Полный текст (9 345 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.
стр. 9276
وكم ترى من المتسمين بالإسلام، بل من العلماء منهم من هو على هذه الصفة، فيا مصيبتاه! وطريقة أخرى: أن يكون (فَذلِكَ) عطفًا على (الَّذِي يُكَذِّبُ) إمّا عطف ذاٍت على ذات، أوصفةٍ على صفةٍ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام: "اعلم أن إنكار القيامة كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي؛ لأنه تعالى جعل علم التكذيب بالقيامة، الإقدام على إيذاء الضعيف ومنع المعروف. يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد، لما صدر عنه ذلك؛ فموجب الذنب هو التكذيب بالقيامة".
قوله: (إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة)، وعلى الوجه الأول، الفاء جواب شرط محذوف لقوله: "إن لم تعرفه فذلك"، أي: فاعرف أنه ذلك الذي يكذب بالجزاء، فالتعريف في "الذي"، على تقدير الذات للعهد، وعلى تقدير الوصف يحتمل الجنس أيضاً، ولذلك اختلف المفسرون: عن مقاتل: الذي يكذب بالدين، هو العاص بن وائل. وعن السدي ومقاتل: هو الوليد بن المغيرة. وعن ابن عباس: رجل من المنافقين. هذا في "المعالم". وفي الكواشي: "لا تقف على ﴿الْمِسْكِينِ﴾ إن جعلت ﴿الَّذِى﴾ جنساً، وجعلت "المصلين" داخلاً في جملة الكلام. ويكون جواب "أرأيت" - أي متعلقه- محذوفاً، تقديره: ما تقول فيمن يكذب بالحق ويدفع اليتيم ويؤذي المسكين؟ أحسن فعل؟ ! فويل لهم، فوضع "المصلين" موضع لهم".
قلت: من هذا يعلم أن قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾، على الأول منقطع عن الكلام السابق، من حيث إن المراد بالمصلين غير المكذب بالدين، لأنه الكافر كالوليد والعاص، و"المصلون": المسلمون. وإنما جعل المنع بالمعروف والإقدام على إيذاء الضعيف علماً للتكذيب بالجزاء، ليؤذن بأنهما من الشدة والغلظة بمكان ينبغي أن يحترز المؤمنون عن أمثالهما، لأنهما من أوصات الكافرين المكذبين بيوم الدين، وإليه الإشارة بقوله: "فما أشده من كلام، وما أخوفه من مقام! ، وأنها جديرة بأن يستدل بها على ضعف الإيمان".
стр. 9277
ويكون جواب (أَرَأَيْتَ) محذوفًا لدلالة ما بعده عليه، كأنه قيل: أخبرني، وما تقول فيمن يكذب بالجزاء؟ وفيمن يؤذى اليتيم ولا يطعم المسكين؟ أنعم ما يصنع؟ ثم قال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) أي: إذا علم أنه مسيء، فويل للمصلين، على معنى: فويل لهم، إلا أنه وضع صفتهم موضع ضميرهم؛ لأنهم كانوا مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين، غير مزكين أموالهم.
فإن قلت: كيف جعلت المصلين قائمًا مقام ضمير الذي يكذب، وهو واحد؟
قلت: معناه الجمع، لأنّ المراد به الجنس.
فإن قلت: أي فرٍق بين قوله: (عَنْ صَلاتِهِمْ) وبين قولك: (فِي صَلاتِهِمْ)؟
قلت: معنى: (عَنْ): أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها؛ وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشطار من المسلمين. ومعنى (فِي): أنّ السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم.
وكان رسول الله ﷺ يقع له السهو في صلاته فضلًا عن غيره؛ ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والذي يدل على أن المراد بالمصلين غير المكذب، قوله: "ثم وصل به قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ "، كأنه قال: "فإذا كان الأمر كذلك، فويل للمصلين الذين يسهون"، حيث ذكر لفظ "الأمر"، ولم يذكر أن "المصلين" من وضع المظهر موضع المضمر بخلافه في الوجه الأخير، فإنه قال: "أي: إذا عُلم أنه مسيء فويل للمصلين، على معنى: فويل لهم". فعلى هذا، المراد بالمصلين: المكذب كما قال: "لأنهم كانوا مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة"، قال الإمام: "فعلى هذا التقدير، الآية دالة على أن الكافر له مزيد عقوبة، بسبب إقدامه على محظورات الشرع، وتركه لواجبات الدين، وهو يدل على صحة قول الشافعي: إن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع".
стр. 9278
وعن أنس ﵁: الحمد لله على أن لم يقل: في صلاتهم. وقرأ ابن مسعود: (لاهون).
فإن قلت: ما معنى المراءاة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن أنس: الحمد لله على أن لم يقل: في صلاتهم)، قال الإمام: "روي عن عطاء عن ابن عباس ﵁، أنه قال: لو قال تعالى: في صلاتهم ساهون، لكان هذا الوعيد في المؤمنين أولى، لكنه قال: عن صلاتهم ساهون. والساهي عن الصلاة هو الذي لا يذكرها، ويكون فارغاً عنها. وهذا القول ضعيف، لأن السهو عن الصلاة لا يجوز أن يكون مفسراً بترك الصلاة، لأنه تعالى أثبت لهم الصلاة بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾، وأيضاً فإن السهو عن الصلاة بمعنى الترك، لا يكون نفاقاً ولا كفراً. ويمكن أن يجاب عن الأول، بأنه تعالى حكم عليهم بكونهم مصلين نظراً إلى الصلاة، وبأنهم نسوا الصلاة بالكلية نظراً إلى المعنى، كما قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] ".
وقلت: ويمكن أن يقال: إن المراد بالمصلين، مَن مِن شأنه أن يؤدي ما عليه من شكر نعم الله، ولذلك أضافها في قوله "عن صلاتهم" إليهم، ليؤذن بأنها حق ثابت لازم على المكلف، ومن حقه أن لا يتجاوز عن الإقامة عليها وحفظ أركانها وهيئاتها وسُننها، إلى السهو فضلاً عن الترك. هذا مبني على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. وقال الإمام: "ويجاب عن الاعتراض الثاني بأن النسيان عن الصلاة، هو أن يبقى ناسياً لذكر الله في جميع أجزاء الصلاة، وهذا لا يصدر إلا عن المنافق الذي يعتقد أن لا فائدة في الصلاة. وأما المسلم الذي يعتقد فيها الفوائد، فيمتنع أن لا يتذكر أمر الدين والثواب والعقاب في شيء من أجزائها. نعم، قد يتطرق له السهو في بعض أجزائها، فثبت أن السهو في الصلاة من أفعال المؤمن، وعن الصلاة من أفعال الكافر".
стр. 9279
قلت: هي مفاعلة من الإراءة، لأنّ المرائي يرى الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائيًا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضةً، فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لقوله ﵊: «ولا غمة في فرائض الله"؛ لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين؛ ولأن تاركها يستحق الذم والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار؛ وإن كان تطوعًا، فحقه أن يخفى، لأنه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه؛ فإن أظهره قاصدًا للاقتداء به كان جميلًا، وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين، فيثنى عليه بالصلاح. وعن بعضهم: أنه رأى رجلًا في المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها، فقال: ما أحسن هذا لو كان في بيتك؛ وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة؛ على أن اجتناب الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص. ومن ثم قال رسول الله ﷺ : «الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود». "الْماعُونَ" الزكاة، قال الراعي:
قوم على الإسلام لمّا يمنعوا … ماعونهم ويضيّعوا التّهليلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا غُمة)، يروى: ولا غرر في فرائض الله. النهاية: "في حديث وائل بن حُجر: أي: ولا تُستر وتُخفى فرائضه، وإنما تظهر وتُعلن ويُجهر بها".
قوله: (قوم على الإسلام) البيت، المانعون فيه الزكاة، تعريض بأهل الردة، أي: لسنا من أهل الردة حتى تُعاملونا معاملتهم.
стр. 9280
وعن ابن مسعود: ما يتعاون في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها. وعن عائشة: الماء والنار والملح؛ وقد يكون منع هذه الأشياء محظورًا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحًا في المروءة في غير حال الضرورة.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (أرأيت)، غفر الله له إن كان للزكاة مؤديًا".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما يُتعاور في العادة)، الجوهري: "اعتوروا الشيء، أي: تداولوه فيما بينهم، وكذلك تعوّروه وتعاوروه".
تمت السورة
* … * … *
стр. 9281
سورة الكوثر
مكية، وهي ثلاث آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)] ١ - ٣ [
في قراءة رسول الله ﷺ : "إنا أنطيناك" بالنون، وفي حديثه ﷺ : «وأنطوا الثبجة». والكوثر: فوعل من الكثرة، وهو المفرط الكثرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الكوثر
ثلاث آيات، مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وأَنطوا الثَّبَجَة)، النهاية: "وهي لغة اليمن. كتب صلوات الله عليه لوائل: أنطوا الثبجة، أي: أعطوا الوسط من الصدقة، لا من خيار المال ولا من رُذالته، وألحقها تاء التأنيث لانتقالها من الاسمية إلى الوصفية".
стр. 9282
وقيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر. وقال:
وأنت كثير يا ابن مروان طيّب … وكان أبوك ابن العقائل كوثرا
وقيل: الْكَوْثَرَ نهر في الجنة. وعن النبي ﷺ : أنه قرأها حين أنزلت عليه فقال: «أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر في الجنة وعدنيه ربى، فيه خير كثير»، وروى في صفته: "أحلى من العسل، وأشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد؛ حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ابنَ العَقائِل)، أي: المختارُ من النساء، وعقيلةُ كلِّ شئٍ أكرمُه. والكوثَرُ من الرجالِ: الكثيرُ الخيرِ والعطاء. والبيتُ للكُميت.
قولُه: (إنه نهرٌ في الجنّة)، روينا في صحيحِ البخاري، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباس، قالَ في الكوثر: «هو الكثيرُ الخير». قيلَ لابنِ جبير: فإنّ الناسِ يزعمونَ أنه نهرٌ في الجنة؟ فقالَ سعيد: «النهرُ الذي في الجنّةِ، من الخيرِ الذي أعطاه اللهُ تعالى إياه».
وعن أحمدَ بنِ حنبلٍ والترمذي وابنِ ماجه والدرامي، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «الكوثرُ نهرٌ في الجنّة، حافَتَاه من ذهب، ومَجْراه على الدُّرِّ والياقوت، تُرْبتُه أطيبُ من المِسْك، ومَاؤُه أحلى من العسل، وأبيضُ من الثلج».
وفي حديثِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: «شاطئاه دُرٌّ مُجَوَّف، وآنيتُه كعددِ نجومِ السماء»، أخرجه البخاري.
стр. 9283
وروي: "لا يظمأ من شرب منه أبدًا: أول وارديه: فقراء المهاجرين: الدنسو الثياب، الشعث الرؤوس، الذين لا يزوجون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد"، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبرّه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (لا تُفتحُ لهم أبوابُ السُّدَد)، الحديثُ من روايةِ الترمذيّ عن ثوبان، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «حوضي مثلُ ما بينَ عَدَنٍ إلى عَمّان البلقاء، ماؤُه أشدُّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، وأكوابُه عددُ نجومِ السماء، مَنْ شربَ منه لم يَظمأ بعدَها أبدًا، أولُ الناسِ ورودًا علىَّ فقراءُ المهاجرين، والشُّعثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذين لا يَنْكحون المتنعّمات، ولا تُفتح لهم أبوابُ السُّدَد». وقال الترمذي: قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز: قد نَكَحتُ المتنعّماتِ فاطمةَ بنَ عبد الملك، وفُتحتْ لي أبوابُ السُّدَد. لا جرمَ لا أغسلُ رأسي حتى يَشْعث، ولا ثوبي الذي يَلي جسدي حتى يَتّسخ.
وفي "الجامع": «السُّدَدُ جمعُ سُدّة، وهي البابُ ها هنا». وفي "النهاية": «السُّدَةُ كالظُلّةِ على البابِ لتقيَ البابَ من المطر، وقيل: هي السّاحةُ بين يدي الباب، وقيل: هي البابُ نفسُه، أي: لا تفتحُ لهم الأبواب. وفي حديثِ أبي الدّرداء، أنه أتى بابَ معاويةَ فلم يُؤذنْ له، فقالَ: من يَغْشَ سُدَدَ السلطانِ يَقُمْ ويَقْعد».
وقلتُ: الأشبهُ أن تُحملَ الإضافةُ في أبوابِ السُّددِ على البيان، فيكنّى بها عن أبوابِ الملوكِ والعظماء، على أنْيرادَ بالسُّدةِ الظُلّةُ أو الساحة.
قولُه: (لو أقسمَ على الله لأبرّه)، قالَه صلواتُ اللهِ عليه في حديثِ الرُّبَيِّعَ، روينا عن البخاري ومسلمٍ وأبي داودَ والنسائي، عن أنسِ بنِ مالك، أنّ الرُّبَيِّعَ عَمّتَه كسرتْ ثَنِيّةَ جارية، فَطَلبوا إليها العفوَ فأبَوا، فَعرضوا الأَرْشَ فأبَوا، فأتوا رسولَ الله ﷺ ، وأَبوا إلّا
стр. 9284
وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال له سعيد بن جبير: إن ناسا يقولون: هو نهر في الجنة! فقال: هو من الخير الكثير. والنحر: نحر البدن؛ وعن عطية: هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى. وقيل: صلاة العيد والتضحية. وقيل: هي جنس الصلاة. والنحر: وضع اليمين على الشمال، والمعنى: أعطيت ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطى ذلك كله أنا إله العالمين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القِصاص، فأَمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالقِصاص، فقالَ أنسُ بنُ النَّضر: يا رسولَ الله، أتُكسرُ ثَنيةُ الرُّبَيِّع؟ لا، فرضيَ القومُ فعَفَوا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنّ من عباِ الله مَن لو أقسمَ على اللهِ لأبَّره. معناه: لو سألَ اللهَ لأجابَه. والإقسامُ ها هنا بمعنى الاستعطاف.
قولُه: (ومُعْطي ذلك كلِّه أنا إلهُ العالمين)، إيذانٌ باختيارِ قولِ ابنِ عباس: إنّ الكوثرَ الخيرُ الكثير، وبإفادةِ ضميرِ الجمعِ الدالِّ على العظمةِ والكبرياء، فإن قائلَه ليسَ إلّا إلهَ العالمين، وأنّ المُعطي لم يكن عظيمًا، إلّا أنّ المُعطي عظيم. ولأجلِ تَيْنِك المناسبتين، رُتّبَ عليه قولُه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾، وَوُضعَ المظهرُ موضعَ المضمر، يعني: كما أنّ المعطي والمعطي عظيمان، فأتِ أنتَ بأعظمِ ما يمكنُ من العباداتِ البدنيةِ والمالية.
وإنما أُوثرَ النحرُ ليُدمجَ معنى معطي قطعِ النفسِ عن اللذاتِ العاجلة، ضُمّ مع ذلك ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ تكميلًا لِما بشَّره، قالَ الإمام: «لمّا بَشّره بالنِّعم العظيمة، وقد علمَ أن كمال ذلك إنما يكونُ بقهرِ الأعداء، قيل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾».
نَقلَ السُّلميُّ عن جعفرِ الصادق: «إنّا أعطيناك نورًا في قلبك دَلَّكَ عَلَيّ، وقَطَعَك عمّا سواي. وعن القاسمِ: إنّ شانئَك المنقطعُ عن خيراتِ الدّارين»، واللهُ أعلم.
стр. 9285
فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان: إصابة أشرف عطاء، وأوفره، من أكرم معط وأعظم منعم؛ فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه، وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغما لقومك الذين يعبدون غير الله. (وانحر) لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفا لهم في النحر للأوثان. (إِنَّ) من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم، (هُوَ الْأَبْتَرُ) لا أنت؛ لأنّ كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع على المنابر والمنار، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثنى بذكرك، ولك في الآخرة مالا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له: أبتر، وإنما الأبتر هو شانئك المنسى في الدنيا والآخرة، وإن ذكر ذكر باللعن. وكانوا يقولون: إنّ محمدا صنبور، إذا مات مات ذكره. وقيل: نزلت في العاص بن وائل، وقد سماه الأبتر، والأبتر: الذي لا عقب له، ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (والمَنَار)، النهاية: «المنَارُ جمع مَنارَة، وهي العلامةُ بين الحدَّيْن. ومنه حديثُ أبي هريرة: "إنّ للإسلامِ صُويّ ومَنارًا"، أي: علاماتٍ وشرائعَ يعرفُ بها». وقيل: المنائرُ: جمعُ المنارةِ التي يُؤذّنُ عليها، والأصلُ: مَناوِر؛ لأنه من النور، بُدّلَ الهمزةُ من الواو، وقد يُشَبَّهُ الأصليُّ بالزائد، كما قالوا: مَصائب، وأصلُه: مَصاوب.
قولُه: (فمثلُك لا يقالُ له: الأبتر)، وهو نحوُ قولك: "مثلُك لا يَبْخل" في الكناية، أي: مَن هو في صفتِك، مِن أن كلِّ مَن يولدُ من المؤمنين إلى آخرِ الدَّهر أولادٌ له، لا يقالُ له: الأبتر.
قولُه: (صُنْبور)، النهاية: «الأبترُ الذي لا عَقِب له. وأصلُ الصُّنْبورِ سَعَفةٌ تَنْبتُ في جِذْعِ النخلةِ لا في الأرض. وقيل: هي النخلةُ المنفردةُ التي يَدِقُّ أسفلُها. أرادوا أنه إذا قُلعَ انقطعَ ذِكرُه، كما يَذْهبُ أثرُ الصُّنبورِ، لأنه لا عقبَ له».
стр. 9286
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الكوثر، سقاه الله من كل نهر في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أَوْ يُقَرِّبونَه)، عن بعضهم: "أو" للتنويع.
تَمَّتِ السُّورة
*****
стр. 9287
سورة الكافرون
مكية، وهي ست آيات
ويقال لها ولسورة الإخلاص: المقشقشتان، أي: المبرئتان من النفاق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)] ١ - ٦ [
المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون. روى أنّ رهطا من قريش قالوا: يا محمد، هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الكافرون
مكية، وهي ست آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قولُه: (ونَتَّبعُ)، عن بعضِهم: هو عطفٌ على محلِّ "فاتَّتبعْ"، لأنه لو كان مضارعًا لكان مجزومًا، أنه جوابُ "هَلُمَّ". وقولُه: "نعبدُ" إلى آخره، تفسير.
стр. 9288
فقال: (معاذ الله أن أشرك بالله غيره) فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت؛ فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرأها عليهم؛ فأيسوا. (لا أَعْبُدُ) أريدت به العبادة فيما يستقبل، لأن (لا) لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن (ما) لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال، ألا ترى أن (لن) تأكيد فيما تنفيه (لا). وقال الخليل في (لن): إنّ أصله (لا أن) والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه منى من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي. (وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ) أي: وما كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه، يعنى: لم تعهد منى عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى منى في الإسلام. (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) أي: وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.
فإن قلت: فهلا قيل: ما عبدت، كما قيل: ما عبدتم؟
قلت: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن يعبد الله تعالى في ذلك الوقت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (فاستلمْ)، أَيْ: قَبِّلْ؛ يقال: استلمِ الحجرَ، أي: صافحْه، ثُمّ عَمَّ في كلِّ مُماسّة.
قولُه: (فَهلّا قيل)، يعني: قولُه: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، قرينةٌ لقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، فلِمَ خولِفَ في الثانية إلى ﴿مَا أَعْبُدُ﴾، وكان الظاهر ﴿مَا عَبَدْتُ﴾، كما قيل في الأولى ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾؟
قولُه: (وهو لم يكنْ يعبدُ اللهَ تعالى في ١ لك الوقت)، الانتصاف: «هذا القولُ خطأٌ أصلًا وفرعًا، أما أصلُه فإنّ القدريّ يعتقدُ أنَّ النبي ﷺ ، لم يكنْ قبلَ البعثِ على دينِ نبيٍّ قبلَه، لأن ذلك غَميزةٌ في حقّه ومنفّرٌ عن اتّباعه، ويعتقدون أن الناسَ كلَّهم متعبّدون بمقتضى العقلِ بوجوبِ النظرِ في آياتِ الله وأدلّةِ توحيدِه ومعرفتِه، وأنّ وجوبَ النظرِ بالعقلِ لا بالسمع؛
стр. 9289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتلك عبادةُ قبل المبعث، يجبُ أن لا يظنوا به ﵇ الإخلالَ بها فأصلُهم حينئذٍ يقتضي أنه ﷺ كانَ قبلَ المبعثِ يعبدُ اللهَ ، فحافظَ الزمخشريُّ [على] هذا الأصلِ في عدمِ اتْباعِه لنبيٍّ سابق، فأخلَّ بالتفريعِ على أصلِه الآخرِ في وجوبِ العبادةِ بالعقل. والحقُّ أنه ﷺ كانَ متعبدًا قبلَ الوحي ويَتَحنّثُ في غارِ حراء؛ فإنْ كانَ مجئُ قولِه ﴿أَعْبُدُ﴾، لأن الماضي لم تحصلْ فيه العبادةُ المرادةُ في الآية، فيحملُ الأمرُ فيما عَبَدْتُ، على مدموعِ العبادةِ الحاصلةِ التي لم تُعلمْ إلّا بالشرع، لا على مجرّدِ توحيدِ الله ومعرفتِه؛ فإنّ ذلك لم يَزلْ ثابتًا له ﵇ قبل البعثة. وأما مجيئُه مضارعًا، فلتصوير عبادتِه في نفسِ السامعِ وتَمكُّنِها، كقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، والأصلُ: أصبحتْ؛ عُدلَ عنه للمعنى المذكور». وقلتُ: يجوزُ أن يُحملَ على الاستمرارِ في الماضي والآتي بقرينةِ التقابل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر: ٢٩]، بعطفِ الماضي على المستقبل. والصحيحُ أنه صلواتُ الله عليه كانَ المبعثِ متعبدًا بشرعٍ.
روى ابنُ الجوزي في كتابِ "الوفا"، عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ رحمه اللهُ تعالى: «مَن قالَ: إن رسولَ الله ﷺ كانَ على دينِ قومِه، فهو قولُ سوء، أليسَ انَ لا يأكلُ ما ذُبحَ على النُّصب؟ وقالَ أبو الوفاءِ عليٌّ بنُ عقيل: كان رسولُ الله ﷺ متدينًا قبلَ بعثتِه، بما يَصحُّ عنده أنه مِن شريعةِ إبراهيم ﵇، وأما بعدَ بعثتِه، فهل كانَ يتعبّدُ بشريعةِ مَن قبلَه؟
فيه روايتان: إحداهما: أنه كانَ متعبدًا بما صَحَّ مِن شرائعِ مَن قبلَه بطريقِ الوحيِ إليه،
стр. 9290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا من جهتِهم ولا نَقلِهم ولا كتبهم المنزلة، واختارها أبو الحسن التميميُّ، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ ﵏.
والروايةُ الثانية: أنه لم ينْ متعبدًا بشئٍ من الشرائعِ، إلّا ما أُوحيَ إليه من شريعتِه، وهو قولُ المعتزلةِ والأشعرية. ولأصحابِ الشافعيّ وجهانِ كالروايتين. واختلفَ القائلون بأنه متعبدٌ بشرعِ مَن قبلَه: بأيِّ شريعةٍ كان متعبدًا؟ قالَ بعضُهم: بشريعةِ موسى ﵇ إلّا ما نُسخَ في شرعنا. وظاهرُ كلامِ أحمدَ رحمه الله تعالى، أنه كانَ متعبدًا بكلِّ ما صَحَّ أنه شريعةٌ لنبيٍّ قبلَه، ما لم يثبتْ نسخْه، لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقالَ ابنُ قتيبة: لم تَزلِ العربُ على بقايا من دينِ إسماعيلَ ﵇، من ذلك: حجُّ البيت، والخِتان، وإيقاعُ الطلاقِ إذا كان ثلاثًا، وأن للزوجِ الرّجعةَ في الواحدةِ والاثنين، ودِيّةُ النفسِ مئٌ من الإبل، والغُسلُ من الجنابة، وتحريمُ ذواتِ المحارمِ بالقرابةِ والصِّهر، فكانَ رسولُ الله ﷺ على ما كانوا عليه من الإيمانِ بالله والعملِ بشرائعهم. وأما قولِه تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، يُعنى به: شرائعُ الإيمان، ولم يُردْ به الإيمانُ الذي هو الإقرارُ بالله». تَمَّ كلامُ ابن الجوزي.
وقلتُ: غرضُ المصنفِ من ارتكابِ هذا المحظور، دَفعُ التكرارِ من الكلام باختلافِ الزمانينِ المستقبلِ والماضي؛ فإنه جَعلَ القرينتينِ الأوليينِ للاستقبال والأخُريين للماضي، ولذلك توجّهَ عليه السؤال. والأوجَهُ أن يقال: إن الكلامَ ما وقع في عبادةِ رسولِ الله ﷺ ، وأنه أيُّ شئٍ عبد فيما مضى من الزمان، بل وقع فيما يُستقبل، كما يشهدُ له سَببُ النزولِ بقوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾، على ظاهره. وأما قولُه: ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ على الماضي، فللمبالغةِ مِن التبرّي عنهم وعن عبادتهم، فهو على خلافِ الظاهر.
стр. 9291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قالَ الإمام: «في الآيةِ قولان: الأولُ: أنه لا تكرارَ فيها، وفيه وجوه:
أحدهُا أنّ الأولَ للاستقبال، لأن "لا" لا تدخلُ إلّا على مضارعٍ في معنى الاستقبال، أي: لا أفعلُ في المستقبلِ ما تطلبونه مني من عبادةِ آلهتِكم، ولا أنتم فاعلون في المستقبلِ ما أطلبُ منكم من عبادةِ إلهي، ثمّ قالَ: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، أي: لستُ في الحالِ بعابدٍ معبوديكم، ولا أنتم في الحالِ بعابدين معبودي.
وثانيها: أن يُقلب، فيجعلَ الأولُ للحالِ والثاني للاستقبال، وعليه كلامُ الزجاجِ والواحدي ومحيي السُّنة؛ قال الواحدي: «وإنما جئَ بـ"ما" بدلَ "من" ليقابلَ قولَه ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ حملًا للثاني على الأول». وقال الزجاجُ ومحيي السُّنة: «هذا خطابٌ لمن سبقَ في علمِ الله أن لا يؤمن».
وثالثُها: قولُ أبي مسلم: المقصودُ من الأُولَيينِ المعبود، و"ما" بمعنى "الذي"، أي: لا أعبدُ الأصنامَ ولا تعبدونَ الله، وفي الأُخريَيْنِ "ما" مصدرية، أي: ولا أنا عابدٌ مثلَ عبادتكم المبنيّةِ على الشك، ولا أنتم عابدون مثلَ عبادتي المبنيّةِ على اليقين.
ورابعُها: أن تُحملَ الأولى على نفي الاعتبارِ الذي ذكروه، والثانيةُ على العامِ بجميعِ الجهات، أي: لا أعبدُ ما تعبدون رجاءَ أن تعبدوا الله، ولا أنتم عابدون رجاءَ أن أعبدَ صنمَكم، ثم قال: ولا أنا عابدٌ صنمَكم لغرضٍ من الأغراض، بوجهٍ من الوجوه، وكذا أنتم لا تعبدون اللهَ لغرضٍ من الأغراض؛ مثالُه: مَن يدعو غيرَه إلى الظلمِ لغرضِ التنعّم، فيقول: لا أظلمُ لغرضِ التنعّم، بل لا أظلمُ أصلًا، سواءٌ كان للتنعّمِ أو غيرِه.
стр. 9292
فإن قلت: فلم جاء على (ما) دون (من)؟
قلت: لأن المراد الصفة، كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق. وقيل: إن (ما) مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي. (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) لكم شرككم، ولى توحيدي. والمعنى: أنى نبيّ مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا منى ولم تتبعوني، فدعوني كفافًا ولا تدعوني إلى الشرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والقولُ الثاني: هو أن يُسلَّمَ حصولُ التكرار، وهو لوجهين: أحدُهما أن التكرارَ يفيدُ التوكيد، وكلّما كانتِ الحاجةُ إلى التوكيدِ أشدَّ كانَ التكريرُ أحسن، ولا موضعَ أحوجُ إلى التأكيدِ من هذا المقام؛ لأنهم رجعوا إليه في هذا المعنى مرارًا، وطمعوا فيه لما رأوا فيه من الحرصِ على إبمانهم.
وقالَ محيي السُّنة: «قالَ أكثرُ أهلِ العلم: إن القرآنَ نزلَ بلسانِ العربِ وعلى مجاري خطابِهم، ومن مذاهبِهم التكرارُ وإرادةَ التأكيدِ والإفهام، كما أن من مذاهبِهم الاختصارَ للتخفيفِ والإيجاز».
وقلتُ: هذا الوجهُ هو الذي اخترناه لطباقِه المقام، ثُمّ المختارُ الوجهُ الرابعُ من القولِ الأول.
وثانيهما: أنهم ذكروا تلك الكلمةَ مرتين، يعني: تعبدُ آلهتَنا شهرًا ونعبدُ إلهك شهرًا، وتعبد آهتَنا سنةً ونعبدُ إلهك سنة، فأتى الجوابُ على التكرار على وفِق قولِهم، وفيه ضَربُ من التهكُّم؛ فإنّ مَن كرّرَ الكلمةَ الواحدةَ لغرضٍ فاسد، فإنه يُجازى لدفعِ تلك الكلمةِ على سبيلِ التكرارِ استخفافًا». نقل هذا الوجهَ محيي السُّنةِ عن القُتَيْبي، أخصر منه.
قولُه: (فَدَعوني كَفافًا)، النهاية: «الكَفافُ هو الذي لا يفضُلُ عن الشئ، ويكونُ بقَدرِ
стр. 9293
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "الكافرون"، فكأنما قرأ ربع القرآن، وتباعدت منه مردة الشياطين، وبريء من الشرك ويعافى من الفزع الأكبر».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحاجةِ إليه، وهو نصبٌ على الحال. وقيل: أرادَ به مكفوفًا عنِّي شَرُّهم. وقيل: أن لا تنالوا منّي ولا أنا أنالُ منكم، أي: تكفّونَ عني وأكفُّ عنكم». فإذن، في قولِه ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ معنى المُتاركةِ وتقريرُ كلِّ من الفريقين الآخرَ على دينه، فيكون منسوخًا بآيةِ القتال.
وقال القاضي: «ولي ديني الذي أنا عليه لا أرفضُه، فليس فيه إذنٌ في الكفرِ ولا مَنعٌ عن الجهاد، فلا يكونُ منسوخًا». وقد فُسِّرَ "الدِّينُ" بالحسابِ والجزاءِ والدعاءِ والعبادة.
قولُه: (فكأنما قرأ ربع القرآن)، روينا عن الترمذي، عن ابنِ عباسٍ وأنس، قالا: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَن قرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، عَدلتْ له رُبعَ القرآن».
تَمّتِ السُّورَة
*************
стр. 9294
سورة النصر
مدنية وهي ثلاث آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) ١ - ٣)
(إِذا) منصوب بـ (سبح)، وهو لما يستقبل. والاعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوّة. روى أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع. فإن قلت: ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف عليه؟
قلت: النصر الاغاثة والاظهار على العدوّ. ومنه: نصر الله الأرض غاثها. والفتح: فتح البلاد. والمعنى: نصر رسول الله ﷺ على العرب. أو على قريش وفتح مكة. وقيل: جنس نصر الله للمؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم، وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة النصر
مدنية وهي ثلاث آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أو على قريش وفتح مكّة) , قال القاضي: (قيل: المراد جنس نصر الله وفتح مكّة وسائر البلاد عليهم, وإنما عبّر عن المحصول بالمجيء تجوّزا, للاشعار بأن المقدّرات متوجهة
стр. 9295
سنة ثمان، ومع رسول الله ﷺ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وأقام بها خمس عشرة ليلة، ثم خرج إلى هوازن، وحين دخلها وقف على باب الكعبة، ثم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده"، ثم قال: "يا أهل مكة، ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا؛ أخ كريم وابن أخ كريم". قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئًا، فلذلك سمى أهل مكة الطلقاء، ثم بايعوه على الإسلام، (فِي دِينِ اللَّهِ) في ملة الإسلام التي لا دين له يضاف إليه غيرها، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)] آل عمران: ٨٥ [. (أَفْواجاً) جماعات كثيفة؛ كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون فيه واحدًا واحدًا واثنين اثنين. وعن جابر بن عبد الله ﵁، أنه بكى ذات يوم، فقيل له
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الأزلِ إلى أوقاتِها المعيَّنةِ لها، فتَقْرُبُ منها شيئًا فشيئًا، أي: قد قربَ النصرُ من وقتِه، فكن مترقّبًا لوروده مستعدًّا لشكره».
وقلتُ: فيه وفي كلامِ المصنِّفِ نَظَر، لأن فتحَ مكةَ مقدّمٌ على نزولِ السورة، لِما روينا عن مسلم، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عتبة، قال: قالَ لي ابنُ عباس: «أتدري آخرَ سورةٍ نزلتْ من القرآنِ جميعًا؟ » قلتُ: نعم، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال: "صدقت". وفي كلام المصنّفِ إيذانٌ به، وذلك أنه قال: «وكان فتحُ مكةَ لعشرٍ مَضَيْنَ من شهرِ رمضانَ سنةَ ثمان». وقيل: إنها نزلتْ في أيامِ التشريقِ بمِنىّ في حجّةِ الوداع، وكانتْ حجّةُ الوداعِ في السَّنةِ العاشرة، لأنه صلواتُ الله عليه، مكثَ تسعَ سنينَ ولم يَحجَّ، ثم أُذنَ له في السنةِ العاشرة.
قولُه: (وعن جابِر بنِ عبدِ الله ﵁، أنه بكى ذاتِ يوم)، الحديثُ أخرجَه أحمدُ
стр. 9296
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «دخل الناس في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا» وقيل: أراد بالناس أهل اليمن. قال أبو هريرة: لما نزلت، قال رسول الله ﷺ : «الله أكبر جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن: قوم رقيقة قلوبهم، الإيمان يمان، والفقه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابنُ حنبلٍ عنه، ورواه الدّراميُّ عن أبي هريرة.
قولُه: (الإيمانُ يَمانٍ)، الحديثُ من روايةِ البخاري ومسلم والتّرمذي عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «أتاكم أهلُ اليمن؛ فإنهم أرقُّ أفئدةً، وألينُ قلوبًا، الإيمانُ يَمانٍ، والحكمةُ يَمانِيَة»، وفي روايةٍ: "الفقهُ يَمان"، الحديث.
النهاية: «إنما قالَ: الإيمانُ يَمانٍ والحكمةُ يَمانِيَة، لأنّ الإيمانَ بدأ من مكة، وهي من تِهامة، وتهامةُ من أرضِ اليمن، ولهذا يقال: الكعبةُ اليمانية. وقيل: إنه صلواتُ الله عليه قالَ هذا القولَ وهو بتبوك، ومكةُ والمدينةُ يومئذٍ بينه وبين اليمن، فأشارَ إلى ناحيةِ اليمنِ وهو يريدُ مكةَ والمدينة. وقيلَ: أرادَ بهذا القولِ الأنصارَ لأنهم يمانيون، وهم نَصروا الإيمانَ والمؤمنين وآوَوْهم، فنُسبِ الإيمانُ إليهم»، لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩]. وعن غيرِه: أريدَ بالحكمةِ السُّنةُ والفقه، لقولِه تعالى: ﴿﴾ [الجمعة: ٢].
ويروى: الفقهُ يَمانٍ؛ هذا ثناءٌ على أهلِ اليمنِ لإسراعِهم إلى الإيمانِ، وحُسْنِ قَبولِهم إياه.
وقلتُ: لعلَّ المعنيَّ من الفقهِ، ما عَناهُ الحسنُ في ما روينا عن الدّرامي عن عمران، قال: قلتُ للحسنِ يومًا في شئٍ قاله" يا أبا سعيد، ليسَ هكذا تقولُ الفقهاء. فقال: «ويحك!
стр. 9297
يمان، والحكمة يمانية» وقال: "أجد نفس ربكم من قبل اليمن».
وعن الحسن: لما فتح رسول الله ﷺ مكة أقبلت العرب بعضها على بعض، فقالوا: أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس به يدان، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وعن كل من أرادهم، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجًا من غير قتال. وقرأ ابن عباس: فتح الله والنصر، وقرئ: يدخلون، على البناء للمفعول.
فإن قلت: ما محل (يدخلون)؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورأيتَ فقيهًا قَطُّ؟ إنّما الفقيهُ الزاهدُ في الدّنيا، الراغبُ في الآخرة، البصيرُ بأمرِ دينه، المداومُ على عبادة ِ ربّه».
قولُه: (أجدُ نَفَسَ ربّكم من قبلِ اليمن)، النهاية: «النّفَسُ مستعارٌ من نَفَس الهواءِ الذي يَرُدُّه التنفُّسُ إلى الجوف، فيُبْرِدُ من حرارتهِ ويُعدِّلُها، أو من نَفَسِ الرِّيحِ الذي يَتنسِّمُه فيستروحُ إليه، أو مِن نَفَسِ الرَّوْضةِ وهو طيبُ روائحها، فَينفرجُ به عنه. يقالُ: أنتَ في نَفَسٍ من أمرك، وأعملْ وأنتَ في نَفَسٍ من عمرك، أي: في سَعَةٍ وفُسْحة».
قولُه: (أّمَا إذْ ظَفِر)، يُروى "أما" مخفّفُا ومثقلًا. والثاني هو الوجه، لأنّ "أمّا" تفصيلية، أي: أمّا إذا لم يظفرْ بأهلِ الحرم، فكنّا نطمعُ في غَلَبتنا عليه، وأما إذْ ظفرَ به، فليس لنا به يدان.
стр. 9298
قلت: النصب إما على الحال، على أن رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت. أو هو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت. (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) فقل: سبحان الله؛ حامدًا له. أي: فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم، واحمده على صنعه. أو: فاذكره مسبحًا حامدًا، زيادة في عبادته والثناء عليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (فقل: سبحانَ الله: حامدًا له، أي: فتعجبْ)، والباءُ في ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ للحال، أي: قُلِ التسبيحَ وأنتَ ملتبسٌ بالحمد؛ فإذنْ لا يكونُ القصدُ بذكرِ التسبيح الذكر. قال: «والأصلُ في ذلك أن يسبحَ الله في رُؤيةِ العجيبِ من صنائعِه، ثم كثرَ حتى استُعملِ في كلِّ متعجَّبٍ منه». "الانتصاف": «الأمرُ على هذا بمعنى الخبر، لأن الأمرَ في صيغةِ التعجّبِ ليسَ مرادًا، والمرادُ أن هه القصةَ من شأنِها أن يُتعجَّبَ منها».
قولُه: (أو: فاذكرْه مسبِّحًا حامدًا)، فعلى هذا، يكونُ القصدُ بذكرِ التسبيح، الذكرَ على سبيلِ التضمين، ولذلك أوقعَه حالًا، و ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حالٌ على التداخلِ، لأن التضمينَ يجعلُ المضمّنَ حالًا في الأكثر. قالَ القاضي: «المعنى: فأثنِ على الله بصفاتِ الجلالِ، حامدًا له على صفاتِ الإكرام».
وقلتُ: هذا الوجهُ أولى من الأولِ وأحسنُ التئامًا، وقد مَرّ في سورةِ الفتح أنه تعالى، إنما جعلَ فتحَ مكةَ عِلةً للمغفرة، لأنه كان سببًا لأن يؤمرَ رسولُ الله ﷺ بالاشتغالِ بخاصّةِ نفسِه، بعدَ بَذْلِ المجهودِ فيما كُلِّفَ به من تبليغِ الرسالةِ ومجاهدةِ أعداءِ الدين، وبالإقبالِ على العبادةِ والتقوى، والتأهُّبِ للمسيرِ إلى المقاماتِ العليةِ واللُّحوقِ بالرفيقِ الأعلى، وإليه يُلمّحُ
стр. 9299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقولِه: «إنّ عبدًا خَيَّرَه اللهُ بين الدنيا وبين لقائِه، فاختارَ لقاءَ الله». ومن ثَمّ بكى عَمُّه العباسُ حين تُليتْ عليه السورة، وقَالَ: نُعيتْ إليك نفسُك.
وهذا المعنى هو الذي فَهمَ منه ابنُ عمِّه حَبْرُ الأمة، حين ردّ على أولئك الشيوخ، وقال: نُعيتْ إليه نفسُه، وصَدَّقَه عمرُ ﵁. وأما ما روى محيي السُّنة عن محمدِ بنِ جريرٍ أن قولَه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، راجعٌ إلى قولِه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى قولِه ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: واستغفره ليغفرَ لك اللهُ؛ فالمرادُ منه أن هذا التعليل متعلقٌ بمضمرٍ بعد قولِه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ﴾، لأن مرجعَ السُّورتين إلى قصةٍ واحدةٍ وحالةٍ متحدة، لا أنّ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ متعلقٌ بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ بعينه، لِما يؤدي إلى إخلالِ النظمِ المعجزِ الفائتِ للقُوى والقَدَر، فكيف ونزولُ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾، كان قبلَ فتحِ مكةَ بعدَ مرجعِ رسولِ الله ﷺ من الحُدَيْبية، وتأخُّرُ نزولِ سورةِ النصرِ عن الفتحِ بسنتين؟ وقد أسلفنا في سورةِ هودٍ قانونًا يضمّ أطرافِ قصةٍ واحدة، في مقاماتٍ شتّى، على أنحاءٍ مختلفة.
فإن قلتَ: قد ذَلَّ اتحادُ القصةِ على هذا المُقدّر، فما تَصنعُ بما روى محيي السُّنةِ أيضًا عن الحسينِ بنِ الفضل، أن قولَه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ مردودٌ إلى قولِه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
стр. 9300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، أي: استغفرْ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾، و ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥].
قلتُ: هذا ممّا يقوي ما آثرناه من التعلّقِ المعنوي؛ لأنك إذا جعلتَ التعلُّقَ فيه لفظيًا، وقعتَ في فيفاءَ، وخبطتَ خبطَ عشواء، ألا ترى كيف قُرِنَ مع ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ قولُه ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهو عِلةٌ لقولِه ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]، المعلَّلِ بقولِه: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾، وعُطفَ عليه ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾، كما قالَ المصنف: «ومن قضيّتِه أن سَكَّن قلوبَ المؤمنين»، إلى قولِه: «فيستحقوا الثوابَ فيثيبَهم، ويعذّبَ الكافرين والمنافقين».
وعلى هذا وردَ ما روينا عن مسلمٍ والترمذي، عن أنس: لَمّا نَزلتْ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٥]، مَرْجِعَه من الجديبية، وهم يخالطُهم الزنُ والكآبة، وقد نَحَرَ الهَدْيَ بالحُدَيْبية، قالَ رسولُ الله ﷺ : «لقد أُنزلتْ عليَّ آيةٌ هي أحبُّ إلىَّ من الدنيا جميعًا». وفي روايةِ الترمذي: «فقالوا: هنيئًا مريئًا يا رسولَ الله، لقد بَيَّنَ لك اللهُ ما يُفعلَ بك، فماذا يفعلُ بنا؟ » فنزلتْ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. ولعلَّ القائلَ لمَّا نَظرَ أن رسولَ الله ﷺ ، إذا استغفرَ لذنبِه وذنبِ المؤمنين، لا بُدَّ أن يَغفرَ اللهُ له، ويستجيبَ دعاءَه في حقِّ أُمتِه، كما قالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، عُلِّق به من حيثُ المعنى، ولأجلِ هذه الدَّقيقة، آثر لفظِ راجعٌ ومردودٌ على متعلق، والله أعلم.
стр. 9301
لزيادة إنعامه عليك، أو فصل له. روت أمّ هانئ: أنه لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثماني ركعات، وعن عائشة: كان ﵊ يكثر قبل موته أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك»، والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين: من الجمع بين الطاعة والاحتراس من المعصية، ليكون أمره بذلك مع عصمته لطفًا لأمته؛ ولأنّ الاستغفار من التواضع لله وهضم النفس، فهو عبادة في نفسه. وعن النبي ﷺ : «إني لأستغفر في اليوم والليلة مائة مرة»، وروى: أنه لما قرأها رسول الله، ﵌، على أصحابه استبشروا وبكى العباس، فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك يا عم»؟ قال: نعيت إليك نفسك. قال: «إنها لكما تقول»،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (صلاةَ الضحى ثمانيَ ركعات)، الحديثُ رويناه في "صحيح البخاري".
قولُه: (كانَ يكثرُ قبلَ موتِه)، الحديثُ رواه البخاري ومسلم.
قولُه: (والأمرُ بالاستغفارِ مع التسبيحِ تكميل)، التكميلُ في الصناعةِ، هو أن يُؤتى بكلامٍ فيُرى ناقصًا فَيُتمَّمُ بكلامٍ آخر. وها هنا، الأمرُ بالتسبيحِ: أمرٌ بالطاعةِ، والإتيانُ بالطّاعات، لا يكونُ كاملًا ما لم يُضَمَّ معها الاحترازُ عن المعاصي، قالَ القاضي: «واستغفره هضمًا لنفسِك واستقصارًا لعملِك، واستدراكًا لِما فرط منك بالالتفاتِ إلى الغير، وقيل: استغفره لأمتك. وتقديمُ التسبيحِ ثُمّ الحمدِ على الاستغفار، على طريقة النزولِ من الخالقِ إلى الخَلْق».
قولُه: (إني لأستغفرُ في اليومِ [والليلةِ] مئة مرّة)، رواه البخاريُّ والترمذيُّ عن أبي هريرة.
стр. 9302
فعاش بعدها سنتين لم ير فيهما ضاحكا مستبشرا، وقيل: إن ابن عباس هو الذي قال ذلك؛ فقال رسول الله ﷺ : «لقد أوتى هذا الغلام علمًا كثيرًا».
وروى: أنها لما نزلت خطب رسول الله ﷺ فقال: «إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء الله»، فعلم أبو بكر ﵁، فقال: فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا. وعن ابن عباس: أن عمر ﵄ كان يدنيه ويأذن له مع أهل بدر، فقال عبد الرحمن: أتأذن لهذا الفتى معنا وفي أبائنا من هو مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم. قال ابن عباس: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن قول الله تعالى: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ) ولا أراه سألهم إلا من أجلى؛ فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه؛ فقلت: ليس كذلك، ولكن نعيت إليه نفسه؛ فقال عمر: ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم، ثم قال: كيف تلومونني عليه بعد ما ترون؟ وعن النبي ﷺ : أنه دعا فاطمة ﵂ فقال: «يا بنتاه إنه نعيت إلىّ نفسي"، فبكت، فقال: "لا تبكى، فإنك أوّل أهلي لحوقًا بي». وعن ابن مسعود أنّ هذه السورة تسمى سورة التوديع، (كانَ تَوَّاباً) أي: كان في الأزمنة الماضية منذ خلق المكلفين توابًا عليهم إذا استغفروا، فعلى كل مستغفر أن يتوقع مثل ذلك.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (إذا جاء نصر الله)، أعطى من الأجر كمن شهد مع محمٍد يوم فتح مكة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وعن ابنِ عباسٍ: أن عمرَ ﵁ يُدْينه) الحديثُ أخرجَه الإمامُ أحمدُ والبخاريُّ والترمذيُّ.
قولُه: (يُدْينه)، أي: يقدّمه ويسوّيه مع الشيوخ، ويأذنُ له في الدخولِ عليه.
قولُه: (دعا فاطمةَ ﵂، الحديثُ مختصرٌ من روايةِ الدرامي، عن ابنِ عباس.
**************
стр. 9303
سورة (تبت)
مكية، وهي خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)] ١ - ٥ [
التباب: الهلاك. ومنه قولهم: أشابة أم تابة، أي: هالكة من الهرم والتعجيز.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة ﴿تَبَّتْ﴾
مكية، وهي خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قولُه: (التباب: الهلاك)، الراغب: «التَّبُّ والتَّباب: الاستمرار في الخسران، يقال: تبًّا له وتبٌّ له وتَببْتُه: إذا قلتُ له ذلك، ولتضمّن ِالاستمرار قيل: استتبَّ لفلانٍ كذا، أي: استمرَّ. و " تَبّتْ يدا أبي لهب"، أي: استمرت في الخُسران، قال الله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]، أي: تخسير».
قولهُ: (والتَّعْجيز)، عن بعضهم: عَجَزَتِ المرأةُ وعَجّزتْ: إذا صارت عجوزًا، كما تقول: تَثيّبتِ المرأة، إذا صارت ثَيِّبة.
стр. 9304
والمعنى: هلكت يداه؛ لأنه فيما يروى: أخذ حجرًا ليرمى به رسول الله ﷺ (وَتَبَّ) وهلك كله، أو جعلت يداه هالكتين. والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى: (بِما قَدَّمَتْ يَداكَ)] الحج: ١٠ [ومعنى: (وَتَبَّ): وكان ذلك وحصل، كقوله:
جزاني جزاه الله شرّ جزائه … جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (والمراد: هلاك جُملته)، ونحوه قول الشاعر:
وإنّ امرءًا ضَنَّتْ يَداهُ على امرئٍ … بِنَيْلِ يدٍ من غيرِه لبخيلُ
أي: ضنّ على امرئٍ. الجوهري: «يُقال: هذا ما جَنَتْ يداك، أي: جَنَيت».
قولُه: (ومعنى ﴿وَتَبَّ﴾: وكان ذلك وحَصَل)، عن بعضهم: فتَبَّ على الأولِ: دعاءٌ، وعلى الثاني: خبر. و «تَبَّتْ» دعاءٌ على كلِّ حال. قال الإمام: «يجوزُ أن يراد بالأولِ هلاكُ عملِه، وبالثاني هلاكُ نفسِه، ووجهُهُ أن المرءَ إنما يسعى لمصلحةِ نفسِه وعملِه، فأخبرَ اللهُ تعالى أنه محرومٌ من الأمرين».
وقلتُ: النظمُ يساعدُ قولَ الإمام، لأن ما بعدَه بيانٌ وتفسير؛ فإنّ قولَه: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، إشارةٌ إلى هلاكِ عملِه، وقولَه: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، إشارةٌ إلى هلاكِ نفسِه. وقال «تَبَّ» أولًا على الماضي، ليؤذنَ بالقطعِ على سننِ إخبارِ الله عن المستقبل، و ﴿سَيَصْلَى﴾ ثانيًا على الاستقبال، حكايةً للحالِ الآتية، تصويرًا لها في مشاهدةِ السامع.
يؤيدُه أيضًا قراءةُ ابنِ مسعود ﵁: «وقد تَبَّ»، لأن «قد» للتحقيق كما في قول الشاعر.
وقد فَعَلْ.
стр. 9305
ويدل عليه قراءة ابن مسعود: (وقد تب)، وروى: أنه لما نزل (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)] الشعراء: ٢١٤ [رقى الصفا وقال: يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال: يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلًا أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم؛ قال: فإني نذير لكم بين يدي الساعة؛ فقال أبو لهب: تبًا لك، ألهذا دعوتنا؟ فنزلت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقديره: جَزاني جزاء الكلابِ العاويات، ويروى: العاديات، جزاهُ اللهُ شَرَّ جزائِه وقد فعلَ ذلك، أي: كانَ ذلك وقد حَصَل.
قولُه: (وروي أنه لمّا نزل ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤])، الحديث ن رواية البخاريُّ ومسلمٍ والإمام أحمد َ والترمذيِّ، عن ابنِ عباس، قال: " لمّا نزلتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صعِدَ النبيُّ ﷺ على الصَّفا، فجعلَ ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عديّ، لبطونِ قريش، حتى اجتمعوا، فجعلَ الرجلُ إذا لم يستطعْ أن يخرجَ، أرسلَ رسولًا لينظرَ ما هو، فجاءَ أبو لهبِ وقريش. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريدُ أن تغيرَ عليكم، كنتم مصدِّقيّ؟ قالوا: نعم، ما جَربّنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذيرٌ لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديد. فقالَ أبو لهب: تَبًّا لك سائرَ اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلتْ.
قولُه: (يا صَباحاه)، النهاية «هذه كلمةٌ بقولُها المستغيث، وأصلها: إذا صاحوا للغارة؛ لأنهم أكثرُ ما كانوا يُغيرونَ عند الصباح، فكأنه يريد: قد جاءَ الصباحُ فتأهبوا».
قولُه: (بسَفْحِ هذا الجبل)، سَفْحُ الجبلِ: أسفلُه، حيثُ يُسفحُ فيه الماء.
стр. 9306
فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمه؟
قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهرًا بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفًا بأحدهما، ولذلك تجرى الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء، وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ: "يدا أبو لهب"، كما قيل: على بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان؛ لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله بالجرّ، والآخر عبد الله بالنصب. كان بمكة رجل يقال له: عبد الله بجرّة الدال، لا يعرف إلا هكذا.
والثاني: أنه كان اسمه عبد العزي، فعدل عنه إلى كنيته.
والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته؛ فكان جديرًا بأن يذكر بها. ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير، وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله ﷺ أبا المهلب أبا صفرة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (لئلا يُغيّرَ منه شئٌ فيشكلُ على السامع)، "الانتصاف": «وفيهِ دليلٌ على أن الرّفعَ أسبقُ وحوهِ الإعراب، ألا تراهم حافظوا على صورتِه وصيغته، فاشتُهرَ الاسمُ بهذا، وعُدلَ عن اسمِه عبد العُزّى إلى كُنْيتِه لكراهيتِه».
قولُه: (ولِفلِيتةَ)، فَلِيتة: بالفاء المفتوحةِ واللام المكسورة، ويُروى: (ولفُكَيْتة) بالكافِ والتصغير.
قولُه: (وكما كنّي رسول الله ﷺ أبا المهلَّب: أبا صُفرة)، وليسَ في "جامعِ الأصولِ" له ذِكْر. وأما المهلَّبُ، فهو أبو سعيدٍ، المهلّبُ بنُ أبي صُفرة. وأبو صُفرة اسمُه ظالمُ بن سَرَّاق بنِ صبيح~ الأزدي. ومهلَّبُ صاحبُ الحروبِ المشهورة مع الخوارجِ، مات سنةَ ثلاثٍ وثمانين
стр. 9307
بصفرة في وجهه. وقيل: كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكمًا به، وبافتخاره بذلك. وقرئ: (أبى لهب) بالسكون، وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم. (ما أَغْنى) استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفى، (وَما كَسَبَ) مرفوع، وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه. أو: وكسبه. والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعنى: رأس المال والأرباح، أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمّرْو الُّروذ، في أيام بد الملك بنِ مروان، وهو من الطبقةِ الأولى من تابعي البصرة، رأى عمرَ بن الخطاب ﵁.
قولُه: (وقيل: كُنّي بذلك)، هذا قسيمٌ للوجه الثالث وليسَ بوجهٍ رابع، يعني: أوثرتِ الكنيةُ إما لاشتهارِه بها واختصاصِها به، حتى إنه لو سُمّي لالتبس، أو إنهما سِيِّان، فَعُدلَ إلى الكنيةِ ولو سُمّي لجاز، أو عُدل إليها رعايةُ لنكتة، وهي إما لأنه يكنى بها، أنه جَهَنّميّ، كنايةَ مُجّردة أو مع التهكّم. وقد أشارَ صاحبُ "المفتاح" إلى الوجه الأول، والأولِ من الثالث.
قولُه: (وقرئ: "أبي لَهْبٍ" بالسكون)، ابنُ كثير، والباقونَ: بفتحِ الهاء. قالَ أبو البقاء: " ﴿لَهَبٍ﴾ بالفحِ والإسكانِ لغتان".
قولُه: (ومَحَلُّه النصب)، أي على أنه مفعولٌ مطلق، أَي: أيَّ غناء. ذكرَ أبو البقاءِ الوجهين، وقال: "ما" لا يكونُ بمعنى "الذي". رُوي عن المصنف: المالُ اسمٌ عام؛ فعندَ أهلِ البدوِ استعملَ في الإبل، وعند دَهاقتِهم في الضّيعة.
стр. 9308
وكان ذا سابياء، أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه، أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس: ما كسب ولده. وحكي أن بني أبى لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع فغضب، فقال: أخرجوا عنى الكسب الخبيث، ومنه قوله عليه الصلاة السلام: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه»، وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعنى كيده في عداوة رسول الله ﷺ . وعن قتادة: عمله الذي ظن أنه منه على شيء، كقوله: (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ)] الفرقان: ٢٣ [وروى أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقًا، فأنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدي، (سَيَصْلى) قرئ: بفتح الياء وبضمها مخففًا ومشددًا، والسين للوعيد، أي: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته. (وَامْرَأَتُهُ) هي أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ . وقيل: كانت تمشى بالنميمة، ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وكانَ ذا سايباء)، النهاية: «السَّايباء: النتاج في المواشي وكثرتِها، يقالُ: إنّ لآلِ فلانٍ سايباء، والجمع السَّوابي، وهي في الأصل الجلدةُ التي يخرجُ منها الولد، وقيل: هي المشيمة». وعن بعضهم: سايباء غيرُ منصرف، وهو اسمُ النتاج.٤
قولُه: (التَّالِد)، وهو المالُ القديم، نقيضُ الطارف.
قولُه: (إن أطيبَ ما يأكلُ الرجل)، الحديثُ أخرجه أبو داودَ، عن عائشة-﵂.
قولُه: (سَيَصْلى: قرئَ بفتحِ الياء)، وهي المشهورة، وبالضمّ شاذّة.
стр. 9309
أي: يوقد بينهم النائرة ويورّث الشر. قال:
من البيض لم تصطد على ظهر لأمة … ولم تمش بين الحىّ بالحطب الرّطب
جعله رطبًا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر، ورفعت عطفًا على الضمير في سَيَصْلى أي: سيصلى هو وامرأته. و (فِي جِيدِها) في موضع الحال، أو على الابتداء، وفي جيدها: الخبر. وقرئ: (حمالة الحطب) بالنصب على الشتم؛ وأنا أستحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بجميل: من أحب شتم أم جميل. وقرئ: (حمالة للحطب) و (حمالة للحطب): بالتنوين، والرفع والنصب. وقرئ: (ومريته) بالتصغير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (مِن البِيضِ لم تُصْطَدْ) البيت، لم تُصْطَدْ: لم توجَد؛ شُبّهتْ بالمها وأُجري صفتُها عليها. واللامةُ: الأمرُ الذي يُلام عليه، أي: لم توجدْ راكبةَ خصلةٍ تُلامُ عليها؛ يصفُ امرأةً بكرامةِ العِرْض. ويُروى: بالخطرِ الرَّطب. الخطرُ الرطبُ: الخطبُ الذي يُخْطر به، أي: يُجعلْ منه خطيرةٌ، والمعنى: لم يمشِ بالنميمةِ بين الناسِ، فتُلقى فيهم العداوة.
قولُه: (جعلُه رطبًا ليدلَّ على التدخينِ الذي هو زيادةٌ في الشر)، يعني: ما كفى بأن جعلَه خطبًا بل جعلَه رطبًا للإيغالِ والتنميمِ لإرادةِ المبالغة، قال امرؤ القيس:
حملتُ رُدَيْنيًّا كأنّ سنانَه … سَنا لهَب لم يتصلْ بدُخان
قولُه: (قُرئَ: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، بالنصب)، عاصمٌ، والباقون: بالرفع.
стр. 9310
المسد: الذي فتل من الحبال فتلًا شديدًا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما، قال:
ومسد أمرّ من أيانق
ورجل ممسود الخلق مجدوله. والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون، تخسيسًا لحالها، وتحقيرًا لها، وتصويرًا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أيانق)، تمامُه عن الزجاج.
صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مخٌّ راهقِ
الأصهب، وفي "المطلع": ليسَ بأنيابٍ ولا حقائق. أُمِرّ: أَيْ فُتِل. الأيانقُ جمعُ أَيْنَق، وهو جمعُ ناقة؛ أرادَ أن المسدَ فُتِلَ من جلدِ الأيانق. صُهبٍ: صفةٌ لأيانق. الأصهبُ من الإبل: الذي يخالطُ بياضَه حمرة. راهق: مستعارٌ من راهقَ الغلامُ فهو مراهق. والأنيابُ جمعُ ناب. يعني: هذا المسَد لم يُتَخذ من جلدِ صغيرةٍ ولا كبيرة، وإنما اتخذ من جلدِ فتيّةٍ قويّة.
قولُه: (مجدولُه)، الجوهري: " جاريةٌ مجدولةُ الخَلْق: حسنةُ الجدل".
قولُه: (من المواهِنِ)، جمعُ الماهنة، الَمهْنَةُ بالفتحِ: الخدمة، والماهَنُ: الخادم.
стр. 9311
لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها؛ وهما في بيت العز والشرف، وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس بن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب، فقال
ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي … أم ما تعيّر من حمّالة الحطب
غرّاء شادخة في المجد غرّتها … كانت سليلة شيخ ناقب الحسب
ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك؛ فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم، أو من الضريع وفي جيدها حبل مما مسد من سلاسل النار؛ كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (تبت)، رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (لِتَمْتعض)، مَعِضْتُ من ذلك الأمرِ أَمعضُ معضًا، وامتعضتُ منه، إذا غضبتَ وشقَّ عليك.
قولُه: (ماذا أَرَدْتَ) البيتين، أَرَدْتَ: أي: مِلْتَ: ضُمّنَ الإرادةُ معنى الميل وعُدِّي بإلى. الشَّادخة: الغُرَّةُ التي فَشَتْ في الوجهِ من الناصيةِ إلى الأنفِ ولم تُصبْ العينين، يوصفُ بها كرائمُ الخيل. والمرادُ بالشيخِ عبدُ المطلبِ وليسَ به؛ لأنها بنتُ حربٍ، أُختُ أبي سفيانَ كما ذكره.
قولُه: (ويُحتملُ أن يكونَ المعنى أن حالها تكونُ في نارِ جهنّمَ على الصورةِ التي كانت عليها)، فعلى هذا: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، الجملةُ حالٌ من الضميرِ في ﴿سَيَصْلَى﴾،
стр. 9312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو يعطفُ ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ على الضمير. وعلى الأولِ لا يجوزُ الحال، بل عطفُ جملةٍ على جملة، قالَ أبو البقاء: «(امرأتُه) فيه وجهان: أحدهما مبتدأٌ والخبرُ حَمّالة"، وثانيهما هو معطوفٌ على الضمير في ﴿سَيَصْلَى﴾؛ فعلى هذا، في "حَمّالة" وجهان: أحدهما نعتٌ لِما قبلَه، والثاني تقديرُه: وهي حَمّالة».
تَمَّتِ السُّورة
************
стр. 9313
سورة الإخلاص
مكية، وقيل: مدنية، وهي أربع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)] ١ - ٤ [
(هُوَ) ضمير الشأن، و (اللَّهُ أَحَدٌ) هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أنّ الله واحد لا ثاني له.
فإن قلت: ما محل (هو)؟
قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة.
فإن قلت: فالجملة الواقعة خبرًا لا بد فيها من راجع إلى المبتدأ، فأين الراجع؟
قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك: (زيد غلامك) في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ) هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك (زيد أبوه منطلق)؛ فإنّ زيدًا والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت، يعنى: الذي سألتموني وصفه هو الله، و (أحد): بدل من قوله: (الله)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الإخلاص
مكية، وقيل مدنية، وهي أربع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قولُه: (الذي سألتموني وَصْفَه هو الله، و ﴿أَحَدٌ﴾ بدل)، قالَ أبو البقاء: «﴿هُوَ﴾: مبتدأُ
стр. 9314
أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله: وحد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمعنى المسؤولِ عنه؛ لأنهم قالوا: ربُّك من نحاس أم من ذهب؟ فعلى هذا: يجوزُ أن يكونَ ﴿اللَّهُ﴾ خبرَ المبتدأ، و ﴿أَحَدٌ﴾ بدل، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. يجوزُ أن يكونَ ﴿اللَّهُ﴾ بدلًا، و ﴿أَحَدٌ﴾ الخبر. وهمزةُ ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من الواو؛ لأنه بمعنى الواحد»، وإبدالُ الواو المفتوحةِ همزةً قليل، وقيل: الهمزةُ أصلٌ كالهمزة في ﴿أَحَدٌ﴾ المستعمل للعموم.
قولُه: (وهو بمعنى واحد)، وفيه احتمالان: أحدُهما أن يتعلقَ بالوجهِ الثاني، وهو أن يكون ﴿هُوَ﴾ جوابًا عن قولهم: صِفْ لنا ربك، ولفظةُ ﴿هُوَ﴾ ضميرُ المسؤول؛ فإذن لابُدَّ من الفرقِ بين واحد وأَحد؛ قال في " الأحزاب": «أحدٌ في الأصلِ بمعنى وَحَدٍ، وهو الواحد، ثم وضعَ في النفيِ العامِّ مستويًا فيه المذكرُ والمؤنتُ والواحدُ وما وراءَه».
وروى صاحبُ "النهاية" عن الأزهري أنه قال: «الفرقُ بين الواحدِ والأحدِ: أن الأحدَ بُني لنفيِ ما يُذْكَرُ معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد، والواحدُ: اسمٌ بني لمفتتحِ العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد؛ فالواحدُ منفردٌ بالذاتِ في عدمِ المثلِ والنظير، والأحدُ منفردٌ بالمعنى. وقيل: الواحدُ هو الذي يتجزّأ، ولا يُثنى، ولا يقبلُ الانقسام، ولا نظيرَ له ولا مِثْل، ولا يَجمعُ هذين الوصفين إلى الله تعالى».
وقال الأزهريُّ في "تفسير أسماء الله الحسنى": «الأحدُ من صفاتِ الله التي استأثرَ اللهُ بها، فلايشركه فيها شئٌ، ولا يوصفُ شئٌ بالأحدِ غيرُ الله؛ لا يقال: رجلٌ احدٌ، ولا درهمٌ أحدٌ؛ وإنما يقال: رجلٌ واحدٌ».
стр. 9315
وقرأ عبد الله وأبىّ: (هو الله أحد) بغير (قُلْ)، وفي قراءة النبي ﷺ : (الله أحد) بغير (قُلْ هُوَ)، وقال: "من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن). وقرأ الأعمش: (قل هو الله الواحد). وقرئ: (أحد الله) بغير تنوين؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا عُلِمَ هذا، فنقول: إنهم لما قالوا: صِفْ لنا ربَّك الذي تدعونا إليه، قيل لهم: المسؤول عنه الله، وهو واحدٌ متفردٌ بالذاتِ في عدم المثلِ والنظير؛ فإجراءُ الكلامِ للتمييز، والصّفةُ فارقة. وإن استلزمَ التعظيم؛ لأنه ابتداءُ أمرِ الرسول ﷺ ، إرشادًا للقوم، وتنبيهًا على معبودٍ عظيمِ الشأنِ قاهرِ السلطان، فكأنه قيل: قُلْ يا محمدُ: الشأنُ والأمرُ أن الله أحدٌ لا ثاني له، فَدلَّ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾، على جميعِ صفاتِ الكمال، وبالأحدِ على جميع صفاتِ الجلال؛ فالمناسبُ أن يقالَ: واحدٌ لا ثاني له، لأنه دالٌّ لنفيِ ما يُذكرُ معه. والاحتمالُ الثاني، وهو أن يتعلَّق بالوجهينِ كليهما، أي: ﴿هُوَ﴾ ضميرُ الشأن، أو ﴿هُوَ﴾ بمعنى المسؤول؛ فحينئذٍ لا فرق بين أحدٍ وواحد، قالَ الجوهري: «الأحدُ بمعنى الواحد، وهو أول العدد»، وقال صاحب "النهاية": «الواحدُ هو الفردُ الذي لم يزل وحدَه، ولم يكن معه آخر».
قولُه: (كانَ يَعْدلُ القرآن)، قيل: كان قراءتُه يَعْدلُ قراءةَ القرآن، والحديث استشهادٌ لهذه القراءة. ولعلّ المرادَ أن قولَه: ﴿قُلْ هُوَ﴾ كالمقدمةِ والتمهيدِ لقوله ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهو إنما يستقيمُ على جَعْلِ الضميرِ للشأن.
следующие страницы →