← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويمكن أن يحمل الذكر على القرآن، وما نزل من الحق على نزول السكينة معه، أي الواردات الإلهية. ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن البراء: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشطنين، فغشيته سحابة فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: "تلك السكينة تنزل للقرآن". وروى السلمي عن أحمد بن الحواري، قال: بينما أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة، فأقبلت نحوها فرأيت رجلًا مغشيًا عليه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: كان رجلًا حاضر القلب، فسمع آية من كتاب الله فخر مغشيًا عليه، فقلت: ما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فأفاق الرجل عند سماع كلامنا، فأنشأ يقول: أما آن للهجران أن يتصرما .... وللغصن غصن البان أن يتبسما وللعاشق الصب الذي ذاب وانحنى .... ألم يأن أن يبكى عليه ويرحما كتبت بماء الشوق بين جوانحي .... كتابًا حكى نقش الوشي المنمنما ثم قال: أشكال أشكال أشكال، فخر مغشيًا عليه، فحركناه فإذا هو ميت.

стр. 8297

كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٢]. أراد بالأمد: الأجل، كقوله: إذا انتهى أمده وقرئ: (الأمد)، أي: الوقت الأطول ﴿وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين. [﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١٧] ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. [﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والْمُصَّدِّقَاتِ وأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ ولَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ١٨] ﴿المُصَّدِّقِينَ﴾ المتصدقين. وقرئ على الأصل، و (المتصدقين)؛ من: صدق، وهم الذين صدقوا الله ورسوله، يعني المؤمنين. فإن قلت: علام عطف قوله ﴿وأَقْرَضُوا﴾؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذا انتهى أمده)، أوله: كل حي مستكمل مدة العمـ .... ـر ومود إذا انتهى أمده قوله: مود من أودى إذا مات، مضى شرحه في البقرة. قوله: (هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض) يعني: لما استبطأ خشوع قلوب المؤمنين عند سماع القرآن، أرشدهم إلى إزالة تلك القسوة التي منعت القلب عن تأثير الذكر فيه، وإنزال تلك السكينة عليه باللجأ إلى الله واستنزال ما يستعدون به لقبول تلك المواهب الرحمانية، فأعلمهم أنه وحده هو القادر على ذلك، كما أنه وحده يحيي الأرض بعد موتها، وفيه إشارة إلى نفي الحول والقوة من الغير.

стр. 8298

قلت: على معنى الفعل في ﴿المُصَّدِّقِينَ﴾؛ لأن اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا، كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا. والقرض الحسن: أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة. وقرئ: (يضعف) و (يضاعف)، بكسر العين، أي: يضاعف الله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا) فإن قيل: ما فائدة العدول؟ فهلا قيل: إن المصدقين والمقرضين؟ قلت: فائدته تصوير معنى التصدق، ومزيد تقرير التمثيل بالإقراض. قال صاحب "التقريب": وفي عطف "أقرضوا" على صلة اللام نظر، للزوم الفصل بين أجزاء الصلة بأجنبي، وهو المصدقات، فإما أن يحمل على المعنى، إذ التقدير: إن الناس المصدقين والمصدقات وأقرضوا، أو لا يجعل عطفًا، بل اعتراضًا، فيجوز الفصل به كما بين الموصول والصلة في مثل: ذاك الذي وأبيك يعرف مالكًا .... والحق يدفع ترهات الباطل وقيل: هو من باب كل رجل وصنعته، أي: إن المصدقين مع المصدقات في الثواب والمنزلة، أو يقدر خبر أي: إن المصدقين والمصدقات يفلحون فيقع بعد تمام الجملة. وأقرضوا في الوجهين ليس عطفًا على الصلة، بل مستأنف، ويضاعف في الوجهين صفة ﴿قَرْضًا﴾ أو استئناف، وكأن استقامة المعنى والإعراب على حذف الموصول بتقدير: والذين أقرضوا، إن جوز كما هو مذهب الكوفيين. قلت: الوجه القوي هو الاعتراض على سبيل الاستطراد، فإن المصدقات لو لم تذكر لكانت مندرجة تحت المصدقين على سبيل التغليب، كما أن قوله: "وأقرضوا الله" عام في الرجال والنساء، فذكر المصدقات لمزيد التقرير كما في قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. قوله: (وقرئ: "يضعف") ابن كثير وابن عامر، و"يضاعف" بكسر العين: شاذ

стр. 8299

[﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ ١٩] يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء؛ وهم الذي سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ أي: مثل أجر الصديقين والشهداء، ومثل نورهم. فإن قلت: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ قلت: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله، حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. ويجوز أن يكون ﴿والشُّهَدَاءُ﴾ مبتدأ، و ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبره. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء) ثم قوله: "لهم مثل أجر المصدقين"، مؤذن بأنه لا يجوز حمل الصديقين على المؤمنين، فيجب الحمل على التشبيه، نحو: زيد أسد، وذلك أن اسم الإشارة دال على أن ما بعده جدير بمن سبق ذكره، لاكتسابه الخصال التي درجتهم دون درجة الأنبياء، وفوق درجة الخواص، ولا يقال: درجة من مات حتف أنفه درجة من استشهد في سبيل الله في صف الكفار، إلا بالإلحاق، وأن يقال: هم مثلهم وأجرهم مثل أجرهم، لاسيما وقد وسط بين المبتدأ والخبر ضمير الفصل المفيد لحصر المسند على المسند إليه، ويجوز قطع "الشهداء" عن هذا الحكم، لاستقامته مع من اقترن به أن يكون جملة معه، وإليه أشار بقوله: ويجوز أن يكون "الشهداء" مبتدأ. وأما سؤاله: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ فليس بذاك، لأنا إذا قلنا: إن الكلام مبني على التشبيه والإلحاق للمبالغة ترغيبًا، علم عدم المساواة. قوله: (المعنى: أن الله يعطي المؤمنين أجرهم) وخلاصته: أن لكل مكلف أجر يستحقه

стр. 8300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بسبب العمل، وبه زيادة عليه وفضل، فإذا اعتبر جزاء المؤمنين مع تلك الزيادة يساوي أجر الصديقين وحده، فينبغي لهم الفضل عليهم بما يزاد على الجزاء، بناء على قاعدة الاعتزال، هذا لعمري تكلف، وركوب على التعسف. ويمكن أن يقال: إن قوله: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ مقابل لقوله: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، وآياتنا جمع مضاف يفيد الاستغراق، فيتناول جميع آيات الله المختلفة الأنواع، ومكذبها يكون مفرط في الكذب لكثرة ما كذب به، فينبغي أن يفسر ما يقابله من قوله: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ بالشمول والاستغراق، ولذلك جمع الرسل لأن من آمن بالله، وبجميع ما يجب أن يؤمن به من صفاته وأفعاله، وبجميع ما يضاف وينسب إليهم، يكون مفرطًا في الصدق لكثرة ما صدق به، فحينئذ يصح حمل الصديقين على أولئك، ويقع ضمير الفصل موقعه تعريضًا بالمكذبين، ويكون المراد بالشهداء: القائم بالشهادة، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وأما قوله: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ فقد وقع مقابلًا لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ فيجب أن يقدر في كل من المتقابلين ما هو مذكور في الآخر، ويؤيد هذا التأويل ما رواه الواحدي: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية. وقال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم يكذبوهم ساعة, وقال مسروق: هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم، وهو قول مقاتل بن حيان واختيار الفراء والزجاج.

стр. 8301

[﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ والأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورِضْوَانٌ ومَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ ٢٠] أراد أن الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور؛ وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر. وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي: العذاب الشديد والمغفرة ورضوان الله. وشبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتهل وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطامًا؛ عقوبةً لهم على جحودهم، كما فعل بأصحاب الجنة، وصاحب الجنتين. وقيل: ﴿الكُفَّارَ﴾ الزراع. وقرئ: (مصفارًا). [﴿سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ والأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ٢١] ﴿سَابِقُوا﴾ سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، إلى جنة ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ والأَرْضِ﴾. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واكتهل) وقوي. الأساس: واكتهل النبات، تم طوله وتكهل، ونبات كهل. قوله: (كما فعل بأصحاب الجنة) يعني: في سورة ﴿ن﴾. "وصاحب الجنتين"، يعني: في سورة الكهف، وقيل: في سبأ. قوله: (في المضمار)، الجوهري: تضمير الفرس: أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت، وذلك في أربعين يومًا، وهذه المدة تسمى المضمار، والموضع الذي يضمر فيه الخيل أيضًا. وفي "مقدمة الأدب": المضمار والحلبة: موضع طراد الخيل.

стр. 8302

قال السدي: كعرض سبع السموات وسبع الأرضين، وذكر العرض دون الطول؛ لأن كل ما له عرض وطول، فإن عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة: عرف أن طوله أبسط وأمد. ويجوز أن يراد بالعرض: البسطة، كقوله تعالى: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]. لما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة: بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك: وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد، والفوز بدخول الجنة ﴿ذَلِكَ﴾ الموعود من المغفرة والجنة ﴿فَضْلُ اللهِ﴾: عطاؤه ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ وهم المؤمنون. [﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٢٢ - ٢٤] المصيبة في الأرض: نحو الجدب وآفات الزروع والثمار. وفي الأنفس: نحو الأدواء والموت ﴿فِي كِتَابٍ﴾ في اللوح ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا﴾ يعني الأنفس أو المصائب ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إن تقدير ذلك وإثباته في كتاب ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وإن كان عسيرًا على العباد، ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه فقال: ﴿لِكَيْلَا تَاسَوْا … وَلا تَفْرَحُوا﴾ يعني: أنكم إذا علمتم أن شيء مقدر مكتوب عند الله قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني: أنكم إذا علمتم أن كل شي مقدر مكتوب عند الله، قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي) روينا عن الترمذي وابن ماجه عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "ليست الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها

стр. 8303

لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة: لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال: لم يعظم فرحه عند نيله. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه: اختال وافتخر به وتكبر على الناس. قرئ: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ و (أتاكم)، من الإيتاء والإتيان. وفي قراءة ابن مسعود: (بما أوتيتم). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لو أنها بقيت لك". وروي: لأن الله تعالى يقول: ﴿لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. قوله: (وافتخر به وتكبر على الناس)، الراغب: الفخر: المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان، كالمال والجاه، ويقال له: الفخر، ورجل فاخر وفخور وفخير على التكثير، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. وقيل: المختال أخص من الفخور، لأنه في الفعل، والفخور في العقل وغيره. الراغب: الفخار: الجرار، وذلك لصوته إذا نقر، كأنما تصور بصورة من تكثير التفاخر، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] فظهر من هذا أن التفاخر بالقول لا بالفعل. قوله: (قرئ: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ و"أتاكم") أبو عمرو: بالقصر، والباقون: بالمد.

стр. 8304

فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح. قلت: المراد: الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله، ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغي الملهي عن الشكر؛ فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه، مع الاستسلام والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس بهما. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من قوله: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون، يريد: الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالًا وحظًا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمه في عيونهم: يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به، ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبوهم في الإمساك ويزينوه لهم، وذلك كله نتيجة فرحهم به، وبطرهم عند إصابته، ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ عن أوامر الله ونواهيه، ولم ينته عما نهي عنه من الأسى على الفائت، والفرح بالآتي: فإن الله غني عنه. وقرئ: (بالبخل)، وقرأ نافع: ﴿فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ﴾، وهو في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك. [﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢٥] ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ يعني الملائكة إلى الأنبياء، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحجج والمعجزات ﴿وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ﴾ أي: الوحي، ﴿والْمِيزَانَ﴾. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من قوله: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾) أي: بدل الكل، لأنهما واقعان تذييلًا لقوله: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ لأن من شأن الفرح أن يكون مختالًا فخورًا، ولذلك فسر ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بـ"الذين يفرحون الفرح المطغي"، وقال بعده: "وذلك كله نتيجة فرحهم به وبطرهم عند إصابته".

стр. 8305

روي أن جبريل ﵇ نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به، ﴿وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ﴾ قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة. وروى: ومعه المر والمسحاة. وعن النبي ﷺ : "أن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح". وعن الحسن: ﴿وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ﴾: خلقناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦٠]، وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه. ﴿فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ﴾ وهو القتال به ﴿ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها؛ أو ما يعمل بالحديد ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾ باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والميقعة)، النهاية: في حديث ابن عباس: نزل مع آدم ﵇ والميقعة والسندان والكلبتان، والميقعة: المطرقة التي يضرب بها الحديد وغيره، والجمع المواقع، والميم زائدة، والياء بدل من الواو قلبت لكسرة الميم. وقيل: المر: البيل الذي يعتمل به، وفي البيل قال: البيل وإن جمع أبيالًا وبيلة، فإنه ليس بعربي، وعربية المر، وقيل: يراد بالمر الحبل شامل، وقيل: نزل آدم بالباسنة، وهي اسم جامع لهذه الأشياء. قوله: (وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه) هذا تعليل لصحة استعمال "أنزلنا" في المعاني الثلاثة، والمراد بالأوامر: الخطاب المشتمل عليها الكتاب، وبالقضايا والأحكام ما هي منوطة بالميزان واستعمال الحديد. قوله: (﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾ باستعمال السيوف)، ظاهرة مشعر بأن "ليعلم" عطف على علة محذوفة متعلقة بقوله: ﴿وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ﴾ أي: أنزلناه ليستعمله المكلف في الجهاد في سبيل الله، ونصرة دينه، وليعلم الله من ينصره، قال في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] أي: "فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، وليعلم".

стр. 8306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الواحدي: "ليعلم" معطوف على ﴿لِيَقُومَ﴾، أي: ليعاملوا بالعدل، وليعلم الله من ينصره، وذلك أن الله تعالى أمر في الكتاب الذي أنزل بنصرة دينه ورسله، فمن نصر دينه ورسله علمه ناصرًا، ومن عصى علمه بخلاف ذلك. ويمكن أن يقال: أصل الكلام: أنزلنا الكتاب والميزان والحديد، لتجاهدوا مع الشيطان والنفس بإقامة حقوق الله من أداء عبادته، وامتثال أوامره وانتهاء نواهيه، وحقوق العباد، باستعمال العدل والنصفة معهم، وتجاهدوا مع أعداء الدين باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح، ليكون الدين كله لله، ويعلم الله من ينصر دينه ورسله، وإنما ترك ذكر عائدة "الكتاب" لاحتوائه على ما لا نهاية له، وكرر أنزلنا، وذكر إحدى خواص الحديد، ثم أجمل بقوله: منافع، ليؤذن بأن تمشية أمر الكتاب والميزان متوقفة عليه. روينا عن الترمذي عن معاذ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد". ولله در العتبي حيث قال: إن الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية، يتضمن الأحكام والحدود، حظر فيه التباغي والتظالم، ودفع التعادي والتخاصم، ومما حكم فيه من دفع التخاصم والأمر بالتعادل، وضع آلة العدل تنبيهًا به على موقع فائدة العدل، وعائدة السوية. ثم إن من المعلوم أن ذلك الكتاب الجامع للأوامر الإلهية وذلك التعامل بالعدل والسوية، إنما يحفظ الناس عن اتباعهما، ويضطر العالم إلى إلزام أحكامها السيف الذي هو حجة الله على من جحد وعند نزع من صفقة الجماعة اليد، هذا هو الحديد الذي وصفه الله تعالى بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز، معاني كثيرة الشعوب متدانية الجيوب.

стр. 8307

﴿بِالْغَيْبِ﴾ غائبًا عنهم، قال ابن عباس ﵄: ينصرونه ولا يبصرونه. ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ غني- بقدرته وعزته في إهلاك من يريد هلاكه- عنهم، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به، ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب. [﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإبْرَاهِيمَ وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢٦] ﴿والْكِتَابَ﴾ والوحي. وعن ابن عباس: الخط بالقلم، يقال: كتب كتابًا وكتابة. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ فمن الذرية أو من المرسل إليهم، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين. وهذا تفصيل لحالهم، أي: فمنهم مهتد ومنهم فاسق، والغلبة للفساق. [﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ وجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَافَةً ورَحْمَةً ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢٧] قرأ الحسن: (الأنجيل) بفتح الهمزة، وأمره أهون من أمر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عنهم) صلة "غني"، والضمير راجع إلى "من ينصره"، يدل عليه قوله: "وإنما كلفهم الجهاد"، والباء في "بقدرته" نحو "الباء" في: كتبتم بالقلم. قوله: (قرأ الحسن: "الأنجيل" بفتح الهمزة) قال ابن جني: هذا لا نظير له، وهو من نجلت الشيء إذا استخرجته، لأنه يستخرج حال الحلال من الحرام، كما قيل لنظيره: "التوراة"، وهي فوعلة، من: ورى الزنديري، إذا أخرج النار، ومثله: الفرقان، من: فرق بين الشيئين. وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع، وشذوذه كما حكى بعضهم في البرطيل: البرطيل، ونحوهما ما حكاه أبو زيد من قولهم: السكينة بفتح السين وتشديد الكاف، وربما

стр. 8308

"البرطيل" و"السكينة" فيمن رواهما بفتح الفاء، لأن الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب. وقرئ: (رآفةً) على: فعالة، أي: وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم. ونحوه في صفة أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. والرهبانية: ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، وذلك أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوا في دينهم، فاختاروا الرهبانية، ومعناه: الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف؛ فعلان من: رهب، كخشيان من: خشي. وقرئ: (ورهبانية) بالضم، كأنها نسبة إلى الرهبان: وهو جمع راهب كراكب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ظن الإنجيل أعجميًا فأجرى عليه تحريف مثاله. قوله: (البرطيل) البرطيل بكسر الباء: الحجر المستطيل وهو الشائع المشهور، وفتحها شاذ، وهو عربي، وإذا فتح الباء خرج عن أوزان العرب. قوله: (بعد موت عيسى) في جميع النسخ، والصحيح: بعد رفع عيسى ﵇. قوله: (وقرئ: "رهبانية" بالضم كأنها نسبة إلى الرهبان) الانتصاف: فيه إشكال، فالنسب إلى الجمع على صيغته غير مقبول، حتى يرد إلى المفرد، إلا أن يقال: لما صار الرهبان طائفة مخصوصين صار هذا الاسم وإن كان جمعًا كالعلم، فالتحق بأنصاري ومدائني وأعرابي. الراغب: الرهبة والرهب: مخافة مع تحرز واضطراب، قال : ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ﴾ [الحشر: ١٤] والترهيب: التعبد، وهو استعمال الرهبة.

стр. 8309

وركبان، وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر، تقديره: وابتدعوا رهبانيةً، ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ يعني: وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ لم نفرضها نحن عليهم ﴿إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ كما يجب على الناذر رعاية نذره؛ لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يريد: أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى ﴿وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين لم يحافظوا على نذرهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال: رهبوت خير من رحموت، والرهبانية غلو في تحمل الرهبة، والرهبان يكون واحدً وجمعًا. قوله: (لم نفرضها نحن عليهم) وعن أبي داود عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم". وروينا عن مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". قال صاحب "جامع الأصول": محدثات الأمور: ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. الابتداع: إذا كان من الله وحده فهو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وهو تكوين الأشياء بعد ما لم تكن، فليس ذلك إلا إلى الله تعالى، فأما الابتداع من المخلوقين، فإن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله، فهو في حيز الذم والإنكار، وإن كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه أو رسوله، فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودًا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعل من الأفعال المحمودة لم يكن الفاعل

стр. 8310

ويجوز أن تكون"الرهبانية" معطوفةً على ما قبلها، و ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾: صفةً لها في محل النصب، أي: وجعلنا في قلوبهم رأفةً ورحمةً ورهبانيةً مبتدعةً من عندهم، بمعنى: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها، ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله، ويستحقوا بها الثواب، على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن، ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه، ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾ جميعًا ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾؛ ولكن بعضهم، ﴿فَآتَيْنَا﴾ المؤمنين المراعين منهم للرهبانية ﴿أَجْرَهُمْ﴾، ﴿وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم الذين لم يرعوها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قد سبق إليه، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن رسول الله ﷺ قد جعل له في ذلك ثوابًا، فقال: "من سن سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها"، وقال في ضده: "من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها"، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله. ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب في صلاة التراويح: نعمت البدعة، هذا لما كانت من أفعال الخير، وداخلة في حيز المدح، سماها بدعة ومدحها. قال محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم": قال العلماء: البدعة خمسة أقسام؛ واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة، فمن الواجب: تعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين، وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباح: التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران. فعلم أن الحديث من العام المخصوص، ويؤيده ما قلناه قول عمر بن الخطاب ﵁ في التراويح: نعمت البدعة، والله أعلم. قوله: (ويجوز أن تكون "الرهبانية" معطوفة على ما قبلها)، عطف على قوله: "وانتصابها بفعل مضمر".

стр. 8311

[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ويَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢٨] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون خطابًا للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم، فإن كان خطابًا لمؤمني أهل الكتاب؛ فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ الله ﴿كِفْلَيْنِ﴾ أي: نصيبين ﴿مِن رَّحْمَتِهِ﴾ لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله ﴿ويَجْعَل لَّكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وهو النور المذكور في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢]. ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسلفتم من الكفر والمعاصي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: منع أبو علي الفارسي العطف، تعليلًا بأن الرهبانية لا تكون مجعولة لله تعالى، مع قوله: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾، فوقع في البدعة. والزمخشري أجاز العطف، لكن حرف الجعل إلى التوفيق اعتمادًا منهما أن ما يبتدعونه لا يجعله الله تعالى، وكفى بهذه الآية دليلًا عليهما مع الأدلة القطعية. وقوله: ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، تأكيد لخلق هذه الأفعال والمعاني بذكر محلها، وعلى مذهبهما لا يبقى لقوله: ﴿فِي قُلُوبِ﴾ فائدة، ويأبى كتاب الله أن يشتمل على ما لا موقع له. قوله: (أي: نصيبين ﴿مِن رَّحْمَتِهِ﴾)، الراغب: الكفل: الحظ الذي فيه الكفاية، كأنه

стр. 8312

[﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ٢٩] ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ ليعلم ﴿أَهْلُ الكِتَابِ﴾ الذين لم يسلموا. و"لا" مزيدة، ﴿أَلاَّ يَقْدِرُونَ﴾ أن مخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يقدرون، يعني: : أن الشأن لا يقدرون ﴿عَلَى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: لا ينالون شيئًا مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة، لأنهم لم يؤمنوا برسول الله، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله، ولم يكسبهم فضلًا قط. وإن كان خطابًا لغيرهم، فالمعنى: اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله، يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] ولا ينقصكم من مثل أجرهم، لأنكم مثلهم في الإيمانين، لا تفرقون بين أحد من رسله. روي: أن رسول الله ﷺ بعث جعفرًا ﵁ في سبعين راكبًا إلى النجاشي يدعوه، فقدم جعفر عليه فدعاه فاستجاب له، فقال ناس ممن آمن من أهل مملكته وهم أربعون رجلًا: ائذن لنا في الوفادة على رسول الله ﷺ ، فأذن لهم، فقدموا مع جعفر وقد تهيأ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة، استأذنوا رسول الله ﷺ ، فرجعوا وقدموا بأموال لهم، فآسوا بها المسلمين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تكفل بأمره، قال تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، والكفل: الكفيل، قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾، أي: كفلين من نعمته في الدنيا والآخرة، وهما المرغوب إلى الله فيهما، بقوله: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].

стр. 8313

فأنزل الله ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]، فلما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] فخروا على المسلمين وقالوا: أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم، فما فضلكم علينا؟ فنزلت. وروي أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، وادعوا الفضل عليهم، فنزلت. وقرئ: (لكي يعلم)، و (لكيلا يعلم)، و (ليعلم)، و (لأن يعلم)؛ بإدغام النون في الياء، و (لين يعلم)، بقلب الهمزة ياءً وإدغام النون في الياء. وعن الحسن: (ليلا يعلم)، بفتح اللام وسكون الياء. ورواه قطرب بكسر اللام. وقيل في وجهها: حذفت همزة (أن)، وأدغمت نونها في لام (لا)؛ فصار (للا) ثم أبدلت من اللام المدغمة ياءً، كقولهم: ديوان، وقيراط. زمن فتح اللام فعلى أن أصل لام الجر الفتح، كما أنشد: أريد لأنسى ذكرها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾) أي: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، إلى آخر ثلاث آيات في سورة القصص. قوله: (ديوان وقيراط) أصل الديوان: دوان، فعوض من إحدى الواوين ياء لأنه يجمع على دواوين، ولو كانت الياء أصلية لقيل: دياوين، وأصل قيراط: قراط، لأن جمعه قراريط، فأبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء, والدينار كذلك. قوله: (أريد لأنسى ذكرها)، تمامه: أريد لأنسى ذكرها فكأنما .... تمثل لي ليلى بكل سبيل

стр. 8314

وقرئ: (أن لا يقدروا) بيد الله في ملكه وتصرفه، واليد مثل، ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ ولا يشاء إلا إيتاء من يستحقه. عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يشاء ألا إيتاء من يسخطه) مذهبه. تمت السورة حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ . * * *

стр. 8315

سورة المجادلة مدنية وهي ثنتان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١] ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ قالت عائشة ﵂: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات! لقد كلمت المجادلة رسول الله ﷺ في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع، وقد سمع لها. وعن عمر أنه كان إذا دخلت عليه أكرمها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة المجادلة مدنية وهي ثنتان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات)، عن البخاري وأحمد بن حنبل والنسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد

стр. 8316

وقال: قد سمع الله لها. وقرئ: (تحاورك) أي: تراجعك الكلام. و (تحاولك)، أي: تسائلك، وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة، رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت راودها فأبت، فغضب وكان به خفة ولمم، فظاهر منها، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أوسًا تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني ونثرت بطني أي: كثر ولدي، جعلني عليه كأمه. وروي أنها قالت له: إن لي صبيةً صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. فقال: ما عندي في أمرك شيء. وروي أنه قال لها: "حرمت عليه"، فقالت: يا رسول الله، ما ذكر طلاقًا وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إلي، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله ﷺ وكلمته من جانب البيت، وما أسمع ما تقول، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ﴾. وفي رواية ابن ماجه: "قالت: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إلى الله". النهاية: وفي أسماء الله تعالى السميع، وهو: الذي لا يغيب عن إدراكه مسموع وإن خفي، فهو يسمع بغير جارحة. قلت: معنى وسع سمعه الأصوات، نحو قوله: وسع كل شيء رحمتك وعلمك، وأنه أصل لقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. الراغب: السمع قوة في الأذن بها تدرك الأصوات، فإذا وصف الله تعالى بالسمع فالمراد به علمه بالمسموعات وتحريه للمجازاة به، نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾. قوله: (قد سمع [الله] لها)، أي: أجابها، كقولك: سمع الله لمن حمده.

стр. 8317

فقال: "حرمت عليه"، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، كلما قال رسول الله ﷺ : "حرمت عليه"، هتفت وشكت إلى الله، فنزلت. ﴿فِي زَوْجِهَا﴾ في شأنه ومعناه. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يصح أن يسمع كل مسموع ويبصر كل مبصر. فإن قلت: ما معنى ﴿قَدْ﴾ في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾؟ قلت: معناه التوقع؛ لأن رسول الله ﷺ والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرج عنها. [﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢ - ٤] في ﴿مِنكُمْ﴾ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصةً دون سائر الأمم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هتفت وشكت)، النهاية: قد هتف يهتف هتفًا، وهتف به هتافًا، إذا صاح به ودعاه، وفي الحديث: "فجعل يهتف بربه" أي: يدعوه ويناشده. قوله: (في ﴿مِنكُمْ﴾ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم)، يعني: الظاهر أن يقال: الذين يظاهرون من نسائهم، أقحم ﴿مِنكُمْ﴾ ليدمج فيه تهجين عادة العرب. الانتصاف: استدل بعضهم على أنه لا يصح ظهار الذمي بقوله: ﴿مِنكُمْ﴾، وليس بالقوي، لأنه غير المقصود.

стр. 8318

﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ وقرئ بالرفع على اللغتين الحجازية والتميمية. وفي قراءة ابن مسعود: (بأمهاتهم) وزيادة الباء في لغة من ينصب. والمعنى أن من يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ملحق في كلامه هذا للزوج بالأم، وجاعلها مثلها. وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين. ﴿إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ﴾ يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات، وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن، فالمرضعات أمهات؛ لأنهن لما أرضعن دخلن بالرضاع في حكم الأمهات، وكذلك أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين؛ لأن الله حرم نكاحهن على الأمة فدخلن بذلك في حكم الأمهات. وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة لأنهن لسن بأمهات على الحقيقة، ولا بداخلات في حكم الأمهات، فكان قول المظاهر منكرًا من القول، تنكره الحقيقة وتنكره الأحكام الشرعية، وزورًا وكذابًا باطلًا منحرفًا عن الحق. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على اللغتين)، قال صاحب "الكشف": ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ حجازية، وقرأ المفضل برفع التاء، وجعلها تميمية. قوله: (ملحق في كلامه)، خبر "أن"، وقوله: "وهذا تشبيه باطل"، معنى قوله: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، وفيه إشعار بأن خبر ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ محذوف، أي: مخطئون، وقوله: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ إلى آخره، بيان لخطئهم، كأنه قيل: الذين يشبهون نساءهم بأمهاتهم في قوله: أنت على كظهر أمي مخطئون، ما هن أمهاتهم، أي: هو تشبيه باطل لتباين الحالتين. وذهب صاحب "الكواشي" إلى أن الخبر: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾.

стр. 8319

﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ لما سلف منه إذا تيب عنه ولم يعد إليه. ثم قال: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يعني: والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرر رقبةً ثم يماس المظاهر منها، لا تحل له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر)، إشارة إلى أن التعريف للعهد، والمعهود ما دل عليه "توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم"، وفي إتيان المضارع إرادة معنى الاستمرار فيما مضى وقتًا فوقتًا، وهذا معنى قوله: "عادتهم". الانتصاف: هذا الوجه يلزم الكفارة بمجرد لفظ الظهار حتى لو أردفه بالطلاق، أو ماتت المظاهر منها لزمته الكفارة، لأن العود حينئذ ليس إلا قول الظهار في الإسلام بخلافه في الوجوه، لأنه إنما تجب الكفارة حينئذ بالعود بعد الظهار، وهو قول علماء الأمصار. الراغب: العادة اسم لتكرير الفعل أو الانفعال حتى يصير ذلك سهلًا تعاطيه كالطبع، ولذلك قيل: العادة طبيعة ثانية، وإعادة الشيء كالحديث وغيره: تكريره، قال تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]، والعيد: كل حالة تعاود الإنسان، والعائدة: كل نفع يرجع إلى الإنسان من شيء ما، والعود: الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، إما انصرافًا بالذات أو بالقول أو العزيمة. وأما قوله: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ فعند أهل الظاهر هو أن يقول ذلك للمرأة ثانيًا، فحينئذ تلزمه الكفارة، وعند أبي حنيفة ﵁: العود في الظهار هو أن يجامعها بعد الظهار، وعند الشافعي ﵁: هو إمساكها بعد وقوع الظهار مدة

стр. 8320

ووجه آخر: ثم يعودون لما قالوا: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه. ومنه المثل: عاد غيث على ما أفسد، أي: تداركه بالإصلاح. والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يمكنه أن يطلق فيها فلم يفعل، وقال بعض المتأخرين: المظاهرة يمين، كقولك: امرأتي علي كظهر أمي إن فعلت كذا، فمتى فعل ذلك وحنث، يلزمه الكفارة ما بينه الله تعالى في هذا المكان. وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يحمله على فعل ما حلف له أن لا يفعل، وذلك كقولك: فلان حلف ثم عاد إذا فعل ما حلف عليه. قال الأخفش: قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ متعلق بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. قوله: (عاد غيث على ما أفسد)، قال الميداني: قيل: إفساده: إمساكه، وعوده: إحياؤه، وإنما فسر على هذا الوجه لأن إفساده يصوبه لا يصلحه عوده، وقد قيل غير هذا، وذلك أنهم قالوا: إن الغيث يحفر ويفسد الحياض ثم يعفى بما فيه من البركة، يضرب للرجل فيه فساد ولكن الصلاح أكثر. الجوهري: عفى على ما كان، إذا أصلح بعد الفساد. قال أبو علي الفارسي في "الحجة" في تفسير قوله تعالى في البقرة: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: فأما من ذهب من المتأخرين إلى أن الظهار لا يقع في أول مرة حتى يعيد المظاهرة

стр. 8321

ووجه ثالث: وهو أن يراد ب (ما قالوا) ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلًا للقول منزلة المقول فيه؛ نحو ما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] ويكون المعنى: ثم يريدون العود للتماس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مرة أخرى، فيقول: أنت علي كظهر أمي، فإن الظهار ليس في ذلك ظهارًا، وذلك لأن العود على ضربين؛ أحدهما: أن يصير إلى شيء قد كان عليه قبل فتركه ثم صار إليه، والآخر: أن يصير إلى شيء وإن لم يكن على ذلك قبل، وهذا عند من خوطب بالقرآن مثل الأول في الظهور، وأنهم يعرفونه كما يعرفون ذلك، فمن ذلك قوله: إذ السبعون أقصدني سراها .... وسارت في المفاصل والعظام وصرت كأنني أقتاد عيرًا .... وعاد الرأس مني كالثغام أي: صار لون رأسي كلون الثغام. وهو نبت أبيض إذا يبس يصير كالشعر الأبيض، يقال: أقصد السهم: أصاب فقتل على المكان. واعلم أن حاصل معنى العود _على المختار_ راجع إلى أن يمسكها زمانًا يمكنه أن يطلقها فلا يطلقها، هذا في المطلق، وأما في المؤقت فأن يطأ في المدة، وفي الرجعية الرجعة كما ذكروه، وفي "ثم" الدلالة على أن العود أشد تبعة وأقوى إثمًا من نفس الظهار، ألا ترى أن الكفارة تتعلق بالعود لا بالظهار مطلقًا؟ قوله: (أن يراد بـ"ما قالوا" ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار)، يعني من الكف عن الاستمتاع بالمرأة من جماع أو لمس بشهورة، لأنه هو المقول فيه بلفظ الظهار، كقوله تعالى:

стр. 8322

والمماسة: الاستمتاع بها من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة، ﴿ذَلِكُمْ﴾ الحكم ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه. فإن قلت: هل يصح الظهار بغير هذا اللفظ؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أي: نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة، أي: نسمي ما يقول وهو: المال والولد. الانتصاف: هذا يقوي أن العود هو الوطء، وهو من أقولا مالك، وجعل داود العود إعادة لفظ الظهار، ومن رأى العود العزم على الوطء قال: العود إلى القول عود بالتدارك لا بالتكرار، وتداركه نقضه بنقيضه الذي هو العزم على الوطء، ومن حمله على الوطء قال: هو المقصود بالمنع، ويحمل قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ أي: مرة ثانية، ورأى أكثر العلماء قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ منعًا من الوطء قبل التكفير، حتى كأنه قال: لا يماس حتى يكفر. وقال الواحدي: كثر الاختلاف في معنى العود هاهنا من المفسرين والفقهاء. وقلت: القول المحصل ما ضبطه المصنف في الوجوه الثلاثة، وهو أن ﴿يَعُودُونَ﴾ إما مجرى على حقيقته، أو محمول على التدارك مجازًا، إطلاقًا لاسم المسبب على السبب، لأن المتدارك للأمر عائد إليه، وأن ما قالوا عبارة عن القول السابق، أو عن مسماه وهو تحريم الاستمتاع، والوجه الأول في "الكشاف" اللفظان فيه مستعملان في موضوعهما، وعلى القول الثاني وارد على الظاهر والمجاز في العود، والثالث عكس الأول، لورودهما مجازين، وهاهنا وجه رابع عكس الثاني كما يقال: ثم يعودون لما حرموه على أنفسهم من التماس والجماع.

стр. 8323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والوجه الأول: قول مجاهد والثوري، قال محيي السنة: ذهبا إلى أن الكفارة تجب بنفس الظهار، والمراد بالعود العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار. وقال أهل الظاهر: العود هو إعادة لفظ الظهار، وإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه، وهو قول أبي العالية. والوجه الثالث: قول مالك وأصحاب الرأي، قال محيي السنة: قال قوم: هو العزم على الوطء وهو قول مالك وأصحاب الرأي. قال الواحدي: قالوا: لو عزم على الوطء كان عودًا فيلزمه الكفارة. وقال الإمام: العود عند أبي حنيفة عبارة عن استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بشهوة لأنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء فعند استباحتها كان مناقضًا لقوله: أنت علي كظهر أمي. والوجه الرابع: قول الحسن وقتادة وطاووس والزهري قالوا: لا كفارة عليه مال لم يطأها. وقال الإمام: هذا خطأ لأن تعقيب قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ بالفاء يوجب كون التكفير بعد العود، ويقتضي قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ أن يكون الجماع بعد التكفير. ولعل المصنف إنما أهمل هذا الوجه لهذا، وإن اعتذر له صاحب "الانتصاف" ذلك العذر البعيد، والوجه الثاني عليه قول ابن عباس قال: ﴿ثم يَعُودُونَ﴾: ثم يندمون فيرجعون إلى الألفة؛ لأن النادم والتائب متدارك لما صدر عنه بالتوبة والكفارة، وأقرب الأقوال إلى هذا

стр. 8324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما ذهب إليه الشافعي. قال محيي السنة: ذهب الشافعي إلى أن العود هو الإمساك عقيب الظهار زمانًا يمكنه أن يفارقها فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار في الحال أو مات أحدهما في الوقت فلا كفارة عليه، لأن العود للقول هو المخالفة، وقال الفراء: يقال: عاد فلان لما قال، أي: فيما قال، وفي نقض ما قال، يعني: رجع عما قال، وذلك يبين ما قال الشافعي، وذلك أن قصده بالظهار التحريم، فإذا أمسكها على النكاح فقد خالف قوله ورجع عما قاله وتلزمه الكفارة. وقلت: تمام تقريره: أن حقيقة العود أن يصير الرجل إلى ما قد كان عليه قبل مباشرة هذا الفعل الطارئ، ولا شك أن الظهار تغيير حال كان عليه الرجل من التحليل، فإذا دام عليه ما يقتضيه الظهار من التحريم بأن يعقبه الطلاق، فقد جرى على ما ابتدأ به فلا كفارة، وأما إذا سكت فقد أذن بالرجوع إلى ما كان عليه قبل الظهار من إبقاء النكاح، كأنه قيل: والذين يعزمون على المفارقة والتحريم، ويتكلمون بذلك القول الشنيع، ثم يمسكون عنه زمانًا أمارةً على العود إلى ما كانوا عليه قبل الظهار، فكفارة ذلك كذا. وقال الواحدي: قال أصحابنا: العود المذكور ها هنا صالح للجماع كما قال مالك، والعزم على الجماع كما قال أهل العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فوجب تعلق الحكم به لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر. وقلت: بناء على هذه القضية ينبغي أن يكون الوجه الأول أولى الوجوه، لاسيما قول أهل الظاهر، لكن القول القوي هو ما اقتضاه المقام وساعده النظم الفائق، وهو قول حبر الأمة

стр. 8325

قلت: نعم إذا وضع مكان (أنت) عضوًا منها يعبر به عن الجملة، كالرأس والوجه والرقبة والفرج، أو مكان الظهر عضوًا آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ. أو مكان الأم ذات رحم محرم منه؛ من نسب أو رضاع أو صهر أو جماع، نحو أن يقول: أنت علي كظهر أختي من الرضاع، أو عمتي من النسب، أو امرأة ابني أو أبي، أو أم امرأتي أو بنتها، فهو مظاهر، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري وغيرهم رضوان الله عليهم نحوه. وقال الشافعي: لا يكون الظهار إلا بالأم وحدها، وهو قول قتادة والشعبي. وعن الشعبي: لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات والعمات والخالات؛ إذ أخبر أن الظهار إنما يكون بالأمهات الوالدات دون المرضعات. وعن بعضهم: لا بد من ذكر الظهر حتى يكون ظهارًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابن عباس ﵄، لأن ما قبله وهو قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم﴾ كما سبق وارد على الذم على ما كانوا عليه في الجاهلية، وعلى أن ذلك كان منكرًا من القول وزورًا، وكذلك ما بعده أي قوله: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ تخويف شديد لمن ارتكب تلك الجناية، وكما قال المصنف: "الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية"، كأنه قيل: الذين يرتكبون تلك الجناية، ويقولون ذلك القول المنكر والزور ثم يرجعون يندمون لأجل ذلك القول، فكفارته ما ذكر، ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه، ثم قول الإمام الشافعي لقربه منه من حيث المعنى. قوله: (أو جماع)، يريد به قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: البنت المخلوقة من ماء الزاني يحرم وطؤها على الزاني خلافًا للشافعي ﵁، وأما قوله: "أو صهر" فيحمل على النكاح الصحيح والشبهة كما عند الشافعي. قوله: (لا يكون الظهار إلا بالأم وحدها)، هذا خلاف ظاهر المذهب، وفي "الحاوي":

стр. 8326

فإن قلت: فإذا امتنع المظاهر من الكفارة، هل للمرأة أن ترافعه؟ قلت: لها ذلك، وعلى القاضي أن يخبره على أن يكفر، وأن يحبسه؛ ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأنه يضر بها في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع، فيلزم إيفاء حقها. فإن قلت: فإن مس قبل أن يكفر؟ قلت: عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر، لما روي أن سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله ﷺ : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها، فقال ﵊: "استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تشبيه المكلف غير البائنة وجزئها كالشعر بجزء محرم أنثى لم تكن حلًا، أي: كالأم والجدات والأخوات والعمات وغيرهن ظهار. قوله: (لما روي أن سلمة بن صخر البياضي)، حديثه من رواية الترمذي وابن ماجه والدارمي عن سلمه قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيبب غيري، فلما دخل

стр. 8327

فإن قلت: أي رقبة تجزئ في كفارة الظهار؟ قلت: المسلمة والكافرة جميعًا، لأنها في الآية مطلقة. وعند الشافعي ﵁ لا تجزئ إلا المؤمنة لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولا تجزئ أم الولد والمدبر والمكاتب الذي أدى شيئًا، فإن لم يؤد شيئًا جاز. وعند الشافعي: لا يجوز. فإن قلت: فإن أعتق بعض الرقبة، أو صام بعض الصيام ثم مس؟ قلت: عليه أن يستأنف، نهارًا مس أو ليلًا، ناسيًا أو عامدًا عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: عتق بعض الرقبة عتق كلها فيجزئه، وإن كان المس يفسد الصوم استقبل، وإلا بنى. فإن قلت: كم يعطى المسكين في الإطعام؟ قلت: نصف صاع من بر، أو صاعًا من غيره عند أبي حنيفة، وعند الشافعي مدًا من طعام بلده الذي يقتات فيه. فإن قلت: ما بال التماس لم يذكر عند الكفارة بالإطعام، كما ذكره عند الكفارتين؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شهر رمضان خفت فظاهرت حتى ينسلخ شهر رمضان، فينا هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فما لبثت أن نزوت عليها، فأخبرت النبي ﷺ قال: "حرر رقبة" قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال: "فصم شهرين متتابعين" قلت: وهل أصبت ما أصبت إلا من الصيام؟ قال: "فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينًا"، قلت: والذي بعثك بالحق نبيًا لقد بتنا وحشين ما أملك لنا طعامًا، قال: "فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها" الحديث. بنو بياضة بطن من بني زريق. النهاية: يقال: رجل وحش _بالسكون_ من قوم أوحاش؛ إذا كان جائعًا لا طعام له، وقد أوحش؛ إذا جاع.

стр. 8328

قلت: اختلف في ذلك، فعند أبي حنيفة: أنه لا فرق بين الكفارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس، وإنما ترك ذكره عند الإطعام، دلالةً على أنه إذا وجد في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم إذا وقع في خلاله، وعند غيره: لم يذكر للدلالة على أن التكفير قبله وبعده سواء. فإن قلت: الضمير في ﴿أَن يَتَمَاسَّا﴾ إلام يرجع؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإنما ترك ذكره عند الإطعام، دلالة على أنه إذا وجد في خلال الإطعام يستأنف كما يستأنف الصوم)، الانتصاف: يقال له: إذا جعلت ذكر التماس في بعضها، وترك ذكره في بعضها موجبًا للفرق، فلم جعلته مؤثرًا في أحد الحكمين دون الآخر؟ وله أن يقول: اتفقنا على التسوية بين الثلاث في هذا الحكم، وقد نطقت الآية بالتفرقة، فلم يمكن صرفه إلى ما وقع الاتفاق على التسوية فيه، صرفه إلى الآخر. فإن قيل: فكان تقييده بالتماس في موضع واحد، ليحمل عليه المطلقان الباقيان كافيًا، فما فائدة ذكره بعد الصوم؟ والجواب: أن ذكره مع العتق يفيد تحريم الوطء قبله، ولا يتصور الوطء في أثناء العتق، إذ لا يتبعض ولا يتفرق، وإنما احتيج إلى الصيام الواقع على التوالي ليفيد تحريم الوطء قبل الشروع وبعد الشروع إلى التمام، ولو لم يذكر لذهب الوهم إلى تحريمه قبل الشروع خاصة، واستغني عن ذكره في الطعام بذكره في الصيام، لأنه مثله في التعدد والتوالي، وإمكان الوطء في خلاله، هذا على أن العتق لا يتجزأ، وعن ابن القاسم: من أعتق شقصًا من عبد يملك جميعه ثم إن أعتق بقيته عن الكفارة جاز، وهو خلاف القواعد. فإن قيل: ارتفاع التحريم بالكفارة بعد التماس إما يشترط فيه عدم التماس أولًا، فإن كان الأول فلا يرتفع التحريم بالكفارة، وإن كان الثاني لزم ارتفاع التحريم بالكفارة التي يتخللها التماس.

стр. 8329

قلت: إلى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها. ﴿ذَلِكَ﴾ البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها لتصدقوا ﴿بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ التي لا يجوز تعديها ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. [﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ولِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٥ - ٦] ﴿يُحَادُّونَ﴾ يعادون ويشاقون ﴿كُبِتُوا﴾ أخزوا وأهلكوا ﴿كَمَا كُبِتَ﴾ من قبلهم من أعداء الرسل. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق، ﴿وقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به، ﴿ولِلْكَافِرِينَ﴾ بهذه الآيات ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ يذهب بعزهم وكبرهم. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب بـ"لهم"، أو بـ ﴿مُّهِينٌ﴾، أو بإضمار "اذكر" تعظيمًا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فجوابه أن التماس مناف لصحة الكفارة واعتبارها في رفع التحريم، فإن وقع قبل الشروع في الكفارة تعذر الحكم ببطلان الكفارة، لأن محل الحكم الذي هو الكفارة لم يوجد، أما إن وقع في أثنائها، فالمحل المحكوم فيه بعدم الصحة قائم، فوجب الحكم به، فهو كالحديث إذا كان قبل الطهارة لا يبطل شيئًا لم يوجد، وإن وقع في أثنائها أبطلها، تم كلامه. قوله: (أو بإضمار "اذكر" تعظيمًا)، اعلم أن قوله: ﴿ولِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ إما تتميم أو تذييل، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] قال المصنف: " ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي عليهم، وضعًا للمظهر موضع المضمر، للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، فيدخلوا فيه دخولًا

стр. 8330

لليوم، ﴿جَمِيعًا﴾ كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث. أو مجتمعين في حال واحدة، كما تقول: حي جميع ﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا﴾ تخجيلًا لهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أوليًا"، كذلك ها هنا إذا جعل اللام في ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ للعهد، كان ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وضعًا للمظهر موضع المضمر، والمعنى ما قال: "للكافرين الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها"، أي: لا يكدحون منها، ويكون ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ متعلقًا بالجار والمجرور، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب بـ"لهم"، فوضع المضمر موضع "الكافرين"، فيكون تتميمًا، وإذا جعل اللام للجنس ليدخل فيه أولئك المحادون دخولًا أوليًا يكون تذييلًا، وينتصب الظرف بإضمار "اذكر لتمام الكلام هناك، فتستقل دلالة الجملة المبتدأة، فيعظم شأن اليوم، ويجتمع لهم ذل الدارين؛ لأن المراد بقوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: الذل والصغار في الدنيا، كما قال: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ يذهب بعزهم وكبرهم"، والكبت: ما جرى عليهم يوم الخندق. الراغب: قال: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ لأن قبله ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فقد جعل الكبت جزاء من آثر حزبًا غير حزب الله ورسوله، وحدًا غير حدهما، والكبت: الإذلال قبل الغلب والقهر والتخييب، فلما أخبر الله تعالى بالكبت عمن حاد الله ورسوله وجانبهما وصار في حد غير حدهما، وصف العذاب الذي ينزل به بالإذلال والهوان، ويشهد لذلك ما جاء في خاتمة السورة: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾. قوله: (حي جميع)، الأساس: هو جميع الرأي، وجميع الأمر، وحي جميع ورجل مجتمع: استوت لحيته وبلغت غاية شبابه.

стр. 8331

وتوبيخًا وتشهيرًا بحالهم، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ أحاط به عددًا لم يفته منه شيء، ﴿ونَسُوهُ﴾ لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه، لم يبالوا به لضراوتهم بالمعاصي، وإنما تحفظ معظمات الأمور. [﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ ولا أَكْثَرَ إلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٧] ﴿مَا يَكُونُ﴾ من (كان) التامة، وقرئ بالياء والتاء، والياء على أن النجوى تأنيثها غير حقيقي و ﴿مِن﴾ فاصلة؛ أو على أن المعنى ما يكون شيء من النجوى، والنجوى: التناجي، فلا تخلو إما أن تكون مضافةً إلى ثلاثة، أي: من نجوى ثلاثة نفر. أو موصوفةً بها، أي: من أهل نجوى ثلاثة، فحذف الأهل. أو جعلوا نجوى في أنفسهم مبالغةً، كقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] وقرأ ابن أبي علبة: (ثلاثةً وخمسةً)، بالنصب على الحال بإضمار"يتناجون"؛ لأن ﴿نَجْوَى﴾ تدل عليه، أو على تأويل ﴿نَجْوَى﴾ ب"متناجين"، ونصبها من المستكن فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإنما تحفظ معظمات الأمور)، بيان لتعليل ﴿نَسَوْهُ﴾ بقوله: "لأنهم تهاونوا به". قوله: (﴿مَا يَكُونُ﴾، من "كان" التامة، وقرئ بالياء والتاء)، قال ابن جني: بالتاء: أبو جعفر وأبو حية، والتذكير الذي عليه العامة هو الوجه، لما فيه من الشياع وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، وما حضرني من جارية، وأما التأنيث فلاعتبار اللفظ، كما تقول: ما قامت امرأة ولا حضرت جارية، و ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ﴾. قوله: (ونصبها)، بالجر عطف على "تأويل"، أو بالرفع فهو مبتدأ، خبره "من المستكن"،

стр. 8332

فإن قلت: ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن قومًا من المنافقين تحلقوا للتناجي مغايظةً للمؤمنين على هذين العددين: ثلاثةً وخمسةً، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك ﴿ولا أَدْنَى﴾ عدديهم ﴿ولا أَكْثَرَ إلاَّ﴾ والله معهم يسمع ما يقولون، فقد روي عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية: كانوا يومًا يتحدثون، فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضًا ولا يعلم بعضًا. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضًا فهو يعلم كله، وصدق؛ لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها؛ لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم، والثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى، والمتخالين للشورى، والمندبون لذلك ليسوا بكل أحد، وإنما هم طائفة مجتباة من أولي النهى والأحلام، ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم: الاثنان فصاعدًا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال، وحكم به الاستصواب. ألا ترى إلى عمر الخطاب ﵁ كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني يجوز أن يكون ﴿نَّجْوَى﴾ بمعنى متناجين، ويكون نصب "ثلاثة" على الحال من الضمير المستكن في النجوى. قوله: (بغير سبب)، أي: بغير سبب خارجي، يعني أن سبب العلم بذلك هو ذاته. قوله: (والمندبون لذلك)، أصله: المنتدبون، فقلبت التاء دالًا وأدغم، أي: مدعون للشورى، يقال: ندبه لأمر فانتدب له، أي: دعاه له فأجاب. الأساس: ندب لكذا أو إلى كذا، وفلان مندوب لأمر عظيم ومندب له. قوله: (كيف ترك الأمر شورى بين ستة)، قال صاحب "الكامل في التاريخ": إن عمر ابن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت؟ قال: لو كان أبو عبيدة حيًا

стр. 8333

إلى سابع؟ فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال: ﴿ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ فدل على الاثنين والأربعة، وقال ﴿ولا أَكْثَرَ﴾ فدل على ما يلي هذا العدد ويقاربه. وفي مصحف عبد الله: إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا. وقرئ: ﴿ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ ولا أَكْثَرَ﴾، بالنصب على أن "لا" لنفي الجنس. ويجوز أن يكون: (ولا أكثر)، بالرفع معطوفًا على محل "لا" مع ﴿أَدْنَى﴾، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لاستخلفته، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لاستخلفته، وقيل له: عبد الله بن عمر؟ قال: كيف أستخلف رجلًا عجز عن طلاق امرأته؟ ! ثم قال: إن استخلفت فقد استخلفت من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ثم قال: اجتمعت بعد مقالتي أن أولي رجلًا هو أحراكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي ﵁، فرهقتني غشية فرأيت رجلًا دخل جنة، فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب على أمره، فما أردت أن أتحملها حيًا وميتًا، عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال رسول الله ﷺ : "إنهم من أهل الجنة"، وهم: علي، وعثمان، وعبد الرحمن، وسعد، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلًا، فلما أصبح عمر دعاهم رضوان الله عليهم وقال: أني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله ﷺ وهو عنكم راض، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها فتشاوروا فيها … القصة بتمامها. قوله: (فدل على الاثنين والأربعة)، فيكون التقدير: ولا اثنين إلا هو ثالثهما، ولا أربعة إلا هو خامسهم. قوله: (﴿وَلَا أَكْثَرُ﴾ بالنصب)، وهي المشهورة، وبالرفع شاذة. قوله: (معطوفًا على محل "لا" مع ﴿أَدْنَى﴾)، قال: لا أم لي إن كان ذاك ولا أب

стр. 8334

كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوة، ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن يكون ارتفاعهما عطفا على محل ﴿مِن نَّجْوَى﴾ كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين عطفًا على ﴿نَّجْوَى﴾، كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. وقرئ: (ولا أكبر) بالباء. ومعنى كونه معهم: أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة. وقرئ: (ثم ينبئهم) على التخفيف. [﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ويَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وإذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ٨] كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم، ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله ﷺ فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين، وتواص بمعصية الرسل ومخالفته. وقرئ: (ينتجون بالإثم والعدوان) بكسر العين، و (معصيات الرسول). ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"لا" الثانية على هذا مؤكدة غير عاملة، كقولك: ليس زيد ولا أخوه منطلقين، أي: ليس زيد وأخوه منطلقين، فـ"لا" مزيدة للتأكيد. قوله: (وقرئ: "ينتجون")، حمزة: بنون ساكنة بعد الياء، وضم الجيم، والباقون: بتاء مفتوحة بين الياء والنون وألف بعد النون وفتح الجيم. قوله: (أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك)، عن البخاري ومسلم والترمذي عن

стр. 8335

والسام: الموت، والله تعالى يقول: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] و ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٦٧] و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: [الأنفال: ٦٤]. ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: ما له إن كان نبيًا لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابًا. [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ والتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضَارِّهُمْ شَيْئًا إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ٩ - ١٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون للمؤمنين، أي: إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر ﴿وتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ والتَّقْوَى﴾. وعن النبي ﷺ : "إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه"، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عائشة ﵂ قالت: أتى النبي ﷺ ناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال: "وعليكم" الحديث. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو: أن اليهود أتت النبي ﷺ فقالت: السام عليكم، وقالوا في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فأنزل الله تعالى الآية. قوله: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر،
следующие страницы →