← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يَتِيمًا فَآوَى﴾، موقع الحكم الذي ترتب على الوصف المناسب، فيجب المداومة عليه، لأن معنى "أما" الشرطية على تفسير سيبويه، في نحو قولهم: أما زيد فذاهب، هو: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب. وفائدته التوكيد، يعني أنه لا محالة ذاهب، وأنه منه عزيمة، ولذلك قال: "وعلى ما خَيَّلت، أي: النفس، فلا تنس رحمة الله". وقيل: فاعل "ما خَيَّلت" الحال، أي: على أي حال كنت، يقولون: افعل على ما خَيَّلته، أي: ما شُبهت الحال. واعلم أن في كلامه إشعاراً بأن قوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، جاء مقابلاً لقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، مقابلاً لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، لقوله: "وترحم على السائل كما رحمك ربك فأغناك". وأما قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فجيء على العموم، فدخل تحته مفهوم القرينة الثانية، وهو قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ أول شيء، وإليه الإشارة بقوله: "وحدث بنعمة الله كلها، ويدخل تحته هدايته الضلال، وتعليمه الشرائع والقرآن، مقتدياً بالله في أن هداه من الضلال". وقلت: الظاهر أن المراد بالسائل طالب العلم لا المستجدي، ولذلك أتى بكلمة التنبيه وحرف الاستدراك في قوله: "أما إنه ليس بالسائل المستجدي، ولكن طالب العلم"؛ فالجمل الثلاث المصدرة بـ "أما"، كالتفصيل لتلك الحالات الثلاث على الترتيب، ولذلك أتى بالفاء في الأولى، وعطف الآخران عليها بالواو. نعم، الثالثة من الجوامع التي تشتمل على المذكورات وغير المذكورات. ويؤيد هذا التأويل، ما رواه الإمام عن الحسن أنه قال: "المراد من السائل من يسأل العلم، ونظيره من وجه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١]، وحينئذ يحصل الترتيب،

стр. 9172

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأنه تعالى قال أولاً: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، ثم اعتبر هذا الترتيب فأوصاه برعاية حق اليتيم، ثم برعاية من يسأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه". فإن قلت: ما الحكمة في تأخير حق الله عن حق اليتيم والسائل؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها كأنه يقول: أنا غني وهما محتاجان، وتقديم المحتاج أولى. وثانيها أنه وضع في حظهما الفعل ورضي لنفسه بالقول. وثالثها أن المقصود من جميع الطاعات استغراق القلب في ذكر الله فختمت به. وأُوثر ﴿فَحَدِّثْ﴾ على "فخبِّر"، ليكون ذلك عنده حديثاً لا ينساه، ويوجده ساعة غب ساعة؛ قاله الإمام. تمت السورة * … * … *

стр. 9173

سورة (ألم نشرح) مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)] ١ - ٤ [ استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك؛ ولذلك عطف عليه (وضعنا) اعتبارًا للمعنى. ومعنى: شرحنا صدرك: فسحناه حتى وسع هموم النبوّة ودعوة الثقلين جميعًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (فأفاد إثبات الشرح وإيجابه)، أي: أنكر عدم الشرح، فإذا أنكر ذلك ثبت الشرح، لأن الهمزة للإنكار، والإنكار نفي، والنفي إذا دخل على النفي عاد إثباتاً، ولا يجوز جعل الهزة للتقرير. قوله: (فسحناه حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين جميعاً)، فإن قلت: لم فسر هاهنا شرح الصدر أجمع وأشرح من تفسيره في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]، حيث قال: "لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي، عرف أنه كُلف أمراً عظيماً وخطباً جسيماً،

стр. 9174

أو حتى احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم، أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل. وعن الحسن: مليء حكمةً وعلمًا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره؟ ". قلت: إن الهموم بقدر الهمم، ونعم ما قال الصاحب: وقائلة لم عزتك الهموم وأمرك ممتثل في الأمم؟ فقلت: ذريني على غُصتي فإن الهموم بقدر الهمم ولكل مقام مقال؛ فإن الكليم حين بعث إلى فرعون الطاغي، طلب الانشراح كما قال: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٤ - ٢٥]، والحبيب لما طُلب إلى مقام ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]، قيل له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، كما يجيء في حديث مالك بن صعصعة. وقال جعفر الصادق: "ألم نشرح لك صدرك لمشاهدتي ومُطالعتي. وقال ابن عطاء: ألم نخل سرك عن الكل، فغبت عن مشاهدة الكون وما سوى الحق، فشرح صدرك للنظر، وشرح صدر موسى للكلام. وقال سهل: ألم نوسع صدرك بنور الرسالة، فجعلناه معدناً للحقائق". قوله: (وعن الحسن: مُلئ حكمة وعلماً)، لعله يشير إلى ما رويناه عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن مالك بن صعصعة، عن النبي? : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، فأُتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم، فشُرح صدري إلى كذا وكذا. قال قتادة: يعني لأنس: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، قال: فاستخرج قلبي فغُسل بماء زمزم، ثم أُعيد مكانه، ثم حُشي إيماناً وحكمة، ثم أُتي بدابة دون البغل وفوق الحمار" الحديث بطوله.

стр. 9175

وعن أبي جعفر المنصور أنه قرأ: (ألم نشرح لك) بفتح الحاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الإمام: "لا يبعد أن يكون حصول الدم الأسود الذي غسلوه من قلبه صلوات الله عليه، علامة الميل والركون إلى المعاصي والتحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة كون صاحبة مواظباً على الطاعات محترزاً عن السيئات، يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد". الراغب: " أصل الشرح بسط اللحم ونحوه، يقال: شرحت اللحم وشرحته، ومنه شرح الصدر، وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه". قوله: (قرأ: "ألم نشرح" بفتح الحاء)، أصله: "نشرحن"، فحذف وأبقى فتحة الحاء دليلاً على النون في "المنتقى"، قال ابن جنى: "رويت عن أبي جعفر المنصور: "ألم نشرح"، بفتح الحاء، قال ابن مجاهد: "هذا غير جائز أصلاً". وقال ابن جني: "ظاهر الأمر ومألوف الاستعمال ما ذكره ابن مجاهد، لكن جاء مثل هذا فيما قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يُقدر أم يوم قُدر؟ قيل: أراد: لم يُقدرن، بالنون الخفيفة، وحذفها عندنا غير جائز، لأن نون التأكيد أشبه شيء به الإسهاب والإطناب، لا الإيجاز والاختصار. وفي نوادر أبي زيد أيضاً بيت آخر، ويقال إنه مصنوع، وهو قوله: اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس

стр. 9176

وقالوا: لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها، فظنّ السامع أنه فتحها، والوزر الذي أنقض ظهره أي: حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله مثل لما كان يثقل على رسول الله ﷺ ويغمه من فرطاته قبل النبوّة، أو من جهله بالأحكام والشرائع، أو من تهالكه على إسلام أولى العناد من قومه وتلهفه. ووضعه عنه: أن غفر له، أو علم الشرائع، أو مهد عذره بعد ما بلغ وبالغ ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أراد: اضربن، بالنون الخفيفة، وحذفها". قوله: (وهو صوت الانتقاض والانفكاك)، وفي "الصحاح": "أنقض الحمل ظهره، أي: أثقله. وأصله الصوت، والنقيض: صوت المحامل والرّحال". الراغب: "أنقض ظهره: أي: كسره حتى صار له نقيض، ونقيض المفاصل صوتها. والظهر استعارة تشبيهاً للذنوب بالحمل الذي ينوء بحامله". قوله: (ووضعه عنه: أن غفر له)، مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على مثلها وهي قوله: "والوزر مثل"، أي: استعارة مسبوقة بالتشبيه، فيكون ﴿وَوَضَعْنَا﴾ ترشيحاً لها، لأنه وصف مناسب للمستعار منه. هذا هو المعنى بقوله: "ووضعه عنه: أن غُفر له" إلى آخره؛ فإذا استعير الوزر للذنب، فالمناسب أن يُحمل الترشيح على معنى الغفران، وإذا استعير للجهل بالأحكام، فالملائم أن يجري على تعليم الشرائع، وإذا حُمل على تهالكه صلوات الله عليه على إسلامهم، فالموافق أن يُتأول بتمهيد العُذر، أي: لا تحرص على هداهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، لأنك بالغت في التبليغ، وألزمت عليهم الحجة، ففيه لف ونشر.

стр. 9177

وقرأ أنس: (وحللنا وحططنا). وقرأ ابن مسعود: (وحللنا عنك وقرك). ورفع ذكره: أن قرن بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وفي غير موضع من القرآن (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)] التوبة: ٦٢ [، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)] النساء: ١٣ [، (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)] المائدة: ٩٢ [وفي تسميته رسول الله ونبى الله؛ ومنه ذكره في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به. فإن قلت: أي فائدة في زيادة (لك)، والمعنى مستقل بدونه؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ أنس: "وحللنا وحططنا")، عن ابن جني، "قال أبان: قلت لأنس: يا أبا حمزة: ﴿وَوَضَعْنَا﴾؟ قال: "وضعنا" و"حللنا" و"حططنا" سواء. إن جبريل ﵇ أتى النبي? ، قال: اقرأ على سبعة أحرف، ما لا تخلط مغفرة بعذاب، وعذاباً بمغفرة". قلت: قد جاء عن مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي، عن أنس في حديث طويل، وفي آخره: "ثم قال: ليس منها إلا شافٍ كافٍ؛ إن قلت: سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحن بعذاب". قوله: (وفي تسميته رسول الله ونبي الله)، قال جعفر: "لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية، وقال ابن عطاء: جعلت تمام الإيمان بي بذكرك معي". قوله: (والأخذ على الأنبياء وأُممهم أن يؤمنوا به)، لعله أراد ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].

стр. 9178

قلت: في زيادة (لك) ما في طريقة الإبهام والإيضاح، كأنه قيل: (ألم نشرح لك)، ففهم أن ثم مشروحًا، ثم قيل: (صدرك)، فأوضح ما علم مبهمًا، وكذلك (لَكَ ذِكْرَكَ) و (عَنْكَ وِزْرَكَ). (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)] ٥ - ٦ [ فإن قلت: كيف تعلق قوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) بما قبله؟ قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله ﷺ والمؤمنين بالفقر والضيقة، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في زيادة ﴿لَكَ﴾). قال المصنف ﵀: "يحتمل أن يكون ﴿لَكَ﴾ زيادة للاختصاص، كما في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وإن كان المعنى مستقلاً بـ "نعبدك"، وأن يكون من قبيل الأهم فالأهم". وقال السيد ابن الشجري في "الأمالي": "اللام في ﴿لَكَ﴾ لام العلة، نحو قولك: فعلت ذلك لإكرامك، فإن حذفتها قلت: فعلته إكرامك، وإن حذفت المصدر رددت اللام فقلت: فعلت ذلك لك؛ فالمعنى: ألم نشرح لهُداك صدرك؟ كما قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فلما حُذف المصدر وجب إثبات اللام. وكذلك قوله: "ورفعنا لك ذكرك"، أي: رفعنا لتشريفك ذكرك". قوله: (كان المشركون يُعيرون)، تلخيصه: أن قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، سبب نزوله أن المشركين كانوا يُعيرون رسول الله? والمؤمنين بالفقر، فاهتم لذلك رسول الله? ، فأُزيل ذلك بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، فدل الاستفهام على إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته، يعني: ألم تر كيف فعل الله بك في بدء أمرك من انشراح الصدر والرفع من الذكر، وأنت غير عالم حينئذ بشيء مما تعلمه الآن، وأنت يومئذ خامل الذكر، ففعلنا بك ما فعلنا، فقس على ذلك ولا تهتم بتعييرهم لك وللمؤمنين بالفقر، فإن مع العسر يسراً.

стр. 9179

حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) كأنه قال: خوّلناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرًا. فإن قلت: (إِنَّ مَعَ) للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله يصيبهم بيسٍر بعد العسر الذي كانوا فيه بزماٍن قريب، فقرّب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادةً في التسلية وتقوية القلوب. فإن قلت: ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود ﵄: "لن يغلب عسر يسرين"، وقد روى مرفوعًا: أنه خرج ﷺ ذات يوم وهو يضحك ويقول: «لن يغلب عسر يسرين»؟ قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوّة الرجاء، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه، والقول في أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد روي مرفوعاً)، روى مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم، قال: "كتب أبو عُبيدة إلى عمر بن الخطاب ﵄، يذكر له جموعاً من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر ﵁: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن شدة، يجعل الله بعده فرجاً، ولن يغلب عسر يُسرين". قوله: (هذا عمل على الظاهر)، والمعنى بالظاهر: اللفظ المحتمل الراجح أحد محتملاته بقرينة ناهضة، يعني: ما ذكروه عمل بالظاهر؛ فإن ما في التنزيل يحتمل التكرير والاستئناف، والقرينة التي ترجح أحد الاحتمالين، أي: الاستئناف لأنه أوفاهما وأبلغهما، هي أن مبنى "أن موعد الله لا يُحمل إلا على أوفى الاحتمالين"، عطف تفسيري على قوله: "وبناء على قوة الرجاء"، وهو على "عمل بالظاهر" كذلك. وقوله: "والقول فيه" إلى آخره، بيان للاحتمالين.

стр. 9180

تكريرًا للأولى كما كرر قوله: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)] الطور: ١١ [لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدةً بأنّ العسر مردوف بيسٍر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأنّ العسر متبوع بيسر، فهما يسران على تقدير الاستئناف، وإنما كان العسر واحدًا لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو؛ لأنّ حكمه حكم زيٍد في قولك: إن مع زيٍد مالًا، إن مع زيٍد مالًا. وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضًا. وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفًا غير مكرر، فقد تناول بعضًا غير البعض الأوّل بغير إشكال. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا، لو لم يكرر - كما هي قراءة ابن مسعود، - أفاد المراد المقصود، وذلك أن التنكير في ﴿يُسْرًا﴾، يحتمل أن يراد منه بعض من اليسر، وأن يراد منه التفخيم، ولما كان بناء الأمر على قوة الرجاء، رُجح الثاني. والفرق بين هذا والأول أن دلالة الأول على المراد بالوضع كما سيجيء، ودلالة الثاني عليه باللزوم والكناية؛ فإن التفخيم في ﴿يُسْرًا﴾، اقتضى أن يتناهي في، ولو لم يكن متناهياً فيه، إذن لم يُرد به يسر الدارين، ولزم من ذلك تعدد اليُسر، وأن يقال: "لن يغلب عسر يسرين"، وإليه الإشارة بقوله: "وذلك يُسران في الحقيقة". وإذا ذُهب إلى هذا المعني في التكرير، كان أبلغ من الاستئناف، ولولا التنبيه بالأثر والحديث على هذه اللطيفة، لم يفهم ذلك. ويمكن أن يقال: لما كان ورود الآية في حق الصحابة الكرام، ووعداً لهم بالفرج بعد الشدة، أوجب أن يُحمل على يسر الدارين: أما في الدنيا، فبالغنى بعد الفقر، والقوة بعد الضعف، وبالعز بعد الذل. وأما في الآخرة، فلا كلام فيه. قوله: "وإنما كان العسر واحداً)، إلى آخره، اعلم أن لام التعريف عند المحقيين موضوعة للإشارة والعهد، قال صاحب "التخمير": "اعلم أن اللام لنفس الإشارة، لكن الإشارة

стр. 9181

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقع تارة إلى فرد لمخاطبك به عهد، وأخرى إلى جنس؛ فمعنى اللام واحد على كل حال فاعرفه؛ فإن غلط الناس فيه عظيم، وهي فائدة مذهبية". قلت: فإذن لا بد له من تقدم مشار إليه، فإذا جاء في الكلام ما يصلح أن يكون مشاراً إليه بأي وجه كان، تعين له، قال البزدوي: "اللام المعرفة للعهد، وهو أن يذكر شيئاً ثم يعاوده، فيكون الثاني هو الأول، مثاله قول علمائنا فيمن أقر بألف مقيداً بقيد، ثم أقر به كذلك أن الثاني هو الأول، وإذا كان كل واحد منهما نكرة، جاء الخلاف في أن اتحاد المجلس شرط لأن يكون الثاني عين الأول، فعند أبي حنيفة ﵀: نعم، وعند أبي يوسف: لا". وروى صاحب "المطلع" عن الفراء، أن العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة مثلها صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهماً فأنفق درهماً، فالثاني غير الأول، فإذا أعادتها معرفة فهي هي. وذكر الزجاج نحوه. وقال السيد في "الأمالي": "وإنما كان "العسر" معرفاً و"اليسر" منكراً، لأن الاسم إذا تكرر منكراً فالثاني غير الأول، كقولك: جاءني رجل فقلت لرجل: كذا وكذا، وكذلك إن كان الأول معرفة والثاني نكرة، نحو: حضر الرجل، فقلت لرجل: كيت وكيت؛ فإن كان الأول نكرة والثاني معرفة، فالثاني هو الأول، وكذلك ذكر المعرفة بعد المعرفة، نحو: حضر الرجل. فأكرمت الرجل، ولذلك قال ابن عباس: (لن يغلب عسر يسرين) ".

стр. 9182

فإن قلت: فما المراد باليسرين؟ قلت: يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله ﷺ وما تيسر لهم في أيام الخلفاء، وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة، كقوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)] التوبة: ٥٢ [وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب. فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ قلت: التفخيم، كأنه قيل: إن مع العسر يسرًا عظيمًا وأاي يسر، وهو في مصحف ابن مسعوٍد مرةً واحدة. فإن قلت: فإذا ثبت في قراءته غير مكرر، فلم قال: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ قلت: كأنه قصد باليسرين: ما في قوله: (يُسْراً) من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدارين، وذلك يسران في الحقيقة. [(فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ)] ٧ - ٨ [. فإن قلت: فكيف تعلق قوله: (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) بما قبله؟ قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة ووعده الآنفة، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع ويحرص على أن لا يخلى وقتًا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى. وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما معنى هذا التنكير؟ )، دل الفاء على إنكار، يعني: إذا أُريد باليسرين ما ذكرت من الوجهين، فالواجب أن يجاء بهما معرفتين، فما معنى التنكير؟ قوله: (فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء)، عطف على قوله: "فإذا فرغ من عبادة ذَنَّبَها بأخرى"، فقوله ﴿فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ كلاهما مطلقان؛ يجوز أن يجريا على إطلاقهما بأن

стр. 9183

وعن الحسن: فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة. وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك. وعن الشعبي: أنه رأى رجلًا يشيل حجرًا فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، وقعود الرجل فارغًا من غير شغل، أو اشتغاله بما لا يعنيه في دينه أو دنياه، من سفه الرأي وسخافة العقل واستيلاء الغفلة، ولقد قال عمر ﵁: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغًا سبهللًا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة. وقرأ أبو السمال: فرغت بكسر الراء وليست بفصيحة. ومن البدع: ما روى عن بعض الرافضة أنه قرأ: (فانصب) بكسر الصاد، أي: فانصب عليًا للإمامة؛ ولو صح هذا للرافضي لصح للناصبي أن يقرأ هكذا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقال: فإذا فرغت من عبادة ذنبها بأخرى. وأن يُخصصا بالصلاة والدعاء لأن الصلاة أفضل العبادات والدعاء مخها، أو بالغزو والعبادة كما قيل: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، أو بالدنيا والصلاة، لأن الفراغ أكثر ما يستعمل في الأمور الدنيوية، ومنه الحديث: "فراغك قبل شُغلك"، وهذه الرواية مذكورة في "شرح السنة" عن مجاهد. قوله: (فارغاً سَبَهللاً)، النهاية: "في حديث عمر ﵁: "إني لأكره أن أرى أحدكم سَبَهللاً، لا في عمل دنياً ولا في عمل آخرة". التنكير في "دنيا" و"آخرة" يرجع إلى المضاف إليهما، وهو العمل، كأنه قال: لا في عمل من أعمال الدنيا، ولا في عمل من أعمال الآخرة. يقال: جاء يمشي سَبَهللا، إذا جاء وذهب فارغاً في غير شيء".

стр. 9184

ويجعله أمرًا بالنصب الذي هو بغض علىّ وعداوته (وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) واجعل رغبتك إليه خصوصًا، ولا تسأل إلا فضله متوكلًا عليه. وقرئ: (فرغب) أي: رغب الناس إلى طلب ما عنده. عن النبي ﷺ : «من قرأ (ألم نشرح)، فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واجعل رغبتك إليع خصوصاً)، التخصيص يفيده تقديم الجار والمجرور على الفعل، قال السيد في "الأمالي": "جامعت الفاء والواو، "وإلى" متعلقة بما بعد الفاء. ومثله ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ انتصب ما قبل الفاء بما بعدها، وهذا من عجيب كلامهم؛ لأن الفاء تعطف أو تدخل في الجواب وما أشبه الجواب، كخبر الاسم الناقص، أي الموصولة التي صلتها الفعل، وهي هاهنا خارجة عما وضعت له". تمت السورة بحمد الله وعونه وحسبنا الله ونعم الوكيل * … * … *

стр. 9185

سورة التين مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ)] ١ - ٨ [ أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة، وروى: أنه أهدى لرسول الله ﷺ طبٌق من تيٍن فأكل منه وقال لأصحابه: «كلوا، فلو قلت إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه؛ لأنّ فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة التين مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (بلا عجم)، يروى بسكون الجيم وبفتحها. وفي "ديوان الأدب": "العجم بالتحريك: النوى"، وليس في عجم بهذا المعنى. الجوهري: "العامة تقول: عجم، بالتسكين".

стр. 9186

فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس». ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبًا واستاك به وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة». وسمعته يقول: «هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي». وعن ابن عباٍس ﵁: هو تينكم هذا وزيتونكم. وقيل: جبلان من الأرض المقدّسة يقال لهما بالسريانية: طور تينا وطور زيتا؛ لأنهما منبتا التين والزيتون. وقيل: (والتين) جبال ما بين حلوان وهمذان. و (الزيتون) جبال الشام، لأنها منابتهما، كأنه قيل: ومنابت التين والزيتون. وأضيف الطور وهو الجبل، إلى سينين: وهي البقعة. ونحو سينون: يبرون، في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب. والبلد: مكة حماها الله. والأمين: من أمن الرجل أمانة فهو أمين. وقيل: أمان، كما قيل: كرام في كريم. وأمانته: أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ويجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول، من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمن في قوله تعالى: (حَرَماً آمِناً)] القصص: ٥٧ [بمعنى ذي أمن: ومعنى القسم بهذه الأشياء: الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإنها تقطع البواسير)، قال القاضي: "التين فاكهة طيبة لا فضل له، وعند الغداء لطيف سريع الهضم، ودواء كثير النفع، فإنه يلين الطبع، ويحل البلغم، ويُطهر الكُليتين، ويُزيل رمل المثانة، ويفتح سدة الكبد والطحال، ويُسمن البدن. والزيتون فاكهة وإدام ودواء، وله دُهن لطيف كثير المنافع مع لذته، لكنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال". قوله: (ويذهب بالحفرة)، يقال: حُفرت أسنانه حفراً إذا فسد أسناخها، أي: أصولها، ويقال أيضاً: حفرت حفراً، والحفرة للمرة. قوله: (فهو أمين، وقيل: أمان)، أي: قالوا: في موضع أمين.

стр. 9187

فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه، والطور: المكان الذي نودي منه موسى، ومكة: مكان البيت الذي هو هدًى للعالمين، ومولد رسول الله ﷺ ومبعثه. (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه. ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية، أن رددناه أسفل من سفل خلقًا وتركيبًا، يعنى: أقبح من قبح صورةً وأشوهه خلقة، وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات. أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل: حيث نكسناه في خلقه، فقوّس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشنن جلده وكان بضًا، وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه؛ فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف. وقرأ عبد الله: (أسفل السافلين). فإن قلت: فكيف الاستثناء على المذهبين؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تشنن)، الأساس: "تشنن جلده من الهرم، أي: تشنج ويبس. ويقال: شيخ كالشن البالي". قوله: (بضًّا)، بالباء الموحدة من تحت والضاد المعجمة. الأساس: "قال الأصمعي: أبيض بض. وهو الشديد البياض. وقال المبرد: هو الرقيق البشرة الذي يؤثر فيه كل شيء. وامرأة غَضة بَضة". قوله: (فمشيه دليف)، الدليف: المشي الرُّويد. الأساس: "دلف الشيخ والمقيد دليفاً ودلوفاً، وهو فوق الدبيب". قوله: (خَرَف)، الخرف بالتحريك: فساد العقل. قوله: (فكيف الاستثناء على المذهبين)، عن بعضهم: أراد الحجازية والتميمية وليس بذلك، بل على الوجهين المذكورين كما ينبئ عنه الجواب ودخول الفاء في السؤال.

стр. 9188

قلت: هو على الأول متصل ظاهر الاتصال، وعلى الثاني: منقطع. يعنى: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمي فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم. فإن قلت: (فَما يُكَذِّبُكَ) من المخاطب به؟ قلت: هو خطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما يجعلك كاذبًا بسبب الدين وإنكاره بعد هذا الدليل، يعنى أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء، لأنّ كل مكذب بالحق فهو كاذب، فأي شيٍء يضطرك إلى أن تكون كاذبًا بسبب تكذيب الجزاء. والباء مثلها في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)] النحل: ١٠٠ [، والمعنى: أنّ خلق الإنسان من نطفة، وتقويمه بشرًا سويًا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر، لا ترى دليلًا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر من الإنسان على هذا كله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو على الأول متصل)، أي على أن يراد بالرد إلى أسفل سافلين، الرد إلى أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، وهم أصحاب النار، أو أسفل من سفل من أهل الدركات. قال الواحدي عن مجاهد: "ثم رددناه إلى النار، والنار أسفل سافلين، لأنه جهنم بعضها أسفل من بعض، ثم استثنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يُردون إلى النار". قوله: (وعلى الثاني منقطع)، أي على أن يُراد بـ "أسفل سافلين"، الرد إلى أسفل من سفل في حُسن الصورة والشكل، ولذلك قال: "لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب دائم". قوله: (﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠])، أي: بسبب الشيطان يشركون بالله. والباء في ﴿بِهِي﴾ ليست بصلة ﴿مُشْرِكُونَ﴾، بل صلته محذوفة.

стр. 9189

لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالجزاء بعد هذا الدليل القاطع. وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله. وعن النبي ﷺ : أنه كان إذا قرأها قال: (بلى وأنا على ذلك من الشاهدين). عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "التين"، أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين ما دام في دار الدنيا، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: الخطاب لرسول الله? )، عطف على قوله: "هو خطاب للإنسان"، وعلى هذا لا يكون في الكلام التفات، وتكون "ما" بمعنى "من"، أي: فمن يكذبك أيها الرسول الصادق المصدق، بما جئت به من الدين الحق، أو بسبب الدين بعد ظهور هذه الدلائل الدالة على نبوتك؟ أليس الله بأحكم الحاكمين؟ يحكم بينك وبين أهل التكذيب. وإذا قيل: إن الخطاب للإنسان، ينبغي أن يذهب إلى الالتفات، لما سبق من قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ويجعل الباء للتسبيب، لأن الإنسان هو المكذب، والمعنى: أيها الإنسان، ما الذي يلجئك إلى أن تكون كاذباً بسبب تكذيب الجزاء. وفي الكلام تعجب وتعجيب؛ وذلك أنه تعالى لما قرر أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم رده إلى أرذل العُمر، دل على كمال قدرته على الإنشاء والإعادة، فسأل بعد ذلك عن سبب تكذيب الإنسان بالجزاء، لأن ما يتعجب منه يُخفي سببه، وهذا كما ترى ظاهر جلي، وإليه الإشارة بقوله: "فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالجزاء، بعد هذا الدليل القاطع؟ "، وعلى هذا قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله. قوله: (قال: "بلى وأنا على ذلك من الشاهدين")، الحديث من رواية الترمذي وأبي داود، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله? : "من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فانتهى إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين". تمت السورة * … * … *

стр. 9190

سورة العلق مكية، وهي تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)] ١ - ٥ [. عن ابن عباٍس ومجاهد: هي أول سورةٍ نزلت، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة العلق مكية، وهي تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (هي أول سورة نزلت)، عن الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي، عن يحيى ابن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن. قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ قال: سألت جابراً عن ذلك، فقلت له مثل الذي قلت لي. فقال: ما أحدثُك إلا ما حدثنا رسول الله? ، إلى قوله: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وفي رواية عن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ في حديث "في بدء الوحي"، هو "اقرأ باسم ربك

стр. 9191

وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم. محل (بِاسْمِ رَبِّكَ) النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك، قل: بسم الله، ثم اقرأ. فإن قلت: كيف قال: (خَلَقَ) فلم يذكر له مفعولًا، ثم قال: (خَلَقَ الْإِنْسانَ)؟ قلت: هو على وجهين: إما أن لا يقدر له مفعول وأن يراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه. وإما أن يقدر ويراد خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض. وقوله: (خَلَقَ الْإِنْسانَ) تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق؛ لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي خلق". ويمكن أن يقال: إن وجه التوفيق بين الروايتين، هو أن أول ما بُدئ به من الأمر بإنشاء القراءة هو ﴿اقْرَأْ﴾، ومن الأمر بإنشاء الإنذار ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (قُمْ فَأَنذِرْ﴾. قوله: (محل ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ النصب على الحال)، في "الكواشي": "الباء دخلت لتدل على الملازمة والتكرير، كأخذت بالخطام وأخذت الخطام، أو دخلت لتدل على البداية باسمه تعالى ومحلها حال، أي: اقرأ مبتدئاً باسم ربك". قوله: (قل: باسم الله، ثم اقرأ)، الجملة بيان لقوله: "اقرأ مفتتحاً باسم ربك، ولذلك أُخليت من العاطف". قوله: (لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض)، يعني: هذا من باب قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، لكن تقييده الأشرف بقوله: ﴿مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾، إيماء إلى تفضيل الملائكة. وقال القاضي: "الذي خلق كل شيء، ثم أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعاً وتدبيراً"، وقال صاحب "الكشف": "خصص بعد التعميم؛ فهو

стр. 9192

ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ)] الرحمن: ١_ ٣ [فقيل: (الَّذِي خَلَقَ) مبهمًا، ثم فسره بقوله: (خَلَقَ الْإِنْسانَ) تفخيمًا لخلق الإنسان، ودلالةً على عجيب فطرته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣ ٍ؛ فالغيب عام لكل ما غاب عنا، ثم قال: ﴿وَبِالْأخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وعكسه قول الشاعر: وهم العشيرة أن يبطئ حاسد أو أن يلوم لحاجة لوامها ألا ترى أن اللوم أعم من التبطئة، لأن التبطئة نسب قوم إلى البُطء وهو بعض اللوم. أن يبطئ: أي لأن يبطئ. وقلت: إنما علل تخصيص اإنسان بالذكر بقوله: "لأن التنزيل إليه"، لأن الأمر بقراءة المنزل مترتب على وصف الله بخلق الأشياء، ثم تخصيص خلق الإنسان، وذلك لأنه هو المشرف بأن التنزيل إليه. قوله: (خلق الإنسان، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ (عَلَّمَ الْقُرْآنَ (خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣ ٍ])، عن بعضهم: إنه استشهد به من حيث إن خلق الإنسان خلق عظيم. وقلت: تقريره أن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ كقوله: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، في أن المراد منه خلق الإنسان فأُبهم، كما أن المراد من قوله: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: علم الإنسان القرآن. ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾: تفسير أو بيان للمجمل، كما قيل: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤] كذلك، والفاء في قوله: "فقيل: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ "، عطفت ما بعدها بقوله: "يُراد"، وما توسط بينهما اعتراض. ويمكن أن يقال: إنه إذا جعلت الصلة ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾، كان القصد في علة القراءة هو

стр. 9193

فإن قلت: لم قال (مِنْ عَلَقٍ) على الجمع، وإنما خلق من علقة، كقوله: (مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَة)؟ قلت: لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ)] العصر: ٢ [. (الْأَكْرَمُ) الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي واطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم، حيث قال: (الأكرم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)، فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خلق الإنسان، كأنه قيل: اقرأ لأجل أنه خلقك للقراءة كما قال ثمة، وأخر ذكر ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ عن ذكره، ثم أتبعه إياه ليُعلم أنه إنما خلقه للدين، وليحيط به علماً بوحيه وكتُبه. قوله: (﴿الْأَكْرَمُ﴾: الذي له الكمال في زيادة كرمه)، الكواشي: "الأكرم: الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير. أو أكرم بمعنى كريم". وقوله: "ينعم على عباده" بيان للجملة الأولى. قوله: (حيث قال: ﴿الْأَكْرَمُ (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾)، يعني لما أطلق ﴿الْأَكْرَمُ﴾ وأبرزه في معرض "أفعل"، ليدل على الكمال في زيادة الكرم، وعلى الأنعام التي لا تُحصى، ثم أردفه بقوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، وجعله توطئةً وتمهيداً لقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، عُلِمَ أن ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم، وفي ذكر بدء حال الإنسان وأخسها وهو كونه علقة، وانتهاء حاله وهو صيرورته عالماً، وإيصاله إلى أعلى المراتب، غاية الامتنان. يعني: كان ذليلاً مَهيناً، فاقتضى كرم الربوبية إلى ارتقائه ذروة العِز والشرف بفضله ولُطفه، ثم في جعل ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، توطئة إدماج وتنبية على فضل علم الكتابة.

стр. 9194

ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة؛ ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا؛ ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره ودليل إلا أمر القلم والخط، لكفى به. ولبعضهم في صفة القلم: ورواقم رقش كمثل أراقم … قطف الخطا نيّالة أقصى المدى سود القوائم ما يجدّ مسيرها … إلّا إذا لعبت بها بيض المدى وقرأ ابن الزبير: (علم الخط بالقلم). [(كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)] ٦_ ١٩ [. (كَلَّا) ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولبعضهم في صفة القلم)، قيل: يعني به نفسه. قُطف الخُطا: ضيقة الخُطا. الرُّقْش كالنقش، والرُّقش جمع الراقش. والأراقم جمع أرقم، وهي حية فيها سواد وبياض. ورواقم من الرقم وهو الكتابة. والمُدي جمع الُمدية وهي السكين العريض. يقول: رب أقلام منقوشة، كمثل الأراقم، متقاربة الخُطوة، لا تجد في السير إلا إذا قطعتها السكين. قوله: (ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه)، الباء في "بنعمة الله" صلة "كفر" و"بطغيانه"، ومثلها: كتبت بالقلم. قوله: (وإن لم يُذكر لدلالة الكلام عليه)، أي: وإن لم يُذكر الكافر بنعمة الله الطاغي على ربه، فإن الكلام السابق دل على أنه تعالى خلق الإنسان من العلقة، ثم علمه ما لم يكن يعلم، فرفعه من حضيض الخِسَّة إلى يفاع العلم والمعرفة، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق،

стр. 9195

(أَنْ رءاهُ) أن رأى نفسه. يقال في أفعال القلوب: رأيتني وعلمتني، وذلك بعض خصائصها. ومعنى الرؤية: العلم، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين. و (اسْتَغْنى) هو المفعول الثاني (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى) واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان، تهديدًا له وتحذيرًا من عاقبة الطغيان. والرجعى: مصدر كالبشرى بمعنى الرجوع. وقيل: نزلت في أبى جهل، وكذلك (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى). وروى: أنه قال لرسول الله ﷺ : أتزعم أن من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال مكة فضةً وذهبًا، لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك، فنزل جبريل فقال: إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة، فكف رسول الله ﷺ عن الدعاة إبقاء عليهم. وروى عنه لعنه الله أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فو الذي يحلف به، لئن رأيته توطأت عنقه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلمناه ما لم يعلم، ليشكر تلك النعمة الجليلة، فطغى وكفر، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (أَن رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾. وكذلك اللاحق وهو التعليل بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (أَن رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾، فيقدر بعد قوله ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ما يصح أن يكون ﴿كَلَّا﴾ ردعاً له. فعلى هذا، يحسن الوقف على ﴿كَلَّا﴾. وفي "الكواشي": "يجوز أن يكون ﴿كَلَّا﴾ تنبيهاً فيقف على ما قبلها، وردعاً فيقف عليها". وفي "المرشد": "الوقف على ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ تام. قالوا: أول ما نزل من القرآن هذه السورة، فلما بلغ هذا الموضع جبريل طوى النمط، فحكى الفراء بأنه وقف تام، لقطع جبريل ﵇ الكلام عنده، ولأن الكلام تمام لا يحتاج إلى غيره". قوله: (وروي عنه لعنه الله)، أي عن أبي جهل. الحديث مختصر من رواية الإمام أحمد ابن حنبل والبخاري عن أبي هريرة. قوله: (قال: فوالذي يحلف به)، أي: فوالذي يحلف به أبو جهل. قال المصنف: "يحكي الراوي حلفه، كي لا يذكر اللات والعُزى الذي يحلف به".

стр. 9196

فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم، فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من ناٍر وهولًا وأجنحةً، (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى) ومعناه: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته، إن كان ذلك الناهي على طريقةٍ سديدةٍ فيما ينهى عنه من عبادة الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهولاً وأجنحةً)، أي: أولى أجنحةٍ، وهم الملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُوْلِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١]. وفي الحديث: "إن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم". قوله: (ومعناه: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله)، قال الإمام: "أرأيت إن كان على الهُدى، خطاب لمن؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه خطاب للنبي? ، ولو جعلناه لغيره لاختل النظم، لأن ﴿أَرَءَيْتَ﴾ الأولى والثالثة خطاب له، كأنه تعالى يقول: أيها الرسول، أرأيت إن كان على الهدى واختار الرأي الصائب والاهتداء والأمر بالتقوى، أما كان ذلك خيراً له من الكفر بالله والنهي عن حديثه؟ أي: تلهف عليه أنه كيف فوت على نفسه المراتب العالية. وثانيهما: أنه خطاب للكافر، لأن الله تعالى كالمشاهد للظالم والمظلوم، والمولى القائم بين يديه المظلوم والظالم، والحاكم الحاضر عنده المدعي والمدعى عليه، يخاطب هذا مرة وهذا مرة، فلما خاطب النبي? بقوله: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾، التفت إلى الكافر وقال: أرأيت يا كافر إن كانت صلاته هدى، ودعاؤه إلى الله أمراً بالتقوى، أتنهاه مع ذلك؟ ". وقلت: بناء الكلام على "إن" الشرطية، وعلى التنكير في ﴿عَبْدًا﴾ معلوم، لأنه الرسول? ، دل على أن المقام مقام إرخاء العنان والكلام المنصف. ولذلك خص المصنف لفظ "البعض" أولاً في قوله: "بعض عباد الله"، وقال كما يعتقد ثانياً، ثم ثلث بقوله: "كما نقول نحن"؛ فحينئذ الواجب أن يكون المخاطب بقوله: ﴿أَرَءَيْتَ﴾، غير النبي? وغير الكافر، لقوله: "أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله"، فإن الناهي والمنهي خارجان عن مورد

стр. 9197

أو كان آمرا بالمعروف والتقوى فيما بأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك. وهذا وعيد. فإن قلت: ما متعلق أرأيت؟ قلت: الذي ينهى مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين. فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ قلت: هو محذوف تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى، ألم يعلم بأن الله يرى. وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. فإن قلت: فكيف صح أن يكون (أَلَمْ يَعْلَمْ) جوابًا للشرط؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخطاب، فكأنه تعالى يجعل الغير حاكماً بين أهل الحق وأهل الباطل، ويهضم من حق أهل الحق، ويقول: أيها الحاكم، أخبرني عمن يزعم أنه على الحق، وينهي عبداً من عباد الله عن عبادة الله وطاعته، لا أقول إنه رسول الله وصفوته من خلقه، بل هو بعض خلقه، أو يأمره بعبادة الأوثان، ويعتقد أنه أمر بالمعروف والتقوى. وأخبرني أيضاً عما نقول نحن: إن ذلك الآمر والناهي حاصل على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح، فما حكمك في ذلك؟ قال بعضهم: ﴿أَرَءَيْتَ﴾ وأُختاها متوجهات إلى ﴿أَلَمْ يَعْلَم﴾، وهو مقدر عند الأولين، وترك إظهاره اختصاراً، كما في قوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]. مثاله أن تقوله: أخبرني عن زيد إن وفدت عليه، أخبرني عنه إن استخبرته عنه، أخبرني عنه إن توسلت إليه، أما يوجب حقي؟ قوله: (تقديره: ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾)، يعني: الشرط قوله: ﴿إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾، وجزاؤه ما دل عليه جزاء الشرط الثاني، وهو ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، وترك ذكره اختصاراً. قوله: (فكيف صح) أي: كيف صح أن يكون الاستفهام جزاء للشرط؟ وخلاصة

стр. 9198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجواب أن الاستفهام دخل بين الشرط والجزاء مؤكدة مقررة للتعجب. قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾؟ [الزمر: ١٩]: "الهمزة جاءت مؤكدة معادة بين المبتدأ المتضمن للشرط، وبين الخبر للطول"؛ فعلى هذا، لا يقال: إن أكرمتك، أتكرمني؟ إلا مع من استمر معه الإكرام، واستمر منه عدم المبالاة. فإن قلت: ذكر أن ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ مع الجملة الشرطية، هما في موضع المفعولين، لأنهما مبتدأ وخبر، والخبر شرط وجزاء. هذا صحيح في ﴿أَرَءَيْتَ﴾ الأولى. وأما الثالثة، فليس فيها سوى الجملة الشرطية، وقد تقرر أنه لا يحذف المفعول الأول، إلا إذا كان الفاعل والمفعولان لشيء واحد، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]، على القراءة بالياء التحتانية، أي: لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم في سبيل الله أمواتاً. وإنما جاز الحذف لأنه في الأصل مبتدأ، فيحذف كما يحذف المبتدأ، لكن بذلك الشرط. قلت: إنما لم يجز حذف المفعول الأول للإلباس. فأما إذا قامت قرينة، نحو كون الفاعل والمفعولين شيئاً واحداً، وثم قرينة ظاهرة تدل على المحذوف، كما نحن بصدده من تصريحه بالقرينة الأولى، فما المانع من الجواز؟ وقد سبق عن المالكي وصاحب "التُّحفة" في سورة "القصص" جواز ذلك، على أن ﴿أَرَءَيْتَ﴾ استخبار ومتعلقه الجملة الشرطية. وفاعل ﴿كَذَّب﴾ ضمير راجع إلى الناهي والآمر، فلا يحتاج إلى شيء آخر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠]، في وجه.

стр. 9199

قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟ فإن قلت: فما "أرأيت" الثانية وتوسطها بين مفعولي "أرأيت"؟ قلت: هي زائدة مكرّرة للتوكيد. وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة. (كَلَّا) ردع لأبى جهل وخسوء له عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات، ثم قال: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) عما هو فيه، (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ) لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدّة. قال عمرو بن معديكرب: قوم إذا يقع الصّريخ رأيتهم … من بين ملجم مهره أو سافع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأمره بعبادة اللات)، إشارة إلى تفسيره لقوله: ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ على زعمه كما قال: "آمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد". قوله: (قوم إذا نقع الصريخ) البيت، النقيع: الصراخ، ونقع الصوت واستنقع، أي: ارتفع إذا صوت المصوت. ويروى: إذا فزعوا الصريخ والفزع: الرُّعب والنُّصرة أيضاً، والصريخ والصارخ: المستغيث، والمهر: الفتي من الخيل، أو سافع: أي: آخذ بناصية فرسه بالسرعة من غير لجام. الراغب: "السفع: الأخذ بسُفعة الفرس، وهو سواد ناصيته، قال تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]. وباعتبار السواد يقال للأثافي: سُفع، وبه سُفعة غضب، اعتباراً بنا يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتد غضبه". يصف القوم بأنهم يُغيثون المستغيث بسرعة وينصرونه، وبعضهم يُلجمون الخيل، وبعضهم يأخذون ناصية الخيل ولا يُلجمون.

стр. 9200

وقرئ: (لنسفعنّ) بالنون المشدّدة. وقرأ ابن مسعود: (لأسفعا). وكتبتها في المصحف بالألف على حكم الوقف، ولما علم أنها ناصية المذكور اكتفى بلام العهد عن الإضافة. (ناصِيَةٍ) بدل من "الناصية"؛ جاز بدلها عن المعرفة وهي نكرة؛ لأنها وصفت فاستقلت بفائدة. وقرئ: (ناصية) على: هي ناصية، و (ناصية) بالنصب، وكلاهما على الشتم. ووصفها بالكذب والخطأ على الإسناد المجازى، وهما في الحقيقة لصاحبها. وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك: ناصية كاذب خاطئ. والنادي: المجلس الذي ينتدي فيه القوم، أي: يجتمعون. والمراد: أهل النادي. كما قال جرير: لهم مجلس صهب السّبال أذلّة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من "الناصية") إلى قوله: (وصفت فاستقلت بفائدة)، قال ابن الحاجب: "سُئلت: لم جُمع بين (﴿بِالنَّاصِيَةِ (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، فهلا اقتصر على إحداهما؟ فأجبت: أن الأولى ذكرت للتنصيص على ناصية الناهي، والثانية ذكرت تنبيهاً على علة السفع، ليشمل بظاهره على كل ناصية هذه صفتها". قوله: (ووصفها بالكذب والخطأ)، قال الزجاج: "تأويله: بناصية صاحبها كاذب، كما يقال: نهاره صائم وليله قائم، أي: هو صائم في نهاره وقائم في ليله". وقلت: والمبالغة فيه أن الكافر بلغ في الكذب والخطأ، إلى حيث إن الكذب والخطأ ظاهران من ناصيته، على نحو قولهم: وجهه نصف الجمال. قوله: (لهم مجلس صُهب السِّبال أذلة)، أي: لهم أهل مجلس. الأساس: "شعر أصهب: بين

стр. 9201

وقال زهير: وفيهم مقامات حسان وجوههم والمقامة: المجلس. روى أن أبا جهٍل مر برسول الله ﷺ وهو يصلى فقال: ألم أنهك؟ فأغلظ له رسول الله ﷺ ؛ فقال: أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا، فنزلت. وقرأ ابن أبى عبلة: (سيدعى الزبانية) على البناء للمفعول، والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد، زبنية، كعفرية، من الزبن وهو الدفع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصُّهبة، وهو حُمرة في سواد. ومن المجاز: "هو أصهب السِّبال" للعدو، قال ابن قيس الرُّقيات: وظلال السيوف شيبن رأسي واعتناقي في الحرب صُهب السِّبال قال الميداني: "صُهب السِّبال: كناية عن الأعداء، قال الأصمعي: صهب السبال وسود الأكباد، يضربان مثلاً للأعداء، وإن لم يكونوا كذلك"، وأنشد البيت. قوله: (روي أن أبا جهل مر برسول الله? )، الحديث أخرجه الترمذي عن ابن عباس، مع تغيير يسير. قوله: (زبنية كعفرية)، قال الأخفش: "قال بعضهم: الواحد: زباني، وبعضهم: زابن، وبعضهم: زبنية. قال: والعرب لا تكاد تعرف هذا، وتجعله من الجمع الذي لا واحد له، مثل: أبابيل". وقال الجوهري: "قال أبو عبيدة: العفريت من كل شيء: المبالغ. يقال: فلان عفريت نفريت، وعفرية نفرية، وفي الحديث: "إن الله يبغض العفرية النفرية، الذي لا يُرزأ في أهل ولا مال". والعفرية: المصحح، والنفرية إتباع".

стр. 9202

وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم أمسيٌ، وأصله: زباني، فقيل: زبانية على التعويض؛ والمراد: ملائكة العذاب. وعن النبي ﷺ : «لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا» (كَلَّا ردع) لأبى جهل، (لا تُطِعْهُ) أي اثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ)] القلم: ٨ [. (وَاسْجُدْ) ودم على سجودك، يريد: الصلاة (وَاقْتَرِبْ) وتقرّب إلى ربك. وفي الحديث: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد». عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة العلق، أعطى من الأجر كأنما قرأ المفصل كله». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي الحديث)، عن مسلم وأحمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله? ، قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء". وعن مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي، عن معدان بن طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله? ، فقلت: أخبرني بعمل يُدخلني الله به الجنة، فقال: سألت ذلك رسول الله? ، فقال: "عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة"، والله أعلم. تمت السورة بعون الله تعالى * … * … *

стр. 9203

سورة القدر مختلف فيها، وهي خمس آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)] ١ - ٥ [. عظم القرآن من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصًا به دون غيره. والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادةً له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه. والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة القدر مكية، وهي خمس آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وجعله مُختصاُ به)، يريد أن التركيب من باب تقديم الفاعل المعنوي، نحو: أنا كفيت مهمك، أنا قضيت حاجتك. وفي إيثار صيغة الجمع تعظيم دونه كل تعظيم. قوله: (الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه)، فيه لطيفة، حيث قال أولاً: "عُظم القرآن من ثلاثة أوجه"، ثم قال: "الرفع من مقدار الوقت". والظاهر الرفع من مقداره حيث أنزله في هذه الليلة، فعدل ليؤذن بأن الليلة شرفت بنزوله فيها، وصارت ذات خطر

стр. 9204

روي أنه أنزل جملةًً واحدةً في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله على رسول الله ﷺ نجومًا في ثلاٍث وعشرين سنة. وعن الشعبي: المعنى إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. واختلفوا في وقتها؛ فأكثرهم على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها، وأكثر القول أنها السابعة منها؛ ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيى من يريدها الليالي الكثيرة طلبًا لموافقتها، فتكثر عبادته ويتضاعف ثوابه، وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرطوا في غيرها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وشرف، فيلزم شرفه وخطره بالطريق الأولى، ثم ترقى في الرفع من مقدارها بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ثم إلى أعلى بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ثم إلى أعلى بقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾. قوله: (روي أنه أُنزل جملة واحدة)، فإن قلت: ذكرت في شرح الخطبة أن الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وهو مختص بالأجرام فلا يتحقق في الكلام، فوصف بصفة حامله لالتباسه به. وهذا المجاز إنما يستقيم في إنزاله جبريل ﵇ القرآن على النبي? ، فكيف يستقيم إنزاله من اللوح إلى السماء، لأن ذلك من غير واسطة؟ قلت: الإنزال حينئذ مستعار للمعاني من الأجرام؛ شُبِّه نقل القرآن من اللوح إلى السماء وثبوته فيها، بنزول جسم من عُلو إلى أسفل، وقيل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. وعلى هذا، ظهوره في عالم الشهادة، أعني اللوح، من عالم الغيب الذي هو العالم الأعلى، يمكن أن يفسر بالنزول؛ فعلى الأول هو مجاز مرسل، وعلى الثاني مجاز مسبوق بالتشبيه. قوله: (على أنها في شهر رمضان)، روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود، عن زر بن حُبيش، قال: سمعت أُبي بن كعب يقول، وقيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: "من قام السنة أصاب ليلة القدر". فقال أُبي: "والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان، يحلف ولا

стр. 9205

ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها، من قوله تعالى: (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)] الدخان: ٤ [وقيل: سميت بذلك لخطرها وشرفها على سائر الليالي، (وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) يعنى: ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها، ثم بين ذلك بأنها (خير من ألف شهر)، وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها؛ من تنزل الملائكة والروح، وفصل كل أمٍر حكيم. وذكر في تخصيص هذه المدّة أنّ رسول الله ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون من ذلك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يستثني، ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله? بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين". الحديث. قوله: (ليلة تقدير الأمور)، نقل الإمام عن الواحدي أن القدر في اللغة بمعنى التقدير، وهو جعل الشيء على مقدار غيره من غير زيادة ولا نقصان. وقال: "سُميت به لأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام. عن ابن عباس، أن الله تعالى قدر فيها كل ما يكون في تلك السنة، من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى السنة القابلة، نحو قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا في تلك الليلة؛ فإنه تعالى قدر المقادير في الأزل قبل خلق السموات والأرض، بل المراد إظهار تلك المقادير للملائكة". قوله: (وقيل: سُميت بذلك لخطرها)، نقل الإمام عن الزهري أنه قال: "ليلة القدر ليلة العظمة والشرف؛ من قولهم: لفلان قدر عند فلان، أي: منزلة وشرف، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وهو يحتمل أن يراد منه، أن من أتى بفعل الطاعات صار ذا قدر وشرف، أو أن الطاعات لها في تلك الليلة قدر زائد وشرف. وعن أبي بكر الوراق: سُميت ليلة القدر، لأنه نُزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على أمة لها قدر".

стр. 9206

وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلةً إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد. (تَنَزَّلُ) إلى السماء الدنيا، وقيل: إلى الأرض، (وَالرُّوحُ) جبريل. وقيل: خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) أي: تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل. وقرئ: (من كل امرئ) أي: من أجل كل إنسان. وقيل: لا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنةً إلا سلموا عليه في تلك الليلة. (سَلامٌ هِيَ) ما هي إلا سلامة، أي: لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير، ويقضى في غيرها بلاًء وسلامة. أو: ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين. وقرئ: (مطلع) بفتح اللام وكسرها. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "القدر"، أعطى من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما هي إلا سلامة)، يريد أن ﴿هِيَ﴾ مبتدأ و ﴿سَلَامٌ﴾ الخبر، فقدم وجعل نفس السلام لإعطاء معنى الاختصاص. قال صاحب "الكشف": ﴿هِيَ﴾ ابتداء و ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مقدم، وهو بمعنى الفاعل، أي: هي مُسلمة. ولا بد من هذا التقدير ليصح تعليق ﴿حَتَّى﴾ به؛ لأنه إذا حمل على المصدر لم يجز تعليق ﴿حَتَّى﴾ به؛ لأنه لا يفصل بين الصلة والموصول. ويجوز تعليقه بقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ولا يجوز أن تكون ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، و ﴿حَتَّى﴾ في موضع الخبر، لأنه لا فائدة فيه؛ إذ كل ليلة بهذه الصفة. قوله: (وقرئ: ﴿مَطْلَعِ﴾)، الكسائي: "مَطلع"، بكسر اللام، والباقون: بفتحها. قال الزجاج: "فمن فتح فهو المصدر بمعنى الطلوع، يقال: طلع الفجر طلوعاً ومطلعاً. ومن كسر فهو اسم لوقت الطلوع". وعن بعضهم: ولا يجوز أن يراد هنا موضع الطلوع. والله أعلم. تمت السورة بحمد الله تعالى * … * … *

стр. 9207

سورة البينة مكية، وقيل: مدنية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)] ١ - ٨ [. كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبده الأصنام يقولون قبل مبعث النبي ﷺ : لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة البينة مدنية، وهي ثمان آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (لا ننفك مما نحن عليه من ديننا)، روي عن المصنف أنه قال: هذا من باب

стр. 9208

ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد ﷺ ، فحكي الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) يعنى أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول ﷺ ؛ ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقًا، فيقول واعظه: لم تكن منفكًا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار؛ يذكره ما كان يقوله توبيخًا وإلزامًا. وانفكاك الشيء من الشيء: أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله؛ والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم ولا يتركونه إلا عند مجيء البينة. و (الْبَيِّنَةُ) الحجة الواضحة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحكاية بزعمهم، وقوله: "وما تفرق الذين أوتوا الكتاب" إلزام عليهم؛ حكى الله كلامهم على سبيل التوبيخ والتعيير، وجاء به في بعض النُّسخ بدل قوله: "البينة: الحجة الواضحة": "البينة: القرآن، ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]، و ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾: جبريل، وهو التالي للصحف المطهرة المنتسخة من اللوح، التي ذُكرت في سورة "عبس"، ولا بد من مضاف محذوف وهو الوحي، ويجوز أن يراد النبي? . فإن قلت: كيف نسب تلاوة الصحف المطهرة إليه وهو أمي؟ قلت: إذا تلا مثل المسطور فيها كان تالياً"، وشرح هذه الرواية قوله: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، معناه أن القرآن فيه بيانن أو حجة ما في الكتب المتقدمة، أو هو مصداقها. قوله: (التي ذُكرت في سورة عبس)، يعني: قوله ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣]، أي: صحف منتسخة من اللوح، مكرمة عند الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]. قوله: (لا بد من مضاف محذوف)، أي: القرآن وحي رسول من الله.

стр. 9209

و (رَسُولٌ) بدل من (البينة). وفي قراءة عبد الله: (رسولًا) حالًا من البينة. (صُحُفاً) قراطيس (مُطَهَّرَةً) من الباطل. (فِيها كُتُبٌ) مكتوبات، (قَيِّمَةٌ) مستقيمة ناطقة بالحق والعدل؛ والمراد بتفرقهم: تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه، أو تفرقهم فرقًا؛ فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، وقال: ليس به؛ ومنهم من عرف وعاند. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و ﴿رَسُولٌ﴾ بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾)، قال الإمام: "وفائدته الإعلام بأن ذاته كانت بينة على نُبوته؛ لأنه كان في نهاية من الجد في تقرير النبوة، وفي غاية من الصدق وكمال من العقل. وروي عن حجة الإسلام أن مجموع الأخلاق الفاضلة، كان بالغاً فيه إلى حد الإعجاز، أو أن معجزاته كانت في غاية الظهور والكثرة". وقلت: الدليل على أن المراد بالبينة رسول الله? ، قوله: "لا تنفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود"، ولعل السر في جعله ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ توطئة لذكر الرسول، كما وبخهم بقولهم: ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. ولهذا السر أيضاً أُفرد ذكرهم عن المشركين في قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، كأنهم عُيِّروا بالتفرق وهم أهل الكتاب، لأن جحود العالم أقبح من إنكار الغافل. قوله: (﴿صُحُفًا﴾: قراطيس ﴿مُّطَهَّرَةً﴾)، الراغب: "الصحيفة: المبسوط من الشيء كصحيفة الوجه، والصحيفة التي يُكتب فيها، وجمعها صحائف وصُحف، قال تعالى: ﴿يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾؛ أُريد بها القرآن، جعله صُحفاً فيها كتب، من أجل تضمنه لزيادة ما في كتب الله. والمصحف ما جُعل جامعاً للصحف المكتوبة". وقال أيضاً: "أراد بقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، لأن القرآن مجمع ثمرة كتب الله المتقدمة".

стр. 9210

فإن قلت: لم جمع بين أهل الكتاب والمشركين أوّلًا، ثم أفرد أهل الكتاب في قوله: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ)؟ قلت: لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. (وَما أُمِرُوا) يعنى في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا بالدين الحنيفي)، كنى عن مجموع ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى آخره، بالدين الحنيفي. وفي عطف ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، على ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ المقيد بالإخلاص، واختصاصهما بالذكر دون سائر العبادات، الدلالة على شرفهما واستبدادهما بشرط الإخلاص. وقال الإمام: "ذلك المجموع كله، هو دين الملة المستقيمة المعتدلة، فكما أن مجموع الأعضاء بدن واحد، كذا هذا المجموع دين واحد. واحتج القائلون بأن الإيمان عبارة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل بهذه الآية. وأجيب بأن المشار إليه المجموع، وهو محكوم بأنه الدين القيمة؛ فالدين غير ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، لأن الدين القيم هو الدين الكامل المستقل بنفسه، وذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلاً، وكانت آثاره ونتائجه حاصلة معه، من الصلاة والزكاة وغيرهما؛ فإذا لم يوجد هذا المجموع، لم يكن الدين القيم حاصلاً، والنزاع في مجرد الدين". فيقال: هذا الجواب ضعيف، لأن "القَيِّمَة" على القراءة الشاذة، أي: "وذلك الدين القيمة"، صفة مميزة فارقة للملة المستقيمة عن المعوجة، وهي غير دين المسلمين، لقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]. وعلى المشهورة: مضاف إما إلى الملة المستقيمة، أو إلى الأمة القيمة بالحق، إضافة بيان كأنه قيل: وذلك دين المسلمين. الراغب: "الدين أعم من الإسلام، إذ هو يستعمل في الحق والباطل. والإسلام لا
следующие страницы →