← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ترك كل واحد. ويجوز له الإتيان بواحد منهما، أي واحد كان، بشرط ترك الآخر، لأي الآخر كان. والجواب الصحيح أن "أو" في الإثبات تفيد أحد الأمرين، وفي النفي تُفيد نفي كلا الأمرين جميعاً. وقلت: هذا السؤال مبني على أن "أو" للتخيير، وهو عين السؤال الذي أورده المصنف، حيث قال: "معنى ﴿أَوْ﴾: ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو" إلى آخره. واعلم أن جواب المصنف إنما يتمشى إذا حققنا القول في هذا المقام، وذلك أن السؤال الأول وارد على إرادة العموم في قوله: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، لقوله: "كانوا كلهم كفرة". و ﴿أَوْ﴾ للتنويع لقوله: "فما معنى القسمة؟ "، وكان الوصف بالكفور والآثم علة للنهي كما سبق. والسؤال الثاني وارد على أن المراد بالآثم عُتبة بعينه، وبالكفور الوليد نفسه. والمراد بالوصفين الذم، فيرد حينئذ السؤال الذي أورده، وتقريره أن "أو" يوهم أن المنهي عنه طاعة أحدهما لا على التعيين، والحال أن كليهما مُستحقان لأن لا يطاعا لما علم من حالهما، ولو جيء بالواو لأُزيل الوهم، ودل على أن السؤالين مُتفرعان على القولين الفاسدين فيهما. وتقرير هذا الجواب: أن ﴿أَوْ﴾ حينئذ ليست للتخيير حتى يلزمنا ذلك، وإنما هي للإباحة، لما علم أن طاعة كل واحد منهما محترز عنهما، لما فيهما من تعاطي الإثم المبالغ والكفر الغالي. والمقام يقتضي المبالغة في النهي عن طاعتهما مُنفردين ومُجتمعين، ولو قيل: لا تُطعهما، لدل المنطوق على النهي عن طاعتهما مُجتمعين، وأوهم المفهوم جواز طاعة أحدهما فقيل: لا تُطع أحدهما، ليدل المنطوق على النهي عن طاعة أحدهما لا على التعيين، لأن كليهما مُستحقان لأن لا يُطاعا لما علم من حالهما، ولو جيء بالواو لأزيل الوهم ودل على الفحوى بمساعدة مُقتضى المقام على النَّهي عن طاعتهما جميعاً بالطريق الأولى.

стр. 8892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: " ﴿أَوْ﴾ هاهنا أوكد من الواو، لأنك إذا قلت: لا تُطع زيداً وعمراً، فأطاع أحدهما كان غير عاصٍ. فإن أبدلتها بـ "أَوْ"، فقد دللت على أن كل واحد منهما أهل لأن يُعصى". ويُعلم من هذا التقرير أن "أو" التي للإباحة، إذا دخلت على الإثبات، كان سبيلها هذا السبيل. فإذا قلت: جالس الحسن أو ابن سيرين، علم أن الأمر وارد على استحقاق كل واحد منهما المجالسة، لما فيهما من الفضل والمزية. ودل على الفحوى على استحقاقهما المجالسة مجتمعين بالطريق الأولى؛ فالإباحة إنما نشأت من أمر خارج لا من اللفظ، كما أن حظر الإباحة عن طاعة عُتبة والوليد، إنما نشأ من أمر خارج، وهو ما فيهما من الإثم والكُفر الغالي. ويُوافقه قول ابن الحاحب: "إن وضع "أو" لإثبات الحُكم لأحد الأمرين، إلا أنه إن حصلت قرينة يُفهم معها أن الأمر غير حاجز عن الآخر، مثل قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، سُمِّي إباحة، وإن حجز فهو لأحد الأمرين، وإنما أُخذ نفي الحجز عن الآخر من أمر خارج". وأما قوله: "وقد استشكل بعضهم وقوع ﴿أَوْ﴾ في النهي، في مثل قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، وهاهنا لو انتهى عن أحدهما لم يمتثل، ولا يعد ممتثلاً إلا بالانتهاء عنهما جميعاً، ومن ثم حملها بعضهم على أنها بمعنى الواو، والأولى أن تبقى على بابها. وإنما جاء التعميم فيهما من أمر وراء ذلك، وهو النهي الذي فيه معنى النفي، لأن المعنى قبل وجود النهي: تُطيع آثماً أو كفوراً، أي: واحداً منهما. فإذا جاء النهي، ورد على ما كان ثابتاً في المعنى، فيصير المعنى: ولا تُطع واحداً منهما، فيجيء التعميم فيهما من جهة النهي، وهي على بابها فيما

стр. 8893

كما إذا نهى أن يقول لأبويه: أف، علم أنه منهيٌ عن ضربهما على طريق الأولى. (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ودم على صلاة الفجر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) وبعض الليل فصل له، يعنى: صلاة المغرب والعشاء، وأدخل "مِنَ" على الظرف للتبعيض، كما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكرناه، لأنه لا يحصل الانتهاء عن احدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الإثبات، فإنه قد يفعل أحدهما دون الاخر"، فليس بطائل، والقول ما قالت حذام. وتلخيصه: أن ﴿آثِمًا﴾ أو ﴿كَفُورًا﴾، إذا أريد بهما الجنس كان الوصف علة للنهي، من حيث هو هو لا من حيث الذات، ولذلك جازت الإطاعة إذا فقد. وإذا عُني بهما العهد، كان النهي عن إطاعة الشخصين المعينين لما فيهما من الخلال الذميمة، فلا يعمل بالمفهوم؛ ولا يجوز طاعتهما على أي حال كان؛ فإذن لا مدخل للنهي في العموم. قوله: (ودُم على صلاة الفجر والعصر، ﴿وَمِنَ الَّيْلِ﴾ وبعض الليل فصَلِّ له، يعني صلاة المغرب والعشاء)، قيل: الليل اسم لسواد ممتد، والليلة اسم لكل الليل، وأتى بصلاتي النهار وصلاتي الليل ولم يظفر بصلاة الظهر. والأقرب من حيث النّظم: أنه تعالى لما نهى

стр. 8894

دخل على المفعول في قوله (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح: ٤]. (وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) وتهجد له هزيعاً طويلاً من الليل: ثلثيه، أو نصفه، أو ثلثه. [(إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً * نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً) ٢٧ - ٢٨] (إِنَّ هؤُلاءِ) الكفرة (يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) يؤثرونها على الآخرة، كقوله: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا) [الأعلي: ١٦]. (وَراءَهُمْ) قدّامهم أو خلف ظهورهم لا يعبئون به (يَوْماً ثَقِيلًا) استعير الثقيل لشدّته وهو له، من الشيء الثقيل الباهظ لحامله. ونحوه: (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف: ١٨٧]. الأسر: الربط والتوثيق، ومنه: أسر الرجل إذا أوثق بالقدّ وهو الإسار، وفرسٌ مأسور الخلق، وترسٌُ مأسورٌُ بالعقب. والمعنى: شددنا توصيل عظامهم بعضها ببعض، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب، ومثله قولهم: جارية معصوبة الخلق، ومجدولته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حبيبه صلوات الله عليه، عن طاعة الآثم والكفور، وحثه على الصبر على أذاهم وإفراطهم في العداوة، وأراد أن يرشده إلى مشاركتهم، عقب ذلك الأمر باستغراق أوقاته بالاشتغال بالعبادة ليلاً ونهاراً، بالصلوات كلها من غير تخصيص، وبالتسبيح لما يطيق عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨]. قوله: (هزيعاً طويلاً)، الجوهري: "مضى هزيع من الليل، أي: طائفة، وهو نحو من ثُلثُه أو رُبعه". قوله: (ومَجدولته)، الجوهري: "جدلت الحبل أجدله جدلاً: فتلته فتلاً مُحكماً، ومنه: جارية مجدولة الخلق: حسنة الجدل".

стр. 8895

(وَإِذا شِئْنا) أهلكناهم و (بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ) في شدّة الأسر، يعنى: النشأة الأخرى. وقيل: معناه: بدلنا غيرهم ممن يطيع. وحقه أن يجيء بـ "إن" لا بـ "إذا"، كقوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) [محمد: ٣٨]، (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) [النساء: ١٣٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وحقه أن يجيء بـ "إن" لا بـ "إذا")، قال المصنف: "إذا: تدخل على الكان كقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، و "إن" تدخل على المقدر كقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]. هذا رد للوجه الآخر، لأن تبديل أمثالهم العاصين بالمُطيعين في الدنيا مشكوك فيه، فحقه بأن يُجاء بـ "إن"، ليفرض كما يُفرض ما لا تحقق له. وأما التبديل بالمعنى السابق، وهو تبديل أمثالهم في شدة الأَسْرِ في النشأة الأخرى فمُحقق لا بد منه، فحقه أن يُجاء بـ "إذا". والتبديل على الوجه الأول التغيير في الصفات، ولذا قال: في شدة الأَسْر، لأن الذات المحشورة هي هذه الذات. وعلى الوجه الثاني بمعنى التغيير في الذات، ولذلك بدل قوله: "غيرهم" بقوله: "ممن يُطيع".

стр. 8896

[(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَما تَشاءون إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) ٢٩ - ٣١] (هذِه) إشارةٌ إلى السورة أو إلى الآيات القريبة (فَمَنْ شاءَ) فمن اختار الخير لنفسه؛ وحسن العاقبة. واتخاذ السبيل إلى الله عبارةٌ عن التقربٍ إليه والتوسل بالطاعة (وَما يَشاؤونَ) الطاعة (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) بقسرهم عليها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والوجه هو الأول، لأن الآية واردة عقب قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. أنكر عليهم رُكونهم إلى هذه العاجلة التي هي لا طائل تحتها، بحيث بلغ إلى المحبة الذاتية، وذُهولهم عما هو مصيرهم إليه من الأمر المهول، بحيث بلغ إلى أن جعلوه كالشيء المتروك المنسي، ثم قال: نحن خلقناهم وشددنا توصيل أعصابهم، ليشتغلوا بعبادتنا عن الالتفات إلى الغير ويشكروا تلك النعمة. ولا بد أن يُفكك هذا التركيب، ويُحلل هذا التوثيق، ثم يعيده كما هو الآن في شدة الأَسْر، للمجازاة على ذلك، وحقق ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. قوله: ("وما يشاؤون" الطاعة ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ بقسرهم عليها)، الإنصاف: "حَرَّف النص؛ والآية حاضرة بالنفي والإثبات، ككلمة لا إله إلا الله، وما ذكره مُضاد للآية بزعمه، فالمعنى عنده أن مشيئة العبد الفعل، لا يكون إلا إذا قسره الله عليه، والقسر ينافي المشيئة، فحاصله أن مشيئة العبد لا توجد إلا إذا انتفت، فأراد إثبات المشيئة مطلقاً، فنفاها

стр. 8897

(إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً) بأحوالهم وما يكون منهم (حَكِيماً) حيث خلقهم مع علمه بهم. وقرئ: (تشآءُون) بالتاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رأساً". وقال الإمام: "هذه الآيات من جملة الآيات، التي تلاطمت فيها أمواج القدر والجبر، فالقدري يتمسك بقوله: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ خاتمة السورة، والجبري يقول: من ضم منعها قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، خرج منه صريح مذهبنا". وقلت: وفي إيقاع ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ خاتمة للسورة، إيذان بإثبات الكسب للمُكلفين، وأنهم به يسلكون سبل النجاة، وبه يتذكرون، وينتفعون بإنزال الكتب وإرسال الرسل. ثم في تعقيبها بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، إعلام بأنهم غير مُستقلين فيه، وأن ذلك الكسب أيضاً بمشيئة الله وإرادته، ليكون اعتمادهم عليه، وتفويضهم للأمور إليه، وعلل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. والاستثناء مُفرغ، قال أبو البقاء: "وما تشاؤون إلا وقت مشيئة الله تعالى، أو إلا في حال مشيئة الله تعالى". قوله: (وقُرئ: ﴿تَشَاءُونَ﴾)، نافع وعاصم وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.

стр. 8898

فإن قلت: ما محل (أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)؟ قلت: النصب على الظرف، وأصله: إلا وقت مشيئة الله، وكذلك قراءة ابن مسعود: إلا ما يشاء الله؛ لأنّ "ما" مع الفعل ك- "أن" معه. (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ) هم المؤمنون، ونصب "الظَّالِمِينَ" بفعلٍ يفسره. أعدّ لهم، نحو: أوعد وكافأ، وما أشبه ذلك. قرأ ابن مسعودٍ: و"للظالمين"، على: وأعدّ للظالمين، وقرأ ابن الزبير: و"الظالمون" على الابتداء، وغيرها أولى لذهاب الطباق بين الجملة المعطوفة والمعطوف عليها فيها، مع مخالفتها للمصحف. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (هل أتى) كان جزاؤه على الله جنةً وحريراً». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وغيرها أولى لذهاب الطباق)، يعني: النَّصب والجرُّ أولى من الرفع، لما يلزم من الرفع المخالفة بين الجملتين، فإن قوله: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ﴾ فعلية، و "الظالمون" اسمية، فيختارون النصب على معنى: وبررت عمراً: أعددت له بُراً، فلا يختارون للقرآن إلا أجود الوجوه مع موافقة المصحف". ومن دعاء المصنف: "اللهم ارزقنا جنة وحريراً، وحررنا من النار تحريراً تحريراً". تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه * … * … *

стр. 8899

سورة المرسلات مكيهٌ، وهي خمسون آيةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً * فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً * وَالنَّاشِراتِ نَشْراً * فَالْفارِقاتِ فَرْقاً * فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً) ١ - ٦] أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة، أرسلهنّ بأوامره فعصفن في مضيهن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة المُرسلات خمسون آية، مكية إجماعاً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قوله: (أقسم بطوائف)، قيل: إنما قال: بطوائف دون طائفة، ليؤذن بأن "المُرْسلات" جمع المُرسلة، نحو: الملائكة المرسلة. قوله: (فعصفن في مُضِيِّهن)، جعل الفاء عاطفة داخلة بين الصفتين، نحو قال الشاعر: يا لهف زيابة للحارث الصـ صابح فالغانم فالآيب

стр. 8900

كما تعصف الرياح، تخففاً في امتثال أمره، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين، ففرّقن بين الحق والباطل، فألقين ذكراً إلى الأنبياء (عُذْرا) للمحقين (أَوْ نُذْرا) للمبطلين. أو أقسم برياح عذابٍ أرسلهن فعصفن، وبرياح رحمةٍ نشرن السحاب في الجوّ ففرّقن بينه، كقوله: (وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً) [الروم: ٤٨]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: الذي صبح فغنم فآب، والفاء تدل على ترتيب معانيها في الوجود. قوله: (بما أوحين)، تنازع فيه الفعلان، وكان الترتيب: فألقين ذكراً إلى الأنبياء، ففرقن بين الحق والباطل، لكنه على منوال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: أردن أن يفرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكراً. وفي قوله: بطوائف منهم، إشارة إلى أن هذه الطوائف، غير تلك الطوائف، والواو عطفت هذه الطوائف على تلك، قال أبو البقاء: "الواو الأولى للقسم وما بعدها للعطف، ولذلك جاءت الفاء". وقال القاضي: "أو أقسم بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه، فرأوا كل شيء هالكاً إلا وجهه، وألقين ذكراً بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله". قوله: (ففرَّقن بينه)، الضمير عائد إلى السحاب، أي: الرياح الفارقات نشرن السحاب الواحد في الجو، فجعلته قزعة قزعة، وإليه أشار بقوله: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم: ٤٨].

стр. 8901

أو بسحائب نشرن الموات، ففرّقن بين هن يشكر لله تعالى وبين من يكفر، كقوله (لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) [الجن: ١٦]، فألقين ذكرا: ً إمّا عذراً للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها، وإما إنذاراً الذين يغفلون الشكر لله وينسبون ذلك إلى الأنواء، وجعلن ملقياتٍ للذكر لكونهن سبباً في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن أو كفرت. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نشرن الموات)، الموات: الأرض. الراغب: "الموتان بإزاء الحيوان، وهي الأرض التي لم تحي للزرع، وأرض موات". قوله: (إما عُذراً للذين يعتذرون) إلى قوله: (وإما إنذاراً للذين يغفلون)، يشعر بأن "أو" للتنويع، ومن ثم قال الدينوري في "مشكل القرآن": "إنّ "أو" بمعنى الواو". قوله: (للذين يغفلون)، أي: يتركون، يقال: أغفلت الشيء، أي: تركته على ذُكر منك. قوله: (وجعلن مُلقيات للذكر)، أي: وجعلت السحائب ملقيات للذكر. والذِّكر: التذكير، أي: سبباً للتذكير، وقالت للمكلَّف: إن عرفت شُكر المنعم بي، فأنت معذور، وإن أنكرته فأنت مُعذب. وحاصل الوجوه أن الصفات الخمس، إما مُجراة على الملائكة، أو على الرِّياح أو السَّحاب.

стр. 8902

فإن قلت: ما معنى عرفاً؟ قلت: متتابعةً كشعر العرف، يقال: جاءوا عرفاً واحداً؛ وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه، ويكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر؛ وانتصابه على أنه مفعولٌ له، أي: أرسلن للإحسان والمعروف؛ والأول على الحال. وقرئ: "عرفا" على التثقيل، نحو "نكرٌ" في "نكر". فإن قلت: قد فسرت "المرسلات" بملائكة العذاب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومعنى ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ على الأول: إما نشر الجناح، أو الشرائع، أو النفوس. ومعنى ﴿فَالْفَارِقَاتِ﴾، مزاولة التمييز بين الحق والباطل، ويكون إسناد إلقاء الذكر إسناداً إلى الفاعل الحقيقي. وعلى الثاني، إما نشر الرياح السحاب، ومعنى الفارقات محاولة الافتراق بين أجزاء السحاب، أو نشر السحاب الأرض، والفارقات إظهار الفرق بين الشاكر وغير الشاكر. وأما إلقاء الذكر على التقديرين الأخيرين فعلى الإسناد المجازي، والله أعلم. قوله: (مُتتابعة كشعر العُرف)، قيل: أصله: متتابعة كتتابع شعر العُرف، فحذف "متتابعة"، فبقى "كتتابع"، ثم حُذف المثل، فبقى: تتابع شعر العُرف، ثم حُذف "التتابع"، ثم "الشعر"، فبقى "عُرفاً". قوله: (والأول على الحال)، قال القاضي: "عُرفاً: إما نقيض النُّكر، وانتصابه على العلة، أي: أُرسلن للإحسان والمعروف. أو بمعنى: المتتابعة، وانتصابه على الحال". قوله: (قد فُسِّرت "المرسلات" بملائكة العذاب)، ولو قال: برياح عذاب أرسلهن كان أصوب، لأنه ما سبق وجه يدل على هذا التفسير صريحاً.

стр. 8903

فكيف يكون إرسالهم معروفاً؟ قلت: إن لم يكن معروفاً للكفار فإنه معروفٌ للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم. فإن قلت: ما "العذر" و "النذر"، وبما انتصبا؟ قلت: هما مصدران: من: عذر؛ إذا محا الإساءة، ومن: أنذر؛ إذا خوّف على فعل، كالكفر والشكر، ويجوز أن يكون جمع عذير، بمعنى المعذرة؛ وجمع نذيرٍ بمعنى الإنذار، أو بمعنى العاذر والمنذر. وأما انتصابهما فعلى البدل من "ذكرا"ً على الوجهين الأوّلين، أو على المفعول له. وأما على الوجه الثالث، فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين. وقرئا: مخففين ومثقلين. [(إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ * فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٧ - ١٥] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأما على الوجه الثالث فعلى الحال)، أي: على أن يكونا بمعنى العاذر والمُنذر، قال أبو البقاء: "على أن يكونا جمع عذير ونذير، حالان من الضمير في ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ﴾؛ أي مُعذرين ومُنذرين". قوله: (وقُرئا مُخففين ومُثقلين)، ﴿عُذْرًا﴾، بالتخفيف: هي المشهورة، وبالتثقيل: شاذة. وأما ﴿نُذْرًا﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وهشام وحفص، والباقون: بالتثقيل.

стр. 8904

إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة لكائنٌ نازلٌ لا ريب فيه، وهو جواب القسم، وعن بعضهم أن المعنى: ورب المرسلات (طُمِسَتْ) محيت ومحقت، وقيل: ذهب بنورها ومحق ذواتها، موافقٌ لقوله (انْتَثَرَتْ) و (انْكَدَرَتْ). ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور (فُرِجَتْ) فتحت فكانت أبواباً، قال: الفارجى باب الأمير المبهم (نُسِفَتْ) كالحب إذا نسف بالمنسف؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو جواب القسم)، أي: قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾. قال محيي السنة: "إلى هنا أقسام، وذكرها على قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾، أي: من أمر الساعة والبعث، ﴿لَوَاقِعٌ﴾: لكائن، ثم ذكر متى يقع، فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ". قوله: (ومُحق ذواتها)، الراغب: "المحق النقصان، ومنه المحاق في آخر الشهر إذا مُحق الهلال، يقال: محقه إذا نقصه وأذهب بركته، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] ". قوله: (الفارجي باب الأمير المبهم)، ذكر في "الأساس" أن سيبويه أنشده. فرج الباب: أي فتحه. هو كقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ [الحج: ٣٥]، ووقعت النون للإضافة. يصف القوم بالخطر والجاه، وأنهم إذا أتوا باب الأمير يُفتح لهم، وأبهمت الباب: أغلقته، وأمر مبهم: لا مأتى له. قوله: (بالمنسف)، الجوهري: "هو ما نُسف به الطعام، وهو شيء طويل منصوب الصدر، أعلاه مرتفع".

стр. 8905

ونحوه (وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا) [الواقعه: ٥]، (وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا) [المزمل: ١٤]. وقيل: أخذت بسرعةٍ من أماكنها، من: انتسفت الشيء إذا اختطفته، وقرئت: "طمست": و"فرجت" و"نسفت" مشدّدة. قرئ: "أقتت" و "وقتت"، بالتشديد والتخفيف فيهما. والأصل: الواو، ومعنى توقيت الرسل: تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم. والتأجيل: من الأجل، كالتوقيت: من الوقت. (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) تعظيم لليوم، وتعجيبٌ من هوله (لِيَوْمِ الْفَصْلِ) بيانٌ ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق. والوجه أن يكون معنى (وقتت): بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره، وهو يوم القيامة، وأجلت: أخرت. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قُرئ: ﴿أُقِّتَتْ﴾، و "وُقِّتتْ")، أبو عمرو: بالواو، والباقون: بالهمز. قال الزجاج: "فمن قرأ بالهمز، فإنه أبدلها من الواو لانضمامهما، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة، جاز إبدالها بالهمزة". قوله: (ومعنى توقيت الرُّسل: تبيين وقتها)، قال القاضي: "معناه: عُين لها وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على الأمم بحصوله، فإنه لا يتعين لهم قبله". قوله: (والوجه أن يكون معنى "وُقتت": بُلِّغتْ)، أي: بُلغت الرُّسل ميقاتها، قال في "الأساس": "شيء موقوت ومُوقت: محدود، وجاؤوا للميقات وبلغوا الميقات". وإنما كان هذا هو الوجه، لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ مجمل يشتمل على أمر القيامة وأماراتها؛ فقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ إلى قوله ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾، تفصيله، وينصره ما نقلناه عن محيي السنة: "ثم ذكر متى يقع؟ فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ".

стр. 8906

فإن قلت: كيف وقع النكرة مبتدأ في قوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)؟ قلت: هو في أصله مصدرٌ منصوبٌ سادٌّ مسدّ فعله، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه، ونحوه (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ٥٤]، ويجوز: ويلا، بالنصب؛ ولكنه لم يقرأ به، يقال: ويلاً له ويلاً كيلاً. [(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ١٦ - ١٩] قرأ قتادة: "نهلك"، بفتح النون، من هلكه بمعنى أهلكه، قال العجاج: ومهمةٍ هالك من تعرّجا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا ارتياب أنه مُخبر عن وقوعها وبلوغ ميقاتها، وحضور الرُّسل والشهداء حينئذ فيها، وليس الكلام في تعيين وقتها للرُّسل، وإنما فُسِّر ﴿أُجِّلَتْ﴾ في هذا الوجه بأُخرت ليناسب بلوغ الميقات، وذكر في الأول أن التأجيل من الأجل كالتأقيت من الوقت، ليناسب ﴿أُقِّتَتْ﴾ في كونهما لبيان الوقت، قال الجوهري: "التوقيت تحديد الأوقات، يقال: وَقَّتُّه ليوم كذا، مثل أجَّلته"، واللام للتأريخ. قوله: (ويلاً كيلاً)، أي: يُكال له الهلاك كيلاً. قوله: (ومهمه هالك من تعرَّجا)، إن روي: "هالك" مرفوعاً، فهو خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة "مهمه"، وقيل: تعرج: مال. وفي "ديوان الأدب": "تعرج عليه: أي تحبس"، وقيل: "التعريج على الشيء: الإقامة عليه".

стр. 8907

(ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ) بالرفع على الاستئناف، وهو وعيدٌ لأهل مكة، يريد: ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين، ونسلك بهم سبيلهم لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم. ويقويها قراءة ابن مسعود: "ثم سنتبعهم"، وقرئ بالجزم عطفاً على (نهلك) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ﴾ بالرفع على الاستناف)، أي: هو معطوف من حيث الحملية كما مر في قوله تعالى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، أي هم يسلمون. قال أبو البقاء: "أي: ثم نحن نُتبعهم، وليس بمعطوف؛ لأن العطف يوجب أن يكون المعنى: أهلكنا المجرمين ثم أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس كذلك؛ لأن إهلاك الآخرين لم يقع بعد"، ولهذا قال المصنف: "ثم أتبعهم الآخرين من قوم شعيب". قوله: (ويُقويها قراءة ابن مسعود)، أي: يُقوي هذه القراءة، لأن معناها التهديد والوعيد لأهل مكة، بخلاف القراءة بالجزم، لأنه إخبار عن أتباع قوم لوط وشعيب وموسى قوم نوح وعاد وثمود في الإهلاك، و ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ تذييل. قوله: (وقُرئ بالجزم للعطف على ﴿نُهْلِكِ﴾)، قال ابن جني: "وهي قراءة الأعرج وتحتمل أمرين: أحدهما: ان يُراد بها معنى قراءة الجماعة "نُتبعهم" بالرفع، فأسكن العين استثقالاً لتوالي الحركات. والآخر: أن يُجزم عطفاً على "نُهلك"، فيجري مجرى قولك: ألم تزرني ثم أعطك؟ كقولك: فأُعطك؛ يريد أن قوماً أهلكهم الله بعد قوم قبلهم، على اختلاف أوقات المرسلين إليهم شيئاً بعد شيء، ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾؛ المجرمون من يُهلكهم من بعد، ويجوز من مضى".

стр. 8908

ومعناه: أنه أهلك الأولين من قوم نوحٍ وعادٍ وثمود، ثم أتبعهم الآخرين من قوم شعيبٍ ولوطٍ وموسى (كَذلِكَ) مثل ذلك الفعل الشنيع (نَفْعَلُ) بكل من أجرم إنذاراً وتحذيراً من عاقبة الجرم وسوء أثره. [(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ * إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٢٠ - ٢٤] (إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ) إلى مقدارٍ من الوقت معلومٍ قد علمه الله وحكم به، وهو تسعة الأشهر، أو ما دونها، أو ما فوقها (فَقَدَرْنا) فقدّرنا ذلك تقديراً (فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) فنعم المقدّرون له نحن، أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه نحن؛ والأوّل أولى لقراءة من قرأ "فقدّرنا" بالتشديد، ولقوله (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس: ١٩]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأول أولى)، أي: تفسير "قدَرنا" بـ "قدَّرنا" بمعنى التقدير، أولى من تفسيره بقدَرنا من القدرة، بدليل قراءة من قرأ بالتشديد، وبمجيئه في آية أخرى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩]. وقلت: يمكن أن يقال: إن معنى القدرة لازم لمعنى التقدير، وإبرازه في معرض المدح ظاهر، أو لم يضطر إلى تأويل ﴿قَادِرُونَ﴾ بـ "المقدرون"، ولأن إثبات القدرة أولى، لأن الكلام مع المنكرين بخلاف ذلك. قال أبو البقاء: "قدرنا، بالتخفيف، أجود؛ لقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، ولم يقل: المقدرون. ومن شدد نبه على التكثير واستغنى عن التكثير بتشديد الاسم، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: فنعم القادرون نحن". قوله: (من قرأ: "فقدرنا" بالتشديد). نافع والكسائي، والباقون: بالتخفيف.

стр. 8909

[(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً * أَحْياءً وَأَمْواتاً * وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٢٥ - ٢٨] الكفات: من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفت، كقولهم: الضمام والجماع لما يضم ويجمع، يقال: هذا الباب جماع الأبواب، وبه انتصب (أَحْياءً وَأَمْواتاً) كأنه قيل: كافتةً أحياءً وأمواتاً. أو بفعلٍ مضمرٍ يدل عليه، وهو: تكفت. والمعنى: تكفتُ أحياءً على ظهرها، وأمواتاً في بطنها. وقد استدل بعض أصحاب الشافعي ﵀ على قطع النباش، بأنّ الله تعالى جعل الأرض كفاتاً للأموات، فكان بطنها حرزاً لهم؛ فالنباش سارقٌ من الحرز. فإن قلت: لم قيل أحياءً وأمواتاً على التنكير، وهي كفات الأحياء والأموات جميعاً؟ قلت: هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل: تكفت أحياءً لا يعدون وأمواتاً لا يحصرون، على أنّ أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات. ويجوز أن يكون المعنى: تكفتكم أحياءً وأمواتاً، فينتصبا على الحال من الضمير؛ لأنه قد علم أنها كفات الإنس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تكفت أحياء على ظهرها)، روى الواحدي عن الفراء أنه قال: "تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتاً: تحوزهم"، وهذا قول جماعة المفسرين. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: تكفتكم)، قيل: هو عطف على قوله: "وبه انتصب ﴿أَحْيَاءً﴾ "، والظاهر أنه عطف [على] قوله: "كافتة أحياءً وأمواتاً"، لأنه على الأول

стр. 8910

فإن قلت: فالتنكير في (رَواسِيَ شامِخاتٍ) و (ماءً فُراتاً)؟ قلت: يحتمل إفادة التبعيض؛ لأنّ في السماء جبالاً قال الله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) [النور: ٤٣]، وفيها ماءٌ فراتٌ أيضاً، بل هي معدنه ومصبه، وأن يكون للتفخيم. [(انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ • انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ • لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ • إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ • كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ • وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ • هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ • وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ • وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٢٩ - ٣٧] أي يقال لهم: انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب، و"انطلقوا" الثاني تكرير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منتصب به على المفعولية، وعلى الثاني على الحالية من "كُم" في "تكفتكم"؛ وإنما لم يذكر لأن ﴿كِفَاتًا﴾ دال عليه، وإليه الإشارة بقوله: "لأنه قد عُلم أنها، أي: الأرض، كفات الإنس". وعلى هذا، لا يراد السؤال وهو قوله: لم قيل أحياءً؟ لن المراد بالتنكير بعض الأحياء وهو الإنس، ومن ثم قربه بقوله: "على أن أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء". قال أبو البقاء: " ﴿أَحْيَاءً﴾: مفعول ﴿كِفَاتًا﴾، أو المفعول الثاني لـ "جعل"، أي: جعلنا بعض الأرض أحياءً بالنبات، و"كفاتاً" على هذا: حال"، قال القاضي: "المعنى بالأحياء: ما ينبت، وبالأموات: ما لا ينبت"، وقال صاحب "الكشف": "جاز أن يكون ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾، بدلين من ﴿كِفَاتًا﴾ ". قوله: (فالتنكير)، الفاء متفرع على الجواب عن السؤال الأول، أي: عُلم معنى التنكير فيهما بما ذكر، فما معنى التنكير في هذين؟

стр. 8911

وقرئ: "انطلقوا" على لفظ الماضي إخباراً بعد الأمر عن عملهم بموجبه، لأنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعاً منه (إِلى ظِلٍ) يعنى دخان جهنم، كقوله: (وظل من يحموم) [الواقعة: ٤٣]. (ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) بتشعب لعظمه ثلاث شعب، وهكذا الدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب. وقيل: يخرج لسانٌ من النار فيحيط بالكفار كالسرادق، ويتشعب من دخانها ثلاث شعب، فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم؛ والمؤمنون في ظل العرش (لا ظَلِيلٍ) تهكمٌ بهم وتعريضٌ بأن ظلهم غير ظل المؤمنين (وَلا يُغْنِي) في محل الجر، أي: وغير مغنٍ عنهم من حرّ اللهب شيئاً. (بِشَرَرٍ)، وقرئ: "بشرار" (كَالْقَصْر) أي: كل شررةٍ كالقصر من القصور في عظمها. وقيل: هو الغليظ من الشجر، الواحدة قصرة، نحو: جمرةٌ وجمر. وقرئ: "كالقصر" بفتحتين: وهي أعناق الإبل، أو أعناق النخل، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين)، يعني: أدمج في معنى ﴿لَّا ظَلِيلٍ﴾ معنيين: أحدهما: التهكم بهم، لأن مفهوم الظل للاسترواح وهاهنا عكسه، كما في قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤]. وثانيهما: تعريض بأن للمؤمنين ظلاً على خلافه، ليزيد في تحسرهم وتشويرهم، ومن ثم قال: "فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش". قوله: (أي: وغير مُغن عنهم)، قيل: هو من قولهم: أغن عني وجهك، أي: أبعده، ويقال: ما يُغني عنك هذا، أي: ما يُجزئ عنك ولا ينفعك، لأن الغني عن الشيء يباعده، كما أن المحتاج إليه يقاربه؛ وإنما عُدي بـ "عن" ليضمنه معنى "مُبعد". قوله: (وهي أعناق الإبل، أو أعناق النَّخل)، وإنما كرر الأعناق، ليؤذن بأن الأول غير الثاني. الأساس: "ومن المجاز: أتاتي عنق من الناس، وأقبلت أعناق الرجال، قال العجاج: حتى بدت أعناق صبح أبلجا

стр. 8912

نحو: شجرةٌ وشجر. وقرأ ابن مسعود: ك- "القصر" بمعنى القصور، كرهنٍ ورهن. وقرأ سعيد ابن جبيرٍ: "كالقصر" في جمع قصرة، كحاجةٍ وحوج (جِمالَتٌ) جمع جمال، أو جمالةٌ جمع جمل؛ شبهت بالقصور، ثم بالجمال لبيان التشبيه؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كحاجة وحوج)، وفيه بحث، لأنه لا يجيء مثل هذا الجمع إلا وتقلب واوه ياء، قال في "المفصل" في إعلال العين: "قالوا: تير وديم لإعلال الواحد والكسرة". وجاء في "الصحاح": "الحاجة تجمع على حاج وحاجات وحوج وحوائج". وقيل: لا يبعد أن يقال: هذا الإعلال مشروط بأن يكون هذا الألف في الجمع وإن لك يُذكر في "المفصل"، يدل عليه قول الجوهري: "أصل تير: تيار". قوله: (ثم بالجمال لبيان التشبيه)، فالضمير في ﴿كَأَنَّهُ﴾ راجع إلى الشرر باعتبار اللفظ، وكذا عن محيي السنة. أي: شُبهت الشرر بالقصور، ثم شبهت بالجمال، ليبين أن المراد من التشبيه الأول هو العظم مع اللون؛ فالجمال والقصر سيان باعتبار العظم، ثم ضم معه ﴿صُفْرٌ﴾، فيكون التشبيه الثاني مع الأول، كبدل الاشتمال في نحو: أعجبني زيد كرمه. وعن بعضهم: المراد بقوله لبيان التشبيه تعيين التشبيه وتأكيده، وقال أيضاً: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ بيان للتشبيه الأول، ولو لم يكن بياناً لكان بدلاً، وهو لا يجوز.

стр. 8913

ألا تراهم يشبهون الإبل بالأفدان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألا تراهم يشبهوم الإبل بالأفدان)، تعليل لادعاء المساواة بين الجمل والقصر؛ فإن الجمل مثل في العظم، قال: جِسم الجمال وأحلام العصافير ولما أن التشبيه الأول كالتوطئة والتمهيد للثاني، قال: "وقد عمى عن قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾؛ فإنه بمنزلة قوله: كبيت أحمر"، يعني: كطراف. يعني: نظر أبو العلاء إلى التشبيه الأول الذي هو كالتوطئة، وتبجح أن تشبيهه أجمع، ولم ينظر إلى التشبيه الثاني الذي هو المقصود بالذكر. قال الإمام: "شبه الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر"، ثم قال: "هذا أولى من قول أبي العلاء، لأن القصر في المقدار أعظم من "الطراف"، فيلزم منه أن النار التي شرارتها القصر، لا تكون إلا مما لا يوصف كنهها، والجمالات أكثر في العدد منه، وفيها تصوير الحركة أيضاً". وقلت: مرادهم أن ما في التنزيل من التشبيه، أكثر تفصيلاً مما في بيت أبي العلاء، فيكون أدخل في القبول كما نص عليه صاحب "المفتاح". ومن الممكن أن يقال: إن الضمير في

стр. 8914

والمجادل؟ وقرئ: "جمالاتٌ" بالضم: وهي قلوس الجسور، وقيل: قلوس سفن البحر، الواحدة جمالة، وقرئ: (جمالة) بالكسر، بمعنى: جمالٌ، و"جمالةٌ" بالضم: وهي القلس. وقيل: (صُفْرٌ) لإرادة الجنس. وقيل (صُفْرٌ): سود تضرب إلى الصفرة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ﴾ عائد إلى "القصر"، فيذهب به إلى تصوير عجيب وتخييل غريب؛ شُبهت الشرارة حين تنقص من النار في عظمها بالقصر. ثم شبه القصر المشبه به حين يأخذ في الارتفاع والانبساط، فإنه حينئذ ينشق عن أعداد لا نهاية لها، بالجمالات المتكاثرة، فيتصور منها حينئذ العظم أولاً، والاتساق مع الكثرة والصُّفرة والحركة المخصوصة ثانياً، فيبلغ التشبيه إلى الذروة العليا. قوله: (بالأفدان والمجادل)، الفدن والمجدل: القصر، وليس منه مجدل بالفتح. قوله: (قُلوس)، هو جمع قلس، وهو حبل تشد به الجسور أو سفن البحار. قوله: (وقُرئ: ﴿جِمَالَتٌ﴾)، بالكسر والتوحيد: حفص وحمزة والكسائي، والباقون: بالألف على الجمع. قوله: (وقيل: ﴿صُفْرٌ﴾)، يريد على القراءة بضم الجيم، فإنها لما كانت مُفردة كان المناسب: صفراء، لكن جُمع بالنظر إلى إرادة الجنس.

стр. 8915

وفي شعر عمران بن حطانٍ الخارجي: دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم … بمثل الجمال الصّفر نزّاعة الشّوى قال أبو العلاء: حمراء ساطعة الذّوائب في الدّجى … ترمى بكلّ شرارة كطراف فشبهها بالطراف وهو بيت الأدم في العظم والحمرة، وكأنه قصد بخبثه أن يزيد على تشبيه القرآن، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (دعتهم بأعلى صوتها)، البيت، يصف جهنم ودعاءها الكفار إلى نفسها، مقتبس من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٧]، قال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح، وتقول: إلَّي إلَّي، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطَّير الحبَّ. الشوى: الأطراف، وهي القوائم والجلود. وقيل: الشَّوى: جمع شواة، وهي من جوارح الإنسان ما لم يكن مقتلاً، يقال: رماه فأشواه إذا لم يُصب مقتلاً، أي: دعتهم نزاعة الشَّوى، وهي لظى، بأعلى صوتها، ورمتهم بشرر كالقصر، كأنه جمالات صُفر. قوله: (حمراء ساطعة) البيت، قبله: الموقدي نار القرى الآصال والـ أسحار بالأهضام والأشعاف الهضم، بالكسر: المطمئن من الأرض، والجمع أهضام وهضوم، والشعفة، بالتحريك: رأس الجبل، والجمع شعف وشعاف. وقوله "حمراء": بدل من "نار القرى"، والطِّراف فيها من الأدم. والمعنى: أنهم يوقدون للأضياف نيراناً عظيمة شرارهاـ مقدار عظمها مقدار عظم "الطِّراف". قوله: (قصد بخُبثه أن يزيد على تشبيه القرآن)، زعم أنه طغى بتشبيهه على اللون والعظم،

стр. 8916

ولتبجحه بما سوّل له من توهم الزيادة، جاء في صدر بيته بقوله (حمراء) توطئةً لها ومناداةً عليها، وتنبيهاً للسامعين على مكانها، ولقد عمى، جمع الله له عمى الدارين، عن قوله عز وعلا: (كأنه جمالات صفر)؛ فإنه بمنزلة قوله: كبيتٍ أحمر؛ وعلى أن في التشبيه بالقصر وهو الحصن تشبيهاً من جهتين: من جهة العظم، ومن جهة الطول في الهواء، وفي التشبيه بالجمالات وهي القلوس، تشبيهٌ من ثلاث جهات: من جهة العظم والطول والصفرة، فأبعد الله إغرابه في طرافه، وما نفخ شدقيه من استطرافه. قرئ بنصب "اليوم"، ونصبه الأعمش، أي: هذا الذي قص عليكم واقع يومئذٍ؛ ويوم القيامة طويلٌ ذو مواطن ومواقيت: ينطقون في وقتٍ ولا ينطقون في وقت؛ ولذلك ورد الأمران في القرآن. أو جعل نطقهم كلا نطقٍ؛ لأنه لا ينفع ولا يسمع. (فَيَعْتَذِرُونَ) عطفٌ على (يُؤْذَنُ) منخرطٌ في سلك النفي، والمعنى: ولا يكون لهم إذنٌ واعتذارٌ متعقبٌ له، من غير أن يجعل الاعتذار مسبباً عن الإذن؛ ولو نصب لكان مسبباً عنه لا محالة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وزاد على ما في التنزيل وليس بذلك، لأنه لا يخفى على مثل المعري أن الكلام بآخره، لأن الله تعالى شبه الشرارة أولاً حين تنقض من النار بالقصر في العظم، وثانياً حين تأخذ بالارتفاع والانبساط فتنشق عن أعداد لا نهاية لها، بالجمالات في التفرق واللون والعظم والثقل، ونظر في ذلك إلى الحيوان وأن تلك الحركات اختيارية، وكل ذلك مفقود في نيته، قال الإمام: "كان الأولى لصاحب "الكشاف" أن لا يذكر أنه ذكره معارضة للقرآن". قوله: (﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطف على ﴿يُؤْذَنُ﴾ منخرط في سلك النفي)، قال في قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]: "يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ".

стр. 8917

[(هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٣٨ - ٤٥] (جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) كلامٌ موضحٌ لقوله: (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ)، لأنه إذا كان يوم الفصل بين السعداء والأشقياء وبين الأنبياء وأممهم، فلا بدّ من جمع الأولين والآخرين، حتى يقع ذلك الفصل بينهم (فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) تقريعٌ لهم على كيدهم لدين الله وذويه، وتسجيلٌ عليهم بالعجز والاستكانة (كُلُوا وَاشْرَبُوا) في موضع الحال من ضمير "المتقين"، في الظرف الذي هو في ظلال، أي: هم مستقرّون في ظلالٍ، مقولاً لهم ذلك. [(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) ٤٦ - ٥٠] (وكُلُوا وَتَمَتَّعُوا) حال من المكذبين؛ أي: الويل ثابتٌ لهم في حال ما يقال لهم: كلوا وتمتعوا. فإن قلت: كيف يصح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "الكشف": "التقدير: هذا يوم لا ينطقون بنطق ينفعهم، ولا يعتذرون بعذر ينفعهم، فـ "يعتذرون" داخل في النفي، ولو حملته على الظاهر ناقض، لأنه يصير: هذا يوم لا ينطقون فيعتذرون، لأن الاعتذار نطق أيضاً". وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون مستأنفاً، أي: فهم يعتذرون، أي: أنهم لا ينطقون في بعض المواقف، وينطقون في بعضها، وليس بجواب النفي، إذ لو كان جواباً لحذل النون". قوله: (كيف يصح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟ )، لأن قوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾، مما يقال في حق الكفار في الدنيا لا في الآخرة، لأنهم متمتعون فيها أياماً قلائل.

стр. 8918

قلت: يقال لهم ذلك في الآخرة إيذاناً بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله تذكيراً بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك الخالد. وفي طريقته قوله: إخوتى لا تبعدوا أبداً … وبلى والله قد بعدوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتلخيص الجواب، أن هذا القول كالوسم عليهم، وأيما ساعة وأيما شخص وقع نطره إليهم قال ذلك في حقهم، لتهالكهم في مشتهيات العاجلة والذهول عن تبعاتها في الآجلة. وفائدة ذكره في الآخرة، تذكير سوء اختيارهم، وهو إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْأخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٥]. روي عن المصنف أنه قال: "اتصال قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ بقوله: ﴿لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾، كأنه قيل: ويل يومئذ للمكذبين الذين كذبوا، وإذا قيل لهم: اركعوا، لا يركعون. ويجوز أن يكون اتصاله بقوله: ﴿إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾ على طريقة الالتفات، كأنه قيل: هو أحقاء بأن يقال لهم: كلوا وتمتعوا، ثم علل ذلك بكونهم مُجرمين، وبكونهم إذا قيل لهم: صلوا، لا يصلون". قوله: (إخوتي لا تبعدوا)، ليس فيه نهي ولا طلب، لأنهم هلكوا وبعدوا وأبادوا. ثم قوله: وبلى والله قد بعدوا تناهي تحسر وتوجع، يعني: أحقاء بأن يقال لكم في أيام حياتكم: لا تبعدوا أبداً،

стр. 8919

يريد: كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بذلك، وعلل ذلك بكونهم مجرمين دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياماً قلائل، ثم البقاء في الهلاك أبداً. ويجوز أن يكون (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا) [المرسلات: ٤٦] كلاماً مستأنفاً خطاباً للمكذبين في الدنيا (ارْكَعُوا) اخشعوا لله وتواضعوا له بقبول وحيه واتباع دينه، واطرحوا هذا الاستكبار والنخوة، لا يخشعون ولا يقبلون ذلك، ويصرون على استكبارهم. وقيل: ما كان على العرب أشدّ من الركوع والسجود: وقيل: نزلت في ثقيفٍ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد وقع خلاف ما كنتم تستحقونه. وكذا معنى الآية: كنتم في حياتكم وتمتعتم بملاذها، بحيث وجب لكل ناظر أن يقول في حقكم: كلوا وتمتعوا قليلاً، فإن الذي وقعتم فيه منقض، وتبعته لاحقة بكم، والآن وقع ما كنتم تستحقونه. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ كلاماً مُستأنفاً)، هذا يعد من التعسف وأوفق لتأليف النظم، لأنه مذكور بعد ذكر الترجيع، وبعده ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. قوله: (وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود)، قال القاضي في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾: "واستدل به على أن الأمر للوجوب، وأن الكفار مُخاطبون بالفروع". قوله: (وقيل: نزلت في ثقيف) إلى آخره، مضى بيانه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. النهاية: "أصل التَّجبية أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على رُكبتيه وهو قائم".

стр. 8920

حين أمرهم رسول الله ﷺ بالصلاة، فقالوا: لا نجبي فإنها مسبةٌ علينا. فقال رسول الله ﷺ : "لا خير في دين ليس فيه ركوعٌ ولا سجودٌ" (بَعْدَهُ) بعد القرآن، يعنى أنّ القرآن من بين الكتب المنزلة آيةٌ مبصرةٌ ومعجزةٌ باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي كتابٍ بعده (يُؤْمِنُونَ)، وقرئ: " تؤمنون" بالتاء. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (والمرسلات) كتب له أنه ليس من المشركين». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني أن القرآن من بين سائر الكتب المنزلة آية مبصرة)، وقد سبق في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، أن لفظة "بعد" مثل "ثم" في إعطاء معنى التراخي في الرُّتبة. ولما قرر الله في هذه السورة الكريمة من الآيات، ولم يكن في سائر الكتب المنزلة مثل هذه البيانات الشافية، ختمها بهذه الخاتمة مُصدرة بالفاء، مفيدة ما قرره المصنف. وقال في أُختها في "الأعراف": "كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يُبادرون [إلى] الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا"؛ لأن ما قبلها من حديث الأجل، وهاهنا الحديث بالوعد والوعيد الذي تُلِيَ عليهم في هذه الآيات. تمت السورة بعون الله تعالى * … * … *

стр. 8921

سورة عمّ يتساءلون مكية، وتسمى سورة النبأ وهي أربعون آيةً أو إحدى وأربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) ١ - ٣]. (عَمَّ) أصله عما، على أنه حرف جرٍ دخل على ما الاستفهامية وهو في قراءة عكرمة وعيسى بن عمر. قال حسان ﵁: على ما قام يشتمني لئيم … كخنزير تمرّغ في رماد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة النبأ مكية، وهي أربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وهو في قراءة عكرمة وعيسى بن عمر)، قال ابن جني: "إثبات الألف أضعف اللغتين"، قال الجرجاني: " (ما) الاستفهامية تُحذف ألفها تفرقة بينها وبين كونها خبراً، وقيل: حُذفت الألف بحرف الجر لتؤذن بشدة الاتصال، وقيل: حُذفت لكثرة الدوران". قوله: (تمرغ في رماد)، مرغته في التراب: قلبته فيه، وتمرغ، ومراغ الدابة: ممرغها.

стр. 8922

والاستعمال الكثير على الحذف، والأصل: قليل. ومعنى هذا الاستفهام: تفخيم الشأن، كأنه قال: عن أي شأنٍ يتساءلون؟ ونحوه ما في قولك: زيدٌ ما زيد؟ جعلته - لانقطاع قرينه وعدم نظيره - كأنه شيءٌ خفي عليك جنسه، فأنت تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره، كما تقول: ما الغول وما العنقاء؟ تريد: أي شيء هو من الأشياء هذا أصله؟ ثم جرد للعبارة عن التفخيم، حتى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية (يَتَساءَلُونَ) يسأل بعضهم بعضاً. أو يتساءلون غيرهم من رسول الله ﷺ والمؤمنين نحو: يتداعونهم ويتراءونهم. والضمير لأهل مكة: كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث، ويتساءلون غيرهم عنه على طريق الاستهزاء. (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) بيانٌ للشأن المفخم. وعن ابن كثيرٍ قرأ (عمه) بهاء السكت، ولا يخلو: إما أن يجرى الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف ويبتدئ (يَتَساءَلُونَ) على أن يضمر (يَتَساءَلُونَ) لأنّ ما بعده يفسره، كشيء يبهم ثم يفسر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("ما" في قولك: زيد ما زيد؟ جعلته، لانقطاع قرينه وعدم نظيره، كأنه شيء خفي عليك جنسه، فأنت تسأل عن جنسه)، ومنه حديث عائشة، رواه البخاري في "صحيحه": قالت الحادية عشرة: "زوجي أبو زرع فما أبو زرع؟ أناس من حُلي أُذني، وملأ من شحم عضدي. أُمُّ أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح. ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة. بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها، وطوع أمها، وملاء كسائها، وغيظ جارتها". النوس: تحرك الشيء متدلياً، أي: أناس أُذُني مما حلاهما من الشُّنوف والقرطة، والعكوم: جمع عِكم، وهو العدل إذا كان فيه متاع، والرَّداح: العظيمة الثقيلة، والمسل: مصدر بمعنى الشَّل، والشَّطبة: السيف، أي: كما سُل السيف من غمده، والجفرة: الأنثى من ولد المعز. قوله: (﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: بيان للشأن المفخم)، يريد أن قوله: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ليس

стр. 8923

فإن قلت: قد زعمت أنّ الضمير في يتساءلون للكفار. فما تصنع بقوله (هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)؟ قلت: كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث، ومنهم من يشك. وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين جميعاً، وكانوا جميعاً يسألون عنه. أما المسلم فليزداد خشيةً واستعداداً، وأما الكافر فليزداد استهزاء. وقيل: المتساءل عنه القرآن. وقيل: نبوّة محمدٍ ﷺ . وقرئ: (يسّاءلون بالإدغام)، وستعلمون بالتاء. [(كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ) ٤ - ٥] (كَلَّا) ردع للمتسائلين هزءوا. و (سَيَعْلَمُونَ) وعيدٌ لهم بأنهم سوف يعلمون أنّ ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق؛ لأنه واقعٌ لا ريب فيه. وتكرير الردع مع الوعيد تشديد في ذلك، ومعنى (ثُمَّ) الإشعار بأنّ الوعيد الثاني أبلغ من الأوّل وأشد. [(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً * وَالْجِبالَ أَوْتاداً * وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً * وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً * وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً * وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً * وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً) ٦ - ١٦] فإن قلت: كيف اتصل به قوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادا). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بصلة ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ لأنه أخذ صلته وهي ﴿عَمَّ﴾، بل هو صلة محذوف، على طريقة الاستئناف، للبيان، فإنه لما قيل: عن أي شيء عظيم يتساءلون وما ذلك الشيء العظيم الذي يتساءلون عنه؟ فقيل: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، الذي هو البعث، وإذا وقف على "عمه" يكون صلة للمذكور، ويقدر مثله: لعمه، قال صاحب "الكشف": ﴿عَنِ النَّبَإِ﴾ لا يجوز أن يكون بدلاً من قوله: عمه بتة، لأنه لو كان بدلاً لوجب تكرار حرف الاستفهام؛ لأنه الجار المتصل بحرف الاستفهام إذا أُعيد أُعيد مع الحرف المستفهم به، كقولك: بكم ثوبك؟ أبعشرين أم بثلاثين؟ ولا يجوز: بعشرين، بغير همزة، فيكون متعلقاً بفعل آخر دون هذا الظاهر. وقال أبو البقاء: "يجوز

стр. 8924

قلت: لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة، فما وجه إنكار قدرته على البعث، وما هو إلا اختراعٌ كهذه الاختراعات؟ أو قيل لهم: ألم يفعل هذه الأفعال المتكاثرة. والحكيم لا يفعل فعلاً عبثاً، وما تنكرونه من البعث والجزاء مؤدّ إلى أنه عابثٌ في كل ما فعل؟ (مِهاداً) فراشاً. وقرئ: (مهدا) ومعناه: أنها لهم كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له فينوّم عليه، تسميةً للممهود بالمصدر، كضرب الأمير أو وصفت بالمصدر. أو بمعنى: ذات مهدٍ، أي أرسيناها: بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد. (سُباتاً) موتاً. والمسبوت: الميت، من السبت وهو القطع؛ لأنه مقطوعٌ عن الحركة. والنوم: أحد التوفيين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يكون بدلاً، وألف الاستفهام، التي ينبغي أن تُعاد، محذوفة". الراغب: "عظم الشيء: أصله كبر عظمه، ثم استعير لكل كبير، فأجري مجراه، محسوساً كان أو معقولاُ، عيناً كان أو معنى، قال تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، والعظيم إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتصلة، والكبير يقال في المنفصلة، ثم قد يقال في المنفصل: عظيم، نحو، جيش عظيم ومال عظيم، وذلك في معنى الكبير. والعظيمة: النازلة". وعن بعضهم: الضمير في ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ تأكيد، وفيه معنى الاختصاص، ولم يكن لقريش اختصاص بالاختلاف، لكن لما كان خوضهم فيه أكثر وتعنتهم له أظهر، جعلوا كأنهم مخصوصون به. قوله: (والنوم أحد التوفيين)، مقتبس من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].

стр. 8925

وهو على بناء الأدواء. ولما جعل النوم موتاً، جعل اليقظة معاشاً، أي: حياةً في قوله: (وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً)، أي: وقت معاشٍ تستيقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم. وقيل: السبات الراحة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على بناء الأدواء)، يعني: كالسعال والزكام والجذام. قوله: (ولما جعل النوم موتاً، جعل اليقظة معاشاً، أي: حياة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾)، راعى المطابقة بين قوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، والمطابقة الحقيقية: جعلنا يقظتكم حياة، فوضع موضع اليقظة النهار؛ لأنها تقع فيه غالباً، وموضع حياة: معاشاً، فبقى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا﴾ جملة مستطردة بين القرينتين لذكر النوم في القرينة الأولى، هذا إذا جعل السُّبات بمعنى الموت، وأما إذا جعل بمعنى الراحة، وهو قول الزجاج: السبات: "أن تنقطع الحركة من بدنه بالنوم"، أي: جعلنا نومكم راحة، يكون قوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾، قرينة لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، فيصح الطباق بين القرينتين الأوليين؛ لأن جل الاستمتاع بين الزوجين في حالة النوم والراحة. وقال في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]: "المقيل: المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن وملامستهن"، ومنه قوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، وبين القرينتين التاليتين، وهما: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾؛ لأنهما نحو قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِي﴾ [القصص: ٧٣]، ويؤيده قول الزجاج: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا﴾ أي: لتسكنوا فيه. قوله: (أي وقت معاش)، قيل: المعاش: مصدر، يقال: "عاش يعيش عيشاً ومعاشاً ومعيشة وعيشة".

стр. 8926

(لِباساً) يستركم عن العيون إذا أردتم هرباً من عدوّ، أو بياتاً له. أو إخفاء مالا تحبون الاطلاع عليه من كثيرٍ من الأمور. وكم لظلام اللّيل عندك من يد … تخبّر أنّ المانويّة تكذب (سَبْعاً) سبع سماوات (شِداداً) جمع شديدة، يعنى: محكمةً قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان. (وَهَّاجاً) متلألئاً وقاداً، يعنى: الشمس: وتوهجت النار: إذا تلمظت فتوهجت بضوئها وحرّها. "المعصرات": السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكم لظلام الليل عندك من يد) البيت، قال الواحدي: المانوية: أصحاب ماني، وهو يقول بالنور والظلمة، يقولون: الخير كله في النور، والشر كله في الظلمة. ورد عليهم المتنبي فقال: كم من نعمة في الظلام تبين أن هؤلاء الذين نسبوا إليه الشر كله كاذبون، ثم بين تلك النعمة بقوله: وقاك ردى الأعداء تسري عليهم وزارك فيهم ذو الدلال المُحجب وذكر سر النور بقوله: ويوم كليل العاشقين كمنته أراقب فيه الشمس أيان تغرب قوله: (﴿وَهَّاجًا﴾: متلألئاً)، الراغب: "الوهج: حصول الضوء والحر من النار، والوهجان كذلك، وقوله تعالى: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، أي: مضيئاً. وقد وهجت النار توهج، ووهج يهج، وتوهج اللؤلؤ: تلألأ".

стр. 8927

إذا حان له أن يجز. ومنه: أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض. وقرأ عكرمة: (بالمعصرات)، وفيه وجهان: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول: أعطى من يده درهماً، وأعطى بيده، وعن مجاهد: المعصرات الرياح ذوات الأعاصير. وعن الحسن وقتادة: هي السماوات. وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السماوات يعصرن، أي: يحملن على العصر ويمكنّ منه. فإن قلت: فما وجه من قرأ: (مِنَ الْمُعْصِراتِ) وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ عكرمة: "بالمعصرات")، قال ابن جني: "وهي قراءة ابن الزبير وابن عباس وغيرهما، ولم يذكر عكرمة، وقال: إذا نزل الماء منها فقد أنزل بها، كقولهم: أعطيته من يدي درهماً وبيدي درهماً، المعنى واحد، وليس "من" هاهنا مثلها في قولهم: أعطيته من الدراهم؛ لأن "من" فيه تبعيضية، وليس المراد أن الدراهم بعض اليد، لكن المراد أن ابتداء العطية من اليد"، فقول المصنف: "إذا كان الإنزال منها فهو بها"، إيذان بأن "من" الابتدائية فيها معنى السببية، كما مر في قوله: ﴿أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣] أي: من أجله وبسببه، فإذن هي والباء من وادٍ واحد. قوله: (أي: يحملن على العصر)، يعني: أن المعصرات على الحقيقة هي الرياح؛ لأنها تعصر السحاب لتمطر، وسميت السماء بالمعصرات، لما أن الماء إنما ينزل منها إلى السحاب، فيتمكن الرياح حينئذ من العصر، ولولاها لم يتمكن منه، فأسند إليه، فالهمزة في الإعصار: للتعدية. قوله: (ذوات الأعاصير)، الجوهري: "الإعصار: ريح تثير الغبار، فيرتفع إلى السماء كأنه عمود، ويقال: هي ريح تثير سحاباً ذات رعد وبرق وتعصر".

стр. 8928

قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال؛ وقد جاء أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر. فإن قلت: ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر. يقال: عصره فاعتصر. قلت: وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أي حان لها أن تعصر، أي: تغيث، (ثَجَّاجاً) منصباً بكثرة يقال: ثجه وثج نفسه، وفي الحديث: (أفضل الحج: العجّ والثجّ) أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدى. وكان ابن عباسٍ مثجا يسيل غرباً، يعنى يثج الكلام ثجاً في خطبته. وقرأ الأعرج: (ثجاجا)، ومثاجح الماء: مصابه، والماء ينثجح في الوادي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمعنى المغيثات)، الراغب: "الغيث: يقال في المطر، والغوث: في النصرة، واستغثته: طلبت الغيث منه والغوث، فأغاثني: من الغوث، وغاثني: من الغيث". قوله: (اللاتي أعصرن)، فيكون "أعصر" على هذا غير الأول، إذ "المعصرات" يراد بها الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، فالهمزة للحينونة لا للتعدية، وعن بعضهم: القبول والصبا بمعنى واحد، وهي من المشرق، وهي تجمع السحاب، والجنوب تعصرها وتحلبها، وهي من القبلة، والدَّبور من المغرب، وهي معاونة القبول، والشمال تفرقها. والعصر والحلب ها هنا: الاعتماد.

стр. 8929

) حَبًّا وَنَباتاً (يريد ما يتقوّت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش، كما قال: ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ([طه: ٥٤]، وَ (الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ) [الرحمن: ١٢]. (ألْفافاً) ملتفةً ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف. وقيل: الواحد لف. وقال صاحب الإقليد: أنشدنى الحسن بن على الطوسي: جنّة لفّ وعيش مغدق … وندامي كلهم بيضٌ زهر وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف، ثم ألفاف: وما أظنه واجداً له نظيراً من نحو خضرٍ واخضار وحمرٍ وأحمار، ولو قيل: هو جمع ملتفةٍ بتقدير حذف الزوائد، لكان قولاً وجيها. [) َإن يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً *يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَاتُونَ أَفْواجاً *فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً *وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً) [١٧ - ٢٠]. (كان ميقاتاً) كان: في تقدير الله وحكمه حدّاً توقت به الدنيا وتنتهي عنده؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿وَنَبَاتًا﴾ يريد ما يتقوت)، النبات: مصدر أريد به النابت. روي عن المصنف: الاستعارة على ضربين: تارة لمعنى وتارة لغير معنى، فلا يطلب هاهنا معنى في النبات. قوله: (كالأوزاع والأخياف)، الجوهري: "الأوزاع من الناس: الجماعات، والأخياف: المختلف من الناس، وإخوة أخياف: إذا كانت أمهم واحدة والآباء شتى". قوله: (جنة لف)، البيت، لف: واحد الألفاف، وعيس مُغدق أي: ناعم. والغدق: الماء الكثير، والندامى: جمع الندمان، يقال: نادمني فلان فهو نديمي وندماني. وبيض: حسان، ورجل أزهر أي: أبيض مشرق الوجه؛ يصف طيب الزمان والمكان وكرم الإخوان. قوله: (حدا توقت به الدنيا وتنتهي عنده)، الراغب: "الوقت: نهاية الزمان المفروض للعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلا مُقيداُ، كقولهم: وقت كذا: جعلت له وقتاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 8930

أو حداً للخلائق ينتهون إليه. َوْ (ويوم يُنْفَخُ) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيانٍ، (فَتَاتُونَ فْواجاً) من القبور إلى الموقف أمماً، كل أمّةٍ مع إمامهم. وقيل: جماعاتٍ مختلفة. وعن معاذٍ ﵁ أنه سأل عنه رسول الله ﷺ فقال: يا معاذ، سألت عن أمرٍ عظيمٍ من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتي: بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون: أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمياً، وبعضهم صماً بكماً، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاةٌ على صدورهم: يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوعٍ من نار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغةً من قطرانٍ لازقةً بجلودهم؛ فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس. وأما الذين على صورة الخنازير: فأهل السحت. وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم، وأما الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوعٍ من نارٍ، فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والميقات: الوقت المضروب للشيء، والوعد الذي جعل له وقت، قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾، وقد يقال: الميقات: للمكان الذي يجعل وقتاً للشيء، كميقات الحج"، وعن بعضهم: الميقات: علم للحد، كالميعاد: علم للوعد، والميلاد: علم وقت الولادة. قوله: (أرسل عينيه)، أي: أرسل دمع عينيه.
следующие страницы →