Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.
стр. 8436
ولأن من آذاه كان وعيد الله لا حقا به، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ عن الحق ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ بأن منع الطافه عنهم ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ لا يلطف بهم لأنهم ليسوا من أهل اللطف.
فإن قلت: ما معنى ﴿قَدْ﴾ في قوله ﴿وقَد تَّعْلَمُونَ﴾؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ﴾ أي: قضية الدعوى إلى الإسلام توقير من يدعو إليه، وتوقير حرمته، وإجابة دعوته، والتفادي عن إخلاف المواعيد وعما يؤذيه من القول والفعل؟
قوله: (﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾: لا يلطف بهم)، قال صاحب "الفرائد": لا يهدي من يريد الفسق، وهو من باب ذكر الفعل وإرادة الإرادة، نحو: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقلت: هذا التقدير غير مفتقر إليه، لأن هذه الفاصلة تذييل للآية، وكالتعليل لقوله: ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. والمراد بقوله: ﴿زَاغُوا﴾ أذى موسى ﵇.
وبيانه: أن القوم لما آذوا موسى ﵇ ورموه بالأدرة زاغوا وفسقوا، وأدى ذلك إلى أن خذلهم الله وطبع على قلوبهم، وهذا التقرير غير ضار لمذهب أهل السنة، لأن ذلك الأذى والفسق كان كسبًا لهم، وقد تقرر أن صغائر الذنوب مستجلبة لكبائرها، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] وأما التذييل الثاني، وهو قوله: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تقرير لقوله: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ﴾ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وغليه أشار بقوله: "وأي الناس أشد ظلمًا ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام، فيجعل إجابته افتراء الكذب على الله"، يعني كان جزاء الداعي القبول والتصديق، فوضعوا موضعه أن كذبوه وسموا ما جاء به سحرًا.
وكما روعي في هذين التذييلين هذه المناسبة روعيت في قوله: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾، وذلك أن الكفر في الأصل الستر والتغطية، ومن يحاول إطفاء نور الله يحاول إخفاء الحق
стр. 8437
قلت: معناه التوكيد كأنه قال: وتعلمون علمًا يقينا لا شبهة لكم فيه.
[﴿وإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ٦]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وستره، وكذا في قوله: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ لأنه مقابل لقوله: ﴿ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وليس دين الحق إلا التوحيد ونفي الشرك.
وفي الآيات نرق من وجهين:
أحدهما: من الأذى، فإن أذى موسى ﵇ كان في جسده، وأذى عيسى ﵇ في الدين، وأذى نبينا محمد صلوات الله عليه فيهما، فإن نور الله عبارة عنه وعن دينه، لقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وقد سبق في التوبة تقرير وجه التشبيه.
وثانيهما: في التسلية، يعني: لا تبال بأذى القوم، ولك أسوة بموسى، ولا بتكذيب الكافرين والمشركين كما لو يضر عيسى تكذيبهم، وتمكن من إمضاء ما جاء به من الدين والبشارة بقدومك تمكنك منه، ويظهرك على الدين كله ولو كره المشركون والله أعلم.
قوله: (معناه التوكيد)، الانتصاف: "قد" إذا صحبت الماضي صحبها التوقع، قال الخليل: هذا خبر لقوم ينتظرونه، وإذا صحبت المضارع صحبها التكثير كربما، وهو من الكلام الذي قصد فيه الإفراط والمبالغة. قال:
قد أترك القرن مصفرًا أنامله
فإن قيل: حمله على التكثير في الآية متعذر، لأن العلم معلوم التعلق، لا يتكثر ولا يتقلل.
قلنا: المراد تأكيد الفعل وتحققه وبلوغه الغاية في نوعه، وكذا في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ [الحجر: ٢] ليس معناها إلا تأكد ذلك الودادة لا كثرته وتعدده.
стр. 8438
قيل: إنما قال: ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل: يا قوم، كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه. والمعنى: أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ وفي حال تبشيري ﴿بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي﴾ يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعًا ممن تقديم وتأخر. وقرئ: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ بسكون الياء وفتحها، والخليل وسيبويه يختار ان الفتح.
وعن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله، هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد؛ حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إنما قال: ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾، ولم يقل: "يا قوم" كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم)، الانتصاف: هو كقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦] لأنه لم يكن منهم.
وقلت: يجوز أن يكون للاستعطاف، لمجيء قوله: ﴿مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: إني أرسلت إليكم في حال تصديقي لكتاب نزل إليكم يا بني إسرائيل خاصة.
قوله: (وقرئ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ بسكون الياء)، بفتح الياء: نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر، والباقون: بسكونها.
قوله: (أمة أحمد)، روينا عن البخاري ومسلم ومالك والدرامي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "لي خمسة أسماء؛ أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس
стр. 8439
فإن قلت: بم انتصب ﴿مُّصَدِّقًا﴾ و ﴿مُبَشِّرًا﴾؟ أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟
قلت: بل بمعنى الإرسال؛ لأن ﴿إلَيْكُم﴾ صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئًا لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل؛ فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل، فمن أين تعمل؟ وقرئ: (هذا ساحر مبين).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي بعدي نبي". وقد سماه الله رؤوفًا رحيمًا، رواه البخاري في تفسيير هذه الآية.
وعن أحمد بن حنبل عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه بأسماء منها ما حفظنا قال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي الرحمة" قال يزيد: ونبي التوبة، ونبي الملحمة".
قال محيي السنة والواحدي: اسمه أحمد يحتمل معنيين: أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي: أنه أكثر حمدًا لله من غيره، والآخر: أنه مبالغة من المفعول، أي: أنه يحمد بما فيه من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمد غيره.
قوله: (وقرئ: "هذا ساحر")، حمزة والكسائي.
قوله: (لأن ﴿إِلَيْكُمْ﴾ صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئًا)، لا يريد عملها الذي هو الجزء؛ وإنما يريد أنها لا تعمل عمل الفعل بأنفسها.
стр. 8440
[﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٧]
وأي الناس أشد ظلمًا ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله، بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق: هذا سحر، لأن السحر كذب وتمويه.
وقرأ طلحة بن مصرف: (وهو يدعي)، بمعني: يدعى، دعاه وادعاه، نحو: لمسه والتمسه. وعنه: يدعي، بمعنى يدعو، وهو الله .
[﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ ٨]
أصله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢] كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن السحر كذب وتمويه)، فيه إشعار بهذه الآية بقصة عيسى ﵇، وقولهم في الآيات البينات: ﴿هَذَا سِحْرٌ مَبِينٌ﴾ مكرًا وتمويهًا، وإخفاء للحق الجلي.
وقلت: وفي إيقاع الإسلام مقابلًا لافتراء الكذب، إيذان باتصالها بقصة محمد صلوات الله عليه، وأن ذكر الإسلام كالتخلص من القصة إلى القصة، ولذلك ذيلت الآية بقوله: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ كأنه قيل: قد علم ظلم أولئك الكفرة بروح الله، وما أرادوا به من المكر والكيد، وعرف أن الله ما هداهم إلى ما أرادوا، بل خذلهم الله ونصر أولياءه كما قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ فما ظلم هؤلاء الكفرة لحبيب الله، وما مكرهم به، وكيف يفعل الله به وبهم، قيل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ إلى آخر الآيتين.
قوله: ("وهو يدعي" بمعنى: يدعى)، قال ابن جني: قرأ طلحة بن مصرف: "وهو يدعى إلى الإسلام"، والظاهر: يدعي الإسلام، لكن لما كان معنى "يدعي الإسلام": ينتسب إليه، قال:
стр. 8441
تأكيدًا له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في: لا أبا لك؛ تأكيدًا لمعنى الإضافة في: لا أباك.
وإطفاء نور الله بأفواههم: تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه (والله متم نوره) أي: متم الحق ومبلغه غايته. وقرئ بالإضافة.
[﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ ٩]
و"دين الحق" الملة الحنفية ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على جميع الأديان المخالفة له؛ ولعمري لقد فعل، فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: أذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام.
وقرئ: (أرسل نبيه).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يدعي إلى الإسلام، حملًا على معناه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ والاستعمال: هل لك في كذا، لكن لما كان معناه وأدعوك إلى أن تزكى استعمل إلى هاهنا تطاولًا نحو المعنى.
قوله: (كما زيدت اللام في: أبا لك، تأكيدًا)، قيل: معناه: أي: كنت على وجه لا يعرف لك أب.
قوله: (وقرئ بالإضافة)، ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص: ﴿مُتِمُّ﴾ بغير تنوين: ﴿نُورِهِ﴾ بالخفض، والباقون: بالتنوين والنصب.
стр. 8442
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ويُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ومَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ١٠ - ١٣]
﴿تُنجِيكُم﴾ قرئ: مخففًا ومثقلًا. و ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ استئناف، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾، وهو خبر في معنى الأمر؛ ولهذا أجيب بقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا.
فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟
قلت: للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين. ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.
فإن قلت: هل لقول الفراء: إنه جواب ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ وجه؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿تُنجِيكُمْ﴾ قرئ: مخففًا ومثقلًا)، ابن عامر: مشددًا، والباقون: مخففًا.
قوله: (وهو خبر في معنى الأمر)، قال صاحب"الكشاف": هذا قول سيبويه.
قوله: (هل لقول الفراء: إنه جواب ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ وجه؟ )، قال الزجاج: وقد غلط بعض النحويين فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾، وذلك أنه ليس إذا دلهم النبي ﷺ على ما ينفعهم غفر الله لهم، إنما يغفر الله لهم إذا آمنوا وجاهدوا، وإنما هو جواب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجَاهِدُونَ﴾، لأن معناه معنى الأمر، أي: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا يغفر لكم، أي:
стр. 8443
قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد؛ فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟
فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن علي ﵄: (تؤمنوا) و (تجاهدوا)؟
قلت: وجهها أن يكون على إضمار لام الأمر، كقوله:
محمد تفد نفسك كل نفس .... إذا ما خفت من أمر تبالا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن فعلتم ذلك يغفر لكم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود.
وخلاصة جواب المصنف: أن قوله ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى آخره، بيان لجملة قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ على سبيل الاستئناف، ، وعلم أن البيان والمبين واحد، فبهذا الاعتبار كان جوابًا.
الانتصاف: هذا التأويل لا يحتاج إليه، فإنه يلحق بقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وأمثاله، وقد تقدم الكلام فيه، وأن المؤمن الراسخ في الإيمان لما كان مظنةً لحصول الإقامة والامتثال صار كالمحقق منه ذلك.
وقال أبو البقاء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب شرط محذوف: أي إن تؤمنوا يغفر لكم، أو جواب لما دل عليه الاستفهام، والمعنى: هل تقبلون إن دللتكم.
قوله: (محمد تفد نفسك)، البيت، أي: يا محمد لتفد نفسك، فحذفت اللام من اللفظ
стр. 8444
وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناها، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم عليها بقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ وهذا دليل على أن ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ كلام مستأنف، وعلى أن الأمر الوارد على النفوس بعد تشوف وتطلع منها إليه: أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به.
﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من أموالكم وأنفسكم.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؟
قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرًا لكم حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون ﴿وأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي: عاجل، وهو فتح مكة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهي مضمرة، ولهذا الفعل كان مجزومًا فحذف لكثرة الاستعمال، تبالًا: أي سوء عاقبة، والتبال: عداوة يطلب بها، يقال: تبلني فلان وتبلهم الدهر. قال كعب:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
أي: مصاب بتبل، وهو الذحل والعداوة.
قوله: (معناه: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرًا لكم)، الانتصاف: أجرى الشرط على حقيقته، وليس بالظاهر؛ لأن علمهم بذلك محقق، فإنهم مؤمنون، ولعله مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] كما تقول لمن ينتصر من عدوه: إن كنت حرًا فانتصر.
стр. 8445
وقال الحسن: فتح فارس والروم. وفي ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجل.
فإن قلت: علام عطف قوله ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: يريد أنه من باب المبالغة والتتميم، وعليه ظاهر كلام القاضي: إن كنتم من أهل العلم، إذا الجاهل لا يعتد بفعله. وليس بذاك، لأن شرط ذلك الأسلوب أن يكون الشرط ثابتًا في نفسه أو عند المتكلم والمخاطب، لم يتعوج عن السداد، ولم يتحر سوى الصواب، كما مر في سورة الممتحنة، وهاهنا الكلام على ما سبق في فاتحة السورة مع أولئك المؤمنين الذين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، يشهد له نقله عن ابن عباس في هذا المقام قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناها فنزلت، فلما دلهم الله تعالى في يوم أحد على المجاهدة في سبيل الله تولوا، وحين لم يعلموا بموجب العلم قيل لهم: ﴿إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "إذا علمتم ذلك واعتقدتموه، أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم"، وفي التعقيب بقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ والتوبيخ إيماء إلى هذا.
قوله: (شيء من التوبيخ على محبة العاجل)، وذلك أنه تعالى عطف"أخرى" من حيث المعنى على النعمة المذكورة من المغفرة والثواب، وقيدها بقوله: ﴿تُحِبُّونَهَا﴾، وفيه إشارة إلى هذا المعنى، لأن الفتح والنصرة وإن كانا من الأمور الدينية، لكن فيهما حظ النفس؛ لأنهما بظاهر هما مما تشتهيه النفس، ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿تِجَارَةٍ﴾؛ أي: أبشركم بتجارة أخرى عاجلة، بعد البشارة الآجلة.
стр. 8446
قلت: على ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك.
فإن قلت: لم نصب من قرأ (نصرًا من الله وفتحًا قريبًا)؟
قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص أو على (تنصرون نصرًا)، و (يفتح لكم فتحًا) أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصرًا من الله وفتحًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ لأنه في معنى الأمر)، قال صاحب"المفتاح": هو عطف على ﴿قُلْ﴾ مرادًا: قبل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وقلت: قد سبق أن ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ متضمن معنى الأمر لقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ولأن سياق الكلام عليه، فإنه تعالى لما نبه عباده على ما يخلصهم مما يؤذيهم بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ اتجه لهم أن يتضرعوا إليه: نعم يا مولانا وربنا أرشدنا إلى هذه البغية! فقيل لهم: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا، ثم أمر حبيبه بأن يبشرهم بأن الله سيجز ما وعد من الثواب العظيم في الآخرة، والنصر القريب في الدنيا، تقريرًا أو تشريفًا، ولذلك أتى بما يدل على التجدد ووضع ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ موضع الضمير، للإشعار بأن صفة الإيمان هي التي تقتضي هذه البشارة، وأما اتحاد المسند إليه بين المعطوف والمعطوف عليه فليس بواجب كما مر في سورة البقرة: "أن قولك: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم"، من فصيح الكلام.
ويمكن أن يقال: إنه تعالى لما أمر رسوله ﷺ بأن يخاطب الناس بقول: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أرشده إلى ما يقتضيه من جواب أنه اتجه لسائل أن يقول: بلى دلنا؟ أي: قل: آمنوا بالله .. الآية، وبشرهم بعد ذلك بما لا يكتنه كنهه مما يصح أن تبشر به، لإطلاق
стр. 8447
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ١٤]
قرئ: ﴿كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ و (أنصارًا لله). وقرأ ابن مسعود: (كونوا أنتم أنصار الله).
وفيه زيادة حتم للنصرة عليهم.
فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه، وظاهره تشبيه كونهم أنصارًا بقول عيسى صلوات الله عليه: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾؟
قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح. والمراد: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"بشر"، فعلى هذه"بشر" معطوف على ﴿قُلْ﴾ مرادًا عند قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، ويجوز أن تكون"بشر"
من الخطاب العام كأنه قيل: آمنوا بالله وبشروا، أي: ليبشر كل من يتأتى منه البشارة، فإن هذا الأمر بعظمته وفخامته حقيق بأن لا يختص بأحد دون أحد.
قوله: (قرئ: ﴿كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾)، الكوفيون وابن عامر: ﴿أَنصَارَ اللَّهِ﴾ بغير تنوين ولا لام، والباقون: بالتنوين ولام مكسورة. أي: في أول اسم الله .
قوله: (وفيه زيادة حتم للنصرة عليهم)، وذلك أن الضمير إذا جعل فصلًا لا محل له أفاد الاختصاص، أي: هذا الأمر لعظم مناله لا يختص به إلا أمثالكم، البذالون للأرواح الناصرون لله ولرسوله، وإن جعل مبتدأ أفاد تقوي الحكم، وأن النصرة مطلوبة البتة.
وقوله: (التشبيه محمول على المعنى)، أي: على تقدير أشياء عدة لتصحيح التشبيه، و"ما" في
стр. 8448
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾؟ قلت: يجب أن يكون معناه نطابقًا لجواب الحواريين ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ والذي يطابقه أن يكون المعنى: من جندي متوجها إلى نصرة الله، وإضافة ﴿أَنصَارِي﴾ خلاف إضافة ﴿أَنصَارُ اللَّهِ﴾ فإن معنى ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾: نحن الذين ينصرون الله .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿كَمَا قَالَ﴾: مصدرية، أي: كونوا أنصار الله، مثل كون الحواريين أنصار الله وقت قول عيسى: من أنصاري إلى الله؟
قوله: (يجب أن يكون معناه مطابقًا لجواب الحواريين)، يريد أن قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ ليس على ظاهره لتعديته بـ"إلى"، ولا يطابقه أيضًا جواب الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾، فالواجب أن يؤول بما يطابق الجواب بحيث يعلم منه معنى التعدية، وتضمين ما يتعلق به "إلى"، وهو: "من جندي متوجهًا إلى نصرة الله".
قوله: (وإضافة ﴿أَنصَارِي﴾ خلاف إضافة ﴿أَنصَارُ اللَّهِ﴾)، قال صاحب"الانتصاف": الإضافة الأولى محضة، والثانية غير محضة.
وقلت: يشهد للأول قوله: "من الأنصار الذين يختصون بي؟ "، والثاني قوله: "نحن الذين ينصرون الله".
فإن قلت: هذا يخالف تقديره الأول: "من جندي متوجهًا إلى نصرة الله؟ "، لأن"جندي" خبر"من" الاستفهامية، وفيه ضمير راجع إلى المبتدأ، و ﴿إِلَى اللهِ﴾ حال منه.
قلت: عمله حينئذ نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٣].
فإن قلت: ما فائدة الاختلاف؟
стр. 8449
ومعنى ﴿مَنْ أَنصَارِي﴾ من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله؛ ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله؟ ؛ لأنه لا يطابق الجواب. والدليل عليه: قراءة من قرأ: (من أنصار الله).
والحواريون أصفياؤه، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلًا؛ وحواري الرجل: صفيه وخلصانه، من الحوار وهو البياض الخالص. والحوارى: الدرمك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: الإيذان بأن يطلب منهم هو النصرة المعتبرة، وهو اختصاصهم به وما أخبروا به عن أنفسهم، إنشاءً للنصرة بل ادعاءً منهم أنهم الذين ينصرون الله، ولذلك عقب بقوله: ﴿فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾ وقريب منه قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣] فإذا اعتبر المبتدأ من جانب المسلمين قدر: الذي يطلب منكم طاعة معروفة فعلًا، وإذا اعتبر من جانب المنافقين قيل: أمركم وشأنكم معروفة قولًا.
قوله: (ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله) وهو قول الزجاج، لأنه لا يطابق ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾، إذ المطابق: نحن أنصار الله ننصرك مع الله، على أن "إلى" بمعنى "مع" قليل.
قوله: (قراءة من قرأ: "من أنصار الله")، ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.
قوله: (والحوارى: الدرمك) عن بعضهم: الدرمك: نقاوة الدقيق الذي ليس فيه نخالة، ويقال: الدرهم يكسو النرمق أي: الثوب اللين، تعريب نرمك ويطعم الدرمق، قال الزجاج: الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب، وكذلك الدقيق الحوارى؛ لأنه ينقى من لباب البر وخالصه، وتأويله في الناس: أنه إذا رجع في اختياره مرةً بعد أخرى وجد نقيًا من العيوب، من حار يحور، وهو الرجوع والترجيع.
стр. 8450
ومنه قوله ﵊: " الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي" وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب: يبيضونها. ونظير الحواري في زنته: الحوالي: الكثير الحيل.
﴿فَآمَنَت طَّائِفَةٌ﴾ منهم بعيسى ﴿وكَفَرَت﴾ به ﴿طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا﴾ مؤمنيهم على كفارهم، فظهروا عليهم. وعن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.
عن رسول الله ﷺ : " من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليًا عليه مستغفرًا له ما دام الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الراغب: قيل: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم.
قوله: (الزبير ابن عمتي وحواريي)، الحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن جابر قال النبي ﷺ : "إن لكل نبي حواريًا؛ وإن حواري الزبير".
الراغب: تشبيهه بهم في النصرة حيث قال: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾.
وقلت: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "من يأتينا بخبر القوم؟ " قال الزبير: أنا، ثم قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزبير: أنا، ثم قال في الثالثة: "إن لكل نبي حواريًا، وإن حواري الزبير".
تمت السورة.
стр. 8451
سورة الجمعة
مدنية، وآياتها إحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ١ - ٤]
قرئت صفات الله عز وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل: هو الملك القدوس، ولو قرئت منصوبة لكان وجهًا كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد.
الأمي: منسوب إلى أمة العرب؛ لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم.
وقيل: بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الجمعة
إحدى عشرة آية، مدنية بخلاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وأهل الحيرة من أهل الأنبار)، الأنبار: موضع قريب من بغداد، وجدت في بعض كتب المحاضرات: أن أول من استخرج الخط العربي ثلاثة رجال من أهل مسكين: وهي
стр. 8452
ومعنى ﴿بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ بعث رجلًا أميًا في قوم أميين، كما جاء في حديث شعيا:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قرية من أعلى الأنبار، يقال لأحدهم: مرامر بن مرة، وللآخر: أسلم بن سدرة وللثالث: عامر بن جدرة، نظروا رملًا في شاطئ الفرات فيه آثار أرجل البط، فشبهوها بالخطوط، فقالوا هلموا نستخرج منها خطًا غير الخطوط القديمة، ثم فكروا في كلام الخلق فوجدوا سائر الكلام يدور على ثمانية وعشرين حرفًا، فعازتهم ستة أحرف؛ الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين، فصورها "ثخذ ضظغ" فتم بذلك الكلام، ثم صرفوا الألفاظ وألفوا بعضها إلى بعض، واصطلحوا على ما يصلونه من الكلام أو يقطعونه بالحروف المذكورة، فكان منه هذا الخط العربي. والله أعلم بصحته.
قوله: (ومعنى ﴿بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾: بعث رجلًا أميًا في قوم أميين)، وإنما قال: "رجلًا" و"قوم" على سوق المعلوم مساق غير المعلوم، ليؤن بأن قوله: ﴿هُوَ بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ وارد على سنن كلام الجبابرة، نحو ما جاء في قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ [الرعد: ١٧] وهو الوجه.
قوله: (في حديث شعيا)، قال أبو عبد الله الكسائي في كتاب"المبتدأ" ذكر وهب وكعب: إن شيعا بن أمصيا نبي من سلالة بني إسرائيل من ولد هارون وهو الذي بشر قومه بنبينا محمد صلوات الله عليه، وشعيا هو الذي أرسل يونس بن متى إلى قومه من أهل نينوى.
стр. 8453
إني أبعث أعمى في عميان، وأميا في أميين، وقيل ﴿مِّنْهُمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] يعلمون نسبه وأحواله. وقرئ: (في الأمين) بحذف ياء النسب.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يقرؤها عليهم مع كونه أميا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمي بغير تعلم آية بينة. ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية.
﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ﴾: القرآن والسنة. و"إن" في ﴿وإن كَانُوا﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام دليل عليها، أي: كانوا في ضلال، لا ترى ضلالًا أعظم منه.
﴿وآخَرِينَ﴾ مجرور عطف على ﴿الأُمِّيِّينَ﴾، يعني: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة ﵃.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إني أبعث)، حكاية عن الله تعالى.
قوله: (أعمى)، أي: غير عالم بالشرائع، "عميان": في قوم غير عالمين بها، والمراد نبينا صلوات الله عليه وأمته.
قوله: (وفي آخرين من الأميين)، جعل ﴿مِنْهُمْ﴾ بيانًا للآخرين، قال صاحب "الكشف": "من" في ﴿مِنْهُمْ﴾ للنبيين، وليست "من" التي تستعمل مع أفعل، لأن "من" تلك لا يجوز معها جمع الاسم، لا يقال: الزيدون أفضلون من عمرو، لأن "أول" و"آخر" وإن كان "أفعل" لا يكاد يوجد استعمال "من" معهما.
стр. 8454
وقيل: لما نزلت قيل: من هم يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء"، وقيل: هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفًا على المنصوب في ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ أي: يعلمهم ويعلم آخرين؛ لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندًا إلى أوله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ في تمكينه رجلًا أميًا من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر ﴿ذَلِكَ﴾ الفضل الذي أعطاه محمدًا وهو أن يكون نبي أبناء عصره، ونبي أبناء العصور الغوابر، هو ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ إعطاءه، وتقتضيه حكمته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فوضع يده على سلمان)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها، فلما بلغ: ﴿وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فلم يكلمه حتى سأل ثلاثًا، قال: وسلمان فينا؟ فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان وقال: "والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء".
قوله: (فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه)، أي: كان رسول الله ﷺ هو الذي تولى كل ما وجد من التعليم، يعني: يصح إسناد التعليم إلى رسول الله ﷺ للأمم- الفائتة للحصر- إلى انقراض العالم، لأنه إذا تناسقت العنعنة من الثقات المتقنين الذين حموا المتون من تحريف الزائغين، والإسناد من تولى الكاذبين، صح أن يقال: هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويعلم آخرين منهم لما يلحقوا بهم، هذا يدل على جلالة قدر المحدثين وعلو مرتبتهم، ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾. اللهم اجعلنا من زمرتهم.
стр. 8455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولعمري إن علم الرواية من أقوى أركان الدين، وأوثق عرى المتقين، لا يرغب في نشر إلا كل صادق تقي، ولا يزهد في نصره إلا كل منافق شقي.
قال أبو نصر بن سلام: ليس شيء أثقل أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته وإسناده.
وقال ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث.
وقال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وذكر البيهقي في كتاب"المدخل" عن الشافعي عن ابن عيبنة: حدثني الزهر بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، قال أترقى السطح بلا سلم؟ ! .
وقال محمد بن أسلم الطوسي: قرب الإسناد قرب إلى الله تعالى.
وقال الحاكم النيسابوري: لولا كثرة مواظبة طائفة المحدثين على حفظ الإسناد لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد.
стр. 8456
[﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥]
شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم أنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله ﷺ والبشارة به، ولم يؤمنوا به؛ بالحمار حمل أسفارًا، أي: كتبًا كبارًا من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب. وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل، ﴿بِئْسَ﴾ مثلًا ﴿مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد ﷺ . ومعنى: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: كلفوا علمها والعمل بها، ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم يحملوها. وقرئ: (حملوا التوراة)، أي: حملوها في الحقيقة لفقد العمل. وقرئ: (يحمل الأسفار).
فإن قلت: (يحمل) ما محله؟ قلت: النصب على الحال، أو الجر على الوصف؛ لأن الحمار كاللئيم في قوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والإسناد واسطة بين الحق والخلق، وهو سلم السلامة، ومرقاة النجاة، ومفتاح النجاح، فمن رفع قدره ارتفع، ومن وضع شأنه اتضع.
قوله: (وذلك أن فيها نعت رسول الله ﷺ ، اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد والنبوة، وبين في النبوة أنه ﷺ بعث إلى الأميين، واليهود لما أوردوا تلك الشبهة وهي: أنه صلوات الله عليه مبعوث إلى العرب خاصةً وهم أمة أمية، ونحن أهل كتاب، أتبعه بضرب المثل لمن تمسك بهذه الشبهة وترك الدلائل الواضحة المسطورة فيما حملوا واستحفظوه، وهي: نعت رسول الله ﷺ ، والبشارة به ولم يؤمنوا به، فشبههم بالحمار، حمل كتبًا وكبارًا، فهو يمشي بها ولا يدري منها ما يمر بجنبيه.
قوله: (لأن الحمار كاللئيم)، تعليل لتقدير الجر على الوصف فحسب، لأن اللئيم في البيت لا يحتمل الحال، لما ذكرنا أن الشاعر يصف نفسه بالحلم والاحتمال من كل لئيم صفته
стр. 8457
ولقد أمر على اللئيم يسبني
[﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٦ - ٨]
هاد يهود: إذا تهود ﴿أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، أي: إن كان قولكم حقًا وكنتم على ثقة ﴿فَتَمَنَّوُا﴾ على الله أن يميتكم وينقلكم سريعًا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذاك؛ لا أنه مر على لئيم بعينه حالة ذاك، لأن ذلك لا يثبت له وصف الحلم، وأنه دأبه وعادته كذلك، ، شبهت اليهود بهذا الجنس من الدواب إذا كان حاملًا للأسفار.
وأما توجيه الحال في الآية فأن تجعل التعريف لاستغراق الجنس، وأن حكم كل فرد من أفراد هذا الجنس كذلك، والبيت لا يحتمل هذا.
قوله: (إذا تهود)، الجوهري: هاد يهود هودًا: تاب ورجع إلى الحق، فهو هائد وقوم هود.
قوله: (كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه)، آذن بأن الولي بمعنى الحبيب، وهو اسم فاعل اعتمد وعمل في ﴿لِلهِ﴾، ومن ﴿مِن دُونِ﴾ حال من الضمير الراجع إلى اسم"أن"، المعنى: إن كنتم تزعمون أنكم تحبون الله متجاوزين عن الناس فتمنوا الموت، فإن المحب يحب لقاء محبوبه، ولا يكره قربه، نحوه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤].
стр. 8458
ثم قال: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ بسبب ما قدموا من الكفر، وقد قال لهم رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه"، فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله ﷺ لتمنوا، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى؛ وهي إحدى المعجزات. وقرئ: (فتمنوا الموت) بكسر الواو، تشبيهًا ب"لو استطعنا". ولا فرق بين"لا" و"لن" في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في"لن" تأكيدًا وتشديدًا ليس في "لا" فأتى مرةً بلفظ التأكيد:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: لم لم يضف"أولياء" لله كما أضاف في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
قلت: ليؤذن بالفرق بين من يدعي أنه من أولياء الله، وبين من يخصه الله بالولاية، ونحوه في الإضافة قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ قال: "معنى ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، أي: من الأنصار الذين يختصون بي؟ ويكونون معي في نصرة الله؟ ومعنى ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾: نحن الذين ينصرون الله"، وسبق أن الإضافة الأولى محضة، والثانية غير محضة، ، وذكرنا فائدة الاختلاف.
قوله: (لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه)، روى الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار.
قوله: (وقرئ: "فتمنوا الموت")، بكسر الواو، قال ابن جني: قرأها ابن يعمر وابن أبي إسحاق.
قوله: ((فأتى مرةً بلفظ التأكيد)، الراغب: إن قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ الآية لما كان مفتتحًا بشرط علقت صحته بتمني الموت ووقع
стр. 8459
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ [البقرة: ٩٥]، ومرةً بغير لفظه: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ [الجمعة: ٧]، ثم قيل لهم: ﴿إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم؛ لا تفرتونه وهو ملاقيكم لا محالة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. وقرأ زيد بن علي ﵁: إنه ملاقيكم. وفي قراءة ابن مسعود: تفرون منه ملاقيكم، وهي ظاهرة. وأما التي بالفاء، فلتضمن الذي معنى الشرط، وقد جعل ﴿إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ كلامًا برأسه في قراءة زيد، أي: أن الموت هو الشيء الذي تفرون منه، ثم استؤنف: إنه ملاقيكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الشرط غاية ما يطلبه المطيع، ولا مطلوب وراءه على ما ادعوه لأنفسهم، وهو أن لهم الدار الآخرة خالصة من دون غيرهم وجب أن يكون ما يبطل تمني الموت المؤدي إلى بطلان شرطهم أقوى ما يستعمل في بابه وأبلغه في نفي ما ينتفي شرطهم به، فكان ذلك بلفظة"لن" التي للقطع والبتات، وليس كذلك الشرط في سورة الجمعة، إذ ليس زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس مثل المطلوب الذي لا مطلوب وراءه وهو الدار الآخرة لأنهم يطلبون بعد ذلك إذا صح لهم هذا الوصف دار الثواب، فلما كان الشرط في هذا المكان قاصرًا عن الشرط في ذلك المكان ولم تكن الدعوى غاية المطلوب لم يحتج في نفيه وإبطاله إلى ما هو غاية في بابه.
قلت: ويعضده تخصيص العشرة المبشرة بالجنة من الجم الغفير من بين الصحابة الكرام.
قوله: (وأما التي بالفاء)، أي: القراءة التي أتى بالفاء في ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾، فلتضمن ﴿الَّذي﴾ معنى الشرط.
قال أبو البقاء: دخلت في الفاء لما في"الذي من شبه الشرط، ومنع منه قوم وقالوا: إنما يجوز ذلك إذا كان"الذي" هو المبتدأ، أو اسم إن، و ﴿الَّذي﴾ ها هنا صفة، وضعفوه من وجه آخر وهو: أن الفرار من الموت لا ينجي منه فلم يشبه الشرط، وقال هؤلاء: الفاء زائدة، وأجيب
стр. 8460
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٩ - ١٠]
يوم الجمعة: يوم الفوج المجموع، كقولهم: ضحكة للمضحوك منه. ويوم الجمعة؛ بفتح الميم: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة، ولعنة، ولعبة؛ ويوم الجمعة: تثقيل للجمعة، كما قيل: عسرة في عسرة. وقرئ بهن جميعًا.
فإن قلت: "من" في قوله: ﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ ما هي؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنه بأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد، ولأن"الذي" لا تكون إلا صفة، فإذا لم يذكر الموصوف معها دخلت الفاء والموصوف مراد، فكذلك إذا صرح به، وأما ما ذكروه ثانيًا فغير صحيح، فإن خلقًا كثيرًا يظنون أن الفرار من أسباب الموت ينجيهم إلى وقت آخر. وقد جاء هذا المعنى مصرحًا به في قوله:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه .... ولو رام أسباب السماء بسلم
أنشده صاحب"الكشف" مستشهدًا.
قوله: (تثقيل للجمعة)، أبو البقاء: "الجمعة" بضمتين، وبإسكان الميم مصدر بمعنى الاجتماع، وقيل في المسكن: هو بمعنى المجتمع فيه، مثل: رجل ضحكة، أي: كثير الضحك منه، و ﴿مِنْ﴾ بمعنى: في.
стр. 8461
قلت: هي بيان لـ ﴿إِذَا﴾ وتفسير له. والنداء: الأذان. وقالوا: المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وقد كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد، فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد؛ فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر ﵄ على ذلك؛ حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنًا آخر، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء، فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام الصلاة، فلم يعب ذلك عليه.
وقيل: أول من سماها جمعةً كعب بن لؤي، وكان يقال لها: العروبة.
وقيل: إن الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك؛ فهلموا نجعل لنا يومًا نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حتى إذا كان عثمان ﵁، عن البخاري والترمذي وأبي داود وابن ماجه عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان ﵃، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء.
قوله: (يقال لها: العروبة)، النهاية: هو اسم قديم للجمعة، وكأنه ليس بعربي، يقال: يوم عروبة، ويوم العروبة، والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام.
стр. 8462
فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أول جمعة كانت في الإسلام.
وأما أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ ، فهي: أنه لما قدم المدينة مهاجرًا نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدًا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلى الجمعة.
وعن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦]، وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفارًا؛ وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث)، إلى قوله: (فشرع الله لهم الجمعة)، فعلى هذا يكون في قوله: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ تعريضًا باليهود وأنهم ما وفقوا لما سعد به المؤمنون كما ورد في الحديث: "هذا يومهم الذي فرض عليهم"- يعني: يوم الجمعة-، "فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع؛ اليهود غدًا، والنصارى بعد غد"، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
ومن ثم جعلت الصلة التي هي ﴿آمَنُوا﴾ علة للسعي إلى ذكر الله، كما جعلت الصلة في قوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ لأهل الكتاب مقررًا للتمثيل في قوله: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وكذا الصلة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ عدل فيها من لفظ اليهود إلى
стр. 8463
وعن النبي ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد".
وعنه ﵇: "أتاني جبريل وفي كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد".
وعنه ﷺ : "إن لله تعالى في كل جمعة ست مئة ألف عتيق من النار". وعن كعب: إن الله فضل من البلدان مكة، ومن الشهور رمضان، ومن الأيام الجمعة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموصول والصلة، ليكون ذريعةً إلى التعرض بدعواهم الكاذبة، حيث سموا أنفسهم يهودًا، وهو من هاد، أي: رجع إلى الله تعالى وتاب، وإلى تقرير معنى قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ كأنه قيل: يا أيها الذين ادعوا أنهم رجعوا إلى الله وتابوا إليه، إن زعمتم أنكم أوليا الله، لأن التائب إلى الله ولي الله، فتمنوا لقاء الله، فإن الحبيب لا يكره لقاء حبيبه، ولقاء الله: الموت، على ما ورد في الحديث، ففي كل من الأحاديث الثلاثة تعريض في غاية اللطف والدقة.
قوله: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)، الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة، وليس في آخره: وهو عند الله يوم المزيد.
стр. 8464
وقال ﵊: "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر"، وفي الحديث: "إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد؛ بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم"، وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصةً بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج. وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام: ترك البكور إلى الجمعة. وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه، فاغتم وأخذ يعاتب نفسه يقول: أراك رابع أربعة، وما رابع أربعة بسعيد! ! .
ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة ﵁ إلا في مصر جامع، لقوله ﵇: "لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع"،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من مات يوم الجمعة)، الحديث من رواية أحمد بن حنبل عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي فتنة القبر".
قوله: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد يكتبون من جاء من الناس على منازلهم؛ فرجل قدم جزورًا، ورجل قدم بقرةً، ورجل قدم شاةً، ورجل قدم دجاجةً، ورجل قدم عصفورًا، ورجل قدم بيضةً، فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر".
قوله: (لا جمعة ولا تشريق)، وفي"الهداية" التشريق: التكبير، كذا نقل عن خليل بن
стр. 8465
والمصر الجامع: ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، ومن شروطها: الإمام أو من يقوم مقامه، لقوله ﵇: "فمن تركها وله إمام عادل أو جائر" الحديث، وقوله ﷺ : "أربع إلى الولاة: الفيء، والصدقات، والحدود، والجماعات". فإن أم رجل بغير إذن الإمام أو من ولاه من قاض أو صاحب شرطة لم يجز؛ فإن لم يكن الاستئذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم جاز، وهي تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي بأربعين، ولا جمعة على المسافرين والعبيد والنساء والمرضى والزمنى، ولا على الأعمى عند أبي حنيفة، ولا على الشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد.
وقرأ عمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم: (فامضوا). وعن عمر ﵁ أنه سمع رجلًا يقرأ: ﴿فَاسْعَوْا﴾، فقال: من أقرأك هذا؟ قال أبي بن كعب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد، وفيها: وهو عقيب الصلوات المفروضات على المقيمين في الأمطار في الجماعات المستحبة عند أبي حنيفة ﵁.
قوله: (فامضوا)، روى الإمام مالك: فقال ابن شهاب: كان عمر ﵁ يقرأ: "فامضوا"، وليس فيه قول أبي بن كعب: لا يزال يقرأ، إلى آخره.
стр. 8466
فقال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ! لو كانت ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعيت حتى يسقط ردائي.
وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي: التصرف في كل عمل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وعن الحسن: ليس السعي على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب.
وذكر محمد بن الحسن ﵀ في"موطئه": أن ابن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي. قال محمد: وهذا لا باس به ما لم يجهد نفسه. ﴿إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكرًا له، وقال أبو حنيفة ﵀: إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكرًا لله كقوله: الحمد لله، سبحان الله، جاز. وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله. وارتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد. وعند صاحبيه والشافعي: لا بد من كلام يسمى خطبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن جني: هذه القراءة تفسير لقراءة العامة ﴿فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: فاقصدوا وتوجهوا، وليس فيه دليل على الإسراع.
قوله: (إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكرًا لله كقوله: الحمد لله، سبحان الله، جاز)، الانتصاف: لا دليل فيه؛ لأن العرب تسمي الشيء باسم بعضه، كما سميت الصلاة قرآنًا وركوعًا وسجودًا، والمسمى خطبةً عند العرب يزيد على القدر الذي اقتصر عليه الإمام أبو حنيفة.
قوله: (وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله وأرتج عليه)، الانتصاف: هذا سهو
стр. 8467
فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟
قلت: ما كان من ذكر رسول الله ﷺ والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين، والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك، فمن ذكر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل.
وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه: "صه" فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لا غيا؟ ! نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.
أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بلا شك، فذلك لم يكن في خطبة الجمعة، وعادة العرب الخطب في المهمات.
الجوهري: أرتج على القارئ، على ما لم يسم فاعله: إذا لم يقدر على القراءة، كأنه أطبق عليه، كما يرتج الباب، أي: يغلق.
قوله: (من ذكر الظلمة وألقابهم)، الانتصاف: الدعاء للسلطان الواجب الطاعة مشروع بكل حال، فقيل لبعض السلف: تدعو لسلطان ظالم؟ قال: إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يدفع بزواله، لاسيما إذا ضمن الدعاء صلاحه وسداده.
الإنصاف: الذي قاله الزمخشري هو الذي قاله صاحب "الشامل" عن مذهب الشافعي، وهو الأليق والأشبه بسيرة الخلفاء الراشدين، فلا اعتبار بالعذر عما يتورط في أمثاله.
قوله: (إذا قال المنصت للخطبة لصاحبه: صه، فقد لغا)، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 8468
وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص والأسواق بهم إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحر التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ الذي نفعه يسير وربحه مقارب.
فإن قلت: فإذا كان البيع في هذا الوقت مأمورًا بتركه محرمًا، فهل هو فاسد؟
قلت: عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع. قالوا:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت"، ولفظ الترمذي: "من قال يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغا".
قوله: (انتفخ النهار)، الأساس: ومن المجاز، انتفخ النهار: علا.
قوله: (تحر التجارة)، في نسخة: "تحر" بفتح التاء والحاء المهملة، وفي أخرى: بكسر الحاء، وهو شدة إقامة السوق؛ من الحرارة، في حديث علي لفاطمة ﵂: لو أتيت النبي ﷺ فسألته خادمًا يقيك حر ما كنت فيه من العمل. يعني: التعب والمشقة من خدمة البيت، لأن الحرارة مقرونة بهما، كما أن البرودة مقرونة بالراحة والسكون.
قوله: (وربحه مقارب)، الجوهري: قاربته في البيع مقاربةً، وشيء مقارب بكسر الراء، أي: وسطًا بين الجيد والرديء، وكذلك إذا كان رخيصًا.
стр. 8469
لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس أنه فاسد. ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح؛ مع التوصية بإكثار الذكر وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه، وأن تكون هممهم في جميع أحوالهم وأوقاتهم موكلة به لا ينفضون عنه، لأن فلاحهم فيه وفوزهم منوط به. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة)، أي: يكون البيع محرمًا، لكن غير فاسد، كما أن الصلاة في الأرض المغصوبة مسقطة للقضاء، لكن إيقاعها فيها حرام يستحق به العقاب.
قال الشيخ محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم" في قوله ﷺ : "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لن تقبل له صلاة أربعين ليلةً": معنى عدم قبول الصلاة: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئةً في سقوط الفرض عنه، ولا حاجة معها إلى إعادة، ونظير هذا: الصلاة في الأرض المغصوبة، مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب فيها، كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا: صلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتي بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان؛ سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة.
العراف: هو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها، وقال الخطابي: العراف: هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق ومكان الضالة وغيرهما.
قوله: (وعن بعض الناس: أنه فاسد)، قال محيي السنة في"المعالم": إنما يحرم البيع والشراء
стр. 8470
إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله. وعن الحسن وسعيد بن المسيب: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوع. وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظرًا في هذه الآية.
[﴿وإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجَارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ١١]
روي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام، والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة؛ فقاموا إليه، خشوا أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلا يسير. قيل: ثمانية، وأحد عشر، واثنا عشر، وأربعون، فقال ﵇: " والذي نفس محمد بيده، لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارًا"، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، فهو المراد باللهو. وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير.
فإن قلت: فإن اتفق تفرق الناس عن الإمام في صلاة الجمعة كيف يصنع؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند الأذان. وفي "شرح السنة" عن ابن عباس: ﴿إِذَا نُودِيَ﴾ يحرم البيع حينئذ، وقال عطاء: يحرم الصناعات كلها.
قوله: (أصابهم جوع وغلاء شديد)، الحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي عن جابر: بينا نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعامًا، فالتفتوا إليها، حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا، فنزلت.
стр. 8471
قلت: إن بقي وحده أو مع أقل من ثلاثة، فعند أبي حنيفة: يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع، وعند صاحبيه: إذا كبر وهم معه مضى فيها، وعند زفر: إذا نفروا قبل التشهد بطلت.
فإن قلت: كيف قال: ﴿إلَيْهَا﴾ وقد ذكر شيئين؟
قلت: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه؛ فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: (انفضوا إليه). وقراءة من قرأ: (لهوا أو تجارة انفضوا إليها) وقرئ: (إليهما).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كيف قال: ﴿إِلَيْهَا﴾ وقد ذكر شيئين؟ )، الراغب: أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت الآية فيهم، ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة من لا يشغله اللهو، وعلى ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] لما كان حبس الفضة عن الناس أعظم ضررًا إذ كانت الحاجة إليها أمس، ومنعها للمضرة أجلب.
وعلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] خصها برد الضمير، لأنها أرفع منزلةً من الصبر، لأنها تجمع ضروبًا من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
وقلت: ويمكن أن يقال: إن"أو" في ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ مثلها في قول الشاعر:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى .... وصورتها أو أنت في العين أملح
стр. 8472
عن رسول الله ﷺ : " من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الجوهري: يريد: بل أنت، فالضمير في ﴿إِلَيْهَا﴾ راجع إلى اللهو باعتبار المعنى، والسر فيه: أن التجارة إذا شغلت المكلف عن ذكر الله عدت لهوًا، وتعد فضلًا إن لم تشغله، كما في قوله: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾.
ثم أرشدهم بعد التوبيخ والتعيير إلى تحري الأصوب، وتوخي المنهج الأقوم على سبيل العموم، قائلًا: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجَارَةِ﴾، وقدم ما كان مؤخرًا وكرر الجارة لإرادة الإطلاق في كل واحد واستقلاله فيما قصد منه، التخالف السابق في اتحاد المعنى، لأن ذلك في قصة مخصوصة كما روينا عن الأئمة.
تمت السورة
بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.
* * *
стр. 8473
سورة المنافقون
إحدى عشرة آية، مدنية بلا خلاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١ - ٣]
أرادوا بقولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم. فقال الله : قالوا ذلك ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أن الأمر كما يدل عليه قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة المنافقون
إحدى عشرة آية، مدنية بلا خلاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
قوله: (أرادوا بقولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾) إلى قوله: "أو إنهم لكاذبون فيه"، وقوله: "أو أراد: الله يشهد"، فسر ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ لإطلاقه واستدعائه، متعلقًا على اتحاد مبناه، على مرجع الخبر كونه صادقًا أو كاذبًا إلى مطابقته الواقع، أو إلى اعتقاد المخبر، والتفسير الأول والثاني على الأول، والثالث على الثاني.
стр. 8474
والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم: نشهد؛ وادعائهم فيه المواطأة.
أو إنهم لكاذبون فيه؛ لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة؛ فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
فإن قلت: أي فائدة في قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبيانه: أن هذا التكذيب إما راجع إلى دعواهم، لا إلى كون المخاطب شاكًا في كونهم كاذبين، أو منكرًا، أي: أنهم ادعوا أن قوله: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ صادر عن صميم القلب، حيث صدروا الجملة بـ"إن" وأدخلوا في الخبر اللام، كأنهم قالوا: نشهد عن صميم القلب إنك لرسول الله، فلما لم يكن ذلك مطابقًا للواقع كذبهم، يدل عليه قوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أن الأمر كما يدل عليه قولهم، أي: مطابقًا للواقع وإن لم يعتقدوه. وإما إلى لفظ ﴿يَشْهَدُ﴾ وإبراز الدعوى وتخصيصها وتسميتها به، لأن حقيقة الشهادة: ما يصدر عن طمأنينة قلب وعلم ثابت، قال تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١].
قال القاضي: الشهادة: إخبار عن علم من الشهود، وهو الحضور والاطلاع.
الراغب: الشهادة المتعارفة أصلها الحضور بالقلب والتبيين، ثم يقال ذلك إذا عبر عنه باللسان، ولذلك متى أطلق لفظ الشهادة على ما يظهر من اللسان دون حضوره في القلب عد كذبًا. وإما راجع إلى مطابقة اعتقادهم؛ فإنهم اعتقدوا أن رسول الله ﷺ ليس برسول، فاعتقدوا أن ما قالوه على خلاف ما عليه حال المخبر عنه، فأخبر الله تعالى عن معتقدهم، هذا هو الكلام النفسي. قال بعض أصحابنا: وجه الاستدلال بالآية أنه تعالى شهد بكذب المنافقين، وما كذبوا فيما نطقوا به وجرى على ألسنتهم من قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، فدل على أنهم كذبوا فيما اشتملت عليه نفوسهم، وتكلمت به قلوبهم، وقد سماه الله تعالى كذبًا، والكذب لا يكون إلا في الكلام.
стр. 8475
قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم لكاذبون، لكان بوهم أن قولهم هذا كذب؛ فوسط بينهما قوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ليميط هذا الإيهام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال القاضي: الصدق: الإخبار المطابق، وقيل: مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة، لأنه تعالى كذب المنافقين في قوله: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ لما لم يعتقدوا مطابقته. ورد بصرف التكذيب إلى قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾؛ لأن الشهادة إخبار عما علمه، وهم ما كانوا عالمين به.
الراغب: الصدق يحد بأنه مطابقة الخبر المخبر عنه، لكن حقيقته وتمامه أن يتطابق في ذلك ثلاثة أشياء؛ وجود المخبر عنه على ما أخبر عنه، واعتقاد المخبر فيه ذلك عن دلالة وأمارة، وحصول العبارة مطابقًا لهما، فمتى حصل ذلك وصف بالصدق المطلق، ومتى ارتفع ثلاثتها يوصف بالكذب المطلق، ومتى حصل اللفظ والمخبر عنه والاعتقاد بخلافه صح أن يوصف بالكذب، ألا ترى أن الله تعالى كذب المنافقين في إخبارهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ لما كان اعتقادهم غير مطابق لقولهم، وإذا قال لك من اعتقد كون زيد في الدار: إن زيدًا في الدار، ولم يكن فيها، صح أن يقال: كذب، وإن كان قوله مطابقًا لاعتقاده. ولما كان اللسان ترجمان القلب صح أن يقال: صدق في اعتقاده أو كذب.
قلت: ولعل الظاهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، لأن المقام الاجتهادي يخالف غيره، لأن المجتهد إذا اجتهد وأخبر على خلاف الواقع فلا يقال: إنه كذب، بل أخطأ، قال في قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ في الكهف: "هذا جواب مبني على غالب الظن، وفيه دليل جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبًا، وإن جاز أن يكون خطًا".
قوله: (لكان يوهم أن قولهم هذا كذب) أي: قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وقول الله
следующие страницы →