← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

فقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، يريد: أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين: هي يد الله، والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله، من غير تفاوت بينهما، كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، والمراد: بيعة الرضوان. ﴿فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر بن عبد الله ﵁: "بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقًا، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع القوم". وقرئ: "إنما يبايعون لله"؛ أي: لأجل الله ولوجهه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت): روينا عن الإمام أحمد بن حنبل ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر: "بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت". ولمسلم: "سئل جابر: كم كنتم يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده صلوات الله عليه تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري، اختفى تحت بطن بعيره". وفي رواية: "على الموت".

стр. 7877

وقرئ: ﴿يّنكُثُ﴾ بضم الكاف وكسرها، و ﴿بِمَا عَاهَدَ﴾ و"عهد"، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ بالنون والياء، يقال: وفيت بالعهد وأوفيت به، وهي لغة تهامة، ومنها قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٧]. [﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ١١] هم الذين خلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل، وذلك أنّ رسول الله ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرًا، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ﴿يَنْكُثُ﴾ بضم الكاف وكسرها): والضم: المشهورة، والكسر: شاذ. قوله: (﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ بالنون والياء): بالنون: نافع وابن كثير وابن عامر، والباقون: بالياء. قوله: (وفيت بالعهد): الراغب: "الوافي: الذي بلغ التمام، يقال: درهم واف، وكيل واف، واوفيت الكيل والوزن، ووفى بعهده: إذا تمم العهد، والقرآن جاء ب"أوفى"، وفي قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: إشارة إلى قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وتوفية الشيء: بذله وافيًا، ووفى إبراهيم حيث بذل المجهود في جميع ما طولب به؛ من بذل ماله في الإنفاق في طاعته، وبذل ولده الذي هو أعز من نفسه، واستيفاء الشيء: تناوله وافيًا، قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ٢٥] ". و"العهد: حفظ الشيء وماعاته حالًا بعد حال، وسمي الموثق الذي تلزم مراعاته: عهدًا، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وعهد فلان إلى فلان بعهد، أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] ".

стр. 7878

حذرًا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو ﷺ ، وساق معه الهدي، ليعلم أنه لا يريد حربًا، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فيقاتلهم، وظنوا أنه يهلك، فلا ينقلب إلى المدينة، واعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم. وقرئ: "شغَّلتنا" بالتشديد. ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ تكذيب لهم في اعتذارهم، وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون، وإنما هو الشك في الله والنفاق، وطلبهم للاستغفار أيضًا ليس بصادر عن حقيقة. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ﴾ فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ﴾ ما يضركم من قتل أو هزيمة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في عقر داره): النهاية: "في الحديث: "عقر دار الإسلام: الشام"، أي: أصله وموضعه، كأنه أشار به إلى وقت الفتن، أي: يكون الشام يومئذ آمنًا منها، وأهل الإسلام به أسلم، وعقر الدار_ بالضم والفتح_: أصلها". الراغب: "عقر الدار والحوض وغيرهما: أصلها، يقال: له عقر، وفيل: ما غزي قوم في عقر دارهم قط إلا ذلوا". قوله: (فمن يمنعكم من مشيئة الله تعالى وقضائه ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ﴾ ما يضركم) إلى آخره: الانتصاف: "هذه الآية من اللف، أي: من يملك لكم من الله شيئًا أن أراد بكم ضرًا، ومن يحرمكم النفع أن أراد بكم نفعًا، لأن "من يملك" يستعمل في الضر، كقوله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ﴾ [المائدة: ١٧]، ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف: ٨].

стр. 7879

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وسر اختصاص دفع المضرة: أنه تعالى أضاف الملك في هذه المواضع باللام، ودفع المضرة نفع، وليس كذلك حرمان المنفعة، فهو ضرر عائد عليه لا له، وإنما انتظمت هذه الآية كذلك، لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقد من ير وشر، فلما تقاربا أدرجهما في عبارة واحدة، وخص عبارة دفع الضرر لأنه المتوقع لهؤلاء، إذ الآية تهديد ووعيد. وفي نظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧]، والعصمة أبدًا تكون من الشر، فهاتان الآيتان توأمتان". وقلت: ويعضد هذا التأويل ما رواه الواحدي عن ابن عباس: "من يمنعكم من عذاب الله أن أراد بكم ضرًا أو أراد بكم نفعًا". هذا ولا ارتياب أن ﴿يَمْلِكُ﴾ هاهنا غير مستعمل فيما وضع له، قال في "الأساس": "ملك الشيء وامتلكه وتملكه، ومن المجاز: ملك نفسه عند الفضب، وملك علبه أمره: إذا استولى عليه"، وعلى هذا: يجعل ﴿يَمْلِكُ﴾ مجازًا من "يمنع"_ كما عليه ظاهر كلام المصنف_ أو تضمينًا بوساطة "من"، وتكون اللام مزيدة مثلها في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، ولما عقب بقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ وجب تقدير مشيئة الله مطلقًا؛ ليتناول مشيئة الضر والنفع، فتكون القرينتان_ أعني: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ _ تقسيمًا له، ثم جعل المجموع عبارة على سبيل الكناية الإيمائية عن أنه ضار ولا نافع إلا هو. والنظم يساعد عليه؛ لأن الخطاب مع قوم تثاقلوا عن الحرب حين استنفروا، قالوا: نذهب إلى قوم عزوه في عقر داره، ثم جاؤوا معتذرين: أن أموالنا وأهلينا شغلتنا عن الاستنفار معك، ولم ين ذلك خيرًا لنا، فجئنا تائبين مستغفرين، فاستغفر لنا.

стр. 7880

﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ من ظفر وغنيمة. وقرئ: ﴿ضّرًّا ﴿، بالفتح والضم. الأهلون: جمع أهل. ويقال: أهلات، على تقدير تاء التأنيث، كأرض وأرضات، وقد جاء: أهلة، وأمّا أهال فاسم جمع، كليال. [﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِب َ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ١٢] وقرئ: "إلى أهلهم"، "وزين" على البناء للفاعل، وهو الشيطان، أو الله ، وكلاهما جاء في القرآن؛ ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤]، و ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ [النمل: ٤]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولما لم يكونوا مثل أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] نبه الله رسول ﷺ بقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ثم أمره يحبيبهم بأجوبة ثلاثة على الترقي، بقوله أولًا على سبيل الكلام المنصف تعريضًا بغيرهم من المحقين والمبطلين: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾، يعني: ليس مالك النفع والضر إلا هو، فلا أهلكم وأموالكم ولا القعود في بيوتكم ينفعكم أن أراد بكم ضرًا، كما في أحد، ولا الشخوص إلى الغزو ومقاتلة الأعداء تضركم أن أراد بكم نفعًا من الظفر والغنيمة، كما في بدر. ثم أضرب عن هذا الجواب إلى قوله: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، وفيه نوع تهديد، ولكن على الإيهام، ثم ترقى وصرح بمكنون ضمائرهم والكشف عن فضائحهم في قوله: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ والْمُؤْمِنُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾، والله أعلم. قوله: (وقرئ: ﴿ضَرَّا﴾ بالفتح والضم): حمزة والسائي: بالضم، والباقون: بالفتح.

стр. 7881

والبور: من بار، كالهلك: من: هلك، بناء ومعنى، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز أن يكون جمع بائر، كعائذ وعوذ. والمعنى: وكنتم قومًا فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، أو: هالكين عند الله مستوجبين لسخطه وعقابه. [﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ ١٣] ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ مقام مقام "لهم"؛ للإيذان بأنّ من لم يجمع بين الإيمانين -الإيمان بالله وبرسوله- فهو كافر، ونكر ﴿سَعِيرًا﴾ لأنها نار مخصوصة، كما نكر ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]. [﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١٤] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدبره تدبير قادر حكيم، فيغفر ويعذب بمشيئته، ومشيئته تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب وتعذيب المصر، ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ رحمته سابقة لغضبه؛ حيث يكفر السيئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كعائذ وعوذ)، الجوهري: "العوذ: الحديثات النتاج من الإبل والخيل، واحدتها عائذ". قوله: (﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ مقام مقام "لهم"): أي: أقيم الظاهر_ وهو ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ _ مقام المضمر، وهو: "لهم". قوله: (ومشيئه تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب): الانتصاف: "تقدم منه أمثال ذلك حملًا للقرآن على رأيه". وقلت: يريد: أن فيه تحريفين: أحدهما: جعل المشيئة تابعة للحكمة، والحكم بالعكس. وثانيهما: قيد الغفران باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة. واعلم أنه يمكن أن يقال_ والله أعلم_: أن قوله: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ الآية: موقعه موقع التذييل لقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾

стр. 7882

[﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَاخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ١٥] ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ الذين تخلفوا عن الحديبية: ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ﴾ إلى غنائم خيبر. ﴿أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ - وقرئ: "كلم الله"-: أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوّضهم من مغانم مكة مغانم خيبر، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئًا. وقيل: هو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣]. ﴿تَحْسُدُونَنا﴾ أن نصيب معكم من الغنائم، قرئ بضم السين وكسرها، ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يفهمون إلا فهمًا ﴿قَلِيلًا﴾، وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، كقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الروم: ٧]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الآية، على أن يقدر له ما يقابله من قوله: ومن آمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للمؤمنين الجنان، فلا يقيد شيء منه؛ ليؤذن بالتصرف التام، والمشيئة النافذة، والغفران الكامل، والرحمة الشاملة. قوله: (أن يغيروا موعد الله): تفسير لقوله: ﴿أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، وقوله: "وقرئ: كلهم الله": معترض بين التفسير والمفسر، وقوله: "قيل: هو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ " عطف على قوله: "يغيروا موعد الله لأهل الحديبية". و"كلم الله": هي قراءة حمزة والكسائي، والباقون: ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾. وفي القول الثاني نظر؛ لأن قوله: ﴿قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]: نازل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين، وكانت تلك الغزوة في رجب سنة تسع، وغزوة الحديبية في سنة ست، كما ذكره ابن الجوزي في "الوفا". قوله: (قرئ بضم السين وكسرها): أي: ﴿تَحْسُدُونَنَا﴾، بالضم: المشهورة، وبالكسر: شاذة.

стр. 7883

فإن قلت: ما الفرق بين حرفي الإضراب؟ قلت: الأوّل: إضراب معناه: ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد، . والثاني: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم مما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة الفقه. [﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ ١٦] ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ هم الذين تخلفوا عن الحديبية، ﴿إِلى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ﴾ يعني: بني حنيفة قوم مسيلمة، وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر الصديق ﵁، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى وصفهم بما هو أطم منه): النهاية: "طم الشيء: إذا عظم، وطم الماء: إذا كثر". الانتصاف: "الإضراب الأول هو المعروف، والثاني هو المستغرب المستعذب الذي ليس فيه مباينة بين الأول والثاني، بل زيادة تنبيه، ومبالغة متمكنة، والمنسوب إليهم ثانيًا أشد؛ فإنهم في الأول جهلوا شيئًا مخصوصًا بنسبتهم المؤمنين إلى الحسد، والثاني نسبتهم إلى الجهل المطبق". وقلت: الإضراب الأول واقع في كلام المتخلفين، والثاني في كلام الله ، وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾: أخبر الله تعالى أنهم سيقولون للمؤمنين: إذا ذهبتم إلى الغزو لا تمنعونا من متابعتكم، ومنعكم إيانا ذلك ليس من حكم الله، بل هو من عند أنفسكم؛ حسدًا أن نصيب من الغنائم شيئًا. ثم أضرب الله عن المجموع بقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾، والحاصل أن ردهم حكم الله وإثباتهم الحسد كان من قلة التفكير وسوء الظن بالمسلمين، ودع ذلك، بل كان بجهل منهم وقلة عقل لما يلزم منه؛ إما رد حكم الله، أو نسبة التقول على الله والحسد إلى أولئك السادة، وإيثار هذه الأدنى على الحياة السرمدية. وفيه: أن الجهل غاية في الذم، وحب الدنيا ليس من شيمة العالم العاقل.

стр. 7884

لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف عند أبي حنيفة، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية. وعند الشافعي: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس، دون مشركي العجم والعرب. وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق ﵁؛ فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله ﷺ ، ولكن بعد وفاته، وكيف يدعوهم رسول الله ﷺ مع قوله تعالى: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]؟ ! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق ﵁: وتقريره: ما ذكره الإمام قال: الداعي في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ لا يخلو من أن يكون رسول الله ﷺ ، أو الأئمة الأربعة ومن بعدهم. لا يجوز الأول لقوله تعالى: ﴿لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ الآية، ولا علي رضي الله تعالى عنه، لأنه ﵁ إنما قاتل البغاة والخوارج، وتلك المقاتلة للإسلام؛ ولما بطلت الأقسام تعين أن المراد بالداعي: أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، ثم إنه تعالى أوجب طاعتهم، وأوعد على مخالفتهم بقوله: ﴿فَإن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وإن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

стр. 7885

وقيل: هم فارس والروم. ومعنى ﴿يُسْلِمُونَ﴾: ينقادون، لأنّ الروم نصارى، وفارس مجوس، يقبل منهم إعطاء الجزية. فإن قلت: عن قتادة: أنهم ثقيف وهوازن، وكان ذلك في أيام رسول الله ﷺ ؟ قلت: إن صح ذلك فالمعنى: لن تخرجوا معي أبدًا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عن قتادة: أنهم ثقيف): يعني: ذكرت أن ليس الداعي في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ رسول الله ﷺ ، وكيف يدعوهم وقد قال: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، وقد روي عن قتادة: أن المدعو ثقيف وهوازن، فيكون الداعي هو رسول الله ﷺ ؟ وأجاب: أن هذا المطلق مقيد، إما بقيد: ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب، وحين دعاهم زال عنهم ذلك المرض، وإما بقيد قوله: "إلا متطوعين"، وبيأنه: أن ذلك الموعد _الذي دل عليه قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ _ هو أنهم لا يتبعون رسول الله ﷺ إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم. وقال محيي السنة: " ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل مرجعنا إليكم؛ أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب". فاللام في" الموعد" للعهد بشهادة قوله فيما سبق: " ﴿أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ أي: يغيروا موعد الله لأهل الحديبية"، فإن ذلك الموعد_ على قول مجاهد_ هذا المذكور، فعلى هذا: "أو على قول مجاهد" عطف على قوله: "فالمعنى: لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوا ما دمتم على ما أنتم عليه"، أو: لن تخرجوا أبدًا إلا متطوعين لا نصيب لكم في المغنم، بناء على قول مجاهد.

стр. 7886

أو على قول مجاهد: كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله ﷺ إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم. ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يريد: في غزوة الحديبية. ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ معطوف على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أي: يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما. وفي قراءة أبيّ: "أو يسلموا"؛ بمعنى: إلى أن يسلموا. [﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا﴾ ١٧] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (متطوعين): الجوهري: "التطوع بالشيء: التبرع به، المطوعة: الذين يتطوعون بالجهاد". قوله: (معطوف على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أي: يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة أو الإسلام، لا ثالث لهما): أي: لا تؤخذ الجزية أن أريد ب"القوم": مشركو العرب، و"الإسلام" محمول على حقيقته، ولا يترك سدى أن أريد ب"القوم": المجوس والنصارى _ذكر المجوس والنصارى، ولم يذكر اليهود؛ لأن القوم ما دعوا إلى اليهود، لأن اليهود ما اجتمع لهم رأي بعد ذلك، ولا كانت لهم شوكة وبأس شديد_ و"الإسلام" محمول على الانقياد. والعطف يحتمل أمرين_ كما قال في "المفصل"_: "الرفع على الإشراك بين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ و ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الابتداء". وقال ابن الحاجب في "الشرح": "الرفع على الإشراك بين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ و ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ على معنى التشريك بينهما في عامل واحد، حتى كأنك عطفت خبرًا على خبر، أو على الابتداء،

стр. 7887

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني بقوله: "أو على الابتداء": على الاستئناف بجملة معربة إعراب نفسها غير مشترك بينها وبين ما قبلها في عامل واحد، ومثلها بقول: "أو هم يسلمون"، ليظهر الفرق بين هذا التقدير والتقدير الأول؛ إذا الجملة الاسمية لا تكون معطوفة على جملة فعلية باعتبار التشريك، ولكن باعتبار الاستقلال". وقال في "الأمالي": "الرفع فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مشتركًا بينه وبين ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ في العطف، والآخر: أن يكون جملة مستقلة معطوفة على الجملة التي قبلها باعتبار الجملة لا باعتبار الأفراد، و ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ فيه معنى الأمر، وإن كان صيغته صيغة الخبر، ولا يستقيم أن يكون مجردًا عن معنى الأمر لأنه يؤدي إلى أن لا ينفك الوجود عن أحدهما لصدق الإخبار، ونحن نرى الوجود ينفك عنهما. ولا نقول: إنه يمتنع لما تؤدي إليه "أو" من الشك، وذلك في حق العالم باطل، فإنا على يقين نعلم أن "أو" تأتي لأحد الأمرين إذا كان المخبر عنه لا ينفك عن أحدهما، وليس ذلك عن شك، بل عن قطع أنه كذلك، كقولك: الجسم إما أن يكون ساكنًا أو متحركًا، وكذلك ما أشبهه مما يلزم أن يكون على أحد الأمرين في عقليته أو وجوده، وإنما يلزم الشك في الإخبار عن أمر معين في الوجود، وقع أو سيقع على أحد أمرين، فهاهنا قد يتوهم لزوم الشك من المخبر، كقولك: زيد إما مريض وإما معافى. وإذا ثبت أن ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ في معنى الأمر، فـ ﴿يُسْلِمُونَ﴾: إما في معنى الأمر فيصح المعنى، ويكون المعنى: الواجب عليكم إما القتال وإما الإسلام منهم، وهذا واضح، وعلم أن

стр. 7888

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإسلام لا يسقط عنهم بالقتال من المسلمين من دليل آخر، وإما أن لا يكون ﴿يُسْلِمُونَ﴾ في معنى الأمر، فيكون المعنى الإخبار بأن أحد الأمرين لا ينفك عن الوجود، وهو إما وجوب القتال منكم، أو حصول الإسلام منهم". قلت: أما قوله: "أن يكون جملة مستقلة معطوفة على الجملة قبلها باعتبار الجملة لا باعتبار الأفراد"، فمناه: أن قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ مجرور المحل صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، فإذا عطف ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ عليه باعتبار الأفراد، كان حكمهما سواء، وأما إذا عطف لا من هذه الجهة، بل بالنظر [إلى] أنها جملة كانت مستقلة. ويؤيده ما ذكره ابن جني في "المحتسب"، قال: "أما قراءة العامة بالنصب: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] فمعطوف على ﴿يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] وحدها، وهي جملة من فعل وفاعل، والعطف يقتضي التماثل في تركيب الجمل، فالتقدير: ورفع السماء، فلما أضمر" رفع"، فسره بقوله: ﴿رَفَعَهَا﴾، كقولك: قام زيد وعمرًا ضربته، أي: وضربت عمرًا، لتعطف جملة من فعل وفاعل، على أخرى مثلها. وفي نصب "السماء" على القراءة العامة ردًا على أبي الحسن في امتناعه أن يقول: زيد ضربته وعمرًا كلمته، على تقدير: وكلمت عمرًا، عطفًا على: ضربته، لأن قوله: "ضربته" جملة ذات موضع من الإعراب، لكونها خبرًا للمبتدأ، و" كلمت عمرًا" لا موضع لهامن الإعراب، لأنها ليست خبرًا عن "زيد"؛ لخلوها من ضميره، فلا تعطف جملة غير ذات موضع على جملة ذات موضع؛ إذ العطف نظير التثنية، فينبغي أن يتناسب المعطوف والمعطوف عليه.

стр. 7889

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذا ساقط عند سيبويه، وذلك أن ذلك الموضوع من الإعراب لما لم يخرج إلى اللفظ سقط حكمه، وجرت الجملة ذات الموضع كغيرها من الجملة غير ذات الموضع، كما أن الضمير في اسم الفاعل لما لم يظهر إلى اللفظ جرى مجرى ما لا ضمير فيه، فقيل في تثنيته: قائمان، كما قيل: فرسان ورجلان، بل إذا كان اسم الفاعل قد يظهر ضميره إذا جرى على غير من هوله، ثم أجري مع ذلك مجرى ما لا ضمير فيه لما لم يظهر في بعض الموضع، كان ما لا يظهر فيه الإعراب أصلًا أحرى أن يسقط الاعتداد به". تم كلام ابن جني. وأما تلخيص الكلام: فهو أن يقال: لا بد من تأويل ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ بالأمر؛ ليستقيم المعنى، ولا نقول: إنه يمتنع الحمل على الإخبار لأجل كلمة"أو" لأنها موضوعة للشك، وهو في حق الله تعالى محال، وكيف نقول به ونحن نعلم يقينًا أن "أو" في الأخبار ليست منحصرة في الشك، لأن "أو" التنويعية، وهي أن تأتي لأحد الأمرين إذا كان المخبر عنه لا ينفك عن أحدهما، نحو: الجسم إما أن يكون ساكنًا أو متحركًا، بل نقول: إنما يمتنع الإخبار لأن قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ليس من هذا القبيل؛ لما نرى أن الوجود ينفك عنهما، وهو أن لا تحصل مقاتلة هؤلاء ولا إسلام أولئك، إما بالهذنة أو أن يتركوا سدى. وإذا ثبت أن ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ في معنى الأمر: فلا يخلو من أن يحمل ﴿يُسْلِمُونَ﴾ على الأمر أيضًا أم لا. فالمعنى على الأول: الواجب عليكم إما القتال وإما الإسلام منهم. ويرجع المعنى على الثاني إلى الإخبار بأن أحد الأمرين لا ينفك عنه الوجود؛ إما وجوب القتال منكم أو حصول الإسلام منهم، وإنما يستقيم هذا على الأمر، لأن الأمر للوجوب، وليس الإخبار بحصول وجوب القتال كالإخبار بحصول وقوع القتال.

стр. 7890

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فظهر بهذا معنى قول المصنف: "يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة أو الإسلام، ولا ثالث لها". هذا، والذي يقتضيه المقام ما ذهب غليه صاحب "التخمير" حيث قال: "وإذا رفعت هذا الفعل فعلى أن "أو" هي العاطفة، ثم هذه الجملة المعطوفة: إما أن تكون بظاهرها فعلية أو اسمية، وعلى الاسمية تقديره: أو هم يسلمون. فإن سألت: أليس من شأن العطف المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه؟ أجبت: إذا قلت: الجملة الفعلية اسمية كانت المناسبة أكثر، لأن هذه الجملة حينئذ تخرج إلى باب الكناية، والمعنى: تقاتلونهم أو لا تقاتلونهم لأنهم يسلمون. وقلت: يعني: وضع "هم يسلمون" موضع "لا تقلونلونهم"؛ لأنهم إذا أسلموا سقط عنهم قتالهم ضرورة، "أو" إذن للتريد، لكن على سبيل الاستعارة، والجملتان إخباريتان، وبيان ذلك أن قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ﴾ وارد على سنن الإخبار التوبيخي في حق من تخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ وجاؤوا معتذرين، يعني: أن الله سيعاملكم بعد هذه الغزوة بغزوة أخرى معاملة من يختبر أحوال من هو تحت قهره وملكته، فيأمره بأمر وينظر: هل يمتثل أمره أم لا، فإن أطاع يثيبه، وإلا يعاقبه، يدل عليه ترتب قوله: ﴿فَإن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وإن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ورفع الجناح عن المضرورين في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ولا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى المَرِيضِ﴾، والتذييل بقوله: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآية.

стр. 7891

نفى الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف عن الغزو. وقرئ: "ندخله" و"نعذبه"، بالنون. [﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١٨ - ١٩] هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية، وقصتها: أنّ النبي ﷺ حين نزل الحديبية بعث جوّاس بن أمّية الخزاعي رسولًا إلى أهل مكة، فهموا به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتحرير المعنى: ستدعون إلى قوم ذوي شوكة عظيمة وأصحاب عدد لنبلوكم؛ أهل تقاتلونهم أم لا وتتخلفون عن داعيكم كما تخلفتم الآن، والاستدعاء ليس إلا لاختباركم وامتثالكم الأمر، وإلا فالقوم يدخلون في الإسلام: إما باستبصار من عند أنفسم وتفكر، أو أن يقدر الله غيركم من يقاتلهم ليسلموا. ولهذا الدقيقة كنى بالجملة الاسمية عن الفعلية _وهي الخبر عن المبتدأ المقدر_ على تقوي الحكم. فظهر أن الكلام وارد على التمثيل، و"أو" الترديدية مستعارة هاهنا، كما استعير كلمة الترجي في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "ندخله" و"نعذبه" بالنون): نافع وابن عامر. قوله: (هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية): أي: أنزل الله تعالى في هذه البيعة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فسميت بها، الراغب: "الرضوان: الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله خص لفظ" الرضوان" في القرآن بما كان من الله تعالى".

стр. 7892

فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ﵁ ليبعثه، فقال: إني أخافهم على نفسي، لما عرف من عداوتي إياهم، وما بمكة عدوىّ يمنعني، ولكنى أدلك على رجل هو أعز بها مني، وأحب إليهم؛ عثمان بن عفان، فبعثه، فخبرهم أنه لم يأت بحرب، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فوقروه، وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله ﷺ ، واحتبس عندهم، فأرجف بأنهم قتلوه، فقال رسول الله ﷺ : "لا نبرح حتى نناجز القوم"، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة، وكانت سمرة، قال جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها. وقيل: كان رسول الله ﷺ جالسًا في أصل الشجرة، وعلى ظهره غصن من أغصانها، قال عبد الله بن المغفل: وكنت قائمًا على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه، فرفعت الغصن عن ظهره، فبايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفروا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «أنتم اليوم خير أهل الأرض». وكان عدد المبايعين ألفًا وخمس مئة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفًا وأربع مئة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأحابيش): عن بعضهم: واحدها: أحبوش، وهو الفرج من قبائل شتى، يقال: تحبشوا من كل قبيلة، أي: تجمعوا، فصار لهم سواد لكثرتهم، فشبهوا بالحبش. قوله: (عثمان بن عفان): يروى مرفوعًا ومفتوحًا؛ فالرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والفتح على أن يكون بدلًا من "رجل". قوله: (حتى نناجز): الجوهري: المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة". قوله: (وقيل: ألفًا وأربع مئة): هذا هو الصحيح، كما رويناه في حديث مسلم في البيعة، قال: "كنا أربع عشرة مئة"، وعن البخاري في حديث نزح بئر الحديبية.

стр. 7893

وقيل: ألفًا وثلاث مئة. ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم، ﴿وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وقرئ: "وآتاهم"، وهو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة، وعن الحسن: فتح هجر، وهو أجلّ فتح، اتسعوا بثمرها زمانًا، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَها﴾ هي مغانم خيبر، وكانت أرضًا ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله ﷺ عليهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن الحسن: فتح هجر): وفيه نظر؛ لأن "هجرًا" على ما ذكره صاحب "النهاية": "إما قرية قريبة من المدينة التي منها القلال، أو هجر البحرين"، ولم يذكر أحد من الأءمة أنه ﷺ غزاها، وذكر محيي السنة: "أنه ﷺ لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة، ورجع بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر". قوله: (هي مغانم خيبر): "الغنم: معروف، والنغم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدا وغيرهم، والمغنم: ما يغنم، وجمعه مغانم".

стр. 7894

ثم أتاه عثمان ﵁ بالصلح، فصالحهم، وانصرف بعد أن نحر بالحديبية، وحلق. [﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ٢٠] ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ المغانم، يعني: مغانم خيبر، ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ يعني: أيدي أهل خيبر وحلفاؤهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فنكصوا. وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، ﴿وَلِتَكُونَ﴾ هذه الكفة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وعبرة يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان، وأنه ضامن نصرهم والفتح عليهم. وقيل: رأى رسول الله ﷺ فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي، فتأخر ذلك إلى السنة القابلة، فجعل فتح خيبر علامة وعنوانًا لفتح مكة، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ويزيدكم بصيرة ويقينًا، وثقة بفضل الله. [﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ٢١] ﴿وَأُخْرى﴾ معطوفة على ﴿هَذِهِ﴾، أي: فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ وهي مغانم هوازن في غزوة حنين، وقال: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ لما كان فيها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم أتاه عثمان ﵁ بالصلح): عطف على قوله: "فبايعوه تحت الشجرة"، إلى قوله: "فقال لهم رسول الله ﷺ : أنتم اليوم خير أهل الأرض"، لا على قوله: "فقسمها عليهم"، لأن فتح خيبر كان بعد مرجعه ﵁ من مشركي أهل مكة بمدة مديدة.

стр. 7895

من الجولة، ﴿قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها﴾ أي: قدر عليها واستولى، وأظهركم عليها، وغنمكموها. ويجوز في "أُخْرى": النصب بفعل مضمر، يفسره ﴿قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها﴾، تقديره: وقضى الله أخرى قد أحاط بها، وأما ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ فصفة لـ"أخرى"، والرفع على الابتداء؛ لكونها موصوفة بـ ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾، و ﴿قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾: خبر المبتدأ، والجرّ بإضمار "رب". فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠]، كيف موقعه؟ قلت: هو كلام معترض، ومعناه: ولتكون الكفة آية للمؤمنين فعل ذلك، ويجوز أن يكون المعنى: وعدكم المغانم، فعجل هذه الغنيمة وكف الأعداء لينفعكم بها، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا وعد الله بها صادقًا، لأنّ صدق الإخبار عن الغيوب معجزة وآية، ويزيدكم بذلك هداية وإيقانًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الجولة): النهاية: "في حديث الصديق: "أن للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة"، أي: غلبة؛ من: جال في الحرب على قرنه يجول"، وعن بعضهم: وهي عبارة عن هزيمة المسلمين، فأحسن في العبارة عنها على عادة المترسلين، وقيل: الجولة: هي الهزيمة مع الرجوع إلى القتال، ثم الهزيمة، ثم الرجوع. قوله: (والجر بإضمار): أي في "أخرى"، وعلى هذا ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ صفة، و ﴿قَدْ أَحَاطَ﴾ جواب "رب". قوله: (ولتكون الكفة آية للمؤمنين): عن بعضهم: فإن قيل: ما وجه المنة في كف أيدي المؤمنين عن الكافرين؟ قلت: وجهه ما بعده من قوله: ﴿ولَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] الآية. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: وعدكم): فعلى هذا: ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ عطف على علة أخرى محذوفة، وعلى أن تكون معترضة: المعلل محذوف.

стр. 7896

[﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٢٢ - ٢٣] ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ولم يصالحوا، وقيل: من حلفاء أهل خيبر لغلبوا وانهزموا، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ في موضع المصدر المؤكد، أي: سن الله غلبة أنبيائه سنة، وهو قوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]. [﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٢٤] ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾ أيدي أهل مكة، أي: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح، وبه استشهد أبو حنيفة ﵀ على أنّ مكة فتحت عنوة لا صلحًا، وقيل: كان ذلك في غزوة الحديبية؛ لما روي: أنّ عكرمة بن أبي جهل خرج في خمس مئة، فبعث رسول الله ﷺ من هزمه وأدخله حيطان مكة. وعن ابن عباس: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت. وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، بالتاء والياء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وبه استشهد أبو حنيفة ﵁ [على] أن مكة فتحت عنوة لا صلحًا): هذا يخالف تفسير المصنف لقوله: ﴿إنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١]: "الفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحًا، بحرب أو بغير حرب". قوله: (وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء): أبو عمرو: بالياء التحتانية.

стр. 7897

[﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ ٢٥] وقرئ: ﴿وَالْهَدْيَ﴾ و"الهدي" بتخفيف الياء وتشديدها، وهو ما يهدى إلى الكعبة، بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب في ﴿صَدُّوكُمْ﴾، أي: صدّوكم وصدّوا الهدي، وبالجر عطفًا على ﴿الْمَسْجِدِ الحَرَامِ﴾، بمعنى: وصدّوكم عن نحر الهدي، ﴿مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ محبوسًا عن ﴿أَن يَبْلُغَ﴾، وبالرفع على: وصدّ الهدي. و﴿مَحِلَّهُ﴾: مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب، وهذا دليل لأبي حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم. فإن قلت: فكيف حل رسول الله ﷺ ومن معه، وإنما نحر هديهم بالحديبية؟ قلت: بعض الحديبية من الحرم، وروي: أن مضارب رسول الله ﷺ كانت في الحل، ومصلاه في الحرم. فإن قلت: فإذن قد نحر في الحرم، فلم قيل: ﴿مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾؟ قلت: المراد: المحل المعهود، وهو منى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يحل فيه نحره، أي: يجب): "يجب": من الوقوع، لا من الوجوب، قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، روي عن المصنف: "محل الهدي: مكان حلوله، أي: وجوبه ووقوعه، ومحل الدين: وقت حلوله، أي: وجوبه ووقوعه". قوله: (فكيف حل رسول الله ﷺ : هذا السؤال وراد على مذهب أبي حنيفة ﵁، وعند الشافعي ﵁: محل الهدي حيث أحصر، وقد مر تحقيقه في سورة البقرة. قوله: (مضارب رسول الله ﷺ : المغرب: "ضرب الخيمة، وهو المضرب للقبة، بفتح الميم وكسر الراء، ومنه: كانت مضارب رسول الله ﷺ في الحل، ومصلاه في الحرم".

стр. 7898

﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ صفة الرجال والنساء جميعًا، و ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾، والمعرة: مفعلة؛ من عره: بمعنى: عراه، إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه. و ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْ تَطَؤُوهُمْ﴾، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من: عره، بمعنى: عراه؛ إذا دهاه ما يكرهه): الراغب: "المعتر: المعترض للسؤال، يقال: عره واعتره، وعررت بك حاجتي، والعر والعز: الجرب الذي يعر البدن، ومنه قيل للمضرة: معرة؛ تشبيهًا بالعر الذي هو الجرب". قوله: (﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾): فيكون حالًا من الضمير المرفوع في ﴿تَطَئُوهُمْ﴾، أو المنصوب، وتقديره: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، قال أبو البقاء: "هو حال من الضمير المجرور_ أي: في ﴿مِّنْهُم﴾ _، أو صفة لـ ﴿مَّعَرَّةٌ﴾ ". والمعنى على قول المصنف: لولا رجال مؤمنون صفتهم أنكم غير عالمين بوطئهم غير عالمين بهم، قال الإمام: "يلزم على قوله التكرير، فالأولى أن يقال: أن قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يكون في موضعه، المعنى: ﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أي: أن وطئتموهم غير عالمين لزمتكم سبة الكفار بغير علم، أي: بجهل، لا يعلمون أنكم معذورون فيه، أو فتصيبكم منهم معرة غير معلومة، وهي ما يحصل من القتل الخطأ، ومن حصول الأذى على البريء". وقلت: يمكن أن يقال: لا يلزم التكرار؛ لأن المراد أنه متعلق بما دل عليه ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾، والمعنى: لولا رجال مؤمنون، ومن صفتكم أنكم غير عالمين بوطئهم، فتطؤوهم وأنتم غير عالمين بهم، فيكون ذلك سببًا لأن تصيبكم منهم المعرة، وهي ما قال: "يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين".

стр. 7899

يعني: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، والوطء والدوس: عبارة عن الإيقاع والإبادة، قال: ووطئتنا وطأ على حنق .... وطأ المقيّد نابت الهرم وقال رسول الله ﷺ : «وإن آخر وطأة وطئها الله بوج»، والمعنى: أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووطئتنا وطأ على حنق): "الحنق": الحقد الشديد، و"المقيد": البعير الذي عليه القيد، وخصه لأن وطأنه أثقل، كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل، وخص "نابت الهرم" لأن هشمه أسهل. الأساس: "يقال: أذل من الهرمة؛ واحدة الهرم، وهو يبيس الشبرق أذل الحمض"، وأنشد البيت، يقول: أثرت فينا تأثير الحنق الغضبان، كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذا النبت. قوله: (وإن آخر وطأة وطئها الله بوج): النهاية: "المعنى: أن آخر أخذة أو وقعة أوقعها الله تعالى بالكفار كانت بوج، وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله ﷺ ، فإنه لم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكن فيها قتال". الراغب: "وطؤ الشيء فهو وطيء بين الوطاءة والطئة والطأة، ووطئته برجلي أطؤه وطأ ووطاءة، وفي الحديث: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، أي: ذللهم، ووطئ

стр. 7900

ولا معروفي الأماكن، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسًا مؤمنين بين ظهراني المشركين، وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة، لما كف أيديكم عنهم. وحذف جواب «لولا» لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لـ"لولا رجال مؤمنون"؛ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ هو الجواب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ امرأته: كناية عن الجماع، وصار كالتصريح للعرف فيه، والمواطأة: وأصله: أن يطأ الرجل برجله موطئ صاحبه". قوله: (ويجوز أن يكون ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لـ"لولا رجال مؤمنون): يعني: تخيص المعنى الأول: أن هناك قومًا مختلطين بالمشركين غير متميزين منهم، وهو ضد "تزيلوا"، لأن معناه: حصل التميز وتفرق المانع، و"لولا": لا متناع الشيء لوجود غيره، و"لو" لامتناع الشيء لامتناع غيره، فيكون مقتضى جوابهما واحدًا، فكان تكريرًا. الانتصاف: "إنما كان مرجعهما هاهنا واحدًا، وإن كانت "لولا" تدل على الامتناع لوجود غيره، و"لو" تدل على الامتناع للامتناع؛ لأن "لولا" دخلت هاهنا على وجود معناه العدم، إذ التزيل معناه المفارقة، فصار ثبوتًا، وكان جدي يختار الوجه الثاني، ويجعله تطرئة لطول الكلام". وقلت: ولعل المختار الأول؛ لأنه حينئذ يقرب من باب الطرد والعكس، لأن التقدير: لولا وجود رجال مؤمنين مختلطين بالمشركين غير متميزين منهم لوقع ما كان جزاء لكفرهم وصدرهم، ولو حصل التميز وارتفع الاختلاط لحصل التعذيب.

стр. 7901

فإن قلت: أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون؟ قلت: يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير. فإن قلت: قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ تعليل لماذا؟ قلت: لما دلت عليه الآية وسيقت له؛ من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم، صونًا لمن بين أظهرهم من المؤمنين، كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته، أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو: ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم، ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض؛ من: زاله يزيله. وقرئ: "لو تزايلوا". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: "يحتمل أن يقال: جوابه ما دل عليه قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ﴾، يعني: استحقوا لأن لا يهملوا، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه، كما يقول القائل: هو سارق، ولولا فلان لقطعن يده". قوله: (لما دلت عليه الآية وسيقت له): يعني: هو تعليل للمجموع، قال الإمام: "والمعنى: فعل ما فعل ليدخل، لأن هناك أفعالًا من الألطاف والهداية وغيرهما، لا يقال إنك ذكرت أن المانع للوطء وجود رجال مؤمنين، كأنه قيل: كف أيديكم لئلا تطؤوا، فكيف يكون لشيء آخر؟ لأنا نقول: المعنى: كف أيديكم لئلا تطؤوا ليدخلوا، كما يقال: أطمعته ليشبع ليغفر الله لي". قوله: (أو: ليدخل في الإسلام): يعني: إذا قيد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ بالمؤمنين، فالمناسب أن

стр. 7902

[﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ٢٦] ﴿إِذْ﴾ يجوز أن يعمل فيه ما قبله، أي: لعذبناهم، أو صدوهم عن المسجد الحرام في ذلك الوقت، وأن ينتصب بإضمار: اذكر. والمراد بـ"حمية الذين كفروا" و"سكينة المؤمنين" -والحمية: الأنفة، والسكينة: الوقار-: ما روي: أنّ رسول الله ﷺ لما نزل بالحديبية، بعثت قريش سهيل بن عمرو القرشي، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأخيف، على أن يعرضوا على النبي ﷺ أن يرجع من عامه ذلك، على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتبوا بينهم كتابًا، فقال ﵊ لعلي ﵁: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم"، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تفسر "الرحمة" بالتوفيق، فتكون مراعاة جانب طائفة من المؤمنين والمؤمنات سببًا لمزيد التوفيق والخير والطاعة، وإذا قيد بالمشركين، فالوجه أن تفسير "الرحمة" بالإسلام، لأن المشركين إذا شاهدوا مراعاة المسلمين ورحمة الله في شأن طائفة من المؤمنين بأن منع من تعذيب أعداء الدين بعد الظفر بهم، لأجل اختلاطهم بهم، رغبوا في مثل هذا الدين والانخراط في زمرة المرحومين. قوله: (أو صدوهم): عن بعضهم: الصواب: أو صدوكم، بل الأولى ذلك؛ لأن له وجهًا، أي: صد المشركون المسلمين إذ جعل. قوله: (لما نزل بالحديبية، بعثت قريش) الحديث إلى آخره: قد ذكره الأئمة في أحاديث شتى بروايات مختلفة، ومضى شيء منه في هذا الكتاب.

стр. 7903

فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، ثم قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه رسول الله ﷺ أهل مكة"، فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال ﵊: "اكتب ما يريدون، فأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله"، فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك، ويشمئزوا منه، فأنزل الله على رسوله السكينة، فتوقروا وحلموا. و﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾: "بسم الله الرحمن الرحيم" و"محمد رسول الله"، قد اختارها الله لنبيه وللذين معه؛ أهل الخير ومستحقيه ومن هم أولى بالهداية من غيرهم، وقيل: هي كلمة الشهادة، وعن الحسن: كلمة التقوى: هي الوفاء بالعهد، ومعنى إضافتها إلى التقوى: أنها سبب التقوى وأساسها، وقيل: كلمة أهل التقوى. وفي مصحف الحرث بن سويد صاحب عبد الله: "وكانوا أهلها وأحق بها"، وهو الذي دفن مصحفه أيام الحجاج. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأنا أشهد): قيل: معناه: المعجزة على يدي بعد الدعوى، كما أن شهادة الله إظهار المعجزة على يد النبي، أو نقول: فإذا ثبتت نبوته بالمعجزة إذا قال: أنا نبي، كان كالتوكيد والتقرير لذلك. وقلت: المعنى: أنا نبي ثابت النبوة بالمعجزة، وثابت الرسالة بإنزال الكتاب علي، سواء شهدوا أو لم يشهدوا. قوله: (و ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: "بسم الله الرحمن الرحيم"): روى الترمذي عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ : " ﴿وأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله". قوله: (الحارث بن سويد): قال صاحب "جامع الأصول": "هو من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم، وقد سئل أحمد بن حنبل عنه، قال: مثل هذا يسأل عنه؟ ! يعني: لجلالة قدره وعلو منزلته، وروى عن ابن مسعود، مات في آخر أيام عبد الله بن الزبير".

стр. 7904

[﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢٧] رأى رسول الله ﷺ قبل خروجه إلى الحديبية: كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا وقصروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم، وقالوا: إن رؤيا رسول الله ﷺ حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت. ومعنى: ﴿صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا﴾: صدقه في رؤياه ولم يكذبه، تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوًّا كبيرًا، فحذف الجارّ وأوصل الفعل، كقوله تعالى: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الحزاب: ٢٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعنى: ﴿صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾: صدقة في رؤياه ولم يكذبه): الراغب: "الصدق ولا كذب: أصلهما في القول، ماضيًا كان أو مستقبلًا، وعدًا أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول إلا في الخبر، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، وقد يكونان بالعرض في غير الخبر، كالاستفهام والأمر والدعاء، نحو قولك: "أزيد في الدار؟ " فإن في ضمنه إخبارًا بكونه جاهلًا بحال زيد، وقولك: "لا تؤذني" مضمن لمعنى أنه يؤذيك، وقولك: "واسني" مضمن لمعنى: أنك محتاج إلى المواساة. والصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معًا، وإلا لم يكن صدقًا تامًا، بل إما

стр. 7905

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن لا يوصف بالصدق، أو يوصف تارة بالصدق وتارة الكذب، على نظرين مختلفين، كقوله كافر غير معتقد: "محمد رسول الله"، فصدقه لكون المخبر عنه كذلك، وكذبه لمخالفة الضمير. وقد يستعملان في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو: صدق ظني وكذب، ويستعملان في فعل الجوارح، نحو: صدق في القتال_ إذا وفي حقه وفعل ما يجب_ وكذب في القتال، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، أي: حققوا العهد. وقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]: أي: يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله؛ تنبيها أنه لا يكفي الاعتراف بالحق دون تحريه بالفعل، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾: هذا صدق بالفعل، وهو التحقيق، أي: حقق رؤيته، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]: أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا. ويعتبر عن كل فعل فاضل ظاهرًا باظنًا بالصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل، كقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وعلى هذا: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وقوله: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]، ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، فإن ذلك سؤال أن يجعله الله صالحًا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده، لم يكن ذلك الثناء كذبًا، كما قال: إذا نحن أثنينا عليك بصالح .... فانت كما نثني وفوق الذي نثني".

стр. 7906

فإن قلت: بم تعلق ﴿بِالْحَقِّ﴾؟ قلت: إمّا بـ ﴿صَدَقَ﴾، أي: صدقه فيما رأى، وفي كونه وحصوله صدقًا ملتبسًا بالحق، أي: بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص، وبين من في قلبه مرض. ويجوز أن يتعلق بـ ﴿الرُّؤْيَا﴾ حالًا منها، أي: صدقه الرؤيا ملتبسًا بالحق، على معنى: أنها لم تكن من أضغاث الأحلام. ويجوز أن يكون ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسمًا؛ إمّا بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه، و ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾: جوابه، وعلى الأوّل: هو جواب قسم محذوف. فإن قلت: ما وجه دخول ﴿إِنْ شاءَ اللَّهُ﴾ في أخبار الله ؟ قلت: فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة تعليمًا لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدّبين بأدب الله، ومقتدين بسنته، وأن يريد: لتدخلنّ جميعًا إن شاء الله ولم يمت منكم أحدًا، أو كان ذلك على لسان ملك، فأدخل الملك: إن شاء الله، أو هي حكاية ما قال رسول الله ﷺ لأصحابه، وقصّ عليهم. وقيل: هو متعلق بـ ﴿آمِنِينَ﴾. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيه وجوه): تلخيصها: أن قوله: ﴿إن شَاءَ اللَّهُ﴾: إما من كلام الله ، أو من كلام الملك ﵇، أو الرسول ﷺ . وعلى أن يكون من كلام الله تعالى فهو: إما متعلق بـ ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أو بـ ﴿آمِنِينَ﴾، وإذا كان الأول فإيراده: إما للتعليم أو للتبرك، وإما أن المراد: لتدخلن جميعًا، وإذا تعلق بـ ﴿آمِنِينَ﴾ كان المعنى ما ذكره في قوله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]: "أسلموا وآمنوا في دخولكم أن شاء الله، والتقدير: ادخلوا مصر آمنين أن شاء الله دخلتم". وعلى أن يكون من كلام الملك: فإنه لما ألقى كلام الله على النبي ﷺ ألقى هذه الكلمةمن تلقاء نفسه تبركًا. وعلى أن يكون من كلام الرسول ﷺ لأصحابه: فإنه صلوات الله عليه لما قص الرؤيا على أصحابه أتى بتأويلها مؤكدًا بالقسمية، لأن رؤيا الأنبياء وحي، ثم إنه تعالى لما ذكر ﴿لَقَدْ

стр. 7907

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ استأنف بقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، ليكون جوابًا لمن قال عند ذلك: فبم صدقه الله؟ فقيل: في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. وقد طعن صاحب "التقريب" في بعض الوجوه على الإجمال. وقلت: إذا كان من كلام الله، ولم يكن تعليمًا للعباد، ويراد: لتدخلن جميعًا أن شاء الله، ولم يمت منكم أحد، كان المراد: لتدخلن جميعًا أن شاء الله ولم يمت أحد، لكن الله تعالى أمات بعضهم. وفيه بعد. وإذا كان من كلام الملك: فظاهر الرد؛ لأن الزايدة من كلام الغير كيف تدخل في كلام الله تعالى؟ ! وأولى الوجوده: أن يكون تعليمًا للعباد، وتكون كلمة تاديب تذكر في أثناء الكلام تيمنًا وتبركًا. روى الواحدي عن أبي العباس أحمد بن حيي: "استثنى الله تعالى فيما يعلم؛ ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، وأمر بذلك في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] "، وكذا عن الإمام، وقال أيضًا: "عن ذلك لتحقيق الدخول؛ لأن المؤمنين أرادوا الدخول، وأبوا الصلح، فقيل: تدخلون، لكن لأا بجلادتكم ولا بإرادتكم، وإنما تدخلون بمشيئة الله وإرادته". وقلت: ويعضده قوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾، وتفسير المصنف: "فعلم ما لم تعلموا من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل".

стр. 7908

﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: من دون فتح مكة، ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود. [﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٢٨] ﴿بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ بدين الإسلام، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على جنس الدين كله، يريد: الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب، ولقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى دينًا قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة. وقيل: هو عند نزول عيسى حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات. وفي هذه الآية تأكيد لما وعد من الفتح، وتوطين لنفوس المؤمنين على أنّ الله تعالى سيفتح لهم من البلاد، ويقيض لهم من الغلبة على الأقاليم، ما يستقلون إليه فتح مكة. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على أنّ ما وعده كائن، وعن الحسن: شهد على نفسه أنه سيظهر دينك. [﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢٩] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لتستروح إليه قلوب المؤمنين): الأساس: "قد روحت بهم ترويحًا، وأرحته من التعب، فاستراح، واستروحت إلى حديثه". قوله: (ويقيض لهم): المغرب: "قيض له كذا: قدره، ومنه: ملكًا مقيضًا".

стр. 7909

﴿مُحَمَّدٌ﴾ إما خبر مبتدأ، أي: هو محمد؛ لتقدّم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، وإما مبتدأ، و ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ عطف بيان، وعن ابن عامر أنه قرأ: "رسولَ الله"؛ بالنصب على المدح. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: هو محمد؛ لتقدم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ﴾): يعني: لما ذكر الله تعالى أنه بذاته اختص بإرسال ذلك الرسول ﷺ الموصوف بصفات الكمال، وهو الذي بجلالته خصه بذلك الخطب الجليل والأمر الخطير، استأنف بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾؛ ليكون موردًا للسؤال؛ وأن ذلك الموصوف من هو ثم ابتدأ: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؛ تشريفًا لهم وكرامة، نحو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، ولا كذلك على الوجه الثاني، قال صاحب "المرشد": "الوقف على ﴿رَّسُولُ اللَّهِ﴾: حسن". قوله: (و ﴿رَّسُولُ اللَّهِ﴾ عطف بيان): فيه إشارة إلى ما ينبغي، وأن على المسلمين أن لا يسموه باسمه، ويكون" رسول الله" عندهم في كثرة الدوران بمنزلة البيان لا سمه تعظيمًا وتبجيلًا، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، أي: لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم يسمي بعضكم بعضًا، بل يا نبي الله، ويا رسول الله. وقال القاضي: " ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾: جملة مبينة للمشهود به_ أي: هو متعلق بقوله: ﴿وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ _، ويجوز أن يكون ﴿رَّسُولُ اللَّهِ﴾ صفة، و ﴿مُحَمَّدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ، ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ معطوف عليه، وخبرهما: ﴿أَشِدَّاءُ﴾ ".

стр. 7910

﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أصحابه، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ جمع شديد ورحيم، ونحوه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وعن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنًا إلا صافحه وعانقه. والمصافحة: لم تختلف فيها الفقهاء، وأما المعانقة: فقد كرهها أبو حنيفة ﵀، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ونحوه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾): أي: هو من أسلوب التكميل، فإنه لو اكتفى بقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأوهم أن ذلك للعجز، فكمل بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، فاقترن بما ينبئ عن التواضع، ولا يؤدي إلى التكبر، كذا قوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ﴾: لو اكتفى به لأوهم الفظاظة والغلظة، فكمل بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، يعني: أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء رحماء فيما بينهم أرباب وقار وترحم. قوله: (والمصافحة: لم يختلف فيها الفقهاء): عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما" أخرجه أبو داود، وفي رواية الترمذي: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا". وقال الشيخ محيي الدين النواوي في "الأذكار": "المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس بعد صلاة الصبح والعصر فلا أصل له، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم محافظين عليها في بعض الأوحوال، ومفرطين في كثير منها: لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها. وقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد ابن عبد السلام في كتابه "القواعد": أن البدع على خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومكروهة

стр. 7911

وكذلك التقبيل، قال: لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئًا من جسده. وقد رخص أبو يوسف في المعانقة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومستحبة ومباحة، ومن البدع المباحة: المصافحة عقيب الصبح والعصر". انتهى ما في " الأذكار". قوله: (وكذلك التقبيل): عن الترمذي عن أنس قال: سمعت رجلًا يقول لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: أيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم". فزاد رزين بعد قوله: "ويقبله؟ قال: لا": "إلا أن يأتي من سفر". وفي "الأذكار": عن الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله ﷺ في بيتي، فقرع الباب، فقام رسول الله ﷺ يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله"، قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال الشيخ محيي الدين النواوي: "التقبيل والمعانقة لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، مكروه كراهة تنزيه في غيره، وأما الامرد الحسن فيحرم بكل حال، والمذهب الصحيح عندنا: يحرم النظر إلى الأمرد الحسن ولو كان بغير شهودة، وقد أمن الفتنه فهو حرام، كالمرة، لكونه في معناها". قوله: (وقد رخص أبو يوسف في المعانقة): روى أبو داود: "سئل أبو ذر: هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إلى ذات يوم ولم أكن في أهلي، فجئت، فأخبرت أنه ﷺ أرسل إلي، فأتيته وهو على سريره فالتزمني، فكانت تلك أجود أجود".

стр. 7912

ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطف، فيتشدّدوا على من ليس على ملتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر والصلة، وكف الأذى، والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجيحة. ووجه من قرأ: "أشداء" و"رحماء" بالنصب: أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدّر في ﴿مَعَهُ﴾، ويجعل ﴿تَراهُمْ﴾ الخبر. ﴿سِيماهُمْ﴾ علامتهم، وقرئ: "سيماؤهم"، وفيها ثلاث لغات؛ هاتان والسيماء، والمراد بها: السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأخلاق السجيحة): الجوهري: الإسجاح: حسن العفو، والسجيحة: الطبيعية". قوله: (ووجه قراءة من قرأ: "أشداء" و"رحماء"): قال ابن جني: "وهي قراءة الحسن، وهو نصب على الحال، أي: "محمد رسول الله والذين معه"، فـ"معه" خبر "الذين"، و"أشداء": حال، أي: هم معه على هذه الحال، فجعله حالًا من الضمير في ﴿مَعَهُ﴾ لأمرين: أحدهما: قربه منه، وبعده عن" الذين"، وثانيهما: ليكون العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، ولو جعلته حالًا من "الذين" كان العامل في الحال غير العامل في صاحبه، وإن كان ذلك جائزًا، أو شئت نصبتهما على المدح". قوله: (أو على الحال بالمقدر في ﴿مَعَهُ﴾): تقديره: صاحبوه أشداء رحماء. قوله: (﴿سِيمَاهُمْ﴾ علامتهم): النهاية: "الأصل فيها الواو تمد وتقصر". معنى قوله: " ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ يفسرها": أن "السيما" العلامة مطلقًا، ويراد هنا المعنى الخاص، فسر وبين ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، وكان من حق الظاهر أن يقال: "الأثر الذي يؤثره السجود"، فوضع المصنف موضعه: "التأثير"؛ ليطابق قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وجُوهِهِم﴾ مبالغة. الجوهري: "التأثير: بقاء الأثر على الشيء".

стр. 7913

وقوله: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ يفسرها، أي: من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان كل من العليين -عليّ بن الحسين زين العابدين، وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك- يقال له: ذو الثفنات، لأنّ كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما أشباه ثفنات البعير. وقرئ: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ و"من آثار السجود"، وكذا عن سعيد بن جبير: هي السمة في الوجه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أبي الأملاك): أي: أبي الخلفاء، تعريض بأنهم كانوا ملوكًا ولم يكونوا خلفاء. قوله: (ذو الثفنات): الجوهري: "ثفنات البعير: ما يقع على الأرض من أعضائه إذا غلظ".

стр. 7914

فإن قلت: فقد جاء عن النبي ﷺ : «لا تعلبوا صوركم»، وعن ابن عمر ﵁: أنه رأى رجلًا قد أثر في وجهه السجود، فقال: إن صورة وجهك أنفك، فلا تعلب وجهك، ولا تشن صورت؟ . قلت: ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة، وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصًا لوجه الله، وعن بعض المتقدّمين: كنا نصلى فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا الآن يصلى فيرى بين عينيه ركبة العنز، فما ندري: أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض. وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق. وقيل: هو صفرة الوجه من خشية الله. وعن الضحاك: ليس بالندب في الوجوه، ولكنه صفرة. وعن سعيد بن المسيب: ندى الطهور وتراب الأرض. وعن عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل، كقوله: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلا تعلب وجهك): العلب_ بفتح العين المهملة وسكون اللام_: الأثر. النهاية: "في حديث ابن عمر: "أنه رأى رجلًا بأنفه أثر السجود، فقال: لا تعلب صورتك"، يقال: علبه: إذا وسمه وأثر فيه، والعلب والعلب: الأثر، أي: لا تؤثر فيها بشدة اتكائك على أنفك في السجود". قوله: (ليس بالندب في الوجوه): النهاية: "الندب_ بالتحريك_: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد". قوله: (استنارت وجوههم من طول ما صلوا): قال الإمام: "هو ما يظهره الله في وجوه الساجدين نهارًا إذا قاموا بالليل متهجدين، هذا محقق لما يشاهد الفرق بين الساهر في اللهو واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر، أي: نورهم في وجوههم لتوجههم نحو الحق، ومن يحاذي الشمس يتنور وجهه، على أن نورها عارضي، والله نور السماوات

стр. 7915

﴿ذلِكَ﴾ الوصف ﴿مَثَلُهُمْ﴾، أي: وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعًا، ثم ابتدأ فقال: ﴿كَزَرْعٍ﴾ يريد: هم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾، ثم ابتدئ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة مبهمة أوضحت بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾، كقوله: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]. وقرئ: "الأنجيل" بفتح الهمزة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأرض، فمن يتوجه إليه بكليته_ كما قال: وجهت وجهي لله_ لا بد أن يظهر في وجهه نور تبهر منه الأنوار". وروى السلمي عن عبد العزيز المكي: ليس هو النحولة والصفرة، ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين، يبدو من باظنهم على ظاهرهم، يتبين ذلك للمؤمنين، ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي. وعن بعضهم: ترى على وجوههم هيبة لقرب عهدهم بمناجاه سيدهم، قال ابن عطاء: ترى عليهم خلع الأنوار لائحة، وقال عامر بن عبد القيس: كاد وجه المؤمن يخبر عن مكنون عمله، وكذلك وجه الكافر. قوله: (وقيل: تم الكلام عند قوله) إلى آخره: وفي "المرشد": قال أبو حاتم: والتمام ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ يعني: صفتهم ونعتهم، قال: ثم يبتدئ: ﴿ومَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ جعل صفتهم في التوراة أنهم أشداء على الكفار، وصفتهم في الإنجيل أنهم كزرع أخرج شطأه فازره، وقد أجاز غيره أن يقول: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ومَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ كأنهم جعلوا مثلهم وصفتهم في التوراة والإنجيل شيئًا واحدًا.
следующие страницы →