← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

وفي قول زهير: أقوم آل حصن أم نساء؟ وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد: هم الذكور والإناث، فليس لفظ "القوم" بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور، وترك ذكر الإناث؛ لأنهن توابع لرجالهن. وتنكير "القوم" والنساء يحتمل معنيين: أن يراد: لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصد إفادة الشياع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أقوم آل حصن أم نساء): أوله: وما أدري وسوف إخال أدري أما صراحة اختصاص "القوم" بالرجال في الآية: فمن عطف ﴿وضلَا نِسَاءٌ﴾ على ﴿قَوْمٌ﴾، وفي الشعر: من جعل أحد المتساويين يلي الهمزة، والآخر يلي "أم". قوله: (وأن يقصد إفادة الشياع): الانتصاف: "لو عرف المؤمنين فقال: "لا يسخر المؤمنين والمؤمنات بعضهم من بعض" لعم، ومراد الزمخشري أن في التنكير يحصل أن كل جماعة منهية على التفصيل، والتعرض في النهي لكل جماعة على الخصوص، ومع التعريف نهي الكل لا على التفصيل، بل على الشمول، والنهي على التفصيل أوقع". وقلت: استغراق الجنس أيضًا مراد منه التفصيل، والمعرف_ بتعريف العهد الذهني_ يفيد التفصيل أيضًا كالنكرة، إذ المعنى: لا يسخر من هو مسمى بالقوم من قوم مثله. قال ابن جني: "مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته؛ من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته، ألا ترى إلى قول الشاعر: وأعلم أن تسليمًا وتركًا .... للا متشابهان ولا سواء

стр. 7982

وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية، وإنما لم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة، على التوحيد؛ إعلامًا بإقدام غير واحد من رجالهم، وغير واحدة من نسائهم، على السخرية، واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه، ولأنّ مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر، وكذلك كل من يطرق سمعه، فيستطيبه، ويضحك به، فيؤدي ذلك -وإن أوجده واحد- إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقومًا. وقوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ كلام مستأنف، قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهي عنه، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء. والمعنى: وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرًا من الساخر، لأنّ الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال، ولا علم لهم بالخفيات، وإنما الذي يزن عند الله: خلوص الضمائر وتقوى القلوب، وعلمهم من ذلك بمعزل، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهذا في المعنى كقولك: أن التسليم والترك لا متشابهان ولا سواء". قوله: (واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه): يعني: إنما جمع، ولم يقل: "رجل من رجل"، لأن النهي ورد على الحالة الواقعة بين الأقوام، كقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. قوله: (يتلهى): أي: طلب منه اللهو والضحك على قول الساخر. قوله: (ولا يأتي ما عليه): أي: لا يفعل هذا الجليس ما يجب عليه من نهي المنكر.

стр. 7983

أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرًا، وأتقى قلبًا، ممن هو على ضدّ صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله، والاستهانة بمن عظمه الله. ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا، فضحكت منه، خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبًا. وفي قراءة عبد الله: "عسوا أن يكونوا" و"عسين أن يكن"، فـ"عسى" على هذه القراءة هي ذات الخبر، كالتي في قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وعلى الأولى: التي لا خبر لها، كقوله: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦]. واللمز: الطعن والضرب باللسان. وقرئ: "ولا تلمزوا" بالضم، والمعنى: وخصوا أنفسكم -أيها المؤمنون- بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم، ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ : «اذكروا الفاجر بما فيه، كي يحذره الناس»، وعن الحسن في ذكر الحجاج: أخرج إلي بنانًا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو غير لبيق): الجوهري: "اللبيق: الرجل الحاذق". قوله: (قلما عرقت فيها الأعنة): وعن بعضهم: أي: يأخذ بالأعنة في الجهاد حتى يعرق ويبتل بالعرق. وقلت: هو مما روينا عن مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من خير معاش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة_ أو فزعة_ طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه".

стр. 7984

ثم جعل يطبطب شعيرات له، ويقول: يا أبا سعيد، يا أبا سعيد. وقال لما مات: اللهم أنت أمته، فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته، ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله، وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها الرجل، الصلاة أيها الرجل، هيهات دون ذلك السيف والسوط. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولو روي بالغين المعجمة لكان وجهًا؛ ليكون من قوله: غرق اللجام بالحلية، ولجام مغرق، منه: الإغراق في القول، وهو المبالغة، وأغرق الرامي النزع. ذكره في "الأساس". والحاصل أنه كناية عن جبنه، كما قالت الخارجية فيه: أسد علي وفي الحروب نعامة .... فتخاء تنفر من صفير الصافر وفي قوله: "بنانًا قصيرة" إدماج واستتباع لدلالته على تحقيره خلقًا وخلقًا، أي: قامة وجودًا. قوله: (يطبطب شعيرات): أي: يحرك شاربه، الجوهري: "الطبطبة: صوت الماء ونحوه، وقد تطبطب". قوله: (أخيفش): الجوهري: "الخفش: صغر في العين، وضعف في البصر خلقة، والرجل: أخفش"، و"العمش في العين: ضعف الرؤية، مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها، والرجل: أعمش"، ويخطر؛ أي: يتبختر. قوله: (هيهات): أي: بعد هذا القول، أي: لا يمكن أن يقال له: الصلاة أيها الرجل، لأن دون ذلك السيف، أي: بين يدي أمرهم بالمعروف القتل والضرب.

стр. 7985

وقيل: معناه لا يعب بعضكم بعضًا، لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل: معناه: لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن من فعل ما استحق به اللمز، فقد لمز نفسه حقيقة. والتنابز بالألقاب: التداعي بها؛ تفاعل من: نبزه، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون، ويقال: النبز والنزب: لقب السوء، والتلقيب المنهي عنه، وهو ما يتداخل المدعوّ به كراهة؛ لكونه تقصيرًا به وذمًّا له وشينًا، فأما ما يحبه مما يزينه وينوّه به فلا بأس به. روي عن النبي ﷺ : «من حق المؤمن على أخيه: أن يسميه بأحب أسمائه إليه». ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: معناه: لا تفعلوا): هو مع ما عطف عليه: عطف على قوله: "وخصوا أنفسكم_ أيها المؤمنون_ بالانتهاء"، فقوله: "أنفسكم": المراد: جنسكم، ومن هو على صفتكم في الإيمان، قال في سورة النساء عند قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]: "من كان من جنسكم من المؤمنين" فإن دليل الخطاب على معنى الاختصاص، وأن من لم يتصف بصفة الإيمان خارج من هذا الحكم، ولهذا قال: "خصوا أنفسكم_ أيها المؤمنون_ بالانتهاء"، وأتى بحديث الحجاج، ويعضده قوله: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾، ومعناه كما قال: "استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان". وعلى الوجه الثاني: المراد من ذكر "النفس": شدة الاتصال، والإيذان بأن المؤمنين لعلقة الاتحاد في الإيمان كأنهم نفس واحدة، فمن نبز أخاه فقد نبز نفسه. وعلى الثالث: هو من إطلاق المسبب على السبب، يعني: لا تتصفوا بما أن سمع بكم سامع عابكم بسببه. والوجه الأول فيه تعسف وترخص في غيبة الفاسق، ولذلك غلب محمد بن سيرين الحسن، والوجه الثاني أوجه لموافقته: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾، وقوله: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾، وبقوله: ﴿ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾. قوله: (روي عن النبي ﷺ : "من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه"):

стр. 7986

ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن، قال عمر ﵁: أشيعوا الكنى فإنها منبهة. ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصدّيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن أبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم"، وعن الترمذي عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يغير الاسم القبيح". قوله: (منبهة): أي: سبب للرفعة، والنباهة: الرفعة. قوله: (لقب أبو بكر بالعتيق): عن الترمذي عن عائشة قالت: "دخل أبو بكر على رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : أنت عتيق الله من النار. قالت: فمن يومئذ سمي عتيقًا". قوله: (وعمر بالفاروق): قال صاحب "الجامع": يقال: به تمت الأربعون، وظهر الإسلام يوم إسلامه، وسمي الفاروق لذلك"، وعن الترمذي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأصبح، فغدا عمر على رسول الله ﷺ ، فأسلم". قوله: (وحمزة بأسد الله): قال صاحب "الجامع": "وهو أسد الله، وكان إسلامه حمية، فاعتز الإسلام بإسلامه".

стр. 7987

وخالد بسيف الله، وقلّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجرى في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير. روي عن الضحاك: أن قومًا من بنى تميم استهزؤا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذرّ وسالم مولى [أبي] حذيفة، فنزلت. وعن عائشة ﵂: أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية، وكانت قصيرة. وعن ابن عباس: أن أمّ سلمة ربطت حقويها بسبيبة، وسدلت طرفها خلفها، وكانت تجرّه، فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجرّ خلفها، كأنه لسان كلب. وعن أنس: عيرت نساء رسول الله ﷺ أمّ سلمة بالقصر. وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حيّى أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها رسول الله ﷺ : «هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد». روي: أنها نزلت في ثابت بن قيس، وكان به وقر، وكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله ﷺ ليسمع، فأتى يومًا وهو يقول: تفسحوا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وخالد بسيف الله): عن الترمذي عن أبي هريرة قال: "مر خالد علينا، قال رسول الله ﷺ : من هذا؟ فقلت: خالد بن الوليد، فقال: نعم عبد الله خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله". قوله: (بسبيبة): النهاية: "السبائب: جمع سبيبة، وهي شقة من الثياب، أي نوع كان، وقيل: هي من الكتان".

стр. 7988

حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ، فقال لرجل: تنح، فلم يفعل، فقال: من هذا؟ فقال الرجل. أنا فلان، فقال: بل أنت ابن فلانة. يريد أمًّا كان يعير بها في الجاهلية، فخجل الرجل، فنزلت، فقال ثابت: لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبدًا. ﴿الِاسْمُ﴾ ها هنا بمعنى: الذكر، من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال: طار ثناؤه وصيته، وحقيقته: ما سما من ذكره وارتفع بين الناس، ألا ترى إلى قولهم: أشاد بذكره، كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائر أن يذكروا بالفسق. وفي قوله: ﴿بَعْدَ الْإِيمانِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: استقباح الجمع بين الايمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة. والثاني: أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي يا فاسق، فنهوا عنه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثناؤه وصيته): الجوهري: "الصيت: الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس، دون القبيح". قوله: (وفي قوله: ﴿بَعْدَ الإيمَانِ﴾ ثلاثة أوجه): الانتصاف: "أقرب الوجوه الثلاثة: أولها؛ بعد أن يصرف الذم إلى نفس الفسق، لأن الاسم هو المسمى والزمخشري جزم، لأن الاسم عنده التسمية، والوجه الثاني: يحمل فيه الاسم على التسمية صريحًا، والثالث: أن الفاسق غير مؤمن، والأول هو الجاري على قاعدة السنة". قوله: (بعد الكبرة): عن بعضهم: على فلان كبرة: إذا كبر وأسن، ويقال: فلان كبرة ولد أبويه_ بكسر الكاف_: إذا كان أكبرهم، يستوي فيه المذكر والمؤنث.

стр. 7989

وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه، والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهى عن التنابز. والثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة. [﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ١٢] يقال: جنبه الشر: إذا أبعده عنه، وحقيقته: جعله منه في جانب، فيعدى إلى مفعولينن قال الله : ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ثم يقال في مطاوعه: اجتنب الشر، فتنقص المطاوعة مفعولًا. والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والجملة على هذا التفسير): أي: على أن تفسير ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ بما "أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي، يا فاسق": كالتعليل لقوله: ﴿ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾، يعني: لا تشتموهم بهذه الألفاظ، لأنه قبيح. وعلى التفسير الأول والثالث: الجملة متعلقة بقوله: ﴿ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾، على أن معناه: لا تفعلوا ما تلمزون به، كما نص عليه فيما سبق، أي: لا تتصفوا بما أن سمع بكم سامع عابكم بسببه، وهو لوجهين: أحدهما: أن لا يكون ثمة انتقال من وصف إلى وصف، بل يكون جمعًا بينهما، كما قال: "أحدهما: استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق"، واستشهد له بقوله: "بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة"، وثانيهما: أن يحصل الانتقال من وصف إلى وصف، وتحويلًا منه إليه، وهو أقرب إلى مذهبه، لأن الفسق والإيمان عنده لا يجتمعان، واستشهد له بقوله: "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة". قوله: (ألا ترى إلى قوله: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾): تعليل للأمر بالاجتناب، يعني: يجب

стр. 7990

فإن قلت: بين الفصل بين "كَثِير"، حيث جاء نكرة، وبينه لو جاء معرفة. قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية، وإنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب، من غير تبيين لذلك ولا تعيين، لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر، ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطًا بما يكثر منه دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنبًا، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظننه. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها: أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر: كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث، عن النبي ﷺ : «إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء»، وعن الحسن: كنا في زمان الظن بالناس حرام، وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت، وظنّ بالناس ما شئت. وعنه: لا حرمة لفاجر. وعنه: إن الفاسق إذا أظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعله أن يتوب. وقد روي: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يحمل التنكير في ﴿كَثِيرًا﴾ على "البعض"؛ لأن قوله: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ تعليل للأمر بالاجتناب، والمطابقة بين العلة والمعلول واجبة. قوله: (مع استشعار): الجوهري: "استشعر فلان الخوف: أي: أضمره". قوله: (اعمل واسكت وظن بالناس ما شئت): أي: اشتغل بخاصة نفسك، ولا تختلط بالناس، وكن على حذر منهم، لما ورد: "الحزم سوء الظن".

стр. 7991

والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب، ومنه قيل لعقوبته: الأثام؛ فعال منه، كالنكال والعذاب والوبال، قال: لقد فعلت هذي النّوى بي فعلة .... أصاب النّوى قبل الممات أثامها والهمزة فيه عن الواو، كأنه يثم الأعمال، أي: يكسرها بإحباطه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لقد فعلت) البيت: "أصاب النوى قبل الممات": أي: ممات النوى، أراد أن يدعو على النوى بأن لا يموت حتى يلقى جزاء ما فعل، أي: فعلت النوى في فعلة سيئة، ثم قال على سبيل الدعاء: أصاب النوى جزاءها، ويجوز أن يراد: ممات نفسه، أراد أن يدعو لنفسه بأن لا يموت حتى يرى ما يلحق بالنوى من الجزاء على فعله، فيتسلى بذلك. قوله: (والهمزة فيه عوض عن الواو، كأنه يثم الأعمال، أي: يكسرها): قال صاحب "الفرائد": "وثم" من باب "ضرب"، و"أثم" من باب "علم"، فمن أي وجه يلزم أن تكون الهمزة من الواو، وإنما مال بهذا الكلام إلى مذهبه". الجوهري: "الإثم: الذنب، وقد أثم الرجل_ بالكسر_ إثما ومأثمًا: إذا وقع في الإثم"، و"الوثم: الدق والكسر، ووثم يثم: أي: عدًا". عن بعضهم: الإثم والأثام: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، قال الله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]؛ أي: حملته على فعل ما يؤثمه، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ أي: عذابًا، فسماه "أثامًا" لما كان منه، وكذلك تسمية النبات والشحم بندى لما كانا منه.

стр. 7992

وقرئ: "ولا تحسسوا" بالحاء، والمعنيان متقاربان، يقال: تجسس الأمر: إذا تطلبه وبحث عنه؛ تفعل من الجس، كما أن التلمس -بمعنى: التطلب- من اللمس، لما في اللمس من الطلب، وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ﴾، والتحسس: التعرّف؛ من الحس، ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان: الحواس؛ بالحاء والجيم. والمراد: النهي عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه. وعن مجاهد: خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستره الله. وعن النبي ﷺ أنه خطب، فرفع صوته، حتى أسمع العواتق في خدورهنّ، قال: "يا معشر من آمن بلسانه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قيل لمشاعر الإنسان: الحواس؛ بالحاء والجيم): الراغب: "أصل الجس: مس العرق بنبضه للحكم به على الصحة والسقم، وهو أخص من الحس_ بفتح الحاء_، فإن الحس: تعرف ما يدركه الحس، والجس_ بالجيم_: تعرف حال ما من ذلك، ومن لفظ الجس اشتق: الجاسوس". قوله: (حتى أسمع العواتق): قال في "الفائق": "العاتق: الشابة أول ما أدركت، قال ابن الأعرابي: إنما سميت عاتقًا لأنها عتقت من الصبا، وبلغت أن تتزوج". قوله: (يا معشر من آمن بلسانه): روى أبو داود عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه". "تتبع الله": مشاكلة، أي: جازاه، نحو: كما تدين تدان.

стр. 7993

ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه، ولو في جوف بيته. وعن زيد بن وهب: قلنا لا بن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة ابن أبي معيط تقطر لحيته خمرًا؟ فقال ابن مسعود: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء أخذنا به. غابه واغتابه: كغاله واغتاله، والغيبة: من الاغتياب، كالغيلة: من الاغتيال، وهو: ذكر السوء في الغيبة، وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن زيد بن وهب) الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود. قوله: (كغاله واغتاله): الراغب: "الغول: إهلاك الشيء من حيث لا يحس به، يقال: غاله واغتاله". قوله: (وهو: ذكر السوء في الغيبة): الراغب: "الغيبة: أن يذكر الإنسان [غيره] بما فيه من عيب من غير أن أحوج إلى ذكره، قال تعالى: ﴿ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ ". وقال الشيخ محيي الدين النواوي: "الغيبة: كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم عاقل، وهو حرام". قوله: "ما أفهمت به غيرك": متناول للفظ الصريح والكناية والرمز والتعريض والكناية والإشارة بالعين واليد والرأس. قوله: (وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة): الحديث مع تغيير يسير: أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة.

стр. 7994

فقال: «أن تذكر أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته»، وعن ابن عباس: الغيبة إدام كلاب الناس. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ﴾ تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه، وفيه مبالغات شتى، منها: الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها: جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة، ومنها: إسناد الفعل إلى "أحدكم"، والإشعار بأن أحدًا من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها: أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخًا، ومنها: أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتًا. وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي. وانتصب ﴿مَيْتًا﴾ على الحال من "اللحم"، ويجوز أن ينتصب عن "الأخ"، وقرئ: "ميتًا"، ولما قرّرهم بأنّ أحدًا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، معناه: فقد كرهتموه واستقرّ ذلك، وفيه معنى الشرط، أي: إن صحّ هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي: فتحققت -بوجوب الإقرار عليكم، وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره؛ لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه- كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقد بهته): النهاية: "البهت: الكذب والافتراء، يقال: بهته يبهته". قوله: (وقرئ: "ميتًا"): بتشديد الياء: نافع، والباقون: بإسكانها. قوله: (ولما قررهم تعالى بأن أحدًا منهم لا يجب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: يعني: لما ضرب لهم ذلك المثل على أبلغ الوجوه، وصدره بهمزة التقرير، رتب عليه قوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾؛ إيذانًا بتبكيتهم، وأنه لا يمكنهم من أن لا يجيبوا بقولهم: لا نحبه، وهو المراد من قوله: "يوجب الإقرار عليكم، وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره، لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه". ?

стр. 7995

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وللاهتمام بشأن هذا المعنى أوقع اعتراضًا بين الفعل؛ أعني: "فتحققت"، وبين فاعله؛ أي: "كراهتكم"، فعند ذلك يقال لهم: "فكرهتموه"، تقريرًا لجوابهم، وتثبيتًا لكراهتهم واستقذارهم ذلك، وتمهيدًا لأن يعقب بقوله: "فليحقق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين". ويؤيد هذا ما جاء في نسخة الإمام المغفور [له] نظام الدين الطوسي: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ معناه: فقد كرهتموه، واستقر ذلك، وفيه معنى الشرط، أي: أن صح هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي: "فتحققت" إلى آخره. والفاء مثلها في قول الشاعر: قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا .... ثم القفول فقد جئنا خراسانا روى السيد ابن الشجري في "الأمالي": أن أبا علي ذكر في كتاب "التذكرة" أن المعنى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله. فقوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عطف على قوله: "فاكرهوا"؛ لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]، أي: فضرب فانفجرت، وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ كلام مستأنف، وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الجواب، فكأنهم لما قالوا_ في جواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ _: لا، فقال: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، أي: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة. فإذن: المعنى على: فكما كرهتموه، وإن لم تكن"كما" مذكورة، كما أن قولهم: "ما تأتيني فتحدثني"، المعنى: ما تأتيني فكيف تحدثني؟ ! وإن لم تكن "كيف" مذكورة، وإنما هي مقدرة". ثم قال السيد: "هذا التقدير بعيد؛ لأنه قدر المحذوف موصولًا، وهو "ما" المصدرية، وحذف الموصول وإبقاء صلته رديء ضعيف، ولو قدر المحذوف مبتدأ لكان جيدًا، لأن حذف المبتدأ كثير، أي: فهذا كرهتموه، والجملة المقدرة مبتدئية، لا أمرية كما قدرها أبو علي، وإنما قدرها أمرية ليعطف عليها قوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾، فإنها أمرية أيضًا، ولا حاجة إليها، لأن

стр. 7996

وقرئ: "فكرهتموه"، أي: جبلتم على كراهته. فإن قلت: هلا عدّي بـ"إلى"، كما عدّي في قوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ [الحجر: ٧]، وأيهما القياس؟ قلت: القياس تعدّيه بنفسه، لأنه ذو مفعول واحد قبل تثقيل حشوه، تقول: كرهت الشيء، فإذا ثقل استدعى زيادة مفعول، وأما تعدّيه بـ"إلى" فتأوّل وإجراء لـ"كره" مجرى "بغض"، لأنّ "بغض" منقول من: بغض إليه الشيء، فهو بغيض إليه، كقولك: حب إليه الشيء، فهو حبيب إليه. والمبالغة في "التواب" للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوًا عنده بالتوبة، أو لأنه بليغ في قبول التوبة، منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط، لسعة كرمه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عطف على الجملة النهيية، وهي: ﴿ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾، والعطف على المذكورة أولى من المقدرة، والإشارة في المبتدأ الذي قدرته_ وهو "هذا"_ موجهة إلى الأكل الذي وصفه الله، كأنه لما قدر أنهم قالوا: "لا"، في جواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، قيل: فهذا كرهتموه، والغيبة مثله. فتأمل". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "إنه تعالى لما نهى عن الغيبة شبهها بما هو مكروه من معتادهم، وهو أكل لحم المغتاب ميتًا، وأتى به على صفة الإنكار؛ تنبيها على أنه مما لا يفعلونه، ثم كان ذلك التنبيه سبيلًا لذكر تحقق الكراهة وثبوتها مسببًا عن هذا التشبيه الذي قصد به تأكيد كراهة ما نهي عنه، إذ به يتحقق توبيخهم في وقوعهم في الغيبة المشبهة بما يأبونه ويكرهونه". قوله: (بليغ في قبول التوبة): يعني: تواب: فعال؛ تقتضي الكثرة، وهي إما بحسب تعدد التائبين أو تعدد ذنوب كثيرة لتائب واحد، أو أنه إذا تاب عن ذنب واحد أغرق في العفو.

стр. 7997

والمعنى: واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه، والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين. وعن ابن عباس: أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة، ويسوّي لهما طعامهما، فنام عن شأنه يومًا، فبعثاه إلى رسول الله ﷺ يبغي لهما إدامًا، وكان أسامة على طعام رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندي شيء، فأخبرهما سلمان، فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميجة لغار ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله ﷺ ، قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا: ما تناولنا لحمًا، فقال: إنكما قد اغتبتما، فنزلت. [﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١٣] ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ من آدم وحوّاء. وقيل: خلقنا كل واحد منكم من أبٍ وأمٍّ، فما منكم أحدٌ إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر، سواءً بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب. والشعب: الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى بئر سميجة): بالجيم على التصغير، ويروى: "سحيمة" بالحاء المهملة، قيل: هي بئر من آبار مكة، ولم أجدلها ذكرًا في الكتب المعتبرة. قوله: (خضرة اللحم): النهاية: "في الحديث: "أن الدنيا حلوة خضرة"، أي: غضة طرية ناعمة". قوله: (وهو يدلي): المغرب: "فلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل، ودلاه من سطح بحبل، أي: أرسله، فتدلى".

стр. 7998

والفخذ تجمع الفصائل؛ خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وسميت الشعوب؛ لأنّ القبائل تشعبت منها. وقرئ: "لتتعارفوا" و"لتعارفوا" بالإدغام، و"لتعرفوا"، أي: لتعلموا كيف تتناسبون، و"لتتعرفوا". والمعنى: أنّ الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب. ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ﴾، وقرئ: "أنّ" بالفتح، كأنه قيل: لم لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و"لتعرفوا"): قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس، والمفعول محذوف، أي: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه، كقوله: وما علم الإنسان إلا ليعلما أي: ليعلم ما علمته، أي: ليعلم ما يدعو إلى علم ما علمه، وما أعذب هذا الحذف، وما أغربه لمن يعرف مذهبهم". قوله: (ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره): يعني: فصل قوله: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ عما قبله ليكون الكلام الأول كالمورد للسؤال، وذلك أنه تعالى لما علل الخلق بالتعارف، على معنى: ليس التشعب والقبائل للتفاضل والتفاخر، بل لأن يعرف بعض

стр. 7999

وعن النبي ﷺ : أنه طاف يوم فتح مكة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «الحمد الله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هين على الله»، ثم قرأ الآية. وعنه ﵇: "من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله". وعن ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخلق بعضًا، ويتميز شخص من شخص، فقيل: بأي شيء التفاخر؟ ومن الذي يستحق المأثرة والمفخرة؟ فقيل: من هو أتقى لله وأخشى له، ومن يكون عالمًا بالله وبصفاته. قال في "المرشد": "الوقف على ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ تام، وقال أبو حاتم: ولا يجوز: لتعرفوا أن أكرمكم عن الله أتقاكم، لم يجعلهم شعوبًا وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، وإنما جعلهم كذلك ليعرف بعضهم نسب بعض وقرابته". قوله: (أنه طاف يوم فتح مكة) الحديث: من رواية الترمذي عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس، أن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان؛ برتقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، الناس كلهم بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ". النهاية: "عبية الجاهلية: الكبر، وتضم عينها وتكسر، وهي "فعولة" أو" فعلية"، فإن كانت "فعولة" فهي من التعبية، لأن المتكبر ذو تلكف وتعبية، وإن كانت "فعلية" فهي من عياب الماء، وهو أوله وارتفاعه".

стр. 8000

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: "عبأت الجيش: هيأته، وعبية الجاهلية: ما هي مدخرة في أنفسهم من حميتهم المذكورة في قوله تعالى: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] "، قيل: كبرها؛ من عب البحر: إذا زخر. وفي معناه: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "أنسابكم هذه ليست بمسة على أحد، كلكم بنو آدم، طف الصاع بالصاع لم تملؤوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى، كفى بالرجل أن يكون بذيئا ً فاحشًا بخيلًا". النهاية: "أي: قريب بعضكم من بعض، بقال: هذا طف المكيال وطفافه وطفافه، أي: ما قرب من ملئه، وقيل: هو ما علا فوق رأسه، ويقال له أيضًا: طفاف بالضم، والمعنى: كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام، وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال، ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب، ولكن بالتقوى". الراغب: "كل شيء يشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، قال بعض العلماء: الكرم كالحرية، إلا أن الحرية قد تقال في المحاسن الصغيرة، والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة، وقوله تعالى: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [فإنما كان كذلك] لأن الكرم

стр. 8001

وعن يزيد بن شجرة: مرّ رسول الله ﷺ في سوق المدينة، فرأى غلامًا أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط؛ لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ ، فاشتراه رجل، فكان رسول الله ﷺ يراه عند كل صلاة، ففقده يومًا، فسأل عنه صاحبه، فقال: محموم، فعاده، ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام، فقال: هو لما به، فجاءه وهو في ذمائه، فتولى غسله ودفنه، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم، فنزلت. [﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌؤ ١٤] الإيمان: هو التصديق بالله مع الثقة وطمأنينة النفس. والإسلام: الدخول في السلم، والخروج من أن يكون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأفعال المحمودة، وأكرمها ما يحصل به أشرف الوجوه، وأشرف الوجوه: ما يقصد به وجه الله، فمن قصد ذلك بمحاسن فعله فهو التقي، فإذن: أكرم الناس أتقاهم". قوله: (هو لما به): روي عن المصنف أنه قال: أي: هو متهيئ للموت الذي لاصق به، لا بدله منه. وقال غيره: أي: هو مملوك لما به، وهو مرض موته، والذماء: الحشاشة، وهي بقية الروح في المذبوح. قوله: (الإيمان: هو التصديق بالله مع الثقة): قال الزجاج: "الفرق بين المؤمن والمسلم: هو أن الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي ﷺ ، وبذلك يسحقن الدم، فإذا كان مع ذلك اعتقاد وتصديق بالقلب، فصاحبه مؤمن مسلم، قال الله تعالى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أي: أولئك إذا قالوا: "مؤمنون" فهم الصادقون. وأما من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه، فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق، فهو الذي

стр. 8002

حربًا للمؤمنين بإظهار الشهادتين. ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فاعلم أنّ ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب: فهو إسلام، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان. فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾، والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال: "قل: لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا"، أو "قل: لم تؤمنوا، ولكن أسلمتم"؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقول: "أسلمت"، لأن الإيمان لا بد في الشريعة أن يكون صاحبه صديقًا، لأن قولك "آمنت بكذا وكذا" معناه: صدق به". الراغب: "الإسلام في الشريعة ضربان: أحدهما دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه عني بقوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. والثاني فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] ". قوله: (حربًا للمؤمنين): أي: عدوًا، الجوهري: "أنا حرب لمن حاربني؛ أي: عدو". قوله: (والذي يقتضيه نظم الكلام): يعني: قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: رد لقول الأعراب: "آمنا"، وظاهر ما تقتضيه كلمة الاستدراك أن يجابوا بقوله: "لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا"، فيجاء بإثبات القول مع نفيه، أو بترك القول في القرينتين ويقال: "لم تؤمنوا، ولكن أسلمتم".

стр. 8003

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب أن مقتضى كلمة الاستدراك حاصل من حيث المعنى اشتمال الكلام على فوائد جمة، أما قوله: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ فتكذيب لدعوتهم ودفع لما انتسبوا إليه، يعني: ادعيتم بقولكم: "آمنا": أننا أحدثنا الإيمان، وهو كذب محض، لأنه ما صدر منك الإيمان قط، وقوله: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: أمر بالاعتراف بما أحدثوا من الانقياد ظاهرًا من غير مواطأة من القلب. ثم في كل من القرينتين عدول من أصل؛ أما الأولى: فإن الأصل أن يقال: "كذبتم"، أو "لا تقولوا: آمنا"، لتوافق قرينتها، فعدل من "كذبتم" إلى ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾؛ لئلا يلبسوا لمن يكافحهم به جلد النمر، على أن المطلوب حاصل بأبلغ وجه، لأن الآية التالية مقابلة لهذه، وفيها: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ تعريضًا بأن هؤلاء هم الكاذبون، على سبيل الحصر، ويحصل من ذلك ذمهم ومدح من يضادهم على سبيل البت والقطع، وهو المراد من قوله: "ورب تعريض لا يقاومه التصريح". وعدل من "لا تقولوا: آمنا" إلى ما عليه التلاوة، لنه لو قيل: "لا تقولوا: آمنا"، لا ستهجن من الشارع، لأنه لم يبعث إلا للدعوة إلى الإيمان، لا للنهي عنه، وإلى معناه ينظر قول الفرزدق: ما قال "لا" قط إلا في تشهده .... لولا التشهد لم ينطق بذاك فم وأما القرينة الثانية: فإنها أيضًا مشتملة على نكتة، لأن مقتضى الظاهر_ على ما جاء في السؤال_ أن يقال: "أسلمتم"، ليطابق: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾، فعدل إلى: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ ليعلمهم أن اللائق بحالهم أن يقال لهم: "قولوا: أسلمنا"؛ ليؤذن بأن تلك الدعوى باطلة، وأنها بمجرد اللسان،

стр. 8004

قلت: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أوّلًا، ودفع ما انتحلوه، فقيل: ﴿قَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرّح بلفظه، فلم يقل: كذبتم، ووضع ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ -الذي هو نفي ما ادعوا إثباته- موضعه، ثم نبه على ما فعل من وضعه موضع "كذبتم" في قوله في صفة المخلصين: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، تعريضًا بأن هؤلاء هم الكاذبون، ورب تعريض لا يقاومه التصريح، واستغنى بالجملة التي هي ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ عن أن يقال: "لا تقولوا: آمنا"؛ لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤدّاه النهي عن القول بالإيمان، ثم وصلت بها الجملة المصدّرة بكلمة الاستدراك محمولة على المعنى، ولم يقل: "ولكن أسلمتم"؛ ليكون خارجًا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ كذلك، ولو قيل: "ولكن أسلمتم"، لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم، وهو غير معتدّ به. فإن قلت: قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجددة. قلت: ليس كذلك، فإن فائدة قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ هو تكذيب دعواهم، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ توقيت لما أمروا به أن يقولوه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن القول قد يستعمل في الزعم، ولو قيل: "أسلمتم"، لكان خلوًا من هذه النكتة، وإليه الإشارة بقوله: "ولو قيل: ولكن أسلمتم، لكان خروجه في معرض التسليم لهم، والاعتداد بقوله". قال صاحب "النهاية: "وفي الحديث: "لما أراد ﷺ أن يعتكف ورأى الأخبية في المسجد، فقال ﷺ : آلبر تقولون بهن"، أي: أتظنون وترون وترون أنهن أردن البر؟ "، أي: نساءه ﷺ . قوله: (توقيت لما أمروا به): أي: تعيين وتبيين، المغرب: "الوقت: من الأزمنة المهمة، ثم استعمل في كل حد، ومنه قولهم: هل في ذلك وقت، أي: حد بين القليل والكثير، وقد اشتقوا منه، فقالوا: وقت الله الصلاة ووقتها؛ أي: بين وقتها وحدده".

стр. 8005

كأنه قيل لهم: وَلكِنْ قُولُوا: "أَسْلَمْنا" حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم. لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في ﴿قُولُوا﴾، وما في "لَمَّا" من معنى التوقع: دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد. ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ لا ينقصكم ولا يظلمكم، يقال: ألته السلطان حقه أشدّ الألت، وهي لغة غطفان، ولغة أسد وأهل الحجاز: لاته ليتًا، وحكى الأصمعي عن أمّ هشام السلولية أنها قالت: الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات، ولا تصمه الأصوات. وقرئ باللغتين: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾، و"لا يألتكم"، ونحوه في المعنى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾] الأنبياء: ٤٧]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنه كلام واقع موقع الحال): تعليل لقوله: "توقيت لما أمروا به"، يعني: أن قوله: ﴿ولَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ بمنزلة الحال المقيدة للمطلق، المعينة لمعنى قوله: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، لأن قوله: ﴿ولَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أبين منه، ولذلك أوقع موضع "لما": "حين"، وجعله كالقيد لقوله: "قولوا: "أسلمنا"_ في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ _حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم". قوله: (دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد): قال المصنف: "لما: في المعنى التوقع، وهي في النفي نظيرة "قد" في الإثبات"، يعني: دخول الإيمان في قلوبكم متوقع، وأنتم الآن لستم من الإيمان على شيء، فلا تقولوا: آمنا. حاصل الجواب: أنه تكرير، لكنه مستقل بفائدة زائدة، لأنه علم من الأول نفي الإيمان عنهم، ومن الثاني نفيه مع توقيع حصوله. قوله: (الحمد لله الذي لا يفات): أي: لا يسبق، الأساس: "فاتني بكذا: سبقني وذهب به عني". قوله: (ولا تصمه الأصوات): أي: لا تجده أصم، يقال: أصممته، أي: وجدته أصم. قوله: (وقرئ باللغتين): قرأ أبو عمرو: "ولا يألتكم"؛ بهمزة ساكنه بعد الياء، وإذا خفف

стр. 8006

ومعنى طاعة الله ورسوله: أن يتوبوا عما كانوا عليه من النفاق، ويعقدوا قلوبهم على الإيمان، ويعملوا بمقتضياته، فان فعلوا ذلك تقبل الله توبتهم، ووهب لهم مغفرته، وأنعم عليهم بجزيل ثوابه. وعن ابن عباس: أنّ نفرًا من بنى أسد قدموا المدينة في سنة جدبة، فأظهروا الشهادة، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وهم يغدون ويروحون على رسول الله ﷺ ، ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والذراري، يريدون الصدقة ويمنون عليه، فنزلت. [﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١٥] ارتاب: مطاوع "رابه"؛ إذا أوقعه في الشك مع التهمة. والمعنى: أنهم آمنوا، ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به، ولا اتهام لمن صدّقوه واعترفوا بأنّ الحق معه. فإن قلت: ما معنى "ثم" ها هنا، وهي للتراخي، وعدم الارتياب يجب أن يكون مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه، لما بينت من إفادة الإيمان معنى الثقة والطمأنينة التي حقيقتها التيقن وانتفاء الريب؟ قلت: الجواب على طريقين: أحدهما: أنّ من وجد منه الإيمان ربما اعترضه الشيطان أو بعض المضلين بعد ثلج الصدر، فشككه، وقذف في قلبه ما يثلم يقينه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبدلها ألفًا، والباقون بغير همز ولا ألف: ﴿لا يَلِتْكُم﴾. قال الواحدي: "لا يألتكم: من ألت يألت ألتكم: من ألت يألت ألتًا: إذا نقص، ويقال أيضًا: لات يليت ليتًا، بهذا المعنى". قوله: (بعد ثلج الصدر): الأساس: "ثلجت نفسه بكذا: بردت وسرت، والحمد لله على بلج الحق وثلج اليقين".

стр. 8007

أو نظر هو نظرًا غير سديد يسقط به على الشك، ثم يستمرّ على ذلك راكبًا رأسه لا يطلب له مخرجًا، فوصف. المؤمنون حقًّا بالبعد عن هذه الموبقات. ونظيره قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (راكبًا رأسه كالدابة التي يمر بها السير، ولا تشعر أين المقصد، وإليه الإشارة بقوله: "لا يطلب له مخرجًا". قوله: (ونظيره قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾): وعن بعضهم: "ذكر ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ في "حم السجدة" مثالًا لتراخي الرتبة، والوجهان في تراخي الزمان، فلا يناسبه". قلت: الوجه الأول نظيره قطعًا؛ لأن قوله هنا: "فوصف المؤمنون حقًا بالبعد عن هذه الموبقات"، أي: المذكورات من قوله: "ربما اعترضه الشيطان" إلى آخره، وقوله هناك: "ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته" متقاربان معنى، فدل قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على أنهم من الذين وجد منهم الإيمان، ومثل هذا الإيمان قد لا يؤمن فيه من اعتراض شيطان، وإضلال مضل _كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ [فصلت: ٣٠]_، فعقب بقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، ليؤذن بأنهم في الرسوخ كالجبال، لا يزلزلهم اعتراض معترض ولا إضلال مضل، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]. وأما الوجه الثاني: فمرجعه إلى الأول في أن الثاني أعلى رتبة من الأول، لأنه حينئذ من باب قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ … وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، يدل عليه قوله في السؤال: "عدم الارتياب يجب أن يكون مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه"، وقال هنا: "وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان أفرد بالذكر"، وكان من حق الظاهر أن

стр. 8008

والثاني: أنّ الإيقان وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان، أفرد بالذكر بعد تقدّم الايمان؛ تنبيهًا على مكانه، وعطف على الإيمان بكلمة التراخي؛ إشعارًا باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة، غضًّا جديدًا. ﴿وَجاهَدُوا﴾ يجوز أن يكون المجاهد منويًا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يجاء بالواو - كما في المثالين -، ولكن عدل إلى كلمة التراخي للإشعار باستقراره غضًا طريًا مع طول الزمان، ما اعترضه شيطان، ولا اعتراه مضل. والفرق بين الاستمرارين هو أن الاستمرار_ على الأول_ استمرار المجموع، نحو: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، أي: استمر إيمانهم مع عدم الارتياب، وعلى الثاني: الاستمرار معتبر في الجزء الأخير، ولذلك قال: "غضًا طريًا"، وإذا كان عدم الارتياب_ كما قال في السؤال_ "مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه""، كيف يتصور تراخيه عن الإيمان بحسب الزمان حقيقة؟ ! قوله: (يجوز أن يكون المجاهد منويًا): "المجاهد": بفتح الهاء. اعلم أن هاهنا ألفاظًا ثلاثة: أحدهما: ﴿وَجَاهَدُوا﴾، وهو مطلق يجوز أن يقصد به العموم؛ ليتناول جميع ما يصح إطلاقه عليه، وأن يترك على إطلاقه، فلا ينوى له المجاهد؛ ليفيد أنهم يوجدون تلك الحقيقة، ويستفرغون وسعهم وجهدهم عنها. وثانيها: قوله: ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾، وقد علق به ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، وهو أيضًا يحتمل الغزو، وأن يقصد به العموم في العبادات، لأنها كلها في سبيله وجهته.

стр. 8009

وهو العدوّ المحارب أو الشيطان أو الهوى، وأن يكون "جاهد" مبالغة في: جهد. ويجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس: الغزو، وأن يتناول العبادات بأجمعها، وبالمجاهدة بالمال: نحو ما صنع عثمان ﵁ في جيش العسرة، وأن يتناول الزكوات وكل ما يتعلق بالمال من أعمال البر التي يتحامل فيها الرجل على ماله لوجه الله. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الذين صدقوا في قولهم: آمنا، ولم يكذبوا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثالثها: قوله: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾، وحكمه حكم "أنفسهم". وقد اعتبر المصنف كل ذلك في تقريره. فإن قلت: في التنزيل: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ مقدم على" أنفسهم"، فلم خالف؟ قلت: ليؤذن بأن المجاهدة بالنفس أعلى رتبة من المجاهدة بالمال وحده، وأصل في الاعتبار، وإنما قدم في التنزيل تعريضًا بالإنسان وحرصه على جمع المال، فإن الحريص يبذل مهجته في تحصيل المال، وأن المال شقيق الروح، وهو العيار في الإخلاص، لأن المنافق قد يغزو للأغراض، ولكن لا يتسهل له بذل المال. قوله: (نحو ما صنع عثمان ﵁ جيش العسرة): روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "جاء عثمان ﵁ إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه، حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر النبي ﷺ ، فجعل يقلبها بيده، وقال: ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، يرددها مرارًا". قوله: (يتحامل فيها): في "النهاية": "تحاملت الشيء: تكلفته على مشقة".

стр. 8010

كما كذب أعراب بني أسد، أو: هم الذين إيمانهم إيمان صدق وإيمان حق وجدّ وثبات. [﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٦] يقال: ما علمت بقدومك، أي: ما شعرت به ولا أحطت به، ومنه قوله: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ وفيه تجهيل لهم. [﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ١٧ - ١٨] يقال: منّ عليه بيد أسداها إليه، كقولك: أنعم عليه، وأفضل عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو: هم الذين إيمانهم إيمان صدق): يعني: من الجائز أن يحمل الكلام على مذهب من يجعل الضمير فصلًا، ولا يرى له محلًا، فيفيد الاختصاص وأن هؤلاء لم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد، يعني: في قولهم: "آمنا"، أو على قول من يرى له محلًا، فيفيد تقوي الحكم، وأنهم آمنوا إيمان صدق وجد وثبات. والأول أوجه لما سبق أن قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ تعريض، وأنه هو المنبه على أن قوله: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ وضع موضع "كذبتم". قوله: (وفيه تجهيل لهم): عن بعضهم: أي: أتجعلون الله محيطًا بدينكم، فيعلم ظاهره وباطنه وتفصيله، وفيه تهكم بهم، ولا يكو معناه: أتعلمون الله دينكم، لأن معنى ذلك: أتجعلون الله عالمًا بعد الجهل. يريد: أن الباء في ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ ليست بزائدة، بل هي لتضمين العلم معنى الإحاطة.

стр. 8011

والمنة: النعمة التي لا يستثيب مسديها. من يزلها إليه، واشتقاقها من "المنّ" الذي هو القطع، لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير، من غير أن يعمد لطلب مثوبة، ثم يقال: منّ عليه صنعه، إذا اعتده عليه منة وإنعامًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مسديها): النهاية: "في الحديث: "من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه"، أسدى وأولى وأعطى: يقال: أسديت إليه معروفًا أسدي إسداء". قوله: (من يزلها إليه): النهاية: "في الحديث: "من أزلت إليه نعمة فليشكرها"، أي: أسديت إليه وأعطيها، وأصلها من الزليل، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان، فاستعير لانتقال النعمة من المنعم إلى المنعم عليه، يقال: زلت منه نعمة، وأزلها إليه". قوله: (واشتقاقها من المن): الراغب: "المن: ما يوزن به، والمنة: النعمة الثقيلة، وذلك على وجهين: أحدهما: بالفعل، فيقال: من عليه؛ إذا أثقله بالنعمة، قال تعالى: ﴿يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا الله تعالى. والثاني: بالقول: وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، قيل: وإذا كفرت النعمة حسنت المنة. وقوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾: فالمنة منهم بالقول، ومنه الله عليهم بالفعل، وهو هدايته إياهم كما ذكر. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: قيل: غير معدود، كما قال: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقيل: غير مقطوع ولا منقوص. ومنه: المنون؛ للمنية، لأنها تنقص العدد، وتقطع المدد، وقيل: المنة بالقول من

стр. 8012

وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة، وذلك أنّ الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلامًا، ونفى أن يكون -كما زعموا- إيمانًا، فلما منوا على رسول الله ﷺ ما كان منهم، قال الله لرسوله ﵇: إنّ هؤلاء يعتدّون عليك بما ليس جديرًا بالاعتداد به من حدثهم الذي حق تسميته أن يقال له: "إسلام"، فقل لهم: لا تعتدوّا عليّ إسلامكم، أي: حدثكم المسمى "إسلامًا" عندي لا "إيمانًا"، ثم قال: بل الله يعتدّ عليكم أن أمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان، على ما زعمتم وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ووفقتم له، إن صحّ زعمكم وصدقت دعواكم، إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه. وفي إضافة "الإسلام" إليهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا، لأنها تقطع النعمة، وتقتضي قطع الشكر. قوله: (وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة): وبيانه: أن الأعراب لما قدموا المدينة، وأظهروا الشهادة، وكانوا يغدون ويروحون على رسول الله ﷺ ، ويمنون عليه صلوات الله عليه بقولهم: "آمنا"، وساقوا الكلام مساق الإخبار عن إحداث الإيمان ليكون في معرض الامتنان، فأمر الله حبيبه صلوات الله عليه أن يجيب عن إحداث الإيمان، بقوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، ثم نبهه على مكان الامتنان بقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، وأمره بأن يجيب عنه بقوله: ﴿قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾، فوضع موضع: "ما ليس جديرًا بالاعتداد". قوله: (إسلامكم): والاستثناء في قوله: "إلا أنكم تزعمون" منقطع. قوله: (وفي إضافة "الإسلام" إليهم): يعني: معنى إضافة "الإسلام" إليهم: أنه الإسلام الذي تعورف واشتهر من أمثالهم، وما يليق أن ينسب إليهم. ومعنى إيراد "الإيمان" غير مضاف إليهم، بل محلى بلام التعريف: أنه الإيمان الكامل، وما يقال له عند الله وعند الموحدين: إنه إيمان.

стр. 8013

وإيراد "الإيمان" غير مضاف: ما لا يخفى على المتأمل، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره: إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان، فلله المنة عليكم. وقرئ: "إن هداكم"، بكسر الهمزة، وفي قراءة ابن مسعود: "إذ هداكم". وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، بالتاء والياء، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم، يعني: أنه يعلم كل مستتر في العالم، ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم، ولا يظهر على صدقكم وكذبكم؟ ! وذلك أنّ حاله مع كل معلوم واحدة لا تختلف. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقريب من هذا البحث ما يقال في قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣]، أي: الذي يطلب منكم طاعة معروفة فعلًا، أو طاعتكم طاعة معروفة قولًا. قوله: (قرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء): ابن كثير: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. قوله: (ولا يظهر على صدقكم): أي: لا يطلع الله. قوله: (أن حاله): الضمير لله ، والأولى والأقرب إلى الأدب: أن شأنه ، لقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. تمت السورة حامدًا لله تعالى، ومصليًا على رسوله. * * *

стр. 8014

سورة ق مكية، وهي خمس وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ١ - ٣] الكلام في ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا﴾ نحوه في ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ١ - ٢] سواءً بسواء، لالتقائهما في أسلوب واحد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة ق مكية، وهي خمس وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (لالتقائهما في الأسلوب واحد): وذلك أن عطف" القرآن" على ﴿ق﴾ نحو عطف ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ على ﴿ص﴾ [ص: ١] في أسلوب التجريد، نحو: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، و ﴿المَجِيدِ﴾ هنا نحو ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾، لأن المراد بالذكر الشرف والشهرة، وقول الكافرين: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، وتعجبهم من مجيء منذر منهم ومن جنسهم: كان من عزتهم وشقاقهم، قال المصنف: "كأنه قال: أقسمت بصاد والقرآن ذي الذكر إنه لمعجز، ثم

стр. 8015

و ﴿المجِيدِ﴾: ذو المجد والشرف على غيره من الكتب، ومن أحاط علمًا بمعانيه، وعمل بما فيه؛ مجد عند الله وعند الناس، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق، ﴿وَشِقَاقٍ﴾ لله ورسوله". فكذلك المعنى: أقسمت بـ ﴿ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إنه لمعجز، ثم قال: بل عجب الكفار من أن جاءهم بهذا الكتاب المعجز واحد منهم، فتعززوا لذلك عن الإذعان للحق وشاقوا لله ورسوله. الراغب: "بل: هاهنا لتصحيح الأول وإبطال الثاني، أي: ليس امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجد للقرآن، ولكن لجهلهم، ونبه بقوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ على جهلهم، لأن التعجب مش الشيء يقتضي الجهل بسببه". قوله: (و ﴿المَجِيدِ﴾: ذو المجد والشرف): النهاية: "في أسماء الله تعالى: المجيد والماجد، والمجد في كلامهم: الشرف الواسع، ورجل ماجد: مفضال كثير الخير شريف، والمجيد: فعيل منه للمبالغة، وقيل: هو الكريم الفعال، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سمي مجدًا". الراغب: "المجد: السعة في الكرم والجلالة، يقال: مجد يمجد مجدًا ومجادة وأصل المجد من قولهم: مجدت الإبل: إذا حصلت في مرعى كثير واسع، ووصف القرآن بالمجيد لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية، والتمجيد من العبد لله تعالى: بالقول وذكر الصفات الحسنة، ومن الله للعبد: بإعطائه الفضل". وقلت: من اهتدى بهديه، واعتصم به، وعمل بما فيه، وتدبر معانيه: مجد عند الله، روينا عن مسلم وأحمد بن حنبل والدارمي عن عامر بن واثلة: أن عمر ﵁ سأل نافع

стр. 8016

أو هو بسبب من الله المجيد، فجاز اتصافه بصفته. قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ينذرهم بالمخوف رجل منهم قد عرفوا وساطته فيهم وعدالته وأمانته، ومن كان على صفته لم يكن إلا ناصحًا لقومه مترفرفًا عليهم، خائفًا أن ينالهم سوء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابن الحارث، وكان استعمله على أهل مكة: من استعملت على أهل البوادي؟ قال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: أستخلفت عليهم مولى؟ ! قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، قال عمر ﵁: أما أن نبيكم ﷺ قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين". وعن الدرامي وابن ماجه عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله أهلين من خلقه، يا رسول الله، من هم؟ قال: أهل القرآن": زاد ابن ماجه: "أهل الله وخاصته". فعلى هذا: وصف القرآن بالمجيد باعتبار عامله على الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم، أو سمي مجيدًا لأن المتكلم به مجيد، فوصف بصفة من هو بسببه على الإسناد المجازي، نخو قوله: ﴿يس * وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ٢]. قوله: (أو هو بسبب من الله): قيل: الباء في "بسبب" للملابسة، وكل ما يربط به شيء بشيء أو يجعل متعلقًا به منتسبًا إليه: سمي سببًا، ومن في "من الله" اتصالية. قوله: (﴿بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم﴾): الضمير في ﴿عَجِبُوا﴾ للكافرين، وإن لم يجر لهم ذكر، فإن قوله: ﴿فَقَالَ الكَافِرُونَ﴾ جار مجرى التفسير. قوله: (مترفرفًا عليهم): الأساس: "ذهب من كان يحفه ويرفه، أي: يضمه ويحبه ويشفق عليه، من: يرف ولده أو حبيبه، وبات يرف شفتيها: يرشفهما".

стр. 8017

ويحل بهم مكروه، وإذا علم أنّ مخوفًا أظلهم، لزمه أن ينذرهم ويحذرهم، فكيف بما هو غاية المخاوف ونهاية المحاذير، وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم به من البعث، مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما، وعلى اختراع كل شيء وإبداعه، وإقرارهم بالنشأة الأولى، ومع شهادة العقل بأنه لا بدّ من الجزاء. ثم عوّل على أحد الإنكارين بقوله: ﴿فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذا مِتْنا﴾، دلالة على أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم): عطف على قوله: "إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب": أراد أن قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ دل على معنيين: على معنى المنذر به، وهو البعث والرجع، كما سيجيء في كلامه أن عامل الظرف"ما دل عليه المنذر من المنذر به"، وهو البعث، وعلى من قام به الإنذار، وهو الرسول. ولما كان أحد المنكرين_ وهو إنكار البعث_ أعظمهما، عول الكلام عليه، وقال: ﴿فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، فوضع ﴿الكَافِرُونَ﴾ موضع الضمير؛ إشعارًا بعنادهم، أي: هذا الذي تنذر به من البعث والرجع شيء عجيب، وهو المراد من قوله: "و ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الرجع"، أي: الرجع المفهوم من قوله: ﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، كما تقرر. ويؤيده أيضًا قوله بعد هذا: "استبعادًا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث". ثم قرروا ذلك مزيدًا للكشف والبيان بقولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾، لأن معناه: أحين نموت ونبلى نرجع. فحينئذ يحسن الوقف عند قوله: ﴿وكُنَّا تُرَابًا﴾ فيكون قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ هو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى؛ ردًا لقوهم ذلك. قال القاضي: "حكى تعجبهم مبهمًا، ثم فسره بما بعده"، ولأنه أدخل في الإنكار؛ إذ الأول استبعاد، والثاني استقصار لقدرة الله تعالى.

стр. 8018

ووضع ﴿الْكَافِرُونَ﴾ موضع الضمير؛ للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم. و﴿هَذَا﴾ إشارة إلى "الرجع"، و"إذا" منصوب بمضمر، معناه: أحين نموت ونبلى نرجع؟ ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ مستبعد مستنكر، كقولك: هذا قول بعيد، وقد أبعد فلان في قوله، ومعناه: بعيد من الوهم والعادة. ويجوز أن يكون "الرجع" بمعنى: المرجوع، وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى؛ استبعادًا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث، والوقف قبله على هذا التفسير حسن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يكون"الرجع" بمعنى: المرجوع): أي: قال الله تعالى جوابًا لقولهم وردًا لزعمهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، بمعنى: ما يرجع إليه حاصل كلامهم وماله؛ بعيد. وعن بعضهم: قوله: "وهو الجواب"، أي: الجواب الذي جاء به الكفار جواب بعيد، والجواب هو قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ فإنهم إنما قالوا ذلك جوابًا لقول المسلمين: إنا نبعث ونرجع بعد الموت. وفيه نظر؛ لأنه قال: "وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى"، ولا ارتياب أن قوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا﴾ ليس من كلام الله تعالى، بل هو داخل في حيز قولهم: ﴿فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا﴾، وهو أحد الإنكارين، كما علم من كلامه. ثم إن. قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: أن كان تتمة لكلامهم لم يجز الوقف على ﴿تُرَابًا﴾، وإن كان من كلام الله جوابًا عن قولهم جاز الوقف لاختلاف القائلين. وفي"المرشد": "الوقف الكافي: ﴿وكُنَّا تُرَابًا﴾، والتمام: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ". وقال الزجاج: "جواب القسم محذوف، يدل عليه: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾، المعنى: ق والقرآن المجيد إنكم مبعوثون، فعجبوا، فقالوا: أإذا متنا، أي: أنبعث إذا متنا؟ ويجوز أن يكون الجواب:

стр. 8019

وقرئ: "إذا متنا"، على لفظ الخبر، ومعناه: إذا متنا بعد أن نرجع، والدال عليه ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. فإن قلت: فما ناصب الظرف إذا كان "الرجع" بمعنى: المرجوع؟ قلت: ما دل عليه المنذر من المنذر به، وهو البعث. [﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ ٤] ﴿قَدْ عَلِمْنا﴾ ردّ لاستبعادهم الرجع، لأن من لطف علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجساد الموتى، وتأكله من لحومهم وعظامهم، كان قادرًا على رجعهم أحياء كما كانوا. عن النبي ﷺ : «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾، أي: لقد علمنا، وحذف اللام لأن ما قبلها عوض منها، كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ١، ٩] ". قوله: (فما ناصب الظرف إذا كان "الرجع" بمعنى: المرجوع؟ ): يعني: إذا كان "الرجع" بمعنى المصدر، يصح أن يكون دالًا على عامل الظرف، لأن كليهما من كلام القوم، أي: أنبعث إذا متنا؟ كما قدر الزجاج، وإذا كان بمعنى: المرجوع، والمراد به جوابهم، وهو من كلام الله، كيف يصح أن يكون دالا على العامل؟ ! قوله: (عجب الذنب): روينا عن البخاري ومسلم وأبي دواد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظيم واحد، وهو عجب الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة". النهاية: "العجب _بالسكون_: العظم الذي في أسفل الصلب، وهو العسيب من الدواب".

стр. 8020

وعن السدي: ﴿ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ ما يموت فيدفن في الأرض منهم، ﴿كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ محفوظ من الشياطين ومن التغير، وهو اللوح المحفوظ، أو حافظ لما أودعه وكتب فيه. [﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ٥] ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ إضراب أتبع الإضراب الأوّل، للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات في أوّل وهلة من غير تفكر ولا تدبر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بما هو أفظع من تعجبهم): أشار إلى أن في الكلام ترقيًا من الأدنى إلى الأغلظ، وذلك أنه تعالى لما تضمن قوله: ﴿مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ معنى المنذر به والرسول، وعول على أحدهما، وقدمه على الآخر، ورده أبلغ رد، جاء بالآخر، وأضرب عما أثبت من تعجبهم بما هو أفظع من ذلك الإضراب؛ لكونه أنكر من الأول. ويمكن أن يقال: أن المراد بـ"لحق" كما قال بعده: "الإخبار بالبعث"، فيكون المضرب عنه قوله: ﴿فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، أي: دع قولهم ذلك، فإن هاهنا ما هو أفظع منه، وهو تكذيبهم الحق الذي ما خلق السماوات والأرض إلا له، وهو جزاء المكلفين على أعمالهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: ٤]. ويعضده تعقيبه بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾. ويجوز أن يكون المراد ب"الحق": القرآن، ويكون المضرب عنه ﴿ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ﴾. قوله: (في أول وهلة): النهاية: "في أول شيء، والوهلة: المرة من الفزع، أي: لقيته أول فزعتها بلقاء إنسان"، هذه الوهلة مستفادة من كلمة ﴿لَمَّا﴾.
следующие страницы →