Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.
стр. 8471
قلت: إن بقي وحده أو مع أقل من ثلاثة، فعند أبي حنيفة: يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع، وعند صاحبيه: إذا كبر وهم معه مضى فيها، وعند زفر: إذا نفروا قبل التشهد بطلت.
فإن قلت: كيف قال: ﴿إلَيْهَا﴾ وقد ذكر شيئين؟
قلت: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه؛ فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: (انفضوا إليه). وقراءة من قرأ: (لهوا أو تجارة انفضوا إليها) وقرئ: (إليهما).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كيف قال: ﴿إِلَيْهَا﴾ وقد ذكر شيئين؟ )، الراغب: أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت الآية فيهم، ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة من لا يشغله اللهو، وعلى ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] لما كان حبس الفضة عن الناس أعظم ضررًا إذ كانت الحاجة إليها أمس، ومنعها للمضرة أجلب.
وعلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] خصها برد الضمير، لأنها أرفع منزلةً من الصبر، لأنها تجمع ضروبًا من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
وقلت: ويمكن أن يقال: إن"أو" في ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ مثلها في قول الشاعر:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى .... وصورتها أو أنت في العين أملح
стр. 8472
عن رسول الله ﷺ : " من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الجوهري: يريد: بل أنت، فالضمير في ﴿إِلَيْهَا﴾ راجع إلى اللهو باعتبار المعنى، والسر فيه: أن التجارة إذا شغلت المكلف عن ذكر الله عدت لهوًا، وتعد فضلًا إن لم تشغله، كما في قوله: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾.
ثم أرشدهم بعد التوبيخ والتعيير إلى تحري الأصوب، وتوخي المنهج الأقوم على سبيل العموم، قائلًا: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجَارَةِ﴾، وقدم ما كان مؤخرًا وكرر الجارة لإرادة الإطلاق في كل واحد واستقلاله فيما قصد منه، التخالف السابق في اتحاد المعنى، لأن ذلك في قصة مخصوصة كما روينا عن الأئمة.
تمت السورة
بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.
* * *
стр. 8473
سورة المنافقون
إحدى عشرة آية، مدنية بلا خلاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١ - ٣]
أرادوا بقولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم. فقال الله : قالوا ذلك ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أن الأمر كما يدل عليه قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة المنافقون
إحدى عشرة آية، مدنية بلا خلاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
قوله: (أرادوا بقولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾) إلى قوله: "أو إنهم لكاذبون فيه"، وقوله: "أو أراد: الله يشهد"، فسر ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ لإطلاقه واستدعائه، متعلقًا على اتحاد مبناه، على مرجع الخبر كونه صادقًا أو كاذبًا إلى مطابقته الواقع، أو إلى اعتقاد المخبر، والتفسير الأول والثاني على الأول، والثالث على الثاني.
стр. 8474
والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم: نشهد؛ وادعائهم فيه المواطأة.
أو إنهم لكاذبون فيه؛ لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة؛ فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
فإن قلت: أي فائدة في قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبيانه: أن هذا التكذيب إما راجع إلى دعواهم، لا إلى كون المخاطب شاكًا في كونهم كاذبين، أو منكرًا، أي: أنهم ادعوا أن قوله: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ صادر عن صميم القلب، حيث صدروا الجملة بـ"إن" وأدخلوا في الخبر اللام، كأنهم قالوا: نشهد عن صميم القلب إنك لرسول الله، فلما لم يكن ذلك مطابقًا للواقع كذبهم، يدل عليه قوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أن الأمر كما يدل عليه قولهم، أي: مطابقًا للواقع وإن لم يعتقدوه. وإما إلى لفظ ﴿يَشْهَدُ﴾ وإبراز الدعوى وتخصيصها وتسميتها به، لأن حقيقة الشهادة: ما يصدر عن طمأنينة قلب وعلم ثابت، قال تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١].
قال القاضي: الشهادة: إخبار عن علم من الشهود، وهو الحضور والاطلاع.
الراغب: الشهادة المتعارفة أصلها الحضور بالقلب والتبيين، ثم يقال ذلك إذا عبر عنه باللسان، ولذلك متى أطلق لفظ الشهادة على ما يظهر من اللسان دون حضوره في القلب عد كذبًا. وإما راجع إلى مطابقة اعتقادهم؛ فإنهم اعتقدوا أن رسول الله ﷺ ليس برسول، فاعتقدوا أن ما قالوه على خلاف ما عليه حال المخبر عنه، فأخبر الله تعالى عن معتقدهم، هذا هو الكلام النفسي. قال بعض أصحابنا: وجه الاستدلال بالآية أنه تعالى شهد بكذب المنافقين، وما كذبوا فيما نطقوا به وجرى على ألسنتهم من قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، فدل على أنهم كذبوا فيما اشتملت عليه نفوسهم، وتكلمت به قلوبهم، وقد سماه الله تعالى كذبًا، والكذب لا يكون إلا في الكلام.
стр. 8475
قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم لكاذبون، لكان بوهم أن قولهم هذا كذب؛ فوسط بينهما قوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ليميط هذا الإيهام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال القاضي: الصدق: الإخبار المطابق، وقيل: مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة، لأنه تعالى كذب المنافقين في قوله: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ لما لم يعتقدوا مطابقته. ورد بصرف التكذيب إلى قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾؛ لأن الشهادة إخبار عما علمه، وهم ما كانوا عالمين به.
الراغب: الصدق يحد بأنه مطابقة الخبر المخبر عنه، لكن حقيقته وتمامه أن يتطابق في ذلك ثلاثة أشياء؛ وجود المخبر عنه على ما أخبر عنه، واعتقاد المخبر فيه ذلك عن دلالة وأمارة، وحصول العبارة مطابقًا لهما، فمتى حصل ذلك وصف بالصدق المطلق، ومتى ارتفع ثلاثتها يوصف بالكذب المطلق، ومتى حصل اللفظ والمخبر عنه والاعتقاد بخلافه صح أن يوصف بالكذب، ألا ترى أن الله تعالى كذب المنافقين في إخبارهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ لما كان اعتقادهم غير مطابق لقولهم، وإذا قال لك من اعتقد كون زيد في الدار: إن زيدًا في الدار، ولم يكن فيها، صح أن يقال: كذب، وإن كان قوله مطابقًا لاعتقاده. ولما كان اللسان ترجمان القلب صح أن يقال: صدق في اعتقاده أو كذب.
قلت: ولعل الظاهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، لأن المقام الاجتهادي يخالف غيره، لأن المجتهد إذا اجتهد وأخبر على خلاف الواقع فلا يقال: إنه كذب، بل أخطأ، قال في قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ في الكهف: "هذا جواب مبني على غالب الظن، وفيه دليل جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبًا، وإن جاز أن يكون خطًا".
قوله: (لكان يوهم أن قولهم هذا كذب) أي: قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وقول الله
стр. 8476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعده: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ في أنك لرسول الله، يوهم أن قولهم هذا كذب، فوسط بقوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ صيانةً لهذا الوهم. هذا نوع من التتميم لطيف المسلك، قال أبو الطيب:
وتحتقر الدنيا احتقار مجرب .... يرى كل ما فيها- وحاشاك- فانيا
"وحاشاك" تتميم، ومنه أخذ صاحب "المفتاح" حيث قال: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ فصل في البين، ولو لم يكن لأوهم رد التكذيب إلى نفس الشهادة.
الانتصاف: مضى تنظيره بقوله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] ولم يقل: لا تقولوا آمنا.
وقلت: ليس منه، لأن ذلك من الألفاظ التي تبدل بما هو أولى بالذكر منه، قال تأبط شرًا:
يظل بموماة ويمشي بغيرها .... جحيشًا ويعروري ظهور المهالك
فإن جحيشًا: نافر، وكان له مندوحة عنه بقوله: فريدًا، وما نحن بصدده من الإطناب الذي يكتسي به الكلام حسنًا وبهجةً ويستزيد به السامع هزةً ونشاطًا، كما قال الآخر:
стр. 8477
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يجوز أن يراد: أن قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يمين من أيمانهم الكاذبة؛ لأن الشهادة تجري مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد، يقول الرجل: أشهد، وأشهد بالله، وأعزم، بالله في موضع أقسم وأولي. وبه استشهد أبو حنيفة ﵀ على أن "أشهد" يمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فسقى ديارك- غير مفسدها- .... صوب السحاب وديمة تهمي
قوله: "غير مفسدها"، فضله وتتميم للصيانة.
قوله: (لأن الشهادة تجري مجرى الحلف) وذلك أن الشهادة بعد الدعوى تأكيد لاستحقاق المدعي لما ادعاه، واليمين كذلك، فشبهت الشهادة لذلك الجامع، فأطلق اسمها عليها: الشهادة، وفي"المطلع": يقال: أشهد لا أفعل كذا، كما يقال: أحلف لا أفعل كذا.
وقوله: يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله، معناه: يقال كلاهما مقرونًا بالله ومجردًا عن قوله: "بالله".
قوله: (وأولي)، الجوهري: آلى [يؤلي] إيلاء: حلف وتألى، مثله.
قوله: (وبه استشهد أبو حنيفة ﵀ على أن"أشهد" يمين)، الانتصاف: لا دليل فيه، لأنه غاية ما في الآية أنه سمي يمينًا، والكلام في وجوب الكفارة بذلك لا في إطلاق الاسم، وكل ما يسمى يمينًا تجب به الكفارة، فلو قال: أحلف على كذا، فلا تجب عليه الكفارة، وإن كان حلفًا.
стр. 8478
ويجوز أن يكون وصفا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان.
وقرأ الحسن البصري: (إيمانهم)، أي: ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم. ويعضده قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
﴿سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي ﴿سَاءَ﴾ معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا بسبب أنهم ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان، أي: ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فجسروا على كل عظيمة.
فإن قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾؟
قلت: فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ﴿آمَنُوا﴾، أي: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ثم ظهر كفرهم بعد ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون وصفًا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان) أي: يقال: استجن بجنة أي: استتر بسترة: والسترة: ما ستر به الصائد وغيره، إظهارًا كانوا عليه من الخبث والخديعة، وما تمرنوا به واعتادوا عليه، فعلى هذا تكون هذه الآية مستطردة تعدادًا لقبائحهم، وعلى الأول: ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ موضوع موضع المضمر، أي: اتخذوا شهادتهم تلك سترة ستروا بها عما خافوا على أنفسهم، وفيه إشعار بأن وكادتهم لتلك الشهادة بلغت مبلغ الحلف والأيمان، فإذن لا يسمى كل شهادة يمينًا.
стр. 8479
وتبين بما اطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر؟ هيهات! ونحوه قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] أي: وظهر كفرهم بعد أن أسملوا. ونحوه قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، والثاني ﴿آمَنُوا﴾: أي: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، والثالث: أن يراد أهل الردة منهم.
وقرئ: (فطبع على قلوبهم)، وقرأ زيد بن علي: (فطبع الله).
[﴿وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤]
كان عبد الله بن أبي رجلا جسيما صبيحًا، ذلق اللسان، وقوم من المنافقين في مثل صفته، وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم.
فإن قلت: معنى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولهم جهارة المناظر)، الأساس: جهرني فلان: راعني بجماله وهيئته، وفلان جهير بين الجهارة، إذا كان ذا جهر ومنظر تجتهره الأعين، قال أعرابي في الرشيد:
جهير الرواء جهير الكلام .... جهير العطاس جهير النغم
стр. 8480
قلت: شبهوا في استنادهم، وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير، بالخشب المسندة إلى الحائط؛ ولأن الخشب إذا انتفع به كان في شقف أو جدار أو غيرها من مظان الانتفاع، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع. ويجوز أن يراد بالخشب المسندة: الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان؛ شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم؛ والخطاب في ﴿رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ﴾ لرسول الله، أو لكل من يخاطب. وقرئ: (يسمع) على البناء للمفعول، وموضوع ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ﴾ رفع على: هم كأنهم خشب، أو هو كلام مستأنف لا محل له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في استنادهم) الإضافة مثل التعريف باللام، لأن المراد ذلك الاستناد، وهو ما قال: "كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيستندون فيه"، والواو في"وما هم" للحال.
قوله: (شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم) هذا الوجه أحسن من الأول، لزيادة الاعتبار، فالتشبيه مركب في الاعتبارين؛ إما عقلي، أو وهمي.
قوله: (أو هو كلام مستأنف لا محل له) يؤذن بأن له محلًا على الوجه الأول، قال أبو البقاء: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ الجملة حال من الضمير المجرور في"قولهم" وقيل: هي مستأنفة.
وقدر القاضي: تسمع لما يقولونه مشبهين بأخشاب منصوبة مستندة إلى الحائط، في كونهم أشباحًا خالية عن العلم والنظر.
وظاهر كلام الزجاج على ما نقله الواحدي على الاستئناف، حيث قال: وصفهم بتمام الصور وحسن الإبانة، ثم أعلم أنهم في ترك التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب.
وأراد أنها ليست بأشجار تثمر وتنمو، بل هي خشب مستندة إلى الحائط، ثم عابهم بالجبن
стр. 8481
وقرئ: (خشب جمع خشبة، كبدنة وبدون، و ﴿خُشُبٌ﴾، كثمرة وثمر، وخشب، كمدرة ومدر، وهي في قراءة ابن عباس. وعن اليزيدي أنه قال في ﴿خُشُبٌ﴾: جمع خشبائ، والخشباء: الخشبة التي دعر جوفها: شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ثاني مفعولي ﴿يَحْسَبُونَ﴾، أي: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم، لجبنهم وهلعهم وما في قلوبهم من الرعب، إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوه إيقاعا بهم. وقيل: كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم، ومنه أخذ الأخطل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أن تأمنهم على سرك لأنهم عيون لأعدائك.
وقلت: تلخيص الآية: إذا رأيت جهارة منظرهم وفصاحة منطقهم، حسبتهم أرباب لب وشجاعة، وأصحاب علم ودراية، وإذا اختبرتهم وقفت على خلاف ذلك، فلا تحتفل بذلك. هم العدو، أي: هم أولئك الذين قالوا: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾، ألا ترى كيف عقب الكلام بقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ فإذن التعريف في ﴿العَدُوُّ﴾ للعهد، وإن ذهب المصنف للجنس لقوله: "هم الكاملون في العداوة".
قوله: (وقرئ: "خشب") قنبل وأبو عمرو والكسائي: بإسكان الشين، والباقون: بضمها. الانتصاف: قد قرئ: بضم الشين قراءةً مستفيضةً، فتدل على أن الضم أصل، والتخفيف فرع، وذلك يبعد كونها جمع خشباء، فإنه يجمع على"فعل" ساكن العين لا غير.
قوله: (دعر جوفها)، الجوهري: الدعر- بالتحريك-: الفساد، والدعر أيضًا: مصدر: دعر العود- بالكسر- يدعر دعرًا، فهو عود دعر، أي: عود رديء كثير الدخان.
стр. 8482
ما زلت تحسب كل شيء بعدهم .... خيلا تكر عليهم ورجالا
يوقف على ﴿عَلَيْهِمْ﴾، ويبتدأ ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾، أي: هم الكاملون في العدواة؛ لأن أعدى الأعداء العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ ولا تغترر بظاهرهم. ويجوز أن يكون ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ المفعول الثاني، كما لو طرحت الضمير.
فإن قلت فحثه أن يقال: هي العدو.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما زلت تحسب كل شيء) البيت.
أي: لا زلت في وجل من الإيقاع بهم، وإباحة دمائهم وأموالهم، حتى تحسب- للجبن والهلع- أن كل شيء"خيلًا ورجالةً". أبو الطيب:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم .... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
قوله: (يوقف على ﴿عَلَيْهِمْ﴾)، المرشد: وقف تام، كذا في" الكواشي"، وعليه كلام الواحدي.
قوله: (هم الكاملون في العداوة) لتعريف الخبر بالجنس، والضمير هاهنا بمنزلة اسم الإشارة، يؤذن بأن ما بعده جدير بمن قبله لأجل تلك الأوصاف، وإليه أشار بقوله: "لأن أعدى الأعداء العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي".
قوله: (العدو المداجي)، الجوهري، المداجاة: المداراة. يقال: داجيته، إذا داريته؛ كأنك ساترته بالعداوة، والمكاشر: المجاهر، يقال: كشر البعير عن نابه، أي: كشف عنها.
الداء الدوي، يقال منه: دوي بالكسر منه أي: مرض، ودوي صدره أي: ضغن
стр. 8483
قلت: منظور فيه إلى الخبر، كما ذكر في ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] وأن يقدر مضاف محذوف على: يحسبون كل أهل صيحة. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاء عليهم، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يعدلون عن الحق؟ تعجبا من جهلهم وضلالتهم.
[﴿وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ ٥ - ٦]
﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ عطفوها وأمالوها إعراضا عن ذلك واستكبارًا. وقرئ بالتخفيف والتشديد للتكثير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: في حديث علي ﵁: "إلى مرعى وبي، ومشرب دوي" أي: فيه داء، وهو منسوب إلى دو، من دوي بالكسر يدوي.
قوله: (كما ذكر في ﴿هَذَا رَبِّي﴾) وقد ذكر فيه جعل المبتدأ مثل الخبر، لكونهما عبارةً عن شيء واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك.
قوله: (وطلب من ذاته تعالى أن يلعنهم) يعني: أنه من أسلوب التجريد، كقراءة ابن عباس ﵄ في قوله: "ومن كفر فأمتعه" على الأمر، أي: فأمتعه يا قادر، قال في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]: "هي من أشنع دعواتهم، لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها"، كذلك الطرد عن رحمة الله البعد عن جنابه الأقدس، والخزي: منتهى عذاب الله وغاية نكاله في الدنيا والآخرة، فجعل ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ كناية عن ذلك، نعوذ بالله منه.
قوله: (قرئ: بالتخفيف والتشديد) نافع: "لووا" بتخفيف الواو، والباقون: بتشديدها.
стр. 8484
[﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا ولِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٧ - ٨]
روي أن رسول الله ﵌ حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم، وهزمهم وقتل منهم، ازدحم على الماء جهجاه بن أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي، واقتتلا، فصرخ جهجاه: ياللمهاجرين! وسنان: يا للأنصار! فأعان جهجاهًا جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانًا؛ فقال عبد الله لجعال: وأنت هناك؟ وقال: ما صحبنا محمدًا إلا لنلطم؟ والله ما مثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حين لقي بني المصطلق على المريسيع) قال ابن الجوزي في" الوفا": المريسيع: اسم بئر لبني المصطلق، وكان سيدهم الحارث بن أبي ضرار، جمع لحرب رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إليهم، وتراموا بالنبل ساعةً، ثم أمر رسول الله ﷺ أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فقتل عشرة من العدو وأسر الباقون. ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد.
قوله: (وأنت هناك) أي: وأنت في ذلك المقام والمنزلة أن يلطم من يتعلق بي؟ وهو كناية.
قوله: (سمن كلبك يأكلك) قال الميداني: أول من قال ذلك حازم بن المنذر الحماني، وقصته مذكورة بطولها في "مجمع الأمثال" وقال: قيل: إن رجلًا من طسم ارتبط كلبًا، فكان يسمنه ويطعمه رجاء أن يصيد به، فدخل عليه يومًا فوثب عليه فافترسه، قال عوف بن الأحوص:
стр. 8485
عنى بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ ، ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم؛ أما والله لو أمسكتم عن جعال وذوبه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عنكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد. فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن وقوة من المسلمين، فقال عبد الله اسكت فإنما كنت العب؛ فأخبر زيد رسول الله فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال: " إذن ترعد آنف كثيرة بيثرب". قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري، فأمر به أنصاريا فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ " وقال ﵊ لعبد الله: " أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أراني وعوفًا كالمسن كلبه .... فخدشه أنيابه وأظافره
قوله: (ترعد آنف) بالمد، قيل: هو جمع آنف، قيل: هو عبارة عن الاضطراب والخوف، أو عن الغضب والارتعاد، يقال: أرعده فارتعد، والاسم: الرعدة، وأرعد الرجل: أخذته الرعدة، وأرعدت فرائصه عند الفزع.
الأساس: ومن المجاز: هو أنف من قومه، وهم آنف الناس، فعلى هذا الأنسب أن يكون كنايةً عن غضب الرؤساء، أي: يغضب علينا ويتعصب أهل يثرب وما حولها، وتقع فتنةً عظيمة، يدل على هذا قوله: "فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريًا، وأما حديث عبد الله ابن أبي وقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ فقده رواه البخاري ومسلم والترمذي عن زيد ابن أرقم، على غير هذا الوجه الذي رواه المصنف، وذكره يطول.
стр. 8486
قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئًا من ذلك، وإن زيدًا لكاذب- وهو قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]_ فقال الحاضرون: يا رسول الله، شيخنا وكبيرنا، لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم. وروي أن رسول الله قال له: لعلك غضبت عليه؛ قال: لا؛ قال: فلعله أخطأ سمعك؛ قال: لا؛ قال: فلعله شبه عليك؛ قال: لا. فلما نزلت لحق رسول الله زيدًا من خلفه فعرك أذنه وقال: " وفت أذنك يا غلام، إن الله قد صدقك وكذب المنافقين". ولما أراد عبد الله أن يدخل المدينة اعترضه ابنه حباب_ وهو عبد الله بن عبد الله غير رسول الله اسمه، وقال: " إن حبابًا اسم شيطان". وكان مخلطًا_ وقال: وراءك، والله لا تدخلها حتى تقول: رسول الله الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيسًا في يده حتى أمره رسول الله بتخليته.
وروي أنه قال له: لئن لم تقر لله ورسوله بالعز لأضربن عنقك، فقال: ويحك، أفاعل أنت؟ قال: نعم، فلما رأى منه الجد قال: أشهد أن العة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسول الله لابنه: " جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرًا"؛ فلما بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمر تموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفت أذنك يا غلام)، النهاية: كأنه جعل أذنه في السماع كالضامنة بتصديق ما حل فيها، فلما نزل القرآن في تحقيق ذلك الخبر، صارت الأذن كأنها وافية بضمانها، خارجة من التهمة فيما أدته في السماع إلى اللسان.
قوله: (وراءك) أي: ارجع القهقرى، قال الميداني: وفي المثل: وراءك أوسع لك، أي: تأخر تجد مكانًا أوسع لك، ويقال في ضده: أمامك، أي: تقدم.
стр. 8487
فما بقي إلا أن أسجد لمحمد، فنزلت: ﴿وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٥] ولم يلبث إلا أيماما قلائل حتى اشتكى ومات. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الاستغفار وعدمه؛ لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون لكفرهم، أو لأن الله لا يغفر لهم.
وقرئ: (استغفرت) على حذف حرف الاستفهام؛ لأن (أم) المعادلة عليه.
وقرأ أبو جعفر (آستغفرت)، إشباعًا لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان، لا قلبا لهمزة الوصل ألفًا، كما في: (آلسحر) و (آلله).
﴿يَنفَضُّوا﴾ يتفرقوا، وقرئ: (ينفضوا من: أنفض القوم: إذا فنيت أزوادهم.
وحقيقته: حان لهم أن ينفضوا من أودهم ﴿ولِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ وبيده الأرزاق والقسم، فهو رازقهم منها، وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم، ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون، ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "استغفرت" على حذف حرف الاستفهام) وهي المشهورة، قال أبو البقاء: الهمزة في ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ همزة قطع، وهمزة الوصل محذوفة، وقد وصلها قوم على أنه حذف همزة الاستفهام لدلالة ﴿أَمْ﴾ عليه.
قوله: ("آستغفرت"، إشباعًا) قال ابن جني: وهي ضعيفة لأنه أثبت همزة الوصل، وقد استغني عنها بهمزة الاستفهام، وأجاب بأنه إشباع لهمزة الاستفهام، لا قلبًا لهمزة الوصل ألفًا.
قيل: إذا دخل همزة الاستفهام على الاسم المعرف باللام نحو: الحسن، قلبت همزة الوصل ألفًا، لئلا يلتبس الخبر بالاستخبار، وأما هاهنا فلا لبس، لأنه همزة الوصل هاهنا مكسورة.
قوله: (جاهلون ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ ذلك فيهذون)، فإن قلت: فصلت هذه الآية بقوله:
стр. 8488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ والآية الثالثة: ﴿ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لم قدر مفعول هذه ولم يقدر مفعول الثالثة؟
قلت: ليشير الإطلاق إلى إدارة المبالغة، وأن المنافقين عادمون المعرفة، فاقدون العلم، ولذلك خفي عنهم أن العزة لله جميعًا، بعز من يشاء، ويذل من يشاء، وبالتقييد: الإشارة إلى أن الأرزاق والقسم بيد الله تعالى، فهو يرزق رسول الله ﷺ ومن عنده، ولما كان الثاني مستلزمًا للأول لا العكس بولغ فيه دونه.
فإن قلت: لم خص الأول بـ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ والثاني بـ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؟
قلت: قد مر أن إثبات الفقه للإنسان أبلغ من إثبات العلم له، فيكون نفي العلم أبلغ من نفي الفقه، فأوثر ما هو أبلغ لما هو أدعى له.
الراغب: معنى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ يأمرونهم بالإضرار بهم، وحبس النفقات عنهم ولا يفطنون، لأنهم إذا فعلوا ذلك أضروا بأنفسهم، فهم لا يفقهون ذلك ولا يفطنون له.
وقوله في الثاني: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ بعد قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ عندهم أن الأعز من له القوة والغلبة، على ما كانوا عليه من الجاهلية، ولا يعلمون أن هذه القدرة التي يفضل بها الإنسان غيره، إنما هي من الله، فهي لله ولمن يخصه بها من عباده، والمنافقون لا يعلمون أن الذلة لمن يقدرون فيه العزة، وأن الله معز أولياءه بطاعتهم له، ومذل أعداءه بمخالفتهم أمره، فقد اختص كل آية بما اقتضاه معناه.
стр. 8489
وقرئ: (ليخرجن الأعز منها الأذل) _ بفتح الياء_ وليخرجن، على البناء للمفعول. قرأ الحسن وابن أبي عبلة: لنخرجن، بالنون ونصب الأعز والأذل، ومعناه: خروج الأذل أو إخراج الأذل أو مثل الأذل، ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ الغلبة والقوة، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين، وهم الأخصاء بذلك، كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليخرجن الأعز منها الأذل) هذه القراءات كلها شواذ، والمشهورة بضم الياء وسكون الخاء، وكسر الراء، والأعز فاعل، والأذل مفعول.
قوله: (ومعناه: خروج الأذل، أو إخراج الأذل، أو مثل الأذل) بيان للقراءة المذكورة على النشر، وعليه ظاهر كلام صاحب "التقريب"، فالتقدير: ليخرجن الأعز منها خروج الأذل، ليخرجن الأعز منها إخراج الأذل، ليخرجن الأعز منها مثل الأذل، وقيل: "إخراج" متعلق بالقراءة الثانية والثالثة، والنصب على هذه القراءات على المصدر، و"مثل الأذل" نصبه على الحال على جميع القراءات، ولا يختص بالثالثة كما ذهب إليه صاحب "التقريب"، لئلا يلزم الترجيح بلا مرجع، فيكون "أو مثل" عطف على قوله: "معناه"، يؤيده قول القاضي: والأذل على هذه القراءات مصدر أو حال على تقدير مضاف، كخروج وإخراج، أو مثل.
وفي الكواشي: "ليخرجن" بفتح الياء معلومًا وبضمها مجهولًا، ونصب "الأذل" مفعول حال محذوف أي: مشبهًا الأذل، أو حال مثل: أرسلها العراك، و "لنخرجن" بالنون ونصب "الأعز"، "الأذل"، أي: خروج أو إخراج الأذل.
قوله: (﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ الغلبة والقوة)، الراغب: العزة: حالة مانعة للإنسان أن يغلب. من قولهم: أرض عزاز، أي: صلبة، وتعزز اللحم: اشتد، وعز: كأنه حصل في عزاز يصعب
стр. 8490
وعن بعض الصالحات- وكانت في هيئة رثة-: ألست على الإسلام؛ وهو العز الذي لا ذل معه؛ والغنى الذي لا فقر معه! وعن الحسن بن علي ﵄ أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك أن فيك تيها؛ قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا وهذه الآية.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ٩]
﴿لا تُلْهِكُمْ﴾ لا تشغلكم ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾ والتصرف فيها، والسعي في تدبير أمرها، والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، وابتغاء النتاج، والتلذذ بها؛ والاستمتاع بمنافعها، ﴿ولا أَوْلادُكُمْ﴾ وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد، وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله ﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وإيثاره عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوصول إليه، والعزيز: الذي يقهر ولا يقهر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقد يستعار للحمية والأنفة المذمومة، كما في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] ويقال: عز علي كذا، أي: صعب.
قوله: (ليس بتيه ولكنه عزة) قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: العزة غير الكبر، لأن العزة معرفة الإنسان لحقيقة نفسه، وإكرامها أن لا يضعها لأقسام عاجلة، كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلتها، فالعزة ضد الذلة، كما أن الكبر ضد التواضع.
قوله: (﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وإيثاره عليها) أي: لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن
стр. 8491
﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يريد الشغل بالدنيا عن الدين ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ في تجارتهم حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.
وقيل: ذكر الله: الصلوات الخمس. وعن الحسن: جميع الفرائض، كأنه قال: عن طاعة الله. وقيل: القرآن، وعن الكلبي: الجهاد مع رسول الله ﷺ .
[﴿وأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * ولَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذَا جَاءَ أَجَلُهَا واللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١٠ - ١١]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اختيار ذكر الله على الأموال والأولاد، أي: لا تغفلوا عن هذا الإيثار، وفيه جواز الاشتغال بها مصونًا عن الإيثار.
قوله: (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يريد الشغل بالدنيا عن الدنيا) يعني المشار إليه بذلك، هذا هو المعنى، وهو تلخيص الآية على أوجز ما يمكن فهو كلام جامع، عبر بالأموال والأموال والأولاد عن معبر واحد وهي الدنيا، لكونهما أرغب الأشياء منها، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] وقصد بقوله: ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الشمول والعموم، حيث فسره بالدين لإطلاقه وتناوله كل ما هو مسمي به، وبما يناط به من أمور الدين، قال رسول الله: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم" أخرجه الترمذي عن أبي هريرة، فجمع بين الإطناب في الأول، والإيجاز في الثاني، وأذن بنسبة الشغل إلى ذوي العلم أن النهي الوارد في قوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ راجع في الحقيقة إلى المخاطبين، من باب إطلاق المسبب على السبب كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢] أي: لا تكونوا بحيث تلهيكم الأموال والأولاد من التهالك في جمعها، وفي التلذذ بها، والانهماك فيها، والتعزز بهم، والتكاثر بعددهم.
стр. 8492
﴿مِنْ﴾ في ﴿مِن مَّا رَزَقْنَاكُم﴾ للتبعيض، والمراد: الإنفاق الواجب، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ من قبل أن يرى دلائل الموت، ويعاين ما ييأس معه من الإمهال ويضيق به الخناق، ويتعذر عليه الإنفاق، ويفوت وقت القبول فيتحسر على المنع، ويعض أنامله على فقد ما كان متمكنا منه. وعن ابن عباس ﵁: تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، قلا تقبل توبة، ولا ينفع عمل. وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. وعنه: أنها نزلت في مانعي الزكاة، ووالله لو رأى خيرًا لما سأل الرجعة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي تخصيص ذكر ﴿الخَاسِرُونَ﴾ إنما إلى أن ذلك الإيثار في معنى الاستبدال، الذي هو بمنزلة البيع والشراء، ثم في التعريف الجنسي في ﴿الخَاسِرُونَ﴾ وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين المبتدأ إشعار بأن الكاملين في الخسارة هؤلاء، وأن خسارهم فوق كل خسران، حيث باعوا العظيم الباقي، بالحقير الفاني، وإن ربحوا في تجارتهم الظاهرة، ودخل في هذا العموم وعيد كل من ذهل عن الجهاد في سبيل الله، وشغل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن طلب العلم، وعن النصيحة للمسلمين، بسبب مراعاة شأن الأموال والأولاد.
وأما بيان النظم، فإن المنافقين لما نهوا عن الإنفاق على من عند رسول الله، وأريد الحث على الإنفاق بقوله: ﴿وأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ رغمًا لأنوفهم، وتحريًا لما هو الأصوب والأصلح، وجعل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ﴾ تمهيدًا وتوطئة للأمر بالإنفاق وعم العلة والحكم، والله أعلم.
قوله: (ويضيق به الخناق)، كناية عن اللزوم وعدم الإمهال. والأساس: ومن المجاز: أخذ منه بالمخنق: إذا لزه وضيق عليه.
стр. 8493
فقيل له: أما تتقي الله! يسأل المؤمنون الكرة؟ قال: نعم، أنا أقرأ عليكم به قرانا. يعني: أنها نزلت في المؤمنون وهم المخاطبون بها، وكذا عن الحسن: ما من أحد لم يزك ولم يصم ولم يحج إلا سأل الرجعة. وعن عكرمة: أنها نزلت في أهل القبلة.
﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾، وقرئ: (أخرتن)، يريد: هلا أخرت موتي ﴿إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إلى زمان قليل؟ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ وقرأ أبي: (فأتصدق) على الأصل، وقرئ: ﴿وأَكُن﴾، عطفا على محل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن. ومن قرأ: (وأكون) على النصب، فعلى اللفظ. وقرأ عبيد بن عمير: (وأكون)، على (وأنا أكون) عدة منه بالصلاح، ﴿ولَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ﴾ نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي الحكمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أما تتقي الله! يسأل المؤمنون الكرة؟ ) أي: أما تخاف الله! كيف تقول: إنها نزلت في مانعي الزكاة؟ والحال أن المؤمنين لا يسألون الرجعة غلى الدنيا، بل الكافرون هم السائلون، فقال ابن عباس: أنا ما أقول من تلقاء نفسي، وإنما أقرأ بما قلت قرآنًا، لأن قوله: ﴿أَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم﴾ عطف على ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾، والمخاطبون هم المؤمنون، لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفيه إشارة إلى أن من فسر القرآن وراعى النظم لا يخطئ.
قوله: (وقرئ: ﴿وَأَكُن﴾، عطفًا على محل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾) أبو عمرو: "وأكون" بالنصب والواو، والباقون: بغير واو وجزم النون. قال الزجاج: من قرأ ﴿فَأَصَّدَّقَ وأَكُن﴾ فـ"أصدق" جواب ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾ معناه: هلا أخرتني، وجزم ﴿وأَكُن﴾ على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، لأنه على معنى: إن أخرتني أصدق وأكن. قال صاحب "الكشف": جزم "أكن" بالحمل على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأن موضع الفاء مع الفعل جزم. ومن قال: "وأكون" حمله على لفظ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأن الحمل على
стр. 8494
والمعنى: إنكم إذا علمتم أن تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه، وأنه هاجم لا محالة، وأن الله عليم بأعمالكم فمجاز عليها من منع واجب وغيره، لم تبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات والاستعداد للقاء الله. وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة المنافقين برئ من النفاق".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللفظ عندهم أحسن، إذا لم يظهر في الموضع إعراب، وما لا يظهر جرى مجرى المطرح المرفوض.
قوله: (وأن الله عليم بأعمالكم فمجاز عليها؛ من منع واجب وغيره* روي عن المصنف أنه قال: ليس في الزجر عن التفريط في هذه الحقوق أعظم من ذلك، فلا أحد يؤخر ذلك إلا ويجوز أن يأتيه الموت عن قريب، فيلزمه التحرز الشديد من هذا التفريط في كل وقتن وقد أبطل الله تعالى قول المجبرة بقوله: ﴿وَأَنفِقُوا﴾ الآية، أي: غن كان لم يقدر من قبل حضور الموت على الإنفاق، فكيف يتمنى تأخير الأجل؟ ثم قال مؤيسًا له: ﴿ولَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾، وأن عمره مكتوب لا تأخير فيه، فالجواب عل كل أحد أن لا يتكل على وقت، ويكون على حذر في جميع أحواله وأوقاته، وجوابه مر مرارًا.
قوله: (﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء) بالياء التحتانية: أبو بمر وحده.
تمت السورة
بحمد الله وعونه.
* * *
стр. 8495
سورة التغابن
مختلف فيها، وهي ثمان عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿يُسَبِّحُ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإلَيْهِ المَصِيرُ * يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١ - ٤]
قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله ، وذلك لأن الملك على الحقيقة له؛ لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه والقائم به، والمهيمن عليه؛ وكذلك الحمد، لأن أصول وفروعها منه. وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة التغابن
ثماني عشرة آيةً، مكية بخلاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
قوله: (واسترعاء)، الجوهري: راعيته الشيء، من مراعاة الحقوق، واسترعيته الشيء فرعاه، وفي المثل: "من استرعى الذئب فقد ظلم"، والراعي: الوالي.
стр. 8496
وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (وحمده اعتداد) عطف على قوله: "ملك غيره" أتى بإيرادين على إثبات اختصاص الملك بالله، واختصاص الحمد به، ولما حذف "أما" التفصيلية من المعطوف، حذف الفاء اللازمة لها، وقد سبق تقريره في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧].
وأجاب: أن ملك غيره إن كان ظالمًا، فهو تسليط من الله تعالى على الخلق ابتلاءً، وإن كان عادلًا فاسترعاء منه امتنانًا.
وأما حمد بعض الناس لبعض فإنما كان معتدًا به لأنه جرت نعمة الله على يده، يعني لولا نعمة الله وخلقه إياها ما جرى ذلك الإعطاء على يد العبد، فإذن: في الحقيقة الله هو المحمود، لأن أصول النعم وفروعها منه، كما أن خازن الملك إذا أعطى الغير فهو إنما يحمد لأنه باشر الفعل، وفي الحقيقة الملك هو المحمود لأن النعمة منه، وذهب عنه أن فعل الإعطاء أيضًا في الحقيقة ليس من العبد، ثم نقول: هب أنه خلص من هذه الورطة بهذا العذر، فأنى له الخلاص من الحمد على الحمد على الأفعال الاختيارية؟ ! وقد قال في فاتحة الفاتحة: "الحمد والمدح أخوان، وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها". ثم قال في الحجرات: "وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن، لا يغيب عنه أن الرجل لا يمدح بفعل غيره، وحمل الآية على ظاهرها يؤدي إلى أن يثنى عليهم بفضل الله وقد نعى الله هذا على الذين أنزل فيهم ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] " فإذا لم يجز أن يثنى عليهم بفعل الله، لم
стр. 8497
يعني: فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له، كقوله تعالى: : ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي عالم بكفر كم وإيمانكم اللذين هما من عملكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجز أن يثنى على الله بفعلهم، فلا يختص الحمد بالله. وهذا كما ترى كالشجى لا يسيغ، ولا يسوغ التكلم في الاختصاص إلا لمن يقول: الحمد لما كان هو الوصف بالجميل، والله خالق كل جمال وكمال، وخالق كل من له الجمال والكمال، وخالق كل ما يستحق الحمد من الأفعال، فله الحمد في الحقيقة، وإن أضيف في الظاهر إلى الغير، وحينئذ تتطابق القرينتان، لا إلى أنهما اسمان، فكما حاز قوله: "له الملك"، أنواع الملك، جمع"له الحمد" أجناس الحمد، ولله الحمد على التوقيف، وله المنة على التوفيق.
قوله: (فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له) نظرًا إلى اشتقاق اللفظين، لا إلى أنهما اسمان لهذين الفريقين، وجعلهما خارجين من معنى قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، يعني أن الله تعالى خلق ذواتهم، وهم الذين أحدثوا الإيمان والكفر، واستدل على مذهبه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]، فإن كونهم فاسقين ليس الغرض في جعل الكتاب فيهم، كذلك كونهم كافرين ليس المراد في خلقهم، وبقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فإنه تهديد ووعيد على أعمالهم.
فالحاصل: أنه جعل الفاء في ﴿فَمِنكُمْ﴾ وفي ﴿فَمِنْهُمْ﴾ للترتيب، والغرض على سبيل الاستعارة، كالكلام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، يدل عليه قوله: "والمعنى هو الذي تفضل عليكم .. " إلى آخره، والذي يدل على أنه
стр. 8498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخرج ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ من مفهوم قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، قوله بعد ذلك: "فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق ويجعله من جملته".
والقاضي جعل ما بعد الفاء تفصيلًا لقوله ﴿خَلَقَكُمْ﴾ حيث قال: ﴿هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ﴾، ثم شرع في البيان وقال: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾، أي: مقدر كفره، ﴿وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ مقدر إيمانه.
وقلت: مثله في الإجمال والتفصيل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور: ٤٥] خلقهم وقدرهم على المشي، وما به يقدرون عليه، ثم أسند المشي إليهم، والتفصيل إنما يبين ما أجمل في المفصل في المعنى، فعلم أن كونهم كافرين ومؤمنين مراد في قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وعليه السياق، فإن الآيات كلها واردة لبيان عظمة الله في ملكه وملكوته واستبداده فيهما، وفي شمول علمه المعلومات كلها، وفي إنشائه المكونات ذواتها وأعرضها، ولأن قوله: ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ بيان لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ويعضد هذا التأويل الأحاديث الكثيرة منها؛ ما روى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات؛ يكتب رزقه وعمله وأجله، وشقي أم سعيد، فو الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".
стр. 8499
والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عبادًا شاكرين، فما فعلتم مع تمكنكم، بل تشعبتم شعبًا، وتفرقتم أمما؛ ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم، وقيل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾ بالخلق، وهم الدهرية، ﴿وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنها ما رواه مسلم والترمذي وأبو داود، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا".
قال صاحب"التيسير" و" المطلع": دلت الآية على أنه لا منزلة بين المنزلتين.
وقال ابن عباس: ليس بين الجنة والنار منزل، وليس بين الطاعة والمعصية عمل، وليس بين الكفر والإيمان اسم.
وقال محيي السنة: إن الله خلق الكافر وكفره فعلًا له وكسبًا، وخلق المؤمن وإيمانه فعلًا له كسبًا، والكل بتقدير الله ومشيئته. فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه، وهذا طريق أهل السنة من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر.
قوله: (الدهرية) قال حجة الإسلام: الدهريون طائفة من الأقدمين حجدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودًا لذلك بنفسه لا بصانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان وكذلك يكون، فهؤلاء هم الزنادقة خذلهم الله وأبادهم.
стр. 8500
فإن قلت: نعم، إن العباد هم الفاعلون للكفر، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر، ولم يختاروا غيره، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلا واحد؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفًا باترًا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرمة فقتل به مؤمنًا؟ أما يطبق العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه، والدق في فروته كما يذمون القاتل؟ بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد؟
قلت: قد علمنا أن الله حكيم عالم بقبح القبيح، عالم بغناه عنه، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسنًا، وأن يكون له وجه حسن؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نعم، إن العباد هم الفاعلون) إيجاب لقوله: "فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكر آت بالإيمان وفاعل له" إلى آخره، وتقرير له بعد الدلائل، كأنه قيل: ظهر أن العباد هم الفاعلون.
قوله: (والدق في فروته)، الأساس: لأسلخن فروة رأسك، وضربه على أم فروته وهي هامته، فهي عبارة عن الوقوع فيه وتمزيق عرضه.
قوله: (قد علمنا أن الله حكيم عالم) إلى آخره، الانتصاف: اقتحم الزمخشري وعر المسالك، وهو فيها هالك، فتحدق وتشدق، وتفقه فتفيهق، هب أنه نسي أن الله خالق كل شيء، وغفل عن الأدلة العقلية، أليس قد اعترف أن خلق فاعل القبيح كخلق القبيح؟ ! زعمًا منه أن ما قبح شاهدًا، قبح غائبًا، كما علل بأنه يجوز أن يكون فيها حكمة استأثر الله بها، فما الذي يمنعه أن يقول: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وفي ذلك حكمة استأثر الله بها؟ ! ولا فرق إلا التحكم واتباع الهوى.
стр. 8501
وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها.
﴿بِالْحَقِّ﴾ بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعلها مقار المكلفين ليعملوا فيجازيهم، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ - وقرئ: (صوركم) بالكسر- لتشكروا، وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط فيه.
فإن قلت: كيف أحسن صوركم؟
قلت: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبًا غير منكب، كما قال : ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
فإن قلت: فكم من دميم مشوه والصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟
قلت: لا سماحة ثم، ولكن الحس كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطًا بينًا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وخفاء وجه الحسن علينا، لا يقدح في حسنه) قال صاحب"الانتصاف" في البقرة: ما ذكرتموه إن صلح جوابًا كان جوابًا عما أعرضتم، فلم لم تسلم الأمر إلى الله في أول الأمر؟ !
قوله: (على الشكر) متعلق ب"جزاؤكم"، وهو مبتدأ خبره محذوف، والجملة معطوفة على جملة قوله: "وإليه مصيركم" يعني: جعلها مقار للمكلفين ليعلموا، وصوركم فأحسن لتشكروا، وإليه مصيركم فعنده جزاؤكم على الشكر والكفران، وقيل: "فجزاؤكم" عطف على "مصيركم"، فكأنه قيل: إليه مصيركم فإليه انتهى جزاؤكم.
قوله: (فلانحطاط بعض الصور) اللام فيه تعليل لقوله: "لا يستملح"، والاستثناء
стр. 8502
وإضافتها إلى الموفي عليها لا تستملح، وإلا فهي داخلية في حيز الحسن، غير خارجة عن حده. ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستلحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها؟ وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لها: الجمال، والبيان.
نبه بعلمه ما في السموات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور، أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه، فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله تعالى: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قوله: "وإلا فهي داخلة" في معنى الشرط، والفاء علة، أي: وإن لا يكن انحطاط بعض الصور ولا تكن هذه الإضافة، لما كان عدم الاستملاح، ولما اقتحمته العيون، لأن هذا البعض داخل في حيز الحسن، والمراد بالموفي عليها: هي التي أتم الله حسنها، يقال: وفى الشيء وفيًا على فعول: تم وكثر، والباء في قوله: "ولا ترى الدنيا بها" بدلية.
قوله: (وكل ما ذكره بعد قوله: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾) "كل" مبتدأ، والخبر "في معنى الوعيد"، "وكما ترى" متعلق بالخبر، أي: كل ما ذكره وارد في معنى الوعيد ورودًا كما ترى، هذا تمسك بدلالة النظم على مطلوبه، وقد ذكر أن الدليل على أن قوله: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ في معنى: "فمنكم آت بالكفر، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له" قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ثم شد عضده بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقلت: أما تقريره النظم على أن "الفاء" في ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾ تفصيلية، وأن الآيات كلها واردة لبيان عظمة الله في ملكه وملكوته، فهو أنه تعالى لما أثبت لذاته الأقدس التنزيه، وأن كل شيء ينزهه ويقدسه عما لا يليق بجلاله، ثم خص لها صفة المالكية على الإطلاق، وخص
стр. 8503
كما ترى في معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالق، ولا تشكر نعمته فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق ويجعله من جملته، والخلق أعم نعمة من الله على عباده، والكفر أعظم كفران من العباد لربهم.
[﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٥ - ٦]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن لها كل كمال وجمال، ومنه كل نعمة وإفضال، وهو خالق كل مهتد وضال، ونظم دليل الآفاق مع دليل الأنفس، وبين أن إليه المصير والمآل، ختمها بإثبات العلم الشامل للكليات والجزئيات وكرره تكريرًا وأكده توكيدًا، وكان ذكر العلم في قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ استطرادًا لذكر الخلق وتفصيله، ولإثبات القضاء والقدر، ولما فرغ من ذكر بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد، وقال: ﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، والله أعلم.
قوله: (فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق) أي: يقول: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ دخلان تحت قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ومن جملته كما سبق، ونقول: هذا قول من يجهل القدر، ولا يؤمن بالنصوص القاطعة والبراهين الساطعة، والفرق بين الخلق والكسب، ولو لم يكن لمزج الكفر بالخلق مدخل واعتبار، وكان تهديدًا صرفًا كما ذكر، لم يكن لذكر ﴿وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ فائدة في المتن، لأنه- على ما قال- وعيد على تعكيس أمرهم، حيث وضعوا الكفران موضع الشكر، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وهو المعني بقوله: وكل ما ذكره في الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالق، ولا يشكر نعمته، وليس كذلك؛ لأن قوله ﴿وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ يأباه.
стр. 8504
﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ﴾ الخطاب لكفار مكة. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة. ﴿بِأَنَّهُ﴾ بأن الشأن والحديث ﴿كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ أنكروا أن تكون الرسل بشرا، ولم ينكروا أن يكون الله حجرا! ! ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أطلق ليتناول كل سيء، ومن جملته إيمانهم وطاعتهم.
فإن قلت: قوله: ﴿وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾: يوهم وجود التولي والاستغناء معا، والله تعالى لم يزل غنيا.
قلت: معناه: وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.
[﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٧ - ٨]
الزعم: ادعاء العلم، ومنه قوله ﵇: "زعموا مطية الكذب"، وعن شريح لكل شيء كنية الكذب: " زعموا"، ويتعدى إلى المفعولين تعدي العلم. قال:
.. ولم أزعمك عن ذاك معزلا
و﴿أَن﴾ مع ما في حيزه قائم مقامهما. و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أهل مكة. و ﴿بَلَى﴾ لما بعد ﴿لَن﴾، وهو البعث،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (زعموا مطية الكذب)، النهاية: معناه: أن الرجل إذا أراد شيئًا من المسير إلى بلد، والظعن في حاجة ركب مطيةً وسار حتى يقضي أربه، فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل إلى غرضه من قوله: "زعموا كذا وكذا"، بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة، وإنما يقال: زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما يحكى على الألسن على سبيل الإبلاغ.
стр. 8505
﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: لا يصرفه عنه صارف، وعنى برسوله والنور: محمدًا ﷺ والقرآن.
[﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ٩ - ١٠]
وقرئ: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ و ﴿يُكَفِّرْ﴾ و ﴿يُدْخِلْهُ﴾، بالياء والنون.
فإن قلت: بم انتصب الظرف؟ قلت: بقوله: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ أو بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قيل: والله معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار (اذكر) ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون. والتغابن: مستعار من: تغابن القوم في التجارة؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقريء: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) المشهورة: بالياء، وبالنون: شاذة، و"نكفر" و"ندخله" بالنون: نافع وابن عامر، والباقون: بالياء.
قوله: (التغابن: مستعار من: تغابن القوم في التجارة)، الراغب، الغبن: أن تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء، فإن كان ذلك في مال يقال: غبن فلان؛ بضم الغين، وإن كان في رأي يقال: غبن؛ بكسر الباء.
ويوم التغابن: يوم القيامة، لظهور الغبن في المبايعة المشار إليها بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وبقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] وبقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] فعلم أنهم قد غبنوا فيما تركوا من المبايعة، وفيما تعاطوه من ذلك جميعًا.
стр. 8506
وهو أن يغبن بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء، وفيه تهكم بالأشقياء؛ لأن نزولهم ليس بغبن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيه تهكم بالأشقياء) يعني: صح أن يقال باعتبار السعداء: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾؛ لأنهم يغبنون الأشقياء بنزولهم في منازلهم من الجنة لو كانوا سعداء، ولكن لا يستقيم باعتبار الأشقياء؛ ذلك لأنهم لا يغبنون السعداء بنزولهم ي منازلهم من النار، إلا بالاستعارة التهكمية، وهو المراد من قوله: "لأن نزولهم لي بغبن".
وجعل الواحدي التغابن من طرف واحد للمبالغة حيث قال: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، وأهل الإيمان أهل الكفر، ولا غبن أبين من هذا، هؤلاء يدخلون الجنة وهؤلاء يدخلون النار.
في أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان. وعليه قول الراغب: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: يوم القيامة، لظهور الغبن في المبايعة … إلى آخره، كما مر آنفًا.
فالمبايعة من الشخص ونفسه، وكذا المغابنة على سبيل التجريد كما في قوله تعالى: "وما يخادعون إلا أنفسهم" في وجه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن جابر أن النبي ﷺ قال: "يا كعب بن عجرة، الناس غاديان، فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
стр. 8507
وفي حديث رسول الله ﷺ : "ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرًا، وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة".
ومعنى ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ _ وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم-: استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت.
﴿صَالِحًا﴾: صفة للمصدر، أي: عملًا صالحًا.
[﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١١]
﴿إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾: إلا بتقديره ومشيئته، كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يلطف به ويشرحه الازدياد من الطاعة والخير. وقيل: هو الاسترجاع عند المصيبة.
وعن الضحاك: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي حديث رسول الله ﷺ الحديث بتمامه رواه البخاري عن أبي هريرة في"صحيحه"، وأورده الصغاني في"مشارق الأنوار".
قوله: (ومعنى ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾) مبتدأ، والخبر "استعظام له"، وما توسط بينهما اعتراض، وقوله: "وأن تغابنه هو التغابن" إلى آخره، عطف على الخبر على سبيل التفسير، يعني: في إيقاع ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ خبرًا لاسم الإشارة، والتعريف فيه للجنس، والمشار إليه قريب، استعظام لذلك اليوم كما في قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢].
قوله: (كأنه أذن للمصيبة أذن تصيبه) وهي استعارة مكنية؛ لأن الإذن إنما يستعمل في تسهيل الحجاب كما مر مرارًا.
стр. 8508
وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر.
وقرئ: (يهد قلبه)، على البناء للمفعول، والقلب مرفوع أو منصوب، ووجه النصب أن يكون مثل: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: يهد في قلبه، ويجوز أن يكون المعنى: أن الكافر ضال عن قلبه بعيد منه، والمؤمن واجد له مهتد إليه، كقوله تعالى: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وقرئ: (نهد قلبه)، بالنون، و (يهد قلبه)، بمعنى: يهتد و (يهدأ قبله): يطمئن، و (يهد) و (يهدا) على التخفيف. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم ما يؤثر اللطف من القلوب مما لا يؤثر فيه فيمنحه ويمنعه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يكون مثل ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾) قال: معناه: سفه في نفسه، فحذف الجار كقولهم: زيد ظني مقيم، أي: في ظني، وقيل: انتصاب النفس على التمييز، نحو: غبن رأيه، ويجوز تعريف المميز في الشذوذ.
قال ابن جني: قرأ عكرمة: "يهدأ قلبه" بالهمز، أي: يطمئن قلبه، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
قوله: (و"يهدا" على التخفيف) قال الزجاج: وقرئت: "يهد قلبه"، على تأويل: هدأ قلبه يهدأ، على طرح الهمزة، ويكون في الرفع"يهدا"؛ غير مهموز، وفي الجزم: "يهد" بطرح الألف، يعني: إذا سلم لأمر الله سكن قلبه.
قوله: (فيمنحه ويمنعه) نشر لما سبق، هذا يؤذن أن في الكلام إضمارًا تقديره: ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، أي: بتقديره، فمن لم يؤمن بالله يخذله، ويجعل صدره ضيقًا حرجًا، ومن يؤمن يلطف به ويشرح صدره. ويؤيده قوله في الوجه الثاني المشار إليه بقوله: ويجوز أن يكون"يهد" مسندًا إلى العبد، لا إلى الله تعالى.
стр. 8509
[﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإن تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ * اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ١٢ - ١٣].
﴿فَإن تَوَلَّيْتُمْ﴾ فلا عليه إذا توليتم؛ لأنه لم يكتب عليه طاعتكم؛ إنما كتب عليه أن يبلغ ويبين فحسب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعنى: أن الكافر ضال عن قلبه، بعيد عن، والمؤمن واجد له مهتد إليه، فيكون قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تابعًا لقوله: ﴿وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ على طرح قرينتيها، وأما على تقدير أهل السنة: وأن علم الله موافق لقضائه وقدره، فهو تذييل لقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ولما كان معنى ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾: بتقديره ومشيئته، كان ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تقديرًا له وتوكيدًا، ينصره ما رواه الواحدي عن ابن عباس: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾: بعلم وقضائه، وعن مقاتل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عند المصيبة فيعلم أنها من الله فيسلم لقضائه ويسترجع.
وعن محيي السنة: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيسلم لقضائه.
وقلت: وينصر هذا التأويل ما رويناه عن أبي داود والترمذي عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان، حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة"، يا بني إنيً سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني".
وعليه كلام الضحاك، فحينئذ يحترز أن يقال ما قاله في سورة يونس عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]: "تلك كتابة معلوم، لا كتابة مقدر".
стр. 8510
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ بعث لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على التوكل عليه والتقوي به في أمره، حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١٤ - ١٥]
إن من الأزواج أزواجًا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ويجلبن عليهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن قلت: هذا لا يلزمه لأنه ذكر في كتاب"المنهاج في الأصول": أن الحسنة التي هي الخصب والصحة، من الله، وأما الطاعات فمن العبد، ولكن الله تعالى قد لطف به في أدائها، وبعثه عليها، والسيئة هي القحط والمرض من الله تعالى، وهو صواب وحكمة، وأما المعصية فمن العبد، والله تعالى بريء منها.
وما نحن بصدده من القبيل الأول من القسم الثاني وهو القحط والمرض، لا الكفر والمعصية، ولذلك فسر الآية ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بقوله: "إلا بتقديره ومشيئته".
وقلت: الذي يقتضيه النظم واستشهاد عبادة بالحديث أن تكون المصيبة عامة في جميع المصائب، أما في الحديث فبدلالة قوله: "اكتب مقادير كل شيء"، وأما في الآية فلورودها عقيب بيان جزاء المؤمن وجزاء الكافر، ، وإردافها بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأي مصيبة أعظم من ارتكاب المعاصي والكفر؟ ! فيكون قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ إشارةً إلى الخلق، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إيماءً إلى الكسب، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ كالخاتمة والفذلكة للكل، وكالمخلص إلى مشرع آخر، والله أعلم.
قوله: (ويجلبن عليهم) من الجلبة: الصيحة، ويروى: "ويجلبن". الجوهري: جلب على
следующие страницы →