Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
والامتحان: افتعال؛ من: محنه، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد، قال أبو عمرو: كل شيء جهدته فقد محنته، وأنشد:
أتت رذايا باديًا كلالها .... قد محنت واضطربت آطالها
قيل: أنزلت في الشيخين ﵄، لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار.
وهذه الآية -بنظمها الذي رتبت عليه؛ من إيقاع الغاضين أصواتهم اسمًا لـ"إنّ" المؤكدة، وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معًا؛ والمبتدأ: اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهمًا أمره -ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله ﷺ من خفض أصواتهم، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله ﷺ ، وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم، واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اختصوا به؛ لأته تعالى هو الذي أدبهم بإرسال الرسول ﷺ ، وإنزال الكتاب والحكمة، حتى هذبوا هذا التهذيب.
قوله: (أتت رذايا) البيت: الرذية: الناقة المهزولة من السير، والجميع: الرذايا، والمذكر: رذي، و"الإطل": الخاصرة، والجمع: الآطال.
قوله: (وهذه الآية): يعنى قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾، فقوله: "هذه الآية" مبتدأ موصوف، والخبر قوله: "ناظرة"، و"بنظمها" متعلق بـ"ناظرة"، أي: هذه الآية دالة بواسطة نظمها على غاية الاعتداد. وفي تلك القيود التي ذكرها إشارة إلى خواص تضمنها التركيبان.
стр. 7947
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٤ - ٥]
والوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام، و ﴿مِن﴾ لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما التركيب الأول_ وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿لِلتَّقْوَى﴾ _ ففيه خواص:
إحداها: إيقاع "الغاضين أصواتهم" اسمًا لـ"إن" المؤكدة، وفائدته توكيد مضمون الجملة وتقريره، مع تصوير ما كان يصدر من أولئك الكلمة في حضرة الرسالة من التأديب الله. نحوه في التقرير: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣].
وثانيها: تصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر، وفائدته الحصر المستفاد من تعريفها، نحو: زيد المنطلق، يعني: هم الذين شرفهم الله تعالى بإخلاص القلوب دون غيرهم، تعريضًا بأولئك الذين لم يعضوا أصواتهم.
وثانيها: إيقاع المبتدأ الثاني اسم إشارة؛ ليؤذن بأن من سبق ذكره إنما امتحن الله قلوبهم لأنهم اكتسبوا تلك الفضيلة بها.
وأما التركيب الثاني ففيه فائدتان: إحداهما: قطعها عن الجملة الأولى، فأخلاها عن الرابط اللفظي_ وهو الفاء_ لتحرك أريحية السامع، وتحمله على: ما جزاء أولئك السادة في العقبى، ليضم مع اختصاصهم بهذه المنقبة الأسنى؟ فيجاب: بأن لهم عند الله القربى والزلفى.
وثانيتهما: تنكير" المغفرة" ليدل على ضرب عظيم في بابه، لا يكتنه كنهه، ولا يقادر قدره.
لله در المصنف في إبراز هذه المحاسن، وفي إرشاده إلى جهات تلك النكات.
قوله: (بطلله): الجوهري: "يقال: حيا الله طللك، وطلالتك، يعني: شخصك"، فقوله:
стр. 7948
فإن قلت: أفرق بين الكلامين؛ بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه؟ قلت: الفرق بينهما: أنّ المنادي والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني: لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول "من" مبتدأ الغاية، ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول: ناداني فلان من وراء الدار، لا يريد وجه الدار ولا دبرها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"يواريها عنك الشخص بطله": معناه: يخفيها ذو طلل بطلله. والجوهري: "واريت الشيء: إذا أخفيته، وتوارى هو: استتر، ووراء: بمعنى: خلف، وقد يكون بمعنى: قدام، وهي من الأضداد، قال الأخفش: يقال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف".
قوله: (أفرق بين الكلامين): على الأمر، أي: أفرق بين كلام تثبت فيه"من" وكلام تسقط منه" من".
قوله: (أن المنادى في أحدهما يجوز أن يجمعها الوراء، وفي الثاني: لا يجوز) إلى آخره: هذا الفرق ظاهر، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن المبتدأ والمنتهى: إما المنادى_ على ما هو التحقيق_ أو الجهة، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما "لوراء" في إثبات "من" وفي إسقاطه؛ لتغاير المبتدأ والمنتهى، وإن كان الثاني فالجهة: إما ذات أجزاء أو عديمة الأجزاء، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما في إثبات"من" أيضًا باعتبار أجزاء الجهة، وإن كان الثاني لم يجز أن يجمعهما؛ لا في إثبات"من" ولا في إسقاطه لاتحاد المورد، والتحقيق أن الفعل يبتدئ من الفاعل، وينتهي إلى المفعول، ويقع في الظرف، وأن "من وراء الحجرة" و"وراءها" كلاهما ظرف، كصليت من خلف الإمام وخلفه، ومن قبل اليوم وقبله، ومعنى الابتداء غير محقق، والفرق تعسف.
стр. 7949
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيقال: لا بد من الفرق؛ صونًا لكلام الله من العبث، لاسيما قد في تقرر في أول البقرة عند قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]: أن صاحب المعاني يعتبر حروف الصلات، وينظر إلى مواقعها، ولا ارتياب أن"وراء" من الظروف المبهمة، فبدخول "من" يتعين له ابتداء، وهو من الأمور النسبية، فلا بد له من الانتهاء، وأن يكون المنتهى مكانًا غير المكان الذي نشأ منه النداء، وهو الجهة المسماة ب"الوراء"، إذ كل جزء من أجزائه يصدق أنه منشأ النداء، فجعل تلك الجهة نفس المنتهى يلزم أن يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى.
وتحرير المعنى: أنه لو قيل: "ينادونك وراء الحجرات" لكان الغرض في الإيراد إنكار أنهم كانوا ينادونه وراء الحجرات، وفهم منه أنهم لو نادوه في غير تلك الجهة لم تكن منكرًا، ولكن الغرض في الإنكار أنهم كانوا ينادونه من الخارج، وهو في الحجرة، فأريد إنكار هذه الصورة المنكرة الواقعة خصوصًا، فزيد"من" لتدل على الابتداء والانتهاء، وأنهم خارجون، وهو_ صلوات الله عليه_ داخل، وإليه الإشارة بقوله: "والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أن النداء وقع" إلى آخره.
ونظيره ما سبق قبل هذا في قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم فوق صوت النبي": أن في زيادة الباء الدلالة على النهي كما كانوا عليه من الجلبة، وسبق بيانه.
ويؤيده قول القاضي: " ﴿مِنْ﴾ ابتدائية، فإن المناداة نشأت من جهة الوراء، وفائدتها: الدلالة أن المنادي داخل الحجرة، إذ لا بد أن يخلف المبتدأ والمنتهى بالجهة".
стр. 7950
ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقًا بغير تعيين واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة.
والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وحظيرة الإبل تسمى: الحجرة، وهي فعلة، بمعنى: مفعولة، كالغرفة والقبضة، وجمعها: الحجرات؛ بضمتين، والحجرات؛ بفتح الجيم، والحجرات؛ بتسكينها، وقرئ بهنّ جميعًا. والمراد: حجرات نساء رسول الله ﷺ ، وكانت لكل واحدة منهنّ حجرة.
ومناداتهم من ورائها: يحتمل أنهم قد تفرّقوا على الحجرات متطلبين له، فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالًا لرسول الله ﷺ ، ولمكان حرمته.
والفعل وإن كان مسندًا إلى جميعهم، فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فكأنهم تولوه جميعًا، فقد ذكر الأصم: أنّ الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الحجرات؛ بضمتين): وهي المشهورة، قال الزجاج: "تقرأ ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ بضم الجيم، ويجوز بتسكينها، ولا أعلم أحدًا قرأ به، وواحد "الحجرات": حجرة، والفتح بدل من الضمة لثقل الضمتين".
قوله: (ولكنها جمعت إجلالًا): عن بعضهم: قولك: "في مجالسك" أبلغ من قولك: "في مجلسك"، كأن الجمع يبطل خصوصية حجرة دون حجرة.
стр. 7951
والإخبار عن أكثرهم بأنهم لا يعقلون: يحتمل أن يكون فيهم من قصد بالمحاشاة، ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصدًا إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل، فإنّ القلة تقع موقع النفي في كلامهم.
وروي: أن وفد بني تميم أتوا رسول الله ﷺ وقت الظهيرة وهو راقد، فجعلوا ينادونه: محمد، اخرج إلينا، فاستيقظ فخرج، ونزلت. وسئل رسول الله ﷺ عنهم فقال: «هم جفاة بني تميم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من قصد بالمحاشاة): أي: استثنى بـ ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، فإنه يدل على أن بعضهم لم يكونوا كذلك. الأساس: "أساؤوا حاشى فلانًا، وأنا أحاشيك من كذا، وقال:
وما أحاشي من الأقوام من أحد"
معناه: ويحتمل أن يكون في القوم من قصد استثناؤه وإخراجه من الحكم، بقلة العقل، ف"أكثرهم" استثناء معنوي، قال صاحب" التقريب": وإنما قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾؛ لأن البعض قد يعقل.
قوله: (فإن القلة تقع موقع النفي): قال الحماسي:
قليل التشكي للمهم يصيبه
أي: عديم التشكي.
стр. 7952
لولا أنهم من أشدّ الناس قتالًا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم».
فورود الآية على النمط الذي وردت عليه: فيه مالا يخفى على الناظر؛ من بينات إكبار محل رسول الله ﷺ وإجلاله، منها: مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به بالسفه والجهل، لما أقدموا عليه، ومنها: لفظ "الحجرات" وإيقاعها كناية عن موضع خلوته. ومقيله مع بعض نسائه، ومنها: المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم، ومنها: التعريف باللام دون الإضافة، ومنها: أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لولا أنهم من أشد الناس قتالًا للأعور الدجال): وفي رواية البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "وهم_ يعني: بني تميم_ أشد أمتي على الدجال".
قوله: (المرور على لفظها): أي: لفظ الحجرات، والأساس: "مررت به وعليه مرًا مرورًا، ومر الأمر واستمر: مضى"، يعني: قال: ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ ومضى عليه، يعني: ما زاد عليه، ولم يقل: حجرات نسائك، بل اكتفى بالقدر من الكناية لئلا توحشه، لأنها تكفي لمن يقف على الرمز والإشارة الخفية في أن النداء في هذه الآية أمر منكر.
قوله: (التعريف باللام دون الإضافة): أي: لم يقل: "من وراء حجراتك"؛ لأن المراد المعهود الذهني، يعني: لا يلتبس أن مثل هذا التعظيم لا يكون في حجرات سائر الناس.
قوله: (أن شفع ذمهم باستجفائهم): أي: قرن ذمهم ذلك، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ﴾، بقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾، فأوقع قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ خبرًا لـ"إن" واسمها الموصولة المشتملة على الصلة المشعرة بأن خبرها مما يستهجن منه، ويد من صدر منه النداء من وراء الحجرات بالجافي الغليظ وقلة العقل، وإنما فعل ذلك ليسلي
стр. 7953
تهوينًا للخطب على رسول الله ﷺ ، وتسلية له، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم، وهلم جرًّا من أوّل السورة إلى آخر هذه الآية.
فتأمّل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدّمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم؛ من رفع الصوت والجهر، كأن الأوّل بساط للثاني ووطاء لذكره، ثم ذكر ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك، فغضوا أصواتهم؛ دلالة على عظيم موقعه عند الله، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم، وهجنته أتم؛ من الصياح برسول الله ﷺ في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرًا؛ لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسول الله ﷺ ما كان يلحقه من الوحشة من سوءاتهم، فقيل له: هون عليك، واعف عنهم، فإن أكثرهم لا يعقلون، إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، لا سيما لمن كان بهذا المنصب.
قوله: (تعجرفهم): الجوهري: "جمل فيه عجرفة: كأن فيه خرقًا وقلة مبالاة لسرعته".
الأساس: "في كلامه عجرفة وتعجرف، أي: جفوة".
قوله: (من غير حصر ولا تقييد): تفسير للحصر، أراد الإبقاء على الإطلاق، نحو: فلان يعطي ويمنع. وقد سبق بيانه في أول السورة.
قوله: (ما أجروا إليه): أي: سبقوا إليه، قال الحماسي:
هم قطعوا الأرحام بيني وبينهم وأجروا إليها واستحلوا المحارما
قال المرزوقي: "الإجراء يستعمل في المنكر المذموم، ومفعوله محذوف، كأنه قيل: أجروا فعلهم إليها".
стр. 7954
لأنّ من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغًا، ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب، وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى عن أبي عبيد -ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى- أنه قال: ما دققت بابًا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.
﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ في موضع الرفع على الفاعلية، لأنّ المعنى: ولو ثبت صبرهم. والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]، وقولهم: صبر عن كذا، محذوف منه المفعول،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عن أبي عبيد): عن بعضهم: هو القاسم بن سلام الكوفي، وأبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمي، كان أستاذًا لأبي عبيد.
قوله: (لأن المعنى: ولو ثبت صبرهم): قال القاضي: "المعنى: لو ثبت انتظارهم حتى تخرج، فإن "أن" دلت بما في حيزها على المصدر، ودلت بنفسها على الثبوت، ولذلك وجب إضمار الفعل".
قوله: (عن أن تنازع إلى هواها): الجوهري: "نزع إلى أهله ينزع نزاعًا، أي: اشتاق، وأنزع القوم: إذا نزعت إبلهم إلى أوطانها".
قوله: (صبر عن كذا): محذوف فيه المفعول، ويروى: "على كذا"، يقال: صبر عليه، أي: نفسه.
стр. 7955
وهو النفس، وهو حبس فيه شدّة ومشقة على المحبوس، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل: صبر. وفي كلام بعضهم: الصبر مرّ، لا يتجرّعه إلا حرّ.
فإن قلت: هل من فرق بين ﴿حَتَّى تَخْرُجَ﴾ و"إلى أن تخرج"؟ قلت: إنّ «حتى» مختصة بالغاية المضروبة، تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها: لم يجز، و «إلى» عامّة في كل غاية، فقد أفادت «حتى» بوضعها: أنّ خروج رسول الله ﷺ إليهم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرًا دون الانتهاء إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن "حتى" مختصة بالغاية المضروبة): يعني: "حتى" نص في بيان الغاية، وبت للحكم، وأن لا رخصه لهم دون هذه الغاية، بخلاف"إلى" فإنها مطلقة تحتمل أمورًا، قال في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]: "إلى: تفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها: فأمر يدور مع الدليل".
قال صاحب"التقريب": "حتى: تختص بالغاية المضروبة، وإلى: عامة في كل غاية، لا يقال: أكلت السمكة حتى نصفها، ويقال: إلى نصفها، فإنها قال: ﴿حَتَّى تَخْرُجُ﴾ ليفيد أنه غاية، ليس لهم أن يقطعوا أمرًا دون الانتهاء إليها.
وبيانه: أن اختصاصها بالغاية المضروبة، أي: المعينة، معناه: أن ما بعد "حتى" داخل في حكم ما فبلها، فالرأس مأكول من قوله: "حتى رأسها"؛ إذ لو لم يكن مأكولًا، وانتهى الأكل قبله بجزء آخر سوى الرأس، لكان ذلك الجزء غاية، فلم تكن مختصة بهذه الغاية المضروبة، وهو خلاف وضعها، وأما "إلى" فلا تختص، بل قد يدخل ما بعدها، وقد لا يدخل، فقد تكون له غاية أخرى سوى ما بعد "إلى".
стр. 7956
فإن قلت: فأي فائدة في قوله: ﴿إِلَيْهِمْ﴾؟ قلت: فيه أنه لو خرج، ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أنّ خروجه إليهم.
﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: في «كان»: إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد "لو"، وإما ضمير مصدر ﴿صَبَرُوا﴾، كقولهم: من كذب كان شرًّا له، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بليغ الغفران والرحمة واسعهما، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقوله: ﴿حَتَّى تَخْرُجُ﴾ يدل على أنه لا غاية لخيرية صبرهم قبل الخروج، فليس لهم أن يقطعوا أمرًا قبل الانتهاء إليه، وإلا لانتهت الخيرية لغاية قبل الخروج، ولا يلزم ذلك في "إلى".
وكان الأولى أن يقول: إن "حتى" تفيد أنه لا تنتهي خيرية صبرهم بعد الخروج أيضًا، فكما أن حكم الأكل يشمل الرأس، فحكم خيرية الصبر يشمل زمان الخروج أيضًا، فيكون أبلغ، ولو قال: "إلى" لم يلزم، لأن ما بعد "إلى" لا يلزم دخوله في حكم ما قلبه، والله أعلم". تم كلامه.
قوله: (وإما ضمير مصدر ﴿صَبَرُوا﴾): قال القاضي: "المعنى: لكان الصبر خيرًا لهم من الاستعجال، لما فيه من حفظ الأدب، وتعظيم الرسول ﷺ ، الموجبين للثناء والثواب والإسعاف بالمسؤول".
قال الواحدي: "قدم بنو تمتم على النبي ﷺ لفداء ذراريهم التي سبيت، وقال مقاتل: يعني ب"الخير": أنهم لو صبروا لخلي سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه أعتق نصف ذراريهم وفادى نصفهم، يقول الله : ولو صبروا لكنت تعتق كلهم".
стр. 7957
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٦ - ٨]
بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه -وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعًا، ثم قال: هل أزيدكم، فعزله عثمان عنهم- مصدّقا إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم إحنة، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول الله ﷺ : قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فغضب رسول الله ﷺ ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مصدقًا): أي: بعثه صلوات الله عليه آخذًا للصدقة.
النهاية: "قال الخطابي: إن "المصدق"_ بتخفيف الصاد_: العامل، فإنه وكيل الفقراء في القبض، فله أن يتصرف لهم بما يراه؛ مما يؤدي إليه اجتهاد".
وأما قصة الوليد بن عقبة: ففيها للمفسرين اختلاف، والصحيح ما روى الإمام أحمد ابن حنبل في "مسنده" عن عيسى بن دينار عن أبيه: "أن الحارث بن ضرار الخزاعي قدم على سول الله ﷺ ، فبعثه رسول الله ﷺ إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، ويجمع الزكاة، فضرب وقتًا بينه وبين رسول لله ﷺ ليبعث إليه رسولًا ليقبض الزكاة، فاحتبس الرسول عن الوقت، فظن الحارث أنه قد حدثت سخطة من الله ورسوله، فانطلق مع سروات قومه يأتون رسول الله ﷺ ، وكان من أمر الرسول ﷺ أنه بعث الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده، فلما أن بلغ بعض الطريق فرق ورجع، وقال: يا رسول الله، الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث.
стр. 7958
وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم فوردوا وقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم، فقال: «لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلًا هو عندي كنفسي، يقاتل مقاتلتكم، ويسبى ذراريكم»، ثم ضرب بيده على كتف علي ﵁. وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم منادين بالصلوات متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع.
وفي تنكير "الفاسق" و"النبأ": شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأيّ نبإ، فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه.
والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه: فقست البيضة: إذا كسرتها وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضًا: قفست الشيء: إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبًا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد والانسلاخ من الحق، قال رؤبة:
فواسقًا عن قصدها جوائرا
وقرأ ابن مسعود: "فتثبتوا"، والتثبت والتبين: متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف.
ولما كان رسول الله ﷺ والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلا في الندرة؛ قيل: ﴿إِن جَاءَكُمْ﴾ بحرف الشك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استقبل الحارث البعث قرب المدينة، وقال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، فإن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، فلما دخل على رسول الله ﷺ قاله أيضًا، قال: لا، والذي بعثك بالحق، ما رأيته، وما أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية".
قوله: (قيل: ﴿إن جَاءَكُمْ﴾ بحرف الشك): جواب "لما"، وقوله: "وما كان يقع" إلى آخره: اعتراض.
стр. 7959
وفيه: أنّ على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور. ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ مفعول له، أي: كراهة إصابتكم ﴿قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ -حال، كقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥]-، يعني: جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة. والإصباح: بمعنى الصيرورة. والندم: ضرب من الغم، وهو: أن تغتمّ على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه؛ من الندام: وهو لزام الشريب ودوام صحبته،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيه أن على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة): أي: أدمج في الآية أن على المؤمنين أن يكونوا على تثبت من الأمر لئلا يطمع فاسق، وذلك من حرف التنبيه، وإيقاع ﴿آمَنُوا﴾ صلة للموصول، وجعلها سبيًا لما بعده من الحرف الموضوع لنداء البعيد، وقد نودي به القريب المقاطن على أن الخطاب الذي يتلوه معني به جدًا.
الراغب: "في قوله: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ تنبيه على أنه أن كان الخبر عظيمًا له قدر، فحقه أن يتوقف فيه_ وإن علم أو غلب صحته على الظن_ حتى يعاد النظر فيه، ويتبين فضل تبين".
وقوله: (من الندام): متعلق بقوله: "والندم ضرب من الغم"، أي: مأخوذ منه.
قوله: (لزام الشريب): الجوهري: "شريبك: الذي يشاربك، ويورد إبله مع إبلك، وهو فعيل بمعنى: مفاعل، مثل: نديم وأكيل"، وروي عن المصنف: أن هذه المسألة مختلف فيها، وهي أنه كلما يتذكر الإنسان ذنبًا، هل يجب عليه تجديد الندم أم يكفيه الندم مرة، ففي هذه الآية إشارة إلى أنه يجب عليه كلما تذكره أن يندم، لأن لفظ الندم ينبئ عن اللزوم، فينبغي أن يكون ملازمًا للندوم كلما تذكر.
стр. 7960
ومن مقلوباته: أدمن الأمر: أدامه، ومدن بالمكان: أقام به، ومنه: المدينة، وقد تراهم يجعلون الهم صاحبًا، ونجيًّا، وسميرًا، وضجيعَا، وموصوفَا بأنه لا يفارق صاحبه.
الجملة المصدّرة بـ"لو": لا تكون كلامًا مستأنفًا، لأدائه إلى تنافر النظم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد تراهم يجعلون الهم صاحبًا): بيان لقوله: "وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام".
قوله: (لا تكون كلامًا مستأنفًا، لأدائه إلى تنافر النظم): قال أبو البقاء: " ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ مستأنف، ويجوز أن يكون حالًا، والعامل فيه الاستقرار، وإنما جاز ذلك من حيث جاز أن يقع صفة للنكرة، كقولك: مررت برجل لو كلمته لكلمني، أي: متهيئ لذلك".
وقلت: إنما لم يحسن الاستئناف، لأن قوله: ﴿واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ لو جعل موردًا للسؤال استجهالًا لهم بما كان يصدر منهم من الفلتات التي لا تليق بحضرة الرسالة، فنزلوا لذلك منزلة من لا يعلم أن فيهم رسول الله؛ بأن يقولوا: ما بالنا ورسول الله مستقر فينا، لم يقع قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ موقعه في الجواب، ولكن إذا جعل حالًا، بمعنى: أن فيكم من حاله أنه أرسله الله تعالى، وخصه بمنصب الرسالة، ولا يقطع أمرًا إلا بالوحي النازل، فيجب عليكم أن لا تحاولوا أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم من رأي واستصواب حال حسن.
ويمكن أن يوجه طريق الاستئناف بأنه تعالى لما أرشدهم طريق الصواب بقوله: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، أي: استعملوا التأني فيما سنح لكم من الأمور، والتروي في كشف الأحوال، لئلا ترجعوا إلى كلام بعض الفساق فتتورطوا فيما تندمون منه، نبههم أيضًا أن فيهم رسول الله، الناطق بالنسبة العادلة، والصادع بالحكمة الساطعة، لا يرجع عن رأي كل
стр. 7961
ولكن متصلًا بما قبله حالًا من أحد الضميرين في ﴿فِيكُمْ﴾؛ المستتر المرفوع، أو البارز المجرور، وكلاهما مذهب سديد. والمعنى: أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها، أو: أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها، وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأي واستصواب، فعل المطواع لغيره التابع له فيما يرتئيه، المحتذي على أمثلته، ولو فعل ذلك ﴿لَعَنِتُّمْ﴾، أي: لوقعتم في العنت والهلاك، يقال: فلان يتعنت فلانًا، أي: يطلب ما يؤدّيه إلى الهلاك، وقد أعنت العظم: إذا هيض بعد الجبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زائغ، ولا يعمل بهوى كل مبطل، فاقتدوا به في ذلك، فاتجه لهم أن يسألوا: لم كان ذلك فقيل: لو يطيع بعضًا منكم في كثير من الأمر لعنتم، ثم قال للبعض الآخر: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾.
ويؤيده ما قال الواحدي: " ﴿أَن تُصِيبُوا﴾ أي: لئلا تصيبوا ﴿قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، ثم وعظهم فقال: ﴿واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، أي: اتقوا أن تكذبوه وتقولوا باطلًا، فإن الله يخبره به، فتفضحوا. ثم قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ﴾ مما تخبرونه فيه بالباطل، لوقعتم في الإثم والهلاك، ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون، فقال: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ ".
قوله: (فيما يرتئيه المحتذي): أي: يراه المقتدي لنفسه، قيل: يقال: ارتأى فلان، أي: رأى رأيا لنفسه، مثل: استوى: أخذ السواء لنفسه.
الأساس: "وارتأى في الأمر، وارتأيت رأيًا في كذا، والرأي: ما ارتأى فلان، وفلان يتراءى برأي فلان: يميل إلى رأيه، ويأخذ به، واسترأيته: طلبت منه رأيه".
قوله: (إذا هيض بعد الجبر): وروي عن المصنف أنه قال: هذا يكون أشد من الكسر، وقد روي أن الحجاج جنس يريد بن المهلب، وكان يعذبه بأنواع العذاب، وكان لا يسمع له
стр. 7962
وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله ﷺ الإيقاع ببني المصطلق، وتصديق قول الوليد، وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم الذين استثناهم بقوله: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ﴾، أي: إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنين، وكان الحجاج يحب أن يسمع له أنينًا ليشفي منه، فقيل له: أن رجله كسرت في حرب كذا وجبرت، فينبغي أن يوضع على تلك الرجل، ففعلوا، فأن.
قوله (من الهنات): وهي خصال في الشر، النهاية: "يقال: في فلان هنات، أي: خصال شر، ولا يقال في الخبر".
الانتصاف: "من هنات المعتزلة توريكهم على عثمان ﵁، وتوقفهم في الحكم بفسق قبله، وقد عرض هاهنا بأنه ولى الوليد عوضًا عن سعد بن أبي وقاص؛ أحد العشرة المبشرة، وعرض به في قوله: "أن من الصحابة من كان تصدر منه هنات"، فافهم من تعرضنا ما عرض به في عثمان ﵁، نسأل الله العصمة".
قوله: (ويزعهم): أي: يكفهم، النهاية: "في الحديث: "من يزع السلطان أكثر ممن يزع القرآن"، أي: يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن يكفه مخافة القرآن والله تعالى، يقال: وزعه يزعه وزعًا، فهو وازع: إذا كفه ومنعه".
قوله: (أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم): يعني: نزل التغاير بين الوصفين منزلة التغاير بين الذاتين، وذلك أن العطف بـ"لكن" في الجملتين يوجب التغاير بينهما بالنفي الإثبات، فيقدر معنى قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ بقرينة الحال،
стр. 7963
وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة، التي لا يفطن لها إلا الخواص. وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما بعد كلمة الاستدراك، وبالاستئناف بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ المفيد للتخصيص والتعريض بواسطة ضمير الفصل: ما حبب إلى بعضكم الإيمان؛ تغليظًا، لأن من تصدى لتزيين الرسول ﷺ في الإيقاع بقوم مؤمنين غافلين بريئين، وجسر على ارتكاب تلك العظيمة، لم يكن محبوبًا إليه الإيمان، ويقدر معنى قوله: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾: حبب إلى بعضكم، لأن من تصون من مثل تلك الهنات، ويزعه جده في التقوى عن ارتكابها، كان محبًا للإيمان، فكأنه قيل: ما حبب إلى بعضكم الإيمان، ولكن حبب إلى بعض آخر منكم الإيمان. وهذا أيضًا تفسير لقوله بعد هذا: "المغايرة مفقودة من حيث للفظ، حاصلة من حيث المعنى".
والذي يدل على التغليظ: التعريض بقوله: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ﴾ بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾، وإلى هذا المعنى أومأ الواحدي بقوله: " ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ أي: الرسول ﷺ ، ﴿فِي كَثِيرٍ﴾ مما تخبرونه فيه بالباطل، لوقعتم في عنت، ثم خاطب المؤمنين الذي لا يكذبون، فقال: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ ".
قوله: (وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم): فيه إشارة إلى بيان النظم، يعني: كما رزق أولئك السعداء لزوم التأدب في حضرة الرسالة من خفض الصوت، أرشدوا إلى تصديق ما قاله الرسول ﷺ ، وإلى امتثال ما يقدم إليه، فيلزم من هذا أن الباقين هم الذين حرموا توفيق التأدب بحضرته، فوقعوا في العنت، فيكون قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ﴾ الآيتين، كالاستطراد لحديث رفع الصوت.
وفيه: أن التأدب رأس الحسنات، وأساس الخيرات.
стр. 7964
وقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ -والخطاب لرسول الله ﷺ ، أي: أولئك المستثنون هم الراشدون- يصدق ما قلته.
فإن قلت: ما فائدة تقديم خبر "أنَّ" على اسمها؟ قلت: القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله منهم؛ من استتباع رأي رسول الله ﷺ لآرائهم، فوجب تقديمه لانصباب الغرض إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: أولئك المستثنون هم الراشدون، يصدق ما قلته): التاء في "ما قلته" خطاب للرسول ﷺ ، وفي أكثر النسخ: "يصدق ما قلته"، بضم التاء؛ خبر لقوله: "قوله"، وهو الوجه، يعني: دل ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ منطوقًا ومفهومًا على أن القوم فرقتان، وأن حكم التغاير في الوصف بمنزلة حكم التغاير في الذات، وأن بعد "لكن" بمنزلة المخصص لما قبله.
قوله: (القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأن المقتضي للتوبيخ على استتباعهم رأيه: كونه رسولًا، لا كونه فيهم، فكان أولى بالتقديم، فلعل توجيهه: أن تقديم التوبيخ أهم، و ﴿فِيكُمْ﴾ من جملة كلام التوبيخ، لأن قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ مع جوابه: حال من ﴿فِيكُمْ﴾، فتقديم جزء التوبيخ كتقديمه، لكن إنما يتمشى لو استقل أن ﴿فِيكُمْ﴾ مع الشرطية كلامًا، ولكن قوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ عمدة جملة التوبيخ معنى وإعرابًا، فلا استبداد بدونه، فليتأمل.
وقلت: قد تقرر عند علماء البيان: أن في تقديم ما رتبته التأخير من جزء الجملة إيذانًا بأن الكلام فيه، لأنهم يقدمون الأهم، وهاهنا التوبيخ وإن كان واردًا على الجملة، على كونه رسولًا كما سبق، لكن في تقديم الظرف تتميم لذلك المعنى، واستبعاد له؛ لأن المعنى: أتستتبعون رأيه لرأيكم، وأنه رسول من الله، ومهبط وحيه، فكيف وهو مستقر فيكم، وأنتم بين يديه شاهدين مجلسه، ولستم غائبين كغيركم. نزلهم لذلك الفعل كأنهم اعتقدوا أنه غائب عنهم، فلو أخر ﴿فِيكُمْ﴾ لم يتفطن لتلك النكتة السرية، ولا يتفطن لأمثالها إلا أمثال المصنف.
стр. 7965
فإن قلت: فلم قيل: ﴿يُطِيعُكُمْ﴾ دون: أطاعكم؟ قلت: للدلالة على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه، وأنه كلما عنّ لهم رأي في أمر كان معمولًا عليه، بدليل قوله: ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ كقولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد: أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرًّا.
فإن قلت: كيف موقع ﴿لكِنْ﴾ وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيًا وإثباتًا؟ قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدّم ذكرهم، فوقعت "لكنّ" في حاق موقعها من الاستدراك.
ومعنى "تحبيب الله" و"تكريهه": اللطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكناية، كما سبق،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما سبق): قيل: ما سبق هو قوله: "أن بعضهم كانوا نون، ويزعهم جدهم في التقوى"، ولعل هذا القائل ظن أن الكاف متعلق بقوله: "وسبيله الكناية"، وليس به؛ لأن هذا السابق ليس بكناية عن اللطف والإمداد والتوفيق، بل هو متصل بقوله: "حاصلة من حيث المعنى"، وما توسط بينهما تفسير لمعنى تحبيب الله، واعتراض بين المتعلق والمتعلق، ذلك أنه سأل: أن مقتضى "لكن" في هذا الكلام مفقود، وأجاب: أن مقتضاها حاصل من حيث المعنى، وأن ما بعدها موصوف بما يلزم منه مغايرة ما قبلها.
ومثل هذا المعنى سبق عند قوله: "ولكنه أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم"، كما سبق شرحه قبيل هذا.
وأما بيان الكناية: فإن قوله: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾، ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ﴾: لازمان للطف والتوفيق، كما أن محبه الكفر وكراهية الطاعة رديفان للخذلان، ومثل هذا المعنى ما سبق في الكلام، وعندنا إسناد المحبة والكراهية إلى الله حقيقة.
стр. 7966
وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله، وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثنى عليهم بفعل الله، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة): هذا استدلال على أن المراد بتحبيب الإيمان وتزيينه في القلب وتكريه الكفر: اللطف والتوفيق كناية، لأنه تعالى خلق في قلوبهم الإيمان وكراهة الفسق تحقيقًا وتصريحًا بدليل عقلي، بل وجداني ضروري.
قال صاحب "التقريب": وما أثنى على المؤمنين بالتحبيب والتكريه، وهما فعل الله تعالى، ولا يمدح الرجل بفعل غيره، لأن مدحهم بوجود المحبب فيهم لا بالتحبيب، كما يصح المدح بالجمال والحسن.
الانتصاف: "ترك الزمخشري الحق لخيال اعتمده في الشاهد؛ أن الإنسان لا يمدح بفعل غيره، وأبطل ما صرحت به الآية من نسبة ذلك إلى الله وحده، وكيف تترك أدلة العقل وصريح النقل في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وأمثاله، بقياس الغائب على المشاهد، فهذا تحريف لكتاب الله، فإن الله تعالى أعطى وأثنى، ومنح ومدح، ولا موجود إلا الله وصفاته وأفعاله بعضها محل بعض، فماذا يقول في ثناء الله على رسله باصطفائه لهم، أهو بها اكتسبوه، أو بما وهبهم فاتهبوه؟ فإن قال بالأول خرج عن الملة، وإن قال بالثاني فسلم الأمر".
وقال الإمام: "المعني بقوله: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: قربه إليكم، وأدخله في قلوبكم، ثم زينه فيها، بحيث لا تفارقونه، ولا يخرج من قلوبكم، ومن أحب شيئًا وطال لبثه فيه فقد يمل، والإيمان كل يوم يزداد فيه نشاطًا، بل كل من كانت عبادته أكثر، وتحمله لمشاق التكاليف أتم، كان ذلك عنده ألذ وأكمل، ولهذا قال في الأول: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ﴾، وفي الثاني: ﴿وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، كأنه قربه إليهم، ثم أقامه فيهم".
стр. 7967
فإن قلت: فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه، وذلك فعل الله، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود؟ قلت: الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء، ووسامة المنظر -في الغالب- يسفر عن مخبر مرضي وأخلاق محمودة، ومن ثم قالوا: أحسن ما في الدميم وجهه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: (قوله: "وحمل الآية على ظاهرها يؤدي إلي أن يثنى عليهم بفعل الله" بعيد عن المقام؛ لأن ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ غير وارد على المدح، بل على سبيل الامتنان، وأنه تعالى هو_ بفضله وكرمه_ اختصهم به ليحمدوه على ذلك الإنعام، لا أنه يمدحهم، ولذلك قرره بقوله: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ والْعِصْيَانَ﴾ على سبيل الطرد والعكس، ثم فرع عليه قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ مدحًا وتعريضًا، فأثبت الخلق أولًا، وقرنه بالكسب ثانيًا، ومدحهم عليه.
قوله: (في الغالب يسفر عن مخبر مرضي): قيده ب"الغالب"، لئلا يرد نحو قول أبي الطيب:
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له .... إذا لم يكن في فعله والخلائق
ونظر حكيم إلى غلام حسن، فاستنطقه، فرآه بليدًا، فقال: نعم البيت لو كان فيه ساكن.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]، قال: "شبهوا بالأصنام في حسن صورهم وقلة جدواهم". وروينا عن مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم"، والحق أن تلك الأخلاق الفاضلة يحدثها الله تعالى، ويزرعها أين شاء، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨].
стр. 7968
فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته، ولكن لدلالته على غيره، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك، وخطأ المادح به، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير، وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة، وما يتشعب منها، ويرجع إليها، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل: غلطًا ومخالفة عن المعقول.
والْكُفْرَ: تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود، والْفُسُوقَ: الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر، وَالْعِصْيانَ: ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته): أي: لم يجعلوا حسن المنظر من صفات المدح أصالة؛ لما ينبغي أن يستعمل المدح في الفضائل الاختيارية، وإذا استعمل في غيرها أول ما يؤول إليها، فذهب فيه إلى الحقيقة والمجاز، وذهب القاضي إلى أنه للقدر المشترك حيث قال" المدح: هو الثناء على الجميل مطلقًا"، وقال الجوهري: "المدح: الثناء الحسن"، وقال الراغب: "كل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا"، وقال الإمام: "يقال: مدحت اللؤلؤة والفرس، ولا يقال: حمدتهما".
قوله: (والكفر تغطية نعم الله وغمطها بالجحود): الراغب: "الكفر: عبارة عن الستر، وكفر النعمة: سترها، وحقيقة الكفر: ستر نعمة الله، وأعظم الكفر ما كان مقابلًا لأعظم النعم، وهو ما يتوصل به إلى الإيمان واستحقاق الثواب، ومن قابل تلك النعمة بالكفران، فهو الكافر المطلق، ولذلك صار الكفر في الإطلاق: جحود الوحدانية والنبوة والشرائع".
стр. 7969
والعرق العاصي: العاند، واعتصت النواة: اشتدّت. والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه؛ من الرشادة، وهي الصخرة، قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة، وأنشد:
وغير مقلّد وموشّمات .... صلين الضّوء من صمّ الرّشاد
و﴿فَضْلًا﴾ مفعول له، أو مصدر من غير فعله.
فإن قلت: من أين جاز وقوعه مفعولًا له، والرشد فعل القوم، والفضل فعل الله، والشرط أن يتحد الفاعل؟ قلت: لما وقع "الرشد" عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه، مسندة إلى اسمه تقدست أسماؤه، صار الرشد كأنه فعله، فجاز أن ينتصب عنه، أو لا ينتصب عن ﴿الرَّاشِدُونَ﴾، ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى، والجملة التي هي: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ اعتراض، أو عن فعل مقدر، كأنه قيل: جرى ذلك -أو كان ذلك- فضلًا من الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والعرق العاصي): هو الذي لم يرقأ دمه، الأساس: "ومن المجاز: عرق عاص لا يرقأ دمه".
قوله: (وغير مقلد) البيت: "المقلد": هو الوتد، و"الموشمات": حجارة الأثافي، صليت الرجل النار: أدخلته النار، أي: لم يبق من الدار سوى الأوتاد التي تقلد بها الحبال وأحجار الأثافي، وقيل: يصف يعملات غير مقلدات يسرعن في السير بالقوة، بحيث تظهر النار من الأحجار في سيرها.
قوله: (لما وقع "الرشد" عبارة عن التحبيب): أي: كناية عنه، لأن "الرشد" دل على تحبيبهم، وتحبيبهم على أن الله حبب إليهم.
стр. 7970
وأما كونه مصدرًا من غير فعله، فأن يوضع موضع "رشدًا"، لأنّ رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه. والفضل والنعمة: بمعنى الإفضال والإنعام.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل، ﴿حَكِيمٌ﴾ حين يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الانتصاف: "قد بينا أن "الرشد" مخلوق لله تعالى، فلا سؤال من هذا الوجه، بل من جهة أن الله تعالى خاطب خلقه باللغة المعهودة، وفيها نسبة الفعل إلى فاعل حقيقة كان أو مجازًا، فـ"زيد" في "مات زيد": فاعل، وقد نسب"الرشد" إليهم على أساس أنهم فاعلوه، وإن كان مجازًا في الاعتقاد، فيجاب عنه بجواب الزمخشري، أو بأن الرشد هاهنا يستلزم كون الله مرشدًا، إذ هو مطاوع" أرشده فرشد"، فتصح المطابقة. وهو عكس قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]، لأنهم هناك مفعولون في معنى الفاعلين، فصح بواسطته استلزام المطاوعة، فتصحح مسألة البرق بتقدير المفعول، وتصحح هذه بتقدير الفاعل".
وقلت: لعل تقدير الأول: هو الذي يريكم البرق فرأيتموه خائفين طامعين، والثاني: أولئك هم الراشدون بأن أرشدهم الله فضلًا ونعمة.
قوله: (وأما كونه مصدرًا من غير فعله): ذكر أن ﴿فَضْلًا﴾: إما مفعول له أو مصدر، وكما فرع من بيان الأول، شرع في بيان الثاني، وقال: أما كونه مصدرًا من غير فعله، فإن الأصل: أولئك هم الراشدون رشدًا، فوضع موضع"رشدًا": ﴿فَضْلًا﴾؛ لأن رشدهم كان مسببًا عن فضل الله، ولولا فضله لما رشدوا.
وقوله: (يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم): والضمير للصحابة، والأفاضل: من حبب إليه الإيمان، كما قال: "لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المقدم ذكرهم".
стр. 7971
[﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٩]
عن ابن عباس ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار، وهو على حمار، فبال الحمار، فأمسك عبد الله ابن أبي بأنفه، وقال: خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه، فقال عبد الله بن رواحة: والله إنّ بول حماره لأطيب من مسكك -وروى: حماره أفضل منك، وبول حماره أطيب من مسكك-، ومضى رسول الله ﷺ ، وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا، وجاء قوماهما، وهما الأوس والخزرج، فتجالدوا بالعصي -وقيل: بالأيدي والنعال والسعف-، فرجع إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم، ونزلت. وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.
والبغي: الاستطالة والظلم وإباء الصلح، والفيء: الرجوع، وقد سمى به الظل والغنيمة، لأنّ الظل يرجع بعد نسخ الشمس،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقف رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار) الحديث: مخرج في "الصحيحين" عن أنس من غير هذه الرواية، وأوردناه في أول البقرة.
قوله: (وهما الأوس والخزرج): قيل ابن رواحة: خزرجي، وابن أبي: أوسي.
قوله: (وقد سمي به الظل والغنيمة، لأن الظل يرجع) إلى آخره: الراغب: "الفيء: الرجوع إلى حالة محمودة، قال تعالى: ﴿فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ﴿فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
стр. 7972
والغنيمة: ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين. وعن أبي عمرو: "حتى تفي" بغير همز؛ ووجهه: أنّ أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين الملتقيتين، فلطفت على الراوي تلك الخلسة، فظنه قد طرحها.
فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿اقْتَتَلُوا﴾، والقياس: "اقتتلتا" كما قرأ ابن أبي عبلة، أو "اقتتلا" كما قرأ عبيد بن عمير؛ على تأويل الرهطين أو النفرين؟ قلت: هو مما حمل على المعنى دون اللفظ، لأنّ "الطائفتين" في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله: "حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإن فاءوا فخذوا بينهم بالقسط".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ومنه: فاء الظل، وقيل للغنيمة التي لا يلحق بها مشقة: فيء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٧]، قال بعضهم: سمي ذلك بالفيء الذي هو الظل، تنبيها على أن أشرف أعراض الدنيا يجرى مجرى ظل زائل، والفئة: الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلى بعض في التعاضد".
قوله: (ووجهه: أن أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين): أي: في "تفيء" وفي "إلى"، قال بعضهم: هذه الرواية خلاف المذهب، لأن أبا عمرو خفف الثانية لا الأولى.
قوله: (هو مما حمل على المعنى دون اللفظ): الانتصاف: "قد أنكر النحاة الحمل على لفظ "من" بعد الحمل على معناها، وفي الآية حمل على المعنى بقوله: ﴿اقْتَتَلُوا﴾، ثم على اللفظ بقوله: ﴿بَيْنَهُمَا﴾، والفرق: أن "من" فيها إيهام، فيلزم الإيهام بعد التفسير، وأما "الطائفة" فلا إيهام فيها، إذ لفظها مفرد أبدًا، ومعناها جمع أبدًا".
стр. 7973
وحكم الفئة الباغية: وجوب قتالها ما قاتلت -وعن ابن عمر: "ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدته من أمر هذه الآية، إن لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرنى الله"، قاله بعد أن اعتزل-، فإذا كافت وقبضت عن الحرب أيديها تركت، وإذا تولت عمل بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: يا ابن أم عبد، هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمّة؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيؤها».
ولا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما: إما أن تقتتلا على سبيل البغي منهما جميعًا، فالواجب في ذلك: أن يُمشى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم تتحاجزا ولم تصطلحا وأقامتا على البغي: صير إلى مقاتلتهما.
وإما أن يلتحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب: إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة، واطلاعهما على مراشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج، ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به، من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يجهز على جريحها): يقال: أجهرت على الجريح: إذا أسرعت بقتله وأتممت عليه، النهاية: "في حديث علي ﵁: "لا يجهز على جريحهم"، أي: من صرع منهم لا يقتل، لأنهم مسلمون، والقصد من قتالهم: دفع شرهم، فإذا لم يكن ذلك إلا بقتلهم قتلوا".
стр. 7974
وإما أن تكون إحداهما الباغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينهما وبين المبغى عليها بالقسط والعدل، وفي ذلك تفاصيل: إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها، ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن، إلا عند محمد بن الحسن ﵀، فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت. وأمّا قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ضمنته عند الجميع.
فمحمل الإصلاح بالعدل في قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ﴾ على مذهب محمد: واضح منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قول غيره: وجهه: أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد، والذي ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد، دون ضمان الجنايات: ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط.
فإن قلت: فلم قرن بالإصلاح الثاني العدل دون الأوّل؟ قلت: لأنّ المراد بالاقتتال في أول الآية: أن تقتتلا باغيتين معًا، أو راكبتي شبهة، وأيتهما كانت: فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي ذلك تفاصيل): أي: في القسط والعدل.
قوله: (إن كانت الباغية): شروع في التفصيل.
قوله: (منطبق على لفظ التنزيل): فإن قوله: ﴿فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا﴾ إلى آخره، يقتضي لزوم الضمان إذا فاءت مطلقًا، قليلة كانت أو كثيرة.
قوله: (أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد): أي: يحتمل حكم الآية على هذا الوجه، دون الوجه الثاني.
قوله: (ليس بحسن الطباق للمأمور به): أي: المأمور به_ وهو العدل، بقوله: ﴿وأَقْسِطُوا﴾ _ مطلق متناول لجميع ما يطلق عليه اسم العدل، وكذا تقييد ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ بقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾،
стр. 7975
إصلاح ذات البين، وتسكين الدهماء بإراءة الحق والمواعظ الشافية، ونفي الشبهة، إلا إذا أصرتا، فحينئذ تجب المقاتلة. وأما الضمان فلا يتجه، وليس كذلك إذا بغت إحداهما، فإنّ الضمان متجه على الوجهين المذكورين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو مستغن عنه، لأن الإصلاح مع الظلم محال، وتذييل الكلام بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾: يقتضي أن العدل مطلوب لذاته، فهو حسن في جميع الأمور، فاختصاصه بأمر دون أمر بعيد، وغير مطابق لهذه التوكيدات، قال في أول النساء: "أن الأمر كله يدور مع العدل، فأين ما وجدتم العدل فعليكم به".
قوله: (ذات البين): قال في أول الأنفال: " ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: أحوال بينكم، يعني: ما بينكم من الأحوال حتى تكون حال ألفة ومحبة واتفاق، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها: ذات البين".
قوله: (وتسكين الدهماء): النهاية: "الدهماء: الفتنة المظلمة، ومنه حديث حذيفة: أتتكم الدهيماء ترمي بالرضف".
قوله: (متجه على الوجهين المذكورين): أحدهما: أن تكون الفئة قليلة العدد، وثانيهما: أن تكون كثيرة على رأي محمد بن الحسن.
стр. 7976
﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم، بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله على عقب النهى عن التقديم بين يديه.
والقسط -بالفتح-: الجور؛ من القَسط، وهو اعوجاج في الرجلين، وعود قاسط: يابس، وأقسطته الرياح. وأمّا القِسط بمعنى: العدل، فالفعل منه: أقسط، وهمزته للسلب، أي: أزال القسط، وهو الجور.
[﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١٠]
هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله -من السبب القريب والنسب اللاصق- ما إن لم يفضل الأخوّة ولم يبرز عليها، لم ينقص عنها، ولم يتقاصر عن غايتها.
ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته، ويركبوا الصعب والذلول؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله): وقال فيه: "هذا كما تقول لمن يقارب بعض الرذائل: لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار".
فعلى هذا قوله: ﴿وأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ من عطف العام على الخاص، أو تذييل للسابق وتقرير له، وقوله: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ تعليل للأمر بالإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين، ولما كان التعليل إنما يؤتى به، فيثبت المعلل ويقرره، قال: "هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح".
قوله: (ما أن لم يفضل): "ما": بمعنى: شيء، و"إن": شرطية، والجواب: "لم ينقص"، والجملة مفعول "عقد".
قوله: (ولم يبرز): لم يفق، الأساس: "برز على الغاية وعلى الأقران".
стр. 7977
مشيًا بالصلح، وبثا للسفراء بينهما، إلى أن يصادف ما وهى من الوفاق من يرقعه، وما استشن من الوصال من يبله، فالأخوة في الدين أحق بذلك وبأشدّ منه. وعن النبي ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما وهى): مفعول "يصادف"، والفاعل: "وقدم المفعول ليعود الضمير في "من يرقعه" إليه، و"وهى" صلة "ما"، ما راعى المناسبة بين "وهى" وبين "يرقعه"، إذ لو قال: "ما خرق ويرقعه"، أو "وهى وقوى"، كان أحسن، راعى بين "استثن" و"يبله".
قوله: (استثن): النهاية: "في حديث عمر بن عبد العزيز: "إذا استثن ما بينك وبين الله فابلله بالإحسان إلى عباده"، أي: إذا أخلق"، ومنه: شنان القربة.
قوله: (من يبله): من قوله صلوات الله عليه: "بلوا الأرحام ولو بالسلام"، أي: بروها بصلتها، وهم يطلقون النداوة على الصلة، كما يطلقون اليبس على القطيعة.
قوله: (المسلم أخو المسلم): الحديث: من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا_ ثلاثًا_، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل
стр. 7978
ولا يخذله، ولا يعيبه، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عنه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره»، ثم قال: «احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل».
فإن قلت: فلم خص الاثنان بالذكر دون الجميع؟ قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم، لأنّ الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين. وقيل: المراد بالأخوين: الأوس والخزرج.
وقرئ: "بين إخوتكم" و"إخوانكم"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله، إلى الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم".
قوله: (بقتار قدره): الجوهري: "القتار: ريح الشواء، وقد قتر اللحم يقتر_ بالكسر_: إذا ارتفع قتاره".
قوله: (وقرئ: "بين إخوتكم وإخوانكم"): قال ابن جني: "قرأ زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن_ بخلاف_: "إخوانكم"، وهي تدل على أن قراءة العامة التي هي: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: لفظها لفظ التثنية، ومعناها: الجماعة، أي: كل اثنين فصاعدًا من المسلمين اقتتلا، والإضافة لمعنى الجنس، نحو قولهم: لبيك وسعديك، فليس المراد به إجابتين اثنتين، ولا إسعادين اثنين، ألا ترى إلى الخليل كيف فسره بقوله: كلما كنت في أمر فدعوتني أجبتك إليه، وساعدتك عليه. ونحوه في إفادة المضاف لمعنى الجنسية: قولهم: منعت العراق قفيزها ودرهمها، أي: قفزانها ودراهمها".
стр. 7979
والمعنى: ليس المؤمنون إلا إخوة، وأنهم خلص لذلك متمحضون، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية، وأبى لطف حالهم في التمازج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع، فبادروا قطع ما يقع من ذلك -إن وقع- واحسموه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فإنكم إن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل، والائتلاف، والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه، وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم، واشتمال رأفته عليكم، حقيقًا بأن تعقدوا به رجاءكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: ليس المؤمنون إلا إخوة، وأنهم خلص لذلك) إلى قوله: (فبادروا قطع ما يقع من ذلك): إشارة إلى ترتيب قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ على وصف الأخوة، وأن في أداة الحصر الدلالة على دفع الزاعم أن أخوة الإيمان متقاصرة عن أخوة النسب، ومفضولة عنها، وإليه الإشارة بقوله فيما سبق: "وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب، والنسب اللاصق، ما أن لم يفضل الأخوة، لم ينقص عنها"، وأن في جعل ﴿إخْوَةٌ﴾ خبرًا لـ ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ﴾ التشبيه الذي في قوله: إنما زيد أسد، ووجه الشبه: هو ما يفهم من قوله: "ثم قد جرت عادة الناس على أنه أن نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه" إلى آخره، ولذلك قال: "فبادروا".
ثم قوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ تذييل للكلام، كأنه قيل: هذا الإصلاح من جملة التقوى، فإذا فعلتم التقوى دخل فيه هذا التواصل، وإليه الإشارة بقوله: "فإنكم أن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل"، ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿فَأَصْلِحُوا﴾، أي: واصلوا بين أخويكم بالصلح، واحذروا الله من أن تتهاونوا فيه.
ثم علل ذلك بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، و"لعل" من الله في الله في هذا المقام: إطماع من الكريم الرحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، ولهذا قال: "وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم"، إلى قوله: "حقيقًا بأن تعقدوا به رجاءكم".
стр. 7980
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١١]
القوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوّام بأمور النساء، قال الله تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال ﵊: «النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه»، والذابون هم الرجال، وهو في الأصل: جمع قائم، كصوّم وزوّر، في جمع: صائم وزائر، أو تسمية بالمصدر، عن بعض العرب: إذا أكلت طعامًا أحببت نومًا وأبغضت قومًا، أي: قيامًا. واختصاص "القوم" بالرجال: صريح في الآية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (النساء لحم على وضم): وفي "الفائق": روي عن عمر ﵁ أنه قال: "ما بال رجال لا يزال [أحدهم] كاسرًا وسادة عند امرأة مغزية، يتحدث إليها وتتحدث إليه، عليكم بالجنبة فإنها عفاف، إنما النساء لحم على وضم، إلا ما ذب عنهن"، كسر الوسادة: أن تثنيه وتتكئ عليه، ثم تأخذ في الحديث؛ فعل الزير، المغزية: التي غزا زوجها، الجنبة: الناحية من كل شيء، الوضم: ما وقيت به اللحم من الأرض".
وكذا روى الميداني قال: "لا يخلون رجل بمغيبة، أن النساء لحم على وضم".
النهاية: "الوضم: الخشبة أو البارية التي يوضع عليها اللحم، تقيه من الأرض، أي: إنهن في الضعف مثل ذلك اللحم الذي لا يمتنع على أحد، إلا أن يذب عنه أو يدفع. شبه عمر ﵁ النساء وقلة امتناعهن على طلابهن من الرجال باللحم ما دام على وضم".
стр. 7981
وفي قول زهير:
أقوم آل حصن أم نساء؟
وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد: هم الذكور والإناث، فليس لفظ "القوم" بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور، وترك ذكر الإناث؛ لأنهن توابع لرجالهن.
وتنكير "القوم" والنساء يحتمل معنيين: أن يراد: لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصد إفادة الشياع،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أقوم آل حصن أم نساء): أوله:
وما أدري وسوف إخال أدري
أما صراحة اختصاص "القوم" بالرجال في الآية: فمن عطف ﴿وضلَا نِسَاءٌ﴾ على ﴿قَوْمٌ﴾، وفي الشعر: من جعل أحد المتساويين يلي الهمزة، والآخر يلي "أم".
قوله: (وأن يقصد إفادة الشياع): الانتصاف: "لو عرف المؤمنين فقال: "لا يسخر المؤمنين والمؤمنات بعضهم من بعض" لعم، ومراد الزمخشري أن في التنكير يحصل أن كل جماعة منهية على التفصيل، والتعرض في النهي لكل جماعة على الخصوص، ومع التعريف نهي الكل لا على التفصيل، بل على الشمول، والنهي على التفصيل أوقع".
وقلت: استغراق الجنس أيضًا مراد منه التفصيل، والمعرف_ بتعريف العهد الذهني_ يفيد التفصيل أيضًا كالنكرة، إذ المعنى: لا يسخر من هو مسمى بالقوم من قوم مثله.
قال ابن جني: "مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته؛ من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته، ألا ترى إلى قول الشاعر:
وأعلم أن تسليمًا وتركًا .... للا متشابهان ولا سواء
стр. 7982
وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية، وإنما لم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة، على التوحيد؛ إعلامًا بإقدام غير واحد من رجالهم، وغير واحدة من نسائهم، على السخرية، واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه، ولأنّ مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر، وكذلك كل من يطرق سمعه، فيستطيبه، ويضحك به، فيؤدي ذلك -وإن أوجده واحد- إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقومًا.
وقوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ كلام مستأنف، قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهي عنه، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء. والمعنى: وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرًا من الساخر، لأنّ الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال، ولا علم لهم بالخفيات، وإنما الذي يزن عند الله: خلوص الضمائر وتقوى القلوب، وعلمهم من ذلك بمعزل، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهذا في المعنى كقولك: أن التسليم والترك لا متشابهان ولا سواء".
قوله: (واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه): يعني: إنما جمع، ولم يقل: "رجل من رجل"، لأن النهي ورد على الحالة الواقعة بين الأقوام، كقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠].
قوله: (يتلهى): أي: طلب منه اللهو والضحك على قول الساخر.
قوله: (ولا يأتي ما عليه): أي: لا يفعل هذا الجليس ما يجب عليه من نهي المنكر.
стр. 7983
أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرًا، وأتقى قلبًا، ممن هو على ضدّ صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله، والاستهانة بمن عظمه الله.
ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا، فضحكت منه، خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبًا.
وفي قراءة عبد الله: "عسوا أن يكونوا" و"عسين أن يكن"، فـ"عسى" على هذه القراءة هي ذات الخبر، كالتي في قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وعلى الأولى: التي لا خبر لها، كقوله: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦].
واللمز: الطعن والضرب باللسان. وقرئ: "ولا تلمزوا" بالضم، والمعنى: وخصوا أنفسكم -أيها المؤمنون- بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم، ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ : «اذكروا الفاجر بما فيه، كي يحذره الناس»، وعن الحسن في ذكر الحجاج: أخرج إلي بنانًا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو غير لبيق): الجوهري: "اللبيق: الرجل الحاذق".
قوله: (قلما عرقت فيها الأعنة): وعن بعضهم: أي: يأخذ بالأعنة في الجهاد حتى يعرق ويبتل بالعرق.
وقلت: هو مما روينا عن مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من خير معاش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة_ أو فزعة_ طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه".
стр. 7984
ثم جعل يطبطب شعيرات له، ويقول: يا أبا سعيد، يا أبا سعيد. وقال لما مات: اللهم أنت أمته، فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته، ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله، وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها الرجل، الصلاة أيها الرجل، هيهات دون ذلك السيف والسوط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولو روي بالغين المعجمة لكان وجهًا؛ ليكون من قوله: غرق اللجام بالحلية، ولجام مغرق، منه: الإغراق في القول، وهو المبالغة، وأغرق الرامي النزع. ذكره في "الأساس".
والحاصل أنه كناية عن جبنه، كما قالت الخارجية فيه:
أسد علي وفي الحروب نعامة .... فتخاء تنفر من صفير الصافر
وفي قوله: "بنانًا قصيرة" إدماج واستتباع لدلالته على تحقيره خلقًا وخلقًا، أي: قامة وجودًا.
قوله: (يطبطب شعيرات): أي: يحرك شاربه، الجوهري: "الطبطبة: صوت الماء ونحوه، وقد تطبطب".
قوله: (أخيفش): الجوهري: "الخفش: صغر في العين، وضعف في البصر خلقة، والرجل: أخفش"، و"العمش في العين: ضعف الرؤية، مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها، والرجل: أعمش"، ويخطر؛ أي: يتبختر.
قوله: (هيهات): أي: بعد هذا القول، أي: لا يمكن أن يقال له: الصلاة أيها الرجل، لأن دون ذلك السيف، أي: بين يدي أمرهم بالمعروف القتل والضرب.
стр. 7985
وقيل: معناه لا يعب بعضكم بعضًا، لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل: معناه: لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن من فعل ما استحق به اللمز، فقد لمز نفسه حقيقة.
والتنابز بالألقاب: التداعي بها؛ تفاعل من: نبزه، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون، ويقال: النبز والنزب: لقب السوء، والتلقيب المنهي عنه، وهو ما يتداخل المدعوّ به كراهة؛ لكونه تقصيرًا به وذمًّا له وشينًا، فأما ما يحبه مما يزينه وينوّه به فلا بأس به.
روي عن النبي ﷺ : «من حق المؤمن على أخيه: أن يسميه بأحب أسمائه إليه». .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معناه: لا تفعلوا): هو مع ما عطف عليه: عطف على قوله: "وخصوا أنفسكم_ أيها المؤمنون_ بالانتهاء"، فقوله: "أنفسكم": المراد: جنسكم، ومن هو على صفتكم في الإيمان، قال في سورة النساء عند قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]: "من كان من جنسكم من المؤمنين" فإن دليل الخطاب على معنى الاختصاص، وأن من لم يتصف بصفة الإيمان خارج من هذا الحكم، ولهذا قال: "خصوا أنفسكم_ أيها المؤمنون_ بالانتهاء"، وأتى بحديث الحجاج، ويعضده قوله: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾، ومعناه كما قال: "استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان".
وعلى الوجه الثاني: المراد من ذكر "النفس": شدة الاتصال، والإيذان بأن المؤمنين لعلقة الاتحاد في الإيمان كأنهم نفس واحدة، فمن نبز أخاه فقد نبز نفسه. وعلى الثالث: هو من إطلاق المسبب على السبب، يعني: لا تتصفوا بما أن سمع بكم سامع عابكم بسببه.
والوجه الأول فيه تعسف وترخص في غيبة الفاسق، ولذلك غلب محمد بن سيرين الحسن، والوجه الثاني أوجه لموافقته: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾، وقوله: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾، وبقوله: ﴿ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾.
قوله: (روي عن النبي ﷺ : "من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه"):
следующие страницы →