← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 208

اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم

عدنان الرشيدي

Полный текст (366 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، حتى لا يكون بينه وبينه حجاب ولا ستر، فليتوضأ وضوءه للصلاة) (١). وجه الدلالة: أنها نصوص صريحة في وجوب الوضوء من مس الذكر. ونوقشت: بأنها أحاديث ضعيفه متكلم فيها، ضعفها يحيى بن معين (٢)، وقال: ثلاثة أحاديث لا تصح وذكر منها أحاديث نقض الوضوء من مس الذكر (٣).

стр. 247

وأجيب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث صحيح صححه الجماهير من الأئمة الحفاظ، واحتج به الأئمة الأعلام أهل الحديث والفقه، فلا يقدح فيه تضعيف ابن معين، وقد خالفه الأكثرون فصححوه (١). الوجه الثاني: أنه قد جاء عن يحيى بن معين رواية بالنقض (٢)، فإما أن يكون رجع عن قوله الأول، وإما أن يكون لم يثبت عنه (٣)، وعلى كل حال فقوله الموافق للحديث أولى لا سيما وقد وافق فيه أكثر العلماء. أدلة أصحاب القول القول الثالث: القائلين أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب. استدلوا أيضاً بالأدلة الموجبة للوضوء من مس الذكر ولكنهم خصوا ذلك بما إذا كان ذلك بشهوة. ويجاب عن ذلك: بأن الأدلة عامة والتخصيص يحتاج إلى دليل ولا دليل معهم.

стр. 248

أدلة أصحاب القول الرابع: القائلين بالتفريق بين اللمس بشهوة واللمس بغير شهوة، فمن لمس ذكره بشهوة انتقض وضوءه، استدل شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا القول: بأن تحمل أحاديث الأمر بالوضوء من مس الذكر على الاستحباب وحمل الأمر على الاستحباب أولى من نسخ أحاديث عدم الوجوب، وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب (١). الترجيح: الأظهر والله أعلم هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الوضوء من مس الذكر مستحب مطلقاً وذلك لأنه القول الذي تجتمع به الأدلة بحمل الأمر بالوضوء في حديث بسرة للاستحباب، والنفي في حديث طلق لنفي الوجوب (٢)؛ بدليل أنه سأل عن الوجوب فقال: (أعليه) وكلمة: (على) ظاهرة في الوجوب (٣). ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ -بعدما ساق الخلاف في المسألة: (الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب وهكذا صرح به الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب ليس فيه نسخ قوله: (وهل هو إلا بضعة منك؟)، وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ) (٤).

стр. 249

المسألة الخامسة: حكم مس المرأة الميتة لشهوة . اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -أن الملامسة الموجبة للوضوء هي التي تكون بلذة وشهوة، سواء كانت المرأة حية أم ميتة، أما إذا كانت بدون لذة أو شهوة فلا توجب الوضوء، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة، كما سيأتي. قال: المرداوي ﵀ -عند كلامه عن مس المرأة لشهوة (أما الميتة: فهي كالحية على الصحيح من المذهب .. اختاره القاضي) (١) الأقوال في المسألة: للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أن لمس النساء لا ينقض الوضوء مطلقاً؛ أي: سواء كانت الملامسة بشهوة أو بدونها، للحية والميتة. وهذا القول مروي عن: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب (٢)، وبه قال الحنيفة (٣) وهو رواية عن الإمام أحمد (٤). القول الثاني: أن لمس المرأة ينقض الوضوء مطلقاً حية كانت أو ميتة، سواءً أكان بشهوة أم بغير شهوة. روي هذا عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود (٥)، وبه قال: الشافعية (٦) وهو رواية عن الإمام أحمد (٧). القول الثالث: القول بالتفصيل: وهو: إن كان اللمس بشهوة نقض الوضوء ولو كانت ميتة، وإن كان بغير شهوة لم ينقض الوضوء. وهو أصح الوجهين عند الشافعية (٨)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٩)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.

стр. 250

أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: من السنّة عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" (١). الدليل الثاني: من السنّة أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها. قلت: "والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح" متفق عليه (٢). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (٣). وجه الدلالة: أنه دليل صريح على أن لمس المرأة بمجرده لا ينقض الوضوء حيث أنه ﷺ فعله وهو في صلب الصلاة ولم ينتقض وضوءه. ونوقش: بأن لمس النبي ﷺ لعائشة يحتمل أن يكون فوق حائل (٤) أو أنه خاص بالنبي ﷺ . ويناقش: بأن هذا احتمال لا دليل عليه. الدليل الرابع: "البراءة الأصلية" فقالوا: الأصل أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء فلا ينتقل إلى ضده إلا إذا ورد دليل شرعي صحيح صريح على ذلك.

стр. 251

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ). الآية (١) وجه الاستشهاد من هذه الآية: قالوا: جاء في قراءة "أو لمستم" (٢). واللمس يطلق على المس باليد كما قال تعالى: (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) (٣) وقال ﷺ لماعز: (لعلك قبَّلت أو لمست) (٤)، ونهى عن بيع الملامسة وهي: لمس الرجل الثوب بيده وقال ﷺ : (واليد زناها اللمس) (٥)، فإذا كان المقصود اللمس باليد فمن لمس بيديه فعليه الوضوء سواءً أكان ذلك بشهوة أم بدون شهوة (٦). ونوقش: بأن المقصود بقوله تعالى: (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) (٧) الجماع وليس مجرد اللمس، وقد فسرها بذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵁ (٨). ومما يدل على ذلك أيضاً أن المس أريد به الجماع في "آيات الطلاق" فكذلك اللمس (٩)، فقد قال تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) (١٠). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (١١)

стр. 252

أدلة أصحاب القول الثالث: الدليل الأول: عن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان قاعداً عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له فلم يدع شيئاً يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه منها غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي ﷺ : (توضأ وضوءاً حسناً ثم قم فصل) (١). ونوقش: بأنه حديث ضعيف (٢). فتبين أن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، ثم لو صح سنده فليس فيه ما يدل على أن الأمر بالوضوء إنما كان من أجل اللمس؛ بل يحتمل أن الأمر إنما كان من أجل المعصية، ولو سلمنا أن الأمر بالوضوء من أجل اللمس فيحتمل أنه من أجل لمس خاص؛ لأن الحالة التي وصفها، هي مظنة خروج المذي الذي هو ناقض للوضوء لا من أجل مطلق اللمس (٣). واستدلوا أيضاً بالأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول: وحملوها على أن اللمس كان بدون شهوة، ولكن هذا احتمال والأولى أن يحمل الحديث على عمومه وما يدل عليه إلا إذا صرف ذلك بدليل. الترجيح: بعد عرض أقوال الفقهاء في هذه المسألة وأدلة كل قول يظهر والله أعلم أن القول الأول القائل بأن لمس النساء لا ينقض مطلقاً هو الراجح وذلك لأن لمس النساء ليس حدثاً بحد ذاته وإنما هو مظنة لحصول الحدث خاصة إذا كان بشهوة إلا أن القول بأن الوضوء يستحب من ذلك قول وجيه، وهذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)،خاصة مع وجود الشهوة التي هي مظنة خروج المذي، ولكن هذا الوضوء لا يجب وجوباً حتى ولو مع وجود الشهوة لعدم وجود دليل يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع، أما من قال: إن الملامسة توجب الوضوء مطلقاً سواءً أكان ذلك بشهوة أم لا فإن دليلهم الآية: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (٥)، وتبين مما تقدم الكلام عن وجه استدلالهم بهذه الآية والرد عليه وأن المقصود بالآية الجماع وليس اللمس كما فسّر ذلك عبد الله بن عباس وغيره، والله أعلم.

стр. 253

المسألة السادسة: حكم تصفح المحدث للمصحف بكمه . اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -جواز مس المصحف من وراء حائل موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت هل يجوز للمحدث أن يتصفح ورق المصحف بكمه؟ فنقل الحسن بن ثواب، وإبراهيم بن هانئ جواز ذلك، لأنه حائل، فهو كما لو حمل المصحف بثوبه أو بعلاقته. ونقل أبو طالب منع ذلك، والأولى أصح) (١). تحرير محل النزاع: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن مس المصحف للمحدث حدثًا أكبر أو أصغر باليد، من غير حائل يعتبر محرمًا (٢)،واختلفوا في حكم مَسِّ المصحف بحائل, كخرقة أو كُمٍ أو نحو ذلك. الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: التفريق بين مسه بحائل متصل أو منفصل، فيحرم أن يمس المصحف بكم أو غيره من ثيابه المتصلة ببدنه، دون ما انفصل عنه. وهو مذهب الحنفية (٣). القول الثاني: التحريم فلا يجوز للمحدث مس المصحف من وراء حائل مطلقاً، سواء كان الحائل متصلاً أم منفصلاً. وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)،ورواية عن الإمام أحمد (٦). القول الثالث: الجواز مطلقاً، مادام المس من وراء حائل. وهو مذهب الحنابلة (٧)، وقول للحنفية (٨).

стр. 254

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدل القائلون بالتفريق بين مس المصحف بحائل متصل أو منفصل بأدلة منها: الدليل الأول: عللوا لذلك: بأن الكم تابع ليد الماس، فكما يحرم المس باليد، يحرم بالكم بحكم التبعية، لأن كمه وثيابه متصلة به عادة، فأشبهت أعضاءه وكذا سائر الثوب المتصل به (١). ونوقش: أن المحرم هو المس، وهو اسم للمباشرة باليد من غير حائل (٢). الدليل الثاني: قالوا: لو حلف لا يجلس على الأرض فجلس عليها مفترشاً ثوبه يحنث في يمينه، وإن كان ثوبه حائلا بينهما (٣). ونوقش: أن مبنى الأيمان على العرف والجالس على الأرض بثوبه يعد جالساً على الأرض عرفاً وعادة (٤).

стр. 255

أدلة أصحاب القول الثاني: استدل القائلون بالمنع مطلقاً من مس المصحف سواء كان الحائل متصلاً أو منفصلاً بالإضافة للأدلة السابقة بالتعليل حيث قالوا: أن التقليب يقع باليد لا بالكم (١). ويناقش: بأن المحرم المس لا التقليب، والمس حقيقته إذا كان بلا حائل، أما مع وجود ه فلا يسمى مساً. أدلة أصحاب القول الثالث: استدل القائلون بجواز مس المصحف بحائل مطلقاً بأن النهي ورد عن مس المصحف، ومع وجود الحائل يكون المس للحائل، فلا يحرم لعدم مباشرة المس باليد، بدليل عدم انتقاض الوضوء بمس المرأة من وراء حائل عند من يقول بهذا، بخلاف مباشرة المس، فإنه ينقض الوضوء، ولأنه لم يمسه، فيبقى على أصل الإباحة (٢). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الثالث القائل بجواز المس من وراء حائل مطلقاً، لقوة أدلتهم ومناقشة أدلة الأقوال الأخرى.

стр. 256

الفصل الثالث اختياراته في باب الغسل . وفيه تمهيد و ثلاث مسائل: التمهيد: في تعريف الغسل لغةً، واصطلاحاً. المسألة الأولى: الطهارة الواجبة بخروج بقية المني بعد الغسل وقبل البول. المسألة الثانية: ارتفاع الحدث الأصغر بالطهارة عن الحدث الأكبر إذا نواهما. المسألة الثالثة: حكم الغسل للحجامة.

стр. 257

التمهيد في تعريف الغسل لغةً، وشرعاً . الغسل لغةً: تطهير الشيء وتنقيته (١). والغسل شرعاً: استعمال ماء طهور في جميع بدنه على وجه مخصوص (٢).

стр. 258

المسألة الأولى: الطهارة الواجبة بخروج بقية المني بعد الغسل وقبل البول . المقصود بالمسألة: أن من اغتسل لخروج المني منه، ثم خرج منه بقية المني بعد اغتساله هل يكفيه الغسل الأول أو يجب عليه غسلٌ جديد؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ -أنه يجب عليه الغسل، إذا خرج منه المني قبل البول، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (مسألة واختلفت في بقية المني يخرج بعد الغسل، وقبل البول، ... ونقل مهنا وحنبل ومحمد بن الحكم فيه الغسل، لأن انتقاله كان على وجه الشهوة ... وهذه الرواية أصح) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن المني إذا نزل على وجه الدفق والشهوة يجب منه الغسل، واختلفوا فيما إذا نزل لا على وجه الدفق والشهوة (٢). سبب الخلاف: هو اختلاف العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المني موجبا للطهر هل هو اعتبار اللذة في ذلك؟ أو أن نفس خروجه هو الموجب للطهر سواء أخرج بلذة، أو بغير لذة (٣)

стр. 259

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أن من جامع أو احتلم فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه المني بعد ذلك، فإنه لا يجب عليه الغسل مرة ثانية، وإنما يكفيه الوضوء. روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ (١)، وبه قال: أبوحنيفة (٢)، و المالكية (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤). القول الثاني: أن من جامع أو احتلم فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه المني بعد ذلك فإنه يجب عليه الغسل مرة ثانية ولا يكفيه الوضوء. وبه قال الشافعية (٥)، وهي رواية ثانية عن أحمد (٦). القول الثالث القول بالتفصيل: إذا خرج المني بعد البول فلا غسل عليه، ويكفيه الوضوء، وأما إذا خرج المني قبل البول فإنه يجب عليه الغسل. وهو مذهب الحنفية (٧) ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل (٨)، وهي اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم.

стр. 260

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: أن ابن عباس ﵃ سئل عن الجنب يخرج منه الشيء بعد الغسل، قال: يتوضأ (١). الدليل الثاني: أنه مني واحد فأوجب غسلاً واحداً وهو الغسل الأول كما لو خرج دفقةً واحدةً (٢). الدليل الثالث: أنه خارج لغير شهوة فلا يجب فيه الغسل قياساً على الخارج لبرد، ولأن الشهوة قد مضت، وإنما هو حدث كبقية الأحداث فيجزئ فيه الوضوء (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الماء من الماء) (٤) وجه الدلالة: أن الحديث عام لم يفرق بين خروج المني قبل الغسل أو بعده (٥). ونوقش: أن المراد من الحديث: (الماء من الماء) هو الماء المتعارف، وهو المنزل عن شهوة لانصراف مطلق الكلام إلى المتعارف (٦).

стр. 261

الدليل الثاني: أنه نوع حدث يوجب الغسل مطلقاً، كالبول وسائر الأحداث التي تنقض الطهارة (١). ونوقش: أنه حدث ارتفع بالغسل الأول، وما خرج امتداداً له يوجب الوضوء لا الغسل، ولأن الماء الموجب للغسل ما خرج دفقاً بلذة (٢). أدلة أصحاب القول الثالث: (القائلين بالتفريق بخروجه قبل البول وبعده). قالوا: لأن البول يقطع مادة الشهوة، فيخرج بلا شهوة فيشبه الودي فلا يجب عليه الغسل، وإن خرج قبل البول فهو بقية ماء خرج بالدفق والشهوة فيوجب غسلاً جديداً (٣). ونوقش: بأن جعل الضابط في ذلك البول فإن خرج المني قبله فإنه يجب عليه الغسل وإن خرج بعده فلا غسل عليه ويكفيه الوضوء غير دقيق إذ يأتي عليه ما لو خرج المني مرة ثانية بعد الغسل ولم يكن هناك بول فإنه سيلحقونه بما إذا خرج قبل البول فيجب عليه الغسل فكيف يغتسل مرتين والمني واحد؟! (٤). الترجيح: بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة يترجح عندي -والله أعلم-: القول الأول: القائل، بأن من خرج منه المني بعد الغسل فإنه يكفيه الوضوء وذلك لقوة أدلة هذا القول، فإن هذا المني الخارج واحد؛ لذلك يوجب غسلاً واحداً وهو الغسل الأول كما لو خرج هذا المني دفقة واحدة، ولأن قياسهم أيضاً صحيح فإنه خارج لغير شهوة فلم يوجب غسلاً جديداً قياساً على خروج المني من البرد ونحوه، فإنه لا يوجب الغسل فهو حدث كبقية الأحداث فيكفي فيه الوضوء، والله أعلم.

стр. 262

المسألة الثانية: ارتفاع الحدث الأصغر بالطهارة عن الحدث الأكبر إذا نواهما . المقصود بالمسألة: من كان عليه حدثان -أصغر كالبول، وأكبر كالحنابلة- فاغتسل دون الوضوء ناوياً رفع الحدثين، فهل يجزئه هذا الغسل عن الوضوء ويرتفع الحدثان أو لا؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ ارتفاع الحدثين -الأصغر والأكبر- إذا نواهما موافقاً للمشهور عند الحنابلة، كما سيأتي. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت إذا أحدث وأجنب، فنقل عبد الله أنه يقتصر على غسل البدن ويجزئ ذلك عن الطهارتين إذا نوى بذلك عن الطهارتين ... ونقل موسى بن عيسى الجصاص أنه يلزمه أن يأتي بكل واحدة من الطهارتين بكمالها ... والأولى أصح) (١).

стр. 263

الأقوال في هذه المسألة: اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال: القول الأول: لا يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقاً، نواه أو لم ينوه، فلابد من الوضوء قبل الغسل أو بعده. وبه قال: أحمد في رواية عنه (١)، وهو أحد قولي الشافعي (٢). القول الثاني: لا تشترط النية في الوضوء والغسل مطلقاً، وإنما تستحب، فيجزئ الغسل عن الوضوء، نواهما أو نوى أحدهما أو لم ينو شيئاً. وبه قال: الحنيفة (٣). القول الثالث: لا يجزئ الغسل عن الوضوء إلا بالنية. وبه قال: أحمد –في الرواية المشهورة المعتمدة عند أصحابه (٤) - وهو مذهب الظاهرية (٥). القول الرابع: يجزئ الغسل عن الوضوء وإن لمن ينوه، فما دام نوى بغسله رفع الحدث الأكبر، فإن الحدث الأصغر يرتفع تبعاً له. وبه قال: المالكية (٦)، والشافعية (٧) وهو وجه عند الحنابلة (٨)، وحكي رواية (٩)، اختارها ابن تيمية (١٠).

стр. 264

أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: أن النبي ﷺ كان يتوضأ قبل الغسل، فعن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه ثم يفيض الماء على جلده كله) (١) وجه الدلالة: أن فعله ﷺ يفسِّر قوله تعالى: ﴿ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الآية (٢) إذ أن الرسول ﷺ يبين لنا ما نزل إلينا من كتاب ربنا، وفعله إذا خرج بياناً للآية وجب العمل به في معناها لا سيما وقد داوم عليه ولم يخل به ﷺ (٣). ويناقش: بأنه قد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على عدم وجوبه إذ لم يذكره في وصف الغسل من الجنابة لمّا سئل عن كيفية غسل الجنابة (٤)، ويجمع بين الأحاديث بحمل غسله فقط على الإجزاء، وما ورد عنه بالوضوء مع الغسل على الكمال. الدليل الثاني: إن الجنابة والحدث وجدا منه (٥)، وهما عبادتان مختلفتا الصفة والقدر والفروض، فلم يتداخلا فتجب لهما الطهارتان (٦)، كما لو كانا منفردين (٧). نوقش: بأنهما عبادتان من جنس واحد تداخلتا فأجزأت إحداهما عن الأخرى (٨).

стр. 265

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) الآية. وجه الدلالة: أن الله تعالى ذكر فروض الطهارة ولم يذكر منها النية، ولو كانت شرطاً في الطهارة لذكرها (٢). نوقش: بأن النية معلومة بأدلة أخرى صحيحة، ولا يجوز ترك العمل ببعض الأدلة، بل يجب العمل بجميع ما جاء عن الله ورسوله ﷺ . الدليل الثاني: حديث أم سلمة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ يا رسول الله إني امرأة أشد ضَفْرَ (٣) رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: (لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (٤). وجه الدلالة: أنه لم يقتصر على جواب سؤالها، بل زادها بياناً للغسل المجزئ، ولم يذكر النية، فدل على أنها ليست شرطاً (٥). ويناقش: بأنه دليل على أن هذا هو الغسل المجزئ، والنية علمت من أدلة أخرى صحيحة.

стр. 266

أدلة أصحاب القول الثالث: الدليل الأول: قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (١). الدليل الثاني: قوله ﷺ : (لا عمل إلا بنية) (٢). وجه الدلالة من الحديثين: أنه لم ينو بغسله رفع الحدثين وإنما نوى رفع الحدث الأكبر فليس له إلا ما نواه كما هو ظاهر عموم هذا الحديث (٣). نوقش: بأنه إذا نوى رفع الأكبر ارتفع الأصغر تبعاً له، بدليل ما ورد من الإجزاء كما في حديث أم عطية (٤). أدلة أصحاب القول الرابع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الآية (٥) مع قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٦). وجه الدلالة: أن الغسل مجزئ إذ الآية الثانية توضح معنى الآية الأولى وأن المراد بالتطهير: الاغتسال، والاغتسال وحده يكفي إذ الظاهر منهما أن الواجب الغسل دون الوضوء حيث لم يذكر الله شيئاً سوى الغسل (٧). الدليل الثاني: حديث أم سلمة ﵂ في صفة غسل الجنابة –حيث قال لها النبي ﷺ : (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فتطهرين) (٨). الدليل الثالث: حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (في المذي الوضوء، وفي المني الغسل) (٩).

стр. 267

الدليل الرابع: قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش (١) ﵂: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) (٢). وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنه لم يذكر الوضوء في الطهارة الكبرى مما يدل على أنه غير واجب ولو كان واجباً لذكره (٣). الدليل الخامس: قوله ﷺ لأم عطية ومن معها في تغسيل ابنته (٤): (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) (٥). وجه الدلالة: أنه جعل غسل مواضع الوضوء جزءاً من الغسل، لكنه يقدم كما تقدم الميامن، فإن الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر، لأن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة وزيادة، فصار الأصغر جزءاً من الأكبر (٦). الدليل السادس: أنه غسل صحيح نوى به الفرض فأجزأه، كما لو نوى استباحة الصلاة بالتيمم (٧). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الثالث القائل لا يجزئ الغسل عن الوضوء إلا إذا نواهما، لقوة أدلته ووضحها وكونها صريحة في المسألة، وهو اختيار العلامة ابن باز ﵀ (٨) ولقوة تأثير النية في العمل فكيف يغتسل ولا ينوي إلا رفع الجنابة ويقال له ارتفع حدثك الأصغر؟! والأولى أن يتوضأ قبل الغسل لكي يكون مؤدياً لعبادته بيقين، واحتياطاً لنفسه، وإبراء لذمته، وخروجاً من الخلاف، -والله أعلم-.

стр. 268

المسألة الثالثة: الغسل للحجامة (١). اختيار القاضي: اختار القاضي- ﵀، أن الغسل من الحجامة مستحب، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي: -وهو متحدثا عن الأغسال المستحبة-: (ومنها: الغسل للحجامة، على إحدى الروايتين، اختاره القاضي في المجرد) (٢). تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أنه لا يجب الغسل للحجامة (٣)، واختلفوا في استحباب الغسل منها على قولين. الأقوال في المسألة: القول الأول: يستحب الغسل بعد الحجامة. وبه قال: الحنفية (٤)، والشافعي في القديم وهو المذهب عندهم (٥)، ورواية عن الإمام أحمد (٦)، اختارها القاضي كما تقدم. القول الثاني: لا يستحب الغسل بعد الحجامة. وهو مذهب الحنابلة (٧).

стр. 269

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ (كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت) (١). وجه الدلالة: فهذا يدل على أنه يستحب لمن احتجم أن يغتسل، لأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب فيكون الأمر للاستحباب. بأنه حديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة (٢). الدليل الثاني: علي بن أبي طالب ﵁ (أنه كان يحب أن يغتسل من الحجامة) (٣). ويناقش: بأنه معارض بترك غيره من الصحابة، فعن ابن عمر، أنه كان إذا احتجم يغسل أثر محاجمه ويتوضأ ولا يغتسل (٤)، فلا يكون فعل أحدهما حجة على الآخر. الدليل الثالث: من النظر والتعليل قالوا: أولا: أن الحجامة قد يعقبها الضعف بسبب خروج الدم فإذا اغتسل فإنه يستعيد نشاطه (٥). ثانياً: أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم فالاغتسال منه استظهار بالطهارة واستحباب للنظافة (٦). ويناقش: بأن الاستحباب حكم شرعي، يفتقر إلى دليل، ولا دليل صحيح في المسألة.

стр. 270

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ (احتجم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد عن غسل محاجمه) (١). الدليل الثاني: القياس: قالوا لا يستحب لأنه دم خارج أشبه الرعاف (٢). الترجيح: الراجح والله أعلم القول الثاني القائل بعدم استحباب الغسل من الحجامة، لعدم الدليل الصحيح الصريح في استحباب ذلك، ولمناقشة أدلة القول الآخر.

стр. 271

الفصل الرابع اختياراته في باب التيمم . وفيه تمهيد وخمس عشرة مسألة: التمهيد: وفيه تعريف التيمم لغة واصطلاحاً. المسألة الأولى: حكم التيمم قبل الاستنجاء. المسألة الثانية: حكم التسمية في التيمم. المسألة الثالثة: حكم التيمم قبل طلب الماء. المسألة الرابعة: نفخ اليدين عن التراب في التيمم. المسألة الخامسة: حكم التيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة. المسألة السادسة: حكم التيمم إذا خرج الوقت. المسألة السابعة: حكم التيمم في الحضر لعذر. المسألة الثامنة: حكم التيمم لخوف زيادة المرض. المسألة التاسعة: حكم التيمم لخوف فوات الجنازة. المسألة العاشرة: حكم صلاة فاقد الطهورين. المسألة الحادية عشرة: حكم الترتيب والموالاة لمن توضأ وتيمم للجرح. المسألة الثانية عشرة: التيمم لنجاسة على بدنه عجز عن إزالتها. المسألة الثالثة عشرة: حكم تيمم من نوى وصمد للريح فعمه التراب. المسألة الرابعة عشرة: حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه. المسألة الخامسة عشرة: إذا اجتمع حي وميت، ولا يكفي الماء إلا لواحد فمن يأخذه؟

стр. 272

التمهيد: في تعريف التيمم لغةً، واصطلاحاً . التيمم لغةً: أصله القصد والتوخي والتعمد، يقال يممه أي قصده (١). واصطلاحاً: عند الحنفية: القصد إلى الصعيد الطاهر، للتطهير (٢). وعند المالكية: عبادة حكمية، تستباح بها الصلاة (٣). وعند الشافعية: إيصال التراب إلى الوجه، واليدين بدلاً عن الوضوء، و الغسل، أو عضو منهما بشرائط مخصوصة (٤). وعند الحنابلة: استعمال تراب مخصوص، لمسح الوجه، واليدين، على وجه مخصوص (٥). ولعل التعريف المختار القول بأن التيمم هو: التعبد لله باستعمال الصعيد الطيب، بشرائط مخصوصة لمسح الوجه، واليدين، على صفة مخصوصة. وذلك لأنه جامع، مانع. وفيما يلي شرح التعريف: قوله: التعبد لله: للتنبيه على النية. وقوله: استعمال الصعيد الطيب: وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض منها. وقوله: بشرائط مخصوصة: وهي الشروط المبيحة للتيمم. وقوله: على صفة مخصوصة: أي صفة التيمم التي ورد الشرع بها.

стр. 273

المسألة الأولى: حكم التيمم قبل الاستنجاء . المقصود بالمسألة: إذا عدم الماء وجاز له التيمم بشروطه، هل يشترط لصحة تيممه الاستنجاء قبله أو لا يشترط؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ -بطلان التيمم، إذا سبق الاستنجاء، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال الزركشي:- بعد أن نقل الخلاف في المسألة- ( ... واختار القاضي، وأبو البركات، وابن حمدان البطلان في التيمم، لأنه مبيح، ولا استباحة قبل الاستنجاء.) (١)

стр. 274

الأقوال في المسألة: القول الأول: أنه لا يصح. وهو الصحيح من المذهب عند الشافعية (١)، وأحد الاحتمالين عند المالكية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)، وهو اختيار القاضي كما تقدم. أدلة هذا القول: الدليل الأول: فعل النبي ﷺ فقد كان يقدم الاستجمار على الوضوء، كما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين (٤). وجه الدلالة: أن الفاء تدل على الترتيب. وأجيب عنه: أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل يدل على الاستحباب (٥).

стр. 275

الدليل الثاني: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلاً مذاءاً (١) وكنت أستحيي أن أسأل النبي ^ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود ﵁ (٢) فسأله فقال: (يغسل ذكره ويتوضأ) (٣). وجه الدلالة: أنه قدم غسل الذكر على الوضوء، والأصل أن ما قدم فهو الأسبق (٤). ونوقش: أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث في الصحيحين تقديم الوضوء على غسل الذكر بلفظ: (توضأ واغسل ذكرك) (٥) ولفظ: (توضأ وانضح فرجك) (٦)، فظاهرهما التعارض، ويجمع بينهما بأن الواو لا تقتضي الترتيب. الدليل الثالث: أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما تستباح به الصلاة، ولا استباحة قبل الاستنجاء (٧). ونوقش: بعدم التسليم بأن التيمم لا يرفع الحدث، بل هو رافع للحدث حتى يتمكن من استعمال الماء (٨).

стр. 276

القول الثاني: أنه يصح تيممه ولو كان قبل الاستنجاء. وهو الاحتمال الثاني عند المالكية (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). ودليل هذا القول: لأن التيمم طهارة فأشبهت طهارة الوضوء، والمنع من الإباحة لمانع آخر لا يقدح في صحة التيمم، كما لو تيمم في موضع نهي عن الصلاة فيه، أو تيمم من على ثوبه نجاسة أو على بدنه في غير الفرج (٤). ونوقش: أن نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم، فجاز أن يكون بقاؤها مانعا منه، بخلاف سائر النجاسات (٥). الترجيح: الذي يظهر والله أعلم أن الإنسان إذا كان في حال السعة فإننا نأمره أولا بالاستنجاء ثم بالوضوء أوالتيمم، وذلك لفعل النبي ﷺ ، وأما إذا نسي، أو كان جاهلا فإنه لا يجسر الإنسان على إبطال صلاته، أو أمره بإعادة الوضوء والصلاة (٦).

стр. 277

المسألة الثانية: حكم التسمية في التيمم . اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -أن التسمية عند ابتداء التيمم واجبة على الذاكر وتسقط سهواً، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (التسمية واجبة في أصح الروايتين، في طهارة الحدث كلها: الوضوء، والغسل، والتيمم اختارها ... القاضي) (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن التسمية عند ابتداء التيمم سنة. وبه قال: الحنفية (٢)،والمالكية (٣) وهي عندهم من الفضائل لا السنن، والشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥). القول الثاني: أن التسمية عند ابتداء التيمم واجبة على الذاكر دون الناسي. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٦)، وهو ما اختاره القاضي أبو يعلى كما تقدم.

стр. 278

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره) (١). وجه الدلالة: أنه إذا حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال من باب أولى (٢)، ولذا عقد البخاري في صحيحه باباً في ذلك فقال: باب التسمية على كل حال وعند الوقاع. الدليل الثاني: استدلوا بالقياس حيث قالوا: بأن التسمية لما كانت مندوبة عند الوضوء والغسل، كانت مندوبة عند التيمم لأنه بدل عنهما، والبدل له حكم المبدل (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأن التسمية عند ابتداء التيمم واجبة على الذاكر دون الناسي، بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (٤). وجه الدلالة: دل الحديث على وجوب التسمية في الوضوء، والتيمم خلف عنه، فيثبت فيه ما ثبت في الأصل قياساً (٥). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه حديث ضعيف (٦). الوجه الثاني: على فرض صحته أنه محمول على نفي الكمال دون الإجزاء (٧). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن التسمية عند ابتداء التيمم سنة، لقوة ما استدلوا به ولمناقشة أقوال المخالفين.

стр. 279

المسألة الثالثة: حكم التيمم قبل طلب الماء . المقصود بالمسألة: أن من جاز له التيمم لفقد الماء هل يجب عليه قبل التيمم طلب الماء، حتى يتحقق أن الماء معدوم أو لا يجب عليه الطلب؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ -أن طلب الماء قبل التيمم شرط لصحة التيمم، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت في طلب الماء هل هو شرط في صحة التيمم؟ فنقل صالح وابن منصور أنه شرط، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح) (١). سبب الخلاف: هو اختلافهم في وصف فقد الماء هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء، أم ليس يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده؟ (٢) الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يشترط طلب الماء قبل التيمم، إلا إذا كان يرجو وجوده، أو أخبره مخبر. وهذا هو مذهب الحنفية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤). القول الثاني: يشترط طلب الماء قبل التيمم، فإن تيمم قبل الطلب لم يصح تيممه. وهذا مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 280

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (١) الدليل الثاني: عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (٢). وجه الدلالة: أن الله سبحانه أرشد للتيمم عند فقد الماء، فمن ليس بحضرته ماء، ولا هو عالم به فهو غير واجد له، ولا نفرض عليه طلبه والبحث عنه، لأن فيه إلحاق الزيادة بحكم الآية، وذلك غير جائز (٣)، وكذلك أرشد النبي ﷺ عمران بن حصين للتيمم دون أن يطلب منه البحث عن الماء. أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية (٤). وجه الدلالة: قالوا: دلت الآية على وجوب طلب الماء، لأنه لا يصدق عليه أنه لم يجد الماء إلا بعد الطلب، والبحث (٥). الدليل الثاني: من جهة القياس، فإن التيمم بدل عن طهارة الماء ولا يصح فعل البدل إلا بالعجز عن المبدل، ولا يتحقق العجز إلا بعد البحث والطلب (٦). الترجيح: بعد عرض القولين وأدلتهما يمكننا القول بأن من تحقق عدم الماء فإنه يتيمم من غير طلب، لأن طلبه حينئذ سيكون نوعاً من العبث، وأما من كان لا يتحقق عدم الماء فإنه يلزمه طلبه والبحث عنه، لجواز أن يكون الماء بقربه ولا يعلمه، فالراجح والله أعلم القول الأول القائل بأنه لا يجب عليه طلب الماء إلا إذا غلب على ظنه وجوده أو رأى أمارات تدل عليه، لأنه عادم للماء فجاز له التيمم كما لو طلب، ولأن الأصل عدم طلب الماء ولا أمارة تزيل حكم الأصل فوجب العمل به كاستصحاب الحال (٧).

стр. 281

المسألة الرابعة: نفخ اليدين عن التراب في التيمم . اختيار القاضي: اختار ﵀: عدم كراهية النفخ إذا كان التراب كثيراً، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة كما سيأتي. فقال: (و اختلفت في التيمم إذا علق على يديه تراب كثير هل يكره له نفخ التراب ليخف ما عليها؟ فنقل الميموني كراهية ذلك، ونقل جعفر بن محمد نفي الكراهية، وهو أصح لأن النبي ﷺ نفخ عن يديه التراب، ويمكن أن تحمل كراهيته لذلك إذا كان النفخ يذهب بجميع التراب، ولا يبقي له غبار يمسح به وجهه، فإنه لا يجوز ذلك) (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يشرع النفخ مطلقاً سواء علق به تراب كثير أو قليل. وبه قال: الحنفية (٢)، والمالكية (٣). القول الثاني: التفصيل في ذلك، فإن كان التراب كثيراً نفخ، وإن كان قليلاً لا ينفخ. وبه قال: الشافعية (٤)، والحنابلة ونصوا على كراهة نفخ القليل (٥).

стр. 282

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن عمار بن ياسر (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفخ يديه في التيمم. ونوقش: بأنه علق بيده ﷺ شيء كثير من التراب، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه (٣). ويجاب عنه: بأن هذا مجرد احتمال، و لا يرد به الاستدلال. الدليل الثاني: قالوا: أن التيمم ورد بمسح كفٍ مسه التراب على العضوين، لا تلويثهما بالتراب، وأن في النفض صيانة له عن التلوث بالتغبير الذي يشبه المثله (٤). أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا: أن ابن عمر كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب، ثم مسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين ولا ينفض يديه من التراب (٥). ويناقش: بما سبق من فعله ﷺ . الترجيح: الراجح والله أعلم، هو القول الأول القائل بمشروعية نفخ اليدين في التيمم مطلقاً، لأن النبي ﷺ فعله و لمناقشة أدلة القول الثاني، والله أعلم.

стр. 283

المسألة الخامسة: حكم التيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة . اختيار القاضي: اختار ﵀ -أن من افتتح الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء في أثنائها فإنه يقطعها ويتوضأ بالماء ويستأنف الصلاة، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (واختلفت إذا وجد المتيمم الماء في صلاته، فنقل أبو طالب والمروذي وغيرهما تبطل صلاته ويخرج منها، وهو أصح) (١) تحرير محل النزاع: أجمع العلماء على أن من تيمم لعدم الماء؛ ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة فإن طهارته تنتقض وعليه أن يتوضأ بالماء ثم يصلي (٢). وأجمعوا على أن من تيمم لعدم الماء وصلى؛ ثم وجد الماء بعد خروج الوقت فإنه لا إعادة عليه (٣)، واختلفوا: فيمن افتتح الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء في أثنائها هل يستمر في صلاته أو يقطعها ويتوضأ أو يغتسل بالماء ويستأنف الصلاة؟ الأقوال في المسألة: القول الأول: أنه يقطع الصلاة ويتوضأ، أو يغتسل إذا كان جنباً ويستأنف صلاته، وبهذا قال: الحنيفة (٤) والحنابلة (٥). القول الثاني: أنه لا يقطعها بل يستمر في صلاته ويجزيه التيمم. قال بذلك المالكية (٦) والشافعية (٧) وداود الظاهري (٨)، ورواية عن الإمام أحمد (٩).

стр. 284

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قول النبي ﷺ لأبي ذر: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) (١). وجه الاستدلال من هذا الحديث: أن هذا الحديث يدل بمفهومه: على أنه لا يكون الصعيد طهوراً عند وجود الماء، ويدل بمنطوقه: على وجوب إمساسه جلده عند وجوده (٢)، فإذا وجد الماء في أثناء الصلاة بطل البدل وهو التيمم لوجود الأصل، وإذا بطل البدل بطلت الصلاة؛ لأن صحتها مبنية على التيمم فبطل التيمم لوجود الماء. الدليل الثاني: ولأن من وجد الماء في أثنائها قد قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة (٣)، فالتيمم يبطل بوجود الماء قبل الدخول في الصلاة، ويكون المتيمم في حكم من ليس على طهارة بوجود الماء قبل دخوله في الصلاة فكذلك إذا دخل في الصلاة؛ لأنه لما لم يجز له أن يبتدئ صلاته بالتيمم مع وجود الماء فكذلك لا يجب له التمادي فيها وهو واجد للماء، وإذا بطل بعض الصلاة بطل جميعها (٤). الدليل الثالث: أن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها (٥). الدليل الرابع: من القياس قالوا: قياساً على المعتدة بالشهور ولا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض فإنها تستقبل عدتها بالحيض، فكذلك المتيمم إذا صلى فيه ثم طرأ عليه الماء وهو في الصلاة (٦)، فإن صلاته تبطل ويخرج منها ليتوضأ أو يغتسل ثم يستأنف صلاته.

стр. 285

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قالوا: إنه لا يجوز له الخروج من الصلاة قياساً على من وجب عليه الصوم في ظهار أو قتل فصام منه أكثره ثم وجد الرقبة أنه لا يلغي صومه ولا يعود إلى الرقبة، فكذلك من دخل في الصلاة بالتيمم لا يقطعها ولا يعود إلى الوضوء بالماء (١). ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق: فإن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين (٢) بخلاف الخروج من الصلاة فإنه أمر ميسر. الدليل الثاني: قالوا: ولأنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن قدرته تتوقف على إبطال الصلاة وهو منهي عن إبطالها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ (٣) (٤). ونوقش: أما قولهم أنه غير قادر على استعمال الماء فغير صحيح، فإن الماء قريب وآلته صحيحة والموانع منتفية، وأما قولهم: أنه منهي عن إبطالها فالجواب أن هذا الإبطال ليس من اختياره، فالصلاة تبطل لأن الطهارة التي صحت بها الصلاة قد بطلت بوجود الماء فلا يصح إلا به (٥).
следующие страницы →