← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلةً إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد. (تَنَزَّلُ) إلى السماء الدنيا، وقيل: إلى الأرض، (وَالرُّوحُ) جبريل. وقيل: خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) أي: تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل. وقرئ: (من كل امرئ) أي: من أجل كل إنسان. وقيل: لا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنةً إلا سلموا عليه في تلك الليلة. (سَلامٌ هِيَ) ما هي إلا سلامة، أي: لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير، ويقضى في غيرها بلاًء وسلامة. أو: ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين. وقرئ: (مطلع) بفتح اللام وكسرها. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "القدر"، أعطى من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما هي إلا سلامة)، يريد أن ﴿هِيَ﴾ مبتدأ و ﴿سَلَامٌ﴾ الخبر، فقدم وجعل نفس السلام لإعطاء معنى الاختصاص. قال صاحب "الكشف": ﴿هِيَ﴾ ابتداء و ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مقدم، وهو بمعنى الفاعل، أي: هي مُسلمة. ولا بد من هذا التقدير ليصح تعليق ﴿حَتَّى﴾ به؛ لأنه إذا حمل على المصدر لم يجز تعليق ﴿حَتَّى﴾ به؛ لأنه لا يفصل بين الصلة والموصول. ويجوز تعليقه بقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ولا يجوز أن تكون ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، و ﴿حَتَّى﴾ في موضع الخبر، لأنه لا فائدة فيه؛ إذ كل ليلة بهذه الصفة. قوله: (وقرئ: ﴿مَطْلَعِ﴾)، الكسائي: "مَطلع"، بكسر اللام، والباقون: بفتحها. قال الزجاج: "فمن فتح فهو المصدر بمعنى الطلوع، يقال: طلع الفجر طلوعاً ومطلعاً. ومن كسر فهو اسم لوقت الطلوع". وعن بعضهم: ولا يجوز أن يراد هنا موضع الطلوع. والله أعلم. تمت السورة بحمد الله تعالى * … * … *

стр. 9207

سورة البينة مكية، وقيل: مدنية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)] ١ - ٨ [. كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبده الأصنام يقولون قبل مبعث النبي ﷺ : لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة البينة مدنية، وهي ثمان آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (لا ننفك مما نحن عليه من ديننا)، روي عن المصنف أنه قال: هذا من باب

стр. 9208

ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد ﷺ ، فحكي الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) يعنى أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول ﷺ ؛ ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقًا، فيقول واعظه: لم تكن منفكًا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار؛ يذكره ما كان يقوله توبيخًا وإلزامًا. وانفكاك الشيء من الشيء: أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله؛ والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم ولا يتركونه إلا عند مجيء البينة. و (الْبَيِّنَةُ) الحجة الواضحة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحكاية بزعمهم، وقوله: "وما تفرق الذين أوتوا الكتاب" إلزام عليهم؛ حكى الله كلامهم على سبيل التوبيخ والتعيير، وجاء به في بعض النُّسخ بدل قوله: "البينة: الحجة الواضحة": "البينة: القرآن، ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]، و ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾: جبريل، وهو التالي للصحف المطهرة المنتسخة من اللوح، التي ذُكرت في سورة "عبس"، ولا بد من مضاف محذوف وهو الوحي، ويجوز أن يراد النبي? . فإن قلت: كيف نسب تلاوة الصحف المطهرة إليه وهو أمي؟ قلت: إذا تلا مثل المسطور فيها كان تالياً"، وشرح هذه الرواية قوله: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، معناه أن القرآن فيه بيانن أو حجة ما في الكتب المتقدمة، أو هو مصداقها. قوله: (التي ذُكرت في سورة عبس)، يعني: قوله ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣]، أي: صحف منتسخة من اللوح، مكرمة عند الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]. قوله: (لا بد من مضاف محذوف)، أي: القرآن وحي رسول من الله.

стр. 9209

و (رَسُولٌ) بدل من (البينة). وفي قراءة عبد الله: (رسولًا) حالًا من البينة. (صُحُفاً) قراطيس (مُطَهَّرَةً) من الباطل. (فِيها كُتُبٌ) مكتوبات، (قَيِّمَةٌ) مستقيمة ناطقة بالحق والعدل؛ والمراد بتفرقهم: تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه، أو تفرقهم فرقًا؛ فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، وقال: ليس به؛ ومنهم من عرف وعاند. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و ﴿رَسُولٌ﴾ بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾)، قال الإمام: "وفائدته الإعلام بأن ذاته كانت بينة على نُبوته؛ لأنه كان في نهاية من الجد في تقرير النبوة، وفي غاية من الصدق وكمال من العقل. وروي عن حجة الإسلام أن مجموع الأخلاق الفاضلة، كان بالغاً فيه إلى حد الإعجاز، أو أن معجزاته كانت في غاية الظهور والكثرة". وقلت: الدليل على أن المراد بالبينة رسول الله? ، قوله: "لا تنفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود"، ولعل السر في جعله ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ توطئة لذكر الرسول، كما وبخهم بقولهم: ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. ولهذا السر أيضاً أُفرد ذكرهم عن المشركين في قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، كأنهم عُيِّروا بالتفرق وهم أهل الكتاب، لأن جحود العالم أقبح من إنكار الغافل. قوله: (﴿صُحُفًا﴾: قراطيس ﴿مُّطَهَّرَةً﴾)، الراغب: "الصحيفة: المبسوط من الشيء كصحيفة الوجه، والصحيفة التي يُكتب فيها، وجمعها صحائف وصُحف، قال تعالى: ﴿يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾؛ أُريد بها القرآن، جعله صُحفاً فيها كتب، من أجل تضمنه لزيادة ما في كتب الله. والمصحف ما جُعل جامعاً للصحف المكتوبة". وقال أيضاً: "أراد بقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، لأن القرآن مجمع ثمرة كتب الله المتقدمة".

стр. 9210

فإن قلت: لم جمع بين أهل الكتاب والمشركين أوّلًا، ثم أفرد أهل الكتاب في قوله: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ)؟ قلت: لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. (وَما أُمِرُوا) يعنى في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا بالدين الحنيفي)، كنى عن مجموع ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى آخره، بالدين الحنيفي. وفي عطف ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، على ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ المقيد بالإخلاص، واختصاصهما بالذكر دون سائر العبادات، الدلالة على شرفهما واستبدادهما بشرط الإخلاص. وقال الإمام: "ذلك المجموع كله، هو دين الملة المستقيمة المعتدلة، فكما أن مجموع الأعضاء بدن واحد، كذا هذا المجموع دين واحد. واحتج القائلون بأن الإيمان عبارة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل بهذه الآية. وأجيب بأن المشار إليه المجموع، وهو محكوم بأنه الدين القيمة؛ فالدين غير ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، لأن الدين القيم هو الدين الكامل المستقل بنفسه، وذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلاً، وكانت آثاره ونتائجه حاصلة معه، من الصلاة والزكاة وغيرهما؛ فإذا لم يوجد هذا المجموع، لم يكن الدين القيم حاصلاً، والنزاع في مجرد الدين". فيقال: هذا الجواب ضعيف، لأن "القَيِّمَة" على القراءة الشاذة، أي: "وذلك الدين القيمة"، صفة مميزة فارقة للملة المستقيمة عن المعوجة، وهي غير دين المسلمين، لقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]. وعلى المشهورة: مضاف إما إلى الملة المستقيمة، أو إلى الأمة القيمة بالحق، إضافة بيان كأنه قيل: وذلك دين المسلمين. الراغب: "الدين أعم من الإسلام، إذ هو يستعمل في الحق والباطل. والإسلام لا

стр. 9211

(وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي: دين الملة القيمة. وقرئ: (وذلك الدين القيمة) على تأويل الدين بالملة. فإن قلت: ما وجه قوله: (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ)؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يستعمل إلا في الحق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال: "القيمة هاهنا اسم الأمة القائمة بالقسط المشار إليهم بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] ". قوله: (أي: دين الملة القيمة)، قال صاحب "الكشف": "لا بد من هذا التقدير، لأنه إذا لم يُحمل على هذا، كان إضافة الشيء إلى صفته، وهي بمنزلة إضافة الشيء إلى نفسه، قال محيي السنة: "أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين، وأنث ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ رداً بها إلى الملة. وقيل: الهاء فيها للمبالغة، وقيل: ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ هي الكتب التي جرى ذكرها، أي: وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به. وقال النضر بن شميل: سألت الخليل عنها فقال: "القيمة" جمع القيم، والقيم والقائم واحد، ومجازه: وذلك دين القائمين لله بالتوحيد". الراغب: "القيمة هاهنا: اسم الأمة القائمة بالقسط، المشار إليهم بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] ". قوله: (ما وجه قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾؟ )، يعني كان من حق الظاهر أن يقال "بأن يعبدوا الله" بالباء، فما وجه الإتيان باللام؟ فأجاب بأن صلة الأمر محذوفة، واللام للتعليل؛

стр. 9212

قلت: معناه: وما أمروا بما في الكتابين إلا لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة. وقرأ ابن مسعود: (إلا أن يعبدوا)، بمعنى: بأن يعبدوا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالتقدير: "وما أمروا بما في الكتابين إلا لأجل أن يعبدوا الله"، وهو استثناء من أعم عام المفعول له المقيد بقيد الإخلاص، قال الإمام: "هذا يدل على مذهب أهل السنة، حيث قالوا: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة، أو إلى البُعد من عقاب النار، بل لأجل أنك عبد وهو معبود، وفيه أن من عبد للثواب والعقاب لم يكن مخلصاً. وفي الحقيقى الثواب والعقاب هما معبودان". وروى السُّلمي عن بعضهم، "أن الإخلاص ألا يطلع على عملك إلا الله، ولا ترى نفسك فيه. وتعلم أن المنة لله عليك في ذلك حيث أهلك لعبادته، ووفقك لها ولا تطلب من الله ثواباً. وعن سهل: نظر الأكياس في الإخلاص، وهو أن تكون حركات العابد وسكناته في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء". قوله: (وقرأ ابن مسعود: "إلا أن يعبدوا"، بمعنى: بأن يعبدوا)، قيل: الأولى أن يقال: بمعنى: لأن يعبدوا؛ ليوافق القراءة المشهورة في المعنى؛ وإنما حمله على ذلك أن مقتضى الظاهر هو أن يقال: ما أُمروا إلا لعبادة الله؛ ليكون المأمور به مذكوراً، وإنما عدلنا عن هذا المعنى في المشهورة لوجود اللام، وإذ لم تكن اللام في هذه القراءة، فليُحمل على ما هو الظاهر، ولذلك سأل: ما وجه قوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾؟ أي: الأصل أن يقال: بأن يعبدوا الله. وقيل عليه: إنه لما ورد المشهورة على ما ورد، عُلِمَ أن الغرض بيان أنهم إنما أمروا في التوراة بما أمروا، لأجل أن يعبدوا الله بالإخلاص، تحريضاً على الإخلاص وعدم الإشراك في العبادة، فيجب أن تُحمل القراءة الشاذة على المشهورة لهذا الغرض.

стр. 9213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: بل الغرض من السياق، إظهار توبيخ أهل الكتاب، والنعي على تعكيس أمرهم، لأن جملة قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ الآية، إما حال من فاعل ﴿تَفَرَّقَ﴾ مقررة لجهة الإشكال، أو عطف على جملة قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، من باب تفويض ترتب الثاني على الأول، على خلاف المقتضي إلى ذهن السامع. يعني: كان من موجب اتفاق الكتابين، أعني ما معهم، وهذا القرآن المجيد على دين التوحيد، الموافقة مع من يوافقهم فيه ومعاضدته والتفادي عن مخالفته، والتفرق عنهم وهم قد عكسوا، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]. وهذا الغرض كما حصل من التعليل بأن قيل: وما أُمروا، وإنما قيل: في الكتابين لأجل أن يعبدوا الله مخلصين، قد يحصل من هذا التقرير أيضاً بأن يقال: وما أمروا بما في الكتابين إلا بعبادة الله مخلصين، لاسيما ظاهر عطف ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يناسب الباء. ولذلك قال أبو البقاء في قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧١ - ٧٢]: "قيل اللام بمعنى الباء، أو هي زائدة". وقال الزجاج: "فيه وجهان: أحدهما أن يكون التقدير: وأُمرنا لنُسلم ولأن نُقيم، وأن يُحمل على المعنى، لأن المعنى: أُمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة". وقلت: وأما قضية النظم، فإنه تعالى لما عير أهل الكتاب والمشركين في تقاعدهم عما وعدوا من أنفسهم، وما كانوا يقولون قبل المبعث: لا ننفك عن ديننا حتي يُبعث النبي الموعود، ثم بين ما لهم من الخزي دُنيا والنكال دُنيا وعُقبى، وما لأعدائهم من الذين قاموا على ما وعدوا تشويراً لأولئك وتحسيراً لهم، من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ إلى آخر السورة،

стр. 9214

قرأ نافع: (البريئة) بالهمز؛ والقرّاء على التخفيف. والنبيّ، والبرية: مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وسط بين الكلامين النعي على أهل الكتاب خاصة، وأظهر أنهم أشد غياً وعناداً، حيث خالفوا مع ما يوجب الموافقة، والله أعلم. قوله: (والقُراء على التخفيف)، أي: مُطبقون متفقون على التخفيف، سوى نافع وابن ذكوان عن ابن عامر. وطُعن بقوله: "والنبي، والبرية: مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل" على قراءة نافع. قيل: الطعن مردود عليه، لأن تخفيف الهمزة في "نبي" و"برية"، إنما يُتصور على قول من يقول: إن نبياً مشتق من النبأ، والبرية من برأ الله الخلق. وأما من يرى أن النبي من النبوة وهو الارتفاع، والبرية من البرى وهو التراب، فلا مدخل لهما في الهمزة أصلاً، فلا يصح قوله: "استمر تخفيفه ورُفض الأصل". ثم لو سُلم أنه من الهمز، فلا يستمر أيضاً، لأنه قد ثبت أنهم يقولون: نبيئاً وبريئة، فكيف يصح دعوى التزام البراءة والتَّرك مع ثبوتها؟ بل نافع مقدم على جميع القراء، وقد قدمه الشيخ الشاطبي على القُراء كلهم، وقال فيه رحمه الله تعالى: فأما الكريم السِّر في الطيب نافع فذاك الذي اختار المدينة منزلا روى أنه إذا كان إذا قرأ القرآن، يفوح طيب المسك من فيه، فقيل له: أتتطيب للقراءة؟ فقال: لا، ولكن رأيت النبي? في المنام، فتفل في فيَّ، فكلما قرأت القرآن يفوح ريح المسك من فيَّ. قال صاحب "النهاية": "قيل: إن النبي مشتق من النباوة، وهي الشيء المرتفع، ومنه حديث البراء قال: قلت: ورسولك الذي أرسلت، فرد عليَّ وقال: ونبيك الذي أرسلت. وإنما رد ليختلف اللفظان ويجمع له الثناءين: معنى النبوة والرسالة، ويكون تعديداً للنعمة في الحالين.

стр. 9215

وقرئ: (خيار البرية) جمع خير، كجياد وطياب: في جمع جيد وطيب. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ (لم يكن)، كان يوم القيامة مع خير البرية مساًء ومقيلًا». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول: تنبأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي، كما تركوه في الذُّرية والبرية، إلا أهل مكة فإنهم يهمزونهما ويخالفون العرب في ذلك". قوله: (وقرئ: "خيار البرية")، روى ابن جني أن إماماً لأهل مكة سُمع يقرأ: "خيار"، فيجوز أن يكون جمع "خير"، فيُكسر فيعل على: فعال، نحو: صائم وصيام، وكيس وكياس. وأن يكون جمع خائر كقولك: هو مخير وأنا خائر له، وأن يكون جمع خير الذي هو ضد الشر، كقولك: هذا مجبول من خير". خاتمة قال القاضي في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾: "ذلك المذكور من الجزاء والرضوان لمن خشي ربه، لأن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير" وقلت: ولذلك قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾ [فاطر: ٢٨]. الراغب: "رضا العبد عن الله: أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد: هو أن يراه مؤتمراً لأمره، ومنتهياً عن نهيه، قال تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والرضوان: الرضا

стр. 9216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكثير. ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى، خص الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى، قال تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] ". وقال الجُنيد: "الرضا يكون على قدر قوة العلم والرسوخ في المعرفة، والرضا حال يصحب العبد في الدنيا والآخرة، وليس محله محل الخوف والرجاء والصبر والإشفاق، وسائر الأحوال التي تزول عن العبد في الآخرة. بل السعيد يتنعم بالرضا في الجنة، ويسأل الله تعالى حتى يقول لهم: برضائي أُحلكم داري، أي: برضائي عنكم رضيتم. وقال محمد بن الفضل: الروح والراحة في الرضا، واليقين والرضا باب الله الأعظم، ومحل استرواح العابدين"، والله أعلم. تمت السورة * … * … *

стр. 9217

سورة الزلزلة مختلف فيها، وهي تسع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)] ١ - ٨ [. (زِلْزالَها) قرئ بكسر الزاي وفتحها؛ فالمكسور: مصدر، والمفتوح: اسم؛ وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الزلزلة مدنية، وهي تسع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف)، وفي "الكواشي": "وقد جاء "ناقة جزعال" التي تطلع، و"قصطال" اسم للغبار، وليسا من المضاعف. وقيل: أما بهرام وشهرام فعجميان". وأما القهقار فلغة ضعيفة؛ في "الصحاح": "القهقر، بتشديد الراء: الحجر الصلب، وكان أحمد بن يحيى وحده يقول: القهقار".

стр. 9218

فإن قلت: ما معنى (زلزالها) بالإضافة؟ قلت: معناه زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة ومشيئة الله، وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده. ونحوه قولك: أكرم التقىّ إكرامه، وأهن الفاسق إهانته، تريد: ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة. أو زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه. الأثقال: جمع ثقل، وهو متاع البيت، وتحمل أثقالكم جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالًا لها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الذي ليس بعده)، أي: ليس بعده زلزال، أي: ليس فوقه وأقوى منه. المغرب: "وقوله: وإن كان ليس بالذي لا بعد له، أي: ليس بنهاية في الجودة وهو من قولهم: هذا مما ليس بعده غاية في الجودة والرداءة. وربما اختصروا وقالوا: ليس بعده، ثم أُدخل عليه "لا" النافية للجنس، واستعمل استعمال الاسم المتمكن". قوله: (أو زلزالها كله)، أي: القدر اللائق بها ويضاف إليها. والفرق بينه وبين الوجه السابق، هو أن السابق مستند إلى الفاعل ومقتضٍ مشيئته، ومن ثم قال: "زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة". والثاني وإن دل على الشمول، ولكن دون الأول في الشدة، وفي قوله "تستوجبه في الحكمة" إشارة إلى مذهبه، قال الإمام: "أي الزلزال المكتوب عليها إذا قُدرت تقدير الحي. روي أنها تُزلزل من شدة صوت إسرافيل ﵇"، وليس ذلك إلا إذا قُدر أنها حية فزعة، كما كانت متكلمة في قوله: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. قوله: (جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها)، الراغب: "أثقالها: قيل: كنوزها، وقيل: ما تضمنت من أجساد البشر عند الحشر، وقوله: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]: أي: أحمالكم الثقيلة".

стр. 9219

(وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها) زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها؛ وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ أمواتها أحياًء، فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع، كما يقولون: (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا)] يس: ٥٢ [. وقيل: هذا قول الكافر؛ لأنه كان لا يؤمن بالبعث؛ فأما المؤمن فيقول: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)] يس: ٥٢ [. فإن قلت: ما معنى تحديث الأرض والإيحاء لها؟ قلت: هو مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان، حتى ينظر من يقول مالها إلى تلك الأحوال، فيعلم لم زلزلت ولم لفظت الأموات؟ وأنّ هذا ما كانت الأنبياء ينذرونه ويحذرون منه. وقيل: ينطقها الله على الحقيقة، وتخبر بما عمل عليها من خيٍر وشر. وروى عن رسول الله ﷺ : " تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها". فإن قلت: (إِذا) و (يَوْمَئِذٍ): ما ناصبهما؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿مَا لَهَا﴾ زُلزلت؟ )، قيل: هذه إشارة إلى أن في الكلام حذفاً، وهو حال من الضمير المجرور لأنه مفعول، أي: أي شيء ثبت لها في هذه الحال، لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]. قوله: (تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها)، روى الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول الله? هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، قال: "أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم [كذا] كذا وكذا، فهذه أخبارها".

стр. 9220

قلت: (يَوْمَئِذٍ) بدل من (إِذا)، وناصبهما (تُحَدِّثُ). ويجوز أن ينتصب (إِذا) بمضمٍر، و (يَوْمَئِذٍ) بتحدث. فإن قلت: أين مفعولا (تُحَدِّثُ)؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أين مفعولاً ﴿تُحَدِّثُ﴾؟ )، قيل: في السؤال والجواب نظر، لأن "حدث" ليس متعدياً إلى مفعولين، بل هو متعد إلى مفعول واحد، والمحذوف الذي صرح بذكره هاهنا هو المفعول به، وأما المذكور وهو ﴿أَخْبَارَهَا﴾ فمفعول مطلق، وهما لا يُسميان مفعولين في اصطلاح النحاة. نعم، إذا ذُكرت خصوصية المصدر في هذا الباب جُعل منصوباً، ويسميه بعض النحاة حينئذ مفعولاً ثانياً وثالثاً، نحو: حدثت زيداً عمراً قائماً، ويقال حينئذ: هو متعد إلى ثلاثة مفاعيل، وقد ذُكر وحُقق في موضعه أنه ليس كذلك، وأنه متعد إلى واحد، وأن "زيداً قائماً" نصبا لوقوعهما موقع المصدر. وأما إذا ذُكر المصدر بلفظه نحو: حدثته حديثاً وخبراً، فلا يقول أحد/ إنه متعد إلى مفعولين. والدليل على ما ذكرنا أن ابن الحاجب بعدما بين أن "زيداً قائماً" نُصب في مثل هذا الموضع لوقوعه موقع المصدر، لا لكونه مفعولاً ثانياً وثالثاً، قال: "بقى أن يقال: كيف يصح أن يقع ما ليس بفعل في المعنى مصدراً، وهو المفعول الثاني والثالث؟ " ثم قال: "والجواب عنه أنه لم يكن مصدراً باعتبار كونه زيداً قائماً، ولكن باعتبار كونه حديثاً مخصوصاً، فالوجه الذي صح الإخبار به عن الحديث إذا قلت: حدثني زيد عمرو منطلق، هو الذي صحح وقوعه مصدراً". وقلت: ويمكن أن يقال: إن "حدثت وأخواتها" متعديات إلى مفعول واحد حقيقة، وجعلها متعديات إلى ثلاثة أو إلى اثنين تجوز أو تضمين؛ قال في "المفصل": "حدثت

стр. 9221

قلت: قد حذف أوّلهما، والثاني: (أخبارها)، وأصله تحدث الخلق أخبارها؛ إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيما لليوم. فإن قلت: بم تعلقت الباء في قوله: (بِأَنَّ رَبَّكَ)؟ قلت: بتحدّث، معناه: تحدّث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث. ويجوز أن يكون المعنى: يومئذ تحدث بتحديث أنّ ربك أوحى لها أخبارها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أُجري مجرى أعلمت لموافقته له في معناه، فعُدي بتعديه". قال صاحب "الإقليد": "الأصل في أنبأ ونبأ، وأخبر وخبر، التعدي إلى مفعول واحد، نحو: أنبأت زيداً بكذا، ثم حُذف الجار فيقال: أنبأته كذا، وفي التنزيل: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣]، أي: بهذا، ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]؛ فإذا عُديت إلى ثلاثة، فليس إلا لإجرائها مجرى أعلمت". فظهر أن سؤال المصنف مبني على هذا، وجوابه يدل عليه حيث صرح بقوله: "كأنه قيل: يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها؛ لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا". قوله: (إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار)، أي: الغرض في الآية هو المفعول الثاني لا الأول، لأن السورة مسوقة في هول القيامة، أي: يوم عظيم تحدث فيه الجمادات. قوله: (يومئذ تحدث بتحديث أن ربك أوحى لها أخبارها)، والظاهر أن الباء على هذا كالباء في قولك: لئن لقيت فلاناً، لتلقين به رجلاً متناهياً في الخير. المعنى: يومئذ تحدث بتحديث أن ربك أوحى لها أخبارها المتناهية في بابها، فيكون من باب التجريد، ولذلك قال: "على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها: تحديث بأخبارها"؛ قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]: "أراد

стр. 9222

على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها: تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كل نصيحة، بأن نصحتني في الدين. ويجوز أن يكون (بِأَنَّ رَبَّكَ) بدلًا من (أَخْبارَها) كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها؛ لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا، و (أَوْحى لَها) بمعنى أوحى إليها، وهو مجاز كقوله: (أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)] يس: ٨٢ [قال: أوحى لها القرار فاستقرّت وقرأ ابن مسعود: (تنبئ أخبارها)، وسعيد بن جبير: تنبئ، بالتخفيف. يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف، (أَشْتاتاً) بيض الوجوه آمنين؛ وسود الوجوه فزعين. أو يصدرون عن الموقف أشتاتًا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالثاني الأول بعينه، أي: أخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً، وعليه المثال: نصحتني بكل نصيحة، بأن نصحتني في الدين؛ جرد من النصحية في الدين النصيحة الكاملة، وعليه قول الشاعر: فأنالني كل المنى بزيارة كانت مخالسة كخطفة طائر فلو استطعت إذا خلعت على الدجى لتطول ليلتنا سواد الناظر قوله: (وهو مجاز)، أي استعار تمثيلية كما سبق في قوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾؛ شبه إرادة إظهار ما فيها من الأحوال بما يُلقى إلى المأمور، لإظهار ما يراد منه من سراعة الامتثال.

стр. 9223

ليروا جزاء أعمالهم. وفي قراءة النبي ﷺ : (ليروا) بالفتح، وقرأ ابن عباس وزيد بن على: (يره) بالضم. ويحكى أنّ أعرابيا أخر (خَيْراً يَرَهُ) فقيل له: قدّمت وأخرت؛ فقال: خذا بطن هرشى أو قفاها فإنّه … كلا جانبي هرشى لهنّ طريق والذرّة: النملة الصغيرة، وقيل: (الذرّ) ما يرى في شعاع الشمس من الهباء. فإن قلت: حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن معفوّه باجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرّ من الخير والشر؟ قلت: المعنى فمن يعمل مثقال ذرّة خيرًا من فريق السعداء، ومن يعمل مثقال ذرّة شرًا من فريق الأشقياء؛ لأنه جاء بعد قوله: (يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (خُذا بطن هَرشى) البيت، هَرشى: عقبة في طريق مكة قريبة من "الجُحفة" لها طريقات؛ يخاطب صاحبيه ويقول لهما: سيرا في بطن هذه الثنية أو في قفاها، فإن كلا الجانبين طريقاً للإبل، وهذا مثل فيما سهل الطريق من الجانبين. قيل: كان الأعرابي ظن أن التقديم والتأخير في هذا الموضع جائز وهو خطأ، فإنه غفل عن اللطائف القرآنية، ولا معنى لإيراد البيت في هذا المقام، فكان تركه أولى؛ لأن العناية منوطة بالخير، والشر عارض، قال القاضي في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٤ - ٤٥]: " ﴿لِيَجْزِيَ﴾ علة لـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾، والاقتصار على جزاء المؤمن للإشعار بأنه المقصود بالذات". قوله: (لأنه جاء بعد قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، يعني: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ تفصيل للناس، وهم فريقان: السُّعداء والأشقياء، أي: الآية مختصة.

стр. 9224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "سؤاله مبني على قاعدتين: إحداهما: أن حسنات الكافر مُحطبة بالكفر وفيه نظر؛ فإن أريد به أنها لا يثاب بها فصحيح، وأما تخفيف العذاب فغير مُسلم، وقد وردت فيه الأحاديث أن حاتماً يُخفف الله عنه لكرمه، وفي حق أبي طالب وغيره، فلها أثر في تخفيف العذاب. وثانيتهما: أن اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فهو خلاف مذهب أهل السنة؛ فتكفير الصغائر بأحد أمرين، إما بالتوبة، وإما بمشيئة الله بالمغفرة؛ فهذا السؤال ساقط عندنا". وقال الإمام: "يجوز أن يقال: إن حسنات الكافر وإن كانت مُحبطة بكفره، لكن الموازنة معتبرة عندكم، فبقدر تلك الحسنات ينحط من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر، فلا يكون ذلك قادحاً في عموم الآية". وقلت: الآية تحتمل معنيين: أن يراد بإحدى القرينتين السعداء وبالأخرى الأشقياء لتكرير الموصول، وأن يراد العموم في كل قرينة كما يقال: فمن يعمل مثقال ذرة من المؤمنين والكافرين خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة من المؤمنين والكافرين شراً يره. وعلى الأول ورد كلام المصنف، وما روى محيي السنة والإمام عن محمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر، فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله، حتى يلقى الآخرة وليس له فيها خير. ومن يعمل مثقال ذرة من شر وهو مؤمن، كُفر ذلك في الدنيا في نفسه وأهله وماله، حتى بلغ الآخرة وليس له فيها شر. لكن قصد المصنف في ذلك إدخال مرتكب الكبيرة في زمرة الكفار والأشقياء، لأن حسنات مرتكب الكبيرة محبطة به فلا يرى غير الشر، كما أن صغائر مجتنب الكبائر مكفرة به، فلا يرى غير الخير، يُعلم ذلك من سؤاله. وعلى الثاني ما رواه الواحدي عن مقاتل: فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة خيراً،

стр. 9225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يره يوم القيامة فيفرح به، وكذلك الشر فيراه في كتابه، فيسوؤه ذلك. وروى محيي السنة والإمام عن ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً كان أو شراً، إلا أراه الله تعالى إياه؛ فأما المؤمن فتغفر له سيئاته ويُثيبه بحسناته، وأما الكافر فتُرد حسناته ويعذب بسيئاته. وهذا الاحتمال يساعده النظم والمعنى والأسلوب. أما النظم، فإن قوله ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ كما سبق، تفصيل لما عقب به من قوله ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، فيجب التوافق. والأعمال جمع مضاف يفيد الشمول والاستغراق، ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ مقيد بقوله ﴿أَشْتَاتًا﴾، فيفيد أنهم على طرائق شتى للنزول في منازلهم من الجنة والنار، بحسب أعمالهم المختلفة، ومن ثم كانت الجنة ذات درجات، والنار ذات دركات. وأما المعنى، فإنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وأما الأسلوب، فإنها من الجوامع الحاوية لفوائد الدين أصولاً وفروعاً، روينا عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة: سُئل رسول الله? عن الحمر، فقال: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة، فتلاها. قوله: عن الحُمر، أي: عن صدقة الحُمر. والفاذة: أي المنفردة في معناها؛ فذ الرجل عن أصحابه إذا شذ عنهم. وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق، أنه

стр. 9226

عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (إذا زلزلت) أربع مرات، كان كمن قرأ القرآن كله». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أتى النبي ﷺ ، فقرأ الآية، فقال: حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وفي "الحقائق": قيل لبعض الحكماء: عظ، فتلا الآية. فقال السائل: فقد انتهيت الموعظة. قوله: (من قرأ [سورة] ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أربع مرات، روينا عن الترمذي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله? : "من قرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ عُدلت له بنف القرآن". تمت السورة * … * … *

стр. 9227

سورة (والعاديات) مختلف فيها، وهي إحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ)] ١ - ١١ [. أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ مدنية، وهي إحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (والضبح: صوت أنفاسها)، الراغب: "قيل: الضَّبح: صوت أنفاس الفرس تشبيهاً بالضُّباح، وهو صوت الثعلب. وقيل: هو الخفيف العدو، وقد يقال ذلك للعدو. وقيل: الضبح كالضبع، وهو مد الضبعة في العدو، وشُبه عدوه به كتشبيهه بالنار في كثرة حركاتها". وع بعضهم: ضبح الخيل في عدوها: إذا سُمع من أفواهها صوت ليس بصهيل ولا حمحمة، يعني: أنهن يضبحن في المعركة عند الكر والفر.

стр. 9228

وعن ابن عباس أنه حكاه فقال: أح أح. قال عنترة: والخيل تكدح حين تضـ … ـبح في حياض الموت ضبحا وانتصاب ضبحًا على: يضبحن ضبحًا، أو بالعاديات، كأنه قيل: والضابحات؛ لأن الضبح يكون مع العدو، أو على الحال، أي: ضابحات. (فَالْمُورِياتِ) تورى نار الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها، (قَدْحاً) قادحات صاكات بحوافرها الحجارة. والقدح: الصك، والإيراء: إخراج النار؛ تقول: قدح فأورى، وقدح فأصلد، وانتصب قدحًا بما انتصب به ضبحًا. (فَالْمُغِيراتِ) تغير على العدو، (صُبْحاً) في وقت الصبح. (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) فهيجن بذلك الوقت غبارًا. (فَوَسَطْنَ بِهِ) بذلك الوقت، أو بالنقع، أي: وسطن النقع الجمع. أو فوسطن ملتبسات به (جَمْعاً) من جموع الأعداء. ووسطه بمعنى توسطه. وقيل: الضمير لمكان الغارة، وقيل: للعدو الذي دلّ عليه (وَالْعادِياتِ) ويجوز أن يراد بالنقع: الصياح، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نار الحُباحب)، الجوهري: "الحُباحب: اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا ناراً ضعيفة مخافة الضيفان، فضربوا بها المثل حتى قالوا: نار الحُباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها". قوله: (فأصلد)، الجوهري: "صَلَد الزَّند يَصلد - بالكسر - صُلوداً: إذا صوت ولم يُخرج ناراً، وأصلد الرجل، أي: صلد زنده". قوله: (وقيل: الضمير لمكان الغارة)، قال الفراء: "الضمير في ﴿بِهِي﴾ للمكان الذي انتهى إليه، والموضع الذي تقع فيه الإغارة، لأن في قوله ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، دليلاً على أن الإغارة لا بد لها من موضع". وقال الواحدي: "يقال: وسطت المكان، أي: صرت في وسطه، يعني: صرن بعدوهن وسط جمع العدو".

стр. 9229

من قوله ﵇: (ما لم يكن نقع ولا لقلقة)، وقول لبيد: فمتى ينقع صراخ صادق أي: فهيجن في المغار عليهم صياحًا وجلبة. وقرأ أبو حيوه: (فأثرن) بالتشديد، بمعنى: فأظهرن به غبارًا؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار، أو قلب ثورن إلى وثرن، وقلب الواو همزة، وقرئ: (فوسطن) بالتشديد للتعدية، والباء مزيدة للتوكيد، كقوله: (وَأُتُوا بِهِ)] البقرة: ٢٥ [وهي مبالغة في وسطن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما لم يكن نقع ولا لقلقة)، وفي "الاستيعاب" قال: "بلغ عمر بن الخطاب، أن نسوة من نساء بني المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: وما عليهن أن يبكين أبا سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة". النهاية: "وفي حديث عمر ﵁: ما عليهم أن يسفكن من دموعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقع ولا لقلقة، يعني: خالد بن الوليد. النَّقع: رفع الصوت، وقيل: شق الجيوب، وقيل: وضع التراب على الرأس من النقع: الغبار، وهو أولى؛ لأنه قرن به اللَّقلقة، وهي الصوت، فحمل اللفظين على المعنيين أولى من معنى واحد". قوله: (فمتى ينقع صراخ صادق)، وتمامه في "الصحاح": يُحلبوه ذات جرس وزجل "الحلبة: خيل تُجمع للسباق من كل أوب، ولا تخرج من إصطبل واحد، كما يقال للقوم إذا جاؤوا من كل أوب للنُّصرة: قد أحلبوا". قوله: (وقرئ: "فوسطن" بالتشديد)، قال ابن جني: "قرأها علي ﵁ وابن أبي ليلى وقتادة، أي: أثرن باليد نقعاً، ووسطن بالعدو جمعاً، فأضمر المصدر لدلالة اسم الفاعل،

стр. 9230

وعن ابن عباس: كنت جالسًا في الحجر فجاء رجل فسألني عن (الْعادِياتِ ضَبْحاً) ففسرتها بالخيل، فذهب إلى علىّ وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت، فقال: ادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد (الْعادِياتِ ضَبْحاً) الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى؛ فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر، والثفر للثورة وما أشبه ذلك. وقيل: الضبح لا يكون إلا للفرس والكلب والثعلب. وقيل: الضبح بمعنى الضبع، يقال: ضبحت الإبل وضبعت إذا مدت أضباعها في السير، وليس بثبت. وجمع: هو المزدلفة. فإن قلت: علام عطف (فَأَثَرْنَ)؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كما أُضمر لدلالة الفعل عليه في قوله: من كذب كان شراً له، أي: كان الكذب شراً له. فأما "وسطن" بالتشديد، فعلى معنى: ميزن به جمعاً، أي: جعلنه شطرين، "قسمين، شقين". قوله: (إن كانت لأول غزوة)، "إن" مخففة من الثقيلة، واسم "كانت" ضمير الآية، و"بدر" خبر مبتدأ محذوف، غير منصرف في الأصح كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ [يوسف: ٩٩]، للعلمية والتأنيث. قوله: (والثَّفر للثورة)، الجوهري: "الثَّفر للسباع وكل ذات مخلب، بمنزلة الحياء من الناقة، وربما استعير لغيرها، قال الأخطل: جزى الله عنا الأعورين ملامة وفروة ثفر الثورة المتضاجم نصب "ثفر الثورة" بدلاً من "فروة" وهو لقبه، وخفض "المتضاجم" وهو من صفى الثفر على الجوار، كقولك: جُحر ضب خرب". وهو من الأضجم، أي: مُعوج الفم.

стр. 9231

قلت: على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه؛ لأنّ المعنى: واللاتي عدون فأورين، فأغرن فأثرن. الكنود: الكفور، وكند النعمة كنودًا، ومنه سمي: كندة؛ لأنه كند أباه ففارقه. وعن الكلبي: الكنود بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مضر وربيعة: الكفور، يعنى: أنه لنعمة ربه خصوصًا لشديد الكفران؛ لأن تفريطه في شكر نعمة غير الله تفريط قريب لمقاربة النعمة، لأن أجلّ ما أنعم به على الإنسان من مثله نعمة أبويه، ثم إن عظماها في جنب أدنى نعمة الله قليلة ضئيلة. (عَلى ذلِكَ) على كنوده، (لَشَهِيدٌ) يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره. وقيل: وإنّ الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد. (الْخَيْرِ) المال من قوله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً)] البقرة: ١٨٠] ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه)، الانتصاف: "والحكمة في مجيئه فعلاً تصوير هذه الأفعال في النفس؛ فإن التصوير يحصل بإيراد الفعل بعد الاسم، لما بينهما من التخالف، وهو أبلغ من التصوير بالأسماء المتباينة، وكذلك التصوير بالمضارع بعد الماضي". وقلت: وحظ هذا المقام من الفائدة، أنها إنما وصفت بالأوصاف الثلاث، ليرتب عليها ما قُصد من الظفر بالفتح وغلبة العدو، فأوقع الفعلين الماضيين مُسببين عن أسماء الفاعلين، فأفاد أن تلك المداومة إنما حققت هاتين البُغيتين. قوله: (لأن تفريطه) تعليل لقوله: "إنه لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران"، ومعنى الاختصاص مستفاد من تقديم معمول "لكنود" عليه، ومعنى الشدة من بناء "كنود" من "فعول"، وتصدر الجملة بإن واللام في الخبر. قوله: (تفريط قريب)، أي: غير مجاوز للحد، وقوله: "لمقاربة" تعليل لقوله: "قريب"؛ من قولهم: شيء مقارب ومؤام وأمم، أي: وسط بين الجيد والرديء. قوله: (﴿الْخَيْرِ﴾: المال)، الراغب: "الخير: ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع والشر ضده.

стр. 9232

والشديد: البخيل الممسك، يقال: فلان شديد ومتشدّد. قال طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى … عقيلة مال الفاحش المتشدد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: الخير ضربان: خير مطلق، وهو أن يكون مرغوباً فيه بكل حال، وعند كل أحد، كما ورد في وصف الجنة: "لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة". وخير وشر مقيدان، وهو أن يكون خيراً لواحد شراً لآخر، كالمال ربما كان خيراً لزيد وشراً لعمرو، ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين فقال في موضع: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: مالاً، وقال في آخر: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. وقال بعض العلماء: لا يقال للمال خير حتى يكون كثيراً ومن مكان طيب؛ روي أن علياً ﵁ دخل على مولى له، فقال له: ألا أوصي؟ قال: لا، لأن الله تعالى قال: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾، وليس لك مال كثير، وعلى هذا قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، أي: للمال الكثير. والاختيار طلب ما هو خير، وقد يقال لما يراه الإنسان خيراً وإن لم يكن خيراً. والمختار في عُرف المتكلمين، يقال لكل فعل يفعله الإنسان لا على سبيل الإكراه، فقولهم: هو مختار في كذا، فليس يريدون به ما يراد بقولهم: فلان له اختيار؛ فإن الاختيار أَخذ ما يراه الخير". قوله: (شديد ومُتشدد)، الراغب: "الشديد والمتشدد: البخيل، فالشديد يجوز أن يكون بمعنى مفعول كأنه شُد، كما يقال: غُل عن الأفضال، وإلى نحو هذا أشار بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. ويجوز أن يكون بمعنى فاعل كالمتشدد، كأنه شد صُرَّتَه". قوله: (أرى الموت يعتام) البيت، يعتام: يختار، وعقيلة كل شيء أكرمه، والفاحش: البخيل الذي جاوز الحد في البخل. يقول: أرى الموت يختار كرام الناس، وكرائم الأموال التي يُضن بها.

стр. 9233

يعني: وإنه لأجل حب المال، وأن إنفاقه يثقل عليه، لبخيل ممسك. أو أراد بالشديد: القوى، وأنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوى مطيق، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس. تقول: هو شديد لهذا الأمر، وقوىّ له: إذا كان مطيقًا له ضابطًا. أو أراد: أنه لحب الخيرات غير هش منبسط، ولكنه منقبض. (بُعْثِرَ) بعث. وقرئ: بحثر وبحث، وبحثر، وحصل على بنائهما للفاعل. وحصل: بالتخفيف. ومعنى (حُصِّلَ) جمع في الصحف، أي: أظهر محصلًا مجموعًا. وقيل: ميز بين خيره وشره، ومنه قيل للمنخل: المحصل. ومعنى علمه بهم يوم القيامة: مجازاته لهم على مقادير أعمالهم؛ لأنّ ذلك أثر خبره بهم. وقرأ أبو السمال: (إنّ ربهم بهم يومئذ خبير). عن رسول الله ﵌: «من قرأ سورة "والعاديات"، أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعاً». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعنى "حُصل" جُمع في الصحف، أي: مُحصلاً مجموعاً)، الراغب: "التحصيل: إخراج اللُّب من القشور، كإخراج الذهب من حجر المعدن، والبُّر من التبن، قال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، أي: أُظهر ما فيها وجُمع، كإظهار اللُّب من القشر وجمعه، أو كإظهار الحاصل من الحساب. وحوصلة الطير: ما يحصل فيه الغذاء؟ . قوله: (ومعنى علمه بهم يوم القيامة)، قيل: فيه إشارة إلى أن قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾، وهو العامل في "إذا" ومفعولاه محذوفان، أي: أفلا يعلمهم عاملين ما عملوا إذا بُعثر؟ أي: أفلا يجازيهم إذا بعثر؟ أو يقول: أُجري العلم مجرى الفعل اللازم، أي: أفلا يكون له العلم في هذه الحال؟ أي: أفلا يجازيهم حينئذ؟ يعني: يُجازيهم؛ ثم حقق ذلك بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾.

стр. 9234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: "العامل في ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾: "يعلم"، وقيل: العامل فيه ما دل عليه خبر "إن"، وهو "لخبير". والمعنى: إذا بُعثر جُوزوا". وقال صاحب "الكشف": "لا يجوز أن يعمل فيه "لخبير" بنفسه، لأن ما بعد "إن" لا يعمل فيما قبله". الجوهري: "يقال: من أين خبرت هذا الأمر؟ أي: من أين علمت؟ والاسم: الخُبر بالضم، وهو العلم بالشيء، والخبير: العالم". قال الإمام: "دلت هذه الآية على أنه تعالى عالم بالجزيئات الزمانيات وغيرها، لأنه تعالى نص على كونه عالماً بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم، فكيف لا يكون منكره كافراً؟ ". [تمت السورة] * … * … *

стр. 9235

سورة القارعة مكية، وهي عشر آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ)] ١ - ١١ [ الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة، أي: تقرع (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار؛ قال جرير: إنّ الفرزدق ما علمت وقومه … مثل الفراش غشين نار المصطلي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة القارعة مكية، وهي عشر آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (إن الفرزدق) البيت، ما علمت: أي الذي علمته، وهي معترضة. يهجوه وقومه،

стр. 9236

وفي أمثالهم: أضعف من فراشةٍ وأذل وأجهل، وسمى فراشًا لتفرّشه وانتشاره. وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألوانًا؛ لأنها ألوان، وبالمنفوش منه؛ لتفرق أجزائها. وقرأ ابن مسعود: (كالصوف). الموازين: جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، أو جمع ميزان. وثقلها: رجحانها؛ ومنه حديث أبى بكر لعمر رضى الله عنهما في وصيته له: (وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلا الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه لاتباعهم الباطل وخفتها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلا السيئات أن يخف) (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمّه؛ لأنه إذا هوى أي: سقط وهلك، فقد هوت أمّه ثكلًا وحزنًا قال: هوت أمّه ما يبعث الصّبح غاديا … وماذا يردّ اللّيل حين يثوب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: إنهم ضعفاء أذلاء جهلاء، أمثال الفراش غشين، أي: حضرن في غشوة الليل نار الذي يصطلي بها الشاعر وهو جرير. وقيل: غشين: اقتحمن. قيل: "ما" في "ما علمت": مصدرية، والمدة معه مقدرة، أي: أن الفرزدق وقومه دوام علمي بهم ضعفاء. قوله: (ومنه حديث أبي بكر ﵁، الحديث رواه صاحب "جامع الأصول"، عن رزين العبدري، وذكرناه بتمامه في "الأعراف". قوله: (هوت أمه) البيت، قائله: كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه. ما يبعث، من المبعث: من النوم، والغادي: الذي يغدو، وهو حال. وهوت أمه: دعاء لا يراد به الوقوع، بل التعجب والمدح، أي: أي شيء يبعث الصُّبح منه حين يغدو، وأي شيء يرد الليل منه

стр. 9237

فكأنه قيل: وأما من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: (هاوِيَةٌ) من أسماء النار، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار فيها مهوى بعيدًا، كما روى: (يهوى فيها سبعين خريفا) أي: فمأواه النار. وقيل: للمأوى: أمّ، على التشبيه؛ لأنّ الأمّ مأوى الولد ومفزعه. وعن قتادة: فأمّه هاوية، أي: فأمّ رأسه هاوية في قعر جهنم، لأنه يطرح فيها منكوسًا. (هِيَهْ) ضمير الداهية التي دلّ عليها قوله: (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) في التفسير الأوّل، أو ضمير (هاوية) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حين يرجع، وحُذف لفظة "منه" في الموضعين لدلالة الكلام عليها، كما حُذف من قوله: السمن منوان بدرهم، وفيه معنى التجريد، أي: يبعث الصبح منه مغيراً والليل غانماً. قوله: (سبعين خريفاً)، عن بعضهم: عُبر بالخريف عن السنة، لأن الثمار والزروع تنمو في هذا الوقت، ويُعبر بآخر الوقت عن كله. قوله: (في التفسير الأول)، أي: إذا فُسر "أمه هاوية" بالدعاء، ومن قولهم: هوت أمه؛ وإنما جُعل الضمير للداهية، لأن الشخص إذا سقط وهلك وصارت أمه ثكلى وخزيا، فقد أصابته الداهية. وعلى التفسير الثاني: أمه بمعنى المأوى، و ﴿هَاوِيَةٌ﴾ من أسماء النار. وأظهر التفسيرين الأول، لأن ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ مقابل لقوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، والهلاك أنسب إلى العيش لأنه الحياة المختصة بالحيوان، فكما بولغ في القرينة التالية بما أردف به، بولغ في السابقى بالإسناد المجازي. الراغب: "العيش: الحياة المختصة بالحيوان، وهو أخص من الحياة، لأن الحياة تقال في الحيوان، وفي الباري تعالى، وفي الملك، ويُشتق منه المعيشة لما يتعيش منه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقال في أهل الجنة: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، وقال? في الحديث: "لا عيش إلا عيش الآخرة".

стр. 9238

والهاء للسكت، وإذا وصل القارئ حذفها. وقيل: حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج؛ لأنها ثابتة في المصحف، وقد أجيز إثباتها مع الوصل. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "القارعة"، ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والهاء للسَّكت، وإذا وصل القارئ حذفها)، قال في "المرشد": ﴿مَا هِيَهْ﴾: وقف كاف. وقال أبو حاتم: وقف جيد، ثم فُسر بقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. والله أعلم. [تمت السورة] * … * … *

стр. 9239

سورة التكاثر مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)] ١ - ٨ [. ألهاه عن كذا وأقهاه: إذا شغله. و (التَّكاثُرُ) التباري في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، وهؤلاء: نحن أكثر. روى أن بني عبد مناٍف وبني سهٍم تفاخروا أيهم أكثر عددًا، فكثرهم بنو عبد مناف فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادّونا بالأحياء والأموات، فكثرتهم بنو سهم ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة التكاثر مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (فكثرتهم بنوسهم)، أي: غلبوهم بالكثرة، من قولهم: كاثرته فكثرته. والتكاثر تكلف الكثرة مالاً وعدداً.

стр. 9240

والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات؛ عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكمًا بهم. وقيل: كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلاٍن وهذا قبر فلاٍن عند تفاخرهم. والمعنى: ألهاكم ذلك وهو مما لا يعنيكم ولا يجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم عما يعنيكم من أمر الدين الذي هو أهم وأعنى من كل مهم. أو أراد: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم، منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاستباق إليها والتهالك عليها، إلى أن أتاكم الموت لا همّ لكم غيرها، عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم والعمل لآخرتكم. وزيارة القبور: عبارة عن الموت؛ قال: لن يخلص العام خليل عشرا … ذاق الضّماد أو يزور القبرا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات)، فعلى هذا، ﴿الْمَقَابِرَ﴾ كناية عن الانتقال من ذكر الأحياء إلى ذكر الأموات تفاخراً؛ وإنما كان تهكماً، لأن زيارة القبور شُرعت لتذكر الموت، ورفض حب الدنيا، وترك المباهاة والتفاخر. وهؤلاء عكسوا، جيث جعلوا زيارة القبور سبباً لمزيد القسوة، والاستغراق في حب الدنيا، والتفاخر في الكثرة. روينا عن مسلم وأبي داود والنسائي، عن بريدة قال: قال رسول الله? : "نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها". وفي رواية أبي داود: "فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة". قوله: (أو أراد: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم)، فحاصل الوجوه الثلاثة راجع إلى أن المراد بالزيارة، إما الانتقال من الذكر إلى الذكر، أو إلى حقيقة الزيارة، أو إلى الموت. و"مُنفقين" حال من ﴿أَلْهَاكُمُ﴾، و"عما هو أولى بكم" متعلق بألهاكم. قوله: (لن يخلص العام)، البيت قال في "الفائق": "ضمد المرأة جمعها واتخاذها

стр. 9241

وقال: زار القبور أبو مالك … فأصبح الأمّ زوّارها وقرأ ابن عباس: (أألهاكم)؟ على الاستفهام الذي معناه التقرير. (كَلَّا): ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخليلين"، قال أبو ذؤيب: تُريدين كيما تضمديني وخالداً وهل يُجمع السيفات ويحك في غمد قائله: مقداد بن حسان الزُّبيري، قبله: إني رأيت الضَّمد شيئاً نُكرا وكانت المرأة في الجاهلية تتخذ سوى زوجها خليلاً، وهو الضَّمد. قوله: (عشراً)، أي: عشر ليال، وروي بكسر العين، أي: معاشرة، والمعاشرة: المخالطة، وكذلك التعاشر، والاسم: العِشرة. والخليل: الزوج. المعنى: لن يُخلص زوج معاشرة امرأة عشر ليال، إلا أن يموت. ذاق الضماد: صفة الخليل. قوله: (﴿كَلَّا﴾: ردع وتنبيه)، أي: رد للكلام السابق، وتنبيه على ما دل عليه الكلام التالي، فاعتبر في ﴿كَلَّا﴾ كلا مفهوميه، قال الإمام: "كلا: متصل بما قبله على وجه الرد والتكذيب، أي: ليس الأمر كما يتوهمه هؤلاء من أن السعادة الحقيقية بكثرة العدد والأموال

стр. 9242

(سَوْفَ تَعْلَمُونَ) إنذار ليخافوا فينتبهوا من غفلتهم. والتكرير: تأكيد للردع والإنذار عليهم. و (ثُمَّ) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأوّل وأشد، كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل، والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدّامكم من هول لقاء الله، وإنّ هذا التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم. ثم كرّر التنبيه أيضًا وقال: (لَوْ تَعْلَمُونَ) محذوف الجواب، يعنى: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، أي: كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور التي وكلتم بعلمها هممكم، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأولاد، ومتصل بما بعده على معنى: حقاً سوف تعلمون، لكن حين يصير الفاسق تائباً، والكافر مسلماً، والحريص زاهداً". وفي كلام المصنف إشعار بهذين المعنيين. الكواشي: "الوقف على ﴿الْمَقَابِرَ﴾: تام، إن جعل ﴿كَلَّا﴾ تنبيهاً، وإن جعل ردعاً، الوقف على ﴿كَلَّا﴾ ". فإن قلت: على ما ذهب إليه المصنف، يلزم استعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه المخالف. قلت: ليس كذلك؛ إذ المراد أنه إذا ابتدئ بها وقع الاستئناف عندها، فيقدر السؤال: فما جزاء هؤلاء الغفلة، وما يقال في حقهم؟ فيجاب: حقاً سيعلمون مآل حالهم حين يرون الجحيم، ففي الكلام ردع من حيث المعنى. وإذا وُقف عليها يقع السؤال بعدها، أي: فما يُفعل بهؤلاء المطرودين الذين ارتدعوا؟ فيقال: سوف يعلمون ما يُفعل بهم حين يرون الجحيم؛ فالكلام مستلزم للتنبيه من حيث المعنى. قال صاحب "المرشد": "حتى زرتم المقابر: وقف تام، وتبتدئ ﴿كَلَّا﴾ في معنى التهديد والوعيد". قوله: (يعني: لو تعلمون ما بين أيديكم)، قيل: المراد بالعلم هاهنا: هو علم الشيء في نفسه، لا علمه على صفته.

стр. 9243

لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه؛ ولكنكم ضلال جهلة؛ ثم قال: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) فبين لهم ما أنذرهم منه وأوعدهم به؛ وقد مرّ ما في إيضاح الشيء بعد إبهامه من تفخيمه وتعظيمه، وهو جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد، وأن ما أوعدوا به ما لا مدخل فيه للريب؛ وكرره معطوفًا بثم تغليظا في التهديد وزيادة في التهويل. وقرئ: (لترؤن) بالهمز وهي مستكرهة. فإن قلت: لم استكرهت والواو المضمومة قبلها همزة قياس مطرد؟ قلت: ذاك في الواو التي ضمتها لازمة، وهذه عارضة لالتقاء الساكنين. وقرئ: (لترون) و (لترونها) على البناء للمفعول، (عَيْنَ الْيَقِينِ) أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته. ويجوز أن يراد بالرؤية: العلم والإبصار (عَنِ النَّعِيمِ) عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ذاك في الواو التي ضمتها لازمة)، قال الزجاج: "القراءة: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾، بضم الواو غير مهموز، فضمت الواو لسكونها وسكون النون، وقد همزها بعضهم، والنحويون يكرهونها لأن ضمتها غير لازمة، لأنها حُركت لالتقاء الساكنين، ويهمزون الواو التي ضمتها لازمة، نحو: أدؤُر، جمع دار، ويجوز: أَدْوُر أيضاً". قوله: (وقرئ: "لَتُرَونّ")، ابن عامر والكسائي: بضم التاء، والباقون: بفتحها. ولا خلاف في السبعة في قوله: ﴿لَتَرَوُنَّهَا﴾ بفتح التاء. قوله: (﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾: أي: الرؤية التي هي نفس اليقين)، قيل: أراد أن ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ نُصب على المصدر، والعين هاهنا بمعنى نفس الشيء، كقولك: جاء زيد نفسه وعينه. والصواب أن الرؤية هاهنا بمعنى الإبصار لا العلم.

стр. 9244

فإن قلت: ما النعيم الذي يسأل عنه الإنسان ويعاتب عليه؟ فما من أحد إلا وله نعيم؟ قلت: هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقهما؛ فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوّى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر، فهو من ذاك بمعزل؛ وإليه أشار رسول الله ﷺ فيما يروى: أنه أكل هو وأصحابه تمرًا وشربوا عليه ماًء فقال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». عن رسول الله ﷺ : «من قرأ (ألهاكم التكاثر) لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطى من الأجر كأنما قرأ ألف آية». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: هذا هو الذي أراده بقوله: "ويجوز أن يراد بالرؤية العلم والإبصار"، على العطف التفسيري. وقال القاضي: "عين اليقين: الرؤية التي هي نفس اليقين؛ فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين". وقال شيخنا شيخ الإسلام قُدس سِره في "العوارف": "علم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وعين اليقين ما كان من طريق الكشوف والنوال، وحق اليقين ما كان بتحقيق الانفصال عن لوث الصلصال، بورود رائد الوصال. وقال الجنيد: حق اليقين ما يتحقق العبد بذلك، وهو أن يُشاهد الغيوب كما يشاهد المرئيات مشاهدة عيان". قوله: (هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات)، قال القاضي: "الخطاب بقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، مخصوص بكل من ألهاه دُنياه عن دينه، لا بالمؤمنين للقرينة

стр. 9245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنصوص الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقيل: مخصوص بالكفار، وقيل: عام؛ إذ كل يُسأل عن شُكره". وقلت: ويعضده ما روينا عن مسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة: خرج رسول الله? ، فإذا هو بأبي بكر وعمر ﵄، فقال: ما أخرجكما عن بيتكما؟ قالا: الجوع. قال: وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما. فجاؤوا بيت أنصاري، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورُطب وذبح لهم، فأكلوا من الشاة والعِذق وشربوا، فلما أن شبعوا وَرَوَوا، قال رسول الله? لهما: "والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة". الحديث مختصر. وروى الواحدي عن مقاتل: "يعني كفار مكة، كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامو عن شُكر ما كانوا فيه ول يشكروا رب النعم، حيث عبدوا غيره وأشركوا به، ثم يُعذبون. هذا قول الحسن". وقلت: ويؤيده أن الخطاب من أول السورة مع المتكاثرين والمتباهين وهم كفرة، على ما سبق. ولما كان الاشتغال بنعيم الدنيا من صفات الغافلين، ويجب على المؤمن أن يجتنب عن رذائل الأخلاق، غلظ رسول الله? حيث قال: لتُسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، لا أنه صلوات الله عليه فسر الآية بما قال. تمت * … * … *
следующие страницы →