← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 9311–9345 · переход к 9316.

стр. 9311

لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها؛ وهما في بيت العز والشرف، وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس بن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب، فقال ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي … أم ما تعيّر من حمّالة الحطب غرّاء شادخة في المجد غرّتها … كانت سليلة شيخ ناقب الحسب ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك؛ فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم، أو من الضريع وفي جيدها حبل مما مسد من سلاسل النار؛ كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (تبت)، رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لِتَمْتعض)، مَعِضْتُ من ذلك الأمرِ أَمعضُ معضًا، وامتعضتُ منه، إذا غضبتَ وشقَّ عليك. قولُه: (ماذا أَرَدْتَ) البيتين، أَرَدْتَ: أي: مِلْتَ: ضُمّنَ الإرادةُ معنى الميل وعُدِّي بإلى. الشَّادخة: الغُرَّةُ التي فَشَتْ في الوجهِ من الناصيةِ إلى الأنفِ ولم تُصبْ العينين، يوصفُ بها كرائمُ الخيل. والمرادُ بالشيخِ عبدُ المطلبِ وليسَ به؛ لأنها بنتُ حربٍ، أُختُ أبي سفيانَ كما ذكره. قولُه: (ويُحتملُ أن يكونَ المعنى أن حالها تكونُ في نارِ جهنّمَ على الصورةِ التي كانت عليها)، فعلى هذا: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، الجملةُ حالٌ من الضميرِ في ﴿سَيَصْلَى﴾،

стр. 9312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو يعطفُ ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ على الضمير. وعلى الأولِ لا يجوزُ الحال، بل عطفُ جملةٍ على جملة، قالَ أبو البقاء: «(امرأتُه) فيه وجهان: أحدهما مبتدأٌ والخبرُ حَمّالة"، وثانيهما هو معطوفٌ على الضمير في ﴿سَيَصْلَى﴾؛ فعلى هذا، في "حَمّالة" وجهان: أحدهما نعتٌ لِما قبلَه، والثاني تقديرُه: وهي حَمّالة». تَمَّتِ السُّورة ************

стр. 9313

سورة الإخلاص مكية، وقيل: مدنية، وهي أربع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)] ١ - ٤ [ (هُوَ) ضمير الشأن، و (اللَّهُ أَحَدٌ) هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أنّ الله واحد لا ثاني له. فإن قلت: ما محل (هو)؟ قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة. فإن قلت: فالجملة الواقعة خبرًا لا بد فيها من راجع إلى المبتدأ، فأين الراجع؟ قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك: (زيد غلامك) في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ) هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك (زيد أبوه منطلق)؛ فإنّ زيدًا والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت، يعنى: الذي سألتموني وصفه هو الله، و (أحد): بدل من قوله: (الله)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الإخلاص مكية، وقيل مدنية، وهي أربع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه: (الذي سألتموني وَصْفَه هو الله، و ﴿أَحَدٌ﴾ بدل)، قالَ أبو البقاء: «﴿هُوَ﴾: مبتدأُ

стр. 9314

أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله: وحد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمعنى المسؤولِ عنه؛ لأنهم قالوا: ربُّك من نحاس أم من ذهب؟ فعلى هذا: يجوزُ أن يكونَ ﴿اللَّهُ﴾ خبرَ المبتدأ، و ﴿أَحَدٌ﴾ بدل، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. يجوزُ أن يكونَ ﴿اللَّهُ﴾ بدلًا، و ﴿أَحَدٌ﴾ الخبر. وهمزةُ ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من الواو؛ لأنه بمعنى الواحد»، وإبدالُ الواو المفتوحةِ همزةً قليل، وقيل: الهمزةُ أصلٌ كالهمزة في ﴿أَحَدٌ﴾ المستعمل للعموم. قولُه: (وهو بمعنى واحد)، وفيه احتمالان: أحدُهما أن يتعلقَ بالوجهِ الثاني، وهو أن يكون ﴿هُوَ﴾ جوابًا عن قولهم: صِفْ لنا ربك، ولفظةُ ﴿هُوَ﴾ ضميرُ المسؤول؛ فإذن لابُدَّ من الفرقِ بين واحد وأَحد؛ قال في " الأحزاب": «أحدٌ في الأصلِ بمعنى وَحَدٍ، وهو الواحد، ثم وضعَ في النفيِ العامِّ مستويًا فيه المذكرُ والمؤنتُ والواحدُ وما وراءَه». وروى صاحبُ "النهاية" عن الأزهري أنه قال: «الفرقُ بين الواحدِ والأحدِ: أن الأحدَ بُني لنفيِ ما يُذْكَرُ معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد، والواحدُ: اسمٌ بني لمفتتحِ العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد؛ فالواحدُ منفردٌ بالذاتِ في عدمِ المثلِ والنظير، والأحدُ منفردٌ بالمعنى. وقيل: الواحدُ هو الذي يتجزّأ، ولا يُثنى، ولا يقبلُ الانقسام، ولا نظيرَ له ولا مِثْل، ولا يَجمعُ هذين الوصفين إلى الله تعالى». وقال الأزهريُّ في "تفسير أسماء الله الحسنى": «الأحدُ من صفاتِ الله التي استأثرَ اللهُ بها، فلايشركه فيها شئٌ، ولا يوصفُ شئٌ بالأحدِ غيرُ الله؛ لا يقال: رجلٌ احدٌ، ولا درهمٌ أحدٌ؛ وإنما يقال: رجلٌ واحدٌ».

стр. 9315

وقرأ عبد الله وأبىّ: (هو الله أحد) بغير (قُلْ)، وفي قراءة النبي ﷺ : (الله أحد) بغير (قُلْ هُوَ)، وقال: "من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن). وقرأ الأعمش: (قل هو الله الواحد). وقرئ: (أحد الله) بغير تنوين؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا عُلِمَ هذا، فنقول: إنهم لما قالوا: صِفْ لنا ربَّك الذي تدعونا إليه، قيل لهم: المسؤول عنه الله، وهو واحدٌ متفردٌ بالذاتِ في عدم المثلِ والنظير؛ فإجراءُ الكلامِ للتمييز، والصّفةُ فارقة. وإن استلزمَ التعظيم؛ لأنه ابتداءُ أمرِ الرسول ﷺ ، إرشادًا للقوم، وتنبيهًا على معبودٍ عظيمِ الشأنِ قاهرِ السلطان، فكأنه قيل: قُلْ يا محمدُ: الشأنُ والأمرُ أن الله أحدٌ لا ثاني له، فَدلَّ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾، على جميعِ صفاتِ الكمال، وبالأحدِ على جميع صفاتِ الجلال؛ فالمناسبُ أن يقالَ: واحدٌ لا ثاني له، لأنه دالٌّ لنفيِ ما يُذكرُ معه. والاحتمالُ الثاني، وهو أن يتعلَّق بالوجهينِ كليهما، أي: ﴿هُوَ﴾ ضميرُ الشأن، أو ﴿هُوَ﴾ بمعنى المسؤول؛ فحينئذٍ لا فرق بين أحدٍ وواحد، قالَ الجوهري: «الأحدُ بمعنى الواحد، وهو أول العدد»، وقال صاحب "النهاية": «الواحدُ هو الفردُ الذي لم يزل وحدَه، ولم يكن معه آخر». قولُه: (كانَ يَعْدلُ القرآن)، قيل: كان قراءتُه يَعْدلُ قراءةَ القرآن، والحديث استشهادٌ لهذه القراءة. ولعلّ المرادَ أن قولَه: ﴿قُلْ هُوَ﴾ كالمقدمةِ والتمهيدِ لقوله ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهو إنما يستقيمُ على جَعْلِ الضميرِ للشأن.

стр. 9316

أسقط لملاقاته لام التعريف. ونحوه: ولا ذاكر الله إلّا قليلا والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين. و (الصَّمَدُ) فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ولا ذاكِرِ اللهَ إلا قليلًا)، أولُه: فأَلفيتُه غيرَ مستعتبٍ أي: ذَكّرْتُه. أي: ولا ذاكر، على إرادةِ التنوين، فحذفَ لالتقاءِ الساكنين، فبقى "الله" منصوبًا لا مجرورًا للإضافةِ. و"ذاكر" جُرَّ عطفًا على "مُسْتعتِبٍ"، أي: ولا ذاكرٍ. أي: ذكّرتُه ما كانَ بيننا من المودةِ، فوجدَ غيرَ راجعٍ بالعتابِ من قُبحِ ما فَعَل. قولُه: (والجيّدُ هو التنوين)، وهي المشهورة. قولُه: (وهو السَّيدُ المصمودُ إليه في الحوائج)، وأنشدَ الزجاجُ للأسدي: لقد بَكَّرِ الناعي بِخَيْرَي بني أَسَد … بعمرِو بنِ مسعودٍ وبالسيِّدِ الصَّمد الصَّمد: أي يصمدُ إليه كلُّ شئٍ، أي: الذي خلقَ الأشياء كلَّها، لا يستغنى عنه شئٌ. روى محيي السُّنة عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ والحسنِ وسعيدِ بنِ جُبير: «الصَّمَدُ: الذي لا جَوْفَ له، وقال الشعبي: الذي لا يأكلُ ولا يشربُ».

стр. 9317

والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه، وهو الغنى عنهم. (لَمْ يَلِدْ) لأنه لا يجانس، حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا. وقد دل على هذا المعنى بقوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ)] الأنعام: ١٠١ [. (وَلَمْ يُولَدْ) لأنّ كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس يجسم ولم يكافئه أحد، أي: لم يماثله ولم يشاكله. ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفيًا للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله: (هُوَ اللَّهُ) إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: «الذي ليسَ بأجوفٍ، شيئان: أدونُ من الإنسانِ كالجمادات، وأعلى وهو الباري تعالى وتَقدّس. والقصدُ بقوله ﴿الصَّمَدُ﴾، تنبيهٌ أنه بخلافِ مَن أثبتوا له الإلهية، وإلى نحوِ هذا أشار بقولِه: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]». قولُه: (وقَدْ دَلَّ على هذا المعنى بقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، عطفٌ على قوله: (لأنه لا يُجانَس)، يعني: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾: إما كنايةٌ عن كونه تعالى متعاليًا عن الجنسية؛ لأن مَن جانسَ شيئًا اتّخذ من جنسِه صاحبةً، ومَن اتخذَ صاحبةٍ حصَل التوالدُ. أو بالعكس بأن يقال: كيف يكونُ له ولدٌ، وأنه ما اتخذ صاحبةً؟ لأن الولادةَ لا تكونُ إلّا بين زوجين من جنسٍ واحد، وهو متعالٍ عن مجانسٍ؛ فلم يَصحَّ أن تكونَ له صاحبة، فلم تَصحَّ الولادة، قالَه في تفسيرِ هذه الآيةِ في الأنعام. قولُه: (فقولُه: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾)، الفاءُ تفصيليةٌ، والُمجمَلُ قولُه: "ما يحتوي على صفاته". ولمّا كان الله اسمًا للذات، وقرّرَ في فاتحةِ الكتابِ استحالةَ كونِه وصفًا، لكنْ له في كلِّ مقامٍ بحسبِ

стр. 9318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقتضاه معنى، وخصوصيةُ سؤالِ المشركين، أوجبَ أن يفسّرَ بأنه الخالق، لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]؛ فاللهُ ها هنا، جوابًا، إشارةٌ لهم إلى مَن هو خالقُ الأشياء؟ وأنتَ تعلمُ أنّ مُصحّحَ الخالقية هو العلمُ والقُدرةُ، فاندرج تحته هاتانِ الصفتان، وإليه الإشارةُ بقولِه: "وفي طيِّ ذلك وَصَفَه بأنه قادرٌ عالم"، ولا يكونُ قادرًا عالماً، حتى يكونَ عالماً حيًّا سميعًا بصيرًا. ثُم عَقبَ هذه الأوصافَ معنى الوحدانية بقولِه: ﴿أَحَدٌ﴾. ولما اقتضى الفردانيةُ قَطْعَ السبيلِ من الغير، أثبتَ له صفةَ الصَّمدانية، ليكون الإلتجاءُ إليه. ولما عُلم من ذلك ثبوتُ الذاتِ المستلزمةِ للصفاتِ من الخالقيةِ والعالمِيةِ والقادريةِ والحييّةِ والإلهية، أريدَ بيانُ كمالهِا وأنها مباينةٌ لصفاتِ المخلوقاتِ فيما مضى ويُستقبل. والآن قيل: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، ولحجةِ الإسلامِ كلامٌ إجماليٌ فيها، قال: «أحدٌ: هو الواحدُ الذي هو مرفوعُ الشركة، والأَحَدُ الذي لا تركيبَ فيه فالواحدُ نفيُ الشريكِ والمثلِ، والأحدُ نفيٌ للكثرةِ في ذاتِه، والصمدُ الغنيُّ المحتاجُ إليه غيرُه، وهو أحديُّ الذاتِ وواحديُّ الصفات، لأنه لو كان له شريكٌ في مُلكِه، لما كانَ غنيًا يحتاجُ إليه غيرُه، بل كانَ محتاجًا في قوامِه ووجودَه إلى أجزاءِ تركيبِه؛ فالصمديّةُ دليلٌ على الوحدانيةِ والأحديةِ، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ دليلٌ على أن وجوده المستمرّ، ليس مثل وجود الإنسانِ الذي يبقى نوعُه بالتوالدِ والتناسلِ، بل هو وجودٌ مستمرٌ أزليٌ أبديّ، و ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ دليلٌ على أنّ وجودِه ليس مثلَ وجودِ نفس الإنسان الذي يتحصّلُ بعدَ العدم: يبقى دائمًا إمّا في جنةٍ عاليةٍ لا تفنى، وإمّا في هاويةٍ لا تنقطع. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، دليلُ على الوجودِ الحقيقي الذي له تعالى، هو الوجودُ الذي يفيدُ وجودَ غيرِه، ولا يستفيدُ الوجودُ من غيرِه؛ فقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، دليلٌ على إثباتِ ذاتِه المقدّسةِ المنزَّهة. والصَّمديةُ تقتضي نفي الحاجةِ عنه واحتياجَ غيرهِ إليه،

стр. 9319

وفي طيّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم؛ لأن الخلق يستدعى القدرة والعلم، لكونه واقعًا على غاية إحكام واتساق وانتظام، وفي ذلك وصفه بأنه حي سميع بصير. وقوله: (أَحَدٌ) وصف بالوحدانية ونفى الشركاء. وقوله: (الصَّمَدُ) وصف بأنه ليس إلا محتاجًا إليه، وإذا لم يكن إلا محتاجًا إليه، فهو غنى، وفي كونه غنيًا مع كونه عالمًا، أنه عدل غير فاعل للقبائح، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه. وقوله: (ولَمْ يُولَدْ) وصف بالقدم والأوّلية. وقوله: (لَمْ يَلِدْ) نفى للشبه والمجانسة. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) تقرير لذلك وبت للحكم به. فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه، فما باله مقدّمًا في أفصح كلام وأعربه؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ في آخر السورة، سلبُ ما يوصفُ به غيره عنه، ولا طريق في معرفة الله تعالى أوضحُ مِن سلبِ صفاتِ المخلوقات عنه». قولُه: (ليس إلا محتاجًا إليه)، والاستثناءُ مفرّغٌ، أي: ليس الله إلا محتاجًا إليه، أي بالنسبة إلى المخلوقات. قولُه: (لَغوٌ غير مستقر)، الظرفُ المستقر: هو الذي يفتقرُ تمام الكلامِ إليه، وذلك بأن يكون خبرًا كما في قولك: ما كانَ فيها أحدٌ خيرٌ منك. والَّلغوُ أن يكونَ الكلامُ تامًا بدونه كما في قولك: ما كانَ أحدٌ خيرًا منك فيها؛ وإنما قُدّم في اول المستقرّ لكونه مقصودًا، ةإنما رُفِضَ في الآية الأصل، لأنها سبقت لبيانِ التوحيد. قالَ ابنُ الحاجب: «إنما قُدِّمَ لاهتمامِ تناسبِ الفواصل، فلو قُدِّمَ على " أحد" لحصلَ الغرض، لكن كان يقع الفصلُ بين الجزأين اللذين هما مسندٌ إليه، فقدَّمَ عليهما جميعً وحصلَ الغرض».

стр. 9320

قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفى المكافأة عن ذات الباري سبحانه؛ وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيٍء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأجراه. وقرئ: (كفؤا) بضم الكاف والفاء، وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحبُ "الانتصاف": «نقلَ سيبويه أن سمعَ بعضَ الجُفاةِ من العربِ يقرأ: ولم يكنْ أحدٌ كفوًا له، فجرى هذا الجلفُ على عادته، فجفا طبعُه عن لُطفِ المعنى، الذي لأجله اقتضى تقديمَ الظرفِ والخبرِ على الاسم، وذلك أن الغرضَ الذي سيقت إليه الآيةُ، نفيُ المكافأة والمساواةِ عن ذاتِ الله تعالى، فكان تقديم المكافأةِ المقصودةِ بأن تُسلبَ عنه أنه أولى، ثم لما قُدِّمتْ لتسلبَ ذُكرَ معها الظرف، لتُبيَّنَ الذاتُ المقدسةُ بسلبِ المكافأة». وقلتُ: تلخيصُه أن مراعاةَ المعنى الذي يقتضيه المقامُ، أحرى وأحقُّ وأقدمُ من مراعاةِ اللفظِ والفواصلِ. قولُه: (وقرئ: ﴿كُفُوًا﴾، بضم الكاف)، حَفْص: بضِّمها وضِّم الفاء من غيرِ همز، وحمزة: بإسكانِ الفاءِ مع الهمزةِ في الوصل، فإذا وقفَ أبدلَ واوًا مفتوحة، والباقون: بضمِّ الفاءِ مع الهمزة. الراغب: «الكُفْءُ: في المنزلةِ والقَدْر، ومنه الكِفاءُ لشُقّةٍ تُنْصحُ بالأخرى، فيُجَلّلُ بها مؤخرُ الخباء. قال: فلانٌ كفءُ فلانٍ في المناكحةِ والمحاربةِ ونحوِ ذلك. ومنه المكافأةُ أي: المساواةُ والمقابلةُ في الفعل، والإكفاءُ: قلبُ الشئِ كأنه إزالةُ المساواة، ومنه الإكفاءُ في الشعر».

стр. 9321

فإن قلت: لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر منها وتقارب طرفيها؟ قلت: لأمر ما يسود من يسود ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (عَدْلَ القرآنِ كلِّه)، يُروى بفتح العين وكسرها، قال الأخفش: العِدْلُ بالكسر: المِثْل، والعَدْلُ بالفتح: أصلُه مصدر قولك: عَدَلْتَ بهذا عَدْلًا حسنًا، تجعله اسمًا للمِثْلِ، لِتُفْرُق بينه وبين عِدْل المتاع. وقال الفرّاء: العَدْلُ بالفتح: ما عادلَ الشّئ من غير جنسه، والعِدْلُ بالكسر: المِثْل. وتقول: عندي عِدْلُ غلامك، وعِدْلُ شاتك، إذا كان غلامًا يعدلُ غلامًا، أو شاةً تعدلُ شاة، فإذا أردت قيمته من غير جنسه، نَصبتَ العين، وربّما كَسَرها بعضُ العرب، وكان منهم غلط. والصحيحُ: ثلثُ القرآن؛ رَوينا عن البخاريّ ومسلم ومالك وأبي داودَ والنسائي، عن أبي سعيد، أن رجلًا سمعَ رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يردّدها، فلما أصبحَ جاءَ إلى النبيّ ﷺ ، فذكرَ ذلك له، وكأنّ الرجلَ يتَقألُّها، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، إنها لتعدلُ ثُلُثَ القرآن». قال القاضي: «ولاشتمال هذه السورة مع قِصرِها على جميع المعارفِ الإلهية، والردِّ على مَن ألحدَ فيها، جاء في الحديثِ أنها تعدلُ ثلثَ القرآن، لأن مقاصدِ القرآنِ محصورةٌ في بيانِ العقائد، والأحكام، والقضض، ومَن عَدَلَها بكلِّه اعتبرَ المقصودِ بالذاتِ من ذلك». قولُه: (لأمرٍ ما يُسَوَّدُ مَن يَسودُ)، أوله: عَزَمتُ على إقامةِ ذي صباحِ

стр. 9322

وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى دليلًا من اعترف بفضلها وصدق بقول رسول الله ﷺ فيها: إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه، ويتضع بضعته؛ ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"ما" مزيدةٌ إبهاميّة، أي: لأمرٍ عظيمٍ يُسَوَّدُ مَن يَسود. قولُه: (وكفى دليلًا من اعترف)، "من اعترف" مفعولُ "كفى"، والفاعلُ ما دلَّ عليه لاحتوائها على صفات الله، والضمير في "بفضلها" للسورة، و"صَدَّقَ" عطفٌ على "اعترف"، و"بقولِ رسولِ الله ﷺ متعلقٌ بـ"صَدَّقَ". وقولُه: أن "علم التوحيد" متعلّقٌ بـ"دليلًا" وهو تمييز، أي" كفى ذلك مَن اعترفَ بفضلِ السورة، وصَدَّقَ بقولِ الرسولِ، دليلًا على أن علم التوحيد من الله بمكان. والمرادُ بقولِ النبي ﷺ ما رواه في خاتمة السورة: "أُسِّستْ السماواتُ السبعُ" إلى آخره؛ ولم أجدِ الحديثَ في الأصولِ المعتبرة. وقد وردَ عن الترمذيِّ وأبي داودَ وابن ماجه، عن بريدة، أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألأك بأني أشهدُ أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحدُ الصمد، الذي لم يلدْ ولم يولدْ، ولم يكن له كفوًا أحد. فقال النبي ﷺ " والذي نفسي بيده، لقد سألَ اللهَ باسمِه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى».

стр. 9323

وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه؛ ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومة، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته. اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، الخائفين من وعيدك. وتسمى "سورة الأساس" لاشتمالها على أصول الدين، وروى أبىّ وأنس عن النبي ﷺ : «أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد»، يعنى ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة. عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلا يقرأ: (قل هو الله أحد)، فقال: «وجبت». قيل: يا رسول الله وما "وجبت"؟ قال: «وجبت له الجنة». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (فقال: وَجَبَتْ) الحديثُ أخرجه مالكٌ وأحمدُ والترمذيُّ والنسائي عن أبي هريرة. خاتِمة م كلامِ الشيخ فصيح الدين ﵀: لم يُعطفْ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ على الجملةِ المتقدمة؛ لأنها محقِّقة لمضمونها ومبينةٌ لها، وكذا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لأنها محقِّقةٌ لمضمونِ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾؛ لأن الغني المطلقَ الذي يفتقرُ إليه كل شئٍ لا ينبغي أن يكون والدًا ولا مولودًا؛ لأن ذلك يستلزم الافتقار بالضرورة. وعُطفَ ﴿لَمْ يُولَدْ﴾ على ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأن ﴿لَمْ يُولَدْ﴾ لم يُنبئ عن معنى ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، فلم يكن محققًا لمعناه، بل الجملتانِ محققتانِ لمضمونِ الجملة السابقة. وعَطفُ ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، أن مضمونَها لم يكن محققًا لمضمون السابقتين؛ لأنها تُنبئ عن أنه لا يمكنُ أن يكون له مماثلٌ في شئ مِمّا ذُكِرَ في الذاتِ والصفات، فهو واحدٌ لا شريك له تعالى وتقدّسَ وتَعظّم.

стр. 9324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعُرفَ الخبرُ في ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، نفيًا لنفيِ مَن زعم وسمّى غيرَه صمدًا، ونُكِّرَ في ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾، لأنهم لم يُسمّوا أشياءًا "أحدًا" بهذا المعنى. تَمّتِ السُّورَة ************

стр. 9325

سورة الفلق مختلف فيها، وهي خمس آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ)] ١ - ٥ [ الفلق والفرق: الصبح، لأن الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول. يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر. وقيل: هو كل ما يفلقه الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الفلق مكية، وقيل مدنية وهي خمس آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه: (لأن الليلَ يُفلَقُ عنه)، أي: لأن الليلَ يَنْشقُّ عن الصبحِ، فيخرجُ الصبح؛ فَعَلٌ بمعنى مفعول؛ فالليلُ مفلوقٌ عنه. قولُه: (وقيل: هو كلُّ ما يَفْلِقُه)، قال القاضي: «وهو يَعمُّ جميعَ الممكنات؛ فإنه تعالى فَلَقَ ظلمةَ العدمِ بنورِ الإيجادِ عنها، سيّما ما يخرجُ عن أصلٍ، كالعيونِ والأمطارِ والنباتِ والأولاد، ويَختْصُّ عُرفًا بالصُّبح، ولذلك فُسِّر به. وتَخْصيصُه لِما فيه من تَغيُرِ الحالِ، وتَبدُّلِ وحشةِ

стр. 9326

كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك. وقيل: هو واٍد في جهنم أوجب فيها، من قولهم لما اطمأن من الأرض: الفلق، والجمع: فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش، وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالي، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل: وما الفلق؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الليلِ بسرورِ النور، ومحاكاةِ الخيرِ بيوم القيامة، والإشعارِ بأن مَن قدَر أن يزيلَ ظلمةَ الليلِ عن هذا العالم، قدَر أن يزيلَ عن العائذِ ما يخافه. ولفظُ الرّبّ ها هنا أوقعُ من سائرِ الأسماء، لأن الإعاذةَ مِن المضارِّ قريبة». قولُه: (لا أبالي، أليسَ من ورائهم الفَلَق؟ )، أي: لا أبالي بحُسنِ دُورِهم وخفضِ عَيْشِهم. ثم استأنفَ مستفهمًا على سبيل التقرير: أليسَ من ورائهم الفَلَق؟ ونظيرُه ما روينا البخاريِّ ومسلمٍ وأحمدَ والترمذيِّ والنسائي، عن ابنِ عباسٍ في حديثٍ طويل، عن عمرَ ﵁: دخلتُ على رسول الله ﷺ ، فسلّمتُ وهو متكئ على رمالٍ حصيرٍ قد أثر في جنبِه وفه شيئًا ردَّيه، فجلستُ فرفعتُ رأسي في البيت، فوالله ما رأيتُ فيه شيئًا ردَّ البصرَ إلا أَهَبَةَّ ثلاثةً، فقال: يا رسولَ الله، ادع الله أن يوسعَ على أمتك، فقد وَسَّعَ على فارسَ والرومِ وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسًا، ثم قالَ: أفي شكٍّ أنت يا ابنَ الخطاب؟ أول~ك قومٌ قد عُجِّلتْ لهم طيباتُهم في الحياة الدنيا. فقلت: استغفِرْ لي يا رسولَ الله. الحديث. وأما تفسير الفلقِ بأنه وادٍ في جهنم، فروى محيي السُّنةِ عن ابن عباسٍ في رواية، أن الفلقَ سَجْنٌ في جهنم، وعن الكلبي أنه وادٍ في جهنم.

стр. 9327

قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه. (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) من شر خلقه، وشرهم: ما يفعله المكلفون من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارّة بعضهم بعضًا من ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه عن الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم. و"الغاسق": الليل إذا اعتكر ظلامه، من قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ)] الإسراء: ٧٨ [ومنه: غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة: امتلأت دمًا. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء، ويقال: وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها، يعنى صلاة المغرب. وقيل: هو القمر إذا امتلأ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وشَرُّهم ما يفعله المكلَّفون من الحيوان)، لعلَّ إيقاعَ "من الحيوان" بيانًا للمكلَّفين، لإخراجِ الملائكةِ منهم. قال القاضي: «خُصَّ عالمُ الخلقِ بالاستعاذةِ عنه لانحصارِ الشرِّ فيه؛ فإن عالمَ الأمرِ خيرٌ كلُّه، وشَرُّه اختياريٌ لازمٌ ومتعدٍّ، كالكفرِ والظلم، وطبيعيٌ كإحراقِ النارِ وإهلاكِ السموم». قولُه: (إذا اعتكر ظَلامُه)، الجوهري: «اعتكرَ الظلامُ: اختلطَ كأنه كرَّ بعضُه على بعض من بُطْءِ انجلائِه». قولُه: (ويقال: وَقَبت الشمس، إذا غابت)، الراغب: «الوَقَبُ كالنُقْرةِ في الشئ، ومنه وَقَبتِ الشمس، والإيقابُ: تَغيّبُها» قولُه: (هذا حينُ حَلِّها)، برفعِ "حين"، وكسرِ الحاءِ، وجرِّ اللامِ من "حلها". النهاية:

стр. 9328

وعن عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوّذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب، ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات، ووقبه: ضربه ونقبه. والوقب: النقب، ومنه: وقبة الثريد؛ والتعوّذ من شر الليل؛ لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب، ومنه قولهم: الليل أخفى للويل، وقولهم: أغدر الليل؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ «وفي الحديث: لّما رأى الشمسَ قد وَقَبتْ، قال: هذا حينُ حلِّها؛ وَقَبتْ: غابت. وحينُ حِلِّها: الوقتُ الذي يَحلُّ فيه أداؤها، يعني: صلاة المغرب. والاوُقوبُ: الدخولُ في كلِّ شئ». قولُه: (وعن عائشة-﵂)، الحديثُ اخرجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيّ، وليسَ فيه: آخذٌ بيدي؛ روى الإمامُ عن ابنِ قتيبة: «إنما سُمي القمرُ غاسقًا، لأنه يُكْسفُ فيغسِق، أي يذهبُ ضوؤُه، ويَسْود، ووقوبُه: دخولُه في ذلك الاسوداد». وقال: «وقد صَحَّ أن القمرَ في جِرْمه غيرُ مستنير فسمّى بالغاسِق لهذا. ووقوبُه المحاقُ في آخر الشهر، لأنه حينئذٍ قليلُ القوةِ وفي غايةِ الرذالة، ولذلك يشتغلُ السحرةُ فيه بالسحر الذي يورثُ التمريض، وهذا مناسبٌ لسبب نزولِ السورتين «، والله أعلم. قولُه: (الليلُ أخفى للوَيْل)، قالَ الميداني: «أي: افعلْ ما تريدُ ليلًا، فإنه أسْترُ لسِرِّك. وأولُ مَن قال ذلك ساريةُ بنُ عُويْمرِ بنِ عَدِيٍّ العُقَيلي»، وسببُه مذكورٌ في كتابه. قولُه: (أَغدرَ الليل)، قيل: هو من بابِ أَحصدَ الزّرع، أي حانَ وقتُ غَدْره. وقيل: صارَ ذا غَدْر.

стр. 9329

لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر، وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه. النَّفَّاثاتِ: النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط وينفثن عليها ويرقين، والنفث: النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه؛ ولكنّ الله قد يفعل عند ذلك فعلًا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوُله: (يَتميز به الثُّبَّتُ على الحقِّ من الحَشْوية)، الانتصاف: «القدريّةُ ينكرونَ السحر، والكتابُ والسُّنةُ واردانِ بوقوعِه، والأمرُ بالتعوّذِ منه دليلٌ عليه. وقد سُحِرَ رسولُ الله ﷺ ، في مُشُطٍ ومُشاطَةٍ وجُفِّ طَلْعةِ ذَكَر». وقلتُ: الحديثُ رويناه عن البخاريِّ ومسلمٍ وابنِ ماجه، عن عائشةَ ﵂ قالت: «سُحِرَ رسولُ الله ﷺ ، حتى إنه ليُخَيّلُ إليه أنه فعلَ الشئَ ولم يكن فعلَه، حتى إذا كانَ ذاتَ يومٍ وهو عندي، دعا الله ودَعاه، ثم قالَ: جاءني رجلان، فجلس أحدهُما عند رأسي والآخر عند رِجْليَّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرجل؟ قال مَطْبوب. قال: ومَن طَبَّه؟ قال: لبيدُ بنُ الأعصمِ اليهوديُّ من بني زُريق. قال: في ماذا؟ قال: في مُشُطٍ ومُشاطةٍ وجُفِّ طَلْعةِ ذَكَرٍ. قال: فأين هو؟ قال: في بئرِ ذي أَرْوان»، الحديث. الراغب: «تأثيرُ السحرِ في النبيِّ ﷺ ، لم يكن من حيثُ إنه نبي، وإنما كانَ في بَدَنِه من حيثُ إنه إنسانٌ أو بشر، كما كان يأكلُ ويتغوّطُ ويغضبُ ويَشْتهي ويَمْرض، فيصحُّ من حيثُ هو نبيّ، وإنما يكون ذلك قادحًا في النبوة. أو وُجدَ للسحرِ تأثيرٌ في أمر يرجعُ إلى النبوة،

стр. 9330

فينسبه الحشوية والرعاع إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك. والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. والثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن. ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كما أن جُرْحَه وكسرَ ثناياه يومَ أُحُد، لم يقدحْ فيما ضمنَ اللهُ له من عصمته في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكما لا اعتدادَ بما لا يقعُ في الإسلامِ من غلبةِ المشركين على بعضِ النواحي، فيما ذُكرَ من كمالِ الإسلامِ في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، قالَ القاضي: «ولا يوجبُ ذلك صِدْقَ الكفرةِ في أنه مسحور، لأنهم أرادوا به أنه مجنونٌ بواسطةِ السحر». النهاية: «أنه طُبَّ في مُشُطٍ ومُشاطة، وهو الشعرُ الذي يسقطُ من الرأسِ واللحيةِ عند التسريحِ بالمُشُط». ويُرْوى: مُشاقة، و «هي ما ينقطعُ من الإبْرَيْسَمِ والكَتّانِ عند تخليصِه وتَسْريحه. والمَشْقُ: جَذْبُ الشئِ ليطول». «الجُفّ: وعاءُ الطلع، وهو الغشاءُ الذي يكونُ فوقه». قولُه: (الِّرعَاع)، الأحداثُ والطَّغام. قولُه: (النساءُ الكيّادات)، شُبِّه كيدُهنّ بالسحر، اختصَره صاحبُ "الانتصاف" ثُم قال: «لو فَسَّرَ غيرُ الزمخشريّ هذا، لَعُدَّ من بِدَعِ التفاسير».

стр. 9331

من قوله: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)] يوسف: ٢٨ [تشبيهًا لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال بتعرّضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك (إِذا حَسَدَ) إذا ظهر حسده، وعمل بمقتضاه من بغى الغوائل للمحسود؛ لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز أن يراد بشر الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره. فإن قلت: قوله: (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به. وقالوا: المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر. فإن قلت: فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت: عرفت النفاثات؛ لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق؛ لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ. ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله ﵊: «لا حسد إلا في اثنتين»، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (كأنما يُغتالُ به)، الأساس: «فلانٌ يَغتالُ مَن يَمرُّ به، وقَنلَه غيلةً، وأخافُ غائلتَه، أي: عاقبةَ شَرِّه». قولُه: (لا حَسَدَ إلّا في اثنتين)، روينا عن البخاري، عن أبي هريرة، أن رسولَ الله ﷺ قال: «لا حَسَدَ إلّا على اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ القرآن، فهو يتلوه آناءَ الليلِ والنهار، فسمعَه جارُه فقال: ليتني أوتيتُ مثل ما أوتي فلان، فعملتُ مثل ما يعمل. ورجلٌ آتاه الله مالًا فهة ينفقه في حقه، فقال: يا ليتني أوتيتُ مثل ما أوتي فلان، فعملتُ مثل ما يعمل».

стр. 9332

وقال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد وقال: إنّ العلا حسن في مثلها الحسد عن رسول الله ﷺ : «من قرأ "المعوّذتين"، فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: «الحسَدُ: أن يرى الرجلُ لأخيه نعمةٌ، فيتمنّى أن تول عنه، فتتكون له دونه. والغَبْط: أن يتمنى أن يكون له مثلها، ولا يتمنّى زوالها عنه. ومعنى الحديث: ليسَ حسدٌ لا يضرُّ إلّا في اثنتين». قولُه: (وما حاسدٌ) أولُه: وإني لمحسودٌ وأعذرُ حاسدي وقيل: أوله: هُمُ حَسَدوه -لا ملومين- مَجْدَه … وما حاسدٌ في المكرمات بحاسد وقال: واعْذِرْ حَسودَك فيما قد خُصِصْتَ به … إنّ العُلا حَسَنٌ في مثلِها الحسّدُ مِثْلُ ها هنا مثلُ ما في قولك: يجود. أي: إن العُلا حَسَنٌ فيها الحسَد. تَمَّتِ السُّورَة **********

стр. 9333

سورة الناس مختلف فيها، وهي ست آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)] ١ - ٦ [ قرئ: (قل أعوذ) بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه: فخذ أربعة. فإن قلت: لم قيل (بِرَبِّ النَّاسِ) مضافا إليهم خاصة؟ قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الناس مكية، وقيل: مدنية، وهي ست آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه: (لِمَ قيل: ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾)، أَيْ أنه ربُّ جميعِ العالمين، فلِمَ خُصَّ بالناسِ ها هنا؟ وأجابَ: إن المستغيثَ هو الناسُ وحدَه إلى ربِّه ومالكِه ومعبودِه، مما يُصيبُه من البلاء. قولُه: (كما يستغيثُ بعضُ الموالي إذا اعتراهم خَطْبٌ بسيّدهم ومخدومِهم ووالي أمرِهم)، راعى فيه الترقّي في الإغاثة؛ فإن الدّفعَ من جهةِ التوليةِ أقوى من جهةِ الخدمة، ثم من

стр. 9334

فإن قلت: (مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ) ما هما من رب الناس؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)] التوبة: ٣١ [وقد يقال: ملك الناس. وأمّا (إِلهِ النَّاسِ) فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟ قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار. (الْوَسْواسِ) اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأمّا المصدر فوسواس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جهة السيادة أضعفُ من جهةِ الخدمة. كذلك معنى القَهّاريةِ في الألوهيةِ أعلى منه من معنى المالكيّة، ثم من جهةِ الرّبيّة. وفي بعض التفاسير: إنَّ دَفْعَ شرِّ الشيطانِ ووسوستِه بأحدِ أمورً ثلاثة، إمّا بأن لا يُمكِّنُه من الوسوسةِ من حيثُ كونُه ربًّا، أو بأنْ يُمكِّنُه، لكن يمنعُه قهرًا من حيثُ المالكية، أو بأن ينهاه عن الوسوسةِ زجرًا، لكن يريدُها اختيارًا من حيثُ كونُه إلهًا، أو يُقال: إن العبدَ استعاذَ بالله من الشيطان. وعَلّلَ الاستعاذةَ بأوصافٍ مناسبةٍ على الترقي: وَصْفُه أولًا بأنه الرّبُّ، لأن أول ما يَعرفُ العبدُ من ربِّه، كونُه منعِمًا عليه ظاهرِه وباطنِه، ثم ينتقلُ منه إلى المعرفةِ بأنه متصرفٌ فيه ومالكُه، ثم ينتقلُ إلى المعرفةِ بأنه هو المعبودُ على الإطلاق، وأنْ لا مصيرَ إلا إليه. قولُه: (وقد يقال: مَلِكُ الناس)، الراغب: «المَلِك: هو المتصرِفُ بالأمرِ والنهيِ في الجمهور، وذلك مختصٌ بسياسةِ الناطقين؛ ولذلك يقال: مَلِكُ الناس، ولا يقال: مَلِكُ الأشياء». قولُه: (وأما المصدرُ فَوِسواس)، عن بعضِهم: أراد بالوَسواسِ الاسم الذي هو بمعنى الوسوسةِ وهو المصدر. وقال المغاربةُ: الفرقُ بين المصدرِ واسمِ المصدر هو أن المعنى الذي يُعبِّرُ

стр. 9335

بالكسر كزلزال، والمراد به الشيطان، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه؛ لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الخفي، ومنه: وسواس الحلي. و (الْخَنَّاسِ) الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات، لما روى عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه. (الَّذِي يُوَسْوِسُ) يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على (الْخَنَّاسِ)، ويبتدئ (الَّذِي يُوَسْوِسُ) على أحد هذين الوجهين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنه بالفعلِ الحقيقي، الذي هو مبتدأ الفعلِ الصناعي، إذا اعتبرَ فيه تَلَبُّسُ الفاعلِ به وصدورُه منه وتَجدُّدُه؛ فاللفظُ الموضوعُ بإزائه مقيدًا بهذا القيد، سمّي مصدرًا وإن لم يعتبرْ فيه ذلك، فاللفظُ الموضوعُ بإزاءِ ذلك مطلقًا عن هذا القيدِ المذكور، هو اسمُ المصدر. قولُه: (صَنْعَتُه)، ويُرْوى: ضَيْعتُه. النهاية: «ضَيْعةُ الرجلِ: ما يكونُ منه معاشُه كالصنعةِ والتجارةِ والصناعةِ وغير ذلك». قولُه: (منسوبٌ إلى الخُنُوس)، قال: منسوبٌ من حيثُ إنه جعلَ الخنوسَ عادةً له. قولُه: (إذا ذَكرَ الإنسانُ ربَّه خَنَس)، روينا في "صحيح البخاري" تعليقًا عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشيطانُ جاثمٌ على قلبِ ابنِ آدم؛ فإذا ذَكرَ الله خَنَس، وإذا غَفلَ وَسْوس». قولُه: (ويَحْسنُ أن يقف القارئ) إلى قولُه: (على أحدِ هذين الوجهين)، أي: الصَّفةِ والشَّتْم. وفيي "الكواشي": «يكفي الوقفُ على "الخنّاس" إن رفعتَ أو نصبتَ ذمًا، فلا يجوزُ إن جَرَرْتَه: صفةٌ للخناس. وقلتُ: وفي عدمِ الجوازِ نظرًا للفاصلة، قالَ صاحبُ "المرشد": فإذا قلتَ: "الرحمن الرحيم"، كان الوقفُ كافيًا لأنه رأسُ آية، ولا يكونُ تامًا

стр. 9336

(مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) بيان للذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جني وإنسي، كما قال (شياطين الإنس والجن)] الأنعام: ١١٢ [، وعن أبى ذرّ ﵁ قال لرجل: هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون (مِنَ) متعلقا بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا (بنفر) و (رجال) في سورة الجن. وما أحقه؛ لأن الجن سموا (جنا) لاجتنانهم، والناس (ناسا) لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا؛ ولو كان يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك وثبت: لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لخلوِّ المجرورِ، أعنى: "مالكِ يومِ الدين"، من العامل، والفصلِ بين النعتِ والمنعوت، وكذا الوقفُ على "المستقيم" جائزٌ وليس بحَسَن، وإنما جُوِّزَ لأنه آخر الآية». قولُه: (ومن جهة الناس)، مثلُ أن يوسوسَ في قلب المسلمِ من جهة المنجّمين والكُهانِ أنهم يعلمون الغيب، ومن جهةِ الجنِّ أنهم يَضرّون وينفعون. في "المطلع": «وعن بعضهم: على البيانِ يكونُ "من الجِنّةِ والناس"، حالًا من ضمير "الذي يوسوس"». قولُه: (وما أحقّه)، يعني: ما أثبته من قولهم: حَقَقْتُ الشئَ أَحُقُّه، أي: أَثبتُه. قال الإمام: «قيل: إن قولَه: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ قسمان مندرجان تحت قولِه: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، كأن القدرَ المشتركَ بين الجنِّ والإنسِ سُمّي إنسانًا، والإنسانُ أيضًا سُمّي إنسانًا، فيكون لفظُ الإنسانِ واقعًا على الجنسِ والنوعِ بالاشتراك. والدليلُ عليه ما رُويَ أنه جاءَ نفرٌ من الجن، فقيل لهم: مَنْ أنتم؟ فقالوا: ناسٌ من الجن. وأيضًا قد سَمّاهم اللهُ رجالًا في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، فجازَ أن يُسميَهم هنا ناسًا. وهذا القولُث المتعسِّفُ لا يريدُ أنَه ضعيفٌ، لأن جَعْلَ الإنسانِ اسمًا للجنسِ الذي يندرجُ فيه الجنُّ والإنس، بعيدٌ من اللغة».

стр. 9337

وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ)] القمر: ٦ [كما قرئ: (مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ)] البقرة: ١٩٩ [، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله . عن رسول الله ﷺ : «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما» يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين: المقشقشتان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وأجودُ منه)، أي: من هذا القولِ المتعسِّف: لا يريدُ أنه وجهٌ فيه جَوْدة، وهو أن يُحملَ "الناسِ" في قولِه: ﴿صُدُورِ النَّاسِ﴾ على الناسي، فحينئذٍ يمكنُ تقسيمُه إلى الجنِّ والإنسِ لأنهما صفتانِ موصوفانِ بنسيانِ حقِّ الله. قولُه: (المُقَشْقِشَتان)، النهاية: «في الحديثِ: يقالُ لسورتَيْ "قُلْ يا أيها الكافرون"، و"قُلْ هو الله أحد": المُقَشْقِشَتان، أي: المبرِّئتانِ من النفاقِ والشركِ، كما يَبرأُ المريضُ من عِلَّتِه؛ يقال: قد تَقَشْقشَ المريض: إذا أفاقَ وبَرَأ». تَمّتِ السُّورَة ************

стр. 9338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [تَذْييلٌ وتَتْميم] يقولُ العبدُ الفقيرُ إلى الله الغني، الإمامُ العالمُ العامل، والشيخُ الفاضلُ الكامل، الحَبْرُ المُدقّق، والنحريرُ المُدقّق، عَلّامةُ عَصرِه، وفريدُ دَهرِه، مولانا شَرفُ الملَّةِ والدِّين، الحسينُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ الطِّيبيّ، مَنَّ الله عليه بأمنِ طريقِه، وسَقاه من الفرحِ كأسِ رَحيقِه، وتَغَمَّده بغُفر انه، وألبسَه جَلابيبَ رحمتِه ورِضوانه، وحَشَرَه مع الذين أنعم اللهُ عليهم، مِن النبيّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداءِ والصَّالحين: وحين انتهى الكلامُ إلى هذا المقام، اقترحوا مشيرينَ إلىَّ أن أُلحقَ خاتمة؛ تذييلًا للكتاب، وتتميمًا لفصلِ الخِطاب، مُضمّنًا خصوصًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، وكانتِ القريحةُ إذْ ذاك خامدةً، والطبيعةُ هامدة، فتضرَّعْتُ مُبتهلًا إلى الله تعالى، مُستنزلًا الواردَ الإلهيَّ والفتحَ الغَيبيَّ، حتى بَرَقتْ بارقةٌ من بوارقِ سحائبِ سيّدِ المرسلين، ولَمعتْ لمعةٌ من لَمعاتِ أنوارِ خاتمِ النبيّين، صلّى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابِه الطِّيّبينَ الطاهرين، أعني: معنى ما أوردَه الأئمةُ في كتبهم عن أبي هريرةَ ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحةِ الكتابِ، فهو خِداجٌ -ثلاثًا- غيرُ تمام».

стр. 9339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقيلَ لأبي هريرة: إنّا نكون وراءَ الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسِك، فإني سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «قالَ اللهُ : قَسمت الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قالَ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال اللهُ: حَمِدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال مجّدني عبدي. وإذا قالَ العبدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قالَ العبدُ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». أخرجه مالكٌ ومسلم، والترمذيُّ وأبو داود، والنسائيُّ وابنُ ماجه، رحمهم الله تعالى. وكنا قد أسلفنا في شرح الخُطبةِ أنّ المعوّذتينِ على قضيةِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، مشيرتانِ على الافتتاح، وعلى مُوجَبِ قولِه ﷺ : "الحالُّ المّرتَحِل"، جوابًا عن سؤالِ مَن قال: أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ مُناديتانِ بالارتحال، فبالحَرِيّ أنْ نَرجعَ إلى ما كنّا قد تكلَّمنا فيه مفتتحين به، أعني تفسيرَ سورة "الفاتحة"، وأفضل التأويل: تأويلُ مَن نَزلَ عليه التنزيل، وهذا الحديثُ مما احتوى على حقائقِ هذه السّورة، وأسرارِها، ودقائقِها، كما سنكشفُ عنها؛ هيهات، إن البحرَ لا يُستنزَف! ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].

стр. 9340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَصْل اعلَمْ أنّ شرحَ هذا الحديثِ مُعْضَل، وتَطبيقَه على معنى السُّورةِ أعضَل؛ ولذلك تكلَّمَ فيه العلماء، واختلفوا اختلافًا متباينًا، فلابُدَّ من إيراده، وباللهِ التوفيق. قالَ الشيخُ محيي الدّين في "شرح صحيح مسلم": «التمجيد: الثناءُ بصفاتِ الجلال، ووجهُ مطابقتِه لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: هو أنه مُضمَّنٌ بأنّ الله هو المتفرّدُ بالمُلكِ في ذلك اليوم، ولا دَعْوى لأحٍ فيه بالمُلكِ كما في الدنيا، وفي الاعترافِ من التعظيم والتفويضِ للأمرِ ما لا يخفى. وقال العلماءُ: المُرادُ بالصلاةِ في قوله: "قَسَمتُ الصلاة": الفاتحة؛ سُمِّيتْ بذلك لأنها لا تَصِحُّ إلا بها، كقولِه: "الحجُّ عَرَفة"، وفيه دليلٌ على وجوبها بعينها في الصلاة». وفحوى ما قال التُورِبِشْتي في هذا المقام: هو أنه قد عُرفَ المرادُ من لفظِ الصلاة، بما أردفَه من التفسير والتفصيل: أنها الفاتحة، وقالَ أيضًا: إنّ التصنيفَ مُنصرفٌ إلى آيات الثَّناء وآيات المسألة، نصفُها ثناءٌ ونصفُها دُعاء؛ فإذن ليستْ البسملةُ آيةً من الفاتحة.

стр. 9341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقالَ الشَّيخ محيي الدِّينِ النّوويّ ﵀ عليه: «هذا قولٌ واضح، وأجابَ الأصحابُ بوجوه: أحدُها: أنّ التصنيفَ عائدٌ إلى جملةِ الصلاةِ لا إلى الفاتحة، هذا حقيقةُ اللفظ. والثاني: أنه عائدٌ إلى ما يختصُّ بالفتحةِ من الآياتِ الكاملة. والثالث: معناه: فإذا انتهى العبدُ إلى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». وقال القاضي: «الحديثُ دَلَّ على فضلِ الفاتحةِ دون وُجوبِها، إلا أن يقال: [قَسَمتُ] الصلاةَ من حيثُ إنها عامةٌ شاملةٌ لأفرادِ الصلاةِ كلِّها، في معنى قولنا: كلُّ صلاةٍ مقسومةٌ على هذا الوجه، ويلزمُه أنّ كلَّ ما لا يكونُ مقسومًا على هذا الوجهِ لا يكونُ صلاة، والخاليةُ عن الفاتحةِ لا تكونُ مقسومةً على هذا الوجه، فلا تكونُ صلاة». هذا وإنّ الفاءَ في قولِ أبي هريرة ﵁: «فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: وتقريرِ التثليثِ في الألفاظ النبوية تفسيرًا للتنصيف، يكشفان الغطاء؛ فلا مطمَع في على مغزى الكلامِ إلّا ببيانِ موقعِهما؛ أما الأول: فإنّ الفاءَ رَتّبت ما بعدَها على ما قبلَها، ترتيبَ الدليلِ على المدَّعي، لأنه ﵁ استشهدَ بالحديثِ الثاني لإثباتِ الكمالِ لمطلقِ الصلاة، ونفي النقصانِ عنه، لأن الحديثَ القُدسيَّ نصٌ إلهي في الدرجةِ الثانية، وإن كانَ من غيرِ واسطةٍ غالبًا، لأن المنظورَ فيه: المعنى، وفي التنزيل: اللفظُ والمعنى منظوران، كأنه قال: قَسَمتُ الَّصلاة الكاملةَ نصفين، فلا يَدلُّ على نَفيِ حقيقةِ الصلاةِ كما قال، وفيه أيضًا إيجابُ الصلاةِ على حقيقتِها، لأن الكلامَ السابقَ سيقَ لها أصالةً والثاني تابعٌ له، فيكون الفاءُ في قولِه: «فإذا قالَ العبد» للتعقيبِ والشروعِ في بيانِ كيفيةِ التقسيم، لا المقسومِ به كما ظنّ هذا الذي عَناه شارحُ

стр. 9342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصحيح بقولِه: «فإذا انتهى العبدُ إلى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾»، وعلى هذا قياسُ سائرِ الأذكارِ فيها. وتخصيصُ الفاتحة: لتقدمِها وشرفِها وليُنبَّهَ على اشتمالِها على معاني الكتبِ السماوية، على أنّ مرجعَ الكلِّ إلى الدعوةِ إلى تَيْنِكَ الخُلّتين، أعني: العبادةَ والثناء، وإظهارَ الافتقارِ ونفيَ الحولِ والقوة إلا به. وبهذا ظهرَ سِرُّ قولِه صلواتُ الله عليه: "الدّعاءُ مخُّ العبادة"، ولا بُعْدَ أن نتَشبَّثَ بهذا على الوجوب. وتحريرُه: أنّ قولِه: "فهي خِداج" يَحتملُ مَعْنيينِ: نَفيَ الكمالِ كما سبق، ونَفيَ الحقيقة؛ من نَفي الجزء الذي يَنْتفي الكلُّ بانتفائه، رجّحنا الثاني بهذا الاعتبار؛ وذلك أنّ الصلاةَ عبارةٌ عن حركاتٍ مخصوصةٍ أذكارٍ مخصوصةٍ، فكما تَنتفي بإخلالِ معظمِ أذكارِها. وقد نَقرّر في علم البيان، أنّ إطلاقَ الجزءِ على الكلِّ مشروطٌ بكونِ ذلك الجزءِ أعظمه، كما مّثّل شارحُ الصّحيح بقولِه: "الحَجُّ عَرَفة"، وعليه قولُه : ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، [يعني: صلاتَه]، والذي يَشدُّ من عَضُدِ هذا التقريرِ توكيدُ الخِداجِ بالتذكير، وتتميمُه بالتفسير، ولأنّ هذا المنهجَ أحوط، وإلى التحقيقِ أقرب، واللهُ أعلمُ بحقيقةِ الحال.

стр. 9343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما الثاني: فعليه ما ذكره الخطّابي: هذا التقسيمُ راجعٌ إلى المعنى لا إلى الألفاظِ المتلوّة، لأنا نجدُُ الشطرَ الآخِرَ يزيدُ على الشطرِ الأولِ من جهةِ الألفاظِ والحروفِ زيادةً بَيّنةً، فينصرفُ النصفُ إلى المعنى، لأن السورةَ من جهةِ المعنى نصفُها ثناءٌ ونصفُها دعاء، وقّسمُ الثناءِ ينتهي إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وباقي الآيةِ من قسمِ المسألة، فلهذا قالَ في هذه الآية: " بيني وبين عبدي". تمّ كلامُه. وتحريرُ ذلك: أنه تعالى قسمَ السورةَ في هذا التقرير أثلاثًا، وقالَ في الثلثِ الأول: "حمدني" و"أثنى عليّ" و"مجَّدني"، فأضافها إلى نفسِه. وقال في الثلثِ الآخرِ: " هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل"، فَخصَّه بالعبد، وفي الوسط جَمع بينهما وقال: " هذا بيني وبينَ عبدي". ولأن يَربِطَ النصفَ الأول بالثاني، قَدّمَ فيه العبادةَ على الاستعانة، لأن الوسيلةَ مُقدَّمٌ على طلبِ الحاجة. وأيضًا إن العبادةَ متفرِّعةٌ على الثلثِ الأول، لأنّ استحقاقَ اختصاصِ العبادةِ به إنما كانَ لأجلِ تلك الأوصافِ الكاملة، وإنّ الاستعانةَ فُرِّعَ عليها الثلثُ الآتي وفُسِّرتْ به؛ فإنَّ التقدير: كيف أُعينُكم؟ فقالوا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ولاعتبارِ المعنى ولتَضمُّنِ الثلثِ الأول معنى البسملة، استُغنيَ عنها به، وكذلك ثَلّثَ الثلثَ الأول، وجعلَ الطرفين -أعني: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ - مؤسسينِ على الوسط- أعني: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - حيث اختصَّه بالثناءِ في قوله: "أثنى عليَّ عبدي"، مع أنّ الكلَّ ثناء.

стр. 9344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإنما قلنا مؤسَّسينِ على الوسط، لأنَ الرحمةَ الإلهية والعواطفَ الربانية، هي التي اقتضتْ إخراجَ الخلقِ من العدمِ إلى الوجود، للتزوّدِ للمَسيرِ إلى السَّعاداتِ الأبديّة، والمصيرِ إلى الكمالاتِ السَّرمديّة، وإلى هذا يُلْمحُ ما ورد: "رحمنَ الدنيا ورحيمَ الآخرة". فإن قلتَ: لِمَ قيّدَ الثّلثَ الثاني والثّالثَ بقولِه: "ولعبدي ما سأل"، وأوقعَه حالًا من "لعبدي"، وأطلق الأول؟ قلتُ: لتضمّنها الطّلبَ والسّؤال؛ أمّا في الأول: فمستفاد من السّين، وفي الثاني: من صيغةِ الأمر. وإنّما وُضع المظهرُ مَوضعَ المُضمرِ الرّاجعِ إلى ذي الجلال، وخُصَّ بالعبدِ وكُرِّر، ليُشعر بأنّ الصّلاةَ معراجُ المؤمن، ولهذا السّر وُصفَ الحبيبُ بالعبد ليلة المعراج، كما أَومأَ إليه بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وظهرَ أيضًا أنّ المصلّى يناجي ربّه، وحُقّ لذلك أن تسمى الفاتحةُ بالصّلاة، وأنّ الصّلاةَ لا تَصحُّ إلّا بها. ولله درُّ الإمامِ حيثُ أوجبها فيها! اللهمّ يا موليَ النِّعم، ويا راحمَ الأُمم، ويا مُحييَ الرِّمَم، أنتَ المعبودُ وأنت المستعانُ بكرمك، ثَبِّتنا على صراطك، صراطِ الذين أنعمتَ عليهم من النبيينَ والصِّديقين والشُّهداء والصالحين، ووفِّقْنا على ما نُرافقُهم به في دارِ كرامتِك في جناتِ النعيم، وجَنِّبنا بشُمولِ رأفتِك عمّا نوافقُ به الزائغين، ممّا يَكلُمُ الدِّينَ ويُثلُمُ اليقين، آمين، ربَّ العالمين. ويا سامعَ الأصوات، ويا مجيبَ الدّعوات، ويا مُقيلَ العثرات، تَقبّلْ توبتي، وامحُ حِوبتي، وأقِلْ عَثْرتي فيما صدرَ مني مِمّا لا ترضاه، خصوصًا فيما تَصَدّيتً لإيراده في "فُتوحِ الغَيب"، وفيما تَوخّيتُ إبرازَه "في الكشفِ عن قناعِ الريب". وصَلِّ على حبيبِ الله، على من بدأ منه البدايات، وانتهى إليه النهايات، رَحْمةِ الله المهداةِ

стр. 9345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للأُمم، سَلَفِها وخَلَفِها، النازلِ من آلِ إبراهيمَ ذُراها، وبَيتَ شَرَفِها. وعلى أله وعِتْرتِه وأزواجِه وذرِّيتِه، وعلى سائرِ المكرّمين بصُحبتِه، والمتبِعينَ لسُنتِه، الدارجينَ منهم واللاحقينَ لهم. وارحمْ أبويَّ اللذين قَوّمَا أَوَدي، وأَصْلحا عِوَجي، ودَعَواني إليك بكلِّ خير، وأَعاذاني بك من كلِّ شر. واجْزِ عَنّا أئمةَ الإسلام وأعلامَ الطريقةِ ومشايخي خيرًا، سيّما مَنْ علّمنا، وأدَّبنا، ونَصَحَنا فيك وهَدانا إليك. واخْلُفنا في أهالينا وذَرارينا، واسلكْ بنا وبهم صراطَك المستقيم، وأَرِهم سبيلَ المتقين، واجعَلْهم مِن عبادِك الصالحين، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.