← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

(لِباساً) يستركم عن العيون إذا أردتم هرباً من عدوّ، أو بياتاً له. أو إخفاء مالا تحبون الاطلاع عليه من كثيرٍ من الأمور. وكم لظلام اللّيل عندك من يد … تخبّر أنّ المانويّة تكذب (سَبْعاً) سبع سماوات (شِداداً) جمع شديدة، يعنى: محكمةً قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان. (وَهَّاجاً) متلألئاً وقاداً، يعنى: الشمس: وتوهجت النار: إذا تلمظت فتوهجت بضوئها وحرّها. "المعصرات": السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكم لظلام الليل عندك من يد) البيت، قال الواحدي: المانوية: أصحاب ماني، وهو يقول بالنور والظلمة، يقولون: الخير كله في النور، والشر كله في الظلمة. ورد عليهم المتنبي فقال: كم من نعمة في الظلام تبين أن هؤلاء الذين نسبوا إليه الشر كله كاذبون، ثم بين تلك النعمة بقوله: وقاك ردى الأعداء تسري عليهم وزارك فيهم ذو الدلال المُحجب وذكر سر النور بقوله: ويوم كليل العاشقين كمنته أراقب فيه الشمس أيان تغرب قوله: (﴿وَهَّاجًا﴾: متلألئاً)، الراغب: "الوهج: حصول الضوء والحر من النار، والوهجان كذلك، وقوله تعالى: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، أي: مضيئاً. وقد وهجت النار توهج، ووهج يهج، وتوهج اللؤلؤ: تلألأ".

стр. 8927

إذا حان له أن يجز. ومنه: أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض. وقرأ عكرمة: (بالمعصرات)، وفيه وجهان: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول: أعطى من يده درهماً، وأعطى بيده، وعن مجاهد: المعصرات الرياح ذوات الأعاصير. وعن الحسن وقتادة: هي السماوات. وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السماوات يعصرن، أي: يحملن على العصر ويمكنّ منه. فإن قلت: فما وجه من قرأ: (مِنَ الْمُعْصِراتِ) وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ عكرمة: "بالمعصرات")، قال ابن جني: "وهي قراءة ابن الزبير وابن عباس وغيرهما، ولم يذكر عكرمة، وقال: إذا نزل الماء منها فقد أنزل بها، كقولهم: أعطيته من يدي درهماً وبيدي درهماً، المعنى واحد، وليس "من" هاهنا مثلها في قولهم: أعطيته من الدراهم؛ لأن "من" فيه تبعيضية، وليس المراد أن الدراهم بعض اليد، لكن المراد أن ابتداء العطية من اليد"، فقول المصنف: "إذا كان الإنزال منها فهو بها"، إيذان بأن "من" الابتدائية فيها معنى السببية، كما مر في قوله: ﴿أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣] أي: من أجله وبسببه، فإذن هي والباء من وادٍ واحد. قوله: (أي: يحملن على العصر)، يعني: أن المعصرات على الحقيقة هي الرياح؛ لأنها تعصر السحاب لتمطر، وسميت السماء بالمعصرات، لما أن الماء إنما ينزل منها إلى السحاب، فيتمكن الرياح حينئذ من العصر، ولولاها لم يتمكن منه، فأسند إليه، فالهمزة في الإعصار: للتعدية. قوله: (ذوات الأعاصير)، الجوهري: "الإعصار: ريح تثير الغبار، فيرتفع إلى السماء كأنه عمود، ويقال: هي ريح تثير سحاباً ذات رعد وبرق وتعصر".

стр. 8928

قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال؛ وقد جاء أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر. فإن قلت: ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر. يقال: عصره فاعتصر. قلت: وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أي حان لها أن تعصر، أي: تغيث، (ثَجَّاجاً) منصباً بكثرة يقال: ثجه وثج نفسه، وفي الحديث: (أفضل الحج: العجّ والثجّ) أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدى. وكان ابن عباسٍ مثجا يسيل غرباً، يعنى يثج الكلام ثجاً في خطبته. وقرأ الأعرج: (ثجاجا)، ومثاجح الماء: مصابه، والماء ينثجح في الوادي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمعنى المغيثات)، الراغب: "الغيث: يقال في المطر، والغوث: في النصرة، واستغثته: طلبت الغيث منه والغوث، فأغاثني: من الغوث، وغاثني: من الغيث". قوله: (اللاتي أعصرن)، فيكون "أعصر" على هذا غير الأول، إذ "المعصرات" يراد بها الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، فالهمزة للحينونة لا للتعدية، وعن بعضهم: القبول والصبا بمعنى واحد، وهي من المشرق، وهي تجمع السحاب، والجنوب تعصرها وتحلبها، وهي من القبلة، والدَّبور من المغرب، وهي معاونة القبول، والشمال تفرقها. والعصر والحلب ها هنا: الاعتماد.

стр. 8929

) حَبًّا وَنَباتاً (يريد ما يتقوّت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش، كما قال: ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ([طه: ٥٤]، وَ (الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ) [الرحمن: ١٢]. (ألْفافاً) ملتفةً ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف. وقيل: الواحد لف. وقال صاحب الإقليد: أنشدنى الحسن بن على الطوسي: جنّة لفّ وعيش مغدق … وندامي كلهم بيضٌ زهر وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف، ثم ألفاف: وما أظنه واجداً له نظيراً من نحو خضرٍ واخضار وحمرٍ وأحمار، ولو قيل: هو جمع ملتفةٍ بتقدير حذف الزوائد، لكان قولاً وجيها. [) َإن يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً *يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَاتُونَ أَفْواجاً *فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً *وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً) [١٧ - ٢٠]. (كان ميقاتاً) كان: في تقدير الله وحكمه حدّاً توقت به الدنيا وتنتهي عنده؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿وَنَبَاتًا﴾ يريد ما يتقوت)، النبات: مصدر أريد به النابت. روي عن المصنف: الاستعارة على ضربين: تارة لمعنى وتارة لغير معنى، فلا يطلب هاهنا معنى في النبات. قوله: (كالأوزاع والأخياف)، الجوهري: "الأوزاع من الناس: الجماعات، والأخياف: المختلف من الناس، وإخوة أخياف: إذا كانت أمهم واحدة والآباء شتى". قوله: (جنة لف)، البيت، لف: واحد الألفاف، وعيس مُغدق أي: ناعم. والغدق: الماء الكثير، والندامى: جمع الندمان، يقال: نادمني فلان فهو نديمي وندماني. وبيض: حسان، ورجل أزهر أي: أبيض مشرق الوجه؛ يصف طيب الزمان والمكان وكرم الإخوان. قوله: (حدا توقت به الدنيا وتنتهي عنده)، الراغب: "الوقت: نهاية الزمان المفروض للعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلا مُقيداُ، كقولهم: وقت كذا: جعلت له وقتاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 8930

أو حداً للخلائق ينتهون إليه. َوْ (ويوم يُنْفَخُ) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيانٍ، (فَتَاتُونَ فْواجاً) من القبور إلى الموقف أمماً، كل أمّةٍ مع إمامهم. وقيل: جماعاتٍ مختلفة. وعن معاذٍ ﵁ أنه سأل عنه رسول الله ﷺ فقال: يا معاذ، سألت عن أمرٍ عظيمٍ من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتي: بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون: أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمياً، وبعضهم صماً بكماً، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاةٌ على صدورهم: يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوعٍ من نار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغةً من قطرانٍ لازقةً بجلودهم؛ فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس. وأما الذين على صورة الخنازير: فأهل السحت. وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم، وأما الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوعٍ من نارٍ، فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والميقات: الوقت المضروب للشيء، والوعد الذي جعل له وقت، قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾، وقد يقال: الميقات: للمكان الذي يجعل وقتاً للشيء، كميقات الحج"، وعن بعضهم: الميقات: علم للحد، كالميعاد: علم للوعد، والميلاد: علم وقت الولادة. قوله: (أرسل عينيه)، أي: أرسل دمع عينيه.

стр. 8931

وقرئ: (وفُتِحَتْ)، والتخفيف بالتشديد. والمعنى: كثرة أبوابها المفتحة لنزول الملائكة، كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة، كقوله: (وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا) [القمر: ١٢]، كأن كلهاً عيون تتفجر. وقيل: الأبواب الطرق والمسالك، أي: تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقاً لا يسدها شيء. (فَكَانَتْ سَرَابًا) كقوله: (فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثًا) [الواقعة: ٦]. يعني أنها تصير شيئاً كلا شيء، لتفرق أجزائها وانبثات جواهرها. [(إنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا • لِلطَّاغِينَ مَآبًا • لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا • لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا ولا شَرَابًا • إلاَّ حَمِيمًا وغَسَّاقًا • جَزَاءً وفَاقًا • إنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا • وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا • وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا • فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إلاَّ عَذَابًا) ٢١ - ٣٠] المرصاد: الحد الذي يكون فيه الرصد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿وَفُتِحَتِ﴾، بالتخفيف والتشديد)، بالتخفيف: حمزة والكسائي وعاصم، والباقون: بالتشديد. وعن بعضهم ﴿وَفُتِحَتِ﴾ معطوف على ﴿فَتَأْتُونَ﴾، وليس بشرط أن يتوافقا في الزمان كما يظن من ليس واقفاً على هذا النوع. وقلت: هما متوافقان معنى عند من تدرب في هذا النوع، فإن كلاً من المعطوفين يكتسب من معنى الآخر؛ فإن عطف الماضي على المضارع، الدلالة على أنهما واقعان البتة؛ لأن المخبر صادق، وكون المعطوف عليه مضارعاً، مشعر بأنهما حكايتان للحال الآتية، تصويراً لتينك الحالتين الفظيعنتين في مشاهدة السامع، كما في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] والله أعلم. قوله: (الرصد)، جمع راصد، وهم الحراس. الجوهري: "الرصد: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع".

стр. 8932

والمعنى: أن جهنم هي حد الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم. أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها، لأن مجازهم عليها، وهي مآب للطاغين. وعن الحسن وقتادة نحوه، قالا: طريقاً وممراً لأهل الجنة. وقرأ ابن يعمر: (أن جهنم) بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأن جهنم كانت مرصاداً للطاغين، كأنه قيل: كان ذلك لإقامة الجزاء. قرئ: (لابِثِينَ) و (لَبِثين)، واللبث أقوى، لأن اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال: لبث؛ إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه، (أَحْقَابًا) حقباً بعد حقب، كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، والاشتقاق يشهد لذلك ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يرصدون فيه للعذاب)، الجوهري: "الراصد للشيء: الراقب له، والمرصد: موضع الرصد. الأصمعي: رصدته أرصده: ترقبته، وأرصدت له: أعددت له، والمرصاد: الطريق". قوله: (قُرئ: ﴿لَّابِثِينَ﴾ و "لبثين")، "لبثين": حمزة وحده، قال الزجاج: "لبث الرجل فهو لابث، ويقال: هو لبث بمكان كذا، أي: صار اللبث شأنه". قال صاحب "الكشف": فيه جواز أن يقال: حذراً أموراً، ألا تراه قال: ﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾؟ ". قوله: (كلما مضى حُقب تبعه آخر)، قال صاحب "الكشف": ذكر ﴿أَحْقَابًا﴾ للكثرة لا لتحديد اللبث، ألا تراك تقول: لبثت فيها سنين وأعواماً، وأنت لا تريد أنك لم تقم غيرها؟ ". الراغب: " ﴿أَحْقَابًا﴾ قيل: جمع الحُقُب، أي: الدهر، والحِقبة: ثمانون عاماً، وجمعها حِقَب، والصحيح أن الحِقبة: مدة من الزمان مُبهمة، والاحتقاب: شد الحقيبة من خلف

стр. 8933

ألا ترى إلى حقيبة الراكب، والحقب الذي وراء التصدير، وقيل: الحقب ثمانون سنة، ويجوز أن يراد: لابثين فيها أحقاباً غير ذائقين فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقا، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون من: حقب عامنا؛ إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان: إذا أخطأه الرزق، فهو حقب، وجمعه أحقاب، فينتصب حالاً عنهم، يعني لابثين فيها حقيبين جحدين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراكب، وقيل: احتقبه واستحقبه"، وقال غيره: ﴿لَّابِثِينَ﴾: حال مقدرة، أي: عاملين اللبث معتقدين له، و ﴿لَّا يَذُوقُونَ﴾: حال أخرى مُترادفة أو مُتداخلة، أو استئناف. قوله: (والحقب الذي وراء التصدير)، الجوهري: "الحقب، بالتحريك: حبل يُشد به الرَّحل إلى بطن البعير كيلا يجتذبه التصدير، وهو الحبل الذي يكون على الصدر". قوله: (أحقاباً: غير ذائقين)، قيل: على هذا قوله: ﴿لَّا يَذُوقُونَ﴾ حال من الضمير في ﴿لَّابِثِينَ﴾، ولا يجوز أن يكون صفة ﴿أَحْقَابًا﴾؛ لأنه جار على غير من هو له، فكان يجب إبراز الضمير. وعن بعضهم: ﴿لَّابِثِينَ﴾: حال مقدرة، أي: عاملين اللبث مقدرين له، كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مُقدرين الخلود. قوله: (ثم يبدلون)، عطف من حيث المعنى على قوله: "لابثين" إلى آخره. والحاصل أنهم يُعذبون في تلك الأحقاب بالحميم والغساق، ثم يُعذبون بعد تلك الأحقاب بأنواع أُخر من العذاب. قال القاضي: "وإن كان من قبيل المفهوم يدل على التناهي، فلا يعارض المنطوق الدال على خُلود الكفار"، وفي هذا الاستثناء تهكم. قوله: (جحدين)، الجوهري: "الجحد، بفتح الجيم وضمها وسكون الحاء، وبفتح الجيم والحاء أيضاً: قلة الخبر، وجحد الرجل، بالكسر، جحداً فهو جحد: إذا كان ضيقاً قليل الخير".

стр. 8934

وقوله: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا ولا شَرَابًا) تفسيراً له، والاستثناء منقطع، يعني: لا يذوقون فيها برداً وروحاً ينفس عنهم حر النار، ولا شراباً يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميماً وغساقاً وقيل: البرد: النوم، وأنشد: فلو شئت حرمت النساء سواكم … وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا وعن بعض للعرب: منع البرد البرد. وقرئ: (غساقاً) بالتخفيف والتشديد؛ وهو ما يغسق، أي: يسيل من صديدهم. (وفَاقًا) وصف بالمصدر، أو ذا وفاق. وقرأ أبو حيوة: (وفاقاً)، فعال من وفقه كذا. (كِذَّابًا) تكذيباً؛ و (فعال) في باب (فعل) كله فاش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سواكم) نزلها منزلة الجماعة تعظيماً لها واحتراماً، "نقاخاً": النَّقاح: الماء العذب. قوله: (وقُرئ: "غساقاً")، بالتشديد: حمزة وحفص والكسائي، والباقون: بالتخفيف. قوله: (﴿وِفَاقًا﴾: وصف بالمصدر)، أي: جزوا جزاءً وفاقاً في عمل. الراغب: "الوفق: المطابقة بين الشيئين، قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾، يقال: وافقت فلاناً ووافقت الأمر: صادفته، والاتفاق: مطابقة فعل الإنسان القدر، ويقال ذلك في الخير والشر، والتوفيق نحوه لكنه مختص في التعارف بالخير دون الشر، قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] ". قوله: (و"فعال" في باب "فعَّل" كله فاش"، قال الزجاج: "و ﴿كِذَّابًا﴾ بالتشديد أكثر، وهي في مصادر فعلت أجود من: فعال، ومثل "كذاباً" بالتخفيف قول الأعشى: فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه" وقال ابن جني: "قال قُطُرب: قالوا: رجل كذاب: صاحب كذب".

стр. 8935

في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره؛ وسمعني بعضهم أفسر آية، فقال: لقد فسرتها فساراً ما سمع بمثله. وقرئ: بالتخفيف، وهو مصدر كذب، بدليل قوله: فصدقتها وكذبتها … والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله: (والله أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا) [نوح: ١٧] يعني: وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً. أو تنصبه بكذبوا، لأنه يتضمن معنى كذبوا؛ لأن كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه: وكذبوا بآياتنا، فكاذبوا مكاذبة. أو كذبوا بها مكاذبين؛ لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر، فيبلغ فيه أقصى جهده. وقرئ: (كذاباً)، وهو جمع كاذب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو تنصبه بـ "كذبوا")، أي: يكون مفعولاً مطلقاً من غير تقدير، لكن يُجعل المثقل بمعنى المخفف بطريق اللزوم. قال أبو البقاء: " (كذاباً) بالتخفيف: مصدر "كذب" بالتشديد: إذا تكرر منه الكذب، وهو في المعنى قريب من: كذب". قوله: (أو تنصبه بـ "كذبوا")، أي: يكون مفعولاً مطلقاً من غير تقدير، لكن يجعل المثقل بمعنى المخفف بطريق اللزوم. قال أبو البقاء: " (كذاباً) بالتخفيف: مصدر "كذب" بالتشديد: إذا تكرر منه الكذب، وهو في المعنى قريب من: كذب". قوله: (وإن جعلته بمعنى المكاذبة)، أي: إن جعلت كذاباً من باب المفاعلة نحو: ماريته مراءً وقاتلته قتالاً، ثم المفاعلة إما على حقيقته وهو المراد من قوله: "فكاذبوا مُكاذبة"، وتفسيره أنهم كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبين، فبينهم مُكاذبة، وإما على المجاز والمبالغة، وهو المراد من قوله: أو كذبوا بها مُكاذبين، وتفسيره أنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب، ففي الكلام لف ونشر. قوله: (فعل من يُغالب في أمر): مفعول مطلق لمعنى يتكلمون بما هو إفراط في الكذب. قوله: (وقُرئ: "كذاباً")، قال ابن جني: "قرأ عبد الله بن عمر ﵄: "كُذَّاباً"

стр. 8936

أي: كذبوا بآياتنا كاذبين؛ وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل كذاب، كقولك: حسان، وبخال؛ فيجعل صفة لمصدر كذبوا، أي: تكذيباً كذاباً مفرطاً كذبه، وقرأ أبو السمال: وكل شيء أحصيناه، بالرفع على الابتداء. (كِتَابًا) مصدر في موضع إحصاء، وأحصينا في معنى كتبنا، لالتقاء الإحصاء، والكتبة في معنى الضبط والتحصيل. أو يكون حالاً في معني: مكتوباً في اللوح وفي صحف الحفظة. والمعنى: إحصاء معاصيهم، كقوله: (أَحْصَاهُ الله ونَسُوهُ) [المجادلة: ٦] وهو اعتراض. وقوله: (فَذُوقُوا) مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، وهي آية في غاية الشدة، وناهيك بـ «لن نزيدكم»، وبدلالته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة. وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهداً على أن الغضب قد تبالغ، وعن النبي ﷺ : «هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بضم الكاف وتشديد الذال؛ جمع كاذب، منصوب على الحال، أي: كذبوا بآياتنا في حال كذبهم، وقال طرفة: إذا جاء ما لا بد منه، فمرحباً به حين يأتي لا كذاب ولا علل وقد يجوز أن يكون وصفاً للمصدر، أي: كذبوا بآياتنا كذاباً كُذابا، أي: كِذاباً مُتناهياً في معناه، فكذاباً حينئذ واحد لا جمع كرجل حُسان ووضاء. ويجوز أن يكون جمع كذب؛ لأنه جعله نوعاً ووصفه بالكذب، أي: كذباً كاذباً، فصار كِذاباً كُذاباً، فافهم ذلك". قوله: (وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهداً على أن الغضب قد تبالغ)، وذلك أنه تعالى لما حكى مآب الطاغين واستمرار لبثهم في جهنم، وأن لا ذوق لهم فيها سوى الحميم والغساق، وعلل ذلك على سبيل الشِّكاية إلى الغير بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾،

стр. 8937

[(إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا • حَدَائِقَ وأَعْنَابًا • وكَوَاعِبَ أَتْرَابًا • وكَاسًا دِهَاقًا • لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ولا كِذَّابًا • جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا) ٣١ - ٣٦]. (مَفَازًا) فوزاً وظفراً بالبغية. أو موضع فوز. وقيل: نجاة مما فيه أولئك. أو موضع نجاة. وفسر المفاز بما بعده. «والحدائق»: البساتين فيها أنواع الشجر المثمر. و «الأعناب»: الكروم. و «الكواعب»: اللاتي فلكت ثدييهن، وهن النواهد. و «الأتراب»: اللدات. «الدهاق»: المترعة. وأدهق الحوض: ملأه حتى قال: قطني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: لا يخافون أن يُحاسبوا، كناية عن أنهم كانوا ينكرون البعث إنكاراً بليغاً، ثم عظم شأن تكذيبهم رسل الله ووحيه بصيغة التعظيم وأكده بقوله: كذاباً، التفت إليهم قائلاً: فذوقوا أيها الجاحدون المكذبون ذلكم الغساق والحميم، وليس لكم عندي سوى المزيد من أنواع العذاب، هذا كما تشكو إلى الناس جانباً، ثم تقبل عليهم إذا حميت في الشكاية مواجهاً بالتوبيخ والذم وإلزام الحُجة. وأما فائدة الاعتراض بقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ فللإشعار بأن تكذيبهم البعث والرسل والكتب، إنما نشأ من اعتقادهم أنه تعالى لا يعلم جُزيئات أعمالهم وأعمال الرسل، فلا حساب ولا بعثة ولا كتاب. قوله: (فلكت ثُديهن)، الجوهري: "فلك ثدي الجارية تفليكاً، وتفلك: استدار". قوله: (والأتراب: اللدات)، الجوهري: "لدة الرجل: تربه، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة". قوله: (حتى قال: قطني)، أنشد الزجاج: امتلأ الحوض وقال قطني مهلاً رويداً قد ملأت بطني قطك هذا الشيء، أي: حسبك، وقطني وقطي، وإنما دخلت النون ليسلم السكون الذي بُني الاسم عليه، وهذه النون إنما تدخل الفعل الماضي إذا دخلت ياء المتكلم، نحو: ضربني،

стр. 8938

وقرئ: (ولا كِذَّابًا) بالتشديد والتخفيف، أي: لا يكذب بعضهم بعضاً ولا يكذبه. أو لا يكاذبه. وعن علي ﵁ أنه قرأ بتخفيف الاثنين (جَزَاءً) مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله: (إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) كأنه قال: جازى المتقين بمفاز. و (عَطَاءً) نصب بـ (جَزَاءً) نصب المفعول به. أي: جزاهم عطاء. و (حِسَابًا) صفة بمعنى: كافياً، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لتسلم فتحة الياء ولوقاية الفعل من الجر، وقد أدخلوها في أسماء مخصوصة نحو: قدني وقطني وعني ولَدُني، ولا يقاس عليها في الصحاح. قوله: (وقُرئ: ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ بالتشديد والتخفيف)، الكسائي: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد، قيل: ذكر للتشديد معنى، وللتخفيف معنيان، أحدهما: أن يكون مصدر "فعل"، وثانيهما: مصدر "فاعل". قوله: (بتخفيف الآيتين)، أي: بتخفيف: "كذبوا" و"كذابا"، وفي نسخة "الاثنين"، أي: ﴿كِذَّابًا﴾ في الآيتين. قوله: (﴿جَزَاءً﴾: مصدر مؤكد)، إلى قوله: (﴿عَطَاءً﴾ نصب بـ (﴿جَزَاءً﴾ نصب المفعول به). قال الزجاج: " (﴿جَزَاءً﴾: منصوب بمعنى (﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾، أي: جازاهم بذلك جزاءً، وكذلك ﴿عَطَاءً﴾؛ لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد". وبينه أبو البقاء حيث قال: ﴿عَطَاءً﴾: اسم للمصدر، وهو بدل من ﴿جَزَاءً﴾. وأورد صاحب "الفرائد" على ثول المصنف: المصدر إنما يعمل إذا كان مُنزلاً منزلة "أن" مع الفعل، والمنصوب على المصدر لم يكن واقعاً موقعه، وكذا في "اللباب"، قال: "ويعمل عمل فعله ماضياً كان أو غيره إذا لم يكن مفعولاً مطلقاً". وقال شارحه: "لأنه إذا كان مفعولاً نحو: ضربت ضرباً زيداً، فإن العمل للفعل لا للمصدر لوجهين، أحدهما: أن الفعل هو الأصل، فلا يُعدل عنه إلى الفرع بلا موجب، والثاني: أن المصدر إنما يعمل لكونه مصدراً

стр. 8939

من: أحسبه الشيء؛ إذا كفاه حتى قال: حسبي. وقيل: على حسب أعمالهم. وقرأ ابن قطيب (حسابا) بالتشديد، على أن الحساب بمعنى المحسب، كالدراك بمعنى المدرك. [(رَبِّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا • يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والْمَلائِكَةُ صَفًا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقَالَ صَوَابًا • ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ مَآبًا) ٣٧ - ٣٩]. قرئ: (رب السموات) و (الرحمن) بالرفع، على: هو رب السموات الرحمن. أو (رب السموات) مبتدأ، و (الرحمن) صفة، و (لا يَمْلِكُونَ): خبر، أو هما خبران. وبالجر على البدل من (رَبِّكَ)، وبجر الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره (لا يَمْلِكُونَ)، أو هو الرحمن لا يملكون، والضمير في (لا يَمْلِكُونَ) لأهل السماوات والأرض، أي: ليس في أيديهم مما يخاطب به الله ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمعنى "أن" والفعل نحو: أعجبني ضرب زيد عمراً، أي: أن ضرب زيد عمراً، ولا يمكن إذا وقع مفعولاً مطلقاً ذلك، إذ لا يقال: ضربت أن ضرب زيد عمراً، إذ لا يؤكد الفعل بأن بل بالمصدر صريحاً، وإنما يُقدر بالمصدر بـ "أن" والفعل؛ لأن الاسم حقه أن لا يعمل، وأصل العمل للفعل"، والعجب أن الشارح تبع صاحب "الكشاف" في التقريب مع قوله هذا. قوله: (حتى قال: حسبي)، في "الكواشي": أعطاني فأحسبني، أي: أكثر عليّ، أي: أكثر عليَّ حتى قلت: حسبي. قوله: (قُرئ: "رب السماوات" و "الرحمن" بالرفع)، الكوفيون وابن عامر: ﴿رَّبِّ﴾ بالخفض، وعاصم وابن عامر: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ بالخفض أيضاً، والباقون: برفع الاسمين. قوله: (ليس في أيديهم مما يُخاطب به الله) إلى قوله: (خطابٌ واحد)، يريد أن التنكير في ﴿خِطَابًا﴾ للتقليل، ومن: بيان، والظرف: حال من ﴿خِطَابًا﴾. المعنى: ليس في أيديهم خطابٌ كائنٌ من عند الله في أمر الشفاعة قط، أي: ليس لهم ممسك ونص يتصرفون به في أمر الشفاعة.

стр. 8940

يتصرفون فيه تصرف الملاك، فيزيدون فيه أو ينقصون منه. أو لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب، إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه. (يَوْمَ يَقُومُ) متعلق بلا يملكون، أو بلا يتكلمون. والمعنى: إن الذين هم أفضل الخلائق وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه، وهم الروح والملائكة لا يملكون التكلم بين يديه، فما ظنك بمن عداهم من أهل السماوات والأرض؟ والروح: أعظم خلقاً من الملائكة، وأشرف منهم، وأقرب من رب العالمين. وقيل: هو ملك عظيم ما خلق الله بعد العرش خلقاً أعظم منه. وقيل: ليسوا بالملائكة، وهم يأكلون. وقيل: جبريل. هما شريطتان: أن يكون المتكلم مأذونا له في الكلام. وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى، لقوله تعالى (ولا يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) [الأنبياء: ٢٨]. [(إنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ المَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ويَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) ٤٠]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو لا يملكون أن يخاطبوه)، فالتنكير على هذا للنوع؛ ولأن قوله: "أن يُخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب" عبارة عن الشفاعة، ومن: ابتدائية صلة " لا يملكون"، أي: لا يقدرون أن يُخاطبوا الله في الشفاعة، إذ ليس لهم من جهته إذنٌ فيها. روى الواحدي عن مقاتل: "المعنى: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه". قوله: (فلا يشفع لغير مرتضى)، الانتصاف: هو تعريض أن الشفاعة لا تكون لأرباب الكبائر. والجواب أن المؤمنين مُرتضون، لقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] فجعل الشكر بمعنى الإيمان المقابل للكفر. وقلت: المرتضى هاهنا كالمصطفى في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِي﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال الإمام: فإن قيل لما أذن له الرحمن في التكلم، علم أنه حق وصواب، فما الفائدة في قوله: ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾؟ الجواب من وجهين، أحدهما: أن التقدير: لا ينطقون إلا بعد

стр. 8941

(المَرْءُ) هو الكافر لقوله تعالى: (إنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا)، والكافر: ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم، ويعني (مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) من الشر، كقوله: (وذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ • ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) [الأنفال: ٥٠ - ٥١]، (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ • ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) [الحج: ٩ - ١٠]، (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ والله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة: ٩٥]، و (ما) يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدمت، أي ينظر أي شيء قدمت يداه، وموصولة منصوبة بـ «ينظر»، يقال: نظرته بمعنى نظرت إليه، والراجع من الصلة محذوف، وقيل: المرء عام، وخصص منه الكافر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ورود الإذن ثم يجتهدون في أن لا يتكلموا إلا بالحق والصواب، هذا مبالغة في وصفهم بالطاعة، وثانيهما: أن التقدير: لا يتكلمون إلا في شخص أذن له الرحمن في شفاعته، والمشفوع له ممن قال صواباً، وهو قول من قال: لا إله إلا الله؛ لأن قوله: ﴿صَوَابًا﴾ يكفي في صدقه أن يتكلم بالصواب الواحد، فكيف بمن تكلم طول عمره بأشرف الكلمات؟ . قوله: (وخُصِّص منه الكافر)، يحتمل وجهين، أحدهما: أن المرء عام وخصص منه الكافر بقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾، أو عام متناول للمؤمن والكافر، وخصص منه بالذكر الكافر، وعلى هذا الاحتمال ورد عن الواحدي ومحيي السنة قالا: "ومعنى ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أن كل واحد يرى عمله في ذلك اليوم، ما قدم من خير وشر مُثبتاً عليه في صحيفته، فيرجو ثواب الله لى صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله". وقلت: النظم يساعد العموم، وذلك أنه تعالى ذكر في فاتحة هذه السورة، أن الميقات المضروب هو يوم الفصل، ووصف اليوم بصفات متعددة، ومن أوصافه قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (لِّلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. ولما فرغ من بيان جزاء الفريقين، أراد أن يرجع إلى ذكر ذلك اليوم ويصفه بصفات أخرى، فجعل التخلص إلى ذكرها إبدال رب السموات

стр. 8942

وعن قتادة: هو المؤمن. (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) في الدنيا؛ فلم أخلق ولم أكلف. أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم فلم أبعث. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من ربك، ووصف ذاته بالجبروت والكبرياء، وأن أحداً لا يملك منه خطاباً، وجعله ذريعة إلى ذكر اليوم، وأن الملائكة والروح لا يشفعون فيه للمرتضى إلا بالإذن، ثم ذكر أنه يوم الحق، أي الكائن الواقع، أو يحكم الله فيه بين عباده بالحق، كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩]، وهذا أولى لما سبق من ذكر المتقين والطاغين، وبيان مفاز أولئك ومآب هؤلاء، ولذلك رتب عليه قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩]، أي: بينا السبيلين للفريقين، فمن سلك سبيل المتقين واتخذ إلى ربه مآبا، فاز وأفلح، ومن اختار سبيل الطاغين خاب وخسر، فقد أزحنا العلل لأنا أنذرناكم عذاباً قريباً، وجعل تخلصاً إلى ذكر الاختتام بما افتتحت السورة به؛ لأن الظرف صفة لـ "عذاباً"، أي: أنذرناكم عذاباً كائناً هذا شأنه، وهو "يوم ينظر المرء ما قدمت يداه"، مثله في الاختتام: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. وقال الإمام: "الأظهر أن المرء عام؛ لن المكلف إن اتقى الله فليس له إلا الثواب، وإن كفر بالله فليس له إلا العذاب، فلا حال للمكلفين حينئذ سوى هذين؛ فطوبى له إن قدم عمل الأبرار، وويل له إن قدم عمل الفجار". فإن قلت: لم خص قول الكافرين دون المؤمنين؟ قلت: دل قول الكافرين على غاية الخيبة ونهاية التحسر، ودل حذف قول المؤمن على غاية التبجح ونهاية الفرح مما لا يحيط به الوصف. قوله: (وعن قتادة: هو المؤمن)، قال الامام: "دل عليه قول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾، فلما كان هذا بياناً لحال الكافر وجب أن يكون بياناً لحال المؤمن".

стр. 8943

وقيل: يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء، ثم يردّه تراباً، فيود الكافر حاله وقيل: الكافر إبليس، يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [الأعراف: ١٢]. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)، سقاه الله برد الشراب يوم القيامة». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى يقتص للجماء من القرناء)، روينا عن مسلم والترمذي، عن أبي هريرة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] قال: قال النبي? : "لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". الجلحاء: التي لا قرن لها. تمت السورة * … * … *

стр. 8944

سورة النازعات مكية، وهي خمس أو ست وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا • والنَّاشِطَاتِ نَشْطًا • والسَّابِحَاتِ سَبْحًا • فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا • فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا • يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ • تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ • قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ • أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ • يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحَافِرَةِ • أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً • قَالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ • فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ • فَإذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ) ١ - ١٤] أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة النازعات مكية، وهي خمسٌ وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (التي تنزع الأرواح من الأجساد)، الراغب: "نزع الشيء: جذبه عن مقره، كنزع القوس عن كبده، ويُستعمل ذلك في الأعراض، ومنه نزع العداوة والمحبة من القلب، ونزع فلان كذا، أي: سُلِبَ، ، قال تعالى: ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. والتنازع والمنازعة: المجاذبة، ويعبر بهما عن المخاصمة والمجادلة، قال تعالى: ﴿تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ

стр. 8945

وبالطوائف التي تنشطها؛ أي: تخرجها؛ من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم (غَرْقًا) إغراقاً في النزع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. والنزع عن الشيء: الكف عنه، والنزوع: الاشتياق، وذلك هو المعبر عنه بارتحال النفس مع الحبيب". قوله: (تنشطها؛ أي: تُخرجها، من: نشط الدلو من البئر)، الأساس: "بئر أنشاط: يخرج دلوها بجذبة واحدة"، وفي "الصحاح": "نشط الدلو من البئر: نزعها من غير بكرة". قال محيي السنة: "الناشطات: الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي: تحل حلاً رفيقاً فتقبضها كما ينشط العقال من البعير، أي: يُحل برفق". حكى هذا القول الفراء ثم قال: "والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنشطت العِقال: إذا حللته، ونشطته: إذا عقدته بأنشوطة"، وفي الحديث: "كأنما نُشط من عقال". قال الإمام: "وهي الملاكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها. فالمناسب أن يخصص هذا بالمؤمن، والأول بالكافر، لما بين النزع والنشط من الفرق، فإن النزع: جذب بشدة، والنشط: جذب برفق ولين". قوله: (كما رسم لهم)، الجوهري: "رسمت له كذا فارتسمته، أي: امتثلته". قوله: (﴿غَرْقًا﴾ إغراقاً في النزع)، قيل: ﴿غَرْقًا﴾: اسم موضوع للإغراق، كالسلام للتسليم. وعن بعضهم: الإغراق نوع من النزع، والنزع جنس. الأساس: "ومن المجاز: أغرق

стр. 8946

أي: تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها، أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزغ في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها؛ لأنها عراب. والتي تخرج من دار الإسلام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرامي النزع، ومنه الإغراق في القول وغيره، وهو المبالغة والإطناب، وأغرق الكأس: ملأها"، وإلى المبالغة أشار بقوله: "ينزعها من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها"، أي: موضع أظفارها. قوله: (نزعاً تغرق فيه الأعنة)، الأساس: نزع الدلو من البئر، ونزع في قوسه، والخيل تنزع في أعنتها، قال: والخيل تنزع غرقاً في أعنتها كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البر الشؤبوب: الدفعة من المطر وغيره، وجمعه: الشايب، وفي "في أعنتها" مثلها في قوله: يجرح في عراقيبها نصلي وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاب: ١٥]؛ جعل النزه بمنزلة اللازم، ثم عداه بـ "في" مبالغة، تنبيهاً على أن الأعنة: مكان وظرف للنزع، وبهذا الاعتبار كان غرقاً: مفعولاً مطلقاً بمعنى نزعاً تغرق فيه الأعنة، قال أبو البقاء: "غرقاً: مصدر على المعنى؛ لأن النازع هو المغرق في نزع السهم، وهو مصدر محذوف الزيادة، أي: إغراقاً".

стр. 8947

إلى دار الحرب؛ من قولك: (ثور ناشط) إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها؛ لأنها من أسبابه. أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب. وإغراقها في النزع: أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى تنحط في أقصى الغرب)، الأساس: "ومن المجاز: ناقة حطوط: سريعة السير، وحطت في سيرها وانحطت، وحط في عرض فلان: إذا اندفع في شتمه وانحط فيه". قوله: (والتي تخرج من برج إلى برج)، وهو تفسير لقوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾، وهو مأخوذ من قوله: ثور ناشط: إذا خرج من بلد إلى بلد. قال الإمام: "دل قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ على حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة، وهو مناسب؛ لأن حركاتها اليومية قسرية، فيناسب النزع، وحركاتها من برج إلى برج إرادية، فيناسب النشط". وقلت: فمدخول الفاء في ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾ مسبب عن كونها سابحات، وفي ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ عن كونها سابقات؛ لأن السبح في الفلك: لما كان سيراً مخصوصاً، والسيارة معلومة الاختلاف في السير بتقدير العزيز العليم، فيحصل وجود سير بطيء وآخ سريع، وذلك هو السبق، وبحسب السبق يتفاوت التدبير، فمن سير الشمس يعلم حساب السنة، وتحصل الفصول الأربعة، ومن سير القمر يعلم حساب الشهر والأيام، وهو المراد من قوله: "وتدبر أمراً من علم الحساب"، والوجوه رواها محيي السنة في "المعالم"، وليس في كلامه أن المدبرات هي النجوم. وقال الزجاج: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: النجوم، إلى قوله: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾: الملائكة. وقال الإمام: "اعلم أن الوجوه المنقولة من المفسرين، ليست نصاً عن سيد المرسلين صلوات الله عليه حتى لا يمكن الزيادة عليها، وما ذكروها إنما ذكروها لكون اللفظ محتملاً لها،

стр. 8948

في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمراً من علم الحساب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فنحن إن وجدنا بين المعاني مفهوماً مشتركاً، حملنا اللفظ على ما يندرج تحته، ولكن لا نقول: إن مراد الله على هذا الجزم، فيمكن حمل هذه الآيات على المراتب الواقعة في رجوع القلب من غير الله إلى الله، أقسم بالأرواح التي تنزع إلى اعتلاق العروة والوثقى، وتنزع غرقاً من تعلق هذا الأدنى، ثم تنشط وتأخذ في السلوك في الأحوال والمقامات إلى مستقره الأصلي: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، ثم تسبح في بحار الصفات، فتمحو فيها من صفاتها وتفنى في التوحيد، ثم تسبق بعد الفناء إلى البقاء بالله، ثم تعزم على الرجوع إلى تكميل الغير، فتُدبر أمر الدعوة، إلى الله". وقال القاضي: "هذه صفات النفوس وحال سلوكها، فإنها تنزع من الشهوات، فتنشط إلى عالم القُدس، فتسبح في مراتب الارتقاء، فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المُكملات". قوله: (فتدبر أمراً من علم الحساب)، مقتبس من قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]، وإبطال لزعيم المنجمين أنها مدبرة لهذا العالم بالكون والفساد، ويعضده ما روى البخاري، عن قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأولها بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا يعلم". وزاد رزين: "وما علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة". وعن الربيع مثله، وزاد: والله، ما جعل الله في نجم حياة أحد ولا رزقه ولا موته، وإنما يفترون على الله الكذب ويتعللون بالنجوم. ذكره صاحب "جامع الأصول". واعلم أن الشيخ أبا القاسم عبد الكريم بن هوزان القُشيري ﵀، عقد باباً في كتابه المسمى بـ "مفاتيح الحجج" في إبطال مذاهب المنجمين وأطنب فيه، وذكر أقوالهم، قال: "وأقربها

стр. 8949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قول من قال: هذه الحوادث يحدثها الله تعالى ابتداء بقدرته واختياره، ولكن أجرى العادة بأنه إنما يخلقها عند كون هذه الكواكب في البروج المخصوصة، وتختلف باختلاف سيرها واتصالها ومطارح أشعتها، على جهة العادة من الله ، كما أجرى العادة بخلق الولد عقيب الوطء، وخلق الشبع عقيب الطعام، ثم قال: هذا في القدرة جائز لكن ليس عليه دليل ولا إلى القطع سبيل؛ لأن ما كان على جهة العادة يجب أن يكون الطريق فيه مستمراً، وأقل ما فيه يحصل التكرار، وعندهم لا يحصل وقت في العالم مكرر على وجه واحد؛ لأن إذا كان في سنة الشمس مثلاً في درجة من برج، فإذا عادت إليها في السنة الأخرى، فالكواكب لا يتفق كونها في بروجها كما كانت في السنة الماضية، والأحكام تختلف بالقرانات والمقابلات ونظر الكواكب بعضها إلى بعض، فلا يحصل شيء من ذلك مكرراً. واتفقوا على أنه لا سبيل إلى الوقوف على الأحكام، ولا يجوز القطع على البت لتعذر الإحاطة بها على التفصيل. ومما يدل على أنه لا حجة في قولهم أنهم اختلفوا فيما بينهم في حكم الزَّنج، فلأهل السند والهند عن طريق تخالف طريق أرباب الزَّنج الممتحن". وفصل الشيخ في الاختلافات بينهم تفصيلاً ثم قال: "ومما يدل على فساد قولهم أن يقال لهم: أخبرونا عن مولودين ولدا في وقت واحد، ليس يجب تساويهما في كل وجه، لا تميز بينهما في الصورة والقد والمنظر، وحتى لا تصيب أحدهما نكبة إلا أصاب الآخر، وحتى لا يفعل هذا شيئاً إلا والآخر يفعل مثله، وليس في العالم اثنان هذه صفتهما؟ قالوا: ومن المحال أن يوجد مولودان في العالم في وقت واحد، ولا بد أن يتقدم أحدهما على الآخر، فيقال: أمحال ذلك في العقل والتدبير أم في الوجود؟ فإن قالوا بالأول: بان فساد قولهم، وإن قالوا بالثاني، قيل: وما يؤمنكم منه؟ فإن قالوا: ليس أمر الكسوفين بصدق، قلنا: ليس أمر الكسوفين من الأحكام، وإنما هو من طريق الحساب، وذلك غير منكر، ويجوز أن يكون أمر سير الكواكب على ما قالوه. وقد ورد في الشريعة في أمر الكسوفين

стр. 8950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بأنه آية من آيات الله تعالى. فإن قالوا: فما قولكم في المنجمين أنهم مخطئون في جميع ما يحكمون مكابرون للعقول؟ قلنا: إنا نقول: إنهم مخطئون في أصولهم عن شبه وقعت لهم، فلا يعرفون بطلان قولهم مكابرة للعقول، ولا بالضرورة، بل جربوا على مقتضى قواعد بنوها على أصول فاسدة وقعت الشبه لسلفهم في أصول قواعدهم، فربما يصيبون في تركيب الفروع على تلك الأصول، فمنزلتهم في الأحكام كمنزلة أصحاب الحدس والتخمين، وأصحاب الزوج والفرد، فربما يصيبون اتفاقاً لا عن ضرورة، وربما يخطئون. وكثيراً ما نجد من الحراثين والملاحين، يعتبرون نوع ما اعتادوا من توقع المطر وهبوب الرياح في أوقات راعوها بدلالات ادعوا أنهم جربوها في السماء والهواء وغير ذلك، فتحصل بعض أحكامهم اتفاقاً لا تحقيقاً". وقلت: ومنه ما روى ابن جني في "المحتسب"، أن ابنة معفر بن حماد البارقي شامت برقاً فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ فقالت: كأنها عين جمل طريف، فقال: ارعي غنيماتك، فرعت ملياً ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ فقالت: كأنها فرس دهماء تجر جلالها، فقال: ارعي غنيماتك، فرعت ملياً، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ قالت: سطحت وابيضت، فقال: أدخلي غنيماتك، فجاءت السماء بشيء شطأ له الزرع. والشطء: فراخ الزرع. وصنف ابن دريد كتاباً في هذا المعنى وفيه هذه القصة، وروايته: كان أعرابي ضرير تقوده ابنته وهي ترعى غنيمات لها، فرأت سحاباً فقالت: يا أبه، إلخ، وفيه: قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، قلت لأعرابي: ما أسح الغيث؟ فقال: ما لقحته الجنوب ومرته

стр. 8951

وقيل: النازعات أيدي الغزاة، أو أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام، والتي تنشط الأوهاق والمقسم عليه محذوف، وهو (لتبعثن) لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. و (يَوْمَ تَرْجُفُ) منصوب بهذا المضمر. و (الرَّاجِفَةُ) الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى: وصفت بما يحدث بحدوثها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصبا ونتجته الشمال، ثم قال: أهلك والليل، وما نرى إلا أنه قد أخذه المطر. ولنختم الكلام بما روينا عن أبي داود، عن ابن عباس، أن رسول الله? قال: "من اقتبس باباً من علم النجوم لغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شُعبة من السحر، المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر"، وفي رواية: "من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد". أخرج الثانية الإمام أحمد وأبو داود، والأولى ذكرها رزين. قوله: (الأوهاق)، الجوهري: "الوهق بالتحريك: حبل كالطول، وقد يسكن نحو: نهر". وقوله: والتي تنشط، معناه أيدي الغزاة التي تنشط، وأنفسهم التي تنشط، أي: تعقد الحبل الذي يطول للخيل ترعى فيه. قوله: (وُصفت بما يحدث بحدوثها)، أي: أسند ﴿تَرْجُفُ﴾ إلى ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ وهو يحدث بحدوثها، فالإسناد مجازي نحو: جد جده، والأصل، ترجف الأرض بسبب حدوث الراجفة، أي: الواقعة الهائلة، فأُسند إلى السبب مبالغة. قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الدخان: ٥ - ٦]: "مفعول به، وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِي﴾ [فاطر: ٢] "، عبر عن النسبة وعن التعلق بالوصف.

стр. 8952

(تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) أي الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية. ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى: (قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) [النمل: ٧٢]، أي: القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعاداً لها، وهي رادفة لهم لاقترابها. وقيل (الرَّاجِفَةُ) الأرض والجبال، من قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ والْجِبَالُ) [المزمل: ١٤] و «الرادفة»: السماء والكواكب، لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك. فإن قلت: ما محل تتبعها؟ قلت: الحال، أي: ترجف تابعتها الرادفة. فإن قلت: كيف جعلت (يَوْمَ تَرْجُفُ) ظرفاً للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟ قلت: المعنى لتبعثنّ في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى. ودل على ذلك أن قوله: (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) جعل حالاً عن الراجفة. ويجوز أن ينتصب (يَوْمَ تَرْجُفُ) بما دل عليه (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ) أي: يوم ترجف وجفت القلوب (واجِفَةٌ) شديدة الاضطراب، والوجيب والوجيف: أخوان. (خَاشِعَةٌ) ذليلة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: ترجف تابعتها الرادفة)، تابعتها، بنصب التاء وضمها في الرادفة، وهي فاعل "تابعتها"، والإضافة غير محضة، والأصل: تابعة لها الرادفة، أي: ترجف الأرض والجبال، أي حال كون السماء والكواكب تابعتها في الانشقاق والانتثار، وهي الرادفة، وأما تقديره على الوجه الأول فأن يقال: يوم تحدث الحادثة الكبرى، أي: النفخة الأولى حال كون الفنخة الثانية تابعتها، وهي الرادفة. قوله: (ودل على ذلك)، أي: على أن المراد باليوم: الوقت الواسع الذي فيه النفختان، أن فعل الراجفة مقيد بفعل النفخة الثانية.

стр. 8953

فإن قلت: كيف جاز الابتداء بالنكرة؟ قلت: (قُلُوبٌ) مرفوعة بالابتداء، و (واجِفَةٌ) صفتها، و (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) خبرها فهو كقوله: (ولَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ) [البقرة: ٢٢١]. فإن قلت: كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب؟ قلت: معناه أبصار أصحابها، بدليل قوله: (يَقُولُونَ) (فِي الحَافِرَةِ) في الحالة الأولى، يعنون: الحياة بعد الموت. فإن قلت: ما حقيقة هذه الكلمة؟ قلت: يقال: رجع فلان في حافرته، أي: في طريقه التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيه فيها: جعل أثر قدميه حفراً، كما قيل: حفرت أسنانه حفراً: إذا أثر الآكال في أسناخها. والخط المحفور في الصخر. وقيل: حافرة، كما قيل: عيشة راضية، أي: منسوبة إلى الحفر والرضا، أو كقولهم: نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي: طريقته وحالته الأولى .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿قُلُوبٌ﴾ مرفوعة بالابتداء، و ﴿وَاجِفَةٌ﴾ صفتها)، وعن بعضهم: لا يجوز أن يكون ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ صفة مخصصة للقلوب؛ لأنه جُثة، كما لا يجوز أن يكون خبراً عن الجثة. قوله: (في أسناخها)، الجوهري: "أسناخ الأسنان: أصولها". قال ابن جني: "قالوا: حُفِرَتْ أسناخها: إذا ركبها الوسخ من ظاهرها ومن باطنها". قوله: (والخط المحفور)، عطف على "حُفِرَتْ أسنانه". قوله: (وقيل: حافرة، كما قيل: عيشة راضية)، رد إلى قوله: "رجع فلان في حافرته، أي: في طريقته"، أي: قيل: حافرة، وأريد طريقة منسوبة إلى الحفر، أو طريقة حافرة، أي: صاحبها حافر مؤثر في طريقته، فأسند إليها مجازاً.

стр. 8954

قال: أحافرة على صلع وشيب؟ … معاذ الله من سفه وعار يريد: أرجوعاً إلى حافرة. وقيل: النقد عند الحافرة، يريدون عند الحالة الأولى: وهي الصفقة. وقرأ أبو حيوة (في الحفرة) والحفرة بمعنى: المحفورة. يقال: حفرت أسنانه فحفرت حفراً، وهي حفرة؛ وهذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة. يقال: (نخر) العظم فهو نخر وناخر، كقولك طمع فهو طمع وطامع؛ وفعل أبلغ من فاعل؛ وقد قرئ بهما: وهو البالي الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أحافرة على صلع) البيت، أي: ارجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد أن شبت وصلعت؟ ثم قال: معاذ الله، هذا سفه طائر وعار شديد. قوله: (النقد عند الحافرة)، روى الميداني عن ابن الأنباري: قال ثعلب: "معناه: النقد عند السبق، وذلك أن الفرس إذا سبق أخذ الرهن، والحافرة: الأرض التي حفرها الفرس بقوائمه، فاعلة بمعنى مفعولة، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: النقد عند الحافر معناه عند حافر الفرس، وأصل المثل في الخيل ثم استعمل في غيرها، وقال غيره: النقد عند الحافرة معناه: عند أول كلمة، يقال: رجع فلان في حافرته أي: في أول الأمر"، الراغب: النقد عن الحافرة: يقال لما يُباع نقداً، وأصله في الفرس فيقال: لا يزول حافره أو ينقد ثمنه". قوله: (وقد قُرئ بهما)، أيو بكر وحمزة والكسائي: "ناخرة" بالألف، والباقون: بغير

стр. 8955

و (إِذاً) منصوب بمحذوف، تقديره: أئذا كنا عظاماً نرد ونبعث (كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ) منسوبة إلى الخسران، أو خاسر أصحابها. والمعنى: أنها إن صحت فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم. فإن قلت: بم تعلق قوله: (فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ)؟ قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة واحدة؛ يعني: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله ، فإنها سهلة هينة في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية. (فَإذَا هُم) أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتاً في جوفها؛ من قولهم: زجر البعير، إذا صاح عليه. و (بِالسَّاهِرَةِ): الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأن السراب يجرى فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية الماء، وفي ضدها: نائمة. قال الأشعث بن قيس: وساهرة يضحى السراب مجللاً … لأقطارها قد جبتها متلثما ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ألف. قال الزجاج: " (ناخرة) أجود وأكثر شبهاً للفواصل، و ﴿نَّخِرَةً﴾ جيد أيضاً، يقال: نخر العظم ينخر فهو نخر، مثل: عفن يعفن فهو عَفِن، و"ناخرة" معناه: عظاماً يجيء فيها من هبوب الرياح كالنخير، ويجوز ناخرة نحو: بليت العظام [فهي] بالية". قوله: (﴿كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾: منسوبة إلى الخُسران)، قيل: كرة: خبر لـ ﴿تِلْكَ﴾، وهو مبين لاسم الاشارة كما ان الصفة مبينة، ولا بد في الترجمة من ذكر الصفة، المعنى: تلك الكرة كرة خاسرة. قوله: (فإنها سهلة هينة في قدرته)، الانتصاف: "ما أحسن تسهيل أمر الإعادة بقوله: ﴿زَجْرَةٌ﴾ فهي أخف من صيحة، وبقوله: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ أي: غير محتاجة إلى مثنوية". قوله: (وساهرة يُضحى السراب) البيت، مجللاً: مُعطياً وساتراً، لأقطارها: لجوانبها،

стр. 8956

أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. وعن قتادة: فإذا هم في جهنم: [(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى • إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى • اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى • فَقُلْ هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى • وأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى • فَأَرَاهُ الآيَةَ الكُبْرَى • فَكَذَّبَ وعَصَى • ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى • فَحَشَرَ فَنَادَى • فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخِرَةِ والأُولَى • إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) ١٥ - ٢٦] (اذْهَبْ) على إرادة القول. وفي قراءة عبد الله: (أن اذهب)؛ لأن في النداء معنى القول: هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا؛ كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قطعتها متلثماً: مشدداً للثام من خوف هبوب السموم والحر القاتل. وقيل: متلثماً: واطئاً الأرض بخف البعير. قوله: (هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا؟ )، قال ابن جني: "متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر، فكثيراً ما يجرى أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل في الاستعمال إليه، ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ وأنت إنما تقول: هل لك في كذا؟ لكنه لما دخله معنى: أجذبك إلى كذا، أو أدعوك إليه، قال: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾، وعليه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، في معنى الإفضاء إلى نسائكم؛ لا يقال: رفثت إلى المرأة، وإنما: رفثت بها، ومعها، لكنه لما كان الرفث بمعنى الإفضاء عُدي بـ "إلى"، وهذا من أسد مذاهب العربية؛ لأنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه إليه". وقلت: الظاهر أن هذا ليس من باب التضمين، بل من باب المجاز والقرينة الجادة. وقال صاحب "الكشف": هل لك في كذا؟ محمول على: أدعوك، فكأنه قال أدعوك إلى التزكي فهل ترغب فيه؟ وقال الواحدي: المبتدأ محذوف، أي: هل لك إلى أن تزكى

стр. 8957

(إلَى أَن تَزَكَّى) إلى أن تتطهر من الشرك، وقرأ أهل المدينة: (تزكى)، بالإدغام (وأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ) وأرشدك إلى معرفة الله أنبهك عليه فتعرفه، (فَتَخْشَى) لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة. قال الله تعالى: (إنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨] أي العلماء به، وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله: أتى منه كل خير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حاجة أو أرب؟ وعن بعضهم: يقال: هل لك في كذا؟ فتقول في الجواب: أشد الهل وأوحي، أي: أسرع. قوله: (وقرأ أهل المدينة: "تزكى")، الحرميان: "أن تزكى" بتشديد الزاي، والباقون: بتخفيفها. قوله: (لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة)، روى السلمي عن ابن عطاءٍ: الخشية أتم من الخوف؛ لأنها صفة العلماء، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾ [فاطر: ٢٨]. وعن الواسطي: "أوائل العلم الخشية، ثم الإجلال، ثم التعظيم، ثم الهيبة، ثم الفناء". وعن بعضهم: من خاف مقام ربه علم قيام الله بأسبابه في دار الدنيا، وخاف من وقوفه في القيامة بين يديه، وقال: من تحقق الخوف ألهاه خوفه عن كل مفروح به، وألزمه الكمد إلى أن يظهر له الأمن من خوفه. وروى عن بزرجمهر: اعرفوا الله، فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفة عين. قوله: (لأنها ملاك الأمر)، الأساس: ومن المجاز: هدأ ملاك الأمر، أي: قوامه وما يملك به، والقلب ملاك الجسد، وركب ملاك الطريق: وسطه.

стр. 8958

ومن أمن: اجترأ على كل شر. ومنه قوله ﵇: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل». بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه، كما أمر بذلك في قوله: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا) [طه: ٤٤]، (الآيَةَ الكُبْرَى) قلب العصا حية؛ لأنها كانت المقدمة والأصل، والأخرى كالتبع لها، لأنه كان يتقيها بيده، فقيل له: أدخل يدك في جيبك، أو أرادهما جميعاً، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من خاف أَدْلَجَ)، الحديث من رواية الترمذي، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله? يقول: "من خاف أَدْلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية"، النهاية: "الإدلاج مخففاً: السير من أول الليل، ومثقلاً: السير من آخره"، والمراد ها هنا: التشمير في أول الليل، فإن من سار من أول الليل كان جديراً ببلوغ المنزل، والسلعة: المتاع. قوله: (أو أرادهما جميعاً)، يريد: أن الآية الكبرى هي قلب العصا حية، فالصغرى يراد بها اليد البيضاء لأنها متمِّمة لها؛ لأنه ﵊ لما قصد أن تبقى الحية بيده قيل له: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢] سبق بيانه في "القصص". أو أن كلتيهما آية واحدة لتلك العلة، والصغرى غيرهما. قال بعضهم: قوله: ﴿فَأَرَاهُ الْأيَةَ الْكُبْرَى﴾ معطوف على فعل محذوف، يد عليه قوله: ﴿اذْهَبْ﴾، أي: فذهب فأراه؛ لأنه إذا كان الآمر هو الله تعالى والمأمور موسى، وجد الفور، وهذا مما يعضد

стр. 8959

إلا أنه جعلهما واحدة؛ لأن الثانية كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها. (فَكَذَّبَ) بموسى والآية الكبرى، وسماهما ساحراً وسحراً (وعَصَى) الله تعالى بعد ما علم صحة الأمر، وأن الطاعة قد وجبت عليه. (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى) أي: لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً، يسعى: يسرع في مشيته. قال الحسن: كان رجلاً طياشاً خفيفاً. أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته، وأريد: ثم أقبل يسعى، كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى: أنشأ يفعل، فوضع (أَدْبَرَ) موضع: أقبل؛ لئلا يوصف بالإقبال. (فَحَشَرَ) فجمع السحرة، كقوله (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ) [الشعراء: ٥٣]. (فَنَادَى) في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، أو أمر منادياً في الناس بذلك. وقيل قام فيهم خطيباً فقال تلك العظيمة. وعن ابن عباس: كلمته الأولى: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي) [القصص: ٣٨] والآخرة: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات: ٢٤]. (نَكَالَ) هو مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله؛ كأنه قيل: نكل الله به نكال الآخرة والأولى، والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مذهب أبي حنيفة رحمة الله، أن الأمر للفور، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وأنشد للمتنبي: إن تدع يا سيف لتستعينه يُجبك قبل أن تتم سينه قوله: (فوضع ﴿أَدْبَرَ﴾ موضع "أقبل"؟ )، الانتصاف: "وهو وجه حسن، وأدبر على هذا من أفعال المقاربة". وقلت: ويمكن أن يقال: إن ﴿أَدْبَرَ﴾ استعير لأقبل على التلميحية؛ لأن سعيه كان دابراً عليه.

стр. 8960

يعني: الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. وعن ابن عباس: نكال كلمتيه: الآخرة وهي قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)، والأولى وهي قوله: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي) [القصص: ٣٨]، وقيل: كان بين الكلمتين أربعون سنة، وقيل عشرون. [(أَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا • رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا • وأَغْطَشَ لَيْلَهَا وأَخْرَجَ ضُحَاهَا • والأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا • أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومَرْعَاهَا • والْجِبَالَ أَرْسَاهَا • مَتَاعًا لَّكُمْ ولأَنْعَامِكُمْ) ٢٧ - ٣٣] الخطاب لمنكري البعث، يعنى: (أَنتُمْ) أصعب (خَلْقًا) وإنشاء (أَمِ السَّمَاءُ) ثم بين كيف خلقها فقال: (بَنَاهَا) ثم بين البناء فقال: (رَفَعَ سَمْكَهَا) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني: الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة)، فيكون التقدير: أخذه الله نكال الدار الآخرة ونكال الدار الأولى، أو التقدير: أخذه الله نكال الكلمة الآخرة ونكال الكلمة الأولى، وفي تقدير المصنف تكرير؛ لأنه كرر الرواية عن ابن عباس. قوله: (الخطاب لمنكري البعث)، إشارة إلة أن قوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ مردود إلى فاتحة السورة، وذلك أنه تعالى أقسم على إثبات الحشر بما أقسم وبالغ فيه، وكان خطاباً لمنكري البعث، ومن ثم قُدر جواب القسم: "لتبعثن" لقرينه قوله: ﴿أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ إنكاراً، وقولهم: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ استهزاءً، وأجابهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾، أي: لا تستصعبوها فإنما هي سهلة هينة في قدرته، بين السهولة بقوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾، وحين كان الجواب تسلياً لرسول الله? من استهزائهم، وتهديداً للكافرين لإنكارهم، أوقع قصة موسى وفرعون مجملاً في البين ومزيداً للتهديد، ومن ثم وُسطت القصة بحديث الخشية، حيث قيل: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ وختمت به قائلاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾. قوله: (ثم بين كيف خلقها فقال: ﴿بَنَاهَا﴾)، أي: استئناف على سبيل البيان، قال الكسائي

стр. 8961

أي: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديداً رفيعاً مسيرة خمس مئة عام (فَسَوَّاهَا) فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور. أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك: سوى فلان أمر فلان. غطش الليل وأغطشه الله، كقولك: ظلم وأظلمه. ويقال أيضاً: أغطش الليل، كما يقال أظلم (وأَخْرَجَ ضُحَاهَا) وأبرز ضوء شمسها، يدل عليه قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وضُحَاهَا) [الشمس: ١] يريد وضوئها. وقولهم: وقت الضحى، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها؛ وأضيف الليل والشمس إلى السماء، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والفراء: تم الكلام عند قوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وابتدأ من قوله: ﴿بَنَاهَا﴾، الكواشي: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، أي: أم السماء أشد؟ وعنده وقف تام إن استأنفت ولم تنصب ﴿بَنَاهَا﴾ تكون "أم" متصلة، وإذا وصل تكون منقطعة، ويكون في الكلام ترق من الأهون إلى الأغلظ. قوله: (أو فتممها بما علم أنها تتم به)، فعلى الأول: التسوية عبارة عن تعديل ذوات السماوات، وعلى الثاني: عبارة عن إصلاحها بزوائد خارجية، من كونها جعلت مقراً للملائكة المقربين المسبحين، ومسارح نظر المعتبرين، وجعلت مزينة بزينة الكواكب ومنزلاً منها البركات في الأرض وأحكام الدين، لقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]. قوله: (وأضيف الليل والضحى - ويروى: الليل والشمس - إلى السماء)، يريد أن السماء جعلت كالقبة المضروبة والرواق الممدود، وكالبيت المظلم ليس فيه سراج، والشمس هي السراج المثقب في جوها، فإن قيل: إن الليل ظل الأرض، فيجاب: كم لمرأى الناظر من اعتبار؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] أي: مُزينة في مرأى النظر بالكواكب المضيئة، وبه فسر قول المعري: صغار الشهب أسرعها انتقالا

стр. 8962

لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها. (مَاءَهَا) عيونها المتفجرة بالماء (ومَرْعَاهَا) ورعيها، وهو في الأصل موضع الرعي. ونصب الأرض والجبال بإضمار (دحا) و (أرسى)، وهو الإضمار على شريطة التفسير. وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء. فإن قلت: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معنى (دَحَاهَا) بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لا بدّ منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب؛ وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال وإثباتها أوتاداً لها حتى تستقر ويستقر عليها ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: "إنما أضاف الليل والنهار، لأن الليل والنهار إنما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهما إنما يحصلان بسبب حركة الفلك". قوله: (ورعيها)، الجوهري: "الرعي بالكسر: الكلأ، وبالفتح: المصدر، والمرعى: الرعي والموضع". قوله: (وقرأهما الحسن مرفوعين)، أي: الأرض والجبال. قال الزجاج: "القراءة بنصب الأرض على معنى: ودحا الأرض بعد ذلك، وفسر هذا المضمر فقال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، وهو أجود من الرفع؛ لأنك أن تعطف بفعل على فعل أحسن". قوله: (ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سُكناها)، وفي تفسيره لف ونشر، الانتصاف: "هذا الجواب أحسن من الثاني؛ لأنه مناسب لقوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (رَفَعَ سَمْكَهَا﴾.

стр. 8963

والثاني: أن يكون (اخْرُجْ) حالاً بإضمار (قد) كقوله: (جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء: ٩٠] وأراد بـ (مرعاها): ما يأكل الناس والأنعام. واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: (يَرْتَعْ ويَلْعَبْ) [يوسف: ١٢]. والظاهر أنه تغليب، لأنه قوله (مَتَاعًا لَّكُمْ ولأَنْعَامِكُمْ) وارد عليه، ومن حقه أن يغلب ذوي العقول على الأنعام، فعكس تجهيلاً؛ وقرئ: (نرتع)، من الرعي؛ ولهذا قيل: دل الله سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح؛ لأنه من الماء. (مَتَاعًا لَّكُمْ) فعل ذلك تمتيعاً لكم، (ولأَنْعَامِكُمْ)؛ لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم. [(فَإذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى • يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ مَا سَعَى • وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرَى) ٣٤ - ٣٦]. (الطَّامَّةُ) الداهية التي تطم على الدواهي، أي: تعلو وتغلب. وفي أمثالهم: جرى الوادي فطم على القري، وهي القيامة لطمومها على كل هائلة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واستعير الرعي للإنسان)، يعني: استعير الرعي والرتع لتناول الإنسان الطعام، كما يستعار المرسن للأنف، والمشفر للشفة. عن بعضهم: ﴿مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ عبارة عن الأرزاق، جمع الله تعالى جميع ما يُتمتع به في هاتين الكلمتين. ويجوز أن يكون استعارة معنوية. لأن الكلام مع منكري الحشر بشهادة قوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ كما مر قبل أيها المعاندون الداخلون في زمرة البهائم الملزوزون في قرنها في تمتعكم بالدنيا، وذهولكم عن الأخرى. قوله: (وقُرئ: "نرتع")، أي: بكسر العين، من الارتعاء، افتعال من الرعي. قوله: (جرى الوادي فطم على القرى)، قال الميداني: "أي: جرى سبيل الوادي فطم، أي: دفن، يقال: طم السيل الركية، أي: دفنها. والقري: مجرى الماء في الروضة والجمع: أقرية، وقريان، يعني: أتى على القرى أي: أهلكه بأن دفنه، يُضرب عند تجاوز الشر حده".

стр. 8964

وقيل: هي النفخة الثانية: وقيل: الساعة التي تساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ) بدل من إذا جاءت، يعني: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها، كقوله: (أَحْصَاهُ الله ونَسُوهُ) [المجادلة: ٦]، و «ما» في (مَا سَعَى) موصولة، أو مصدرية (وبُرِّزَتِ): أظهرت. وقرأ أبو نهيك: (وبرزت). (لِمَن يَرَى) للرائين جميعاً، أي: لكل أحد، يعني: أنها تظهر إظهاراً بينا مكشوفاً، يراها أهل الساهرة كلهم، كقوله: قد بين الصبح لذي عينين يريد: لكل من له بصر؛ وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد. وقرأ ابن مسعود: (لمن رأى). وقرأ عكرمة: (لمن ترى) والضمير للجحيم، كقوله: (إذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) [الفرقان: ١٢] وقيل: لمن ترى يا محمد. [(فَأَمَّا مَن طَغَى • وآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا • فَإنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَاوَى) ٣٧ - ٣٩] (فَأَمَّا) جواب (فَإذَا) أي: فإذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن بعضهم: يقال: طم شعره، أي: جزه، ويقال: جاء السيل فطم الركية، أي: دفنها فسواها، وكل شيء كثر حتى يعلو فقد طم؛ ذكره في باب فعل يفعل بفتح العين، وذكر في باب فعل يفعل بكسرها يكم طميماً، أي: يعدو عدواً سهلاً. قوله: (﴿لِمَن يَرَى﴾: للرائين جميعاً)، الانتصاف: "أي: هو أمر ظاهر لا يتوقف إلا على وجود الحاسة لا غير، ولا مانع من الرؤية ولا حاجب عنها". قوله: (قد بين الصبح لذي عينين)، قال الميداني: "بين هاهنا بمعنى: تبين، يضرب للأمر الذي يظهر كل الظهور". قوله: (﴿فَأَمَّا﴾ جواب ﴿فَإذَا﴾)، وفي "المطلع": المقدر شيء آخر، أي: فإذا جاءت الطامة، وقع ما لا يدخل تحت الوصف، وقوله: ﴿فَأَمَّا﴾ تفصيل لذلك المقدر.

стр. 8965

والمعنى: فإن الجحيم مأواه، كما تقول للرجل: غض الطرف، تريد: طرفك، وليس الألف واللام بدلاً من الإضافة، ولكن لما علم أن الطاغي هو صاحب المأوى، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره: تركت الإضافة؛ ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف: للتعريف؛ لأنهما معروفان، و (هِيَ) فصل أو مبتدأ. [(وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى • فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَاوَى) ٤٠ - ٤١] (ونَهَى النَّفْسَ) الأمارة بالسوء (عَنِ الهَوَى) المردي، وهو إتباع الشهوات، وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وليس الألف واللام بدلاً من الإضافة)، قال صاحب "الكشف": قال الكوفي: بل التقدير: مأواه، فقام الألف مقام الضمير. قوله: (ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف: للتعريف؛ لأنهما معروفان)، قال الزجاج: ليس الألف واللام بدلاً من الكاف في الطرف وإن كان المعنى: غض طرفك؛ لأن المخاطب يعلم أنك لا تأمره بعض طرف غيره، قال: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا قوله: (وزجرها عنه)، عطف تفسيري على ﴿وَنَهَى النَّفْسَ﴾، وقوله: "وضبطها بالصبر"، تفسير هكذا لـ "زجرها". الراغب: "النهي: الزجر عن الشيء، وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره، وما كان بالقول لا فرق بين أن يكون بلفظة افعل، نحو: اجتنب كذا، وبلفظة لا تفعل، ومن حيث اللفظ هو قولهم: لا تفعل كذا، فإذا قيل: لا تفعل فهو نهي من حيث اللفظ والمعنى جميعاً، نحو: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ لم يعن به أن يقول لنفسه: لا تفعل، بل أراد قمعها عن شهوتها،
следующие страницы →