← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 208

اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم

عدنان الرشيدي

Полный текст (366 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المسألة الرابعة: نفخ اليدين عن التراب في التيمم . اختيار القاضي: اختار ﵀: عدم كراهية النفخ إذا كان التراب كثيراً، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة كما سيأتي. فقال: (و اختلفت في التيمم إذا علق على يديه تراب كثير هل يكره له نفخ التراب ليخف ما عليها؟ فنقل الميموني كراهية ذلك، ونقل جعفر بن محمد نفي الكراهية، وهو أصح لأن النبي ﷺ نفخ عن يديه التراب، ويمكن أن تحمل كراهيته لذلك إذا كان النفخ يذهب بجميع التراب، ولا يبقي له غبار يمسح به وجهه، فإنه لا يجوز ذلك) (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يشرع النفخ مطلقاً سواء علق به تراب كثير أو قليل. وبه قال: الحنفية (٢)، والمالكية (٣). القول الثاني: التفصيل في ذلك، فإن كان التراب كثيراً نفخ، وإن كان قليلاً لا ينفخ. وبه قال: الشافعية (٤)، والحنابلة ونصوا على كراهة نفخ القليل (٥).

стр. 282

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن عمار بن ياسر (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفخ يديه في التيمم. ونوقش: بأنه علق بيده ﷺ شيء كثير من التراب، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه (٣). ويجاب عنه: بأن هذا مجرد احتمال، و لا يرد به الاستدلال. الدليل الثاني: قالوا: أن التيمم ورد بمسح كفٍ مسه التراب على العضوين، لا تلويثهما بالتراب، وأن في النفض صيانة له عن التلوث بالتغبير الذي يشبه المثله (٤). أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا: أن ابن عمر كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب، ثم مسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين ولا ينفض يديه من التراب (٥). ويناقش: بما سبق من فعله ﷺ . الترجيح: الراجح والله أعلم، هو القول الأول القائل بمشروعية نفخ اليدين في التيمم مطلقاً، لأن النبي ﷺ فعله و لمناقشة أدلة القول الثاني، والله أعلم.

стр. 283

المسألة الخامسة: حكم التيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة . اختيار القاضي: اختار ﵀ -أن من افتتح الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء في أثنائها فإنه يقطعها ويتوضأ بالماء ويستأنف الصلاة، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (واختلفت إذا وجد المتيمم الماء في صلاته، فنقل أبو طالب والمروذي وغيرهما تبطل صلاته ويخرج منها، وهو أصح) (١) تحرير محل النزاع: أجمع العلماء على أن من تيمم لعدم الماء؛ ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة فإن طهارته تنتقض وعليه أن يتوضأ بالماء ثم يصلي (٢). وأجمعوا على أن من تيمم لعدم الماء وصلى؛ ثم وجد الماء بعد خروج الوقت فإنه لا إعادة عليه (٣)، واختلفوا: فيمن افتتح الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء في أثنائها هل يستمر في صلاته أو يقطعها ويتوضأ أو يغتسل بالماء ويستأنف الصلاة؟ الأقوال في المسألة: القول الأول: أنه يقطع الصلاة ويتوضأ، أو يغتسل إذا كان جنباً ويستأنف صلاته، وبهذا قال: الحنيفة (٤) والحنابلة (٥). القول الثاني: أنه لا يقطعها بل يستمر في صلاته ويجزيه التيمم. قال بذلك المالكية (٦) والشافعية (٧) وداود الظاهري (٨)، ورواية عن الإمام أحمد (٩).

стр. 284

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قول النبي ﷺ لأبي ذر: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) (١). وجه الاستدلال من هذا الحديث: أن هذا الحديث يدل بمفهومه: على أنه لا يكون الصعيد طهوراً عند وجود الماء، ويدل بمنطوقه: على وجوب إمساسه جلده عند وجوده (٢)، فإذا وجد الماء في أثناء الصلاة بطل البدل وهو التيمم لوجود الأصل، وإذا بطل البدل بطلت الصلاة؛ لأن صحتها مبنية على التيمم فبطل التيمم لوجود الماء. الدليل الثاني: ولأن من وجد الماء في أثنائها قد قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة (٣)، فالتيمم يبطل بوجود الماء قبل الدخول في الصلاة، ويكون المتيمم في حكم من ليس على طهارة بوجود الماء قبل دخوله في الصلاة فكذلك إذا دخل في الصلاة؛ لأنه لما لم يجز له أن يبتدئ صلاته بالتيمم مع وجود الماء فكذلك لا يجب له التمادي فيها وهو واجد للماء، وإذا بطل بعض الصلاة بطل جميعها (٤). الدليل الثالث: أن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها (٥). الدليل الرابع: من القياس قالوا: قياساً على المعتدة بالشهور ولا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض فإنها تستقبل عدتها بالحيض، فكذلك المتيمم إذا صلى فيه ثم طرأ عليه الماء وهو في الصلاة (٦)، فإن صلاته تبطل ويخرج منها ليتوضأ أو يغتسل ثم يستأنف صلاته.

стр. 285

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قالوا: إنه لا يجوز له الخروج من الصلاة قياساً على من وجب عليه الصوم في ظهار أو قتل فصام منه أكثره ثم وجد الرقبة أنه لا يلغي صومه ولا يعود إلى الرقبة، فكذلك من دخل في الصلاة بالتيمم لا يقطعها ولا يعود إلى الوضوء بالماء (١). ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق: فإن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين (٢) بخلاف الخروج من الصلاة فإنه أمر ميسر. الدليل الثاني: قالوا: ولأنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن قدرته تتوقف على إبطال الصلاة وهو منهي عن إبطالها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ (٣) (٤). ونوقش: أما قولهم أنه غير قادر على استعمال الماء فغير صحيح، فإن الماء قريب وآلته صحيحة والموانع منتفية، وأما قولهم: أنه منهي عن إبطالها فالجواب أن هذا الإبطال ليس من اختياره، فالصلاة تبطل لأن الطهارة التي صحت بها الصلاة قد بطلت بوجود الماء فلا يصح إلا به (٥).

стр. 286

الترجيح: بعد عرض قولي العلماء في هذه المسألة يتبيَّن لي -والله أعلم- أن القول الأول هو الراجح وهو: أن من وجد الماء في أثناء الصلاة التي شرع فيها بالتيمم، فإنه يقطعها ثم يتوضأ أو يغتسل ويستأنف صلاته، وذلك لعدة أسباب: الأول: قوة أدلة هذا القول وقياسهم الصحيح على المعتدة بالشهور ولا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض فإنها تستقبل عدتها بالحيض، فكذلك المتيمم إذا صلى فيه ثم طرأ عليه الماء وهو في الصلاة فإن صلاته تبطل ويخرج منها ليتوضأ أو يغتسل ثم يستأنف صلاته فإن هذا القياس قوي صحيح، وكذلك القياس على المستحاضة إذا انقطع دمها، وفي المقابل نجد أن أدلة القول الثاني لا ترتقي إلى قوة أدلة القول الأول، فقياسهم مسألتنا على من وجب عليه الصوم في ظهار أو قتل فصام منه أكثره ثم وجد الرقبة أنه لا يلغي صومه ولا يعود إلى الرقبة فإن هذا القياس مع الفارق؛ لأن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين بخلاف الخروج من الصلاة فإنه أمر يسير. ثانياً: أن وجود الماء مبطل للتيمم، وإذا كان وجوده مبطلاً للتيمم فالأولى أن لا نفرق بين وجوده في الصلاة وفي غيرها لأنه لا يوجد شيء ينقض الوضوء مثلاً خارج الصلاة ولا ينقض الوضوء في أثناء الصلاة، فالناقض للوضوء ناقض سواءً حدث في الصلاة أو خارجها، ويقال في التيمم ما يقال في الوضوء، فما كان ينقض التيمم خارج الصلاة فهو ينقض التيمم داخل الصلاة، وإذا كان وجود الماء مبطلاً للتيمم قبل الصلاة فهو مبطل للتيمم في أثناء الصلاة كذلك. الثالث: أن القول ببطلان الصلاة إذا وجد الماء في أثنائها لمن صلَّاها بتيمم فيه خروج من الخلاف، والخروج من الخلاف مستحب، وفيه أيضاً احتياط فهو أولى، ولذلك قال النووي وهو شافعي المذهب: "وقول أكثر الأصحاب أنه يستحب الخروج منها والوضوء للخروج من خلاف العلماء في بطلانها" (١). أ. هـ.

стр. 287

المسألة السادسة: حكم التيمم إذا خرج الوقت . المقصود بالمسألة: تأثير خروج وقت الصلاة على صحة التيمم، فهل إذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يبطل تيممه؟ اختيار القاضي: اختار ﵀، أن خروج وقت الصلاة يبطل تيممه، وعليه إعادة تيممه، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت هل يبطل التيمم بخروج الوقت أم بالحدث؟ فنقل الجماعة منهم أبو طالب والمروذي أبو داود ويوسف بن موسى أنه يبطل بخروج الوقت، ويجب عليه إعادته عند دخول وقت صلاة ثانية، وهو أصح) (١). سبب الخلاف: هو اختلافهم في التيمم هل هو طهارة ضرورة مبيح لفعل المأمور مع قيام الحدث، أو هو بدل مطلق عن طهارة الماء ورافع للحدث؟ (٢) الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، فإذا تيمم له أن يصلي مالم يحدث أو يجد الماء. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (٣). القول الثاني: أن خروج الوقت يبطل التيمم. وهو مذهب الحنابلة (٤)، وأما المالكية والشافعية، و إن لم ينصوا على أن خروج الوقت مبطل للتيمم إلا أنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث منعوا صلاة فريضتين بتيمم واحد، والمالكية اشترطوا الموالاة بين التيمم وفعل الصلاة، فإن وجد فاصل بينهما بطل تيممه وهذا القول أبلغ من اعتبار خروج الوقت مبطلاً للتيمم (٥).

стр. 288

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية (١). وجه الدلالة: دلت الآية على أن التيمم مطهر من الحدث ورافع له، فإذا كان كذلك، فلا يبطل وينتقض إلا بنواقض الوضوء وليس منها خروج الوقت. الدليل الثاني: عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير) (٢). وجه الدلالة: بين الحديث أن التيمم طهور المسلم حتى يجد الماء، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل إن خروج الوقت يبطله (٣). الدليل الثالث: أن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلاً له في صفته (٤). أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى) (٥). ونوقش: أنه أثر ضعيف (٦). الدليل الثاني: أن التيمم طهارة ضرورة، فتقدر بقدر الضرورة، وهو وقت الصلاة (٧). ونوقش: بأننا لا نسلم بأن التيمم طهارة ضرورة، بل هو بدل عن طهارة الماء، ورافع للحدث حتى وجود الماء أو القدرة على استعماله لما سبق من أدلة (٨). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن التيمم لا يبطل بخروج الوقت لأن طهارة المتيمم ثبتت بيقين و بمقتضى الدليل الشرعي الصحيح، فلا ترتفع إلا بيقين، وبدليل صحيح صريح وهو مالم يوجد في أدلة القول الثاني، والله أعلم.

стр. 289

المسألة السابعة: حكم التيمم في الحضر لعذر . المقصود بالمسألة: أن من عدم الماء في الحضر بانقطاعه عنه، أو حبس في مكان لا ماء فيه، أو كان برد شديد ولا يستطيع مع ذلك الطهارة بالماء، فهل يتيمم ويصلي أو أن التيمم خاص بالسفر فقط؟ اختيار القاضي: اختار ﵀،صحة صلاة من صلى بالتيمم في الحضر معذوراً، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت فيمن عدم الماء في الحضر بحبس أو غيره وتيمم وصلى هل يعيد؟ فنقل إسماعيل بن سعيد لا يعيد وهو أصح) (١). تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على جواز التيمم في السفر عند عدم الماء (٢)، واختلفوا في جوازه في الحضر على قولين، كما سيأتي. سبب الخلاف: هو في مرجع الضمير الذي في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (٣)، هل يعود على أصناف المحدثين، الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط؟ فمن رآه عائدا على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضرين، ومن رآه عائدا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يجز التيمم للحاضر الذي عدم الماء (٤).

стр. 290

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين. القول الأول: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه. وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب المالكية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)، وهو اختيار القاضي كما تقدم. القول الثاني: يتيمم ويصلي، ويعيد إذا وجد الماء لأن السفر شرط لإباحة التيمم. وهو المشهور من مذهب الشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية. (٦) وجه الدلالة: أن الله شرع التيمم عند فقد الماء، ويستوي في ذلك الحاضر والمسافر. الدليل الثاني: قال أبو الجهيم الأنصاري (٧) (أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇ (٨). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ تيمم لرد السلام في الحضر، فالصلاة التي من شرطها الطهارة أولى بالجواز، وقد بوب البخاري على هذا الحديث، باب التيمم في الحضر، إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الصلاة.

стр. 291

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية. (١) وجه الدلالة: أن الله شرط السفر لجواز التيمم فلا يجوز لغيره (٢). ونوقش: أن الآية يحتمل أن يكون ذكر السفر فيها خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الماء إنما يعدم فيه (٣). الدليل الثاني: أن فقد الماء في الحضر عذر نادر، فلا يسقط به القضاء (٤). ويناقش: أن التيمم شرع لرفع الحرج عن الأمة، وفي إيجاب الإعادة عليه زيادة تكليف، لا تتناسب مع رخصة التيمم. الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بجواز التيمم في الحضر لمن فقد الماء أو عجز عنه، ولا إعادة عليه، فكما أنه لا إعادة على من صلى بالتيمم في السفر فكذلك لا إعادة على من صلى بالتيمم في الحضر ولا فرق، والله أعلم.

стр. 292

المسألة الثامنة: حكم التيمم لخوف زيادة المرض . اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -أن من خاف من استعمال الماء زيادة مرضه أن له التيمم، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت في المريض إذا خاف الزيادة في المرض، هل يجوز له التيمم؟ فنقل الميموني جواز ذلك، وهو أصح) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن من خاف من استعمال الماء التلف أو الموت أنه يجوز له التيمم، واختلفوا فيمن لم يخف التلف باستعمال الماء وإنما خاف باستعماله زيادة المرض أو تأخر البرء (٢). سبب الخلاف: هو اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (٣) هل في الآية محذوف مقدر أم لا؟ فمن رأى أن في الآية محذوفا وأن تقدير الكلام وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء، وأن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود على المسافر فقد أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء، ومن رأى أن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعود على المريض والمسافر معا، وأنه ليس في الآية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم (٤).

стр. 293

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن من خاف من استعمال الماء زيادة مرض أو تأخر برء جاز له التيمم. وبه قال: الحنفية (١)،و المالكية (٢)، والصحيح عند الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤)، وهو اختيار القاضي كما تقدم. القول الثاني: أنه لا يجوز له التيمم مادام لا يخاف التلف من استعمال الماء. وهو قول للشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦).

стр. 294

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (١) وجه الدلالة: أن المريض وإن كان واجداً للماء صورةً، ولكنه لما لم يتمكن من استعماله خشية الضرر صار معدوماً حكماً، فجاز له التيمم (٢). الدليل الثاني: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ﴾ الآية (٣). الدليل الثالث: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية (٤). وجه الدلالة من الآيتين: أن الله نفى الحرج عن هذه الأمة وهو الضيق، ومن أعظم العسر استعمال الماء الذي يؤدي بالإنسان إلى الضرر أو زيادة المرض (٥). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: (رخص للمريض التيمم بالصعيد) (٦). الدليل الخامس: القياس حيث قالوا: أن الضرر في زيادة المرض أو تأخر البرء فوق الضرر في زيادة ثمن الماء، وذلك يبيح التيمم فهذا أولى (٧).

стр. 295

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (١) وجه الدلالة: أن الضمير في الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعود على المريض والمسافر معا، فالآية أباحت التيمم للمريض بعدم الماء، وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم (٢). ونوقش: أن المريض وإن كان واجداً للماء صورةً، ولكنه لما لم يتمكن من استعماله خشية الضرر صار معدوماً حكماً، فجاز له التيمم (٣). الدليل الثاني: القياس قالوا: أنه قادر على الماء لا يخاف التلف من استعماله فلم يجز أن يتيمم كالذي به صداع أو حمى (٤). ونوقش: أن القياس غير صحيح، لأن المحموم ومن به صداع إذا خافا من استعمال الماء فهو مسألة الخلاف، وأما إذا لم يخافا من استعماله فهما كالصحيح، فلا معنى للقياس عليه (٥). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بجواز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء زيادة في مرضه أو تأخراً في برئه، لقوة أدلة هذا القول وسلامتها من المناقشة ومناقشة القول الآخر.

стр. 296

المسألة التاسعة: حكم التيمم لخوف فوات الجنازة . المقصود بالمسألة: من خشي فوات الصلاة في وقتها كمن وجدهم يصلون الجنازة ولم يكن على وضوء، وخاف إن توضأ فاتته الصلاة، فهل يباح له التيمم ليدرك هذه الصلاة ولو كان قادراً على الطهارة بالماء أو لا يجوز ذلك ولو فاتته هذه الصلاة؟. اختيار القاضي: اختار ﵀، عدم جواز التيمم خشية فوات الجنازة، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة، كما سيأتي. فقال: ﵀ (واختلفت في الجنازة إذا حضرت وخاف إن توضأ فاتته الصلاة عليها هل يجوز له التيمم؟ على روايتين نقلهما المروذي، إحداهما لا يجوز وهو أصح) (١) تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أنه لا يجوز التيمم لواجد الماء خوفاً من فوات الصلوات الخمس المكتوبة -عدا الجمعة- فقد اختلفوا فيها، كما اختلفوا في صلاة العيد والجنازة (٢). سبب الخلاف: هو اختلافهم في صلاة الجنازة هل تقضى أو لا تقضى؟ (٣)؟

стр. 297

الأقوال في هذه المسألة: اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا تشترط الطهارة في صلاة الجنازة، فيجوز أن يصليها بلا وضوء ولا يتمم. وبه قال: الشعبي (١). القول الثاني: يجوز لواجد الماء أن يتيمم لصلاتي العيد والجنازة إذا خاف فوتهما. وهو مروي عن ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣)،وبه قال: الحنيفة (٤)، وهو إحدى الروايتين عن مالك (٥)، وأحمد (٦)،واختارها ابن تيمية (٧). القول الثالث: لا يجوز التيمم لكل ما يخاف فوته مادام الماء موجوداً ويستطيع استعماله. وبه قال: المالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، وهو ما اختاره القاضي كما تقدم. الأدلة: دليل أصحاب القول الأول: (القائل بأن صلاة الجنازة لا وضوء لها) احتج بأن صلاة الجنازة لا ركوع فيها ولا سجود، وإنما هي دعاء، فأشبهت الدعاء في غير الصلاة (١١).

стр. 298

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: (أقبل رسول الله ^ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ^حتى أقبل إلى الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇ (١). وجه الدلالة: أنه ﷺ رد السلام بطهارة التيمم حين خاف الفوات لمواراة المسلم عن بصره (٢). نوقش من وجهين: أحدهما: إنه يحتمل أن يكون تيمم لعدم الماء (٣). الوجه الثاني: أن الطهارة للسلام ليست بشرط فخف أمرها بخلاف الصلاة (٤). الدليل الثاني: أثر ابن عباس ﵁ قال: (إذا فجأتك جنازة تخشى فوتها وأنت على غير وضوء فتيمم وصلِّ عليها) (٥). الدليل الثالث: أثر ابن عمر ﵁: (إنه أتي بجنازة -وهو على غير وضوء- فتيمم وصلى عليها) (٦). وجه الدلالة: أن ذلك صار أصلاً لكل ما يفوت لا إلى بدل، فإنه يجوز أداؤه بالتيمم مع وجود الماء (٧). نوقش: بأنهما ضعيفان فلا حجة فيهما (٨). الدليل الرابع: أن التيمم إنما شرع في الأصل لخوف فوت الأداء مع أنه يستدرك بالقضاء، فمن باب أولى يشرع لكل ما يخاف فوته ولا يمكن قضاؤه (٩)، فالصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة (١٠). نوقش: بأن صلاة الجنازة يمكن قضاؤها كغيرها، ويمكن أن يصلى على الجنازة ولو بعد الدفن، فلا نسلم بأنها لا تقضى لأنه حكاية مذهب لا حجة فيه، ثم إنها غير واجبة على الأعيان فإذا قام بها من يكفي حصل المطلوب، ولا يأثم من فاتته اشتغالاً بتحصيل الوضوء (١١).

стр. 299

أدلة أصحاب القول الثالث: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١). الدليل الثاني: حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) (٢). وجه الدلالة: أن هذا واجد للماء وقادر على استعماله فلا يجوز له أن يتيمم ولو فاتته صلاة الجمعة أو العيد أو الجنازة (٣). الدليل الثالث: القياس على سائر الصلوات، فإنه واجد للماء وقادر على استعماله من غير ضرر ولا فوات متعين عليه فلم يجز له أن يصلي بالتيمم (٤). الدليل الرابع: القياس على الجمعة إذا خاف فوتها (٥). الدليل الخامس: القياس على من هو عار وفي بيته ثوب لو ذهب إليه لفاتته صلاة العيد أو الجنازة، فإنه لا يجوز له أن يصلي عارياً ولو فاتتا، فكذلك لا يجوز له أن يتيمم مع القدرة على استعمال الماء ولو فاتتا، بجامع أن الطهارة وستر العورة شرطان من شروط الصلاة فلا تصح الصلاة بدونهما مع القدرة عليهما (٦).

стр. 300

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأخير، فلا تصح صلاة الجنازة أو العيد أو غيرهما كالجمعة إلا بطهارة، والتيمم ليس طهوراً إلا عند عدم الماء أو العجز عن استعماله، وقد قال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (١) وقال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ) (٢)، وقد أمر الله سبحانه بالوضوء عند القيام إلى الصلاة فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (٣)، فعم سائر الأحوال ثم قال سبحانه ﴿ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤) فأباح ترك الغسل بشرط عدم الماء، فإذا لم يوجد الشرط فإنه يبقى الأمر على قضية العموم وهو الغسل بالماء (٥).

стр. 301

المسألة العاشرة: حكم صلاة فاقد الطهورين . المقصود بالمسألة: إذا حضرت الصلاة ولا يجد المسلم ماءاً ولا صعيداً، كما لو كان محبوساً فماذا يعمل؟ اختيار القاضي: اختار القاضي-﵀ -أنه يصلي على حسب حاله ويعيد مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي. فقال ﵀: (وكذلك اختلفت فيمن عدم الماء والتراب وصلى، فنقل الميموني وأحمد بن الحسين يصلي ويعيد، وهو أصح) (١). الأقوال في المسألة: اختلف العلماء فيمن عدم الماء والصعيد على أربعة أقوال: القول الأول: لا يصلي، ويقضي صلاته إذا قدر على الطهارة. وبه قال: الحنفية (٢)، وقول في مذهب مالك (٣)،وقول في مذهب الشافعية (٤). القول الثاني: لا يصلي ولا يعيد. وهو مذهب المالكية (٥)، وقول بعض الظاهرية (٦). القول الثالث: يصلي ويعيد إذا قدر على الماء أو الصعيد. وبه قال: الشافعية في المشهور من مذهبهم (٧)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٨)، اختاره القاضي كما تقدم. القول الرابع: يصلي ولا يعيد. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٩).

стр. 302

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائل (لا يصلي ويقضي إذا تمكن من أحد الطهورين) الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية (١). الدليل الثاني: عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقبل صلاة بغير طهور) (٢). وجه الدلالة: دلت الآية والحديث على أن من صلى بغير وضوء ولا تيمم صلى بغير طهور، ومن صلى بغير طهور لا تقبل صلاته. ونوقش: أن قوله ﷺ : (لا تقبل صلاة بغير طهور) أي مع القدرة على الطهور كما في قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (٣) أي مع القدرة على الوضوء، لأنه لا خلاف أنه لو عدم الماء، وصلى بالتيمم صحت صلاته (٤). أدلة أصحاب القول الثاني: القائل (لا يصلي ولا يعيد). ودليل هذا القول: القياس على الحائض، فكما أن الحائض ليست أهلاً لأداء الصلاة، ولا يجب عليها قضاؤها، فكذلك فاقد الطهورين ليس أهلاً لأداء الصلاة، فإذا لم يكن كذلك سقطت عنه الصلاة، لأن الطهارة شرط في الوجوب، ولا يجب عليه قضاؤها، لأن القضاء فرع عن الأداء، وإذا سقط الأداء سقط القضاء (٥). ويناقش: بأن الله قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦)، ومن صلى فاقداً للطهورين بعذر فقد فعل ما يستطيع، وأيضا القياس على الحائض لا يصح، ذلك أن الحائض يجب عليها ترك الصلاة، ولو وجدت الطهور، بخلاف الرجل، الفاقد للطهورين.

стр. 303

أدلة أصحاب القول الثالث: القائل (يصلي ويعيد). استدل أصحاب هذا القول بوجوب الصلاة عليه بقول الله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١) ولم يفرق بين فاقد الطهورين وغيره، ولأنه مكلف بالصلاة عدم شرطا من شرائطها فوجب أن يلزمه فعلها كالعريان (٢). واحتجوا لوجوب الإعادة بقوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) ولأنه عذر نادر غير متصل فلم تسقط الإعادة كمن صلى محدثا ناسيا أو جاهلا حدثه (٣). ونوقش: أنه أدى العبادة التي عليه، كما أمره الله عزوجل؛ فلا وجه لأمره بإعادتها ثانيةً (٤).

стр. 304

أدلة أصحاب القول الرابع: القائل (يصلي ولا يعيد). استدل أصحاب هذا القول بوجوب الصلاة عليه في الحال بما ا ستدل به أصحاب القول السابق، واستدلوا لقولهم بعدم الإعادة بعد بمايلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية (١) وجه الدلالة: أنه فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه. الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ (أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله آية التيمم) (٢). وجه الدلالة: أنهم صلوا بغير وضوء ولم يكن يشرع التيمم بعد، وشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، فإذا كان من فقد الماء قبل نزول التيمم صلى على حسب حاله، فكذلك من فقد الماء والصعيد صلى على حسب حاله ولم يؤمر بالإعادة فدل على أنها غير واجبة (٣). الدليل الثالث: من النظر، والتعليل، حيث أن الله لم يأمر العبد أن يصلي الفرض مرتين إلا إذا لم يفعل الواجب الذي يقدر عليه في المرة الأولى، وكذلك لم يعرف قط أن رسول الله ﷺ أمر العبد أن يصلي الصلاة مرتين لكن يأمر بالإعادة من لم يفعل ما أمر به مع القدرة على ذلك (٤). الترجيح: الراجح والله أعلم القول الأخير القائل يصلي ولا يعيد، لقوة أدلته وسلامتها من المعارضة، ولأنه أتى بما أمر، فخرج عن عهدته؛ لأن الطهارة شرط من شرائط الصلاة فتسقط عند العجز عنها، كسائر شروطها وأركانها؛ ولأنه أدى فرضه على حسبه، فلم يلزمه الإعادة (٥).

стр. 305

المسألة الحادية عشرة: حكم الترتيب والموالاة لمن توضأ وتيمم للجرح . المقصود بهذه المسألة: من كان في يده جرح، وتوضأ فهل يتيمم للجرح إذا وصل لموضعه في الوضوء مراعاةً للترتيب، أو يؤخر التيمم حتى ينتهي من وضوئه؟ اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -أنه يجب على الجريح مراعاة الترتيب والمولاة في وضوئه، فيفصل بين أعضاء وضوئه بالتيمم، موافقاً في اختياره المشهور عند الحنابلة، كما سيأتي. قال المرداوي ﵀: (لو كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء: لزمه مراعاة الترتيب والموالاة على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب ... واختاره القاضي) (١). تحرير محل النزاع: اتفقوا على أنه إذا كان الجرح في غير أعضاء الوضوء وأراد أن يتوضأ فلا يتيمم عنه، واختلفوا فيما إذا كان الجرح في أعضاء الوضوء هل يجمع بين التيمم والغسل أو لا يجمع؟ وإذا جمع بينهما فهل يفصل بين أعضاء الوضوء بالتيمم أو لا يفصل بينهما بالتيمم؟ (٢)

стр. 306

الأقوال في المسألة: اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال: القول الأول: لا يجمع بين الغسل والتيمم، بل إن كان أكثر بدنه صحيحاً اقتصر على غسله ولا يلزمه تيمم، وإن كان أكثره جريحاً كفاه التيمم، ولم يلزمه غسل شيء. وبه قال: الحنفية (١)، والمالكية (٢). القول الأول: يغسل الصحيح، ويسقط حكم الجرح قل أو كثر فلا يتيمم عنه. وبه قال: الظاهرية (٣). القول الثالث: يجمع بين الغسل والتيمم، فيغسل الصحيح ويتيمم عن الجرح في موضعه فيفصل بين أبعاض الوضوء، مراعاة للترتيب. وبه قال: الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الرابع: يتوضأ ويغسل الصحيح، ثم بعد الانتهاء من وضوئه يتيمم عن الجرح، ولا يجب الترتيب في ذلك. وهو وجه عند الحنابلة (٦)، اختاره الموفق ابن قدامة (٧)، وابن تيمية (٨).

стр. 307

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: أن الله سبحانه أمر بالتيمم عند عدم القدرة على استعمال الماء (١). الدليل الثاني: أن التيمم بدل، ولا يجب الجمع بين البدل والأصل كالصوم والعتق في الكفارة (٢). نوقش: بعدم التسليم بذلك، لأن التيمم بدل لما لم يصل إليه الماء فليس فيه جمع بين المبدل والمبدل منه (٣). الدليل الثالث: أن الأقل تابع للأكثر (٤)، وأصول الشرع مقررة على أن الأغلب هو المعتبر في الحكم وما ليس بغالب تبع (٥). نوقش: بأنه أصل لا يعتبر في الطهارات، ألا ترى أنه لو غسل أكثر جسده من جنابة أو أكثر أعضاء وضوئه من حدثه لم يجز تغليباً للأكثر، فكذا هنا (٦). أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٧). وجه الدلالة: أنه عاجز عن تطهير الأعضاء، وليس من أهل التيمم لوجود الماء، فسقط عنه ما عجز عنه. ونوقش: أن التيمم من وسع الإنسان وليس تكليفاً له بما لا يطيقه. وأن العجز عن إيصال الماء إلى بعض أعضائه لا يقتضي سقوط الفرض عن إيصاله إلى ما لا يعجز عنه (٨).

стр. 308

أدلة أصحاب القول الثالث: الدليل الأول: حديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ? أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) (١). وجه الدلالة: أنه نص صريح في الجمع بين الماء والتيمم (٢). الدليل الثاني: القياس: أن العجز عن إيصال الماء لا يقتضي سقوط الفرض عن إيصاله إلى مالم يعجز عنه، قياساً على ما إذا كان عادماً لبعض أعضائه (٣). الدليل الثالث: أن الترتيب يجب في الوضوء من الحدث الأصغر، فكذلك يجب الترتيب في بدله وهو التيمم (٤). ونوقش: أن التيمم طهارة مفردة، فلم يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الأخرى (٥).

стр. 309

أدلة أصحاب القول الرابع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ ... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية (١). وجه الدلالة: أن في ذلك حرجاً ومشقة، وهما منفيان في شرعنا (٢). الدليل الثاني: أنه يتيمم عن الحدث الأصغر، فلم يجب أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله، كما لو يتيمم عن جملة الوضوء حيث يسقط الفرض جملة واحدة فكذا يسقطه عن بعض الأعضاء ولو لم يرتب بين الطهارتين (٣). الدليل الثالث: القياس على الجنب، لأن التيمم طهارة مفردة، فلم يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الأخرى وهي الغسل بالماء، فكما لا يجب الترتيب في طهارة الجنب بين الغسل والتيمم، فكذا هنا لاختلاف الطهارتين (٤). الترجيح: الراجح والله أعلم القول الأخير، فلا يجب الترتيب في هذه المسألة، بل لا يجوز أن يفصل بين أعضاء الوضوء بالتيمم لعدم النص على ذلك كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) ﵀، ولما في ذلك من الحرج والمشقة الذي تنفيه الشريعة ولا تأتي به (٦).

стр. 310

المسألة الثانية عشرة: التيمم لنجاسة على بدنه عجز عن إزالتها . اختيار القاضي: اختار ﵀ -مشروعية التيمم للنجاسة على البدن إن عجز عن غسلها بالماء كما يتيمم للحدث، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (فإن عدم الماء الذي يتطهر به وكان على بدنه نجاسة تيمم لها كما يتيمم للحدث) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز التيمم للنجاسة إذا كانت في الثوب أو في غير بدنه (٢)، وذلك لأن التيمم طهارة في البدن، فلا ينوب عن غير البدن (٣)، واختلفوا إذا كانت النجاسة على البدن ولا يستطيع إزالتها بالماء فهل يتيمم لها أو لا يتيمم؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يتيمم للنجاسة مطلقاً سواء كانت على بدنه أو على غيره. وبه قال: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، وأحمد في رواية (٧)، اختارها ابن تيمية (٨).

стр. 311

القول الثاني: يتيمم لنجاسة على بدنه عجز عن إزالتها. وبه قال: أحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، ومن مفردات المذهب (٢). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: أن التيمم ورد في الشرع للحدث، وغسل النجاسة والتيمم لها عند العجز ليس في معنى رفع الحدث (٣). الدليل الثاني: أن الغسل إنما يكون في محل النجاسة دون غيره (٤). الدليل الثالث: أن المقصود هو إزالة النجاسة، وهذا لا يتحقق بالتيمم (٥).

стр. 312

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) (١). الدليل الثاني: حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (٢). وجه الدلالة: أن هذا يعم طهارتي الحدث والجنب المتعلقة بالبدن دون الثوب لقوله فليمسه بشرته ولأنه محل من البدن يجب تطهيره بالماء مع القدرة عليه فوجب بالتراب عند العجز كمواضع الحدث (٣). ونوقش: أن الحديثين مقصوران على طهارة ا لحدث فقط، وإلا لجاز التيمم للنجاسة على الثوب وأنتم لا تقولون بهذا، ولا نسلم بعمومهما للخبث لعدم وروده في الشرع بخلاف الحدث (٤). الدليل الثالث: أن إزالة النجاسة طهارة في البدن تراد للصلاة فجاز لها التيمم عند عدم الماء أو خوف الضرر باستعماله قياساً على الحدث (٥). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، لأن طهارة الحدث يؤتى بها في غير محلها، بخلاف طهارة النجاسة فلا يؤتى بها إلا في محلها، فافترقا فلا يقاس أحدهما على الآخر (٦). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بعدم التيمم للنجاسة مطلقاً، لأن الشرع إنما ورد في التيمم لرفع الحدث الأكبر أو الأصغر، فيقتصر على مورد النص في ذلك، ولا يقاس عليه غيره من النجاسات لوجود الفرق الكبير بينهما، فإن وجد ماءاً أزالها وإلا صلى على حسب حاله.

стр. 313

المسألة الثالثة عشرة: حكم تيمم من نوى وصمد للريح فعمه التراب . المقصود بالمسألة: لو تعرض المرء للريح ناوياً التيمم فعم التراب وجهه ويديه هل يصح تيممه؟ اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -أن من نوى وصمد للريح فعمه التراب صح تيممه ولو لم يمسح التراب بيديه، مخالفاً في اختياره مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (لو نوى وصمد وجهه للريح فعم التراب جميع وجهه: لم يصح على الصحيح من المذهب، ... وقيل: يصح، اختاره القاضي) (١) تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أنه إذا لم ينوِ في تعرضه للتراب التيمم ولم يقصده أنه لا يجزئه (٢)، واختلفوا فيما إذا نوى بتعرضه للتراب التيمم هل يصح تيممه؟ على ثلاثة أقوال. الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: إن هبت الريح فأصاب الغبار وجهه وذراعيه فمسحه بنية التيمم جاز. وهذا هو مذهب الحنفية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: أن من صمد للريح حتى عمه التراب، أنه لا يصح تيممه ولو مسح ما علق به من تراب، ناوياً بذلك التيمم. وهو مذهب المالكية (٥)، والصحيح من مذهب الشافعية (٦)، وراية عن الإمام أحمد (٧).

стр. 314

القول الثالث: أن من صمد للريح حتى عمه التراب ناوياً التيمم، صح تيممه، ولو لم يمسح ما علق به من تراب. وبه قال: بعض الشافعية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، اختارها القاضي كما تقدم. الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: (الذين اشترطوا المسح) الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣) الآية. وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالمسح فإذا لم يمسح لم يمتثل الأمر (٤). الدليل الثاني: أن المقصود لا يحصل إلا بمسحه التراب بنية التيمم (٥). أدلة أصحاب القول الثاني: (الذين قالوا لا يصح تيممه ولو مسح). الدليل الأول: قالوا: لأنه لم يأخذه لوجهه ويديه (٦). ونوقش: بأنهم نصوا على أن الجنب إذا وقف تحت ميزاب حتى عم الماء جميع شعره وبشره أجزأه (٧). وأجيب: أن الماء يجري بطبعه فيصل إلى البدن كله، وليس كذلك التراب (٨). الدليل الثاني: قالوا: لأنه مذرور لا يصل إلى جميع العضو إلا بالإمرار (٩). ونوقش: أن الأصل في المسح التخفيف بخلاف الغسل (١٠)، وأيضاً التعميم لكل العضو متعذر حتى باليد، ويكفي فيه غلبة ظن (١١).

стр. 315

أدلة أصحاب القول الثالث: (الذين قالوا يصح تيممه مطلقاً ولو لم يمسح). دليلهم: القياس على صحة الغسل لو جلس تحت المطر أو الميزاب فعمه الماء بنية رفع الحدث أن حدثه يرتفع (١). الترجيح: الراجح والله أعلم القول الأول القائل بوجوب المسح لصحة تيممه، لأن الله سبحانه نص على المسح في التيمم، وأما القياس على الغسل فلا يصح؛ لأن الله سبحانه أطلق في الغسل فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢) ولم يأمرنا بكيفية معينة سوى تعميم البدن بالماء، بخلاف التيمم.

стр. 316

المسألة الرابعة عشرة: حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه . اختيار القاضي: اختار ﵀ -أن من وجد من الماء بعض ما يكفيه أنه يستعمله ثم يتيمم، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (وإذا كان معه ماء لا يكفيه لجميع بدنه استعمله وتيمم) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على مشروعية التيمم عند فقد الماء (٢)، واختلفوا فيمن وجد من الماء بعض ما يكفيه هل يستعمله ثم يتيمم أم يتركه ويكتفي بالتيمم فقط؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يكفيه التيمم، ولا يلزمه استعمال الماء. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وقول للشافعية (٥). القول الثاني: أنه يجب عليه استعمال الماء ثم يتيمم للباقي. وهو الأصح عند الشافعية (٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٧).

стр. 317

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله أراد بالماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ... هو الماء الكافي للأعضاء الذي أمر بغسلها في أول الآية (٢). نوقش: بأنه لم يأت للماء ذكر في أول الآية حتى نحمل آخر الآية عليه (٣). وأجيب عنه: بأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف عليه، والمتعارف عليه من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للاستعمال (٤). الدليل الثاني: حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) (٥). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قال: (فليمسه بشرته) ولم يقل: فليمسه بعض بشرته فدل ذلك على أن من وجد ما يكفي بعض بشرته لم يستعمله ويتيمم (٦). الدليل الثالث: من النظر والتعليل قالوا: بأن هذا الماء لا يطهره فلم يلزمه استعماله (٧).

стр. 318

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله اشترط للتيمم عدم الماء، ومن كان عنده شيء من الماء فإنه يعتبر واجداً للماء (٢). ونوقش: أن المراد من الآية وجود الماء الكافي للطهارة، لا مجرد الماء (٣). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : ( ... وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٤). وجه الدلالة: دل الحديث على وجوب الإتيان ببعض ما يستطيعه من المأمور، وهذا مستطيع لأن يأتي ببعض وضوءه ففرض عليه أن يأتي به (٥). ونوقش: أن فاعل ذلك لا يسمى متوضئ ولا يصدق عليه أنه قد فعل ما أمره الله من الوضوء فالواجب عليه ترك غسل ذلك البعض الذي لم يجد من الماء إلا ما يكفيه ويعدل إلي التيمم فإن هذا هو المأمور في حقه (٦). الدليل الثالث: من النظر والتعليل قالوا: يلزمه استعمال الماء أولاً لأن التيمم للعدم ولا يتحقق مع وجود الماء (٧). ويناقش: بأن هذا الماء بحكم العدم، لأنه ماء لا يرفع الحدث، فكان وجوده كعدمه. الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن من وجد من الماء ما لا يكفيه يتركه ويعدل إلى التيمم، لقوة ما استدلوا به و لمناقشة أدلة القول الثاني.

стр. 319

المسألة الخامسة عشرة: إذا اجتمع حي وميت، ولا يكفي الماء إلا لواحد فمن يأخذه ؟ المقصود بالمسألة: إذا اجتمع في السفر ميت، وجنب، وعندهما ماء لا يكفي إلا لأحدهم فمن الأولى به؟ اختيار القاضي: اختار القاضي-﵀ أن الأولى بالماء والحالة هذه هو الميت، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة كما سيأتي. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت إذا اجتمع في السفر جنب وميت ومعه ما يكفي لأحدهما أيهما يقدم على روايتين ... ، الثانية: يقدم الميت، وهو أصح، لأن الغسل خاتمة عمله.) (١) تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أنه إذا كان الماء لأحدهم فهو أولى به، واختلفوا فيما إذا كان الماء مباحاً لهما على السواء، وازدحموا وتشاحوا فيه فمن يقدم (٢)؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في المسألة على قولين: القول الأول: يقدم الحي في استعمال الماء على الميت. وبه قال: الحنفية (٣) والمالكية (٤)، وهي رواية عن الإمام أحمد (٥). القول الثاني: يقدم الميت في استعمال الماء على الحي. وبه قال الشافعية (٦) والحنابلة (٧)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.

стр. 320

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ الآية (١). وجه الدلالة: أن الآية خطاب للحي فهو متعبد بالغسل مع وجود الماء، والميت سقط عنه الفرض بالموت (٢). ونوقش: أن تغسيل الميت واجب على الحي أيضاً (٣). الدليل الثاني: أن الجنابة أغلظ من الحدث (٤). ونوقش: أن له استعمال التراب لاستباحة الصلاة (٥). الدليل الثالث: أن الحي يستفيد باستعمال الماء ما لا يستفيده الميت، من مس المصحف، والصلاة ونحو ذلك (٦).
следующие страницы →