(وهذا) إذا أخذ العسل من أرض عشرية، وإن أخذ من أرض خراج فلا تجب فيه زكاة عند الحنفيين، لأنه قد وجب على مالكها الخراج بزرعها فلا يجب فيها حق آخر لأجلها. وأرض العشر لم يجب في ذمته حق عنها، فلذا وجبت الزكاة فيما يكون منها. وقد تقدم أن محققي الحنفيين يرون أنه لا مانع من الجمع بين الخراج وغيره. وسوى الإمام أحمد بين الأرضين في ذلك.
(هذا) وهل للعسل نصاب؟ فيه خلاف (فقال) النعمان: لا نصاب له فتجب الزكاة في قليله وكثيره لإطلاق الأحاديث (وقال) أبو يوسف: لا زكاة فيه حتى يبلغ عشر قرب كل قربة خمسون رطلا عراقيا (١) (لحديث) عبد الله بن عمرو أن بني شبابة كانوا يؤدون إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن نحل كان لهم العشر من كل عشر قرب قربة" أخرجه الطبراني وأخرج نحوه أبو داود والبيهقي (٢). ﴿١١٢﴾
(وقال) محمد بن الحسن: لا زكاة في العسل حتى يبلغ خمسة أفراق كل فرق ستة وثلاثون رطلا عراقيا (وقال) أحمد والزهري: لا زكاة فيه حتى يبلغ
стр. 2907
عشرة أفراق (لما روى) عن عمر أن أناسا قالوا له: إن رسول الله ﷺ قطع لنا واديا باليمن فيه خلايا من نحل وإنا نجد ناسا يسرقونها، فقال عمر: إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقا حميناها لكم" أخرجه الجوزجاني (١). قالوا: هذا تقدير من عمر ﵁، فيتعين المصير إليه. (ورد) بأنه لم يقم دليل على اعتبار النصاب في العسل. وغاية ما في حديث القرب أنه كان أداؤهم من كل عشر قرب قربة وهو فرع بلوغ عسلهم هذا المبلغ. أما النفي عما هو أقل من عشر قرب فلا دليل عليه (٢) ويقال مثله في أثر الأفراق.
(وقال) مالك والشافعي والثورى: لا زكاة في العسل قل أو كثر. وروى عن ابن عمر وعلي والجمهور لأنه مائع خارج من حيوان فأشبه اللبن، (ولقول) عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: جاء كتاب من عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمعنى: أن لا تأخذ من العسل ولا من الخيل صدقة. أخرجه مالك والشافعي والبيهقي (٣).
(وقال) يحيى بن آدم: حدثنا حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁ قال: ليس في العسل زكاة. قال يحيى: وسئل حسن ابن صالح عن العسل فلم ير فيه شيئا، وذكر عن معاذ أنه لم يأخذ من العسل شيئا. أخرجه البيهقي (٤).
(وأجابوا) عن الأحاديث السابقة:
(أ) بأنها ضعيفة لا تقوم بها حجة.
(ب) وبأن هلالا المتعانى تطوع بما دفعه.
стр. 2908
(روى) صالح بن دينار أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه أن يأخذ من العسل صدقة إلا إن كان النبي ﷺ أخذها، فجمع عثمان أهل العسل فشهدوا "أن هلال بن سعد جاء إلى النبي ﷺ بعسل، فقال: ما هذا؟ فقال: هدية. فأكل النبي ﷺ . ثم جاء مرة أخرى فقال: ما هذا؟ فقال: صدقة. فأمر النبي ﷺ بأخذها ورفعها ولم يذكر عند ذلك عشورا ولا نصف عشور إلا أنه أخذها" فكتب عثمان بن محمد بذلك إلى عمر بن عبد العزيز قال: فكنا نأخذ ما أعطونا من شئ ولا نسأل عشورا ولا شيئا فما أعطونا أخذنا. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (قال) الحافظ: لفن إسناد الأول أقوى إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب (١).
(وقال) ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع. فلا زكاة فيه، وهو قول الجمهور (٢). (هذا) وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح حديث ابن عمر أن النبي ﵊ قال في العسل: في كل عشرة أزق زق. أخرجه التمذي وقال: في إسناده مقال ولا يصح في هذا الباب كبير شيء. والطبراني في الأوسط والبيهقي وقال: تفرد به صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف (٣). ﴿١١٣﴾
стр. 2909
ومما تقدم يعلم أن الصحيح القول بعدم وجوب الزكاة في العسل. (قال) أبو الطيب صديق بن حسن: ولم يكن من العادة النبوية أخذ الزكاة من الخيل والرقيق والبغال والحمير والبقول والبطيخ والخيار والعسل والفواكه التي لا تدخل المكيال ولا تصلح للادخار إلا الرطب والعنب، فإنه كان يأخذ الزكاة منها لا يفرق بين الرطب واليابس (١).
(هـ) المعدن والركاز
المعدن- بفتح فسكون فكسر- مأخوذ من العدن، وهو الإقامة، ومنه قوله تعالى: "جنات عدن" وعرفا- عند الحنفيين والمالكية والحنبلية- هو ما خلقه الله تعالى في الأرض من ذهب أو فضة أو نحا أو رصاص أو مغرة أو كبريت أو نحوها، كالبلور والعقيق والزرنيخ والنفط (زيت البترول).
(والكنز) مأخوذ من كنز المال إذا جمعه. وعرفا- عند الحنفيين- اسم لمال دفنه بنو آدم في الجاهلية أو الإسلام.
(والركاز) لغة مأخوذ من الركز بمعنى الإثبات. وشرعا- عندهم- اسم لمال ركزه الخالق أو المخلوق في الأرض.
(والركاز) - عند مالك وأحمد- ما يوجد في الأرض أو على وجهها من دفائن الجاهلية ذهبا أو فضة أو غيرهما.
(وقالت) الشافعية: المعدن ما يستخرج من مكان خلقه الله فيه من الذهب والفضة فقط (والركاز) دفين الجاهلية، فهو خاص بالكنز عند مالك والشافعي وأحمد.
(قال) مالك ﵁: الأمر الذي سمعت أهل العلم يقولون: إن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال ولم يتكلف فيه
стр. 2910
نفقة ولا كبير عمل ولا مؤونة. فأما ما طلب بمال وتكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز. وذكره البيهقي (١).
(وقال) الحنفيون: الركاز يعم الكنز والمعدن (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الركاز الذهب الذي ينبت في الأرض" أخرجه أبو يعلي والبيهقي. (وروى) من طريق آخر عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "في الركاز الخمس. قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت" أخرجه البيهقي وقال: تفرد به عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف جدا جرحه أحمد ويحيى بن معين وجماعة (٢). ﴿١١٤﴾
فهذا يدل على أن الركاز هو المعدن.
ثم الكلام هنا ينحصر في سبعة فروع:
(١) المستخج من المعدن: هو ثلاثة أقسام:
(أ) مائع كالقار (الزفت) والنفط (زيت البترول) والملح المائي.
(ب) جامد لا ينطبع بالنار كالجص والنورة، والجواهر كالياقوت والفيروزج والزمرد، وهذان لا زكاة فيهما عند الثلاثة لعدم ما يدل على وجوب الزكاة فيهما.
(وقال) أحمد: فيهما الزكاة لعموم قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض" (٣)، ولأنه معدن من غير جنس الأرض فتتعلق به الزكاة كالأثمان، فيجب في قيمته ربع العشر إذا بلغ نصابا في الحال (٤).
стр. 2911
(جـ) جامد ينطبع ويذوب بالنار كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، وفيه الخمس عند الحنفيين إذا استخرج من أرض خراج أو عشر أو صحراء لقوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة" (١) ولا شك في صدق الغنيمة على هذا المال فإنه كان في أيدي الكفرة، وقد أوجف عليه المسلمون فكان غنيمة (ولحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار، والعجماء جرحها جبار، وفي الركاز الخمس" أخرجه السبعة، وهذا لفظ مسلم (٢). . ﴿١١٥﴾
... والزكاة يعم المعدن والكنز كما قلنا فكان إيجاب الخمس فيه إيجابا فيهما. ولا يتوهم عدم إرادة المعدن بسبب عطف الركاز عليه بعد إفادة أنه جبار، أي هدر لا شيء فيه وإلا لتناقض فإنه الحكم المعلق بالمعدن ليس هو المعلق به في
стр. 2912
ضمن الركاز ليختلف بالسلب والإيجاب، إذ المراد به إهلاكه الأجير الحافز له أو هلاكه به غير مضمون، لا أنه لا شيء فيه نفسه وإلا لم يجب شيء أصلا وهو خلاف المتفق عليه (١).
(وقال) أحمد: تجب الزكاة في كل أنواع المعدن إن بلغ نصابا بنفسه أو قيمته بلا اشتراط حول لعموم قوله تعالى: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) ولقول الشافعي ﵁: أنبأ مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم: أن النبي ﷺ قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية. ومن ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. أخرجه مالك والبيهقي والشافعي وقال: ليس هذا مما يثبت هل الحديث ولو أثبتوه لم تكن فيه رواية عن النبي ﷺ وإلا إقطاعه. فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي ﷺ فيه (٢). (وإنما) لم يعتبر له الحول لحوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار، ولأن النماء يتكامل فيه بالوجود والأخذ فهو كالزرع. إذا ثبت هذا فإنه يشترط إخراج النصاب دفعة واحدة أو دفعات لا يترك العمل بينهن ترك إهمال، فإن أخرج دون النصاب ثم ترك العمل مهملا له ثم أخرج دون النصاب فلا زكاة فيهما، وإن بلغ مجموعهما نصابا لفوات الشرط، وإن بلغ أحدهما نصابا دون الآخر، ركي النصاب وحده، ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه كالأثمان والخارج من الأرض. فأما ترك العمل ليلا وللاستراحة أو لعذر من مرض أو لإصلاح الأداة أو إباق خادم ونحوه، فلا يقطع حكم العمل وإن كان مشتغلا بالعمل فخررج بين المعدنين تراب لا شيء فيه (٣).
стр. 2913
(وقال) مالك والشافعي: تجب الزكاة في معدن الذهب والفضة فقط إذا بلغ نصابا. وإن لم يحل عليه الحول (لحديث) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (ابن عمرو) أن النبي صلى الله عليه ولم قال: "لا زكاة في حجر" أخرجه ابن عدى في الكامل والبيهقي (١). ﴿١١٦﴾
ورواه من طريقين آخرين موقوفا ومرفوعا وقال: رواة هذا الحديث النبى ﷺ أن يذكر له حكما آخر , ذكره بالاسم الآخر وهو الركاز. ولفظ الحديث في صحيح كما تقدم: والبئر جبار , وفي الركاز الخمس , فلو قال: وفيه الخمس لحصل الالتباس بأحتمال عود الضمير إلى البئر (٢).
... (ويؤيده) ما روى عن على رضى الله عنه أنه جعل المعدن ركازا وأوجب فيه الخمس. أخرجه حميد بن زنجويه النسائي (٣).
(٢) مكان المعدن: هو ثلاثة اقسام:
... (الأول) ما يجده المسلم أو الذمى في داره أو ملكه. ولا شئ فيه عند النعمان وأحمد إلا إذا حال عليه الحول وهو نصاب ففيه الزكاة. (وقال) أبو يوسف ومحمد: يجب الخمس في الحال. (وقال) مالك والشافعي: تجب فيه الزكاة في الحال.
... (الثانى) ما يجده فلاوة أو جبل أو موات ففيه الخمس وباقيه للواجد.
... (الثالث) ما يستخرج من البحر , فلا همس ولا زكاة فيه عند النعمان
стр. 2914
ومحمد مالك , وهو المشهور عن أحمد (لقول) أبن عباس رضى الله عنهما:
" ليس في العنبر زكاة انما هو شئ دسرة البحر " أخرجه البيهقي وعلقه البخاري (١). (وقال) جابر: " ليس في العنبر زكاة وانما هو غنبمة لمن أخذه " أخرجه ابن أبى شيبه (٢). (وقال) الشافعي: تجب الزكاة في الذهب والفضة فقط.
(٣) مكان الركاز: هو ثلاثة أقسام:
... (الأول) أن يجده مسلم أو ذمي ولو غير مكلف في موات أو ارض - لا يعلم مالكها - ولو على وجهها أو في طريق غير مسلوك , ففيه الخمس اتفاقا (لقول) ابن عمرو رضى الله عنهما: سئل النبى ﷺ عن اللقطة فقال: " ما كان في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الكاز الخمس " أخرجه النسائي (٣). ﴿١١٧﴾
(الثاني) أن يجده في ملكه المنتقل إليه ولم يعلم انه دفين المسلمين فهو له عند أنى يوسف وهو الأصح عن أحمد , لان الركاز لا يملك بملك الأرض لانه
стр. 2915
مودع فيها وانما يملك بالظهور عليه وواجده قد ظهر عليه فاستحق أنا يملكه , إلا أن ادعى المالك الذى انتقل عنه الملك انه له فالقول قوله, لان يده كانت عليه يبعا لملكه , وأن لم يدعه فهو لواجده (وقال) النعمان ومحمد: هو الأول مالك للأرض أو لورثته أن عرف والا وضع في بيت المال.
... (وقال) الشافعى: هو للمالك قبل أن اعترف به , والا فهو لمن قبله كذلك إلى أول مالك , وهو رواية عن أحمد. وان انتقلت الأرض بالميراث حكم بأنه ميراث , فأن اتفقت الورثه على أنه لم يكن لمورثهم فهو لأول مالك , فان لم يعرف فهو مال ضائع يوضع في بيت المال , وان اختلفت الورثه فأدعى بعضهم أنه لمورثهم وأنكر البعض , فكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الذى لم يعترف به وحكم المدعى حكم المالك المعترف (١).
... (الثالث) أن يجده في ملك مسلم أو ذمي فهو لصاحب الملك عند النعمان ومحمد بن الحسن وهو رواية عن أحمد , وعنه أنه لواجده واستحسنه أبو يوسف , لان الكنز لا يملك بملك الأرض على ما تقدم إلا أن ادعاه المالك فالقول له , لأن عليه تبعا للملك وان لم يدعه فهو لواجده.
... (وقال) الشافعي: هو لمالك الدار أن اعترف به والا فهو لأول مالك. وان استأجر حفارا ليحفر له طلبا للكنز فوجده فهو للمستأجر لأنه استأجره لذلك , وان استأجره لأمر غير طلب الكنز فهوا لواجده , وقيل لمالك الأرض (٢).
(٤) ما يجب في الركاز:
الركاز إذا كان دفين الجاهلية بأن كان عليه صورة صم أو صليب أو كان ضرب الجاهلية ففيه الخمس اتفاقا , سواء أكان ذهبا أم فضه أم رصاصا أم زئبقا , أم كان من غير جنس الأرض أم لا ينطبع وأربعة أخماسه
стр. 2916
لأقدم مالك للأرض - عند النعمان ومحمد بن الحسن ومالك والشافعي - أن عرف المالك ووجد الركاز في دار أو أرض مملوكتين له وأن كان ميتا فلورثته أن عرفوا وإلا يوضع في بيت المال (وقال) أبو يوسف وأحمد: أربعة أخماس الركاز للواجد ما لم يدعه مالك الأرض , فان ادعى أنه ملكه فالقول قوله اتفاقا (١). (ودليل) ذلك فول ابن عباس رضى الله عنهما: " قضى رسول الله ﷺ في الركاز الخمس " أخرجه أحمد وابن أبى شيبة بسند جيد (٢). ﴿١١٨﴾
... (وعن) ابن عمرو أن النبى ﷺ قال - في كنز وجده رجل في خربة جاهليه -: أن وجدته في قريه مسكونة أو سبيل مؤتاة فعرفه وان وجدته في خربة جاهلية أو في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس. أخرجه البيهقى بسند حسن (٣). ﴿١١٩﴾
ولا طلاق هذه الأحاديث قال الحنفيون: يجب الخما في الركاز قل أو كثر ولا يعتبر فيه نصاب
(وقال) الأئمة الثلاثة: يعتبر فيه النصاب (لحديث) أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لا صدقة فيما دون خمس اوراق من الورق " أخرجه السبعة (٤). ﴿١٢٠﴾
... (وأجاب) الحنفيون بأن الظاهر من الصدقة الزكاة فلا تتناول الخمس لأنة لا يسمى زكاة إلا مجازا.
стр. 2917
(٥) من عليه الخمس؟ :
يجب الخمس على من وجد الركاز من مسلم وذمى مكلفا وغير مكلف عند الجمهور. فعلى الذمى - يجد الركاز - الخمس. وغير المكلف يخرج عنه وليه عند الحنفيين ومالك وأحمد والثوري وغيرهم (لعموم) قول النبى ﷺ : " وفى الركاز الخمس" (١) , فأنة يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل الركاز ,
وبمفهومة على أن باقيه لواجدة كائنا من كان. وحكى عنه الصبى والمرأة أنهما لايملكان الركاز (٢).
(٦) مصرف الخمس:
... مصرفه مصرف خمس الغنيمة عند الحنفيين ومالك وهو الاصح عن أحمد لقوله تعالى:
((واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه)) (٣) , ولا شك في صدق الغنيمة على هذا المال , فانه كان مع مكانة في ايدى الكفرة وقد اوجف عليه المسلمين فكان غنيمة. (وقال) الشافعي: مصرفه مصرف الزكاة. وروى عن أحمد (لحديث) عبد الله بن بشر الحثعمي عن جل من قومه قال: سقطت على جرة من دير قديم بالكوفة فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علىا رضى الله عنه فقال: اقسمها خمسة اقسام، فقسمتها، فأخذ منها على رضى الله عنه خمسا واعطانى أربعة اخماس، فلما ادبرت دعانى فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت: نعم. قال: خذها فاقسمها بينهم. أخرجه البيهقى (٤).
(ويجوز) لواجد الركاز أن يتولى تفرقة الخمس بنفسه عند الحنفيين
стр. 2918
وابن المنذر لأثر على هذا وهو رواية عن أحمد ولأنة فئ مجاز رده أو بعضه على واجده كخراج الأرض (١).
(٧) ضم المعادن:
أن وجد في المعدن أجناس من الذهب أو الفضة ضم بعضها إلى بعض لأنها من جنس واحد، وان كان فيه أحد النقدين وجنس آخر ضم أحدهما إلى الآخر كما تضم العروض إلى الأثمان، وان استخرج نصابا من معدنيين وجبت الزكاة فيه كالزرع في مكانيين (٢). وان وجد في المعدن الذهب والفضة فهل يضمان؟ فيه خلاف تقدم بيانه في بحث ضم النقدين (٣).
زكاة الرءوسي
... وهى صدفة الفطر، ويقال لها زكاة الفطر أضيفت إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان (روى) عبد الله بن عم أن النبي صلى الله علية وسلم ((فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد، أو رجل أو امرأة، صغير أو كبير، صاعا من تمر أو صاعا من شعير)) أخرجه مالك والنسائى ومسلم وهذا لفظه (٤).
... هذا، والصدقة عطية يقصد بها وجه الله تعالى وثوابه. وزكاة الفطر شرعا مال يعطى لمن يستحق الزكاة على وجه مخصوص يأتى بيانه أن شاء الله تعالى. ثم الكلام هنا ينحصر في بعة عشر فرعا:
стр. 2919
(١) حكم زكاة الفطر:
هى واجبه عند الحنفيين لأنها ثبتت بدليل ظنى وان ورد في الحديث بلفظ: فرض، لأن معناه قدر. والراجح إنها واجبه على الفور يوم عيد الفطر (١)، لأنها إنما شرعت لغناء الفقير عن السؤال يوم الفطر. وفي التأخير تفويت لهذا الغرض السامي فوجوبها مقيد لا مطلق. (وقال) مالك والشافعي وأحمد والجمهور: زكاة الفطر فرض (لحديث) نافع عن ابن عمر ((أن النبى ﷺ أمر بزكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير (قال) (ابن عمر: فجعل الناس عدله مدين من حنطة)) أخرجه الشيخان وابن ماجه (٢). ﴿١٢٢﴾
... وأصل الأمر الوجوب. والواجب والفرض عندهم بمعنى، وهو ما طلب فعله طلبا جازما بدليل قطعى أو ظني. (وقال) أشهب المالكي وابن اللبان الشافعي وبعض الظاهرية: زكاة الفطر سنه، وتأولوا (فرض) بمعنى قدر (ورد) بورود الأمر بها والأمر للوجوب.
(٢) دليلها:
زكاة الفطر مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال الله تعالى: (قد أفلح من تزكي) (٣). (روى) نافع عن ابن عمر انه كان يقول: نزلت هذه الآية في زكاة رمضان. أخرجه البيهقى (٤).
стр. 2920
(وقال) أبو سعيد الخدري ﵁: كان النبي ﷺ يقول: "قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فلي" ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر. أخرجه ابن مردويه والبيهقي (١). (وقال) ابن عمر: إنما نزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد "قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى" أخرجه ابن مردوديه والبيهقي (٢).
(وعن) ابن عمر أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى من المسلمين. أخرجه السبعة (٣). ﴿١٢٣﴾
(وقال) البيهقي: أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وإن اختلفوا في تميتها فرضا فلا يجوز تركها (٤). (وفرضت) في شعبان من السنة الثانية من الهجرة.
стр. 2921
(٣) سببها:
سبب وجوب زكاة الفطر رأس يمونه ويلي عليه.
(٤) حكمتها:
حكمة مشروعيتها أنها تطهير للائم مما وقع منه من اللغو والرفثي ولتكون عونا للفقراء على كفايتهم يوم العيد (روى) عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. أخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني وقال: ليس في رجاله مجروح، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري (١). ﴿١٢٤﴾
والغرض من الحديث بيان أن إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد أفضل وهو مجمع عليه.
(٥) شروطها:
تجب زكاة الفطر بشروط ثلاثة:
(الأول) الإسلام: فلا تفترض على كافر إجماعا (لقول) النبي ﷺ في حديثي ابن عمر "من المسلمين" (٢)، ولأنها قربة وطهرة وهو ليس من أهلهما (قال) ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن لا صدقة على الذمي في عبده المسلم لأنه كافر وهي زكاة فلا تجب عليه كزكاة المال.
стр. 2922
(وعن) أحمد وبعض الشافعية: أنه يجب على الكافر إخراج صدقة الفطر عن عبده المسلم لأن العبد من أهل الطهرة فوجب أن تؤدي عنه زكاة الفطر، كما لو كان سيده مسلما (١). (أما المرتد) فلا تجب عليه عند الحنفيين، ولو ارتد بعد لزومها تسقط عنه. وعند غيرهم تفصيل يعلم مما تقدم في بحث الإسلام من شروط افتراض الزكاة (٢). (وهل) على المسلم أن يزكى عن عبده الكافر؟ (قال) الجمهور: لا تجب لظاهر الحديث.
(وقال) الحنفيون والثورى: يجب على سيده المسلم أن يزكى عنه، لعموم حديث ابن عمر أن النبي ﷺ أمر بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد من تمونون. أخرجه الدارقطني وقال: الصواب أنه موقوف، والبيهقي وقال: إسناده غير قوي لأن فيه القاسم بن عبد الله وليس بالقوى (٣). ﴿١٢٥﴾
(وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر" أخرجه أحمد ومسلم والدارقطني (٤). ﴿١٢٦﴾
والعبد يعم المسلم وغيره، ولأن الوجوب على السيد والشرط إسلامه. (ورد) بأن عموم العبد في الحديثين يخصصه قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "من المسلمين" في حديثي ابن عمر (فهو) صريح في أن العبد لابد أن يكون مسلما وإن كان المؤدى عنه سيده (فالراجح) ما ذهب إليه الجمهور من أن العبد الكافر لا يجب على سيده المسلم أن يزكى عن مملوكه الكافر "لا يصلح" للاحتجاج به (٥).
стр. 2923
(الثاني) الحرية: فلا فطرة على رقيق إجماعا لأنه لا يملك، ولو ملك لا يتحقق منه التمليك.
(الثالث) اليسار عند الحنفيين: ويتحقق بملك نصاب من أنصبة الزكاة فاضل عن حوائجه الأصلية كمسكنه ومركبه وأثاث منزله، فلا فطرة على فقير لا يملك هذا النصاب (لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا صدقة إلا عن ظهر غني واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" أخرجه أحمد وعلق البخاري صدره (١). ﴿١٢٧﴾
ولفظ (ظهر) زائد، ولا غنى مع الحاجة والمشغول بها كالعدم (وقال) مالك والشافعي وأحمد والجمهور: لا يشتط في وجوبها اليسار، فتجب على من يجد ما يؤديه زيادة عن قوته وقوت من يمونه يوم العيد وليلته (لحديث) عبد الله بن ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه أن النبي صلى الله وسلم قال: "أدوا صاعا من قمح أو بر عن كل اثنين، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، غنى أو فقير، أما غنيكم الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما يعطي" أخرجه أحمد والبيهقي والدارقطني وأبو داود، وفيه النعمان بن راشد متكلم فيه (٢). ﴿١٢٨﴾
стр. 2924
(وأجاب) الحنفيون بأن الحديث ضعيف بالنعمان بن راشد، فقد ضعفه غير واحد، وأيضا فإن أكثر الروايات ليس فيها ذكر الفقير فكانت هذه رواية شاذة فلا تقبل (وأجاب) الجمهور عن حديث "لا صدقة إلا عن ظهر غني" بأن المشهور فيه ما روى أبو هريرة مرفوعا: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي (١). ﴿١٢٩﴾
وهو لا ينافى طلبها من الفقير (ولعل) الظاهر قول الجمهور: إنها واجبه على الفقير الذي يجد ما يؤديها منه زائدا عن قوته وقوت من يمونه يوم العيد وليلته. (قال) الخطابي: وفي حديث عبد الله بن ثعلبة أنها تلزم الفقير إذا وجد ما يؤديه، ألا تراه يقول: وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه، فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيره (٢).
(وأما) التكليف فليس شرطا في وجوب الفطرة عند الأئمة الثلاثة، والنعمان وأبي يوسف، فتجب في مال الصبي والمجنون الغنيين يخرجها الولي منه وإلا أخرجها الولي عنهما من ماله (وقال) محمد وزفر: لا فطرة عليهما، فلو أدى الأب أو الوصي من مالهما لا يضمن عند الجمهور، ويضمن عند محمد وزفر، لأنها عبادة والعبادة لا تجب على غير المكلف.
(وقال) الجمهور: إنها ليست بعبادة محضة بل فيها معنى المؤنة فأشبهت زكاة الحرث (وكذا) صوم رمضان ليس شرطا لوجوب الفطرة، فمن أفطر لكبر أو مرض أو سفر يلزمه صدقة الفطر، لأن الأمر بأدائها مطلق عن هذا الشرط ولأنها تجب على غير المكلف بالصوم (٣).
стр. 2925
(٦ و ٧) ركنها وثمرتها:
ركن صدقة الفطر تمليكها لمستحقها فلا تتأدى بالإباحة كالإطعام، وثمرتها سقوط الواجب في الدنيا ونيل الثواب في العقبى.
(٨ و ٩) من تجب عليه وعنه:
تجب على المسلم الحر الموسر أو ما يجد ما يؤديه زيادة عن قوته وقت من يمونه يوم العيد وليلته على ما تقدم بيانه. وتجب عن نفسه وعمن تلزمه نفقته ويلي أمره بسبب من ثلاثة:
(أ) القرابة: كطفله الفقير الذي عليه نفقته (لقول) عبد الله بن ثعلبة: خطب النبي ﷺ الناس قبل الفطر بيوم أو يومين فقال: "أدوا صاعا من بر أو قمح بين اثنين أو صاعا من تمر أو شعير عن كل حر أو عبد صغير أو كبير" أخرجه عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والدارقطني بسند صحيح قوي، غير أن عبد الله بن ثعلبة مختلف في صحبته (١). ﴿١٣٠﴾
ولأن نفقتهم واجبة على الأب وولايته عليهم تامة (وهل) يخرج الجد عن ابن ابنه الفقير الصغير حال عدم الأب أو كونه فقيرا؟ (ذكر) محمد ابن الحسن أنه لا يخرج لأن ولاية الجد قاصرة لأنها لا تثبت إلا عند عدم الأب فأشبهت ولاية الوصي (وعن) النعمان أنه يخرج عنه (وبه) قال مالك والشافعي وأحمد؛ لأن الجد قائم مقام الأب عند عدمه فكانت ولايته كولاية الأب (أما) الأولاد الذكور الكبار العقلاء فلا يجب على الأب أن يخرج عنهم عند الحنفيين ومالك وإن كانوا في عياله فقراء عاجزين عن الكسب، لأن أحد شطري السبب وهو الولاية منعدم فيهم. وإن أخرج عنهم بلا إذنهم جاز.
(وقال) الشافعي وأحمد: على الأب فطرة أولاده الكبار إن كان ينفق
стр. 2926
عليهم لعجزهم عن الكسب، أو لاشتغالهم بطلب العلم، لعموم حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ أمر بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونونه" أخرجه البيهقي والدارقطني وقال: رفعه القاسم بن عبد الله وهو ليس بالقوى. والصواب وقفه (١). ﴿١٣١﴾
... (وقال) الأولون: الحديث محمول على جواز الأداء عنهم لا على الوجوب. ويخرج الأب عن الأنثى ما لم تتزوج. فلو زوجت الصغير وسلمت للزوج فلا فطرة لها على أبيها. ولا يلزم الرجل فطرة والديه وإن كانا فقيرين عند الحنفيين لعدم الولاية. وقال الأئمة الثلاثة: عليه فطرتهما كنفقتهما.
(ب) الزوجية: فيجب على الرجل فطرة زوجته المدخول بها زوجة أبيه الذي عليه نفقته ولو غنية أو مطلقة رجعيا أو دعى للدخول بها- عند الأئمة الثلاثة والليث- لأن النكاح سبب تجب به النفقة فوجبت به الفطرة، ولعموم قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: "ممن تمونون".
... (وقال) الحنفيون والثورى: لا يجب عليه فطرة الزوجة لأن ولايته عليها قاصرة على حقوق الزوجية، فإن كانت غنية فعليها فطرتها في مالها.
... (جـ) ملك من يمونه ويلي عليه: فيخرج الفطرة عن عبده للخدمة ولو مدبرا أو أم ولد أو مأذونا له في التجارة، لعموم حديث ابن عمر ﵄ السابق (وأما) زوجة العبد ففطرتها عند الحنفيين على نفسها إن كانت حرة موسرة وإلا فلا. (والمعتمد) عند مالك أن لا فطرة لها على زوجها (وقيل) يخرج عنها ولو حرة لوجوب نفقتها عليه (٢). (وقال) الشافعي: فطرتها على سيد زوجها وهو قياس مذهب أحمد. وذكر أصحابه أن فطرتها على نفسها إن كانت حرة وعلى سيدها إن كانت أمة (٣).
(فائدة) الخادم الحر ولاية مخدومه عليه قاصرة، فلا تلزمه فطرته عند
стр. 2927
الحنفيين وعليه فطرة نفسه إن كان غنيا (وقال) غيرهم: إن التزم المخدوم نفقة الخادم لزمه فطرته وإلا فلا.
(١٠) وقت وجوب زكاة الفطر:
تجب بطلوع فجر يوم الفطر- عند الحنفيين والليث وهو رواية ابن القاسم عن مالك- لأنها قربة تتعلق بيوم الفطر فلا تتقدم عليه كالأضحية.
(وقال) الشافعي وأحمد والثوري: تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان وهو رواية أشهب عن مالك، لأنها تضاف إلى الفطر فتجب به (ولما) في حديثي ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان (١) والفطر من رمضان لا يكون إلا بغروب شمس آخر رمضان، ولأن الفطرة شرعت طهرة للصائم كما في حديث ابن عباس (٢) فأفاد أن وقت الوجوب بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان.
(وثمرة) الخلاف تظهر فيمن ولد أو أسلم أو استغنى عند طلوع فجر يوم الفطر وبعد غروب شمس آخر يوم من رمضان: تلزم فطرته عند الحنفيين، ولا تلزم عند غيرهم. وإن حصل ما ذكر بعد الفجر فلا زكاة اتفاقا. ومن مات أو ارتد أو أعسر قبل طلوع الفجر لزمت فطرته عند الشافعي ومن وافقه. ولا تلزم عند الحنفيين.
(١١) وقت أدائها:
وقت أداء زكاة الفطر جميع العمر عند الأربعة والجمهور ولا تسقط بالتأخير عن يوم الفطر، لأن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت فتؤدي في أي وقت، وإنما يتعين بالأداء أو بآخر العمر وفي أي وقت أدى كان مؤديا لا قاضيا كما في سائر الواجبات الموسعة. غير أن المستحب أن يخرجها قبل الخروج إلى المصلى، لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (٣) ويأمر به
стр. 2928
(روى) نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو لصلاة يوم الفطر. أخرجه الترمذي. وقال: حسن صحيح (١). ﴿١٣٢﴾
(وعن) ابن عمر "أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة" أخرجه السبعة إلا ابن ماجه (٢). ﴿١٣٣﴾
وباستحباب ذلك قال الأئمة الأربعة والجمهور واستدلوا بهذه الأحاديث على كراهة تأخير إخراج صدقة الفطر عن صلاة العيد (وقال) ابن حزم بحزمته (وظاهر) قوله في حديث ابن عباس: من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (٣) (أن) من أداها بعد صلاة العيد لا تعتبر زكاة بل صدقة من الصدقات، وأمر القبول فيها موقوف على مشيئة الله تعالى (والجمهور) على أنها مجزئة إلى آخر يوم الفطر وتأخيرها عنه بلا عذر حرام عند الأئمة الأربعة والجمهور، لأن زكاة واجبة لإغناء الفقير في هذا اليوم، فكان في تأخيرها إثم، ولا تسقط بالتأخير (خلافا) للحسن بن زياد الحنفي وداود الظاهري حيث قالا بسقوطها لأنها قربة تختص بيوم العيد فتسقط بمضيه، كالأضحية تسقط بمضي أيام النحر (ورد) بأن الأضحية غير معقولة المعنى فلا تكون قربة إلا في وقتها، أما الزكاة فإنها قربة مالية معقولة المعنى فلا تسقط إلا بالأداء.
(وعن) ابن سيرين والنخعي الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد. قيل لأحمد: فإن أخرج الزكاة ولم يعطها، قال: نعم إذا أعدها القوم واتباع السنة أولى (٤) (ويجوز تقديمها) ولو قبل رمضان ولعدة سنين على الصحيح
стр. 2929
عند الحنفيين لتحقيق سبب الوجوب وهو راس يمونه ويلي عليه فصار كإخراج الزكاة بعد وجود النصاب. وعند الشافعي يجوز تعجيلها بعد دخول رمضان لا قبله لأنها صدقة الفطر ولا فطر قبل الشروع في الصوم.
(وقال) بعض الحنبلية: يجوز تعجيلها في النصف الأخير من رمضان (وقال) مالك والكرخي: يجوز تقديمها يوما أو يومين قبل العيد وهو مشهور مذهب أحمد (لقول) ابن عمر ﵄: "أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة. قال نافع: وكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين" أخرجه أبو داود والدارقطني (١). ﴿١٣٤﴾
(وقال) البخاري: وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين (٢) وهذا مما لا يخفى على النبي ﷺ بل لابد من كونه بإذن سابق فإن الإسقاط قبل الوجوب مما لا يعقل، فلم يكونوا يقدمون عليه إلا بسمع (٣) (والدليل) ظاهر فيما ذهب إليه مالك وأحمد، لأن المقصود من زكاة الفطر إغناء الفقير يوم العيد وتعجيلها اليوم واليومين لا يخل بالمقصود منها، فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغني بها عن السؤال فيه. والله ولي التوفيق.
(١٢) الواجب في زكاة الفطر وقدره:
يجب فيها نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير أو زبيب عند الحنفيين (لحديث) عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ بعث مناديا في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى حر
стр. 2930
أو عبد صغير أو كبير مدان من قمح أو صاع سواه من طعام" أخرجه الدارقطني والترمذي وقال: حسن غريب (١). ﴿١٣٥﴾
(وقال) ابن عمر: "كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد النبي ﷺ صاعا من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب. فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء" أخرجه أبو داود والدارقطني (٢) (وقالت) أسماء بنت أبي بكر ﵄: "كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد النبي ﷺ مدين من قمح بالمد الذي تقتاتون به" أخرجه أحمد والطبراني. وفي سنده ابن لهيعة متكلم فيه ورواه الطبراني في الأوسط بسند رجاله رجال الصحيح (٣). ﴿١٣٦﴾
(ولهذه) الأحاديث قال الحنفيون وزيد بن علي: يجزئ فيها نصف صاع من بر وصاع من غيره (وعن) النعمان أنه يكفي من الزبيب نصف صاع (لكنه) مردود بهذه الأحاديث ونحوها الدالة على الزبيب لا يكفي منه إلا صاع. ولذا اختاره أبو يوسف ومحمد، وعليه الفتوى عند الحنفيين، وقالوا: تؤدي من القمح ودقيقه وسويقه والشعير ودقيقه وسويقه والسلت كذلك والتمر والزبيب. ولا تكفي الفطرة من غير هذه الأصناف إلا بالقيمة.
(وقال) مالك والشافعي: يجب في صدقة الفطر صاع من غالب قوت البلد في السنة. ورجح الحطاب المالكي اعتبار غالب القوت في رمضان. واستظهر الأمير غالب القوت يوم الوجوب (وقال) أحمد: يجب في الفطرة
стр. 2931
صاع من البر والشعير ودقيقهما وسويقهما والتمر والزبيب يخير في الإخراج من أيها إن وجدت، وإلا أخرج من المقتات من حب أو تمر وهو قول للشافعي ويخرج الأقط في رواية عن أحد (لقول) أبي سعيد الخدري ﵁: "كنا إذا كان فينا النبي ﷺ نخرج زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر ومملوك صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه أبدا ما عشت" أخرجه السبعة وقال الترمذي: حسن صحيح (١). ﴿١٣٧﴾
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون مكن كل شيء صاعا. وهو قول الشافعي وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: من كل شيء صاع إلا البر فإنه يجزئ نصف صاع، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة و (السمراء) القمح.
والحديث يدل:
(أ) على جواز إخراج الأقط في الفطرة. وبه قال مالك وروى عن أحمد (وقال) الحنفيون: لا يجزئ إلا باعتبار القيمة (وقال) الشافعي: لا أحب أن يخرج الأقط فإن أخرج صاعا منه لم يتبين لي أن عليه الإعادة.
стр. 2932
(ب) على أنه يكفي في الفطرة نصف صاع من بر، وهو قول الحنفيين وقد صح عن الخلفاء الراشدين وغيرهم (روى) أبو قلابة عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أخرج زكاة الفطر مدين من حنطة وأن رجلا أدى إليه صاعا بين اثنين. أخرجه عبد الرزاق والدارقطني والطحاوي (١).
(وقال) عمر لنافع: إنما زكاتك على سيدك أن يؤدي عنك عند كل فطر صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع بر. أخرجه الطحاوي (٢) (وقال) عثمان ﵁ في خطبته: أدوا زكاة الفطر مدين من حنطة. أخرجه الطحاوي (٣).
(وقال) علي ﵁: على من جرت عليه نفقتك نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو تمر. أخرجه عبد الرزاق والدارقطني (٤) (وقال) ابن الزبير: زكاة الفطر مدان من قمح أو صاع عن تمر أو شعير. أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (٥).
الدقيق والسويق: يجوز إخراجهما في الفطرة عند الحنفيين وأحمد (لقول) أبي سعيد الخدري: لم نخرج على عهد النبي ﷺ إلا صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من دقيق أو صاعا من أقط أو صاعا من سلت. أخرجه النسائي (٦). ﴿١٣٨﴾
(وروى) محمد بن سيرين عن ابن عباس قال: أمرنا أن نعطي صدقة رمضان عن الصغير والكبير والحر والمملوك صاعا من طعام، ومن أدى برا قبل منه، ومن أدى شعيرا قبل منه، ومن أدى زبيبا قبل منه، ومن أدى سلتا قبل منه، وأحسبه قال: ومن أدى دقيقا قبل منه، ومن أدى سويقا قبل منه
стр. 2933
أخرجه البيهقي وقال: هذا مرسل. محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئا (١). ﴿١٣٩﴾
(هذا) والواجب عند الحنفيين نصف صاع من دقيق القمح وسويقه وصاع من دقيق الشعير وسويقه (وقال) أحمد: الواجب صاع من كل (وقالت) المالكية والشافعية والجمهور: لا يجوز إخراج الدقيق والسويق، لأنهما لم يذكرا في الأحاديث الصحيحة.
(١٣) قدر الصاع:
الصاع قدحان بالكيل المصري أو أربعة أمداد، والمد حفنة بكفي الرجل المعتدل الكفين. وهو رطل وثلث بالعراقي عند مالك والشافعي وأحمد وفقهاء الحجاز وأبي يوسف. فيكون الصاع خمس أرطال وثلثا (وقال) النعمان ومحمد وفقهاء العراق: المد رطلان فيكون الصاع ثمانية أرطال. والرطل العراقي عند الحنفيين والرافعي ١٣٠ درهم بالدرهم المتعارف، وعند الحنبلية ١٢٨ درهم وأربعة أسباع درهم، ورجحه النووي. وعند المالكية ١٢٨ درهم (والحق) أن الخلاف في وزن الصاع لفظي وبيانه:
(أ) أن من قال: إنه خمسة أرطال وثلث رطل عراقي اعتبره من التمر والشعير (لقول) أبي داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلا وسمعته يقول: صاغ ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث. قال: فمن قال ثمانية أرطال؟ قال ليس ذلك بمحفوظ. ذكره البيهقي (٢).
(وقال) الحسين بن الوليد القرشي: قدم علينا أبو يوسف رحمة الله من الحج فقال: إني أريد أن أفتح عليكم بابا من العلم همني تفحصت عنه فقدمت المدينة فسألت عن الصاع فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله ﷺ . قلت: ما حجتكم في ذلك؟ قالوا: نأتيك بالحجة غدا. فلما أصبحت
стр. 2934
أتاني نحو من خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه كل رجل منهم يخبر عن أبيه أو عن أهل بيته أن هذا صاع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فنظرت فإذا هي سواء فعايرته، فإذا هو خمسة أرطال وثلث بنقصان يسير فرأيت أمرا قويا فتركت قول أبي حنيفة ﵁ في الصاع وأخذت بقول أهل المدينة. ذكره البيهقي (١).
(ب) ومن قال: الصاع ثمانية أرطال اعتبره من الماء (لما روي) عبد الكريم عن أنس بن مالك قال: "كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال" أخرجه الدارقطني والبيهقي بسند ضعيف (٢). ﴿١٤٠﴾
(وقال) والصحيح عن أنس بن مالك: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمس أمداد. ثم أخبرت أسماء بنت أبي بكر أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر بالصاع الذي كانوا يقتاتون به. فدل ذلك على مخالفة صاع الزكاة والقوت صاع الغسل (٣) (ومنه) يعلم أنه لا خلاف في وزن مد وصاع الفطرة. والاشتباه إنما جاء لعدم بيان المكيل بهما وهو يختلف خفة ورزانة (٤).
стр. 2935
(١٤) إخراج القيمة:
يجوز عند الحنفيين إخراج قيمة الواجب في زكاة الفطر، لما تقدم في بحث دفع القيمة في الزكاة (١) وروى عن أبي يوسف أنه قال: الدقيق أحب إلي من الحنطة والدرهم أحب إلي من الدقيق والحنطة لأن ذلك أقرب إلى دفع حاجة الفقير ولأن المطلوب إناء الفقير في هذا اليوم، والإغناء يحصل بالقيمة بل هو بها أتم وأوفر. ولا يجوز أداء المنصوص عليه بعضه عن بعض باعتبار القيمة "فكما" لا يجوز إخراج الحنطة عن الحنطة باعتبار القيمة- بأن يؤدي نصف صاع من حنطة جيدة عن صاع من حنطة وسط لا يجوز أن يؤدي نصف صاع من تمر- تبلغ قيمته نصف صاع من البر- بل يقع عن التمر، وعليه تكميل الباقي، لأن القيمة لا تعتبر في المنصوص عليه (٢).
(وقال) الأئمة الثلاثة: لا يجزئ دفع القيمة (قال) أبو داود: قيل لأحمد، أعطى دراهم في صدقة؟ قال: أخاف أن لا يجزئه. خلاف سنة رسول الله ﷺ (وظاهر) مذهب أحمد أنه لا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكوات (وروى) عنه جواز دفع القيمة فيما عدا الفطرة (قال) أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع ثمرة نخله قال: عشرة على الذي باعه. قيل له: فيخرج ثمرا أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمرا وإن شاء أخرج من الثمن (٣) (هذا) والأفضل عند الحنفيين إخراج زكاة الفطر مما هو أعلى قيمة
стр. 2936
(وقال) مالك وأحمد: الأفضل إخراج التمر (وقال) الشافعي: البر أفضل. ولعله كان أعلى في وقته ومكانه، لأن المستحب أن يخرج أغلاها ثمنا وأنفسها صنفا (واختار) مالك وأحمد إخراج التمر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه.
(قال) ابن عمر: "فرض النبي ﷺ صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعا من تمر أو صاعا من شعير فعدل الناس به نصف صاع من بر فكان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة التمر فأعطى الشعير" أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود (١).
والحكمة في هذا أن التمر فيه قوة وحلاوة، وهو أقرب تناولا وأقل كلفة. والأفضل بعد التمر البر، وقيل الزبيب لأنه أقرب تناولا وأقل كلفة (ورد) بأن البر أنفع في الاقتيات وأبلغ في دفع حاجة الفقير.؟
(قال) أبو مجلز: قلت لابن عمر: قد أوسع الله والبر أفضل من التمر أفلا نعطي البر؟ قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. أخرجه جعفر الفرياني (٢). ويستنبط منه أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يقتات بها، فإن التمر أعلى من غيره وقتئذ.
(١٥) مكان أدائها:
تؤدي زكاة الفطر في مكان المؤدى عنه- عند النعمان وأبي يوسف ومالك والشافعي- فيؤدي الموسر زكاة الفطر عن نفسه حيث هو وعمن يمونه ويلي عليه حيث هم، لأنها أحد نوعي الزكاة، وزكاة المال تؤدي حيث المال، فكذا زكاة الرأس تؤدي في مكان الرأس. والعبرة بقوت موضع المخرج عنه
стр. 2937
فإن أخرج عن أهله من الصنف الذي يأكلونه وإن أخرجوا عنه أخرجوا من الصنف الذي يأكله (١) ولو عجلها بمحل ثم سافر لآخر فوجبت عليه فيه أجزأت (وقال) محمد بن الحسن المعتبر مكان المؤدى فيخرج عن نفسه وعمن يلي عليه في مكانه لأنها تتعلق بذمة المؤدى لا بماله فيعتبر مكانه.
(١٦) سقوطها:
تسقط زكاة الفطر عند الحنفيين بالردة وبموت من وجبت عليه بلا وصية (وقال) مالك تسقط بالموت بلا وصية لا بالردة (وقال) الشافعي وأحمد: لا تسقط بهما على ما تقدم بيانه في بحثي شروط افتراض الزكاة وقضائها (٢) فإن مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها بلا وصية سقطت عنه عند الحنفيين ومالك، وإن أوصى بها تخرج من ثلث ماله كسائر الوصايا.
(وقال) الشافعي وأحمد: تخرج من تركته وإن لم يوص. فإن كان عليه دين وله مال يفي بالفطرة والدين قضيا جميعا. وإن لم يف بهما قسم بينهما بالحصص. وإن كان عليه زكاة مال وصدقة فطر ودين، فزكاة الفطر والمال كالشيء الواحد لاتحاد مصر فهما فتقسم التركة بينهما وبين الدين، لأن حق الله تعالى وحق الآدمي إذا تعلقا بمحل واحد تساويا في الاستيفاء (ولو مات) من يمونه بعد وجوب الفطر تسقط عند الحنفيين ومالك (وقال) الشافعي وأحمد: لا تسقط لأنها دين ثبت في ذمته بسبب من يمونه فلا تسقط بموته (٣).
(١٧) مصرفها:
تصرف زكاة الفطر عند مالك لحر مسلم فقير أو مسكين دون باقي الأصناف وجاز دفعها لأقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم. وللزوجة دفعها لزوجها الفقير بخلاف العكس (٤) (وقال) غير مالك: تصرف لمن تصرف له الزكاة،
стр. 2938
لأنها صدقة فتدخل في عموم آية: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، ولا يجوز دفعها إلى ذمي- عند مالك وأبي يوسف والشافعي وأحمد- لأنها زكاة، فلا يجوز دفعها إلى غير المسلمين كزكاة المال (١).
(وقال) النعمان ومحمد: يجوز دفعها لذمي لا لحربي، لقوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" (٢).
(١٤) مصرف الزكاة
تصرف إلى الأصناف المذكورة في آية: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله" (٣).
قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى غير هذه الأصناف إلا ما روى عن أنس والحسن أنهما قالا: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية. والصحيح الأول، لأن الله تعالى قال: "إنما الصدقات للفقراء" وإنما للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه (٤)، والمذكور في الآية ثمانية أصناف:
стр. 2939
(١ و ٢) الفقير والمسكين:
الفقير عند الحنفيين من له شيء دون النصاب أو قدر نصاب غير نام أو مشغول بالحاجة الأصلية- كمسكن وملبس ومركب- فيصبح الدفع إليه ولو كان صحيحا مكتسبا أو يملك نصبا كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة بالحاجة الأصلية، ولذا يصح دفعها لعالم له كتب تساوي نصبا كثيرة لكنه محتاج إليها للدراسة والمراجعة، وكذا آلات المحترفين والصناع والزراع والمجاهدين.
(وقال) مالك: الفقير من لا يملك قوت عامة (والمسكين) عند الحنفيين ومالك من لا شيء له، ولذا يحل له السؤال لقوته أو ما يواري جسده، بخلاف الفقير؛ فلا يحل له ولا لقادر على الكسب ولا من يملك خمسين درهما السؤال (لحديث) ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح" فقيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: "خمسون درهما أو قيمتها من الذهب" أخرجه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي وفيه حكيم بن جبير. تكلم فيه شعبة وغيره (١). ﴿١٤٢﴾
(وقالت) الشافعية: الفقير من لا مال له ولا كسب أو له مال أو كسب لا يكفيه ولا يحصل به نصف كفايته ومن تلزم نفقته العمر الغالب - وهو ستون سنة - بحيث لو وزع ما عنده من المال على غالب العمر لم يبلغ نصف كفايته. ولو كان يملك نصاباً أو أكثر فعليه زكاته وله أن يأخذ زكاة غيره (والمسكين) من له مال أو كسب يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه: بأن يحتاج في اليوم إلى عشرة دراهم مثلاً وعنده كسب أو مال يبلغ خمسة فأكثر.
стр. 2940
(وقالت) الحنبلية: الفقير من لا مال له ولا كسب يحصل به نصف كفايته كمن يكفيه عشرة ولا يحصل إلا على ثلاثة ولا له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب (والمسكين) من يجد معظم كفايته أو نصفها، مثل من يكفيه عشرة فيحصل على خمسة فما زاد.
هذا ما ذكره الفقهاء في معنى الفقير والمسكين. ويكفي أن نعلم أن الفقير من ليس بغنى. وقد بين النبي ﷺ حد الغنى- في حديث ابن مسعود- بخمسين درهما أو قيمتها من الذهب. فمن لم يملك هذا المقدار ولا قيمته فاضلا عن حوائجه الأصلية وحوائج من يمون فهو فقير تحل له الزكاة. ومن ملك هذا المقدار أو قيمته فاضلا عما ذكر فهو غنى لا تحل له الزكاة.
(وبهذا) قال سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل (وقال) غيرهم ما تقدم وقالوا: ليس في الحديث بيان أن من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة إنما فيه أن كره له المسألة فقط، لأن المسألة لا تحل إلا مع الضرورة ولا ضرورة لمن يجد قوته وما يستر عورته.
(قال) أبو الطيب صديق بن حسن: والحق أن الفقير والمسكين متحدان يصح إصلاق كل واحد من الاسمين على من لم يجد فوق ما تدعو الضرورة إليه خمسين درهما. وليس في قوله تعالى (أما السفينة فكانت لمساكين) ما ينافى هذا لأن ملكهم لها لا يخرجهم عن صدق اسم الفقر والمسكنة عليهم لما عرف من أن آلات ما تقوم به المعيشة مستثناة، والسفينة للملاح كدابة السفر لمن يعيش بالمكاراة والضرب في الأرض (١).
(٣) العامل على الزكاة:
وهو من صبه الإمام لجمع الصدقات. ويدخل فيه الساعي والكاتب والقاسم والحاشر- وهو الذي يجمع أرباب الأموال للساعي- والحافظ لها.
стр. 2941
فيعطي كل بقدر عمله ولو غنيا لا هاشميا (لحديث) عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها أو رجل اشتراها بماله أو غارم أو غاز في سبيل الله أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١). ﴿١٤٣﴾
ولأنه فرغ نفسه لعمل من أعمال المسلمين فيستحق الأجر كالغزاة والقضاة. ولذا جوزوا لطالب العلم أن يأخذ من الزكاة ولو كان غنيا إذا فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته ولم يكن له مرتب في مال الدولة.
(هذا) ويشترط في العامل أن يكون حرا ذكرا مكلفا مسلما، لأن السعاية ولاية والولاة يشترط فيهم ذلك، ولأن الكافر ليس بأمين. ويشترط كونه غير هاشمي، لأن الهاشمي من أهل البيت، وقد منعهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أخذ الزكاة ولو عمالا.
(روى) عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه هو والفضل أتيا رسول الله ﷺ ليزوجهما ويستعملهما على الصدقة فيصيبان من ذلك، فقال لهما رسول الله ﷺ : "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، ثم إن رسول الله ﷺ قال لمحمية الزبيدي: زوج الفضل، وقال لنوفل بن الحارث بن عبد المطلب: زوج عبد المطلب ابن ربيعة" الحديث أخرجه مسلم والنسائي وأحمد وهذا لفظه (٢). ﴿١٤٤﴾
ولا تشترط فيه الحرية عند الحنبلية (وقال) بعضهم: لا يشترط إسلامه ولا كونه من غير ذوي القربى. وهذا مردود بالحديث (هذا) ويعطي العامل عند الحنفيين كفايته وكفاية أعوانه بالوسط إلا إذا استغرقت كفايته ما جمعه فلا يعطي
стр. 2942
أزيد من النصف (لحديث) المستورد بن شداد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادما، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال" أخرجه أحمد، وكذا ابو داود يسند صالح وسكت عنه هو والمنذري (١). ﴿١٤٥﴾
(قال) الخطابي: هذا يتأول على وجهين:
(أحدهما) أنه إنما أباح اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله وليس له أن يرتفق بشيء سواها.
(والوجه الثاني) أن للعامل السكنى والخدمة، فإن لم يكن له مسكن ولا خادم استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله ويكترى له مسكن يسكنه مدة مقامه في عمله (٢).
(وقال) مالك: يعطي العامل بقدر عمله وإن استغرق ما جمعه.
(وقال) الشافعي: يعطي قدر أجر مثله.
(وعن) أحمد روايتان: يعطي العامل ثمن ما جمع أو يعطي بقدر عمله. فعلى هذه الرواية يخير الإمام بين أن يستأجر العامل إجارة صحيحة بأجر معلوم إما على عمل معلوم أو مدة معلومة، وبين أن يجعل له جعلا معلوما على عمله فإذا فعله استحق الجعل وإن شاء بعثه من غير تسمية ثم أعطاه (٣).
(روى) عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ من الشام فقال: ألم أخبر أنك تعمل على عمل من أعمال المسلمين فتعطي عليه عمالة فلا تقبلها؟ قال: أجل إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن يكون عملي صدقة على المسلمين، فقال عمر: إني أردت الذي أردت، وكان النبي
стр. 2943
صلى الله عليه وسلم يعطيني المال فأقول: أعطه من هو افقر إليه مني، وإنه أعطاني مرة مالا فقلت له: أعطه من هو أحوج إليه مني. فقال: ما آتاك الله من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فتموله أو تصدق به. ومالا، فلا تتبعه نفسك" أخرجه البخاري والنسائي وهذا لفظه (١). ﴿١٤٦﴾
(٤) المؤلفة قلوبهم:
المؤلفة: جمع مؤلف من التأليف، أي الجمع، والمراد جمع القلوب. وهم ثلاثة أقسام:
(أ) كفار كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعطيهم تأليفا لهم ليسلموا هم وقومهم. وهذا من الجهاد لأنه كما يكون بالسنان يكون بالإحسان.
(ب) وكافر كان يعطي لدفع شره.
(جـ) ومن أسلم على ضعف كان يعطي ليثبت إسلامه.
هذا وقد سقط نصيب المؤلف عند الحنفيين من الزكاة لإجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق من آخر دفعة دفعها لهم النبي ﷺ وظهر ذلك في خلافة الصديق ﵁ لما جاءه عيينه بن حصن والأقرع ابن حابس والعباس بن مرداس وطلبوا من الصديق نصيبهم، فكتب لهم به وجاءوا على عمر وأعطوه الخط، فأبى ومزقه وقال: هذا شيء كان النبي ﷺ يعطيكموه تأليفا لكم على الإسلام والآن قد اعز الله الإسلام وأغنى عنكم فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف "الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (٢) فرجعوا إلى أبي بكر ﵁
стр. 2944
فقالوا: الخليفة أنت أم عمر؟ فقال: هو إن شاء. ووافقه ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعا. فلولا اتفاقهم عليه وأن مفسدة مخالفته أكثر من المفسدة المتوقعة لمنعهم لبادروا لإنكاره (١).
(وقال) حبان بن أبي جبلة قال عمر بن الخطاب ﵁ وقد أتاه عيينه بن حصن: الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. يعني ليس اليوم مؤلفة. أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢).
(وقالت) الشافعية: من أسلم على ضعف في ألفته بالمسلمين أو على ضعف في يقينه يعطي تأليفا له وتثبيتا لإسلامه (ويعطي) مسلم قوي الإيمان والألفة بالمسلمين لكن له شرف في قومه يتوقع بإعطائه إسلام غيره (ويعطي) مسلم- ذو شوكه يكفينا شر من يليه من الكفار أو مانعي الزكاة- إن رأى الإمام الحاجة لإعطائه بأن يكون إعطاؤه أهون على المسلمين من محاربة الكفار أو مانعي الزكاة. أما المؤلف الكافر وهو من يرجى إسلامه أو يخاف شره فلا يعطي من الزكاة اتفاقا ولا من غيرها على الأصح عندهم إلا لنازلة نزلت بالمسلمين، كأسر بعضهم وهجوم الكفار على بعض بلاد الإسلام ولا يردون الأسير ولا يندفعون عن بلاد الإسلام إلا ببذل مال لهم فيعطون من غير الزكاة حينئذ للضرورة ولا يعطون منها، لأن الله أعز الإسلام وأهله وأغنى عن التأليف. وأما إعطاء النبي ﷺ مؤلفة الكفار من الغنائم فكان من خمس الخمس وهو ملك النبي ﷺ يصرفه حيث شاء (٣).
(وقال) مالك وأحمد: يعطي المؤلفة من الزكاة ولو كفارا لإطلاق قوله تعالى: "والمؤلفة قلوبهم" (ولحديث) أنس "أن النبي ﷺ لم يكن يسأل شيئا عن الإسلام إلا أعطاه فأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا
стр. 2945
صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعطي عطاء ما يخشى الفاقة" أخرجه أحمد ومسلم (١). ﴿١٤٧﴾
(قالوا) وكان النبي ﷺ يعطي المؤلفة كثيرا حتى مات. ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ. والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وليس في القرآن نسخ لذلك ولا في السنة. فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم أو بقول صحابي أو غيره.
(قال) الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة. على أن ما ذكروه من المعنى لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة. فإن الغنى عنهم لا يوجب رفع حكمهم وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم، فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا (٢).
(فالظاهر) جواز إعطاء المؤلفة عند الحاجة إلى التأليف. فإذا كان قوم لا يطيعون الإمام إلا للدنيا ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة (٣).
(٥) الرقاب:
جمع رقبة والمراد بها المكاتب يعطى من الزكاة لتخليص رقبته من الرق (فعند) الحنفيين والثوري والليث بن سعد وأحمد: يعان مكاتب غير المزكى -ولو كان سيده غنيا لا هاشميا- من الزكاة في فك رقبته (وقال) الشافعي: يعان المكاتب كتابة صحيحة وإن كان قادرًا على الكسب وسيده كافرًا أو هاشميًا أو مطلبيًا (ويشترط) ألا يكون معه ما يفي بنجوم الكتابة.
(وقال) مالك وإسحق: المراد بالرقاب أن يشتري من الزكاة عبد مؤمن