرى عمل العامل مجرى القريب والمال، شبه تعطيل ثواب العمل بوتر الواتر في الهلكة والخسران، ثم استعير لجانب المشبه اللفظ المستعمل في جانب المشبه به، وهو ﴿يَتِرَكُمْ﴾، ونحوه في الإجراء قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]؛ جعل بالادعاء القلب السليم من أفراد جنس المال والبنين، ثم استثنى بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ بعض أفراد ذلك الجنس.
قال مكي: " ﴿يَتِرَكُمْ﴾ و ﴿تَهِنُوا﴾: حذفت منهما الفاء، وهي واو، وأصله: "توهنوا" و"يوتركم"، حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وأتبع سائر أمثلة الفعل المستقبل الحذف وإن لم يكن فيه ياء، على الإتباع، لئلًا يختلف الفعل".
قوله: (من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله): أخرجه النسائي عن نوفل، ورواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله".
?
стр. 7855
[﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ * إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ * ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [٣٦ - ٣٨]
﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ثواب إيمانكم وتقواكم، ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ﴾ أي: ولا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر.
ثم قال: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يجهدكم ويطلبه كله، والإحفاء: المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: إذا استأصله، ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ أي: تضطغنون على رسول الله ﷺ ، وتضيق صدوركم لذلك، وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم، والضمير في ﴿يُخْرِجْ﴾ لله ، أي: يضغنكم بطلب أموالكم، أو للبخل، لأنه سبب الاضطغان.
وقرئ: "نخرج" بالنون، و"يخرج" بالياء والتاء مع فتحهما، ورفع "أضغانكم".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم قال: ﴿إن يَسْأَلْكُمُوهَا﴾): يعني: الجملة الشرطية كالتعليل لقوله: " ﴿ولا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾، أي: لا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر"، روى الواحدي عن السدي أنه قال: "إن يسألكم جميع ما في أيديكم ﴿تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ يظهر بغضكم وعداوتكم لله ورسوله، ولكنه فرض عليكم يسيرًا، وهو ربع العشر"، فقول المصنف: "أي: يضغنكم بطلب أوالكم": معناه: يظهر بغضكم بطلب جميع أوالكم، وكذا معنى "يذهب بأموالكم"، أي: يهلكها، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧].
قوله: (وقرئ: "نخرج" بالنون): السبعة.
?
стр. 7856
﴿هؤُلاءِ﴾ موصول بمعنى: الذين، صلته ﴿تُدْعَوْنَ﴾، أي: أنتم الذين تدعون، أو: أنتم -يا مخاطبون- هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، كأنهم قالوا: وما وصفنا؟ فقيل: ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: هي النفقة في الغزو، وقيل: الزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم: أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ﴾ بالصدقة وأداء الفريضة، فلا يتعداه ضرر بخله، وإنما يَبْخَلُ عَلى نَفْسِهِ، يقال: بخلت عليه وعنه، وكذلك ضننت عليه وعنه، ثم أخبر أنه لا يأمر بذلك ولا يدعو إليه لحاجته إليه، فهو الغني الذي تستحيل عليه الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: أنتم- يا مخاطبون- هؤلاء الموصوفون): فعلى هذا فيه توبيخ عظيم، وتحقير من شأنهم لأجل الوصف بالبخل، قال في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]: "هو استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان، بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم.
والمعنى: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني: أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين؛ تنزيلًا لتغير الصفة منزلة تغير الذات" فالمعنى هاهنا: إنا فرضنا عليكم ربع العشر ليسهل عليكم، إذ لو طلبنا منكم جميع أموالكم لبخلتم وأظهرتم بغض الله ورسوله، والدليل عليه: أنكم- مع ذلك التسهيل- هؤلاء المشاهدون الموصوفون بأنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به.
قوله: (يقال: بخلت عليه وعنه): وعن بعضهم: بخل عن نفسه: مضمن بمعنى البعد، أي: يبعد الخير عن نفسه على طريق البخل. ويمكن أن يقال: يصدر البخل عن نفسه، لأنها مكان للبخل ومنبعه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩].
?
стр. 7857
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال القاضي: "البخل: يعدى ب"عن" وب"على" لتضمنه معنى الإمساك، فإنه إمساك عن مستحق"، لكن قول المصنف هذا بعد قوله السابق مشعر بعدم التفرقة في الاستعمال، كما عليه مذهب النحويين دون أهل المعاني، فإنه لما أكد معنى جزاء الشرط- وهو قوله: "فلا يتعداه ضرر بخله"- بقوله: وإنما يبخل على نفسه، وأتى ب"على" وخالف، لأنه في التنزيل: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾، اعتذار له بقوله: "يقال: بخل عليه وعنه"، أي: أنهما سيان في الاستعمال.
قال الحريري في"درة الغواص": "الفعل اللازم يعدى تارةً بهمزة النقل، كقولك: خرج زيد وأخرجته، وأخرى بالباء كقولك: خرج زيد وخرجت به، واختلف النحويون: هل بين حرفي التعدية فرق أم لا؟ فقال الأكثرون: هما بمعنى واحد، وقال المبرد: بينهما فرق؛ وهو أنك إذا قلت: "أخرجت زيدًا" كان المعنى: حملته على الخروج، وإذا قلت: خرجت بزيد، فمعناه: خرجت واستصحبته معك، والقول الأول أصح".
وقال صاحب "الضوء": "معنى التعدية في: ذهبت به وأذهبته": واحد، وفي سائر المواضع يفيد مع معنى التعدية معنى آخر، وهاهنا لم يفد شيئًا سواها".
وقلت: فعلى هذا: الشرط والجزاء متقاربان في المعنى، كقولك تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقولهم: "من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك"، فيكون المعنى: من يبخل عن أداء ربع العشر بعد ذلك التقريع والتوبيخ فقد بالغ في البخل، وكان هو البخيل في الحقيقة. روينا
стр. 7858
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ معطوف على ﴿وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾، ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يخفق قومًا سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله: ﴿وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، فاطر: ١٦]، وقيل: هم الملائكة، وقيل: الأنصار، وعن ابن عباس: كندة والنخع، وعن الحسن: العجم، وعن عكرمة: فارس والروم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك".
ولإرادة التوكيد ذيل الكلام بقوله: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأَنتُمُ الفُقَرَاءُ﴾، وجعله كالاعتراض بين المتقابلين، أعني قوله: ﴿وإن تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ وقوله: ﴿وإن تَتَوَلَّوْا﴾، وهما المعطوفان المعنيان بقوله: " ﴿وإن تَتَوَلَّوْا﴾ معطوف على ﴿وإن تُؤْمِنُوا﴾ ".
والتعريف في ﴿الغَنِيُّ﴾ و ﴿الفُقَرَاءُ﴾ للجنس، فآذنا بكمال الغنى ونهاية الفقر، ثم كونهما خبرين وهما معرفتان: دلا على الحصر، نظيره قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٦]، والمعنى: أنتم جنس الفقراء الكاملون فيه، والله هو الغني على الإطلاق، فهو غني عنكم وعن عبادتكم، فإن لم تحمدوه أنتم يستبدل قومًا غيركم؛ من يحمد ولا يكفر مثلكم.
قوله: (يخلق قومًا سواكم): أي: "يستبدل": يحتمل استبدال الوصف واستبدال الذات، كما مر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، والذي يقتضيه المقام: الثاني، وقوله: "يخلق قومًا سواكم": يشير إلى ذلك، ولهذه الدقيقة استشهد بقوله: ﴿وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، فاطر: ١٦].
стр. 7859
وسئل رسول الله ﷺ عن القوم، وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، وقال: «هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطًا بالثريا لتناوله رجال من فارس».
وعن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة محمد ﷺ كان حقًا على الله أن يسقيه من أنهار الجنة».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وسئل رسول الله ﷺ عن القوم، وكان سليمان) الحديث: أخرجه الترمذي عن أبي هريرة.
تمت السورة
حامدًا لله، ومصليًا على رسول الله ﷺ
* * *
стр. 7860
سورة الفتح
مدنية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ١ - ٣]
هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله ﷺ عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الفتح
مدنية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وفي ذلك من الفخامة): أي: في مجيء الماضي لتنزيل الكائن منزلة الواقع المتحقق من الفخامة ما لا يكتنه كنهه، لأن هذا الأسلوب إنما يرتكب في أمر يعظم مناله، ويعز الوصول إليه، ولا يقدر على نيله إلا من له قهر وسلطان ومن يغلب ولا يغالب، ولذلك ترى أكثر أحوال
стр. 7861
فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة، وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القيامة واردةً على هذا المنهج، لأن فتح مكة من أمهات الفتوح، وبه دخل الناس في دين الله أفواجًا، وأمر رسول الله ﷺ بالاستغفار والتأهب للمسير إلى دار القرار، ولو أخذ من ذلك معنى صيغة التعظيم، ليتم به معنى العظمة، بلغ الغاية.
قوله: (كيف جعل فتح علةً للمغفرة): أي: الفتح فعل الله لا فعله حتى يكون علةً للمغفرة، لذلك قال القاضي: " ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار، والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك، وتكميل النفوس الناقصة قهرًا، ليصير ذلك بالتدريج اختيارًا، وتخليص الضعفة عن أيدي الظلمة".
وقلت: يمكن أن يقال: إنما جعل فتح مكة علة للمغفرة، لأنه سبب لأن يؤمر رسول الله ﷺ بالاشتغال بخاصة نفسه، بعد بذل المجهود فيما كلف به من تبليغ الرسالة ومجاهدة أعداء الدين، وبالإقبال على التقوى، واستدراك الفرطات، كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، إلى قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣].
قوله: (ولكن لاجتماع ما عدد): خلاصة الجواب: أن العلل متعدد، وهو المعطوفات الأربعة، على أن يراد بقوله: ﴿ويَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾: الفتح، فتؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، فعبر به عن العلل، كما قال: "ليجمع لك بين عز الدارين"، وكان كذلك لأن هذا الفتح هو فتح الفتوح، وهدم به منار الجاهلية، وكمل الدين، وأتمت النعم، كما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
стр. 7862
الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدوّ سببًا للغفران والثواب.
والفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحًا، بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روى السلمي عن [ابن] عطاء: جمع للنبي ﷺ في هذه الآية بين النعم المختلفة؛ من الفتح والمغفرة وتمام النعمة والهداية والنصرة. وعن جعفر الصادق: تمام النعمة: أن جعله حبيبه، وأقسم بحياته، ونسخ له شرائع الرسل أجمع، وعرج به إلى المحل الأدنى، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وبعثه إلى الأبيض والأسود، وأحل له الغنائم، وجعله سيد ولد آدم، وقرن ذكره بذكره، ورضاه برضاه، وجعله أحد ركني التوحيد.
قوله: (لأنه منغلق ما لم يظفر به): الراغب: "الفتح: إزالة الإغلاق والإشكال، وهو ضربان: أحدهما: يدرك بالبصر، كفتح الباب والغلق والقفل والمتاع، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٥]، ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحجر: ١٤]. والثاني: ما يدرك بالبصيرة، كفتح الهم، وهو إزالة الغم، وذلك ضربان: أحدهما: في الأمور الدنيوية كغم يفرج، وفقر يزال بإعطاء المال، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، أي: وسعنا، والثاني: فتح المنغلق من العلوم، نحو: فلان فتح من العلم بابًا مغلقًا.
وقوله تعالى: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾: قيل: عنى فتح مكة، وقيل: بل عنى ما فتح على النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 7863
وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة، وعن ابن عباس: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم، وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح. فإن قلت: كيف يكون فتحًا وقد أحصروا، فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحًا مبينًا.
وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعًا، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت، وصد هدينا، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة التي صارت سببًا لغفران ذنوبه.
وفاتحة كل شيء: مبدؤه الذي يفتح به ما بعده، وقيل: افتتح فلان كذا: إذا بتدأ به، وفتح عليه كذا: إذا أعلمه ووقفه عليه، قال تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، وفتح القضية فتاحًا: فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، والاستفتاح: طلب الفتح، قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: يستنصرون ببعثة محمد ﷺ ، وقيل: يطلبون من الله بذكره الظفر، وقيل: يستعلمون خبره مرة، ويستنبطونه من الكتب مرة.
وباب فتح: مفتوح في عامة أحواله، وغلق: بخلافه، وروي: (من وجد بابًا غلقًا وجد إلى جانبه بابًا فتحًا) ".
قوله: (بالراح): الجوهري: "الراح: جمع راحة، وهي الكف، وأراح الرجل: رجعت إليه نفسه بعد الإعياء وأراح إبله؛ أي: ردها".
стр. 7864
ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا».
وعن الشعبي: نزلت بالحديبية، وأصاب رسول الله ﷺ في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، أصاب أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة، وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله ﷺ ، ثم مجه فيها، فدرت بالماء، حتى شرب جميع من كان معه. وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت، ولم ينفد ماؤها بعد.
وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم، وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها؛ إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويسألوكم القضية): أي: الصلح، كما جاء في الحديث: "هذا ما قاضى عليه رسول الله ﷺ "، النهاية: "هذا ما قاضى عليه؛ قاضى: هو فاعل من القضاء للفصل والحكم، وأصله: القطع، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه". ويؤيده قوله بعيد هذا: "ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية".
قوله: (أنه نزح ماؤها): عن البخاري عن البراء قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد [الفتح] بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مئة، والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك منها قطرة، فبلغ ذلك النبيصلى الله عليه وسلم، فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء، فتوضأ، ثم مضمن ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا".
стр. 7865
وقيل: معناه قضينا لك قضاء بينًا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل، لتطوفوا بالبيت؛ من الفتاحة، وهي الحكومة. وكذا عن قتادة.
﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ يريد: جميع ما فرط منك، وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها، وقيل: ما تقدم من حديث مارية، وما تأخر من امرأة زيد.
﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ فيه عز ومنعة، أو وصف بصفة المنصور إسنادًا مجازيًا، أو عزيزًا صاحبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما تقدم من حديث ماربة): وحديث ماربة: هو ما رواه المصنف في سورة التحريم: "أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة ﵂، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علي، وقد حرمت مارية على نفسي"، إلى آخر القصة، لكن قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ يدل على أنه ترك الأولى، لا أنه صلوات الله عليه ارتكب الذنب.
ويجوز أن يراد بالذنب: تعجيل رسول الله ﷺ بقتل البريء على ما روى ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن أنس قال: "إن رجلًا كان يتهم بأم إبراهيم؛ أم ولد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لعلي: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي، فإذا هو في ركي يتبرد فيها، فقال له: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي عنه، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: والله لمجبوب"، وقال أبو عمر: "هذا الرجل المتهم كان ابن عم مارية القبطية، أهداه معها المقوقس، وأظنه الخصي الذي يقال له: مأبور".
قوله: (أو عزيزًا صاحبه): فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار "عزيزًا هو"، فاستتر الضمير، فصار مرفوعًا بعد أن كان بارزًا مجرورًا.
стр. 7866
[﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا * وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤ - ٧]
﴿السَّكِينَةَ﴾ للسكون، كالبهيتة للبهتان، أي: أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح والأمن، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، والهدنة غب القتال، فيزدادوا يقينًا إلى يقينهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿السَّكِينَةَ﴾ السكون): الراغب: "قيل: هو ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه، كما روي: "إن السكينة لتنطق على لسان عمر"، وقيل: والعقل، ويقال: له سكينة: إذا سكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب؛ قال: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]، وقيل: السكينة والسكن: واحد، وهو زوال الرعب".
وروى السلمي عن ابن عطاء: السكينة: نور يقذف في القلب يبصر به مواقع الصواب.
стр. 7867
أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد ﵇ من الشرائع، ﴿لِيَزْدادُوا إِيمانًا﴾ بالشرائع مقرونًا إلى إيمانهم، وهو التوحيد. عن ابن عباس ﵄: أن أوّل ما أتاهم به النبي ﷺ التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد، فازدادوا إيمانًا إلى إيمانهم.
أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله ولرسوله، ليزدادوا باعتقاد ذلك إيمانًا إلى إيمانهم. وقيل: أنزل فيها الرحمة ليتراحموا، فيزداد إيمانهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يسلط بعضها على بعض، كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية، ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه، ويشكروها، فيستحقوا الثواب، فيثيبهم، ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: أنزل فيها الرحمة): أي: في قلوبهم. فسر إنزال السكينة بوجوده: أولها: حصول الطمأنينة والأمن في قلوب المؤمنين بعد الخوف، ليتمكنوا مما يزيد به إيمانهم، فإن الخائف من العدو قلق مزعج. وثانيها: السكون إلى التوحيد، وهو مجرد التصديق، والازدياد بانضمام الأعمال الصالحة إليه، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وثالثها: حصول الوقار في القلب ليكون سببًا لقوة اليقين، كما قال ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ورابعها: الرحمة. والوجه المختار هو الأول، كما سيجيء.
قوله: (﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ [يسلط بعضها على بعض] كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن): إِشارة إلى أن هاتين الفقرتين- أعني: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ - وردتا معترضتين بين العلة، وهي قوله: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ﴾، وبين معللها، وهو قوله: ﴿أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾، ولذلك عممهما وجعل بعض قضاياهما إنزال السكينة والطمأنينة بسبب الصلح، والأمن في قلوب المؤمنين،
стр. 7868
وقع "السوء" عبارة عن رداءة الشيء وفساده، و"الصدق" عن جودته وصلاحه، فقيل في المرضي الصالح من الأفعال: فعل صدق، وفي المسخوط الفاسد منها: فعل سوء، ومعنى ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾: ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهرًا، ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم، والسوء: الهلاك والدمار.
وقرئ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالفتح؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليكون ذلك الإنزال سببًا لعرفان المؤمنين فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، ثم يكون ذلك العرفان سببًا لأن يتلقوها بالشكر من الأعمال الصالحة، فيستأهلوا به الثواب، فيثيبهم بإدخالهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ويرغم أعداءهم من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات بالتعذيب، فظهر أنه اختار من الوجوه الأربعة سابقتها، فقوله: "ليعرف المؤمنون نعمة الله": هو المذكور في الوجه الأول: "ليعرفوا فضل الله بتيسير الأمن".
روينا عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج عن أنس: "لما نزلت: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، قال رسول الله ﷺ : لقد أنزلت على آية هي أحب إلى من الدنيا جميعًا"، وفي رواية الترمذي عن أنس: "فقالوا: هنيئًا مريئًا يا رسول الله ﷺ ، لقد بين الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ".
قوله: (وقرئ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالفتح): كلهم إلا أبا عمرو وابن كثير.
?
стр. 7869
أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، فهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق.
فإن قلت: هل من فرق بين السُّوء والسَّوء؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق): الأساس: "ودارت به دوائر الزمان، وهي صروفه، ويتربص بكم الدوائر"، الراغب: "الدائرة: الخط المحيط، ثم عبر بها عن الحادثة، والدورة والدائرة في المكروه: كالدولة في المحبوب، قال تعالى: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢]، ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨]، أي: يحيط بهم السوء إحاطة الدائرة بمن فيها، فلا سبيل إلى الانفكاك منه بوجه"، وسبق تمام تقرير"الدائرة" في آخر المائدة.
قوله: (هل من فرق بين السوء والسوء): فإن قلت: هل السؤال مستدرك، لأنه قال: "والسوء_ أي: بالضم_: الهلاك والدمار، وقرئ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالفتح، أي: الدائرة التي يذمونها"؟ قلت: لا، لأنه ذكره مجملًا بحسب الاستعمال، فسأل ليشرحه مفصلًا بحسب اللغة أيضًا.
اعلم أن الدائرة مطلقة يصح استعمالها في العذاب مرة، وفي الذم تارة، وفي الصدق أخرى، ولذلك قال: "وعند المؤمنين دائرة صدق"، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة للبيان على المبالغة، قال في سورة براءة: "السوء: بالضم، وهو العذاب، والسوء: بالفتح، وهو ذم للدائرة، كقولك: رجل سوء، في نقيض قولك: رجل صدق، لأن من درات عليه ذام لها".
ولما كان "السوء" بالضم ظاهرًا في معنى العذاب والهلاك، لم يحتج إلى التأويل، وبالفتح بمعنى الذم لم يكن مطلقًا، لأنها بالنسبة إلى لمؤمنين محمودة، احتيج إلى تأويل "الدائرة"، وأن يقال: إنها بالنسبة إلى الكافرين مذمومة، لأن من دارت عليه ذام لها، وهو المراد من قوله: "وكانت الدائرة محمودة، فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا"، يعني:
стр. 7870
هما كالكُره والكَره، والضُّعف والضَّعف، مِن: ساء، إلا أنّ المفتوح غلب. في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما "السوء" بالضم: فجار مجرى الشر الذي هو إلى المفتوح لكونه مذمومًا، وكانت الدائرة محمودة، فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا، وأما دائرة السوء -بالضم-: فلأن الذي أصابهم مكروه وشدة، فصح أن يقع عليه اسم السوء، كقوله عزّ وعلا: ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧].
[﴿إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٨ - ٩]
﴿شاهِدًا﴾ تشهد على أمّتك، كقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: "السوء - بالفتح -: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، وهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين: دائرة صدق".
قال صاحب "التقريب": المفتوح غلب في المذموم بالإضافة، والمضموم كالشر في نفسه لا بالإضافة، ولذلك أضيف"الظن" إلى المفتوح؛ لكونه مذمومًا بالإضافة، لا في نفس الأمر.
الراغب: "السوء_ بالضم_: كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، والنفسة والبدنية، والخارجة؛ من فوات مال أو فقد حميم، وعبر بـ"السوأى" عن كل ما يقبح، ولذلك قوبل ب"الحسنى" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]، كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، أي: ما يسوءهم في العاقبة".
قوله: (كالكره والكره): الجوهري: "عن الفراء: الكره_ بالضم_: المشقة، يقال: قمت على كره؛ أي: على مشقة، قال: وأقامني فلان على كره_ بالفتح_: إذا أكرهك عليه، وكان لكسائي يقول: الكره والكره لغتان، وأكرهته على كذا: حملته عليه كرها".
стр. 7871
(لِيُؤْمِنُوا) الضمير للناس، (وَيُعَزِّرُوهُ) ويقووه بالنصرة، (وَيُوَقِّرُوهُ) ويعظموه، (وَيُسَبِّحُوهُ) من التسبيح أو من السبحة، والضمائر لله ، والمراد بتعزير الله: تعزير دينه ورسوله ﷺ . ومن فرق الضمائر فقد أبعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("ويعزروه" ويقووه بالنصرة): الراغب: "التعزير: النصرة مع التعظيم، قال تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، والتعزير: ضرب دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول، فإن ذلك تأديب، والتأديب نصرة ما، لكن الأول نصرة بقمع العدو عنه، والثاني: نصرة بقمعه عن عدوه، فإن أفعال الشر عدو للإنسان، فمتى قمعته عنها فقد نصرته، وعلى هذا في الحديث: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال: أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تكفه عن الظلم) ".
قوله: (والمراد بتعزير الله: تعزير دينه): رفع للتوهم، يعني: التعزير والتوقير غير مانع من إجراء الضمائر على سنن واحد، لجواز إطلاقهما على الله تعالى، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقول الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢، الصف: ١]، وقول نوح ﵇: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣].
قوله: (ومن فرق الضمائر فقد أبعد): قال صاحب "المرشد": ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: قال أبو حاتم: هو وقف؛ لأن التعزير والتوقير للنبي ﷺ ، والتسبيح لله تعالى، فأراد أن يفرق بين
стр. 7872
وقرئ: ﴿لِتُؤْمِنُوا … وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾، بالتاء، والخطاب لرسول الله ﷺ ولأمّته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو صفة للنبي ﷺ ، وبين ما هو لله تعالى. وأراد المصنف بقوله: "فقد أبعد": رد هذا؛ لأنه بعيد عن منهج النظم المعجز، وقال في قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩]: "الضمائر كلها راجعة إلى موسى ﵇، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت: فيه هجنة؛ لما يؤدي من تنافر النظم" الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر.
وقوله: (وقرئ: ﴿لِتُؤْمِنُوا … وتُعَزِّرُوهُ﴾ بالتاء): ابن كثير، والباقون: بالياء التحتانية.
قوله: (والخطاب لرسول الله ﷺ ولأمته): هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يراد: الخطاب في قوله: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ لرسول الله ﷺ ، وفي قوله: ﴿وتُعَزِّرُوهُ﴾ لأمته، وعليه كلام الواحدي، وقال: "ومن قرأ بالتاء فمعناه: قل لهم _يا محمد_: لتؤمنوا بالله، وتعزروه وتعينوه وتنصروه بالسف واللسان، وتوقروه وتعظموه وتبجلوه، وتسبحوه بكرة وأصيلًا"، فعلى هذا: أن كان اللام للتعليل يكون المعلل محذوفًا، أي: لتؤمنوا بالله وكيت وكيت فعل ذلك الإرسال، أو للأمر على طريقة: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، على قراءة التاء الفوقانية. وهذا الوجه موافق للقراءة بالياء التحتانية.
стр. 7873
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والثاني: أن يكون الخطاب في: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ إلى آخره: لرسول الله ﷺ ولأمته، فيكون تعميمًا بعد تخصيص، نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، خص النبي ﷺ بالنداء وعم الخطاب، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، قال: "هو رسول الله ﷺ جاء بالحق وآمن به، أراد به إياه ومن تبعه".
وقوله: "مأمورًا بالإيمان برسالة نفسه كسائر المسلمين": روينا عن أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال، وكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الذي تحدث أنه من أهل النار، قد قاتل في سبيل الله أشد القتال، فكان بعض الناس يرتاب، فبينما هو على ذلك، إذ وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع سهمًا منها، فانتحر به، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله ﷺ ، صدق الله حديثك، قد انتحر فلان وقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". أخرجه البخاري ومسلم.
روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن معاوية: "أن النبي ﷺ كان يتشهد مع المؤذنين"، وفي رواية أخرى عن علقمة بن أبي وقاص قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذنه، فقال
стр. 7874
وقرئ: "وتعزروه" بضم الزاى وكسرها، و"تعزروه" بضم التاء والتخفيف، و"تعززوه" بالزايين، و"توقروه" من: أوقره، بمعنى وقره.
وتسبحوا الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، عن ابن عباس: صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١٠]
لما قال: ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ أكده تأكيدًا على طريقة التخييل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معاوية كما قال، فلما قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك.
قوله: (و"تعزروه" بضم الزاي وكسرها): قال ابن جني: "بالضم: قراءة الجحدري، معناه: تمنعوه أو تمنعوا دينه ونبيه، كقوله تعالى: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، فهو على حذف المضاف، وأما "تعزروه" بالتشديد: فتمنعوا منه بالسيف، وعزرت فلانًا: أي: فخمت أمره. وقرأ محمد بن اليماني: بالزايين، أي: تجعلوه عزيزًا".
قوله: (أكده تأكيدًا على طريقة التخييل): يعني: لما روعيت المشاكلة بين قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ وبين قوله: ﴿إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، بني عليها قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ على سبيل
стр. 7875
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستعارة التخييلة، تتميمًا لمعنى المشاكلة، وهو كالترشيح للاستعارة، أي: إذا كان الله مبايعًا، ولا بد للمبايع_ كما تعورف واشتهر_ من الصفقة باليد، فتتخيل اليد لتأكيد معنى المشاكلة، وإلا فجل جنابه الأقدس عن الجارحة.
هذا هو المراد من قول صاحب "المفتاح": "وأما حسن الاستعارة التخييلية: فأن تكون تابعة للكناية، ثم إذا انضم إليها المشاكلة كانت أحسن وأحسن".
روى الواحدي عن ابن كيسان: "قوة الله ونصرته فوق قوتهم وتصرتهم، أي: ثق بنصرة الله لك لا بنصرتهم وإن ييايعوك". وقال الزجاج: "المعنى: يد الله في الوفاء فوق أيديهم_ أو: في الثواب فوق أيديهم_ في الصاعة، أو يد الله في المنة عليهم في الهداية فوق أيديهم في الطاعة".
وقلت: هذه الوجوه لا تنطبق على تأويل المصنف، لأن قوله: ﴿إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾: معناه: ما يبايعون أحد إلا الله، أي: ليست تلك المبايعة مع رسول الله ﷺ ، بل مع الله، ثم لما أريد مزيد توكيد قيل: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾، أي: لا تظنن أن الأمر على خلافه، ألا تشاهد يد الله كيف حصلت فوق أيديهم، كما يفعل المتبايعان. وفي اختصاص الفوقية تتميم معنى الظهور.
وقال أبو البقاء: " ﴿إنَّمَا يُبَايِعُونَ﴾ خبر "إن"، و ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ مبتدأ، وما بعده: الخبر، والجملة خبر آخر ل"إن"، أو حال من ضمير الفاعل في ﴿يُبَايِعُونَ﴾، أو مستأنف".
стр. 7876
فقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، يريد: أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين: هي يد الله، والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله، من غير تفاوت بينهما، كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، والمراد: بيعة الرضوان.
﴿فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر بن عبد الله ﵁: "بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقًا، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع القوم".
وقرئ: "إنما يبايعون لله"؛ أي: لأجل الله ولوجهه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت): روينا عن الإمام أحمد بن حنبل ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر: "بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت".
ولمسلم: "سئل جابر: كم كنتم يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده صلوات الله عليه تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري، اختفى تحت بطن بعيره".
وفي رواية: "على الموت".
стр. 7877
وقرئ: ﴿يّنكُثُ﴾ بضم الكاف وكسرها، و ﴿بِمَا عَاهَدَ﴾ و"عهد"، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ بالنون والياء، يقال: وفيت بالعهد وأوفيت به، وهي لغة تهامة، ومنها قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٧].
[﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ١١]
هم الذين خلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل، وذلك أنّ رسول الله ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرًا، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: ﴿يَنْكُثُ﴾ بضم الكاف وكسرها): والضم: المشهورة، والكسر: شاذ.
قوله: (﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ بالنون والياء): بالنون: نافع وابن كثير وابن عامر، والباقون: بالياء.
قوله: (وفيت بالعهد): الراغب: "الوافي: الذي بلغ التمام، يقال: درهم واف، وكيل واف، واوفيت الكيل والوزن، ووفى بعهده: إذا تمم العهد، والقرآن جاء ب"أوفى"، وفي قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: إشارة إلى قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وتوفية الشيء: بذله وافيًا، ووفى إبراهيم حيث بذل المجهود في جميع ما طولب به؛ من بذل ماله في الإنفاق في طاعته، وبذل ولده الذي هو أعز من نفسه، واستيفاء الشيء: تناوله وافيًا، قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ٢٥] ". و"العهد: حفظ الشيء وماعاته حالًا بعد حال، وسمي الموثق الذي تلزم مراعاته: عهدًا، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وعهد فلان إلى فلان بعهد، أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] ".
стр. 7878
حذرًا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو ﷺ ، وساق معه الهدي، ليعلم أنه لا يريد حربًا، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فيقاتلهم، وظنوا أنه يهلك، فلا ينقلب إلى المدينة، واعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم.
وقرئ: "شغَّلتنا" بالتشديد. ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ تكذيب لهم في اعتذارهم، وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون، وإنما هو الشك في الله والنفاق، وطلبهم للاستغفار أيضًا ليس بصادر عن حقيقة.
﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ﴾ فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ﴾ ما يضركم من قتل أو هزيمة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في عقر داره): النهاية: "في الحديث: "عقر دار الإسلام: الشام"، أي: أصله وموضعه، كأنه أشار به إلى وقت الفتن، أي: يكون الشام يومئذ آمنًا منها، وأهل الإسلام به أسلم، وعقر الدار_ بالضم والفتح_: أصلها". الراغب: "عقر الدار والحوض وغيرهما: أصلها، يقال: له عقر، وفيل: ما غزي قوم في عقر دارهم قط إلا ذلوا".
قوله: (فمن يمنعكم من مشيئة الله تعالى وقضائه ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ﴾ ما يضركم) إلى آخره: الانتصاف: "هذه الآية من اللف، أي: من يملك لكم من الله شيئًا أن أراد بكم ضرًا، ومن يحرمكم النفع أن أراد بكم نفعًا، لأن "من يملك" يستعمل في الضر، كقوله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ﴾ [المائدة: ١٧]، ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف: ٨].
стр. 7879
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسر اختصاص دفع المضرة: أنه تعالى أضاف الملك في هذه المواضع باللام، ودفع المضرة نفع، وليس كذلك حرمان المنفعة، فهو ضرر عائد عليه لا له، وإنما انتظمت هذه الآية كذلك، لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقد من ير وشر، فلما تقاربا أدرجهما في عبارة واحدة، وخص عبارة دفع الضرر لأنه المتوقع لهؤلاء، إذ الآية تهديد ووعيد.
وفي نظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧]، والعصمة أبدًا تكون من الشر، فهاتان الآيتان توأمتان".
وقلت: ويعضد هذا التأويل ما رواه الواحدي عن ابن عباس: "من يمنعكم من عذاب الله أن أراد بكم ضرًا أو أراد بكم نفعًا".
هذا ولا ارتياب أن ﴿يَمْلِكُ﴾ هاهنا غير مستعمل فيما وضع له، قال في "الأساس": "ملك الشيء وامتلكه وتملكه، ومن المجاز: ملك نفسه عند الفضب، وملك علبه أمره: إذا استولى عليه"، وعلى هذا: يجعل ﴿يَمْلِكُ﴾ مجازًا من "يمنع"_ كما عليه ظاهر كلام المصنف_ أو تضمينًا بوساطة "من"، وتكون اللام مزيدة مثلها في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، ولما عقب بقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ وجب تقدير مشيئة الله مطلقًا؛ ليتناول مشيئة الضر والنفع، فتكون القرينتان_ أعني: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ _ تقسيمًا له، ثم جعل المجموع عبارة على سبيل الكناية الإيمائية عن أنه ضار ولا نافع إلا هو.
والنظم يساعد عليه؛ لأن الخطاب مع قوم تثاقلوا عن الحرب حين استنفروا، قالوا: نذهب إلى قوم عزوه في عقر داره، ثم جاؤوا معتذرين: أن أموالنا وأهلينا شغلتنا عن الاستنفار معك، ولم ين ذلك خيرًا لنا، فجئنا تائبين مستغفرين، فاستغفر لنا.
стр. 7880
﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ من ظفر وغنيمة. وقرئ: ﴿ضّرًّا ﴿، بالفتح والضم.
الأهلون: جمع أهل. ويقال: أهلات، على تقدير تاء التأنيث، كأرض وأرضات، وقد جاء: أهلة، وأمّا أهال فاسم جمع، كليال.
[﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِب َ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ١٢]
وقرئ: "إلى أهلهم"، "وزين" على البناء للفاعل، وهو الشيطان، أو الله ، وكلاهما جاء في القرآن؛ ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤]، و ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ [النمل: ٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولما لم يكونوا مثل أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] نبه الله رسول ﷺ بقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ثم أمره يحبيبهم بأجوبة ثلاثة على الترقي، بقوله أولًا على سبيل الكلام المنصف تعريضًا بغيرهم من المحقين والمبطلين: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾، يعني: ليس مالك النفع والضر إلا هو، فلا أهلكم وأموالكم ولا القعود في بيوتكم ينفعكم أن أراد بكم ضرًا، كما في أحد، ولا الشخوص إلى الغزو ومقاتلة الأعداء تضركم أن أراد بكم نفعًا من الظفر والغنيمة، كما في بدر. ثم أضرب عن هذا الجواب إلى قوله: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، وفيه نوع تهديد، ولكن على الإيهام، ثم ترقى وصرح بمكنون ضمائرهم والكشف عن فضائحهم في قوله: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ والْمُؤْمِنُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾، والله أعلم.
قوله: (وقرئ: ﴿ضَرَّا﴾ بالفتح والضم): حمزة والسائي: بالضم، والباقون: بالفتح.
следующие страницы →