Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.
стр. 8261
وقرئ: (أئنا).
[﴿أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٦٨ - ٧٠].
﴿المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ يريد: الماء العذب الصالح للشرب. و ﴿المُزْنِ﴾ السحاب: الواحدة مزنة. وقيل: هو السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ماء.
﴿أُجَاجًا﴾ ملحا زعاقا لا يقدر على شربه.
فإن قلت: لم أدخلت اللازم على جواب ﴿لَوْ﴾ في قوله ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ونزعت منه هاهنا؟
قلت: إن ﴿لَوْ﴾ لما كانت داخلة على جملتين، معلقة ثانيتهما بالأولى، تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كـ"إن" و"لا" عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في مضموني جملتيها، أن الثاني امتنع لامتنع الأول: افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علما على ذلك، فإذا حذفت بعد "ما" صارت علما مشهورا مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به: لم يبال بإسقاطه عن اللفظ، استغناء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "أئنا") قرأ أبو بكر: بهمزتين مخففتين، والباقون: بواحدة مكسورة.
قوله: (ولم تكن مخلصة للشرط) كأن قيل: لأن الشرط في "لو" تقديري، لأن الشرط إنما هو توقيف أمر على أمر، وذلك إنما يتحقق في الاستعجال، و"لو" للمضي، فلا تكون شرطية تحقيقية.
قوله: ك (فلان الشيء إذا علم) قيل: هو جواب "إذا". وقلت: نعم، إذا قدر محذوف،
стр. 8262
بمعرفة السامع. ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤية أنه كان يقول: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟ فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه، وتساوي حالي حذفه وإثباته لشهرة أمره. وناهيك بقول أوس:
حتى إذا الكلاب قال لها ..... كاليوم مطلوبا ولاطلبا
وحذفه "لم أر" فإذن حذفها اختصار لفظي وهي ثابتة في المعنى، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما؛ على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية ونائب عنه. ويجوز أن يقال: إن هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب، للدلالة على أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن التقدير: إذا حذفت بعدما صارت علمًا فلا بأس به، لأن الشيء إذا علم وشهر موقعه لم يبال بإسقاطه.
قوله: (حتى إذا الكلاب) البيت، المعنى: لم أر مطلوب أراه اليوم، قدمت الصفة وهي "مثل مطلوب" أراه اليوم على الموصوف الذي هو "مطلوبًا"، فصار حالًا، ثم وضع الكاف موضع المثل فصار كما ترى! قال: ذلك حين كان الثور الوحشي يجد في الهرب من كلاب الصيد، وهو الذي يغري الكلب على الصيد، متعجبًا، أي: ما رأى ولا شاهد مطلوبًا مثل هذا الثور من شدة الفرار، ولا طالبًا مثل هذا الكلاب من شدة العدو. وطلبًا جمع طالب، كخادم وخدم.
قوله: (على أن تقدم ذكرها) أي: ذكر اللام في قوله: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾.
قوله: (للدلالة على أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد)
وقلت: ولذلك رتب على أمر المطعوم قوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾
стр. 8263
ألا ترى أنك إنما تسقي ضيفك بعد أن تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى أمر المشروب قوله: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾، والأول أدل على التوبيخ والتعبير على كفران النعم، لمجيئه إخباريًا مفصلًا فيه تصوير خيبتهم وتحسرهم.
روى الواحدي عن أبي عمرو والكسائي: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾: هو التلهف على ما فات، ويقولون: إننا لمغرومون، أي: إنا قد غرمنا الذي بذرنا، فذهب من غير عوض، بل نحن محرومون مما كنا نطلبه من الريع في الزرع.
وأما المعنى الثاني فتقريره: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾، أي: شديد الملوحة كما البحر، فهلا تشكرون أن جعلناه عذبًا؟
وأما الراغب بعد أن فسر ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ بهذا، فقد جعله مقابلًا لقوله: ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾، حيث قال: إنما قدم قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾، لأن الأولى هو خلق الإنسان من فائدة الحرث، وهو الطعام الذي لا يستغني عنه الجسد الحي، وذلك الحب الذي يختبز، فيحتاج بعد حصوله إلى حصول الماء فيعجن ثم إلى النار تعده خبزًا. فإن قيل: فقد قال في الأول: ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وفي الثاني: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾، فما الفائدة؟ قلنا: تنبيه على البعثة والإعادة، فحمل على التذكر ليتفكر في البدء، وليثبت الإعادة، وأما ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾، فإنه بعد قوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي: شديد الملوحة كماء البحر، فلولا تشكرون أن جعله عذبًا. فكل مكان لاق به ما ذكر. ذكره في "غرر التأويل".
وقلت: لو كان مقابلًا لقوله: ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ لكان اللائق أن يذكر بعد ذكر النار على ما رتب الكلام.
стр. 8264
إذا سقيت ضيوف الناس محضا .... سقوا أضيافهم شما زلالا.
وسقي بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة؛ ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب.
[﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَاتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ومَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ٧١ - ٧٤].
﴿تُورُونَ﴾: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والأسفل: الزندة؛ شبهوهما بالفحل والطروقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إذا سقيت ضيوف الناس محضًا) البيت، محضًا، أي: خالصًا، والشبم: البارد، والزلال: الصافي، يصف قومًا بالبخل، ويقول: إذا سقيت الضيوف لبنًا محضًا خالصًا، فإنهم يسقون أضيافهم الماء الصراح.
قوله: (إلا على ثميلة) الأساس: وأنا لا أشرب إلى على ثميلة، وهي بقية العلف في البطن. وفي "النهاية": أصل الثميلة: ما يبقى في بطن الدابة من العلف والماء، وما يدخره الإنسان من طعام أو غيره، وكل بقية ثميلة.
قوله: (﴿تُورُونَ﴾ تقدحونها) الراغب: ورى الزند يرى وريًا، إذا خرجت ناره، وأصله أن تخرج النار من وراء المقدح، كأنما تصور كمونها فيه، فقال:
ككمون النار في حجره
ويقال: فلان واري الزند إن كان منجحًا، وكابي الزند إذا كان مخفقًا.
قوله: (بالفحل والطروقة) الجوهري: طروقة الفحل: أنثاه، يقال: ناقة طروقة الفحل: التي بلغت أن يضربها الفحل، ووجه الشبه ما في كل من الزند والزندة من كمون قدرة الله تعالى، كأنها طالبة من صاحبتها اللقاح الذي هو الاقتداح لتوخي النتيجة.
стр. 8265
﴿شَجَرَتَهَا﴾ التي منها الزناد، ﴿تَذْكِرَةً﴾ تذكيرا لنار جهنم، حيث علقنا بها أسباب المعايش كلها، وعممنا بالحاجة إليها البلوى، لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها، ويذكرون ما أوعدوا به. أو جعلناها تذكرة وأنموذجا من جهنم، لما روي عن رسول الله ﷺ : "ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم".
﴿ومَتَاعًا﴾ ومنفعة ﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ للذين ينزلون القواء وهي الفقر. أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام. يقال: أقويت من أيام، أي لم آكل شيئاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تذكرة وأنموذجًا) ﴿تَذْكِرَةً﴾: على التفسير الثاني من التذكير والموعظة، وعلى الأول من الذكر نقيض النسيان.
قوله: (ناركم هذه) الحديث من رواية البخاري ومسلم ومالك والترمذي عن أبي هريرة: "ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". الحديث.
قوله: (أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام) هذا لا طائل تحته! قال الواحدي: المقوي: الذي ينزل بالقواء، وهي الأرض الخالية، أي: ينتفع بها أهل البوادي والأسفار، ومنفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم، لأنهم يوقدونها ليلًا لتهرب السباع، ويهتدي الضال.
وقال عكرمة ومجاهد: المقوين: المستمتعين بها من الناس أجمعين؛ المسافرين والحاضرين، يستضيئون بها في الظلمة، ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز، وعلى هذا القول: المقوي من الأضداد، يقال للفقير: مقو لخلوه من المال، والغني: مقو لقوته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل: إذا صار إلى حال القوة، والمعنى: متاعًا للأغنياء والفقراء لأنه لا غنى لأحد عنها.
ولما ذكر الله تعالى ما يدل على توحيده، وما أنعم به عليهم، قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾، أي: فنزه الله مما يقولون في وصفه.
стр. 8266
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك، أو أراد ب"الاسم": الذكر، أي: بذكر ربك. و ﴿العَظِيمِ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه.
والمعنى: أنه لما ذكر ما دل على قدرته وإنعامه على عباده قال: فأحدث التسبيح,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأحدث) قيل: إنما أحدث لأنه ﷺ كان مشتغلًا بالتسبيح غير معرض عنه، والمراد بالإحداث: الاستمرار.
وقلت: هذا عكس ما يقتضيه لفظ الإحداث، ولكن المراد: إذا أحطت بما ذكر لك من بيان القدرة الكاملة، وبما أنعم به على الخلق، فجدد التسبيح لذلك تنزيهًا لجلالة شأنه أو تعجبًا من كفران إنعامه، أو شكرًا على ما أولاه من إحسانه.
وبيانه: أن لفظ التسبيح من حيث وضعه بإزاء التنزيه عن النقائض وعما يصفه الجاهلون تنزيه، ولما كان ورود هذا الكلام في الرد على منكري الحشر والنشر، ومنكره منكر لقدرته الكاملة وعلمه الشامل، ومكذب لما نص ووعد وأوعد، على ما ورد في الحديث القدسي: "كذبني ابن آدم … " إلى "أن يعيدني كما بدأني". كان تنزيهًا عما يقول الظالمون.
ومن حيث المفهوم والاستعمال وأنهم يسبحون الله عند رؤية كل عجيب من صنائعه كان كلمة تعجيب، وما يتعجب منه في هذا المقام: إما تقرير خلق الإنسان من ماء مهين، وإخراج الزرع من ماء المزن، وري النار من الزند، وإما غمطهم هذه النعم الجسيمة والأيادي الظاهرة، ومن حيث النظر إلى كونه ذكرًا لله ووصفًا له بالجلال والعظمة والملكوت بعد عد النعم المتكاثرة، كان حمدًا له وشكرًا لأياديه. والله أعلم.
قوله: (أو أراد "بالاسم": الذكر) عن بعضهم: الباء سببية لا صلة ولا زائدة، وحاصلة: إما إضمار أو مجاز.
وقلت: تقديره: نزه الله إما بواسطة ذكر اسمه تعالى، أو بواسطة ذكره، ويجوز أن يجرى على ظاهره من غير إضمار ولا مجاز، قالوا في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]:
стр. 8267
وهو أن يقول: سبحان الله، إما تنزيهًا له عما يقول الظالمون الذين يجحدون وحدانيته ويكفرون نعمته، وإما تعجبًا من أمرهم في غمط آلائه وأياديه الظاهرة، وإما شكرًا لله على النعم التي عدها ونبه عليها.
[﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾ ٧٥ - ٨٠]
﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ معناه: فأقسم. و"لا" مزيدة مؤكدة مثلها في قوله: ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]. وقرأ الحسن: (فلأقسم)، ومعناه: فلأنا أقسم، اللام لام الابتداء دخلت على جملة من مبتدأ وخبر، وهي: أنا أقسم، كقولك: "لزيد منطلق" ثم حذف المبتدأ، ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين، أحدهما: أن حقها أن تقرن بها النون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح. والثاني: أن "لأفعلن" في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما يجب تنزيه ذاته وصفاته تعالى عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب، وهذا أبلغ، لما يلزم ذلك بالطريق الأولي على سبيل الكناية الرمزية.
[قوله: ] ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾، "لا" زائدة، ويجوز أن يكون ردًا لما يقوله الكافر في القرآن؛ من أنه سحر وشعر وكهانة، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم. تم كلام الواحدي رحمه الله تعالى.
قوله: ("فلأقسم"، ومعناه: فلأنا أقسم) إنما قدر المبتدأ لأن لام الابتداء لا تدخل على الجملة الفعلية.
قوله: (وفعل القسم يجب أن يكون للحال) قال ابن جني: "لأقسم" قراءة الحسن والثقفي أي: لأنا أقسم؛ فإن جميع ما في القرآن من الإقسام إنما هو على حاضر الحال، لا
стр. 8268
﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بمساقطها ومغاربها، ولعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالًا مخصوصةً عظيمةً، أو للملائكة عبادات موصوفةً، أو لأنه وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين، ونزول الرحمة والرضوان عليهم؛ فلذلك أقسم بمواقعها، واستعظم ذلك بقوله: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على وعد الإقسام، نعم لو أريد الفعل المستقبل لزمت فيه النون، فقيل: لأقسمن، وحذفها ضعيف جدًا.
قوله: (ولعل لله تعالى في آخر الليل، إذا انحطت النجوم إلى المغرب، أفعالًا مخصوصة عظيمة)، وقلت: ولذلك ورد عن الصادق المصدوق: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له". أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
وروى الترمذي عن أبي أمامة: قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات".
قال صاحب "الجامع": النزول والصعود والحركة والسكون من صفات الأجسام، والله تعالى يتقدس عن ذلك، والمراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد وتخصيصه لها بالثلث الآخر من الليل، لأن ذلك وقت التهجد وقيام الليل، وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله تعالى، وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله تعالى موفرة، فهو مظنة القبول والإجابة.
стр. 8269
تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أو أراد بمواقعها: منازلها ومسايرها، وله تعالى في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف. وقوله: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ اعتراض في اعتراض؛ لأنه اعتراض به بين القسم والمقسم عليه، وهو قوله: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ واعتراض بـ ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ بين الموصوف وصفته.
وقيل: مواقع النجوم: أوقات وقوع نجوم القرآن، أي: أوقات نزولها.
﴿كَرِيمٌ﴾ حسن مرضي في جنسه من الكتب، أو نفاع جم المنافع، أو كريم على الله.
﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهم المطهرون من جميع الأدناس، أدناس الذنوب وما سواها: إن جعلت الجملة صفةً لـ ﴿كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ وهو اللوح. وإن جعلته صفةً للقرآن؛ فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، يعني مس المكتوب منه، ومن الناس من حمله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اعتراض في اعتراض) فإن قوله: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾، اعتراض بين القسم وجوابه مقرر للتوكيد، وتعظيم للمحلوف به، وقوله: ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض بين الصفة والموصوف توكيد لذلك التعظيم، أي: لو علم ذلك لوفى حقه من التعظيم.
قوله: (﴿كَرِيمٍ﴾ حسن مرضي في جنسه) هذا على أن الكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، كقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧].
وقوله: (أو نفاع جم المنافع) هذا على أن يستعار الكريم ممن يقوم به الكريم من ذوي العقول لغيرهم، وقوله: "أو كريم على الله"، هذا على أن متعلق ﴿كَرِيمٍ﴾ محذوف.
وقوله: (وإن جعلته صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة)، وكيفية الاستدلال على هذا المطلوب: هو أنه تعالى لما أقسم على أن القرآن في نفسه كريم مرضي في جنسه، ثم وصفه بأنه بمنزلة عظيمة عنده، حيث صانه عن كل وصمة ونقيصة،
стр. 8270
على القراءة أيضًا، وعن ابن عمر: أحب إلي أن لا يقرأ إلا وهو طاهر، وعن ابن عباس في رواية أنه كان يبيح القراءة للجنب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم أتبع الكل بقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾، أي: مالك السماوات والأرضين، ووسط بينهما قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ﴾، دل على أن هذه الصفات ثابتة له ذاتية، ومن شأنه أن يكون كذلك، ولا ينبغي غير ذلك، وعليه ما ورد: "المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه" الحديث.
فهو إخبار في معنى الأمر كما في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]، والمعنى على الوجه الأول: إن هذا الكتاب كريم على الله تعالى، ومن كرمه أنه أثبته عنده في اللوح المحفوظ وعظم شأنه بأن حكم ألا يمسه إلا الملائكة المقربون، وصانه عن غير المقربين، فيجب أن يكون حكمه عند الناس كذلك، بناء على أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، لأن مساق الكلام لتعظيم شأن القرآن، وعلى كرمه ورد الإقسام، ومجيء ذكر الكتاب المكنون تابع لذكره، يدل عليه قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ﴾، أي: بمثل هذا العظيم الشأن، الموصوف بصفات الكمال أنتم متهاونون؟
روينا عن الإمام مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، وقال مالك: لم يكره ذلك لأنه يدنسه الأيدي، وإنما كره ذلك إكرامًا للمصحف بأن يحمله غير طاهر، وأحسن ما سمعت في معنى هذه الآية أنها بمنزلة قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
وعن الدارمي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "القرآن أحب إلى الله من السماوات والأرض ومن فيهن".
стр. 8271
ونحوه قول رسول الله ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" أي: لا ينبغي له أن يظلمه أو يسلمه.
وقرئ: ﴿المُتَطَهَّرُونَ﴾، و (المطهرون) بالإدغام. و (المطهرون)، من: أطهره بمعنى طهره، و (المطهرون) بمعنى: يطهرون أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم.
والوحي الذي ينزلونه ﴿تَنزِيلٌ﴾ صفة رابعة للقرآن، أي: منزل من رب العالمين، أو وصف بالمصدر؛ لأنه نزل نجومًا من بين سائر كتب الله تعالى، فكأنه في نفسه تنزيل؛ ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه، فقيل: جاء في التنزيل كذا، ونطق به التنزيل. أو هو تنزيل على حذف المبتدأ، وقرئ: (تنزيلًا) على: نزل تنزيلًا.
[﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ * وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٨١ - ٨٢]
﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ﴾ يعني القرآن ﴿أَنتُم مُّدْهِنُونَ﴾ أي: متهاونون به، كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونًا به ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ على حذف المضاف، يعني: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وقرأ علي ﵁: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) وقيل: هي قراءة رسول الله ﷺ ، والمعنى: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونحوه) أي: نحوه في الأسلوب، وأن المراد بقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾: لا ينبغي أن يمسه، والحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة، مضى تمامه في الحجرات. "لا يسلمه"، أي: لا يخذله ولا يتركه بيد العدو. الجوهري: أسلمه: أي خذله.
قوله: (كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه) الراغب: الإدهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجد، كما جعل التقريد، وهو نزع القراد عن البعير، عبارة عن ذلك.
стр. 8272
وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها. والرزق: المطر، يعني: وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم.
وقرئ: (تكذبون) وهو قولهم في القرآن: شعر وسحر وافتراء. وفي المطر: هو من الأنواء، ولأن كل مكذب بالحق كاذب.
[﴿فَلَوْلا إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ ولَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ * وأَمَّا إن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * وأَمَّا إن كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ٨٣ - ٩٦]
ترتيب الآية: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. ﴿فَلَوْلَا﴾ الثانية مكررة للتوكيد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: نزلت في الأنواء) عن الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، قال: "شكركم؛ تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا"، وعن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي عن زيد ابن خالد قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية، في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسول أعلم، قال: "قد أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب". وتفسير النوء قد ذكرناه فيما سبق.
قوله: (﴿فَلَوْلَا﴾ الثانية مكررة للتوكيد) قال أبو البقاء: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ جواب "لولا"
стр. 8273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأولى، وأغنى ذلك عن جواب الثانية، وقيل: عكس ذلك، وقيل: "لولا" الثانية تكرير.
وقيل: ﴿إِن كُنتُمْ﴾: شرط دخل على شرط، فيكون الثاني مقدمًا في التقدير، أي: إن كنتم صادقين، إن كنتم غير مملوكين، فأرجعوا أرواحكم إلى أبدانكم ممتنعين عن الموت.
والمصنف جعل الشرط الأول الأصل على ما عليه الظاهر، حيث قدر: "إن لم يكن ثم قابض، وكنتم صادقين في تعطيلكم"، فعطف الثاني عليه ليؤذن بأن الشرط الثاني كالبيان والتوكيد للأول، فيكون أصل الكلام على تقديره: فهلا إذا بلغت روح المحتضر حلقومه، يا أهل البيت، ترجعونها إلى مقامها إن كنتم صادقين، أنكم غير مربوبين، بل مهملون معطلون، ثم قرن بقوله: ﴿بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾، قوله: ﴿وأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ حالًا لتتميم معنى العجز عن القدرة على الرجع مع كونهم حاضرين ناظرين، ثم قرن به: ﴿ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ ولَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ حالًا أخرى لتتميم معنى أن قربهم لا ينفع وأنهم غير قادرين على الرجع، وقدم أحد الشرطين على جواب "لولا" للاهتمام كما ترى.
وأما الواحدي فلخص المعنى وقال: إن كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، ولا إله يحاسب ويجازي، فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك بوجه فاعلموا أن الأمر إلى غيركم، وهو الله تعالى، ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت بقوله: ﴿فَأَمَّا إن كَانَ﴾ الذي بلغت روحه الحلقوم ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ عند الله، فله روح إلى قوله: ﴿وأَمَّا إن كَانَ﴾ أي: المتوفى ﴿مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ﴾، ﴿وأَمَّا إن كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ﴾: أي بالبعث، ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي: فنزله ﴿مِّنْ حَمِيمٍ﴾.
وقلت: النظم يساعد هذا القول: لكن إنما يتم إذا قلنا: إن المنكرين للبعث، ما أنكروه بطريق إيراد الشبه كالدهرية والطبيعيين، بل لأنه ألهاهم التنعم في الدنيا، والترف بلذاتها
стр. 8274
والضمير في ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ للنفس وهي الروح، وفي ﴿أَقْرَبُ إلَيْهِ﴾ للمحتضر ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غير مربوبين، من دان السلطان الرعية، إذا ساسهم. ﴿ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يا أهل الميت، بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت.
والمعنى: إنكم في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء، إن أنزل عليكم كتابًا معجزًا قلتم: سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولًا قلتم: ساحر كذاب، وإن رزقكم مطرًا يحييكم به قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن التزود لدار الجزاء، بدليل قوله: ﴿إنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الحِنثِ العَظِيمِ﴾، أي: يحلفون ويصرون عليه أن لا بعث ولا حساب، ويقولون: نحن الآن نستوفي لذاتنا من الدنيا، كقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥] أي: ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات لا تنزع عنه.
وفي كلام المصنف: "إنكم في جحودكم .... على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل" أشعار بهذا المعنى. فالفاء في قوله: ﴿فَلَوْلا إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ مسببة عما قبلها، وكذا الفاء في: ﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ﴾، وفي: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾، وهلم جرا إلى الفاءات المصدرات بهمزة الإنكار في: ﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ و ﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ إلى أن يتصل بقوله: ﴿كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾، فلما وبخوا على قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، وهدم باطلهم بأنواع من البراهين القاطعة وعد قبائحهم، قيل لهم: ﴿فَلَوْلا إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾، يعني: إن كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، ونحن الآن طيبون، فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا ﴿بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ إليه وإلى ما هو فيه من السكرات، هل تقدرون أن ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ إلى مقامها ﴿إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم غير مدينين؟ ؟ وإليه الإشارة بقوله: "إن لم يكن ثم قابض، وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت".
قوله: (إذا ساسهم) الجوهري: سست الرعية سياسة، وسوس الرجل أمور الناس على ما لم يسم فاعله، إذا ملك أمرهم.
стр. 8275
والتعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد؟ !
﴿فَأَمَّا إن كَانَ﴾ المتوفى ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة ﴿فَرَوْحٌ﴾ فله استراحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكنتم صادقين في تعطيلكم) فإن قلت: كيف يصح هذا الاستدلال؟ فإن من قال بالتعطيل يحيل الموت إلى طبيعة، لا إلى القادر المختار، فلا يقال لهم: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾؟ قلت: الطبيعي يزعم أنه قادر على تغيير الطبيعة بالمعالجة، فقل لهم: فهلا ترجعون الروح من الحلقوم إن كنتم صادقين في ذلك؟ قال الإمام: الطبيعي عنده أن البقاء بالغذاء، وأن الأمراض زوالها بالدواء ممكن.
قوله: (من الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة) إشارة إلى أن الخاتمة ناظرة إلى الفاتحة، فينبغي أن يراعى النظم على ما قررنا.
قوله: (فله استراحة) فإن قلت: دل هذا على أن قوله: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ﴾، جزاء للشرط، وقد مضى شرطان "أما" و "إن" فجواب أيهما هو؟
قال صاحب "الكشف": تقدير هذا الكلام: مهما يكن من شيء فروح وريحان إن كان من المقربين، فحذف الشرط الذي: هو "يكن من شيء"، وأقام "أما" مقام "مهما" ولم يحسن أن يلي الفاء أما، فأوقع الفصل بين "أما" والفاء بقوله: ﴿فَأَمَّا إن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ لتحسين اللفظ، كما يقع الفصل بينهما بالظرف والمفعول في قوله: أما اليوم فزيد خارج، وقال سيبويه: أما غدًا فلك درهم، فالفاء في ﴿فَرَوْحٌ﴾ وأختيها جواب "أما" دون "إن"، وقال أبو البقاء: جواب أما ﴿فَرَوْحٌ﴾ , وأما "إن" فاستغنى بجواب "أما" عن جوابها لأن جواب "إن" يحذف كثيرًا.
стр. 8276
وروت عائشة ﵁ عن رسول الله ﷺ : (فروح)، بالضم. وقرأ به الحسن وقال: الروح: الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم. وقيل: البقاء، أي: فهذان له معًا، وهو الخلود مع الرزق والنعيم. والريحان: الرزق.
﴿فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ﴾ أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك. كقوله تعالى: ﴿إلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦].
﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] وقرئ بالتخفيف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("فروح" بالضم) عن الترمذي وأبي داود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ: "فروح وريحان". قال ابن جني: معنى هذه القراءة يرجع إلى معنى الروح، فكأنه قيل: فله ممسك روح، وممسكها هو الروح، كما تقول: الهواء هو الحياة، وهذا السماع هو العيش.
قوله: (أي: فهذان له معًا) يعني قوله: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أخبارها محذوفة وهي "له".
فإن قلت: هاهنا أشياء ثلاثة لم جعلها شيئين، حيث قال: و"هو الخلود مع الرزق والنعيم"، وعبر عنها بـ"هذان"؟
قلت: كأنه لمح إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] قال: وقيل: أراد دوام الرزق ودروره، فالروح المتأول بالبقاء، والريحان المفسر بالرزق، بمعنى دوام الرزق ودروره، و"جنة النعيم" مثل كلمة ﴿فِيهَا﴾ أي: في جنات عدن.
قوله: (من إخوانك) من: للابتداء، وفي قوله: "يا صاحب اليمين" إشارة إلى الاختصاص المستفاد من الالتفات في الآية، ونظيره في الالتفات قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٦٤].
стр. 8277
﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قرئت بالرفع والجر عطفًا على"نزل" و ﴿حَمِيمٍ﴾، ﴿إنَّ هَذَا﴾ الذي أنزل في هذه السورة، ﴿لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ أي: الحق الثابت من اليقين.
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: "من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قرئت بالرفع والجر)، الرفع هي المشهورة، والجر شاذ.
قوله: (أي: الحق الثابت مع اليقين) الراغب: اليقين: سكون مع ثبات الحكم، وهو من صفة العلم، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقين.
وأنشد صاحب "التيسير":
لقد أقوت عليك ديار عبس .... عرفت الدار عرفان اليقين
وقيل: هو كقولهم: نفس الحائط، أي: النفس التي هي الحائط، ولذلك قال: "أي: الحق الثابت من اليقين"، وقال البصريون: التقدير حق الأمر اليقين، واليقين: علم يحصل به ثلج الصدور، قيل: هو علم يحصل بالدليل، وقال صاحب "المطلع": هو اسم للعلم الذي زال عنه اللبس، و ﴿حَقٌّ﴾ تأكيد، كما تقول: حق يقين، ويقين حق.
وقال الزجاج" إن هذا الذي قصصنا عليك في هذه السور حق اليقين، كما تقول: إن زيدًا لعالم حق عالم، وإنه العالم حق العالم، إذا بالغت في التوكيد.
قوله: (من قرأ سورة الواقعة) الحديث رواه صاحب "الجامع" عن رزين عن ابن
стр. 8278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقة، وفي المسبحات: آية كألف آية".
تمت السورة
حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ .
* * *
стр. 8279
سورة الحديد
مدنية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والْبَاطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ ومَا يَخْرُجُ مِنْهَا ومَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ومَا يَعْرُجُ فِيهَا وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ويُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١ - ٦]
جاء في بعض الفواتح: ﴿سَبَّحَ﴾ على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع، وكل واحد منهما معناه: أن من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الحديد
مكية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (جاء في بعض الفواتح: ﴿سَبَّحَ﴾ على لفظ الماضي)، وقلت: وجاء في "بني إسرائيل": بلفظ المصدر، وفي "الحديد" والصف": بالماضي، وفي "الجمعة" و"التغابن":
стр. 8280
وذلك هجيراه وديدنه، وقد عدى هذا الفعل باللام تارةً، وبنفسه أخرى في قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩] وأصله: التعدي بنفسه، لأن معنى سبحته: بعدته عن السوء، منقول من سبح: إذا ذهب وبعد، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في: نصحته، ونصحت له، وإما أن يراد بسبح لله: أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصًا.
﴿مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ ما يتأتى منه التسبيح ويصبح.
فإن قلت: ما محل ﴿يُحْيِي﴾؟
قلت: يجوز أن لا يكون له محل، ويكون جملةً برأسها؛ كقوله: ﴿لَهُ مُلِكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧] وأن يكون مرفوعًا على: هو يحيي ويميت، ومنصوبًا حالًا من المجرور في ﴿لَهُ﴾ والجار عاملًا فيها. ومعناه: يحيي النطف والبيض والموتى يوم القيامة، ويميت الأحياء.
﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ هو القديم الذي كان قبل كل شيء ﴿والآخِرُ﴾ الذي يبقى بعد هلاك كل شيء، ﴿والظَّاهِرُ﴾ بالأدلة الدالة عليه، ﴿والْبَاطِنُ﴾ لكونه غير مدرك بالحواس.
فإن قلت: فما معنى الواو؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمضارع، وفي ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: بالأمر، فاستوعب جميع جهات هذه الكلمة، إعلامًا بأن المكونات من لدن إخراجها من العدم إلى الوجود إلى الأبد، مسبحة مقدسة لذاته قولًا وفعلًا، طوعًا وكرهًا، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإليه الإشارة بقوله: "إن من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه"، والضمير المستتر راجع إلى ﴿مَا﴾ في ﴿مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾، وكذا في "هجيراه وديدنه".
قوله: (أحدث التسبيح لأجل الله) قطع ﴿سَبِّحِ﴾ عن متعلقه، وأجراه على إطلاقه، وجعل اللام للتعليل، وعلى الأول اللام متعلق به، ولذلك استشهد بقوله: "نصحته ونصحت له".
стр. 8281
قلت: الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء. وأما الوسطى، فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات، الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن: جامع للظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرك بالحواس. وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الواو الأولى) يريد أن الواوات الداخلة بين الصفات تفيد معنى الجمعية، لكن الواو المتوسطة بين "الأول" و"الآخر" جامعة بين الأولية والآخرية، فالأولية والآخرية صارتا كصفة واحدة، وكذا المتوسطة بين "الظاهر" و"الباطن"، وأما الواو الداخلة بين هاتين القرينتين، أفادت معنى امتزاج تينك الصفتين بهاتين الأخريين، فإذًا لا انقطاع لوصفيته من الظاهرية والباطنية، أزلًا وأبدًا، كما أنه تعالى باطن في الدنيا لا يرى، كذلك باطن في العقبى لا يرى، وإليه أشار بقوله: "هو في جميعها ظاهر وباطن" إلى قوله: "وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة".
الانتصاف: لا دليل في الآية على ما قال، فيجوز أن يحمل على عدم الإدراك بالحاسة في الدنيا وفي الآخرة للكفار، ولنا في الرؤية كالمعتزلة لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فإن قيل: التخصيص خلاف الظاهر أيضًا، فجاز تخصيص الباطن.
وقال حجة الإسلام في "المقصد الأسنى": اعلم أن الأول يكون أولًا بالإضافة إلى شيء، والآخر آخرًا بالإضافة إلى شيء واحد، وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء
стр. 8282
وقيل: الظاهر: العالي على كل شيء الغالب له، من ظهر عليه إذا علاه وغلبه.
والباطن: الذي بطن كل شيء، أي علم باطنه: وليس بذاك مع العدول عن الظاهر المفهوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أولًا وآخرًا جميعًا، بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة، فالله تعالى بالإضافة أول، إذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه، وأما فو فموجود بذاته، وما استفاد الوجود من غيره فهو متأخر عنه، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك، ولاحظت منازل السالكين السائرين إليه فهو آخر ما يرتقي إليه درجات العارفين، وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة إلى معرفته، والمنزل الأقصى هو معرفة الله، فهو آخر بالإضافة إلى السلوك، أول بالإضافة إلى الوجود، فمنه المبدأ أولًا، وإليه المرجع آخرًا، وكذا القول في قوله: "الظاهر والباطن" والله تعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس، وخزانة الخيال، ظاهر إن يطلب من خزانة العقل والاستدلال، وقال أيضًا: إنه تعالى إنما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وكل ما جاوز حده انعكس ضده.
وقال الأزهري: "أول": افعل، وهو تذكير "أولى": فعلى وأصله من: آل يؤول، أي: عاد ورجع، وأول كان في الأصل: أأول، فقلبت أحدى الهمزتين لما اجتمعتا واوًا، وأدغمت إحداهما في الأخرى فصار: أول، والدليل عليه قولهم: أولى، لأن الألف في الأولى فاء الفعل والهمزتان في "أأول" إحداهما ألف أفعل، والثانية فاء الفعل.
وقال أبو إسحاق: هو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والأول هو السابق
стр. 8283
[﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * ومَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ٧ - ٨]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للأشياء كلها، وكان تعالى موجودًا لا شيء معه، ثم أوجد ما أراد، ثم يفنى الخلق كلهم، فيبقى تعالى وحده كما كان في القديم، فيكون آخرًا كما كان أولًا.
وقال الأزهري: وقد يكون الظاهر الباطن بمعنى العالم لما ظهر وبطن، وذلك أن من كان ظاهرًا احتجب عنه الباطن، ومن كان باطنًا استتر عنه الظاهر، فإن أردت أن تصفه بالعلم قلت: هو ظاهر باطن، مثله قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، أي: لا شرقية فقط، ولا غربية فقط، ولكنها شرقية غربية، فظهر على علم كل شيء بعلمه وبطن علم كل شيء بخبره، ويقال: ظهرت على فلان: إذا غلبته، وظهرت على السطح: إذا علوته، وظهرت على سر فلان: إذا عثرت عليه.
وقلت: هذا هو الوجه وإن قال: "وليس بذاك"، بعدما قال: "الظاهر: العالي على كل شيء، الغالب له"، وينصره ما روينا عن الإمام أحمد ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر".
فالمعني بالظاهر في التفسير النبوي: الغالب الذي يغلب ولا يغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء، إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن أن لا ملجأ ولا منجى دونه يلتجئ إليه ملتجئ، وهذه الأوصاف التي أجريت على الاسم الجامع بعد الحكم بأن الكائنات بأسرها مسبحة له طوعًا وكرهًا، وفعلًا وقولًا، دلت على عليتها، وكرر ضمير
стр. 8284
﴿مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها، وخولكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه. أو ﴿جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ﴾ ممن كان قبلكم فيما في أيديكم: بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينتقل منكم إلى من بعدكم؛ فلا تبخلوا به، وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم.
﴿لا تُؤْمِنُونَ﴾ حال من معنى الفعل في"ما لكم"، كما تقول: ما لك قائمًا، بمعنى: ما تصنع قائمًا، أي: وما لكم كافرين بالله. والواو في ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ واو الحال، فهما حالان متداخلتان. وقرئ: (وما لكم لا تؤمنون بالله ورسوله والرسول يدعوكم). والمعنى: وأي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرفوع ليدل على استقلال كل فقرة صدرت به على سبيل استبدادها تعليلًا، وما ترك فيه العاطف جعل الرابط معنويًا، وهو الاستئناف.
قوله: (ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين)، فسر ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ به ليجمع بين دليلي النص القاطع، والعقل الهادي، لأن المراد بقوله: ﴿وقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ ما ركب فيهم من العقول، فقوله: "وقبل ذلك" مؤذن بأن قوله: ﴿وقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾، حال من الضمير المنصوب في ﴿يَدْعُوكُمْ﴾، ويحتمل العطف على الجملة برأسها، فيكون حالًا معطوفة على مثلها لا متداخلتان، فلا يقدر "قبل ذلك"، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه وهذه، ويكون تقديم دليل السمع على العقل لشرفه والتعويل عليه كما سبق مرارًا.
стр. 8285
وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان: حيث ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما قوله: "بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول ﷺ "، فمخالف لهذا لأنه مبني على مذهبه، وعلى التقدير الذي قدره، وينصر ما ذكرنا من أن التعويل على الدليل السمعي، وأنه هو الهادي المرشد، والعقلي تابع، تعقيب الآية بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ امتنانًا وتقريرًا للاهتمام، وأنه لولاه لما حصل الإيمان، وفي قوله: "ليخرجكم الله بآياته من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان"، إشارة إلى هذا المعنى.
قوله: (حيث ركب فيكم العقول) الانتصاف: ولا عليه أن يحمل العهد على حقيقته، وهو المأخوذ يوم الذر، وكل ما أجازه العقل وورد بها لشرع وجب الإيمان به.
وقال محيي السنة: أي أخذ ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم بأن الله ربكم لا إله لكم سواه. قال مجاهد: وقيل: أخذنا ميثاقكم بإقامة الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول ﷺ .
وقلت: يمكن أن يقال إن الضمير في "أخذ" إن كان لله تعالى، فالمناسب أن يراد بالميثاق ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ إلى آخره [البقرة: ٣٨]، لأن المعنى: "فإما يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم، وكتاب أنزله عليكم" كما صرح المصنف في تفسيره، يدل على الأول قوله: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا﴾ وعلى الثاني: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ إن كان للرسول ﷺ فالظاهر أن يراد بالميثاق ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] على أن يضاف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق عليه، أي: الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، وهو الوجه لأن الخطاب مع الصحابة
стр. 8286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمراد بالإنفاق: الإنفاق في سبيل الله، يدل عليه قوله: : ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ ولعل الميثاق نحو ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقول في الله ولا نخاف لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ ، الحديث.
وأما قضية النظم فإنه تعالى لما قال: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ووضع موضع: مما رزقناكم، كما في سائر المواضع قوله: ﴿مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ تسهيلًا على بذلها وإيذانًا بأن الأموال عواري ودول، كما قيل:
وحسبك قول الناس فيما ملكته .... لقد كان هذا مرة لفلان
فصله بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وبقوله: ﴿ومَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخره، وكان التقابل الحقيقي: والذين لم يؤمنوا ولم ينفقوا لهم عقاب أليم، ولما أن الكلام في الحث والتعريض والتوبيخ على التهاون في الإنفاق، قيل: ﴿ومَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، ﴿ومَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وأوقع للأول قوله: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾، حالًا مقررة لجهة الإشكال. وقوله: ﴿وقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ حال أخرى كذلك، على سبيل التداخل، والثاني قوله: ﴿ولِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ وهو ينظر إلى قوله: ﴿مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أي: مالكم لا تنفقون وإن الله سولكم إياها وخولكم الاستمتاع بها بعد أن أهلك غيركم، وأعطاها إياكم، ثم في العاقبة هو مهلككم ووارثها، فأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسول الله ﷺ ؟ ! والله أعلم.
стр. 8287
ومكنكم من النظر، وأزاح عللكم، فإذ لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول، فما لكم لا تؤمنون.
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ لموجب ما؛ فإن هذا الموجب لا مزيد عليه.
وقرئ: ﴿أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ على البناء للفاعل، وهو الله .
[﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٩]
﴿لِّيُخْرِجَكُم﴾ الله بآياته من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليخرجكم الرسول بدعوته. (لرؤف) وقرئ: ﴿لَرَءُوفٌ﴾.
[﴿ومَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقَاتَلُوا وكُلًا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ١٠ - ١١]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لموجب ما) أي: موجب من دليلي النقل والعقل، قال الواحدي: إن كنتم مؤمنين بالحجة والدليل، فقد بان وظهر على يد محمد صلوات الله عليه، ببعثه وإنزال القرآن عليه.
وقلت: ويمكن أن يجرى الشرط على التعليل الذي يجيء به الموثق بأمره، المتحقق بصحته، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] لأن الكلام مع المؤمنين على سبيل التوبيخ والتقريع، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ﴾ إلى قوله: ﴿وكُلًا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى﴾.
قوله: (وقرئ: ﴿لَرَؤُوفٌ﴾)، كلهم إلا أبا عمرو وأبا بكر وحمزة والكسائي.
стр. 8288
﴿أَلاَّ تُنفِقُوا﴾ في أن لا تنفقوا ﴿ولِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ يرث كل شيء فيهما، لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره، يعني: وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله، والله مهلككم فوارث أموالكم؟ ! وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ﴾ قبل فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه، ومن أنفق من بعد الفتح، فحذف لوضوح الدلالة، ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح- وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي ﷺ : "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" - ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾. وقرئ: (قبل الفتح).
﴿وكُلًا﴾ وكل واحد من الفريقين ﴿وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى﴾ أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.
وقرئ بالرفع؛ على: وكل وعده الله. وقيل: نزلت في أبي بكر ﵁، لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله.
القرض الحسن: الإنفاق في سبيل، شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز، لأنه إذا أعطى ماله لوجهه فكأنه أقرضه إياه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا) الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
النهاية: نصيفه: هو النصف، كالعشير في العشر.
قوله: (وقرئ بالرفع؛ على: وكل وعده الله) ابن عامر، والباقون: بنصب اللام.
стр. 8289
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفًا أضعافًا من فضله، ﴿ولَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه.
وقرئ: (فيضعفه)، وقرئا منصوبين على جواب الاستفهام، والرفع عطف على ﴿يُقْرِضُ﴾، أو على: فهو يضاعفه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذلك الأجر المضموم إليه الأ ضعاف) يريد أن قوله: ﴿ولَهُ أَجْرٌ﴾، هو الأجر السابق الذي ضمن في قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾، وأعيد المعنى ليعلق به صفة الكريم، وفيه تعسف؛ لأن العطف يقتضي المغايرة نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وقد فسر المضاعفة بقوله: "يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده على سبيل التفضل عطاءً عظيمًا"، وسماه أجرًا لأنه تابع للأجر، وهو بناء على مذهبه، وسبق ما عليه، وذكرنا أن المناسب أن يفسر المضاعفة بمضاعفة الحسنة نفسها، والأجر بما هو المتعارف.
وروينا في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، والسيئة بمثلها"، وفي رواية: "إلا أن يتجاوز الله عنها"، والله أعلم.
قوله: (كريم في نفسه) أي: وصف الأجر بالكرم بناء على أن الكريم يقال لكل ما يرضى ويحمد في بابه.
قوله: (وقرئ: "فيضعفه") ابن عامر، و"يضاعفه" بالنصب: عاصم، والباقون: بالرفع.
стр. 8290
[﴿يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ١٢].
﴿يَوْمَ تَرَى﴾ ظرف لقوله: ﴿ولَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، أو منصوب بإضمار "اذكر" تعظيمًا لذلك اليوم. وإنما قال: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمَانِهِم﴾ لأنه السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين؛ كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم، فجعل النور في الجهتين شعارًا لهم وآيةً؛ لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا، وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة، ومروا على الصراط يسعون، سعى بسعيهم ذلك النور جنيبًا لهم ومتقدمًا، ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة: ﴿بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ﴾. وقرئ: (ذلك الفوز).
[﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ والْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا ورَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى ولَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وغَرَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَاوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ١٣ - ١٥]
﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ تَرَى﴾، ﴿انظُرُونَا﴾ انتظرونا، لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تدف بهم، وهؤلاء مشاة. وانظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سعى بسعيهم ذلك النور جنيبًا لهم) "سعى" جواب "إذا"، و"يسعون" حال من ضمير "مروا"، قال المصنف: عرفنا أنهم يسعون بقوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، لأنهم لو مشوا لما سعى النور بين أيديهم، لأنه إذا سعى وهم يمشون الهوينا لم يكن سعيًا بين أيديهم لأنه يخلفهم.
قوله: (تدف بهم) الأساس: الدفيف: السير اللين.
стр. 8291
إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به. وقرئ: (أنظرونا) من النظرة وهي: الإمهال، جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارًا لهم.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ نصب منه؛ وذلك أن يلحقوا بهم، فيستنيروا به ﴿قِيلَ ارْجِعُوا ورَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ طرد لهم وتهكم بهم، أي: ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك، فمن ثم يقتبس. أو ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا نورًا بتحصيل سببه وهو الإيمان. أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا، فالتمسوا نورًا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم؛ وإنما هو تخييب وإقناط لهم.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ بين المؤمنين والمنافقين بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار. وقيل: هو الأعراف، لذلك السور، ﴿بَابٌ﴾ لأهل الجنة يدخلون منه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "أنظرونا" من النظرة) حمزة: "أنظرونا" بقطع الهمزة وفتحها في الحالين، وكسر الظاء، والباقون بألف موصولة ويبتدئونها بالضم، وضم الظاء.
قوله: (جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارًا لهم) يقال: اتأد في مشيته، افتعل من التؤدة، يعني وضع انظرونا الذي هو بمعنى الممهلة وإنظار الدائن مديونه، موضع اتئاد الرفيق، والهوينا في المشي لرفيقه على سبيل الاستعارة بعد سبق تشبيه الحالة بالحالي، مبالغة في العجز وإظهار الافتقار.
وقال المهدي: ﴿انظُرُونَا﴾، وأنظرونا معناهما سواء، وهما من الانتظار، تقول العرب: نظرت كذا وانتظرت، بمعنى واحد، والمعنى: نفسونا وأمهلونا نقتبس من نوركم.
قوله: (وقد علموا أن لا نور وراءهم وإنما هو تخييب)، نظيره في المعنى قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦].
стр. 8292
﴿بَاطِنُهُ﴾ باطن السور أو الباب، وهو الشق الذي يلي الجنة. ﴿وظَاهِرُهُ﴾ ما ظهر لأهل النار ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ من عنده ومن جهته ﴿العَذَابُ﴾ وهو الظلمة والنار.
وقرأ زيد بن علي ﵄: (فضرب بينهم) على البناء للفاعل.
﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ يريدون موافقتهم في الظاهر ﴿فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ محنتموها بالنفاق وأهلكتموها، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالمؤمنين الدوائر، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ﴾ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار، ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وهو الموت ﴿وغَرَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم. وقرئ: (الغرور) بالضم.
﴿فِدْيَةٌ﴾ ما يفتدى به ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ قيل: هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه .... مولى المخافة خلفها وأمامها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ "الغرور" بالضم) قال ابن جني: قرأها سماك بن حرب، وهو كقوله: وغركم بالله الاغترار، وتقديره على حذف المضاف، أي: وغركم بالله سلامة الاغترار، ومعناه: سلامتكم منه [مع] اغتراركم.
قوله: (فغدت كلا الفرجين) البيت، يصف بقرة وحشية نفرت من صوت الصائد، ولم تقف لتنظر أن قاصدها خلفها أم أمامها، فغدت فزعة مذعورة لا تعرف منجاها من مهلكها، الفرجين: الجانبين وهو الخلف والقدام، أي: غدت على حالة كلا جانبيها مخوف، وقيل: الفرج: الثغر وموضع المخافة، وقيل: الفرج ما بين قوائم الدواب، فما بين اليدين فرج، وما بين الرجلين: فرج، أي: تحسب كل فرج من فرجيها أولى المخافة، أي: موضع
стр. 8293
وحقيقة ﴿مَوْلاكُمْ﴾: محراكم ومقمنكم. أي: مكانكم الذي يقال فيه: هو أولى بكم، كما قيل: هو مئنة للكرم، أي مكان؛ لقول القائل: إنه لكريم. ويجوز أن يراد: هي ناصركم، أي لا ناصر لكم غيرها. والمراد: نفي الناصر على البتات. ونحوه قولهم: أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع. ومنه قوله تعالى: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار.
﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ومَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١٦]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخافة، ومعنى مولى: أولى، والضمير الذي هو اسم "أن" عائد إلى "كلا" لأنه مفرد اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]، و"مولى المخافة" خبر "إن"، و"خلفها وأمامها" خبران لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون تفسيرًا لكلا الفرجين، أو بدلًا منه، وتقديره: فغدت كلا الفرجين خلفها وأمامها، تحسب أنها مولى المخافة. من كلام الزوزني.
قوله: (ومقمنكم) من القمين: الجدير.
قوله: (كما قيل: هو مئنة الكرام) أي: "مولى" مفعل من أولى، كما أن "مئنة" مفعلة من "إن" التي للتحقيق، غير مشتقة من لفظها؛ لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمنت حروفها دلالة على أن معناها فيها، وكما يقال: "مئنة" موضع "إن"، يقال فيه: إن التحقيقية، كذلك معنى ﴿مَوْلَاكُمْ﴾: مكانكم الذي يقال فيه: هو أولى بكم، وقوله: "مئنة الكرم" كناية رمزية، نحو قولهم: الكرم بين برديه، والمجد بين ثوبيه.
قوله: (فاستنصر الجزع) أي: طلب النصر، ولم يجد سوى الجزع، والجزع ليس ينصر، فإذن لا نصر لهم البتة.
стр. 8294
﴿أَلَمْ يَانِ﴾ من: أنى الأمر يأني، إذا جاء إناه، أي: وقته. وقرئ: (ألم يئن) من: آن يئين، بمعنى: أنى يأني، و (ألما يأن)، قيل: كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت.
وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبتا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس ﵄: أن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن. وعن الحسن ﵁: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون. فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و "ألما يأن") قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، وقال: أصل لما: لم، ثم زيدت عليها "ما" فصارت نفيًا لقوله: قد كان كذا، و"لم" نفي فعل المؤكد، تقول: قام زيد، فيقول المجيب بالنفي: لم يقم، فإن قال: قد قام، قلت: لما يقم، لما زاد في الإثبات "قد"، زاد في النفي "ما"، إلا أنهم لما ركبوا "لم" مع "ما" حدث معها معنى ولفظ.
أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفًا، فقالوا: لما قمت قام زيد، أي: وقت قيامك قام زيد، وأما اللفظ فإنه جاز أن تقف عليها دون مجزومها كقولك: جئت ولما، أي ولما تجئ، ولو قلت: جئت ولم، لم يجز.
قوله: (وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون) يعني: أن الله تعالى استبطأ خشوع قلوب الصحابة رضوان الله عليهم وعاتبهم على عدم تأثير القرآن فيها سريعًا، مع ما كانوا عليه من الخشوع، وكانت قراءتهم أقل من قراءتكم، فتفكروا أنتم في حالكم، وما أنتم عليه من الفسق مع كثرة القراءة! فهو شهادة بأن قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة.
стр. 8295
وعن أبي بكر ﵁ أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاء شديدًا، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.
وقرئ: (نزل) و (نزل) و (أنزل). ﴿ولا يَكُونُوا﴾ عطف على ﴿تَخْشَعَ﴾، وقرئ بالتاء على الالتفات، ويجوز أن يكون نهيًا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره.
فإن قلت: ما معنى: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ ومَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾؟
قلت: يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق: القرآن؛ لأنه جامع للأمرين: للذكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلي القرآن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هكذا كنا حتى قست القلوب) قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس الله سره: معناه: تصلبت وأدمنت سماع القرآن، وألفت أنواره فما استغربته حتى تتغير كما تغير هذا السامع.
قوله: (وقرئ: "نزل") نافع وحفص: ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ مخففًا معروفًا، والباقون: مشددًا.
قوله: (وأن يراد خشوعها) فعلى هذا ذكر الله غير القرآن، فإن كل واحد من ذكر الله وتلاوة القرآن سبب لخشوع القلب، كأنه قيل: ألم يقرب للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لهذين الموجبين فإنه لا مزيد عليهما، وعلى الأول هو من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] يعني: الجامع بين كونه كتابًا منزلًا وفرقانًا يفرق بين الحق والباطل، يعني التوراة كقولك: رأيت الغيث والليث، أي: الرجل الجامع بين هذين الوصفين.
стр. 8296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ويمكن أن يحمل الذكر على القرآن، وما نزل من الحق على نزول السكينة معه، أي الواردات الإلهية.
ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن البراء: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشطنين، فغشيته سحابة فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: "تلك السكينة تنزل للقرآن".
وروى السلمي عن أحمد بن الحواري، قال: بينما أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة، فأقبلت نحوها فرأيت رجلًا مغشيًا عليه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: كان رجلًا حاضر القلب، فسمع آية من كتاب الله فخر مغشيًا عليه، فقلت: ما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فأفاق الرجل عند سماع كلامنا، فأنشأ يقول:
أما آن للهجران أن يتصرما .... وللغصن غصن البان أن يتبسما
وللعاشق الصب الذي ذاب وانحنى .... ألم يأن أن يبكى عليه ويرحما
كتبت بماء الشوق بين جوانحي .... كتابًا حكى نقش الوشي المنمنما
ثم قال: أشكال أشكال أشكال، فخر مغشيًا عليه، فحركناه فإذا هو ميت.
стр. 8297
كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٢]. أراد بالأمد: الأجل، كقوله:
إذا انتهى أمده
وقرئ: (الأمد)، أي: الوقت الأطول ﴿وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين.
[﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١٧]
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض.
[﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والْمُصَّدِّقَاتِ وأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ ولَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ١٨]
﴿المُصَّدِّقِينَ﴾ المتصدقين. وقرئ على الأصل، و (المتصدقين)؛ من: صدق، وهم الذين صدقوا الله ورسوله، يعني المؤمنين.
فإن قلت: علام عطف قوله ﴿وأَقْرَضُوا﴾؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إذا انتهى أمده)، أوله:
كل حي مستكمل مدة العمـ .... ـر ومود إذا انتهى أمده
قوله: مود من أودى إذا مات، مضى شرحه في البقرة.
قوله: (هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض) يعني: لما استبطأ خشوع قلوب المؤمنين عند سماع القرآن، أرشدهم إلى إزالة تلك القسوة التي منعت القلب عن تأثير الذكر فيه، وإنزال تلك السكينة عليه باللجأ إلى الله واستنزال ما يستعدون به لقبول تلك المواهب الرحمانية، فأعلمهم أنه وحده هو القادر على ذلك، كما أنه وحده يحيي الأرض بعد موتها، وفيه إشارة إلى نفي الحول والقوة من الغير.
стр. 8298
قلت: على معنى الفعل في ﴿المُصَّدِّقِينَ﴾؛ لأن اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا، كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا.
والقرض الحسن: أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة. وقرئ: (يضعف) و (يضاعف)، بكسر العين، أي: يضاعف الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا) فإن قيل: ما فائدة العدول؟ فهلا قيل: إن المصدقين والمقرضين؟ قلت: فائدته تصوير معنى التصدق، ومزيد تقرير التمثيل بالإقراض.
قال صاحب "التقريب": وفي عطف "أقرضوا" على صلة اللام نظر، للزوم الفصل بين أجزاء الصلة بأجنبي، وهو المصدقات، فإما أن يحمل على المعنى، إذ التقدير: إن الناس المصدقين والمصدقات وأقرضوا، أو لا يجعل عطفًا، بل اعتراضًا، فيجوز الفصل به كما بين الموصول والصلة في مثل:
ذاك الذي وأبيك يعرف مالكًا .... والحق يدفع ترهات الباطل
وقيل: هو من باب كل رجل وصنعته، أي: إن المصدقين مع المصدقات في الثواب والمنزلة، أو يقدر خبر أي: إن المصدقين والمصدقات يفلحون فيقع بعد تمام الجملة. وأقرضوا في الوجهين ليس عطفًا على الصلة، بل مستأنف، ويضاعف في الوجهين صفة ﴿قَرْضًا﴾ أو استئناف، وكأن استقامة المعنى والإعراب على حذف الموصول بتقدير: والذين أقرضوا، إن جوز كما هو مذهب الكوفيين.
قلت: الوجه القوي هو الاعتراض على سبيل الاستطراد، فإن المصدقات لو لم تذكر لكانت مندرجة تحت المصدقين على سبيل التغليب، كما أن قوله: "وأقرضوا الله" عام في الرجال والنساء، فذكر المصدقات لمزيد التقرير كما في قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
قوله: (وقرئ: "يضعف") ابن كثير وابن عامر، و"يضاعف" بكسر العين: شاذ
стр. 8299
[﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ ١٩]
يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء؛ وهم الذي سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ أي: مثل أجر الصديقين والشهداء، ومثل نورهم.
فإن قلت: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ قلت: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله، حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. ويجوز أن يكون ﴿والشُّهَدَاءُ﴾ مبتدأ، و ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء) ثم قوله: "لهم مثل أجر المصدقين"، مؤذن بأنه لا يجوز حمل الصديقين على المؤمنين، فيجب الحمل على التشبيه، نحو: زيد أسد، وذلك أن اسم الإشارة دال على أن ما بعده جدير بمن سبق ذكره، لاكتسابه الخصال التي درجتهم دون درجة الأنبياء، وفوق درجة الخواص، ولا يقال: درجة من مات حتف أنفه درجة من استشهد في سبيل الله في صف الكفار، إلا بالإلحاق، وأن يقال: هم مثلهم وأجرهم مثل أجرهم، لاسيما وقد وسط بين المبتدأ والخبر ضمير الفصل المفيد لحصر المسند على المسند إليه، ويجوز قطع "الشهداء" عن هذا الحكم، لاستقامته مع من اقترن به أن يكون جملة معه، وإليه أشار بقوله: ويجوز أن يكون "الشهداء" مبتدأ.
وأما سؤاله: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ فليس بذاك، لأنا إذا قلنا: إن الكلام مبني على التشبيه والإلحاق للمبالغة ترغيبًا، علم عدم المساواة.
قوله: (المعنى: أن الله يعطي المؤمنين أجرهم) وخلاصته: أن لكل مكلف أجر يستحقه
стр. 8300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسبب العمل، وبه زيادة عليه وفضل، فإذا اعتبر جزاء المؤمنين مع تلك الزيادة يساوي أجر الصديقين وحده، فينبغي لهم الفضل عليهم بما يزاد على الجزاء، بناء على قاعدة الاعتزال، هذا لعمري تكلف، وركوب على التعسف.
ويمكن أن يقال: إن قوله: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ مقابل لقوله: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، وآياتنا جمع مضاف يفيد الاستغراق، فيتناول جميع آيات الله المختلفة الأنواع، ومكذبها يكون مفرط في الكذب لكثرة ما كذب به، فينبغي أن يفسر ما يقابله من قوله: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ بالشمول والاستغراق، ولذلك جمع الرسل لأن من آمن بالله، وبجميع ما يجب أن يؤمن به من صفاته وأفعاله، وبجميع ما يضاف وينسب إليهم، يكون مفرطًا في الصدق لكثرة ما صدق به، فحينئذ يصح حمل الصديقين على أولئك، ويقع ضمير الفصل موقعه تعريضًا بالمكذبين، ويكون المراد بالشهداء: القائم بالشهادة، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢].
وأما قوله: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ فقد وقع مقابلًا لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ فيجب أن يقدر في كل من المتقابلين ما هو مذكور في الآخر، ويؤيد هذا التأويل ما رواه الواحدي: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية. وقال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم يكذبوهم ساعة, وقال مسروق: هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم، وهو قول مقاتل بن حيان واختيار الفراء والزجاج.
следующие страницы →