← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 208

اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم

عدنان الرشيدي

Полный текст (366 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الدليل الرابع: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون وغالب أسقيتم الأدم والغالب أنها تغير الماء فلم ينقل عنهم تيمم مع وجود شيء من تلك المياه. (١) الترجيح: والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، القائل بأن هذا الماء المتغير بالطاهر يجوز الوضوء به، لقوة أدلتهم ووضوحها، ولأن اسم الماء باق على الإطلاق، يدل لذلك أنه لم يتجدد له اسم على حده. (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀: (لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما يشق الاحتراز عنه؛ ولا بما لا يشق الاحتراز عنه فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه وهي التي نص عليها في أكثر أجوبته. وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا﴾ (٣) وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٤) نكرة في سياق النفي فيعم كل ما هو ماء لا فرق في ذلك بين نوع ونوع. فإن قيل: إن المتغير لا يدخل في اسم الماء؟. قيل: تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ ولا بين التغير الذي يمكن الاحتراز منه والذي لا يمكن الاحتراز منه فإن الفرق بين هذا وهذا إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى استعمال هذا المتغير دون هذا فأما من جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا فرق بين هذا وهذا) (٥). ثمرة الخلاف: من قال: لا تحصل الطهارة به وأنه طاهر غير مطهر، منهم من قال: إذا لم يجد غيره استعمله وتيمم (٦)، ومن قال: تحصل الطهارة به، قال: يتوضأ به ولا يحتاج إلى تيمم.

стр. 72

المسألة العاشرة: حكم الماء الذي يمكن نزحه إذا وقع فيه بول الآدمي أو عذرته ولم يتغير . المقصود بالمسألة: أن يخالط الماء الكثير، نجاسة آدمي -بوله، أو عذرته- ولم يتغير الماء بها، ولا يشق نزحها فما حكم هذا الماء؟ اختار القاضي-﵀: أن الماء في هذه الحالة نجس، مخالفاً في اختياره المذهب عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال- ﵀: (مسألة: واختلفت في الماء إذا كان يمكن نزحه فوقع فيه بول الآدميين أو عذرتهم المائعة، فنقل الجماعة منهم أبو طالب أنه ينجس، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح). (١) تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على أن الماء الكثير إذا خالطته نجاسة الآدمي، فلم تغيره، ويشق نزحه أنه طهور (٢) واختلفوا في الماء الكثير إذا خالطته نجاسة الآدمي، فلم تغيره، ولا يشق نزحه على قولين: القول الأول: أن الماء لا ينجس في تلك الحالة. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها أكثر المتأخرين وهي المذهب (٦). القول الثاني: أن الماء ينجس في هذه الحالة. وهي رواية عن الإمام أحمد (٧)، اختارها أكثر المتقدمين (٨) ونص المرداوي ﵀ -أنها من مفردات المذهب (٩).

стр. 73

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا كان الماء قلتين لم ينجس) وفي رواية: (لم يحمل الخبث) (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن الماء إذا بلغ قلتين، لا ينجس، ولا يحمل الخبث، وهذا عام في جميع الأنجاس، فيشمل بول الآدمي، وعذرته، ولا دليل على استثنائها من عموم الحديث (٢). نوقش: أن بول الآدمي مستثنى، بما سيأتي من حديث النهي عن البول في الماء، وحينئذ يجمع بين الحديثين، بحمل حديث القلتين على سائر النجاسات، عدا بول الآدمي وعذرته، لأنه حديث خاص، والخاص مقدم على العام، فيكون المعنى لم يحمل الخبث إلا بول الآدميين (٣). ويجاب عنه: أن حديث النهي عن البول في الماء، ليس فيه دلالة قطعية على نجاسة الماء (٤)، بخلاف حديث القلتين، فإن دلالته على نفي النجاسة قطعية، بدليل ما سبق من الإجماع على نفي نجاسة الماء الكثير ما لم يتغير، وما كانت دلالته قطعية، يقدم على مالم تكن دلالته كذلك. الدليل الثاني: أن بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب، وهو لا ينجس القلتين، فبول الآدمي وعذرته أولى، أن لا ينجس الماء الكثير بهما ما دام لم يتغير (٥).

стр. 74

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه) (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم، والنهي هنا خاص ببول الآدمي دون غيره من النجاسات وألحق به الغائط لأنه أفحش منه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وذلك لأن النجاسة تفسد الماء، وهذا عام؛ لكن عفي عما يشق نزحه من أجل المشقة. (٢) ونوقش: لا يسلم بأن النهي للتحريم أو لتنجيس الماء؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل هو للكراهة التنزيهية (٣). الدليل الثاني: ماروي أن علياً ﵁ سئل عن (صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها) (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الأثر لا تعرف صحته، ومن ذكره لم يعزه إلى شيء من كتب التخريج المعتمده. الوجه الثاني: على فرض ثبوته يحتمل أنه ﵁ أمر بنزحها لأجل الاستقذار وتطيباً للنفوس، لا لأنها تنجست بسب البول فيها (٥). الترجيح: بالتأمل في أدلة القولين، يظهر والله أعلم أن القول الأول القائل بأن الماء لا ينجس أرجح، لقوة ما استدلوا به، ولمناقشة القول الثاني، وعدم نهوضها لمعارضة أدلة القول الأول، والله أعلم.

стр. 75

المسألة الحادية عشرة: حكم الباقي من الماء الكثير إذا تغير بعضه بنجاسة . المقصود بالمسألة: لو كان عند الإنسان إناء فيه ماء بلغ أكثر من قلتين فوقع في جانب منه نجاسة فتغير بها، وبعض الماء لم يتغير، فما حكم هذا الذي لم يتغير؟ اختيار القاضي: اختار القاضي- ﵀، أن الباقي الذي لم يتغير طهور ولو كان قليلاً، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (لو تغير بعض الكثير بنجاسة: فباقيه طهور إن كان كثيرا على الصحيح من المذهب ... وقيل: الباقي طهور وإن قل، ذكره في الرعاية، قلت: اختاره القاضي) (١). تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن الماء المتغير بالنجاسة نجس قل أو كثر، واختلفوا في القليل يلاقي النجاسة ولم يتغير بها (٢).

стр. 76

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: التفصيل إن كان الباقي كثير غير متغير فطهور، وإن كان الباقي قليل فهو نجس وإن لم يتغير. وبه قال: الحنفية (١)، الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: أن الباقي من الماء إذا كان غير متغير فطهور، قل أو كثر. وهو قول الظاهرية (٤)، ومذهب المالكية (٥)،ووجه عند الحنابلة (٦)، اختاره القاضي كما تقدم. القول الثالث: أن الباقي من الماء المتغير بالنجاسة نجس سواء كان هذا الباقي قليلاً أو كثيراً. وقال به: بعض الشافعية (٧)، وبعض الحنابلة (٨).

стр. 77

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء) (١). الدليل الثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) (٢). وجه الدلالة: أن غير المتغير قد بلغ القلتين ولم يتغير، فيدخل في عموم الأحاديث، وأما إن كان قليلاً فقد دل مفهوم الحديث أنه إن كان أقل من قلتين فهو نجس لأنه قليل لا قي نجاسة فينجس (٣). ونوقش: بأن المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ قلتين ينجس (٤). الدليل الثالث: القياس: قالوا: لأنه ماء كثير لم يتغير بالنجاسة، فكان طاهرا، كما لو لم يتغير منه شيء (٥).

стр. 78

أدلة أصحاب القول الثاني: واستدل القائلون بأن الباقي من الماء إذا كان غير متغير طهور، قل أو كثر بأدلة منها: الدليل الأول: حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) (١). وجه الدلالة: أنه صحيح صريح في أن الماء لا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وهو لفظ عام في القليل والكثيير (٢). الدليل الثاني: القياس على القلتين، حيث إنه ماء لاقى نجاسة ولم يظهر عليه إحدى صفاتها فلم ينجس بها كالقلتين (٣).

стр. 79

أدلة أصحاب القول الثالث: واستدل القائلون بأن الباقي من الماء المتغير بالنجاسة نجس سواء كان هذا الباقي قليلاً أو كثيراً، بأدلة منها: الدليل الأول: أن المأخوذ بعض الباقي والباقي نجس فكذلك المأخوذ منه نجس (١). الدليل الثاني: لأنه ماء راكد بعضه نجس، فكان جميعه نجسا، كما لو تقاربت أقطاره؛ ولأن المتغير مائع نجس، فينجس ما يلاقيه، ثم تنجس بذلك ما يلاقيه إلى آخره (٢). ونوقش: بأنه ماء كثير لم يتغير بالنجاسة، فكان طاهرا، كما لو لم يتغير منه شيء؛ ولأن العلة في نجاسة الماء الكثير التغير فقط، فيختص التنجيس بمحل العلة (٣). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الثاني القائل بأن الماء الباقي إن كان غير متغير بالنجاسة فهو طهور قل أو كثر، ذلك لأن الخبيث متميز عن الطيب بصفاته فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيب دون الخبيث، وجب دخوله في الحلال دون الحرام (٤).

стр. 80

المسألة الثانية عشرة: حكم اشتباه الماء الطاهر بالنجس . المقصود بالمسألة: أنه إذا كان معه إناءان أو أكثر أحدهما: نجس لا يعرفه بعينه وليس فيه أثر للنجاسة ولم يتغير منه لون ولا طعم ولا رائحة، والآخر: طاهر، ولم يستطع التمييز بينهما، ولم يكن عنده ماء غيرهما- إذ لو كان عنده ماء غير هما وجب عليه العدول عنهما إلى ما تيقن طهارته (١) - فهل يتحرى (٢) بينهما أو يتركهما ويصير إلى التيمم؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ أنه إذا اشتبه الطاهر بالنجس، أنه يتحرى إذا كان عدد الطاهر كثيراً عرفاً، مخالفاً المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (إذا قلنا يتحرى إذا كثر عدد الطاهر، فهل يكفي مطلق الزيادة ولو بواحد، أو لا بد من الكثرة عرفا ...... وقدم في الرعايتين والحاوي الكبير. العرف، واختاره القاضي في التعليق، فقال: يجب أن يعتبر بما كثر عادة وعرفا). (٣)

стр. 81

الأقوال في هذه المسألة: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز التحري؛ بل يسقط استعمال الماء، ويتيمم. وبهذا قال: الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، ورواية عند المالكية (٣). القول الثاني: أنه يتوضأ من كل واحد منهما وضوءاً ويصلي به. وقال بهذا بعض المالكية (٤). القول الثالث: القول بالتحري وهو أنه لا تجوز الطهارة بواحد منهما إلا إذا اجتهد وغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر فإن ظنه بغير علامة تظهر لم تجز الطهارة به. وقال بهذا الشافعية في القول الصحيح عندهم (٥).

стр. 82

أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن الحسن بن علي ﵄ أن النبي ﷺ قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (١). وجه الدلالة: أن وجود النجس تريب، فوجب تركه والعدول إلى ما لا ريب فيه وهو التيمم (٢). ونوقش: أن الريبة زالت بغلبة الظن بطهارته، وبقيت الريبة في صحة التيمم مع وجود هذا الماء (٣). الدليل الثاني: قالوا: بأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري (٤)،كما لو اشتبه ماء وبول؛ لأنه لو اجتهد وتحرى لوقع في النجس (٥). وأجيب عن ذلك: بأن الماء يخالف البول من أوجه: الأول: أن الاجتهاد يرد الماء إلى أصله بخلاف البول. الثاني: أن الاشتباه في المياه يكثر فدعت الحاجة إلى الاجتهاد فيها، بخلاف الماء والبول (٦). وأجيب عن ذلك: بأن هذا الماء قد زال عنه أصل الطهارة وصار نجساً فلم يبق للأصل الزائد أثر، على أن البول قد كان ماءً فله أصل في الطهارة كهذا الماء النجس (٧).

стр. 83

أدلة أصحاب القول الثاني: قالوا: لأنه قادر على إسقاط الفرض بيقين باستعماله الإناءين فيلزمه ذلك كما لو اشتبه طاهر بطهور، وكما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها أو اشتبهت عليه الثياب (١). ونوقش: بأن هذا العمل يؤدي إلى أن ينجس الإنسان نفسه قطعاً؛ لأن أحدهما نجس وبالتالي صلاته باطلة إجماعاً (٢)،و أن قياسهم ذلك على اشتباه الطاهر بالطهور قياس مع الفارق، وذلك أن مسألتنا طاهر ونجس، ومثله القياس على نسيان صلاة من يوم لا يعلم عينها قياس مع الفارق أيضاً؛ لأنه يصلي الصلوات تكون إحداها هي التي نسيها، ولكن في مسألتنا يتوضأ بماء نجس فلو كان الوضوء الثاني من الإناء النجس فبطل عمله هذا، أما القياس على اشتباه الثياب فهذه أيضاً مسألة خلافية بين العلماء فلا يقاس عليها.

стр. 84

أدلة القول الثالث: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية. (١) وجه الدلالة: أن من كان عنده إناءان أحدهما نجس فإنه واجد للماء فلم يجز التيمم. ويناقش: بأن هذا الماء في حكم المعدوم لوجود النجس الذي لا يعرف عينه. الدليل الثاني: القياس قالوا: نقيس اشتباه المياه على اشتباه الثياب التي يكون إحداها نجس لا يعرفه بعينه، وقياساً كذلك على الأطعمة والقبلة فإن الإنسان إذا اشتبه عليه أي من هذه الأشياء فإنه يجتهد ويتحرى، فكذلك يجتهد ويتحرى عندما تشتبه عليه المياه (٢). ونوقش: بأن الثياب يجوز الاجتهاد فيها؛ لأنها أخف حكماً بدليل أنه يعفى عن النجاسة اليسيرة فيها (٣). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الثالث القائل بوجوب التحري والعمل به؛ لأن هذه المسألة أغلب الأدلة فيها هي القياس على الأشياء المشابهة لهذه المسألة مثل الاشتباه بالقبلة وبالثياب ونحو ذلك؛ لذلك على المسلم أن يجتهد رأيه ويتحرى أيهما الطاهر من النجس ثم يتوضأ بالذي يغلب على ظنه أنه الطاهر، لعموم قوله ﷺ : (فليتحر الصواب) (٤).

стр. 85

اختياراته في باب الآنية وفيه تمهيد و أربع مسائل. المسألة الأولى: حكم اليسير من الفضة لغير حاجه. المسألة الثانية: جلد الميتة المدبوغ. المسألة الثالثة: حكم لبن الميتة وإنفحتها. المسألة الرابعة: حكم عظم الميتة.

стр. 86

التمهيد: في تعريف الآنية لغةً، واصطلاحاً . الآنية لغةً: جمع إناء، وهو الوعاء (١). واصطلاحاً: لا يختلف معناها الاصطلاحي عن اللغوي، فهي الأوعية لغةً، واصطلاحاً، وسبب ذكرها في كتاب الطهارة، أن الماء جوهر سيال لا يمكن حفظه إلا في إناء (٢).

стр. 87

المسألة الأولى: حكم اليسير من الفضة في الإناء لغير حاجة (١). اختيار القاضي: اختار ﵀ -جواز اليسير من الفضة في الإناء لغير حاجة، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي. قال المرداوي ﵀ (لا تباح اليسيرة-أي من الفضة- لزينة في الأظهر، وقيل: لا يحرم، اختاره جماعة من الأصحاب ... منهم القاضي) (٢). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على تحريم الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة للرجال والنساء على حد سواء (٣) واختلفوا في حكم استعمال اليسير من الفضة في الإناء لغير حاجة.

стр. 88

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز اليسير من الفضة ولو كان لغير حاجة. وبه قال: الحنفية (١)،وهو وجه في مذهب الإمام أحمد (٢)، اختاره القاضي كما تقدم. القول الثاني: لا يجوز اليسير من الفضة لغير حاجة. وبه قال: المالكية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثالث: يكره اليسير من الفضة لغير حاجة. وهو أصح الأوجه عند الشافعية (٥).

стр. 89

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن أنس بن مالك (١) ﵁ (أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب (٢) سلسلة (٣) من فضة) (٤). ويناقش: أن الدليل خارج موطن النزاع، فهو يدل على جواز الفضة في الحاجة، ولا دلالة فيه على جوازها من غير حاجة. الدليل الثاني: عن أم عطية قالت: (نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الذهب، وتفضيض (٥) الأقداح، فكلمه النساء في لبس الذهب، فأبى علينا، ورخص لنا في تفضيض الأقداح) (٦). ونوقش: بأنه حديث ضعيف. الدليل الثالث: قالوا: أن استعمال اليسير من الفضة جائز؛ لأنه إناء جاورته فضة فجاز استعماله كما لو أخذ إناءً بكفه وفيها خاتم، ولأنه ليس إناء فضة (٧). نوقش: بعدم التسليم بذلك، بل هو إناء فيه فضة من غير حاجة على أنهما لو استويا لكان تغليب الحظر أولى (٨). الدليل الرابع: قالوا: أن الفضة تابعة للإناء فأشبه الثوب المعلم، وما كان سواه من حرير ولحمته قطن، والتابع له حكم المتبوع (٩). ونوقش: أن هذا غير مسلم، لأنه ليس لأحد أن يجعل الفضة تابعة لغيرها في الإباحة ولا لغيره أن يجعل غير الفضة تابعة للفضة في التحريم، ثم هناك فرق بين الثوب المنسوج من الحرير وغيره، وبين الإناء الذي فيه شيء من الفضة؛ ذلك أن الحرير مباح لجنس من الناس وهو النساء فجاز أن يعفى عن يسيره مع غيره، وأواني الفضة لم يأت الشرع بإباحته لأحد فلم يعف عنه مع غيره (١٠).

стр. 90

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عبد الله بن عمر أن رسول الله ﵃ قال: (من شرب من إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم) (١). وجه الدلالة: أنه نص صريح في تحريم الإناء الذي فيه شيء من الفضة. الدليل الثاني: أن الخبر (حديث أنس) إنما ورد في تشعيب القدح في موضع الكسر، وهو لحاجة، فيبقى ماعدا ذلك على عمومه (٢). الدليل الثالث: عن عمرة (٣) أنها قالت: (أبت عائشة حتى ماتت أن ترخص لنا في تفضيض الإناء) (٤). الدليل الرابع: أن آنية الفضة لم تستبح لأحد، فيبقى تحريمها على عمومه إلا ما استثناه النص وهو ما كان يسيراً لحاجة (٥). أدلة أصحاب القول الثالث: استدل القائلون بكراهة اليسير من الفضة لغير حاجة، بأن النهي في الأحاديث محمول على الكثير فأما اليسير فلا يحرم لقلته قياساً على الضبة لحاجة، ويكره لأنه من فضة لغير حاجة جمعاً بين أدلة الفريقين (٦). الترجيح: الراجح والله أعلم القول الثاني القائل بتحريم اليسير من الفضة لغير حاجة، للأحاديث الكثيرة الصحيحة في تحريم آنية الذهب والفضة فتعم القليل والكثير، فلا يستثنى منها إلا اليسير من الفضة لحاجة لحديث أنس المتقدم فيبقى ماعداه على الأصل (٧).

стр. 91

المسألة الثانية: جلد الميتة المدبوغ . المقصود بالمسألة: هل يطهر جلد الميتة بالدباغ (١) أو لا يطهر؟ اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀، أن جلد الميتة لا يطهر ولو دبغ، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (جلود الميتة لا تطهر بالدباغ) (٢). تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على إباحة جلد الحيوان المذكى إذا كان مأكول اللحم (٣)، واختلفوا في حكم جلد الميتة بعد دبغه، هل يطهر بذلك أو لا؟ سبب الخلاف: سببه اختلافهم في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض في المسألة، وتنازعهم في معنى الإهاب لغة، وهل الدباغ كالحياة أو كالذكاة (٤)، كما سيأتي.

стр. 92

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على خمسة أقوال: القول الأول: لا يطهر جلد الميتة مطلقاً، دبغ أولم يدبغ. وبه قال: المالكية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: يطهر بالدباغ كل جلد. إلا الخنزير عند الحنفية (٣)، واستثنى الشافعية الكلب والخنزير (٤). القول الثالث: يطهر بالدباغ جلد كل ميتة مطلقاً. وبه قال: الظاهرية (٥)، وبعض الحنفية (٦). القول الرابع: يطهر بالدباغ جلد ميتة ما كان طاهراً في الحياة سواء كان مأكولاً كالشاة، أو غير مأكول كالهرة. وهو رواية عن الإمام أحمد (٧). القول الخامس: لا يطهر بالدباغ من جلود الميتات، إلا جلد مأكول اللحم. وبه قال: الإمام أحمد في رواية (٨)، اختارها ابن تيمية (٩).

стр. 93

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا على أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ بما يأتي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله حرم الميتة في كتابة تحريماً عاماً، ويعم ذلك الجلد وغيره قبل الدبغ وبعده (٢). نوقش: أن المراد من تحريم الميتة تحريم أكلها لقوله ﷺ : (إنما حرم من الميتة أكلها) (٣). الدليل الثاني: عن عبدالله بن عكيم (٤) ﵁ قال: (كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (٥). ونوقش: بأن الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة (٦). وأجابوا عن ذلك: بأن هناك من الأئمة من صححه (٧). ونوقش أيضاً: بأنه على فرض صحته يجوز أن يكون أراد بذلك ما دام ميتة غير مدبوغ، فإنه كان يسأل عن الانتفاع بشحم الميتة فيجيب الذي يسأله بمثل هذا (٨).

стр. 94

الدليل الثالث: أن العلة في نجاسة الميتة هو الموت، والموت لا يزول بالدبغ (١). ونوقش: بعدم التسليم بأن الموت هو المنجس لعينه، وإنما لمعنى فيه، وهو أن بالموت تحجز الرطوبات النجسة في الجلد و بالدباغ تزول هذه الرطوبات فيعود الجلد لحالته الأولى (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا على أن جلد الميتة يطهر بالدباغ بالأدلة السابقة، واستثنوا جلد الكلب و الخنزير، لأمرين الأول: لأن جلدهما نجس العين ولا يحتمل الدباغة (٣). الثاني: أن الحياة أقوى من الدباغ، فإذا كانت الحياة لا تطهرهما لنجاستهما في الحياة، فكذلك الدباغ لا يطهر جلدهما من باب أولى (٤).

стр. 95

أدلة أصحاب القول الثالث: استدل القائلون بطهارة كل جلد دبغ مطلقاً بما يأتي: الدليل الأول: ما رواه ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول ﷺ يقول: (أيما إيهاب دبغ فقد طهر) (١). الدليل الثاني: عبد الله ابن عباس ﵄ أنه قال: مر رسول الله ﷺ بشاة ميتة، فقال: (هلا استمتعتم بإهابها قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال رسول الله ﷺ : إنما حرم أكلها) (٢). وجه الدلالة: أنهما نصان صريحان في طهارة جلد الميتة بالدباغ. ونوقش: بأن الحديث الأول ضعيف ضعفه الإمام أحمد (٣)، والضعيف لا تقوم به حجة، والحديث الثاني محمول على جلد مأكول اللحم لا جلد كل ميتة (٤).

стр. 96

أدلة أصحاب القول الرابع: استدل القائلون: أن الدباغ يطهر جلد ميتة ما كان طاهراً في الحياة سواء كان مأكولاً كالشاة، أو لا كالهرة، بما يلي: الدليل الأول: عن ابن عباس، قال: (أراد النبي ﷺ أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة، فقال: دباغه يذهب بخبثه، أو نجسه، أو رجسه) (١). وجه الدلالة: أنه لما ذهب بخبثه ونجسه عاد إلى حالته الأولى، فيطهر ما كان طاهراً في الحياة دون ما كان نجساً حال الحياة (٢). الدليل الثاني: ما رواه ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول ﷺ يقول: (أيما إيهاب دبغ فقد طهر) (٣). وجه الدلالة: أن الحديث عام يتناول المأكول وغيره وخرج منه ما كان نجسا في الحياة؛ لكون الدبغ إنما يؤثر في دفع نجاسة حادثة بالموت، فيبقى فيما عداه على قضية العموم (٤).

стр. 97

أدلة أصحاب القول الخامس: استدل القائلون: أن الدباغ يطهر جلد مأكول اللحم فقط بالإضافة لما سبق من الأدلة، بما يلي: الدليل الأول: عن سلمة بن المحبق (١) ﵁ أن ﷺ أتى على بيت قدامه قربة معلقة، فسأل النبي ﷺ الشراب فقالوا: إنها ميتة. فقال: (ذكاتها دباغها) (٢). وجه الدلالة: أن في قصة الحديث دلالة على أنه في جلد ما يؤكل لحمه (٣). الدليل الثاني: عن أبي المَلِيح (٤) بن أسامة (٥) عن أبيه أن رسول الله ﷺ (نهى عن جلود السباع) (٦). وجه الدلالة: أن الحديث دل على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع، ويقاس عليها غير مأكول اللحم (٧). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأخير فلا يطهر بالدباغ إلا جلد ميتة مأكول اللحم، لأن فيه جمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، وبه يتحقق العمل بجميع النصوص.

стр. 98

المسألة الثالثة: حكم لبن الميتة وإنفحتها (١). المقصود بذلك: حكم لبن الميتة وإنفحتها من حيث الطهارة والنجاسة. اختيار القاضي: اختار ﵀ -نجاسة لبن الميتة وإنفحتها، موافقاً في اختياره المشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (أنفحة الميتة، واللبن في ضرعها بعد موتها نجس في أصح الروايتين ... وجه الرواية الأولى وهي أصح قوله ﷺ لا تنتفعوا من الميتة بشيء) (٢). الأقوال في المسألة: اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: أنهما طاهران. وبه قال: أبو حنيفة (٣)، وداود الظاهري (٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٥). القول الثاني: أنهما نجسان. وبه قال المالكية (٦)، والشافعية (٧)، وأحمد في أشهر الروايتين عنه وهي المذهب (٨)، وهي ما اختاره القاضي كما تقدم.

стр. 99

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ (١). وجه الدلالة: أن إخباره سبحانه، بخروجه من بين فرث ودم، وهما نجسان مع الحكم بطهارته، ولم تكن مجاورته لهما موجبة لتنجيسه; لأنه موضع الخلقة، كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب تنجيسه (٢). الدليل الثاني: ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: (اللبن لا يموت) (٣). ونوقش: أن ما روي عن عمر ﵁ فقد فسره الأوزاعي (٤) بقوله: إنما ذلك إذا ماتت المرأة وفي ثدييها لبن فسقي من ذلك اللبن صبي فيحرم كما يحرم في الحياة، ليس كما يقولون إذا ماتت الشاة وفي ضرعها لبن (٥).

стр. 100

الدليل الثالث: فعل الصحابة ﵃، حيث أنهم لما فتحوا بلاد المجوس أكلوا من جبنهم، ومعلوم أن الجبن إنما يصنع من إنفحة ذبائحهم، وهي حرام نجسة لا تحل (١). ومما يؤيد ذلك أن الصحابي الجليل سلمان الفارسي (٢) ﵁، لما كان نائباً على المدائن يدعو الفرس للإسلام سئل عن شيئ من الجبن فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) (٣). وجه الدلالة: أنه من المعلوم لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب لأن ذبائحهم حلال، فكذلك جبنهم، وإنما كان السؤال عن جبن المجوس، فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي بحلها (٤). ونوقش: أن مايقع من الإنفحة في اللبن المجبن يسير، واليسير معفو عنه (٥). الدليل الرابع: أن اللبن لا يموت ولا يحرمه موت الشاة (٦). ونوقش: بأنه غير مسلم فإنه نجس لكونه في وعاء نجس (٧).

стр. 101

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١). وجه الدلالة: أنها عامة في تحريم الميتة واللبن والإنفحة جزء من الميتة فكانت محرمة (٢). ونوقش: بأنه إنما نجست الميتة بالموت أو احتباس الرطوبات والدماء، واللبن منفصل من قبل الموت ومن بعده، فلا يدخل في عموم التحريم كالشعر والصوف (٣). الدليل الثاني: أنه مائع في وعاء نجس، فكان نجسا، كما لو حلب في وعاء نجس (٤). ونوقش: بعدم التسليم بأن المائع ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، بل الراجح أن المائعات لا تنجس إلا بالتغير (٥). الدليل الثالث: أنه لو أصاب الميتة بعد فصله عنها لكان نجساً، فكذلك قبل فصله (٦). ونوقش: بأن الملاقاة في الباطن لا حكم لها (٧)، ولهذا يجوز حمل الصبي مع مافي بطنه (٨). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الثاني، فيحرم لبن الميتة وإنفحتها، لعموم الآية، إلا ماستثناه الدليل من طهارة جلدها بعد الدبغ؛ فيبقى سائر أجزائها على عموم التحريم ولهذا لما قيل لابن عمر ﵁: إنا نخاف أن يجبن الجبن بإنفحة الميتة، قال: (ما علمت أنه ميتة فلا تأكله) (٩).

стр. 102

المسألة الرابعة: حكم عظم الميتة . المقصود بالمسألة: حكم عظم الميتة من حيث الطهارة والنجاسة. اختيار القاضي: اختار ﵀ -نجاسة عظم الميتة موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال في المسألة. فقال ﵀: (وعظم الميتة نجس) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على طهارة عظام ما لا ينجس بالموت كالسمك (٢)،وإنما اختلفوا في عظام الميتة إذا كانت مما ينجس بالموت كبهيمة الأنعام. سبب الخلاف: السبب هو اختلافهم فيما ينطلق عليه اسم الحياة من أفعال الأعضاء، فمن رأى أن النمو والتغذي هو من أفعال الحياة قال: إن العظام إذا فقدت النمو والتغذي فهي ميتة، ومن رأى أنه لا ينطلق اسم الحياة إلا على الحس قال: العظام ليست بميتة؛ لأنها لا حس لها (٣).

стр. 103

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن عظام الميتة طاهرة. وبه قال: الحنفية (١)، ومالك في رواية (٢)، وأحمد في رواية (٣)، اختارها ابن تيمية (٤). القول الثاني: أن عظام الميتة نجسة. وبه قال: المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 104

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: مارواه ثوبان (١) ﵁ أن رسول ﵃ قال: (يا ثوبان اشتر لفاطمة (٢) قلادة من عصب (٣)، وسوارين من عاج (٤)) (٥). الدليل الثاني: عن أنس قال: (رأيت رسول الله ﷺ يمتشط بمشط من عاج) (٦). ونوقش: أنهما حديثان ضعيفان فلا حجة فيهما. الدليل الثالث: ما قاله الزهري (٧) ﵀ -في عظام الموتى من الفيل وغيره: (أدركت ناساً من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأساً) (٨). ونوقش: بأن بعض السلف كرهوا عظام الفيل والعاج، والا متشاط بذلك لأنها ميتة (٩)، وإذا اختلف السلف لم يجز المصير لقول أحدهم إلا بدليل.

стр. 105

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١). وجه الدلالة: أن العظام جزء من الميتة فيكون حراما (٢). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ (٣). وجه الدلالة: أن العظم يحيا بحياة الحيوان ويموت بموته، فدل على أن العظم من الميتة فيكون نجساً مثلها (٤). الدليل الثالث: حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) (٥). وجه الدلالة: أن (شيء) نكرة في سياق النهي فتعم كل أجزاء الميتة (٦). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأخير القائل بنجاسة عظام الميتة، لقوة أدلتهم ولضعف ما استدل به المخالفون لهم.

стр. 106

اختياراته في باب الاستنجاء . وفيه تمهيد وسبع مسائل. التمهيد في تعريف الاستنجاء لغةً، واصطلاحاً. المسألة الأولى: حكم اللبث فوق الحاجة. المسألة الثانية: حكم تطهير باطن فرج الثيب. المسألة الثالثة: حكم الاستجمار بغير الأحجار. المسألة الرابعة: حكم الاستجمار بشعب الحجر الواحد. المسألة الخامسة: الاستجمار في الصفحتين والحشفة. المسألة السادسة: حكم الاستجمار لو انسد المخرج وانفتح غيره. المسألة السابعة: حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة.

стр. 107

التمهيد: في تعريف الاستنجاء لغة، وشرعاً . الاستنجاء لغةً: بمعنى القطع، لقطعه العذرة بالماء، وقيل: مأخوذ من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض، كأنه يطلبها ليجلس تحتها (١). والاستنجاء شرعاً: اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه، وكلها تلتقي على أن الاستنجاء إزالة ما يخرج من السبيلين، سواء بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما قرب منه (٢).

стр. 108

المسألة الأولى: حكم اللبث فوق الحاجة . اختيار القاضي: اختار ﵀ أن اللبث فوق الحاجة مكروه، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي. قال المرداوي ﵀ (قوله ولا يلبث فوق حاجته، يحتمل الكراهة وهو رواية عن أحمد وجزم به في الفصول، ... واختاره القاضي) (١) الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يستحب ألا يطيل القعود فوق الحاجة. وبه قال: الحنفية (٢). القول الثاني: أن اللبث فوق الحاجة مكروه. وهو مذهب الشافعية (٣)، و رواية عن الإمام أحمد (٤)، اختارها القاضي أبو يعلى كما تقدم. القول الثالث: القعود فوق الحاجة في الخلاء محرم. وبه قال: الحنابلة في المشهور من المذهب (٥).

стр. 109

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن زيد بن أرقم (١) عن رسول الله ﷺ قال: (إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث) (٢). وجه الدلالة: أن هذه الأماكن تحضرها الشياطين ويهجر فيها ذكر الله فلا ينبغي إطالة المكث فيها (٣). الدليل الثاني: أن في البقاء في الحمام فترة طويلة من غير حاجة كشف للعورة من غير مبرر (٤). الدليل الثالث: أن هذا القعود الطويل يورث الباسور، ووجع الكبد (٥). أدلة أصحاب القول الثاني: أما أصحاب القول الثاني القائلين بالكراهة، فاستدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول، وقالوا: أن هذه الأدلة لا تقل على أن يقال أن هذا الأمر مكروه (٦).

стр. 110

أدلة أصحاب القول الثالث: (القائلين بالتحريم). استدلوا بما سبق من أدلة، غير أنهم حملوها على التحريم، واستدلوا أيضاً بحديث بهز بن حكيم (١) عن أبيه، عن جده قال: قلت: (يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك) قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: (إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها) قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: (الله أحق أن يستحيا منه من الناس) (٢). وجه الدلالة: ظاهر الحديث أن التعري في الخلوة لغير حاجة غير جائز (٣). ويناقش: أن المنع من الكشف للنظر، وليس في الخلوة من ينظر، فلم يجب الستر، ثم إن إطالة اللبث تبع لأمر مباح، بخلاف من فعل ذلك ابتداءاً من غير حاجة. الترجيح: الراجح والله أعلم، أنه إذا ثبت أنه يورث بعض المرض فيحرم، لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) (٤)، ومرجع ذلك إلى الطب، فإن ثبت في ذلك ضرر فإنه يحرم، أما إذا لم يثبت ذلك فالراجح هو القول الثاني القائل بالكرهة خاصة إذا لم تكن هناك حاجة للمكوث كالغسل والخلاء وغير ذلك، فإنه ينهى عن كشف السوءة لغير حاجة، فيقتصر على مقدار الحاجة ولهذا كره العلماء للمتخلي أن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (٥).
следующие страницы →