← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20892

نشر البنود على مراقي السعود

الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم

Полный текст (647 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة المحقق] يعتبر علم أصول الفقه الذي يعرف منه تقرير مطالب الأحكام الشرعية وطرق استنباطها -من العلوم الإسلامية العريقة، المنمة بموضوعاتها ومنهجها، عن خصائص أساسية في الفكر العلمي عند المسلمين، والمعبرة -بصفتها هذه -عن عمق استشفاف هذا الفكر، للمسائل -وشمولية استيعابه لها، وقدرته العبقرية على الغوص والاستنباط والتنظير والتقرير، والتبحر في ذلك، وارتياد أرحب الآفاق في مضماره. وقد تألق فكر المسلمين في فروع شتى من المعرفة كالرياضيات والطب وسواهما، واجتهدوا في بحوثهم حولها اجتهادات رائدة أدت بهم إلى الإسهام في تطوير محتواها والتمهيد -من ثم -لما أصابته مثل هذه الفروع العلمية في العصور الحديثة من باهر التقدم على الصعيد النظري والعملي سواء، أما فيما يخص العلوم الإسلامية الصرفة -فإنها تعد بطبيعة الحال -ثمرة كاملة للاجتهاد الفكري عند المسلمين، تختلف في هذا عن غيرها من العلوم التي أسهموا فيها مع غيرهم من الأمم، وتنفرد -بالتالي -بما تنطوي عليه من الدلالة على طبيعة تفكيرهم العلمي في إطاره الخاص، واتجاهاتهم الرائدة في بناء النموذج الثقافي المتسمة به حضارتهم المتميزة. ويستمد علم أصول الفقه -كما قال الشوكاني من ثلاثة أشياء: الأول علم الكلام لتوقف الأدلة الشرعية على معرفة الباري وصدق المبلغ، وهما مبينان فيه مقررة أدلتها في مباحثه. الثاني: العربية لأن فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما متوقفان عليها إذ هما عربيان. الثالث: الأحكام الشرعية من حيث تصورها لأن المقصود إثباتها أو نفيها. وباعتبار سعة الفنون العلمية التي يتطلب الحال -هكذا -الإلمام بها والتبحر فيها لإمكانية خوض لجج هذا العلم، والغوص على لآلئه، فإنه لم يتصد له في القديم والحديث إلا فطاحل العلماء كفقيه السنة الأكبر محمد بن إدريس الشافعي ومن على شاكلته من الجهابذة الأفذاذ.

стр. 2

وأول من ألف فيه كما هو معلوم الإمام الهاشمي المطلبي محمد بن إدريس رحمه الله تعالى ١٥٠/ ٢٠٤ عندما أشار عليه شيخه عبد الرحمان بن مهدي فجمع بعض القواعد في كتابه المسمى الرسالة وهو مطبوع. ثم توالت فيه المؤلفات المختلفة ذات المناحي المتعددة فكتب أتباع الشافعي في منحاه. وأصحاب أبي حنيفة في منحاه، كذلك ومثلهم أصحاب الإمام مالك والإمام أحمد، وحاول آخرون الجمع بين الطريقة الشافعية والحنفية، وهما الطريقتان البارزتان في هذا العلم. وكانت الكتب ما بين مختصر، ومتوسط يأخذ اللاحق من السابق، ويناقشه ويرد عليه أحيانًا لاسيما إذا كان من غير مذهبه. ومن أهم المؤلفات في هذا الميدان، الرسالة للإمام الشافعي، وأحكام الأحكام لابن حزم الأندلسي والمستصفي للغزالي، وأصول البزدوى، وأوصل السرخيسي، وروضة الناظر لابن قدامة المقدسي والأحكام لسيف الدين الأمدي والموافقات لأبي إسحاق الشاطبي، وإرشاد الفحول للشوكاني، وجمع الجوامع لتاج الدين السبكي وغيرها. والملاحظ بصفة عامة أن كتب المتقدمين أجزل عبارة وأظهر معنى وأسهل موردًا، وغالبًا ما كانت كتب المتأخرين تلخيصًا واختصارًا أو نظمًا أو شرحًا لأعمال من سبقهم أو تعليقًا عليها، ولكل فائدته. ويعتبر المؤلف الذي بين أيدينا (نشر البنود على مراقي السعود) واحدً من المصنفات القيمة في هذا الفن. وقد تفضل مولانا أمير المؤمنين، جلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده، فأمر بطبع هذا الأثر العلمي النفيس ونشره، وذلك في إطار اهتمام جلالته الشريفة -حفظه الله روعاه -بإحياء التراث الإسلامي، وإغناء نهضتنا العلمية بكنوزه، وذخائره، ومنح أوسع الفرص للطلبة والباحثين والدارسين، للنهل من موارده، والكرع من حياضه وصلا لماضينا العلمي المجيد، بحاضرنا العلمي الزاهر، وترسيخًا لأصالة النهضة الثقافية العظيمة، التي تشمل مختلف الآفاق في هذا البلد الأمين، تحت ظل قيادة جلالته الحكيمة النيرة. ومادة الكتاب عبارة عن شرح أرجوزة في هذا الفن، للمؤلف سيدي عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي واضع الأرجوزة والشرح معًا، وكما يلاحظ فقد كان يطل إطلالة العالم المتفتح الواعي على بقية المذاهب فيأخذ منها ويناقش ما أخذ ويرجح ويضعف كما ستراه، ولا ينسى مع كل هذا مالكيته التي ارتضاها واقتنع بها. ولهذا فقد جاء هذا العمل وسطًا بين الإطناب والاقتضاب، تشعر وأنت تقرؤه أنك تقرأ لعالم ضليع من علماء الملة المتأخرين فتعيش مع أسلوب.

стр. 3

عصره الذي يتميز بالمناقشة وسوق الردود للإحاطة بالنقط التي يتعرض لها من مختلف الجوانب، ومع تمحيصه -بهذه الصورة -للمسائل ومناقشته لها، فهو يشعرك أنك منصف في مناقشته، إيجابي الروح في نظرته إليها، فإذا ما وقف أمام خلاف لفظي، أو جدال جانبي عقيم ترفع عنه قائلًا: لا مساحة في الاصطلاح. ويستوقف فكرك وأنت تقرأ هذا المصنف الجامع، كثرة نقول المؤلف عن غيره، ولا غرابة في هذا، فقد بين منهجه في ذلك علمًا بتقيده بالنقل عن كبار علماء الإسلام بشكل عام وعلماء المذهب المالكي بشكل خاص، ذلك أن يجلي المسألة، ويقربها إلى القارئ بأسهل وأمتع ما يستطيع. ومما يتميز به، أمانته في النقل إذا نقل، حيث أنه يعزو كل عبارة إلى صاحبها بكامل النزاهة، وهذا ما كان يتسم به أسلافنا من العلماء رحمهم الله تعالى (يعزون الفضل لأهله والقول لصاحبه). وقد استعرض المؤلف رحمه الله تعالى في شرحه هذا مباحث الأصول كلها كباقة شهية، فدونكها أيها العالم والباحث والطالب وقد أخرجتها إليك وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في بهاء ورواء وحلة قشيبة وطبعة أنيقة بعد أن نفذت كل نسخ هذا الكتاب التي كانت مطبوعة بفاس بالمطبعة الحجرية، فلم يكن من اليسير الحصول عليه قبل أن يقدم في هذه المطبعة الجديدة المصححة. حفظ الله مولانا أمير المؤمنين، وأدامه ذخرًا لهذه الأمة يرعى نهضتها، ويصون تراثها، ويبعث مفاخرها العلمية وأمجادها الفكرية، موالاة لمأثرات العرش العلوي، في رعاية العلم والثقافة، ومناقبه الجلي في ترسيخ أصالة هذه البلاد، وإثراء مقومتها الحضارية. وأقر عين سيدنا الإمام بصاحب السمو الملكي ولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه الأمير السعيد مولاي رشيد وكافة أفراد الأسر الملكية الشريفة أنه على ما يشاء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد ذي الخلق العظيم، وعلى ءاله الرهط الكريم وأصحابه الذين بهم الدين أقيم. وبعد فيقول عبد الله بن إبراهيم بن الإمام العلوي أعلاه الله: لمن من الله تعالى علي بإتمام النظم المسمى مراقي السعود لمبتغى الرقي والصعود، ألهمني الله الاشتغال بشرحه فشرعت فيه مستعينًا بالله ومشيرًا بلفظ المحشي للكمال بن أبي شريف، وبزكرياء لشيخ الإسلام زكرياء، وبالمحشيين لهما، وباللقاني لعلامة عصره بلا نزاع وواحد وقته بلا دفاع ناصر الدين اللقاني، إلا ولأن شافعيان وهذا مالكي. وكلهم محشون على شرح المحلي لجمع الجوامع، وبحلولو لأبي العباس أحمد الشهير بابن حلولو القروي المالكي شارح جمع الجوامع، الشرح المسمى الضياء اللامع، وبالقاضي أبي بكر الباقلاني وبالرازي لفخر الدين الرازي صاحب كتاب المحصول. وحيث قلت قال في التنقيح، أو في شرح التنقيح فمرادي شهاب الدين القرافي وحيث قلت قال في الآيات البينات فالقائل أحمد بن قاسم الشافعي العبادي. والآيات البينات حاشية له على المحلي ثلاثة أسفار ابتداء الثاني من مبحث العام والثالث من الإجماع، وهو كتاب جمع فيه من التحقيق والتدقيق وكثرة الأبحاث والانتصار لصاحب جمع الجوامع وشارحه المحلي ما لا يأتي الزمان بمثله إن الزمان بمثله لبخيل فسميت هذا الشرح «نشر البنود على السعود» يسر الله تعالى لي إتمامه وأجزل علي فيه إنعامه فمرادي

стр. 5

فيه إن شاء الله أن أسهل ما استصعب وأجلب كل منتخب من بحث معقول وعلم منقول، حتى لا يعد له كتاب في الإيضاح وتحرير الصواب فإن هذا العلم مما ألوت به الصبا والدبور وصار يبلي على ممر الدهور ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يقول عبد الله وهو ارتسما ... سمى له والعلوى المنتمى عبد الله المراد به المسمى ويرجع إليه الضمي المبتدأ باعتبار الاسم وارتسم بمعنى ثبت وسمى بتثليث السين لغة في الاسم حال من الضمير فاعل ارتسم، يعني أن اسمه عبد الله هو أفضل الأسماء لما فيه الحديث من أفضل الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وألحقوا بهما كل ما يدل على العبودية. قوله والعلوي المنتمى، المنتمى بصيغة اسم المفعول أي منتماه ونسبته يقال فيها العلوي بفتح العين واللام نسبه إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أو إلى آخر من ذريته. تنبيه: أعلم أن الله تعالى قد يسر لي الشروع في هذا الشرح بتججك حرسها الله تعالى من الآفات، ووقى أهلها من السيئات، وعمرها بالعلم والدين إلى يوم البعث والدين بعدما يسر لي نظم الأصل بها وذلك يوم الخميس في جمادى الأولى عام سبعة ومائتين بعد الألف وتمام النظم قبله بعام أسأل الله بإنعامه أن يعين على إتمامه وأن يجعله خالصًا، لوجهه للرضى والأمن بمنه، والفوز بالزيادة فالكريم من استزاده زاده. الحمد لله على ما فاضا ... من الجدى الذي دهورا فاضا يعني أن أحمد الله على ما أفاض أي أكثر من الجدى بفتح الجيم والدال أي النفع والخير الذي جاء به ﷺ بعدما فاض أي قل وعدم دهورًا متطاولة قبله ﷺ . وجعل الفروع والأصول ... لمن يروم نيلها محصولا. النيل بفتح النون المراد به التعلم ومحصولا بمعنى حاصلة في الكتب والصدور ويجئ المحصول بمعنى المصدر كالمسعور والمحلوف بالفاء المرأسة لا بالفاء الموحدة والمعقول والمجلود وقد نظمتها بقولي:

стр. 6

محلوفكم مجلودكم معقول ... مصادر يزنها مفعول كذلك المعسول والمحصول ... فاصغ ليتا أيها النبيل الليت بالكسر صفح العنق. وشاد ذا الدين بمن ساد الورى فهو المجلي والورى إلى ورا شاد الحائط علاه بالشيد بالكسر وهو الجص ونحوه كناية عن تحسينه وشاد كجعل معطوف على أفاض وهو قوله وهو يعني من قوله فهو المجلي عائدًا على من والمجلي السابق في الحلبة قال الشاعر: أتاني المجلي والمصلي وبعده الـ ... ـمسلي وتال بعده عاطف يسرى ومرتاحها ثم الحظى ومؤمل ... وجاء اللطيم والسكيت له يجرى فالمجلي بضم الميم وكسر اللام مشددة، والمصلي على وزنه هو الذي يتبع السابق في الحلبة والمسلي الثالث والتالي الرابع والعاطف الخامس والمرتاح السادس. وفي القاموس: إن المرتاح هو الخامس والخطي هو السابع والمؤمل هو الثامن واللطيم كأمير هو التاسع، والسكيت كزهير ويشدد العاشر وهو أخر خيل الحلبة بفتح الحاء وسكون اللام الدفعة من الخيل في الرهان، وورا في قوله إلى ورا بمعنى خلفه قصر للوزن. محمد منور القلوب ... وكاشف الكرب لذي الكروب محمد بالجر بدل من في قوله بمن، وتنويره ﷺ للقلوب بالإيمان به وبمحبته والصلاة عليه وإتباعه وكاشف الكروب بشفاعته والاستغاثة بجاهه والكرب الحزن. وشفاعاته في الآخرة ست: الأولى في تعجيل الحساب وهي أعظمها وأعمها وهي مختصة به. والثانية في إدخال أقوام الجنة بغير حساب وهي مختصة به عند النووي، وتردد في ذلك ابن دقيق العيد والسبكي. الثالثة فيمن استحق النار أن لا يدخلها وتردد النووي في اختصاصها به وجزم

стр. 7

عياض بنفيه. الرابعة في إخراج الموحدين من النار ويشاركه فيها الأنبياء والملائكة والمؤمنون، إلا أن الاشتراك في مطلق الإخراج لا في قدره. الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأقوام ولم ير نص في اختصاصها به. السادسة في تخفيف عذاب من استحق الخلود في النار كأبي طالب. اللهم بجاهه شفعه فينا وفي قرابتنا بدخول الجنة من غير حساب وبزيادة الدرجات في الفردوس بلا مشقة ولا عتاب. صلى الله عليه ربنا وسلما ... وآله ومن لشرعه انتمى الشرع: السنة والدين، والانتساب للشرع بالعمل به وتدوينه وتعليمه وتعلمه. هذا وحين قد رأيت المذهبا ... رجحانه له الكثير ذهبا وما سواه مثل عنقا مغرب ... في كل قطر من نواحي المغرب أردت أن أجمع من أصوله ... ما فيه بغية لذي فصوله هذا مبتدأ حذف خبره، والعكس أي هذا الأمر والأمر هذا يعني أن الذي حملني على هذا النظم في أصول مالك خاصة إني رأيت الكثير من العلماء ذهب إلى ترجيح مذهبه على سائر المذاهب للحديث الصحيح (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم ولا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة)، أو لترجيح السلف الصالح له على مذهب غيره مع حسن تصرفه في كل فن من القرءان والحديث والعربية والأصول وغير ذلك، وأيضًا فإن ما سواه من المذاهب مفقود في كل قطر بالضم أي ناحية من نواحي المغرب فلا تكاد تجد من يحقق مسألة منها فضلًا عن باب ولا كتاب من كتبها كما اختصت أرض الروم وهي، سلاسول وما والاه بمذهب أبي حنيفة حتى أنه لم يكن في وقتنا هذا أحد فيه على غيره إلا رجل من الشيعة يقول في آذانه مكان حي على الصلاة حي على خير العمل، وكما اختص عراق العجم بمذهب الشافعي ولم يختص إقليم بمذهب أحمد.

стр. 8

وعنقاء كحمراء وزنًا مضاف إلى مغرب اسم فاعل من أغرب في البلاد أي أبعد فيها، قيل فيها ذلك لبعدها في طيرانها، ويجوز أن يكون مغرب وصفًا لعنقاء. وذكروا مغربا لإرادة النسبة كما قالوا ناقة ضامر وهو مثل يضرب للشيء الذي يوجد وهي طائر تخطف الأطفال فدعا عليها حنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس فأهلكها الله وقطع نسلها. وقيل ذهب بها إلى جزيرة، وهي جزيرة لا يصل إليها الناس في المحيط وراء خط الاستواء وانظر حياة الحيوان الكبرى تجد شفاء العليل. والبغية بضم الباء وكسرها المطلوب. والمراد بالفصول الفروع. منتبذا عن مقصد ما ذكرا ... لدى الفنون غيره محررا منتبذا حال من فاعل أجمع والموصول مفعوله ومحررا بصيغة اسم الفاعل حال منه أيضًا. يعني أني غير ذاكر في هذا النظم كل ما ذكر في الفنون غير الأصول من نحو كمعاني الحروف أو بيان كمسائل الحقيقة والمجاز مع كثرتها أو منطق كدلالة المطابقة والتضمن والالتزام مع تحريره أي سلامته من التطويل والحشو. سميته مراقي السعود ... لمبتغى الرقي والصعود يعني: أني سميت هذا النظام مراقي السعود بضم السين جمع سعد بمعنى السعادة لمن أراد الرقي إلى سماء الفقه وفهم موارده الشرع ومقاصده. والمراقي جمع مرقاة بالكسر ما يرقى به كالسلم والرقى بضم الراء وتشديد التحتية وهو والصعود بمعنى. استوهب الله الكريم المددا ... ونفعه للقارئين أبدا يعني: أني أسأل الله أن يهب لي المدد أي الزيادة في العقل والتأييد على إكمال هذا النظام وأسأله أن ينفع به كل من قرأه إلى يوم القيامة نفعًا كاملًا شاملًا.

стр. 9

مقدمة أي في علم الأصول وهي بكسر الدال أفصح من فتحها، من قدم اللازم بمعنى تقدم، وهي ما يتوقف عليها الشروع في الفن. ومقدمة الكتاب أعم منها مطلقًا وهي ما قدم أمام المطلوب لارتباط بينهما توقف على معرفته الشروع في المطلوب أم لا، فمعرفة الأحكام الخمسة مقدمتها وخطبة ألفية بن مالك مقدمة الكتاب فقط. أول من ألفه في الكتب ... محمد بن شافع المطلبي يعني: أن أول من ألف علم الأصول في الكتب الإمام الشافعي وهو محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع المطلبي، ألف فيه كتاب الرسالة الذي أرسل به إلى ابن مهدي وهو أيضًا أول من ألف في مختلف الحديث المشار إليه في طلعة الأنوار بقولنا أولا وجمع ممكن فمختلف ... يضيفه إلى الحديث المحترف وغيره كان له سليقه ... مثل الذي للعرب من خليقه يعني: أن غير الشافعي من المجتهدين كالصحابة فمن بعدهم كان معرفة علم الأصول سليقة له، أي مركوزًا في طبيعته كما كان علم العربية من نحو وتصريف وبيان خليقة أي مركوزًا في طبائع العرب فطرة فطرهم الله عليها. والألقاب كاسم المبتدأ والخبر والفاعل والمفعول وغير ذلك اصطلاحات وضعها أئمة النحو، وكذلك وضع أئمة الأصول الذين صنفوا فيه اسم المنطوق والمفهوم والفحوى، والمخالفة والعام والخاص والمطلق والمقيد وغير ذلك. الأحكام والأدلة الموضوع ... وكونه هذي فقط مسموع

стр. 10

يعني، أن مما يتوقف عليه الشروع في الفن معرفة موضوعه. وموضوع كل فن ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية كبدن الإنسان لعلم الطب، وعوارضه الذاتية الصحة والمرض اللذان لا يبحث الطبيب إلا عنهما. وموضع الأصول الأدلة الشرعية والأحكام. وعند بعضهم الأدلة الشرعية فقط. وإلى هذا أشار بقوله: وكونه .. الخ. وهذا مذهب الجمهور لأنه يبحث فيه عن عوارضها الذاتية كقولهم: الأمر يفيد الوجوب، ويتمسك بالعام في حياته ﷺ قبل البحث عن المخصص، والعام المخصص حجة فيما يبقى. وحجة الأول: أن جميع مباحث الأصول راجعة إلى إثبات أعراض ذاتية للأدلة والأحكام من حيث إثبات الأدلة للأحكام وثبوت الأحكام بالأدلة. فالفن منحصر في الإثبات والثبوت وفيما له نفع في ذلك كالمرجحات فلا خلاف بين القولين في المعنى.

стр. 11

أصول الفقه الأصل لغة: ما يبنى الشيء عليه حسًا كالجدار للسقف، ومعنى كالحقيقة للمجاز والدليل للمدلول. ولما كان تصور المطلوب في النفس أو الشعور به شرطًا في تصور المطلب عقلًا جرت عادة المحققين في التصنيف بالبداءة بتعريف الحقيقة. فالشارع في فن لابد أن يتصوره أولا بوجه ما وإلا امتنع الشروع فيه. وأصول الفقه مركب إضافي، يطلق تارة على جزأي الإضافة، وتارة لقبًا لهذا العلم وعلمًا له. واختلف في المركب الإضافي هل يتوقف حده اللقبي على معرفة جزأيه أو لا؟ إذ التسمية به سلبت كلا من جزأيه عن معناه الإفرادي وصيرت الجميع اسمًا لمعنى آخر، وعلى الأول فلابد من معرفة جزأيه ولذلك قال: (أصوله دلائل الإجمال). يعني: أن أصول الفقه أدلته الإجمالية، لأن الأصل في الاصطلاح هو: الدليل، أو الأمر الراجح كما يأتي. والدليل الإجمالي هو، الذي لا يعين مسألة جزأيه كقاعدة مطلق الأمر والنهي، وفعله ﷺ والإجماع والقياس والاستصحاب والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والظاهر والمؤول والناسخ والمنسوخ وخبر الآحاد، فالتحقيق أن الأدلة نفسها ليست أصولًا، لأنها موضوع الفن وموضوع الشيء غيره ضرورة، وكذا معرفة الدلائل ليست هي الأصول على التحقيق. فمراد من قال: أن أصول الفقه معرفة دلائل الفقه الإجمالية، التصديق بتلك القواعد، أي العلم بثبوت المحمول للموضوع ومراد الأكثر القائلين أنها الأدلة: القواعد الباحثة عن أحوال الأدلة.

стр. 12

والقاعدة قضية كلية تعرف منها أحكام جزئياتها، نحو مطلق الأمر للوجوب ومطلق النهي للتحريم، والإجماع والقياس والاستصحاب حجة، والعام يقبل التخصيص والخاص يقضي على العام والمطلق يحمل على المقيد بشرطه، وخبر الآحاد يجب العمل به إلى غير ذلك مما يعلم في مواضعه واحترز بالإجمالية عن التفصيلية نحو ((أقيموا الصلاة)) ((ولا تقربوا الزنى)) وصلاته ﷺ في الكعبة، والإجماع على أن لابنة الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب، وقياس الأرز على البر في امتناع ربا الفضل والنساء. قال العابدي في الآيات البينات، والشيخ زكرياء: ليس بين الإجمالية والتفصيلية تغاير بالذات بل بالاعتبار، إذ هما شيء واحد له جهتان فأقيموا الصلاة له جهة إجمال طي كونه أمرًا وجهة تفصيل هي كون متعلقة خاصًا. وهي: إقامة الصلاة. فالأصولي يعرف الدلائل من الجهة الأولى والفقيه من الثانية. تنبيه: اعلم أن أسماء العلوم كالفقه والبيان والأصول والنحو مثلًا يطلق كل واحد منها مرادًا به قواعد ذلك الفن وتارة مرادًا به إدراك تلك القواعد، وتارة مرادًا بها الملكة -بالتحريك -وهي سجية راسخة في النفس تحصل للمدرك بعد إدراك مسائل الفن وممارستها. فمن عرف أصول الفقه بأنه أدلة الفقه الإجمالية نظرًا إلى المعنى الأول ومن قال معرفة أدلة الفقه الإجمالية نظر إلى الثاني (وطرق الترجيح قيد تال). يعني: أن طرق الترجيح للأدلة عند تعارضها قيد تابع للدلائل الإجمالية في الاندراج في حقيقة الأصول. والمراد بالطرق وجوه الترجيح. (وما للاجتهاد من شرط وضح). ما مبتدأ، ووضح خبره. يعني: أن شروط الاجتهاد الآتي ذكرها في كتابه وضح، أي ظهر دخولها في مسمى الأصول. يعني: أن أصول الفقه هي الأدلة الإجمالية وكيفيات الترجيح وشروط الاجتهاد. وقيل: معرفة كل من الثلاثة. وقال ابن أبي شريف: أن التحقيق دخول مباحث الترجيح في مسمى الأصول دون مباحث الاجتهاد فإنما

стр. 13

هي تتمات. وعليه فيقال: أصول الفقه أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وقيل العلم بها اهـ. وأما مسائل الاجتهاد فبعضها فقهية موضوعها فعل المكلف محمولها الحكم الشرعي، كمسألة جواز الاجتهاد له ﷺ ولغيره في عصره ومسألة لزوم التقليد لغير المجتهد، وبعضها اعتقاديه كقولهم: المجتهد فيما لا قاطع فيه مصيب، وقولهم: خلو الزمان عن المجتهد غير جائز، ونحوهما. قال القشيري: لكن جرت العادة بإدخال شروط الاجتهاد في الأصول وضعا فأدخلت فيه حدًا، وإنما أدخلت فيه وضعًا لأن غاية فن الأصول الإقدار عل الاستنباط، والاستنباط متوقف على شروط الاجتهاد، وليست داخلة في قواعد الفن بخلاف مباحث الترجيح، فإن البحث فيها عن أحوال الأدلة التفصيلية على وجه كلي باعتبار تعارضها، ولا يدخل في الأصول علم الخلاف، إذ لا يتوصل به إلى الفقه توصلًا قريبًا لأن الجدلي إما مجيب بحفظ حكم أو متعرض بإبطاله كان الحكم فقهًا أو غيره. لكن الفقهاء أكثروا فيه من مسائل الفقه وبنو أركانها عليها، حتى توهم اختصاصه بالفقه. وأصول الفقه، وإن كان أصلًا للفقه لاحتياجه إليه فرع لأصول الدين لاحتياج كون الأدلة حجة إلى معرفة الصانع وصفاته. (ويطلق الأصل على ما قد رجح) يعني: أن الأصل يطلق في الاصطلاح أيضًا على الأمر الراجح نحو: الأصل براءة الذمة، والأصل عدم المجاز والأصل إبقاء ما كان على ما كان عليه قاله القرافي في التنقيح.

стр. 14

فصل والفرع حكم الشرع قد تعلقا ... بصفة الفعل كندب مطلقا يعني: أن الفرع هو حكم الشرع المتعلق بصفة فعل المكلف وتلك الصفة ككونه مندوبًا أو غيره من الأحكام الخمسة مطلقًا، أي سواء كان الفعل قلبيًا كالنية أو بدنيًا كالضوء، قال الناصر اللقاني عند قول خليل: فذلك لعدم إطلاعي في الفرع على أرجحية منصوصة. والفقه هو العلم بالأحكام ... للشرع والفعل نماها النامي أدلة التفصيل منها مكتسب الفقه لغة: الفهم والشعر والطب، واصطلاحًا هو: العلم بجميع الأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية. والمراد بالأحكام: النسب التامة التي هي ثبوت أمر لأخر إيجابًا أو سلبًا، احترازًا على العلم بالذوات والصفات والأفعال وعن النسبة التقييدية والشرعية المأخوذة من الشرع تصريحًا واستنباطًا احترازًا عن الأحكام العقلية والحسية والاصطلاحية كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وإن النار محرقة، وإن الفاعل مرفوع وإن كان الحاكم في الحقيقة في الأخيرين إنما هو العقل على المشهور، ولكن بواسطة الحس والاصطلاح. والعملية المتعلقة بكيفية عمل قلبي كالعلم بوجوب النية في الوضوء وبدني كالعلم بسنية الوتر فيشمل العمل عمل غير المكلف لأن الفقه يبحث عن أفعال غير المكلف فالعلم بها من الفقه. لأنه يمنع من المحرمات كالزنى وشرب الخمر ويؤمر بالطاعات.

стр. 15

والمراد بكيفية العمل وجوبه أو ندبه أو ضدهما أو إباحته وهي المسماة عن المناطقة بالمادة وهي الدوام والضرورة وما يقابل الأمرين في نقضهما، فخرج العلم بالأحكام الشرعية الاعتقادية أي المتعلقة بحصول العلم في القلب كالعلم بأن الله تعالى واحد، وأنه يرى في الآخرة فعلمك بوجوب اعتقاد أن الله واحد فقه، وعلمك أن الله واحد ليس به، بل هو من علم الكلام، فالمتكلم يثبت الوحدة، والفقيه يثبت وجوبها. فالحق أن الاعتقاد وسائر الإدراكات انفعال لا فعل للنفس وإذا لم يكن فعلا فلا يكون عملًا إلا على سبيل التسامح قاله في الآيات البينات. واعترض بعضهم على التقييد بالعمل بأنه يخرج ما ليس بعمل كالطهارة الحاصلة باستحالة الخمر خلا والبيضة فرخا. وكالرق المانع من الإرث ولزوم التصرف وكالسفه المانع من لزوم التصرف مع أن الظاهر أن العلم بها من الفقه لأنه يبحث عنها فيه. وجوابه عندي: أن الطهارة تستلزم حلية تناول الشيء وهو عمل، والرق يمنع أخذ الإرث وهو عمل وانح ذلك النحو. ويقيد المكتسب خرج علمه تعالى لتعاليه عن الاكتساب والضرورة، وعلم كل نبي وملك بما ذكر، إذ هو ضروري حاصل مع العلم بالأدلة لا مكتسب عنها. فإن قيل: هل يدخل في التعريف علم النبي ﷺ الحاصل عن اجتهاد بناء على الأصح من جواز الاجتهاد له ﷺ فيسمى فقها أو لا يسمى فيكون التعريف غير مانع؟ فالجواب كما لابن أبي شريف: إن ذلك العلم دليل شرعي للحكم فبهذا الاعتبار لا يعد فقهًا بل هو من أدلة الفقه وباعتبار حصوله من دليل شرعي يصح أن يسمى فقهًا إلا أن يقال أنه بواسطة تقرير الله تعالى له عليه يكون ضروريًا فيكون بمنزلة الثابت بالوحي، وذكر الأدلة للبيان لا للاحتراز، إذ لا اكتساب إلا من الدليل. وبقيد التفصيلية خرج علم المقلد فإنه مكتسب من دليل إجمالي لأنه فتوى مجتهد وفتواه حكم الله في حقه. وقال المحلي يخرج به العلم بذلك المكتسب للخلافي من المقتضى، والنافي المثبت بهما ما يأخذه من الفقيه ليحفظه عن إبطال

стр. 16

خصمه؟ فعمله مثلًا بوجوب النية في الوضوء لوجود المقتضى أو بعدم وجوب الوتر لوجود النافي ليس من الفقه وهذا إذا قلنا أن الخلافي يستفيد علمًا بثبوت الوجوب أو انتفائه من مجرد تسليمه من المجتهد وجود المقتضي أو النافي إجمالًا، وإنه يمكنه بمجرد ذلك حفظه عن إبطال خصمه، والحق أنه لا يستفيد علمًا ولا يمكنه الحفظ المذكور حتى يتعين المقتضي أو النافي كأن يقول له: تجب النية في الوضوء لحديث (إنما الأعمال بالنيات) ولم يجب الوتر لحديث (خمس صلوات كتبهن الله على العباد) فيكون هو الدليل المستفاد منه ذلك وحينئذ إن كان الخلافي أهل للاستفادة منه كان فقيهًا قاله المحشيان وهما ابن أبي شريف وزكرياء. والخلافي صاحب علم الخلاف وهو علم الجدل. وأل في قوله: بالأحكام، للاستغراق وقوله نماها النامي: أي نسبها الناسب فيقول: الشرعية، الفعلية، أي العملية. (والعلم بالصلاح فيها قد ذهب). المراد بالعلم في حد الفقه ما يشمل الظن كما فسر به الرهوني كلام ابن الحاجب، وجعله القرافي على بابه واستشكل بأن الفقه كما سيأتي في تعريف الاجتهاد ظن لأن أدلته ظنية والمستفاد من الظن ظن فكيف عبر عنه بالعلم في التعريف؟ وأجيب: بأنه لما كان الفقه ظن المجتهد الذي يجب عليه وعلى مقلديه إتباعه كان لقوته بهذا الاعتبار قريبًا من العلم ويعبر عنه به، وأجاب القرافي بقوله: كل حكم شرعي فهو معلوم أي مقطوع به لثبوته بالإجماع، وكل ما يثبت بالإجماع فهو معلوم. وثبوت الإجماع فيه الحكم المختلف فيه هو الإجماع على أن ظن المجتهد حكم الله في حقه وحق من قلده. وأجاب بعضهم بقوله: مظنون المجتهد مقطوع بوجوب العمل به وكل مقطوع بوجوب العمل به فهو مقطوع به، فمظنون المجتهد مقطوع به. ابن أبي شريف. وهذا الدليل إنما يصح عند المصوبة أي القائلين كل مجتهد مصيب وإلا فهو ممنوع الكبرى عند غير المصوبة. يعني: أن المراد بالعلم بجميع الأحكام في تعريف الفقه العلم بمعنى

стр. 17

الصلاحية والتهيؤ لذلك بأن يكون له ملكة يقتدر بها على إدراك جزئيات الأحكام. وقد اشتهر عرفًا إطلاق العلم على هذه الملكة. فالكل من أهل المناحي الأربعة ... يقول لا أدري فكن متبعه يعني: أنه إذا كان المراد التهيؤ والصلاحية لا يقدح في أيمة المناحي الأربعة أي المذاهب قولهم لا أدري فأتبع ذلك القول فإنه يدل على الورع. ولله در القائل: ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ... ويكره لا أدري أصيب مقاتله فقد سئل ملك ﵀ عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها لا أدري. هذا ما اشتهر في كتب الأصول والذي رواه ابن عبد البر في مقدمة التمهيد على الموطأ أنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين منها لا أدري. وقال أبو حنيفة في ثمان مسائل لا أدري ما الدهر، ومحل أطفال المسلمين، ووقت الختان، وإذا بال الخنثى من الفرجين، والملائكة أفضل أم الإنسان، ومتى يصير الكلب معلمًا وسؤر الحمار ومتى يطيب لحم الجلالة. وكان أحمد يكثر من لا أدري. وسئل الشافعي عن المتعة أفيها طلاق أم ميراث أو نفقة تجب؟ فقال: والله ما أدري. وروى عن النبي ﷺ وجبريل. فسبحان من أحاط بكل شيء علما. كلام ربي أن تعلق بما ... يصح فعلا للمكلف أعلما فذاك بالحكم لديهم يعرف لما ذكر الحكم في تعريف الفقه شرع في تعريفه فتكون ال للعهد الذكرى والصواب تغايرهما لأن المذكور هنا الحكم المتعارف عند الأصوليين وهو خطاب التكليف وهو خطاب الله تعالى والحكم المذكور في تعريف الفقه ليس خطاب الله تعالى بدليل تقييده بالشرع وما هنا لا يكون إلا شرعيًا، وإنما ذكر هنا لكونه من المقدمات التي يتوقف عليها المقصود إذ الأصولي تارة يثبت الحكم وتارة ينفيه، والحكم على الشيء

стр. 18

فرع تصوره. يعني أن الحكم المتعارف عند الأصوليين هو كلام الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به ومعنى تعلق الخطاب بشيء بيان حاله من كونه مطلوبًا أو غيره قاله في الآيات البينات. قولهم المتعلق يعني تلعقًا معنويًا قبل وجود المكلف متصفًا بشروط التكليف من البلوغ والعقل ومن العلم بالبعثة وبلوغ الأحكام وغير ذلك، وتنجيزيًا بعد ذلك قولهم بفعل المكلف يعني بما يصح أن يكون فعلًا للمكلف واخترتها على عبارتهم لما في عبارتهم من المجاز الذي لا يليق بالحدود إلا بقرينة واضحة وذلك لأن التكليف الأزلي لا يتعلق إلا بمعدوم يمكن حدوثه والمعدوم ليس بفعل في الحقيقة وتوضيحه أن لفظ الفعل يطلق على المعنى الذي هو وصف للفاعل موجود كالهيئة المسماة بالصلاة والهيئة المسماة بالصوم، ويقال له الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر وهذا هو متعلق التكليف، ويطلق لفظ الفعل على نفس إيقاع الفاعل هذا المعنى ويقال فيه: الفعل بالمعنى المصدري، الذي هو أحد مدلولي الفعل النحوي وليس هذا متعلق التكليف لأنه أمر اعتباري لا وجود له في الخارج، قاله ابن أبي شريف. والمكلف العاقل البالغ الذي ليس بغافل ولا ملجأ ولا مكره. قولهم: من حيث أنه مكلف بكسر الهمزة ويجوز فتحها على رأي الكسائي إضافة حيث إلى المفرد، أي: ملزم ما فيه كفلة أو مطلوب منه ووجه تناول الراجح للطلب غير الجازم والتخيير. وتناول الثاني التخيير إن اعتبار حيثية التكليف أعم من أن يكون بحسب الثبوت كما في الوجوب والتحريم أو بحسب السلب كما في بقية الأحكام، فإن تجويز الفعل والترك برفع الكلفة عن العبد قاله الأبهري فتناول الفعل ما كان قبليًا أو غيره قوليًا كتكبيرة الإحرام أو غيره كأداء الزكاة، والقبلي ما كان منه باب القصود والإرادات كالنية فهو من كسب العبد لأنه فعل لأن القصد إلى الشيء توجه النفس إليه، وما كان منه ما باب العلوم والاعتقادات كالإيمان وسائر الإدراكات فهو تجل وانكشاف يحصل عقب النظر في الدليل أو دونه كالضروري فليس من

стр. 19

كسب العبد لأنه ليس بفعل ولا تكليف إلا بفعل فالتكليف به التكليف بأسبابه كإلقاء الذهن وصرف النظر وتوجيه الحواس والاستسلام بالقلب له فتسمية التصديق الذي هو الاعتقاد فعلًا بهذا الاعتبار لكنه مجاز وإن وقع في كثير من العبارات. وأما خطاب الوضع فليس من الحكم المتعارف فلا يذكر في تعريفه. ومنهم من جعله منه فقال: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. والمراد بالتعلق الوضعي أعم من أن يجعل فعل المكلف سببًا أو شرطًا لشيء كجعل إتلافه سببًا للضمان أو يجعل شيء سببًا أو شرطًا له كالزوال فإنه سبب لوجوب فعل الظهر. قاله التفتازاني وغيره. وقد يرد هنا ما أورده ابن أبي شريف بقوله: قلنا: بتقدير تسليم ذلك في الزوال لا يتمشى في فعل غير المكلف كإتلاف الصبي والمجنون في كونه سببًا لوجوب الضمان وإن كان الصبي مكلف عندنا لكن بغير الوجوب والتحريم. فخرج بفعل المكلف كلامه المتعلق بذاته وصفاته وذوات العالم وأفعاله وصفاتهم كمدلول ((الله لا إلاه إلا هو خالق كل شيء)) ((ولقد خلقناكم)) ((ويوم نسير الجبال)) وخرج بما بعده مدلول ((وما تعملون)) من قوله تعالى ((والله خلقكم وما تعلمون)) فإنه متعلق بفعل المكلف من حيث إنه مخلوق لله تعالى بناء على أن ما مصدرية. وعلى تقدير إنها موصولة أي الذي تعلمونه فقد خرج بما قبله. تنبيه: قولهم من حيث كذا يراد به الإطلاق وعدم التقييد، كقولهم: الإنسان من حيث هو إنسان قابل للتعليم. وقد يراد التعليل والتقييد كقولهم: النار من حيث هي حارة تسخن. وقوله من حيث أنه مكلف يحتمل كلا من الأخيرين. قد كلف الصبي على الذي اعتمى ... بغير ما وجب والمحرم يعني: أن الصبي مكلف عندنا على ما صححه ابن رشد في البيان والمقدمات، وكذا القرافي في كتاب اليواقيت في أحكام المواقيت، وأن

стр. 20

البلوغ إنما هو شرط في التكليف بالواجب والمحرم لا في الخطاب بالندب والكراهة والإباحة فهو ووليه مندوبان إلى الفعل مأجوران، فإزالة النجاسة مثلًا يخاطب بها لا على وجه الوجوب أو السنية كالبالغ بل على سبيل الندب فقط وعند الشافعية ليس مكلفًا بحكم من الأحكام الخمسة فالأولى أن يقال في التعريف: بما يصح أن يكون فعلًا للعباد. وقد فرق القرافي بين انعقاد أنكحة الصبيان وعدم لزوم طلاقهم بأن عقد النكاح سبب إباحة الوطء وهم أهل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة دون الوجوب والتحريم والطلاق سبب تحريم الوطء وليسوا أهلًا للخطاب به فلم ينعقد سببًا في حقهم دليل. الصحيح حديث الخثعمية التي أخذت بضبعي صبي وقالت يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر وقيل المأمور الولي وحده وقيل الصبي وحده وحيث قلنا أن الولي مأمور إما وحده أو مع الصبي هل الأمر على سبيل الوجوب أو الندب وهو المشهور فلا يأثم بترك الأمر. وعلى أن المأمور الولي وحده لا ثواب للصبي وإنما هو لوالديه؟ قيل: على السواء، وقيل: الثلثان للأم والثلث للأب. وقول خليل: وأمر صبي بها لسبع، يحتمل أن يكون الآمر له هو الولي أو الله تعالى بناء على أن الآمر بالأمر بالشيء آمر به. والأصل في ذلك قوله ﷺ : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين وأضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع. وهو إلزام الذي يشق ... أو طلب فاه بكل خلق لكنه ليس يفيد فرعا ... فلا تضق لفقد فرع ذرعا يعني: إنهم اختلفوا في التكليف هل هو إلزام ما فيه مشقة وكلفة أو هو طلب ما فيه كلفة؟ فاه أي نطق وقال بكل من القولين خلق كثير فعلى الأول يكون المطلوب فعله أو تركه طلبًا غير جازم مكلفاً به. وعلى الثاني يخرج المباح وقال بعضهم المباح مكلف به من حيث وجوب اعتقاده تتميمًا للأقسام، وإلا فغيره مثله في وجوب الاعتقاد لكن الخلاف في كونه

стр. 21

إلزام ما فيه كلفة أو طلبه لا يفيد فرعًا من الفروع لعدم بناء حكم عليه قال أبو إسحاق الشاطبي فليست من أصول الفقه ولا عونًا فيه وكل ما كان كذلك فلا ينبغي ذكره في الفن. قوله فلا تضق .. الخ، الذرع بفتح الذال المعجمة تمييز محول عن الفاعل يقال ضاق به ذرعًا ضعفت طاقته ولم يجد من المكروه فيه مخلصًا. والحكم ما به يجيء الشرع ... وأصل كل ما يضر المنع يعني: إن الحكم التنجيزي هو ما جاء به الشرع أي البعثة فلا حكم تنجيزيا يتعلق بنا قبل البعثة لأحد من الرسل. والدليل على انتفاء وجوده انتفاء لازمه من الثواب والعقاب بقوله تعالى ((وما كنا معذبي حتى نبعث رسولا)) ولا مثيبين ولا فرق بين الحكم الأصلي والفرعي فاستغنى في الآية عن ذكر الثواب بذكر مقابله الذي هو العذاب الذي هو أظهر في تحقيق معنى التكليف لأن العقاب لا يكون إلا على شيء ملزم من فعل أو ترك والثواب يكون على ذلك تارة وعلى غيره. وحكمت المعتزلة العقل حيث جعلوه طريقًا إلى العلم بالحكم الشرعي يمكن إدراكه به من غير ورود سمع فالحكم الشرعي عندهم تابع للمصالح والمفاسد، فما كان حسنا عقلًا جوزه الشرع وما كان قبيحًا عقلًا منعه، ولهذا يقولون: إنه مؤكد لحكم العقل فيما أدركه من حسن الأشياء وقبحها. والحق عندنا أن الحسن ما حسنه والقبيح ما قبحه، وإنما قيدنا الحكم بالتنجيزي لأن الحكم الذي هو خطاب الله تعالى قديم وإنما الحادث التعلق التنجيزي عند وجود المكلف بصفة التكليف، وأما بعد مجيء الشرع إذا تعارضت الأدلة أو عدمت ولم يظهر لنا نص في شيء بخصوصه فالحكم الأصلي في الأشياء قبل عروض ما تخرج لأجله عن ذلك الأصل المنع كراهة أو تحريمًا في الضار على قدر رتبته في المضرة كأكل التراب وشرب تبعة وشمها لقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار) أي في ديننا.

стр. 22

والأصل في المنافع كأكل فاكهة لمجرد التشهي والتفكه الإذن ندبًا أو وجوبًا على قدر مصلحته لقوله تعالى في معرض الامتنان ((خلق ما في الأرض جميعا)) ولا يمتن إلا بجائز فيه نفع. قولنا قبل عروض .. الخ، كالأموال والدماء والأعراض الأصل فيها التحريم وقد يعرض لها ما يجوزها مع أن هذه ورد فيها نص وهو قوله ﷺ : ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)) .. الحديث، والكلام فيما لا نص فيه. وذهب أبو الفرج المالكي وكثير من الشافعية إلى الحكم بالإباحة قبل وجود الشرع، والأبهري إلى المنع مستدلًا بقوله تعالى ((وما ءاتاكم الرسول فخذوه)) أي وما لا فلا. قال حلولوا في أكل التراب بعد ما ذكر أنه يضر: لكن يتردد النظر في مفسدته هل تنتهي إلى رتبة التحريم أو لا؟ وسكت القول المفصل عن الشيء إذا لم تكن فيه مصلحة ولا مفسدة ولعله لعدم وجوده. ذو فترة بالفرع لا يراع ... وفي الأصول بينهم نزاع راع كروع أفزع متعد، ولازم يعني: أن أهل الفترة لا يروعون أي يعذبون بسبب تركهم للفرع كالصلاة مثلًا لعدم تكليفهم بها. وهم من كان بين رسولين لم يرسل الأول لهم، ولا أدركوا الثاني. قاله في الآيات البينات، ثم قال: فلا خلاف بينهم أنها لا تثبت إلا في حق من أرسل إليهم، نعم من اتفق عليه الملل من الفروع هل هو كالإيمان حتى يجري فيه هذا النزاع؟ فيه نظر اهـ. والمتفق عليه نظمه الجزائري بقوله: قد أجمع الانبيا والرسل قاطبة ... على الديانة بالتوحيد في الملل وحفظ مال ونفس معهما نسب ... وحفظ عقل وعرض غير مبتذل واختلف في تعذيبهم بترك الأصول من الإيمان والتوحيد. ومثلهم من لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت الاها.

стр. 23

قال العبادي: وما نرى أن ذلك يكون. قلت: يمكن في الأصم إذا لم يهتد بالإشارة والقرائن، ومبني الخلاف هل يجب الإيمان والتوحيد بمجرد العقل؟ أو لابد من انضمام النقل. العبادي. وهذا صريح في ثبوت تكليف كل أحد بالإيمان والتوحيد بعد وجود دعوة أحد من الرسل وإن لم يرسل إليه وفي تعذيب أهل الفترة بترك التوحيد. وهذا اعتمده النووي في شرح مسلم لإخبار النبي ﷺ أن الذين مضوا في الجاهلية في النار. وحكى القرافي في شرح التنقيح الإجماع على تعذيب موتى الجاهلية في النار وعلى كفرهم ولولا التكليف لما عذبوا. والذي عليه الأشاعرة من أهل الأصول والكلام أنهم لا يعذبون وأجابوا عن جماعة منهم صح تعذيبهم بأن أحاديثهم آحاد لا تعارض القاطع الذي هو ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا)) وبأنه يحتمل أن يكون لأمر مختص به يقتضي ذلك، علمه الله ورسوله نظير ما قيل في الحكم بكفر الغلام الذي قتله الخضر ﵇ مع صباه وبأن ذلك خاص بمن بدل وغير بما لا يعذبه كعبادة الأوثان. ثم الخطاب المقتضي للفعل ... جزما فإيجاب لدى ذي النقل يعني: أن الخطاب الذي هو كلامه تعالى النفسي إذا اقتضى، أي طلب من المكلف فعل الشيء أي إيجاده اقتضاء جازمًا فذلك الخطاب يسمى إيجابًا، ومتعلقه واجب ومتعلق الندب مندوب، أو متعلق الكراهة مكروه، ومتعلق التحريم حرام، ومتعلق الإباحة مباح، قاله حلولوا. والمراد بذي النقل، الأصولي الذي ينقل مسائل الفن في الكتب أو يرويها دون تأليف. (وغيره الندب). يعني: أن الخطاب المقتضى من المكلف أو الصبي إيجاد الفعل اقتضاء غير جازم بأن جوز تركه فذلك الخطاب ندب أي يسمى به. فخرج بغير جازم الإيجاب لأنه لم يجوز تركه.

стр. 24

ما الترك طلب ... جزمًا فتحريم له الإثم انتسب الترك مفعول طلب قدم عليه. إن الخطاب الذي اقتضى الترك للشيء بمعنى الكف عنه طلبًا جازمًا فذلك الخطاب يسمى تحريمًا. قوله له أي لفعل المحرم انتسب الإثم كما ثبت الأجر في تركه. وجزمًا بمعنى مجزوم يعني طلبًا مجزومًا به. أولا مع الخصوص أولا فع ذا ... خلاف الأولى وكراهة خذا لذاك بسكون واو أولا. يعني: أن الخطاب الطالب للترك طلبًا غير جازم فإن كان مدلولًا عليه بالخصوص أي التنصيص على النهي عنه فهو الكراهة وإن كان غير مخصوص بل استفيد النهي من الأوامر إذ الأمر بالشيء نهى عن تركه فهو خلاف الأولى. قوله أولا الأول معناه أولا جزم لكن مع الخصوص كالنهي في حديث الصحيحين (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) والإشارة في قوله فع ذا للخطاب المدلول عليه بغير المخصوص وهو النهي عن ترك المندوبات المستفاد من أوامرها. والإشارة في قوله لذلك للخطاب المدلول عليه بالنهي المخصوص ولا يخرج عن المخصوص دليل المكروه حال كون الدليل إجماعًا أو قياسًا، لأن دليله في الحقيقة مستند الإجماع أو دليل المقيس عليه وذلك من المخصوص وكما يسمى الخطاب المدلول عليه بغير المخصوص خلاف الأولى يسمى متعلقة بذلك. وتسمية الخطاب بالكراهة أو خلاف الأولى بمعنى أنه مثبت لهما، وسواء كان متعلق خلاف الأولى فعلا كفطر مسافر لا يتضرر بالصوم أو تركا كترك صلاة الضحى إذ لم يرد فيه نهي مخصوص لكن الإنسان في الجملة منهي نهي تنزيه عن ترك مندوبات الشرع فالطلب في المطلوب بالمخصوص أشد منه في المطلوب بغير المخصوص فالاختلاف في شيء أمكروه هو أم خلاف الأولى، اختلاف في وجود المخصوص فيه كصوم يوم عرفة للحاج، فهو مكروه لأنه ﷺ نهى عن صيام عرفة بعرفة. وقيل خلاف الأولى لأنه صح أنه ﵇ كان مفطرًا فيه. وزيادة قسم خلاف الأولى من صنع المتأخرين للفرق بين

стр. 25

ما هو أشد وغيره. وأما الأقدمون فيطلقون المكروه على القسمين. وقد يقولون في ذي النهي المخصوص مكروه كراهة شديدة وينبني عليهما كون الأحكام خمسة أو ستة وبعضهم يعبر بالنهي المقصود وغير المقصود وهو المستفاد من الأمر. وفسروا المقصود بالصريح وغير المقصود بغير الصريح فرارًا مما يقتضي غير المقصود من كون الشارع لم يقصد النهي في ضمن الأمر، ولا مانع أن يراد بالمقصود بالأصالة وبغير المقصود بالتبع. قاله في الآيات البينات. وقد يعبر عن المحرم بالمكروه فكثيرًا ما يقول المجتهد أكره كذا يعني أنه حرام. والإباحة الخطاب ... فيه استوى الفعل والاجتناب يعني: إن الإباحة التي هي القسم الخامس أو السادس من الأحكام الشرعية هي الخطاب المستوي بين فعل شيء وتركه كالاستمتاع بالمطعم والمأكل والمشرب المباحة. وذهب بعض المعتزلة إلى أن الأحكام أربعة بإسقاط الإباحة. قال الفهري: والصحيح إنها خطاب تسوية فهو حكم شرعي إذ هي التخيير بين الفعل والترك المتوقف وجوده كغيره من الحكم على الشرع، ورفع الإباحة نسخ، وقيل الأحكام اثنان التحريم والإباحة وفسرت بجواز الإقدام الشامل لبقية الخمسة وعليه يتخرج قوله ﷺ (أبغض المباح إلى الله الطلاق) فإن البعض يقتضي رجحان طرف الترك والرجحان مع التساوي محال إلا أن ما أخذ من البراءة الأصلية ليس بحكم شرعي وإليه أشار بقوله: وما من البراءة الأصلية ... قد أخذت فليست الشرعية يعني: إن الإباحة المأخوذة من البراءة ليست حكمًا شرعيًا بخلاف ما أخذت من الشرع. فالأولى كشربهم للخمر في صدر الإسلام قبل أن يرد في إباحتها نص من تقريره أو غيره بل هي إباحة عقلية. وهي والجواز قد ترادفا ... في مطلق الإذن لدى من سلفا

стр. 26

يعني: إن لفظي الإباحة والجواز قد ترادفا عند بعضهم على معنى هو مطلق الإذن في الفعل، فعلى هذا يدخل فيهما المخير فيه والمندوب والواجب وتكون الأحكام اثنين باعتبار المنهي والمأذون فيه. والعلم والوسع على المعروف ... شرط يعم كل ذي تكليف يعني: إن الخطاب على قسمين خطاب وضع لا يشترط في أكثره علم المخاطب ولا قدرته، وخطاب تكليف يشترط في جوازه ذلك. فالغافل والساهي والنائم غير ملكفين عن الأكثر. وجوزه قوم، والقولان عن الأشعري بناء على أنها مانعة من الوجوب والأداء، وجه الأول أن الذي يطلب بالتكليف قصد إيقاع الفعل المأمور به على وجه الامتثال وذلك يتوقف على العلم بالتكليف به والغافل ومن في حكمه لا يعلم ذلك فيمتنع تكليفه، وإن وجب عليه بعد يقظته ضمان ما أتلفه من المال وقضاء ما فاته من الصلاة غافلًا لوجود سببيهما ودليل اشتراط العلم في التكليف قوله تعالى ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) وقوله تعالى ((مبشرين ومنذرين ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)) والفرق بين التكليف المحال كما هنا والتكليف بالمحال الآتي في الملجأ والمكره هو كما قال ابن العربي: إن الأول الخلل فيه من جهة المأمور، والثاني من جهة المأمور به. وما ذكره عياض في الشفاء من الاتفاق على خروج الساهي والنائم عن حكم التكليف، وقول ابن الحاجب في المنتهى المخطئ غير مكلف اتفاقًا، قال حلولوا: إنما ذلك في عدم المواخذة بالإثم. (واعلم) إن الشأن عند أهل الأصول أن يتكلموا أولًا في المسألة على الجواز العقلي فإن امتنع الشيء عقلًا علم ضرورة امتناع وقوعه، وإن جاز عقلًا نظروا بعد ذلك هل وقع في الشرع أو لا؟ فإذا قال في الأصولي: يجوز ذلك أو يمتنع فإنما مراده في العقل، وكذلك يشترط في خطاب التكليف القدرة على المكلف به فالعاجز عن شيء غير مكلف بفعله لقوله تعالى ((لا يكلف الله نفسًا إلى وسعها)) أي طاقتها فلا يجوز تكليف الملجأ وهو من لا مندوحة له عما ألجئ إليه كالملقى من شاهق جبل على شخص يقتله يمتنع تكليفه بالملجأ إليه أو بنقيضه لعدم

стр. 27

قدرته على ذلك، وقيل يجوز تكليف الغافل والملجأ بناء على جواز التكليف بالمحال، وكذا يمتنع تكليف المكره وهو من لا مندوحه له عما أكره عليه إلا بالصبر على ما أكره به يمتنع تكليفه بالمكره عليه أو بمقابله على الصواب لعدم قدرته على الامتثال فإن الفعل للإكراه لا يحصل به الامتثال ولا يمكن الإتيان معه بنقيضه. والمراد بالمكره الذي لا اختيار له بل صار مضطرًا وأما من له اختيار وتتحرك دواعيه فمذهب أهل الحق فيه إنه مكلف بالمأمورات والمنهيات. وأجازت المعتزلة أن يكره على فعل المنهي عنه ومنعوا أن يكره على فعل العبادات؟ وأما حكاية إمام الحرمين وغيره الإجماع على تكليف المكره بنقيض القتل فمحموله على التكليف من حيث إيثاره نفسه على المقتول بالبقاء على مكافئة الذي خيره بينهما المكره بقوله اقتل هذا وإلا قتلتك. فيأثم بالقتل من جهة الإيثار لا من جهة الإكراه. وقولنا: لإيثاره نفسه بالبقاء هو هكذا في عبارة المحلي، وتعقبه في الآيات البينات بما نصه (هذا لا يأتي إذا كان المكره به غير القتل كالقطع إذ لا يتحقق الإيثار بالبقاء إلا إذا كان المكره به مفوتًا لنفسه إلا أن يجاب إن هذا مفهوم بالأولى). وفيه أيضًا ما نصه (ربما يقال في غير المكافي يكلف بالمكره عليه ارتكابًا لأخف الضررين هذا إذا كان المقتول غير مكافي للمكره وإما إذا كان المكره مكافئًا للمقتول فعلى قياس ذلك ربما يقال يكلف بنقيض المكره عليه صابرًا على العقوبة ارتكابًا لأخف الضررين لأن قتل المكره أخف لأن المأمور بقتله أعظم حرمة) بقى إن هذا كله واضح إذا كان كل من المكره به والمكره عليه القتل إما إذا كان المكره عليه القتل والمكره به القطع مثلًا فلا يظهر هذا التوجيه. قال ابن العربي: والمشهور قتل المكره بفتح الراء وكسرها. حلولوا: ولعله فيمن يصح منه الإكراه كالسلطان والسيد لا مطلقًا ويشترط مع العلم والقدرة شروط أخرى يختص بكل عبادة شروط منها. والامتثال: هو افتعال من مثل بوزن ضرب أي قام وانتصب فمعناه القيام والانتصاب للإتيان بالمأمور به أو من المثل بمعنى الشبه فمعناه على هذا: الإتيان بمثل المأمور به، والمندوحة: السعة كالمنتدح من ندحت الشيء إذا وسعته.

стр. 28

ثم خطاب الوضع هو الوارد ... بأن هذا مانع أو فاسد أو ضده أو أنه قد أوجبا ... شرطا يكون أو يكون سببا هذا شروع منه في تعريف خطاب الوضع، سمي خطاب الوضع لأن متعلقه الذي هو كون الشيء سببًا مثلًا ثابت بوضع الله تعالى أي جعله، فمعناه أن الله تعالى قال إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني حكمت بكذا. قال القرافي. يعني أن خطاب الوضع هو الخطاب النفسي الوارد بكون الشيء مانعًا من شيء آخر كالحيض فإنه مانع من صحة الصلاة أو بكون الشيء فاسدًا أو صحيحًا أو موجبًا لغيره سواء كان الموجب شرطًا أو سببًا فالشرط يلزم من عدمه العدم والسبب يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، فإن في قوله أو أنه بالفتح والضمير يرجع إلى اسم الإشارة والمشار إليه الشيء، ووصف الخطاب النفسي بالورود مجاز والمراد به التعلق بقرينته استحالة الحقيقة والعلاقة اللزوم، فإن من لازم الوارد بالشيء تعلقه به. قاله في الآيات البينات. والشيء يتناول فعل المخاطب وقوله واعتقاده ولا يشترط في أكثر خطاب الوضع العلم ولا القدرة. وقد يعرض له أمر خارج يوجب اشتراط ذلك ككل سبب هو جناية بالنسبة إلى العقوبة دون الغرم وكذلك كل سبب في نقل الأملاك في المنافع والأعيان يشترط فيه العلم والرضى وكون الصحة والفساد من خطاب الوضع خلاف ما اختاره ابن الحاجب من أن الحكم بهما أمر عقلي. قال الرهوني: وهو الحق. لأنهما صفتان للفعل الحادث وحدوث الموصوف يوجب حدوث الصفة فلا يكونان حكمين شرعيين وإن توافقا على الشرع هـ. وعد القرافي من خطاب الوضع التقادير الشرعية وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم وعكسه كتقدير الأثمان في الذمم والأعيان في السلم في ذمة المسلم إليه، والذمة نفسها هي من جملة المقدرات لأنها معنى شرعي مقدر في المحل قابل للإلزام والالتزام. قال:

стр. 29

والشرح للذمة وصف قاما ... يقبل الالتزام والالزاما وعد الآمدي الرخصة والعزيمة من خطاب الوضع (وهو من ذاك أعم مطلقًا) يعني: أن خطاب الوضع أعم مطلقًا من خطاب التكليف، يجتمعان في الزنى والسرقة والعقود فإنها أسباب تعلق بها التحريم والإباحة، وهي أسباب العقوبات وانتقال الأملاك. وكذلك الوضوء وستر العورة شرطان فهما خطاب وضع وواجبان فهما خطاب تكليف والنكاح واجب أو مندوب أو مباح وهو سبب في إباحة الوطء. والبيوعات مباحات وسبب لإباحة التصرف في ملك الغير وينفرد الوضع بأوقات الصلوات فإنها أسباب لوجوبها والحيض مانع ولا ينفرد التكليف إذ لا تكليف إلا له سبب أو شرط أو مانع. قاله القرافي في التنقيح، وشرحه. وجعلهما في الفروق بينهما عموم من وجه وهو الصواب. (والفرض والواجب قد توافقا). (كالحتم واللازم مكتوب .. ) يعني: أن الواجب والفرض يطلقان اصطلاحًا على ما الإثم في تركه ثبت بدليل قطعي أو ظني فعلي هذا يتراد فإن مع الحتم واللازم والمكتوب إن أريد به ذلك المعنى نحو (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (وخمس صلوات كتبهن الله على العباد) وقد يطلق الواجب على مقابل الركن وقد يطلق الفرض أيضًا على الركن وعلى ما لابد منه. والفرض عند أبي حنيفة ما ثبت بدليل قطعي كقراءة القرءان في الصلاة الثابتة بقوله تعالى: ((فاقرءوا ما تيسر من القرءان)) والواجب ما ثبت بدليل ظني كقراءة الفاتحة فيها الثابتة بحديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وهو آحاد فيأثم بتركها ولا تفسد به الصلاة عنده. قوله (مكتوب) بالجر عطف على الحتم بعاطف محذوف. (وما فيه اشتباه للكراهة انتمى).

стр. 30

يعني: أن المشتبه ينسب للكراهة، أي يقال فيه مكروه قاله ابن رشد في المقدمات ومثل له بقوله ﷺ (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) أي مكروهات. وليس في الواجب من نوال ... عند انتفاء قصد الامتثال فيما له النية لا تشترط ... وغير ما ذكرته فغلط يعني: أن الواجب الذي لا يتوقف صحة فعله على نية لا نوال فيه أي أجر إذا لم ينو فاعله حين التلبس به امتثال أمر الله تعالى وذلك كالإمامة في الصلاة والإنفاق على الزوجات والأقارب والدواب ورد المغصوب والودائع والعواري ودفع الديون فهي وإن وقعت واجبة مبرئة للذمة لا ثواب فيها. قاله القرافي في التنقيح. إلا مسألة الإمامة. وإماما تتوقف صحة فعله على نية ففيه الثواب وإن لم ينو الامتثال. واحكم بالغلط على غير ذلك لمخالفته للقرافي وغيره أعني ما ذكر بعض شروح خليل من توقف الأجر على نية الامتثال توقفت صحة الفعل على نية أم لا وحقيقة النية وحكمتها وما تشترط فيه وما لا تشترط نظمناه بقولنا: والنية القصد لأن تميلا ... لصوب حكمه علا مفعولا حكمتها التمييز والتقرب ... فيما إلى التعبدات ينسب وغيره التمييز مثل الاشترا ... لبعض أيتام عليه حجرا فما نهى عنه وما لا يطلب ... لا نية فيه اتفاقا تجب كما تمحض من الأمر لما ... ليس عبادة كاعطا الغرما كقربة تعينت للرب ... كنية ذكر فعل القلب وأوجبنها لغير ما ذكر ... إما اتفاقا أو على الذي شهر

стр. 31

يعني: أن النية هي قصد إمالة الفعل إلى جهة الحكم الشرعي بأن ينوي إيقاع الفعل على الوجه الذي أمر الله به أو نهي عنه أو إباحة قاله القرافي. وحكمتها في العبادات التقرب إلى الله بها وتمييزها عما ليس بعبادة كالوضوء يكون للصلاة ويكون للتبرد والتنظيف والجلوس في المسجد يكون لتعمير المسجد وللصلاة فهو عبادة ويكون للفرجة ولتلقي الأخبار وتكون الحكمة أيضًا التمييز لنوع العبادة عن نوعها الآخر ككونها فرضًا أو نفلًا والفرض منه كفاية ومنه عين ومنذور وغيره. قوله: (وغيره التمييز -البيت -) يعني: أن حكمتها في غير العبادات التمييز فقط كوصي على أيتام لا ينصرف شراؤه لأحدهم إلا بالنية لأن التصرف إذا دار بين جهات لا ينصرف لأحدها إلا بالنية ومتى اتحدت الجهة انصرف لها دون النية لتعينها كتصرفه لنفسه، ولغيره بالوكالة لا ينصرف لغيره إلا بالنية لأن تصرف الإنسان لنفسه أغلب قاله القرافي. قوله: (فما نهى عنه -البيت) يعني أن النواهي لا يحتاج فيها إلى نية شرعا إذ يخرج الإنسان عن عهدة المنهي عنه لمجرد تركه وإن لم يشعر به فضلًا عن القصد إليه لكن إن نوى بتركها وجه الله تعالى حصل له الثواب وكان الترك قربة قاله القرافي وغيره. وقيل يشترط قصد الترك ولم أقف عليه في المذهب وغير المطلوب لا يتقرب به إلى الله فلا معنى للنية فيه لكن يقصد في المباح التقوي على مطلوب كما يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل فمن هذا الوجه تشرع نيته لا من حيث هو مباح. قاله القرافي وغيره. قال السبكي والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب وأنه غير مأمور به من حيث هو. قاله: (كما تمحض. البيت) يعني أن ما تمحض من الأوامر لغير العبادات لا تجب فيها النية كدفع الدين للغرماء ورد الودائع والعواري والمغصوبات لأن المصلحة المقصودة من هذه ونحوها انتفاع أربابها بها مع براءة المطلوب بها، وذلك لا يتوقف على النية. قوله: (كقربة -البيت -) يعني: أنه لا تجب النية فيما كان من الأوامر

стр. 32

عبادة لكنه متعين له تعالى لا يمكن أن يصرف لغيره لأنه صار كاللفظ النصي لا يحتاج إلى نية لانصرافه بصراحته إلى مدلوله وذلك كالنية وسائر أفعال القلب من الإيمان بالله تعالى وتعظيمه والخوف منه ورجائه والتوكل على كرمه والمحبة له وكذلك قراءة القرءان وسائر الأذكار لين الإنسان يثاب على نيته حسنة واحدة وعلى فعله عشرًا إذا نوى، لأن الأفعال مقاصد والنيات وسائل والوسيلة اخفض رتبة من المقصود. وذكر بالجر والعاطف محذوف وعدم وجوب النية في هذا القسم المتعين له تعالى محله حيث لم تكن له أنواع وإلا وجبت. قوله: (وأوجبنها -البيت -) يعني: أن النية واجبة في غير ما ذكر وهو ما كان من الأوامر محض عبادة فيها لبس لترددها بالنظر بين عبادته تعالى وبين غيرها تجب فيما تمحض للعبادة ليتميز ما لله من العبادة عما ليس له من العبادات. ولتمييز مراتب العبادات فيما له مراتب فالأول كالغسل يقع عبادة ويقع للتبرك والتنظيف بالتمييز يصلح الفعل للتعظيم والثاني كالصلاة تنقسم إلى نفل وفرض كفائي وعيني ومنذور وغيره وأدائي وقضائي فتجب فيها اتفاقًا وعلى المشهور فيما فيه شائبة العبادة وشائبة غيرها. قال ابن الحاجب: والمذهب افتقارها للنية ترجيحًا للعبادة وذلك كالطهارة لا الترابية فإنها محض تعبد والزكاة بالزاي والذال المعجمة فمن رأي أنه تعالى أوجب مجانبة الحدث والخبث في الصلاة كانت من المأمورات التي لا تكفي صورتها في تحصيل منفعتها فتجب فيها النية ومن رأي أنه تعالى حرم ملابستها فيها كانت من المنهيات فلا تجب فيها النية. والذكاة دائرة بين أصل الحل في الأكل وبين سبب التقرب إلى الله تعالى بالضحايا والهدايا وبين سبب براءة الذمة من الهدي أو فدية أو نذر حتى ينوي أحدهما فيرتب عليه الشرع حكمه ليعين سببه ودفع الزكاة للمساكين دائر بين سبب أصل التقرب إلى الله تعالى الذي هو صدقة التطوع وبين سبب براءة الذمة من الزكاة الواجبة. وعند تعارض الشائبيتين لا فرق في وجوب النية بين أن يغلب أحداهما أو يتساويا كما هو المذهب عند ابن الحاجب. وفي المنهج المنتخب تفصيل مخالف لذلك. ومثله الترك لما يحرم ... من غير قصد ذا نعم مسلم

стр. 33

يعني أن الواجب الذي لا تشرط فيه النية جعل الله تعالى ترك المنهي بقسميه في عدم الأجر عند عدم قصد الامتثال والتقرب إليه بذلك الترك نعم فاعل ذلك مسلم من الإثم وإن لم يشعر به أصلًا وذا مضاف إليه إشارة للامتثال ومسلم بتشديد اللام المفتوحة (فضيلة والندب والذي استحب ترادفت .. ) فضيلة مبتدا، واللذان بعده معطوفان عليه والخبر ترادفت يعني أن الثلاثة ترادفت على معنى هو ما فعله الشارع مرة أو مرتين بما في فعله ثواب ولم يكن في تركه عقاب. ( .. ثم التطوع انتخب). عيني: أن التطوع عندنا هو ما ينتخبه الإنسان أي ينشئه باختياره من الأوراد. وانتخب بالبناء للمفعول. رغيبة ما فيه رغب النبي ... بذكر ما فيه من الأجر جبى أو دام فعله بوصف النفل رغيبة مبتدأ خبره الموصول بعده وسوغ التفصيل الابتداء بالنكرة يعني إنما في فعله ثواب ولا عقاب في تركه يسمى رغيبة إذا رغب النبي ﷺ في فعله بأن ذكره مقدار ما جبى فيه من الأجر أي جاء كقوله من فعل كذا وكذا فله كذا. قاله في المقدمات. أو دام ﷺ على فعله بصفات النوافل لا بصفة السنة وانظر ما مراده بصفة النفل وصفة السنة هل هما القرينتان فصفة السنة هي القرينة الدالة على أن هذا متأكد والأخرى هي الدالة على أن هذا غير متأكد أو غير القرينتين. والظاهر أن المراد بصفة السنة الظهور في جماعة وجبى بالجيم والموحدة مبني للمفعول والجباية في الأصل الجمع يقال جبى الخراج أي جمعه. (والنفل من تلك القيود أخل). والأمر بل أعلم بالثواب ... فيه نبي الرشد والصواب والنفل مفعول أخل قدم عليه والأمر بالجر عطف على اسم الإشارة يعني أن النفل هو ما خلا عن القيدين المذكورين في الرغيبة وهما الترغيب

стр. 34

في فعله بذكر ما فيه والمداومة منه ﷺ على فعله وما خلا من الأمر به أي لم يأمر به ﵇ بل أعلم أن فيه ثوابًا من غير أن يأمر به أو يرغب فيه الترغيب المذكور أو يداوم على فعله. قاله في المقدمات. بخلاف الرغيبة فإنها أمر بها. وسنة ما أحمد قد واظبا ... عليه والظهور فيه وجبا يعني: أن السنة هي ما واظب عليه ﷺ وأمر به دون إيجاب وأظهره في جماعة هذا معناها عند جل أصحاب مالك ومعنى وجب أنه يجب ذكره لتمام حقيقة السنة. وبعضهم سمى الذي قد أكدا ... منها بواجب فخذ ما قيدا يعني أن بعض أصحاب مالك سمي السنة المؤكدة واجبًا وعليه جرى ابن أبي زيد في الرسالة حيث يقول: سنة واجبة. قوله: (فخذ ما قيدا) أي خذ ما ذكر لك من الاصطلاحات في هذا النظم لما يترتب عليها من الأحكام كقولهم لا يسجد لفضيلة وإن سجد عمدًا بطلت صلاته، وفرقوا في السنة بين المؤكد وغيره إلى غير ذلك. قال خليل عاطفًا على ما يبطل الصلاة: بسجوده لفضيلة أو تكبيرة. قال شيخنا البناني: لم أر ما يشهد للمصنف فيما ادعاه من البطلان في السجود لتكبيرة وأما السجود لفضيلة ففي الحطاب عن ابن رشد صدر فيه بعدم البطلان. قلت الذي في الحطاب أن ابن رشد صدر بعدم البطلان في القنوت لا في كل فضيلة. والنفل ليس بالشروع يجب ... في غير ما نظمه مقرب يعني: أن النفل المراد به ما قابل الواجب لا يجب بالشروع فيه خلافًا لأبي حنيفة في قوله بوجوب إتمامه به، لقوله تعالى: ((ولا تبطلوا أعمالكم)) حتى يجب بترك إتمام الصلاة والصوم منه قضاؤهما. وأجيب بأن النفل يجوز تركه وترك إتمامه المبطل لما فعل منه ترك له وبان ما حمل عليه الآية هو أبعد الوجوه فيها بل الأظهر إن معناها لا تبطلوا أعمالكم بالكفر بعد الإيمان لقوله قبل ذلك في الكفار والمنافقين وسيحبط

стр. 35

أعمالهم فكأنه يقول يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا أعمالكم بالكفر مثل هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وما ذكر معه وتؤولت أيضًا على أن معناها لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والعجب وتأويل الزمخشري لا تبطلوا حسناتكم بفعل السيئات وذلك مخالف لمذهب أهل السنة من أن السيئات لا تبطل الحسنات. والنفل كالوضوء والقراءة والذكر والوقف إذا لم يقبله أهل للقبول فإنه يرد والسفر إلى الجهاد والصدقة كمن خرج إلى مسكين بكسرة فلم يجده قيل: لا أكلها، وقيل: لا، وقيل: يأكلها إن كان معينًا إلا ما استثناه بقوله: (في غير .. الخ) والمقرب بكسر الراء المشددة أي من يقرب المسائل للفهم والمراد به الحطاب شارح خليل وأشار إلى نظمه بقوله: قف واستمع مسائلًا قد حكموا ... بأنها بالابتداء تلزم صلاتنا وصومنا وحجنا ... وعمرة لنا كذا اعتكافنا طوافنا مع ائتمام المقتدى ... فيلزم القضا بقطع عامد يعني: إن هذه المسائل السبع هي التي يجب إتمامها بالشروع وتجب إعادتها على من قطعها عمدًا بلا عذر غير الائتمام قال الحطاب فإن الظاهر عدم لزوم إعادته وهو الدخول خلف الإمام فإنه يلزم بالشرع ولا يجوز له الانتقال لكنه إذا قطع لا تلزمه الإعادة مع الإمام. ما من وجوده يجيء العدم ... ولا لزوم في انعدام يعلم بمانع يمنع للدوام ... والابتدا أواخر الأقسام أو أول فقط على نزاع ... كالطول الاستبراء والرضاع ما نكرة موصوفة بالجملة بعدها وهي مبتدأ خبره جملة يعلم بمانع والفعل مبني للمفعول. أعلم أن الأحكام تتوقف على ثلاثة هي السبب والشرط وانتفاء المانع وهو ما يلزم من وجوده عدم الحكم ولا يلزم من عدمه وجود له

стр. 36

ولا عدم لذاته فبالأول احترز من السبب وبالثاني احترز من الشرط وبالثالث من مقارنة عدم وجود السبب فالمعتبر من المانع وجوده. قوله: (يمنع .. الخ) استيناف بياني وهو الجملة التي تكون جوابًا لسؤال مقدر كان سائلًا سال ما يمنع المانع؟ فأجيب بأنه على ثلاثة أقسام مانع يمنع دوام الحكم وابتداءه معًا ومانع يمنع ءاخر الأقسام أي القسمين الذي هو ابتداء الحكم فقط ومانع يمنع أول الأقسام الذي هو الدوام مع نزاع أي خلاف أي اختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني. فالأول كالرضاع يمنع من ابتداء النكاح واستمراره إذا طرأ عليه كان يتزوج صبية فترضعها أمه فتصير أخته فتحرم عليه، والثاني كالاستبراء المانع من ابتداء النكاح فقط ولا يبطل استمراره إذا طرأ عليه، والثالث كالإحرام بالنسبة إلى وضع اليد على الصيد فإنه يمنع من وضع اليد عليه ابتداء فإذا طرأ على الصيد فهل يجب نزع اليد عنه فيه خلاف، وكالطول يمنع من نكاح الأمة ابتداء فإذا طرأ عليه ففيه خلاف هل يبطله أو لا، وكوجود الماء يمنع من التيمم ابتداء فإن طرأ بعده فهل يبطله؟ فيه خلاف بناء على أن الدوام كالابتداء أم لا. قوله لزوم اسم لا أخت أن خبره في انعدام والاستبراء معطوف بمحذوف على مدخول الكاف. ولازم من انتفاء الشرط ... عدم مشروط لدى ذي الضبط كسبب وذا الوجود لازم ... منه وما في ذاك شيء قائم يعني أن الشرط هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم كالطهارة شرط في صحة الصلاة، ويلزم من عدمها عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وجود الحكم الذي هو صحة الصلاة، ولا عدمه، فالشرط هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. فقوله ولازم من انعدام الشرط عدم مشروط مشار به للقيد الأول. وقوله وما في ذاك شيء قائم مشار به للقيد الأخير. أي: وما في وجود ذلك الشرط شيء قائم أي لازم من وجود أو عدم. قوله: (كسبب) يعني أن السبب كالشرط في كون كل منهما يلزم من عدمه العدم، فالسبب يلزم من عدمه عدم المسبب ويلزم من وجوده وجود المسبب وإلى هذا أشار بقوله: (وذا الوجود لازم منه) أي وهذا السبب وجوده وجود

стр. 37

المسبب لازم منه، فاسم الإشارة مبتدأ والوجود مبتدأ ثان ولازم منه خبره والجملة خبر المبدأ الأول. وما تقدم في تقرير قوله كسبب إنما هو على مذهب الفقهاء من دخول الكاف على المشبه إما على مذهب أهل البيان من دخولها على المشبه به فيجعل الشرط مشبهًا والسبب مشبهًا به والتشبيه بمعنى التشابه على كل من التقريرين. واجتمع الجميع في النكاح ... وما هو الجالب للنجاح يعني أن كلا من المانع والشرط والسبب قد يجتمع في شيء واحد كما في النكاح فإنه سبب في وجوب الصداق وشرط في ثبوت الطلاق ومانع من نكاح أخت المنكوحة وكما في الجالب للنكاح أي فوز الدنيا والآخرة أعني الإيمان فإنه سبب الثواب وشرط لصحة الطاعة أو وجوبها ومانع من القصاص إذا قتل المؤمن الكافر. والركن جزء الذات والشرط خرج ... وصيغة دليلها في المنتهج يعني أن الفرق بين الركن والشرط هو أن الركن هو جزء الذات أي الحقيقة الداخلة فيها، والشرط هو ما خرج عن ذات الشيء وحقيقته فالركن كالركوع من الصلاة والثاني كالطاهرة لها وإطلاق كل منهما على الآخر مجاز علاقته المشابهة في توقف وجود الماهية على كل منهما، والفرد يرادف الركن والشرط والفرض يوجد في النكاح والبيع مثلًا كما يوجد في الوضوء والصلاة لأن الفرض هو المتحتم ووجود أركان البيع والنكاح متحتم إذ لا توجد حقيقتها بدونهما. قوله: (وصيغة دليلها) يعني أن الصيغة كصيغة النكاح والبيع ونحوهما مما يحتاج لصيغة دليل على الماهية لا ركن من الأركان (في المنتهج) بفتح الهاء أي الطريق الصحيح رد به ابن عبد السلام على من يعدها من الأركان إذ الدليل غير المدلول وجعلها من الأركان موجود في كلام ابن الحاجب وخليل لكن ليس بصواب. ومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب

стр. 38

يعني أن السبب والعلة مترادفان عند جمهور الأصوليين فالمعبر عنه هنا بالسبب هو المعبر عنه في القياس بالعلة وذهب بعضهم الذي هو السمعاني تبعًا للنحاة وأهل اللغة إلى الفرق بينهما فقال السبب الموصل إلى الشيء مع جواز المفارقة بينهما ولا أثر له فيه ولا في تحصيله كالحبل للماء والعلة ما يتأثر عنه الشيء دون واسطة كالخمر للإسكار ويعبر عن السبب بالباعث. شرط الوجوب ما به مكلف [نكلف] ... وعدم الطلب فيه يعرف مثل دخول الوقت والنقاء ... وكبلوغ بعث الأنبياء يعني أن الشروط ثلاثة: شرط وجوب وشرط صحة وشرط أداء، قاله القاضي أبو عبد الله بردلة واستدل عليه بكلام الشيرازي على مختصر ابن الحاجب الأصلي ومثله للشيخ زكرياء في حاشيته على المحلي وهو التحقيق خلاف ما توهمه بعضهم كميارة في تكملة من أن شرط الأداء هو شرط الصحة، إذا تقرر ذلك فشرط الوجوب هو ما يكون الإنسان به مكلفا كدخول الوقت والنقاء من الحيض والنفاس وكبلوغ دعوة الأنبياء وإقامة أربعة أيام ولا يطلب المكلف بتحصيله كان في طوقه أم لا والمراد بالشرط في الأقسام الثلاثة ما لابد منه فيتناول السبب. ومع تمكن من الفعل الأدا ... وعدم الغفلة والنوم بدا يعني أن ما به يكون التمكن من الفعل مع حصول ما به يكون الإنسان من أهل التكليف هو شرط الأداء أي شرط التكليف بأداء العبادة أ .. فعلها، فالنائم والغافل غير مكلفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهما فالتمكن شرط في الأداء فقط (وقوله: بدا) أي بدا كونهما مثالين لشرط الأداء عند من يمكنه الاحتراز منهما، إذ شرط الأداء لابد أن يكون مقدورًا عليه مطلوبًا فعله. وفي التوضيح أن الفرق بين شرط الوجوب وشرط الأداء أن كل ما لا يطلب من المكلف كالذكورة والحرية يسمى شرط وجوب وما يطلب منه كالخطبة والجماعة يعني للجمعة يسمى شرط أداء. قال ميارة في التكميل:

стр. 39

ما ليس في طوق المكلف أعلما ... كالطهر من حيض ووقت قد سما أو هو في الطوق ولا به طلب ... شرط وجوب كإقامة فطب وغيره شرط لدى الأداء وذا ... كخطبة ستر وشبه احتذا قلت ظاهر قولهم ما به يكون من أهل التكليف إن المراد أن شرط في الإيجاب الإعلامي الذي المقصود منه اعتقاد وجوب إيجاد الفعل. والمراد من شرط الأداء حيث فسروا الأداء بالتكليف بأداء العبادة أي فعلها أنه شرط في الإيجاب الإلزامي الذي المقصود منه الامتثال الذي لا يحصل إلا بالاعتقاد والإيجاد معًا. وشرط صحة به اعتداد ... بالفعل منه الطهر يستفاد يعني أن شرط الصحة هو ما اعتبر للاعتداد بفعل الشيء طاعة كان أو غيرها كالطهارة بالماء أو بالتراب للصلاة والستر لها والخطبة للجمعة واستقبال القبلة. والشرط في الوجوب شرط في الأداء ... وعزوه للاتفاق وجدا يعني أن كل ما هو شرط في الوجوب فهو شرط في الأداء قاله بان عرفه، وحكى عليه السعد الاتفاق على ما نقله اللقاني في حاشيته على المحلي. وعليه فكل ما هو شرط في الوجوب كالبلوغ والعقل وبلوغ الدعوة فهو شرط في الأداء، ويزيد شرط الأداء بالتمكن من الفعل قاله القاضي بردلة. وصحة وفاق ذي الوجهين ... للشرع مطلقًا بدون مين وفاق مبتدا وللشرع متعلق به خبره صحة، يعني أن الصحة عند المتكلمين هي موافقة الفعل ذي الوجهين لأذن الشرع مطلقًا أي كان ذو الوجهين عبادة أو معاملة ووجهاه أن يقع تارة موافقًا للشرع لجمعه الشروط وانتفاء الموانع، وتارة مخالفًا لانتفاء شرط أو وجود مانع بخلاف ما لا يقع إلا موافقًا للشرع كمعرفة الله ورد الودائع لأن القاعدة أن العرب لا يصفون المحل بالشيء إلا إذا كان قابلًا لضده فمعرفة الله ليست معرفة إذا كانت مخالفة له بل جهلاً.

стр. 40

وفي العبادة لدى الجمهور ... أن يسقط القضا مدى الدهور يعني أن صحة العبادة عند جمهور الفقهاء هي سقوط القضاء بأن لا تحتاج إلى فعلها ثانيًا، فما وافق من عبادة ذات وجهين للشرع كصلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين حدثه صحيحة عند المتكلمين باطلة عند الفقهاء فعلى الأول لا أثم فيها ولا قضاء. قال الزركشي ووصفهم إياها بالصحة صريح في ذلك فإن الصحة هي الغاية من العبادة، وروى عنهم وجوب قضائها، وعلى الثاني لا إثم فيها أيضًا لكن يجب القضاء. وصرح القرافي بالاتفاق على أنه، مثاب على تلك الصلاة المتبين فيها عدم الطهارة. وحكى ابن الكاتب في ذلك خلافًا، وقال عز الدين الشافعي: لا ثواب إلا فيما لا يفتقر إلى الطهارة كالتسبيح والتكبير والدعاء، وعلى هذا فهل يحصل له ثواب من قال ذلك في نفس الصلاة وهو أليق بالكرام، أو ثواب من قاله خارج الصلاة فيه احتمالان. والخلاف مبني على أن الصلاة هل من باب الكل وعليه لا ثواب، أو الكلية فيثاب. وقولنا: كصلاة: الخ إنما هو بناء على أن الحقائق الشرعية تصدق بالفاسد كالصحيح لا على أنها لا تتناول إلا الصحيح، ومذهب الفقهاء أنسب للغة لأن العرب لا تسمى الآنية صحيحة إلا إذا كانت لا كسر فيها البتة، وهذه الصلاة مختلفة على تقدير الذكر فهي كالآنية المكسورة من جهة قاله القرافي. تنبيه: معرفة الله لا توصف بالصحة بخلاف الإيمان لأن معرفة الله تعالى هي إدراكه على ما هو به، والإيمان التصديق بأمور مخصوصة بشروط مخصوصة، فتارة يستجمع ما يعتبر فيه شرعًا فيكون موافقًا، وتارة لا يستجمع فيكون مخالفًا قاله في الآيات البينات. يبنى على القضاء بالجديد ... أو أول الأمر لدى المجيد يعني أن الخلاف في تعريف الصحة مبني عند المجيد بضم الميم أي الممعن للنظر في علم الأصول على الخلاف في القضاء هل هو بأمر
следующие страницы →