← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

فيعطي كل بقدر عمله ولو غنيا لا هاشميا (لحديث) عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها أو رجل اشتراها بماله أو غارم أو غاز في سبيل الله أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١). ﴿١٤٣﴾ ولأنه فرغ نفسه لعمل من أعمال المسلمين فيستحق الأجر كالغزاة والقضاة. ولذا جوزوا لطالب العلم أن يأخذ من الزكاة ولو كان غنيا إذا فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته ولم يكن له مرتب في مال الدولة. (هذا) ويشترط في العامل أن يكون حرا ذكرا مكلفا مسلما، لأن السعاية ولاية والولاة يشترط فيهم ذلك، ولأن الكافر ليس بأمين. ويشترط كونه غير هاشمي، لأن الهاشمي من أهل البيت، وقد منعهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أخذ الزكاة ولو عمالا. (روى) عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه هو والفضل أتيا رسول الله ﷺ ليزوجهما ويستعملهما على الصدقة فيصيبان من ذلك، فقال لهما رسول الله ﷺ : "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، ثم إن رسول الله ﷺ قال لمحمية الزبيدي: زوج الفضل، وقال لنوفل بن الحارث بن عبد المطلب: زوج عبد المطلب ابن ربيعة" الحديث أخرجه مسلم والنسائي وأحمد وهذا لفظه (٢). ﴿١٤٤﴾ ولا تشترط فيه الحرية عند الحنبلية (وقال) بعضهم: لا يشترط إسلامه ولا كونه من غير ذوي القربى. وهذا مردود بالحديث (هذا) ويعطي العامل عند الحنفيين كفايته وكفاية أعوانه بالوسط إلا إذا استغرقت كفايته ما جمعه فلا يعطي

стр. 2942

أزيد من النصف (لحديث) المستورد بن شداد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادما، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال" أخرجه أحمد، وكذا ابو داود يسند صالح وسكت عنه هو والمنذري (١). ﴿١٤٥﴾ (قال) الخطابي: هذا يتأول على وجهين: (أحدهما) أنه إنما أباح اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله وليس له أن يرتفق بشيء سواها. (والوجه الثاني) أن للعامل السكنى والخدمة، فإن لم يكن له مسكن ولا خادم استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله ويكترى له مسكن يسكنه مدة مقامه في عمله (٢). (وقال) مالك: يعطي العامل بقدر عمله وإن استغرق ما جمعه. (وقال) الشافعي: يعطي قدر أجر مثله. (وعن) أحمد روايتان: يعطي العامل ثمن ما جمع أو يعطي بقدر عمله. فعلى هذه الرواية يخير الإمام بين أن يستأجر العامل إجارة صحيحة بأجر معلوم إما على عمل معلوم أو مدة معلومة، وبين أن يجعل له جعلا معلوما على عمله فإذا فعله استحق الجعل وإن شاء بعثه من غير تسمية ثم أعطاه (٣). (روى) عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ من الشام فقال: ألم أخبر أنك تعمل على عمل من أعمال المسلمين فتعطي عليه عمالة فلا تقبلها؟ قال: أجل إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن يكون عملي صدقة على المسلمين، فقال عمر: إني أردت الذي أردت، وكان النبي

стр. 2943

صلى الله عليه وسلم يعطيني المال فأقول: أعطه من هو افقر إليه مني، وإنه أعطاني مرة مالا فقلت له: أعطه من هو أحوج إليه مني. فقال: ما آتاك الله من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فتموله أو تصدق به. ومالا، فلا تتبعه نفسك" أخرجه البخاري والنسائي وهذا لفظه (١). ﴿١٤٦﴾ (٤) المؤلفة قلوبهم: المؤلفة: جمع مؤلف من التأليف، أي الجمع، والمراد جمع القلوب. وهم ثلاثة أقسام: (أ) كفار كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعطيهم تأليفا لهم ليسلموا هم وقومهم. وهذا من الجهاد لأنه كما يكون بالسنان يكون بالإحسان. (ب) وكافر كان يعطي لدفع شره. (جـ) ومن أسلم على ضعف كان يعطي ليثبت إسلامه. هذا وقد سقط نصيب المؤلف عند الحنفيين من الزكاة لإجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق من آخر دفعة دفعها لهم النبي ﷺ وظهر ذلك في خلافة الصديق ﵁ لما جاءه عيينه بن حصن والأقرع ابن حابس والعباس بن مرداس وطلبوا من الصديق نصيبهم، فكتب لهم به وجاءوا على عمر وأعطوه الخط، فأبى ومزقه وقال: هذا شيء كان النبي ﷺ يعطيكموه تأليفا لكم على الإسلام والآن قد اعز الله الإسلام وأغنى عنكم فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف "الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (٢) فرجعوا إلى أبي بكر ﵁

стр. 2944

فقالوا: الخليفة أنت أم عمر؟ فقال: هو إن شاء. ووافقه ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعا. فلولا اتفاقهم عليه وأن مفسدة مخالفته أكثر من المفسدة المتوقعة لمنعهم لبادروا لإنكاره (١). (وقال) حبان بن أبي جبلة قال عمر بن الخطاب ﵁ وقد أتاه عيينه بن حصن: الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. يعني ليس اليوم مؤلفة. أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢). (وقالت) الشافعية: من أسلم على ضعف في ألفته بالمسلمين أو على ضعف في يقينه يعطي تأليفا له وتثبيتا لإسلامه (ويعطي) مسلم قوي الإيمان والألفة بالمسلمين لكن له شرف في قومه يتوقع بإعطائه إسلام غيره (ويعطي) مسلم- ذو شوكه يكفينا شر من يليه من الكفار أو مانعي الزكاة- إن رأى الإمام الحاجة لإعطائه بأن يكون إعطاؤه أهون على المسلمين من محاربة الكفار أو مانعي الزكاة. أما المؤلف الكافر وهو من يرجى إسلامه أو يخاف شره فلا يعطي من الزكاة اتفاقا ولا من غيرها على الأصح عندهم إلا لنازلة نزلت بالمسلمين، كأسر بعضهم وهجوم الكفار على بعض بلاد الإسلام ولا يردون الأسير ولا يندفعون عن بلاد الإسلام إلا ببذل مال لهم فيعطون من غير الزكاة حينئذ للضرورة ولا يعطون منها، لأن الله أعز الإسلام وأهله وأغنى عن التأليف. وأما إعطاء النبي ﷺ مؤلفة الكفار من الغنائم فكان من خمس الخمس وهو ملك النبي ﷺ يصرفه حيث شاء (٣). (وقال) مالك وأحمد: يعطي المؤلفة من الزكاة ولو كفارا لإطلاق قوله تعالى: "والمؤلفة قلوبهم" (ولحديث) أنس "أن النبي ﷺ لم يكن يسأل شيئا عن الإسلام إلا أعطاه فأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا

стр. 2945

صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعطي عطاء ما يخشى الفاقة" أخرجه أحمد ومسلم (١). ﴿١٤٧﴾ (قالوا) وكان النبي ﷺ يعطي المؤلفة كثيرا حتى مات. ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ. والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وليس في القرآن نسخ لذلك ولا في السنة. فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم أو بقول صحابي أو غيره. (قال) الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة. على أن ما ذكروه من المعنى لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة. فإن الغنى عنهم لا يوجب رفع حكمهم وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم، فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا (٢). (فالظاهر) جواز إعطاء المؤلفة عند الحاجة إلى التأليف. فإذا كان قوم لا يطيعون الإمام إلا للدنيا ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة (٣). (٥) الرقاب: جمع رقبة والمراد بها المكاتب يعطى من الزكاة لتخليص رقبته من الرق (فعند) الحنفيين والثوري والليث بن سعد وأحمد: يعان مكاتب غير المزكى -ولو كان سيده غنيا لا هاشميا- من الزكاة في فك رقبته (وقال) الشافعي: يعان المكاتب كتابة صحيحة وإن كان قادرًا على الكسب وسيده كافرًا أو هاشميًا أو مطلبيًا (ويشترط) ألا يكون معه ما يفي بنجوم الكتابة. (وقال) مالك وإسحق: المراد بالرقاب أن يشتري من الزكاة عبد مؤمن

стр. 2946

وإن كان معيبا عيبا فاحشا كالعرج والعور والعمي ويعتق ويكون ولاؤه للمسلمين لأن المال لهم (واختار) هذا البخاري وابن المنذر محتجين بأن الرقاب لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين؛ لأنه مدين وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان، ولا يعتق، لأنه عبد ما بقى عليه درهم ولأن الشراء يتيسر في كل وقتع بخلاف الكتابة. (وقال) أبو جعفر الطبري: والصواب عندي قول من قال: عني بالرقاب في هذا الموضع المكاتبون لإجماع الحجة على ذلك (١) وهو قول الجمهور. وقول مالك مخالف لظاهر الآية لأن المكاتب من الرقاب لأنه عبد واللفظ عام فيدخل في عمومه. إذا ثبت ذلك فإنه إنما يدفع إليه إذا لم يكن معه ما يقضي به كتابته ولا يدفع إلى من معه وفاء كتابته شيء لأنه مستغن عنه في وفاء الكتابة، فإن كان معه بعض الكتابة تمم له وفاء كتابته، وإن لم يكن معه شيء أعطى جميع ما يحتاج إليه لوفاء الكتابة ولا يعطي بحكم الفقر شيئا لأنه عبد. ويجوز إعطاء قبل حلول كتابته لئلا يحل النجم ولا شيئ معه فتفسخ الكتابة. ولا يدفع إلى مكاتب كافر شيء لأنه ليس من مصارف الزكاة. ويجوز أن يشتري بها أسيرا مسلما لأنه فك رقبة من الأسر فهو كفك رقبة للعبد من الرق ولأن فيه إعزازا للدين فهو كصرفه على المؤلف قلوبهم ولأنه يدفعه إلى الأسير في قك رقبته فأشبه ما يدفعه إلى الغارم لفك رقبته من الدين (٢). هذا واختلف في المكاتب الفاسق هل يعان؟ قال الجمهور: يعان وهو الظاهر.

стр. 2947

(٦) الغارم: أي المدين، وهو ثلاثة أقسام: (أ) من استدان لإصلاح حاله أو لعمارة مسجد أو إكرام ضيف وعجز عن أداء دينه كان لا يملك نصابا فاضلا عن دينه ولو له دين على غيره لكن لا يقدر على أخذه فيعطي من الزكاة ما يفي بدينه (لقول) أبي سعيد الخدري ﵁ "أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" أخرجه أحمد ومسلم (١). ﴿١٤٨﴾ (فقد) دل على أن من أصيب في ماله فهو غارم يباح له أخذ الصدقة سواء أكانت تطوعا أم واجبة (ويشترط) عند الحنفيين- أن يكون استدان لمباح ولو صرفه بعد في معصية. أما إن تداين لمعصية وصرفه في مباح أو في معصية وتاب توبة صادقة فإنه يعطي، وإن لم يتب لم يعط. ويشترط احتياجه للمساعدة بأن حل الدين ولم يقدر على وفائه وغن كان ما عنده يفي بجميع الدين فلا يعطي من نصيب الغارمين وإن صار فقيرا يأخذ بوصف الفقر. (وقال) مالك: يباع على المفلس دار سكناه فتباع في الدين ويسكن بالأجرة. وكتب طالب علم ينتفع بها كآلة الصناع، قيل: تباع في دين المفلس، والأصح لا تباع. هذا وخرج بدين الآدمي حقوق الله تعالى كالكفارة والزكاة والهدى فلا يعطي من الزكاة لوفاء ما ذكر (٢).

стр. 2948

وإن كان الغارم من ذوي القربى فقال بعض العلماء: يجوز الدفع إليه لأن علة منعه من الأخذ منها لفقره صيانته عن أكلها لكونها أوساخ الناس وإذا أخذها للغرم صرفها إلى الغرماء فلا يناله دناءة وسخها (وقيل) لا يجوز لعموم النصوص في منعهم من أخذها وكونها لا تحل لهم ولأن دناءة أخذها تحصل سواء أكلها أم لم يأكلها (١). (ب) غارم استدان لإصلاح بين متخاصمين في قتيل أو مال متلف وإن عرف القاتل والمتلف فاستدان ما سكن به الفتنة فيعطي ما يقضي به دينه إن حل الدين ولم يبق له بعده قدر نصاب عند الحنفيين (وعند) الأئمة الثلاثة يعطي ولو غنيا بشرط أن يستدين ولم يوف من ماله. أما لو لم يستدن بأن أعطى من ماله ابتداء أو استدان ووفي من ماله فلا يعطي. (قال) قبيصة بن المخارق الهلالي ﵁: " تحملت حمالة فأتيت النبي ﷺ فسألته فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فإما أن نحملها إوما أن نعينك فيها، وقال: إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لرجل تحمل حمالة قوم فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة أجاحت ماله فيسأل فيها حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة فيسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك، وما يوى ذلك من المسائل سحت يا قبيصة يأكله صاحبه سحتا" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (٢). ﴿١٤٩﴾

стр. 2949

(جـ) غارم لضمان فغن كان بإذن المضمون أعطى إن أعسر هو والأصيل وإن كان بغير إذنه أعطى إن أعسر وإن لم يعسر المضمون. (هذا) والراجح أن الغارم يعطي من الزكاة مطلقا (قال) أبو الطيب صديق بن حسن: وأما الغارم فظاهر إطلاق الآية يشمل من عليه دين سواء أكان غنيا أو فقيرا مؤمنا أو فاسقا في طاعة أو معصية. أما عدم الفرق بين الغني والفقير، فلإطلاق الآية ولاستثناء الغارم من حديث: لا تحل الصدقة لغني. وأما عدم الفرق بين المؤمن والفاسق، فلإطلاق الآية لا سيما إذا استدان الفاسق في غير سرف ولا معصية فلا معنى لاشتراط الإيمان. وأما عدم الفرق بين الدين في طاعة أو معصية. فلإطلاق الآية. وإذا ورد ما يقتضي التقييد بما لزم في طاعة أو معصية، فلإطلاق الآية. وإذا ورد ما يقتضي التقييد بما لزم في طاعة فله حكمه. نعم إذا كانت الإعانة له تستلزم إغراءه على المعاصي ووقوعه فيما يحرم عليه، فلا ريب أنه ممنوع لأدلة أخرى. وأما إذا لومه الدين في السرف والمعصية ثم تاب وأقلع وطلب أن يعان من الزكاة على القضاء، فالظاهر عدم المنع (١). (٧) سبيل الله: المراد به- عند النعمان- جميع القرب. فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخير إذا كان محتاجا (وقال) أبو يوسف: المراد منه فقراء الغزاة لأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع يراد به ذلك. (وقال) محمد: المراد به الحاج المنقطع (٢). (روت) أم معقل الأسدية "أن زوجها جعل بكرا لها في سبيل الله وأنها أرادت العمرة، فسألت زوجها البكر، فأبى، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فأمره أن يعطيها، وقال النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم: الحج والعمرة من سبيل الله، فأعطاها البكر"

стр. 2950

(الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. (ورد) بأن فيه مجهول وإبراهيم ابن مهاجر متكلم فيه (١). ﴿١٥٠﴾ ... (وقال) الأئمة الثلاثة: المراد بسبيل الله الغزاة المتطوعون بالجهاد أن لم يكن لهم شئ فى بيت المال فيعطون ولو أغنياء إعانة لهم على الغزو (لما) تقدم من قوله ﷺ : لا تحل الصدقه لغنى إلا لخمسة، ومنهم: أو غاز فى سبيل (٢). ولن الله تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين وعد بعضهما ستة أصناف لم يشترط فيهم الفقر، فيجوز لهم الأخذ مع الغنى الظاهر الآية (٣). ... (وأجاب) الحنفيون عن الحديث: لا تحل الصدقة لغنى إلا لغاز فى سبيل الله، بأنه محمول على من كان غنيا حال إقامته، فلا تحل له الصدقة، فإذا عزم على السفر للجهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجا لهم فى إقامته فيجوز أن يعطى من الصدقة وإن كان غنيا فى مصره. (وحاصل) مذهب مالك ﵀ ان المجاهد فى سبيل الله أى المتلبس به ان كان ممن يجب عليه لكونه حرا مسلما ذكرا مكلفا قادرا، يعطى من الزكاة ما ينفقه فى جهاده ولو غنيا أو هاشميا، ويدخل فيه المرابط ويشترى له منها آلة الجهاد كسيف ورمح. وقولهم: لا يعطى للمجاهد الهاشمى، محمول على ما ينفقه على نفسه. وأما الآلة فلا يتملكها لأنها تبقى للمجاهدين، وكالمجاهد جاسوس يرسل للاطلاع على أحوال العدو ويعلمنا بها فيعطى منها وان كان كافرا لأنه ساع فى مصالح المسلمين (٤).

стр. 2951

(٨) ابن السبيل: هو -عند الحنفيين- الغريب المنقطع عن ماله فيعطى من الزكاة ما يوصله لمقصده وإن كان غنيًا في وطنه، لأنه محتاج في الحال. (وعن) أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة: في سبيل الله وابن السبيل ورجل كان له جار فتصدق عليه فأهدى له" أخرجه أحمد وأبو داود وفيه عطية بن سعد العوفي ضعفه الثوري وابن عدى، وحسن له الترمذي أحاديث. ﴿١٥١﴾

стр. 2952

ويلحق به كل من تعذر عليه حصوله على ماله ولو في بلده. والأولى أن يتسلف إن قدر (وقالت) المالكية والحنبلية: ابن السبيل. الغريب المحتاج لما يوصله وكان تغربه في غير معصية بالسفر، ويلزمه أن يتسلف إن قدر فإن لم يجد مسلفا أعطى من الزكاة ولو غنيا ببلده، وإن وجد مسلفا أعطى إن كان فقيرا ببلده. أما من كان معه ما يوصله فلا يعطي منها كما لو كان تغربه في معصية. ... (وقالت) الشافعية: ابن السبيل هو منن ينشئ سفرا لغرض صحيح ولو للتنزه أو يكون مجتازا فيعطي ما يوصله لمقصده إن كان محتاجا غير عاص بسفره، فإن كان سفره لمعصية فلا يعطي. وكذا الهائم الذي سفره لغيره غرض صحيح. ثم الكلام بعد ينحصر في سبعة فصول: (١) توزيع الزكاة على مستحقيها: خص الله تعالى الصدقة بهؤلاء الأصناف فلا تصرف لغيرهم ويجوز دفعها على كلهم أو بعضهم عند الحنفيين ومالك وأحمد والجمهور، لأن الآية إنما سيقت لبيان أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف لا لإيجاب قسمها عليهم جميعا (روى) عطاء عن عمر: "إنما الصدقات للفقراء. قال: أيما صنف أعطيته من هذا أجزأك" أخرجه الطبري (١). (وقال) أبو سعيد الخدري ﵁: "بعث على ﵁ وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة في ترابها، فقسمها النبي ﷺ بين الأقرع بن حابس وبين زيد الخيل وعيينة بن حصن وعلقمة

стр. 2953

ابن علاثة، فغضبت قريش والأنصار وقالوا: تعطي صناديد أهل نجد؟ فقال النبي ﷺ : إنما أتألفهم. ذكره علاء الدين الكاساني وقال: ولو كان كل صدقة مقسومة على الثمانين بطريق الاستحقاق لما دفع النبي ﷺ الذهبية إلى المؤلفة دون غيرهم (١). (وقال) الشافعي: يلزم تعميم الأصناف إن قسم الإمام، وكذا إن قسم المالك. وكانوا محصورين (لقول) زياد بن الحارث الصدائي: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له النبي ﷺ : "إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك" أخرجه أبو داود والطحاوي، وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي تكلم فيه غير واحد (٢). ﴿١٥٢﴾ (وبهذا) قال الزهري وداود (والظاهر) ما ذهب إليه الأولون، وليس في الىية ما يدل على طلب تعميم الأصناف. وفي التعميم حرج ومشقة (والمراد) من حديث زياد بن الحارث بيان أن الآية تكفلت ببيان الأصناف الذين يجوز الدفع إليهم (ولذا) اختار بعض محققي الشافعية عدم وجوب التعميم.

стр. 2954

(قال) العلامة البيضاوي في تفسير الآية بعد أن ذكر قول الجمهور: واختاره بعض أصحابنا، وبه كان يفتي شيخي ووالدي رحمهما الله تعالى، على أن الآية لبيان أن الصدقة لا تخرج عنهم لا لإيجاب قسمها عليهم (وندب) إيثار المضطر على غيره بأن يزاد في عطائه منها بلا تحديد، فإن خيف هلاك أو شدة أذى وجب الإيثار ولا يندب تعميم الأصناف الثمانية عند مالك إلا أن يقصد الخروج من خلاف الشافعي (١). (وقال) الحنفيون وأحمد: يستحب تفريقها على من أمكن من الأصناف وتعميمهم ويبدأ بإعطاء جابي الزكاة لأنه يأخذ أجر عمله فكان استحقاقه أولى. ولذا إذا عجزت الصدقة عن أجره تمم من بيت المال، ويعطي كل صنف قدر كفايته فإن فضلت عن كفايتهم نقل الفاضل إلى أقرب البلاد إليه، وإن نقصت أعطى الإمام كل إنسان منهم ما يرى (٢)، وإذا تولى الرجل تفريق زكاته، فالأفضل له- عند غير مالك- دفعها إلى الأقارب غير الأصول والفروع، لما فيه من الصلة والصدقة (روى) سلمان بن عامر الضبي أن النبي ﷺ قال: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صلة وصدقة" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٣). ﴿١٥٣﴾ ويخص ذوي الحاجة لأنهم أحق، فإن استووا فيها فأولاهم أقربهم نسبا. (وقال) مالك: يكره تخصيص قريب لا تلزم المزكي نفقته. وأما إعطاؤه كغيره فلا كراهة فيه إن كان من أهلها، ولنائب رب المال أن يأخذ منها بالمعروف إن كان من أهلها (٤).

стр. 2955

(٢) شروط من تدفع له الزكاة: يشترط في مصرف الزكاة سبعة شروط: (أ) الإسلام (لقول) النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في ففرائهم" (١)، والضمير للمسلمين فلا تدفع لكافر. نعم الكيال والحمال والحافظ ونحوهم يجوز كونهم كفارا عند الشافعي يعطون أجرهم من سهم العامل لأن ذلك أجرة لا زكاة، وكذا الجاسوس الكافر يعطي عند مالك والمؤلف الكافر يعطي عنده وعند أحمد (٢)، وكذا إن كان عاملا في إحدى الروايتين عنه. ويجوز دفع الزكاة وغيرها للمسلم الفاسق إلا إن علم أنه يستعين بها على معصية فيحرم وإن أجزأ. (ب) الحرية- وهي شرط في غير الرقاب، فلا تعطي- عند غير الحنفيين- لرقيق ولا لمن فيه شائبة رق لأن نفقته على سيده، فإن عجز السيد عنها باعه أو أعتقه فيكون من أهل الزكاة، وإذا كان العبد عاملا جاز إعطاؤه من الزكاة أجر عمله (وقال) الحنفيون: لا يشترط حرية المؤدى إليه، فيجوز دفع الزكاة لعبد سيده فقير، وتقع للسيد، وكذا يصح دفعها عند النعمان لعبد سيده غنى إذا كان مأذونا له في التجارة وكان مدينا بما يستغرق رقبته وكسبه؛ لأن السيد لا يملك حينئذ كسبه فهو كالمكاتب. (وقال) أبو سف ومحمد: لا يجوز دفع الزكاة لعبد سيده غني، لأنه يملك كسبه عندهما (أما المكاتب) فيجوز- عند غير مالك- أن يدفع إليه غير سيده زكاته على ما تقدم بيانه في بحث الرقاب (٣)، وكذا يجوز للسيد دفع

стр. 2956

زكاته إلى مكاتبه عند ابى يوسف ومحمد وهو الصحيح عن احمد، لأنه صار معه فى المعاملة كالأجنبى، فهو كالدائن يدف زكاته الى مدينه. (وقال) النعمان: لا يدفع السيد زكاتة لمكاتبه لأن للسيد حقا فى كسبه فكأنه دفع لنفسه، وهو رواية عن احمد. (ج) إلا يكون غنيا بمال: يشترط فى المصرف الاحتياج على ما تقدم فى بحث الفقير والمسكين فلا تدفع الزكاة إلا غنى بالإجماع (وهو) عند الحنفيين من يملك نصابا ولو غير تام - من النقود أو الماشيه أو العروض - فاضلا عن الدين والحوائج الأصلية (لحديث) سالم بن أبى الجعد عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: " لا تحل الصدقة لغنى ولا ذى مرة سوى " أخرجه أحمد والنسائى وأبن ماجه والدار قطنى بسند رجاله ثقات، لكن قال أحمد: سالم لم يسمع من أبى هريرة. وأخرجه الحاكم عن ابى حازم عن أبى هريرة وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبى (١). ﴿١٥٤﴾ ... (وقالت) المالكيه: الغنى من يملك أو يكتسب ما يكفيه - هو ومن تلزمه نفقته - عاما فيجوز دفعها لمن يملك أو يكتسب نصابا فأكثر لا يكفيه. ... (وقالت) الشفاعية: الغنى من له مال أو كسب يكفيه ومن تلزمة نفقته العمر الغالب وهو ستون سنة على ما تقدم فى بحث الفقير والمسكين (٢). ... (قال) الشافعى رحمة الله: قد يكون الرجل غنيا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه فى نفسه وكثرة عياله (٣).

стр. 2957

(وعن) أحمد روايتان: (الأولى) أن الغنى هو من يقدر على تحصيل ما يكفيه ومن تلزمه نفقته، فاذا لم يكن محتاجا حرمت عليه الزكاة وان يملك شيئا، وان كان محتاجا حلت له وان ملك نصابا من الأثمان وغيرها. (الثانية) أن الغنى هو من يملك خمسين درهما أو قيمتها من ذهب، أو قدر على تحصيل ما يكفيه على الدوام من يكسب أو تجارة أو عقار أو نحوها. فلو ملك من العروض أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفايه لم يكن غنيا وان ملك نصابا. وهذا هو الظاهر من مذهبه (لما) روى عن على وابن مسعود رضى الله عنهما انهما قالا: لاتحل له الصدقة لمن لهم خمسون درهما أو قيمتها من الذهب (١). ... (واجاب) الأولون بأن هذا وما روى مثله مرفوعا لا يدل على حرمة أخذ الزكاة علة من ملك خمسين درهما أو قيمتها، انما يدل على حرمة السؤال على من ذكر. على ان الحديث ضعيف لا يحتج به كما تقدم (٢). ... (وقال) الحسن البصرى رضى الله عنه: الغنى من ملك اربعين درهما أو قيمتها (لقول) أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه: سرحتى امى الى النبى ﷺ أسأله، فأتيته فاستقبلنى، فقال: " من استغنى اغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن استكفى كفاه الله ومن سال وله قيمه أو قية فقد ألحف. فقلت: ناقى الياقوتة معى خير من اوقية، فرجعت ولم أسأله " أخرجه احمد والنسائى بسند رجاله ثقات (٣). ﴿١٥٥﴾

стр. 2958

والاوقيه أربعون درهما. (واجاب) الأولون عن هذا الحديث بحمله على حرمة السؤال. بمعنى انة لا يحل سؤال الصدقة لمن له أوقية أو قدرها من الذهب. أقسام الغنى: هو ثلاثة أقسام: (١) الغنى الموجب للزكاة، وهو أن يملك نصابا من المال النامى الفاضل عن حاجته الاصلية - عند الحنفين - وهو مانع من اخذ الزكاة (لقول) النبى ﷺ لما بعثة الى اليمن: " ان الله افترض عليهم صدقة فى اموالهم تؤخذ من أغنبائهم وترد فى فقرائهم " (١). ... قسم الناس قسمين: أغنياء وفقراء وجعل الأغنياء يؤخذ منهم والفقراء ترد عليهم، فمن لم يؤخذ منه يكون مردودا عليه (وقال) مالك والشافعي واحمد: قد يجوز لمن تجب عليه الزكاة أن يأخذ زكاة غيرة، فمن ملك نصاب زكاة - لا تتم به الكفايه - من غير الأثمان فله أن يأخذ من الزكاة. ... (قال) الميمونى: ذاكرت أبا عبد الله - يعنى احمد - فقلت: قد تكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير وتكون له اربعون شاة وتكون له الضيعة لا تكفيه فيعطى الصدقة؟ قال: نعم وذلك لأنه لا يملك ما يغنيه ولايقد على كسب ما يكفيه فجاز له الاخذ من الزكاة كما لو كان ما يملك لا تجب فيه الزكاة (٢). (٢) الغنى المحرم لأخذ الصدقة والموجب لصدقة الفطر والأضحية - عند الحنفيين - وهو أن يملك مما لا تجب فيه الزكاة ما يفضل عن حاجته وتبلغ قيمة الفاضل مائتى درهم زيادة عما يحتاج اليه وليس للتجارة ولا من السوائم، فاذا كان كذلك حرم عليه أخذ الصدقة (وقال) مالك والشافعى وأحمد: لا يحل الأخذ من الزكاة لمن عنده ما يكفيه من مال أو كسب بلا زيادة

стр. 2959

(لقول) عبيد الله ابن عدى: " أخبرنى رجلان أنهما أتيا النبى ﷺ فى حجة الوداع يسألانه الصدقة، فرفع فيهما النبى ﷺ البصر وخفضه، فرآهما رجلين جلدين، فقال: ان شئتما أعطيتكما منها ولاحظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب " أخرجه أحمد والنسائى وأبو داود والدار قطنى بسند جيد (١). ﴿١٥٦﴾ ... (وأجاب) الحنفيون بأن هذا محمول على حرمة السؤال لا على حرمة الأخذ من الزكاة، ولو كان حراما لم يعطهما النبى ﷺ ، ولكن قال ذلك للزجر عن السؤال والحمل على الكسب. (٣) الغنى المحرم للسؤال: وهو يتحقق بالقدرة على الكسب أو بملك خمسين درهما أو قيمتها أو ما يستر جسده ويفى بقوت يومه (لحديث) سهل ابن الحنظلية أن البنى ﷺ قال: " من سأل وعنده ما يغنيه فانما يستكثر من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه " أخرجه أحمد وأبو داود مختصرا بسند رجاله رجال الصحيح (٢). ﴿١٥٧﴾ ... الغنى بغيره: (د) يشترط فيمن تصرف له الزكاة أن لا يكون غنيا بغنى غيره وهو من تجب عليه فطرته عند الحنفيين ومن تلزمه نفقته عند غيرهم، فلا تدفع الى أولاد صغار أبوهم غنى وان لم يكونوا فى عيالهم لانهم أغنياء بغناه، أما الكبار الفقراء فتدفع لهم الزكاة لأنهم لا يعتبرون أغنياء بغنى أبيهم وان كانت نفقتهم

стр. 2960

عليه بان كان الوالد زمنا او اعمى، او طالب علم، او انثى لم تتزوج. وكزا يصح دفعها الى اصل الغنى وامرئته الفقيرين ولو فرض لها نفقه عند المعونان ومحمد، لانها لا تعد غنيه بغنى زوجها لانها لا تستحق عليه الا مقدار النفقه فلا تعد به غنيه. (وعن) ابى يوسف: لا يجوز اعطاؤها من الزكاة اذا قضي لها بالنفقة لانها تصير دينا بالقضاء فتصير بها غنيه بغنى زوجها (وقال) الائمه الثلاثة: لا تدفع الزكاة لمن تزلم الغنى نفقته كرفعه ولو كبيرا واصله وامرائتة الفقراء، وهذا - بالنسبه للمرأة - اذا كان زوجها موسرا ينفق عليها وان لم ينفق عليها وتعزر ذلك، جاز الدفع اليها كما لو طعلت منفعة العقار (١). عودة منفعة الزكاة على المزكى: (هـ) يشترط عدم اتصال المنافع بين المزكى والمؤدى اليه لأن ذلك يمنع تمليك الفقير من كل وجه بل صرافا الى نفس المزكى من وجهه، وعليه: (١) لا تدفع الزكاة لأصل المزكى كأبويه واجداده وجداته ولو من قبل الأم وان علوا (٢) ولا الى فرعيه وان سفله، لعدم قطع المنفعة عن المزكى بدفعه لمن ذكر. وهذا مجمع عليه. (٣) ولا يدفع الرجل زكاته الى امرأته اجماعا. (٤) ولا تدفع المرأة الزكاة الى زوجها ولو معتدة من طلاق بائن بينونة كبرى - عند النعمان وأحمد فى روايه - لعدم قطع المنفعه عنها بدفعها لزوجها. (وقال) أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد فى روايه واشهب المالكي: يجوز للمرأة دفع زكاتها الى زوجها الفقير (لحديث) أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه أن زينب أمرأة ابن مسعود قالت: يا بني الله إنك أمرت اليوم بالصدقة

стр. 2961

وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم. فقال النبي صلي الله تعالي وعلى آله وسلم: " صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم " أخرجه البخاري مختصرا (١). ﴿١٥٨﴾ ولأنه لا يجب على المرأة نفقة الزوج فلا مانع من الدفع إليه كالأجنبي لأن الاصل جواز الدفع الى الزوج لدخوله فى الاصناف المستحقة للزكاة، وليس فى المنع نص ولا إجماع (٢). ... (وأجاب) الأولون عن حديث ابى معود بأنه محمول علي صدقة التطوع (لقول) البنى ﷺ : " زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم " والولد لا تدفع اليه الزكاة (ولحديث) رائطة امرأة ابن مسعود قالت: يا رسول الله، انى امرأة ذات صنعة أبيع منها وليس لي ولا لولدي ولا لزوجي نفقه غيرها وقد شغلوني عن الصدقة فما أستطيع أن أتصدق بشئ فهل لى من اجر فيما أنفقت؟ فقال لها النبى صلى الله وعليه وعلي آله وسلم: " أنفقي عليهم فان لك فى ذلك اجر ما انفقت عليهم " أخرجه أحمد والبيهقي (٣). ﴿١٥٩﴾

стр. 2962

(والراجع) عند المالكية أنه يكره للمرأة دفع الزكاة للزوج. وقيل: يمنع لعودها فى النفقة (١). ... الهاشمي ومولاه: ... (و) يشترط فيمن تصرف له الزكاة أن لا يكون من بنى هاشم ولا من مواليهم: ... [ا] فلا تدفع الزكاة للنبى ﷺ ولا لآله، وهم - عند الحنفيين - آل العباس بن عبد المطلب وآل على وجعفر وعقيل أبناء أبي طالب وآل حارث بن عبد المطلب (وخص) هؤلاء بالمنع لجواز الدفع الى غيرهم من بني هاشم وهم بنو أبي لهب لأنهم آذوا النبي ﷺ فأستحقوا الاهانه بجواز دفع أوساخ الناس اليهم بخلاف هؤلاء فانهم آووا ونصروه فاستحقوا الكرامة بتنزيههم عن أوساخ الناس وهي الصدقة. (وقال) مالك وأحمد: آل النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنو هاشم مطلقا حتى من اسلم من بنى لهب (٢) (لعموم) قول النبى ﷺ فى حديث عبد المطلب بن ربيعه -: " ان الصدقه لا تنبغى لآل محمد انما هيا اوساخ الناس " (٣). وقد اسلم عتبه ومعتب ابنا أبى لهب عام الفتح وشهد حنينا والطائف، وقد أعقبا. ... (وقال) الشافعي وجماعة: آل النبى ﷺ : بنو هاشم وبنو المطلب، لآن النبى ﷺ أعطاهم من سهم ذوى القربى ولم يعط غيرهم من قبائل قريش، فكان ذال يدل ما حرموة من الزكاة.

стр. 2963

(قال) جبير بن مطعم: لما كان يوم خبير وض \ع النبى ﷺ سهم ذوى القربي فى بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل وبني عيد شمس، فأتيت أنا وعثمان بن عفان رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا سرول الله هؤلاء بنوا هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذى وضعك الله به منهم، فما بال اخواننا بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة؟ فقال النبى ﷺ : " انا وبنى المطلب لا نفترق فى جاهليه والا اسلام وانما نحن وهم شئ واحد وشبك بين اصابعه " أخرجه احمد وابو داود النسائى (١). ﴿١٦٠﴾ (وأجاب) الاولون بان بنى المطلب انماب اعطوا من خمس الخمس لنصرتهم وموالاتهم بنى هاشم الا لمجرد القرابه، فان بنى عبد شمس وبنى نوفل ليسوا دونهم فى القرابة ولم يعطوا من الخمس الخمس. والنصرة لا تقضى منع الزكاة فتعطى للمستحق من بنى المطلب بدخولهم فى عموم من يستحقهم وانما منع منها بنو هاشم لما فى حديث عبد المطلب بن ربيعه من قول النبى ﷺ : ان هذة الصدقة انما هيا اوساخ الناس وانها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد (٢)." ولحديث ابى هريرة رضى الله عنة ان الحسن ابن على رضى الله عنهما اخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها فى فيه، فقال النبى ﷺ : كخ كخ أرم بها، اما علمت" لا نأكل الصدقة او ان لا تحل لنا الصدقة؟ " أخرجه احمد والشيخان (٣). ﴿١٦١﴾

стр. 2964

(فوجب) اختصاص بني هاشم بالمنع، ولا يصح قياس بني المطلب عليهم لأن بني هاشم أقرب إليه ﷺ واشرف وهم آله (وهذا) في الصدقة الواجبة كالزكاة والكفارات وجزاء الصيد (متفق عليه) أما صدقة التطوع وغلة الوقوف، فالراجح عند الحنفيين أنها لا تدفع لهم إلا على وجه الهدية (لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أتى بطعام سأل عنه، فإن قيل: هدية، أكل، وإن قيل: صدقة، لم يأكل وقال لأصحابه: كلوا" أخرجه أحمد والشيخان (١). ﴿١٦٢﴾ ... (قال) الخطابي: وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة لنفسه وآله، وكأن المعنى في ذلك أن الهدية إنما يراد بها ثواب الدنيا، فكان النبي ﷺ يقبلها ويثيب عليها فتزول المنة عنه والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فلم يجز أن تكون يد أعلى من يده ﷺ في أمر الآخرة (٢). ... (والمعتمد) عند مالك والشافعي وأحمد وبعض الحنفيين: أنه يجوز لآل النبي ﷺ الأخذ من صدقة التطوع قياسا على الهبة والهدية والوقف ولأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس وهي الزكاة لا صدقة التطوع (والظاهر) القول بحرمة صدقة التطوع عليهم كالفرص لأن الدليل لم يفصل وهو الراجح عند الحنفيين. ... (فائدة) إذا منعت الآل من حقهم في سهم ذوي القربى لم يعطوا من الزكاة عند الحنفيين وأحمد وهو الصحيح عند الشافعي، لعموم الأدلة المانعة، ولأن منعهم من الزكاة لشرفهم بقرابة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي

стр. 2965

باقية فيبقى المنع (وقال) مالك والأصطخري الشافعي والطحاوي: يجوز دفع الزكاة إليهم حينئذ بوصف الفقر. [ب] ولا تدفع الزكاة لموالي آل النبي ﷺ عند الحنفيين والشافعي وأحمد وابن الماجشون (لحديث) أبي رافع أن النبي ﷺ بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال: أصحبني لعلك تصيب منها معي، فقلت: حتى أسأل النبي ﷺ ، فسألته، فقال: "مولي القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة" أخرجه أحمد والثلاثة والحاكم وصححه وقال الترمذي: حسن صحيح (١) ﴿١٦٣﴾ ... (وقال) مالك وبعض الشافعية: يجوز دفع الزكاة إلى موالي آل النبي ﷺ لأنهم ليسوا بقرابة ولا حظ لهم في سهم ذوي القربى فلا يحرمون من الصدقة كسائر الناس، ولأن علة التحريم- وهي الشرف- مفقودة فيهم (والحديث) حجة عليهم ولا قيام للعلة العقلية مع الدليل الصحيح الصريح، فلا تحل لهم صدقة الفرض وكذا صدقة التطوع على الراجح عند الحنفيين. والمعتمد عند الشافعية أنه يجوز لموالي آل النبي ﷺ الأخذ من صدقة التطوع كالهدية والوقف. (ز) يشترط فيمن تصرف له الزكاة كونه أهلا للملك، فلا تدفع الزكاة فيما لا تمليك فيه كبناء مسجد أو قنطرة أو إصلاح الطرق أو تكفين ميت فقير أو قضاء دينه ولو بأمره قبل موته، ولو اشترى بالزكاة طعاما فأطعم الفقراء.

стр. 2966

ولم يدفع عين الطعام إليهم لا يجوز لعدم التمليك (١)، ولو دفع زكاته إلى الإمام

стр. 2967

أو عامل الصدقة، جاز لأنه نائب عن الفقير في القبض. وكذا لو دفع زكاة ماله إلى غير مكلف فقير وقبض له وليه أو صيه جاز، لأن الولي يملك قبض

стр. 2968

الصقدقة عنه، وكذا الأجنبي الذي هو في عياله، لأنه كالولي في قبض الصدقة لكونه نفعا محضا، ألا ترى أنه يملك قبض الهبة له. ... (وعن) أبي يوسف ومحمد: أن من عال يتيما فجعل يكسوه ويملكه الطعام وينوي به زكاة ماله يجوز، ثم إن كان اليتيم عاقلا يدفع إليه وإن لم يكن عاقلا يقبض عنه بطريق النيابة ثم يكسوه ويطعمه لأن قبض الولي كقبضه لو كان عاقلا، ولا يجوز قبض الأجنبي للفقير المكلف إلا بتوكيله لأنه لا ولاية له عليه فلابد له من امره كما في قبض الهبة (١). ... (٣) الخطأ في مصرف الزكاة: ... لو دفع المزكي- بعد التحري- زكاته إلى من ظنه مصرفا فبان أنه غني أو هاشمي أو ذمي أو أصله أو فرعه، أجزأه ما دفعه من زكاته- عند النعمان ومحمد (لقول) معن بن يزيد ﵄: كان أبي أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: "لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن" أخرجه أحمد والبخاري (٢). ﴿١٦٤﴾

стр. 2969

فعموم لفظ- ما في قوله: لك ما نويت- يفيد المطلوب وإن كان يحتمل أن الصدقة كانت نفلا (ولحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قال رجل: لأصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني، فأتى فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغنى فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله" أخرجه أحمد والشيخان والنسائي (١). ﴿١٦٥﴾ (وقال) مالك وأبو يوسف والشافعي: لو دفع المزكى بعد التحري زكاته إلى من ظنه مصرفا فبان أنه غني أو هاشمي أو ذمي أو أصله أو فرعه لا يجزئه ما دفعه عن زكاته، لظهور الخطأ بيقين، وعليه الإعادة لأنه دفع

стр. 2970

الواجب إلى غير مستحقه فلم يخرج من عهدته وأخطأ اجتهاده (وأجابوا) عن الحديث باحتمال أن الصدقة فيهما كانت نفلا. ... (والمختار) عند أحمد أنه إذا أعطى الزكاة من يظنه فقيرا فبان غنيا أنه يجزئه لأن النبي ﷺ قال للرجل الذي ساله الصدقة: إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك (١) ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقوله (وأما) لو بان الآخذ عبدا أو كافرا أو هاشميا أو أصلا أو فرعا للمعطي لم يجزء عند أحمد رواية واحدة، لأنه ليس بمستحق ولا تخفي حاله غالبا فلم يجزء الدفع غليه كديون الآدمي. وفارق من بان غنيا بأن الفقر والغنى مما يعسر الإطلاع عليه ومعرفة حقيقته، فاكتفى بظهور الفقر ودعواه بخلاف غيره (٢). ... (٤) من يطالب بأداء الزكاة: مال الزكاة نوعان (ظاهر) وهو المواشي والزروع والمال الذي يمر به التاجر على العاشر (وباطن) وهو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها (أما الظاهر) فللإمام ونوابه من السعادة والعشار ولاية الأخذ والطلب (٣) - عند الحنفيين ومالك- لقوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة" (٤) نزلت في الزكاة وفيها أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأخذ الزكاة، فللإمام المطالبة بهذا وأخذها، ولقوله تعالى: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها" فقد جعل للعاملين عليها حقا، فلو لم يكن للإمام أن يطالب أرباب الأموال بدفع الصدقات وكان أداؤها لأرباب الأموال لم يكن لذكر (العاملين) وجه، وكان

стр. 2971

رسول الله ﷺ يبعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان لأخذ الصدقات من الملاك، وفعله الخلفاء من بعده. ... (وقال) الصديق ﵁ لما امتنعت العرب عن أداء الزكاة-: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلتهم على منعه (١) (وكذا) المال الباطن إذا مر به التاجر على العاشر كان له أن يأخذ منه، لأنه لما سافر به وأخرجه من العمران صار ظاهرا والتحق بالسوائم، لأن الإمام إنما كان له المطالبة بزكاة المواشي في أماكنها لمكان الحماية، لأن المواشي في البراري لا تصير محفوظة إلا بحفظ السلطان وحمايته، وهذا المعنى موجود في مال يمر به التاجر على العاشر فكان كالسوائم، وعليه إجماع الصحابة ﵃ فإن عمر ﵁ نصب العشار وقال لهم: خذوا من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضياللبه عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليه واحد منهم، فكان إجماعا. (وروى) عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله بذلك وقال أخبرني بهذا من سمعه من رسول الله ﷺ . ... (وأما المال) الباطن الذي يكون في المصر فقد ثبت أن رسول الله ﷺ طالب بزكاته وأبو بكر وعمر طالبا وعثمان طالب زماناز ولما كثرت أموال الناس ورأى أن في تتبعها حرجا على الأمة وفي تفتيشها ضررا بارباب الأموال، فوض الأداء إلى أربابها. ... (وقال) الشيخ أبو منصور الماتريدي: لم يبلغنا أن النبي ﷺ بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك للمستحق، ومنهم كان يحمل إلى الأئمة فيقبلون منه ذلك ولا يسألون أحدا عن مبلغ ماله ولا يطالبونه بذلك (٢).

стр. 2972

(وقال) أحمد: يستحب للإنسان تفرقة زكاته بنفسه ويجوز دفعها إلى الساعي (وعنه) يستحب أن يدفع إليه العشر ويتولى تفريق الباقي (وقال) الشافعي: دفعها إلى الإمام العادل أفضل، وهو قول الشعبي والأوزاعي، لأن الإمام أعلم بمصارفها ودفعها إليه يبرئه ظاهرا وباطنا، ودفعها إلى الفقير لا يبرئه باطنا لاحتمال أن يكون غير مستحق لها (وكان) ابن عمر يدفع زكاته على من جاءه من سعاة ابن الزبير (وقال) سهيل بن أبي صالح: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد أن أخرج زكاته وهؤلاء القوم على ما ترى فما تأمرني؟ وقال: ادفعها إليهم، فأتيت بان عمر وأبا هريرة وأبا سعيد، فقال كل مثل ذلك (١). (هذا) ويجوز دفع الزكاة إلى السلطان الجائر ويبرأ رب المال بذلك عند الجمهور (لقول) أنس بن مالك ﵁: "أتى رجل من بني تميم رسول الله ﷺ فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا اديتها إلى رسولي فقد برئت منها فلك أجرها إثمها على من بدلها. أخرجه أحمد والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (٢). ﴿١٦٦﴾ ... (قال) في المنتقى: احتج بعمومه من يرى أن الزكاة المعجلة إلى الأمام إذا هلكت عنده تهلك على حساب الفقراء دون الملاك (وقال) وائل الحضرمي: سأل سلمة بن يزيد الجعفي النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أرايت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، فقال: "اسمعوا واطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم" أخرجه مسلم والترمذي (٣). ﴿١٦٧﴾

стр. 2973

(وعليه) فلو أخذ الأمراء الظلمة الصدقات والعشور والخراج ولا يضعونها مواضعها فهل تسقط عن أربابها؟ اختلف المشايخ فيه (ذكر) الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه يسقط ذلك كله وإن كانوا لا يضعونها في أهل لأن حق الأخذ لهم فيسقط عنا بأخذهم والوبال عليهم. وهذا قول الشافعي وأحمد. (وقال) أبو بكر الإسكاف: إن جميع ذلك لا يسقط ويعطي ثانيا، لأنهم لا يضعونها مواضعها ولو نوى صاحب المال أنه يدفع إليهم ذلك عن زكاة ماله (قيل) يجوز لأنهم فقراء في الحقيقة. ألا ترى أنهم لو أدوا ما عليهم من التبعات والمظالم صاروا فقراء. (وقيل) إن السلطان لو أخذ مالا من رجل بلا حق مصادرة فنوى صاحب المال وقت الدفع أن يكون ذلك عن زكاة ماله وعشر أرضه يجوز ذلك (١). ... (٥) شروط ولاية آخذ الزكاة: ... يشترط لذلك شروط أربعة: (أ) وجود الحماية من الإمام: حتى لو ظهر أهل البغي على مدينة من مدائن أهل العدل وغلبوا عليها فأخذوا صدقات السوائم والعشور والخراج، ثم ظهر عليهم إمام العدل، لا يأخذ منهم ثانيا، لأن حق الأخذ للإمام لأجل الحفظ والحماية ولم يوجد إلا أنهم يفتون فيما بينهم وبين ربهم أن يؤدوا الزكاة والعشر ثانيا وكذا الخراج عند بعضهم (وقيل) ليس عليهم الإعادة لأن الخراج يصرف على المقاتلة والبغاة يقاتلون العدو ويذبون عن حريم الإسلام. وأما إذا مر من لزمته الزكاة على البغاة فأخذوها منه، فللإمام أخذها ثانيا، لأن التفريط من قبل من مر عليهم، والذمي في هذا كالمسلم.

стр. 2974

(ب) وجوب الزكاة: فلا ولاية على من لم تجب عليه لأن المأخوذ زكاة وهي في عرف الشرع ما يجب إخراجه فلابد من تقدم الوجوب فتراعي شروطه وهي الملك المطلق وكمال النصاب وكونه معدا للنماء وحولان الحول وعدم الدين المطالب به من العباد وأهلية الوجوب وغير ذلك مما تقدم. (جـ ود) ظهور المال وحضور المالك: فلو حضر ولم يظهر ماله لا يطالب بزكاته لأنه لم يظهر ماله لا يدخل تحت حماية السلطان، وكذا إذا ظهر المال ولم يحضر المالك ولا المأذون من جهته كالوكيل، لا يطالب بزكاته. فإذا جاء الساعي إلى صاحب المواشي يريد أخذ الصدقة فقال: ليست مالي أو لم يحل عليها الحول أو على دين يحيط بقيمتها، فالقول قوله بيمينه لأنه ينكر وجوب الزكاة. ولو قال: أديت إلى مصدق آخر فإن لم يكن في تلك السنة مصدق آخر لا يصدق لظهور كذبه بيقين. وإن كان مصدق آخر يصدق مع اليمين- وإن لم يثبت دعواه- في ظاهرة الرواية (ولو قال) أديت الزكاة إلى الفقراء لا يصدق وتؤخذ منه عند الحنفيين (وقال) الشافعي: لا تؤخذ لأن المصدق لا يأخذ الصدقة لنفسه بل ليوصلها على المستحق وقد أوصلها المالك بنفسه. وللحنفيين أن حق الأخذ للإمام، فهو بقوله: أديت بنفسي، أراد إبطال السلطان، فلا يملك ذلك (١). (٦) مكان صرف الزكاة: هو مكان المال المزكى، فلو كان المزكى في بلد والمال في بلد فهي المعتبرة، فينبغي صرف زكاة كل بلد إلى فقراء أهلها، لأن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم (٢).

стр. 2975

(واختلف) العلماء في نقلها (فقال) الحنفيون: يكره نقلها بعد تمام الحول من بلد إلى ىخر لهذا الحديث (ولما روى) إبراهيم بن عطاء عن أبيه قال: إن زيادا أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ﷺ ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله ﷺ " أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند رجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن عطاء وهو صدوق (١). ﴿١٦٨﴾ (سأل) الأمير عن المال زعما منه أن عمران كسائر العمال الذين يجمعون الأموال ويحملونها على الأمراء ليصرفوها في مصارفهم الخاصة، فأنكر عليه عمران وبين له أن الماثور عن النبي ﷺ صرف الزكاة لمستحقيها في المكان الذي جمعت فيه. (ولذا) قال الحنفيون: يكره نقلها إلا إلى قريب المزكي لما فيه من الصلة أو إلى شخص أحوج من أهل بلده أو أصلح أو أنفع للمسلمين أو من دار الحرب إلى دار الإسلام أو إلى طالب علم أو كانت معجلة قبل تمام الحول، فحينئذ لا يكره نقلها (لما روى) طاوس: "أن معاذا قال لأهل اليمن: إيتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالمدينة" أخرجه البخاري معلقا والبيهقي موصولا (٢). ﴿١٦٩﴾ (وكان) النبي ﷺ يأخذ الصدقات من الأعراب خارج المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار بالمدينة (هذا) ولم يقل الحنفيون

стр. 2976

بحرمة نقلها لغير قريب أو أحوج، لأن آية: "إنما الصدقات للفقراء" وغيرها من النصوص مطلقة عن التقييد بمكان. (وقال) مالك وأحمد: يجب صرفها في موضع الوجوب أو قربه إلى ما دون مسافة القصر، سواء وجد بموضع الوجوب مستحق أو لا، لأنه في حكم موضع الوجوب. ولا يجوز نقلها لمسافة القصر فأكثر إلا أن يكون المنقول إليهم أحوج فيندب نقل أكثرها لهم. وإن نقلت إلى مسافة القصر فأكثر إلى من هم أقل منهم في الاحتياج أجزأت مع الحرمة، وإن نقلت إلى مثلهم أجزأت مع الكراهة. (قال) أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال: لا. قيل: وإن كان قرابته بها؟ قال: لا. (وقال) طاوس في كتاب معاذ بن جبل: من خرج من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشرة ترد إلى مخلافه. أخرجه الأثرم في سننه (١). وإن لم يوجد بمحل الوجوب أو قربه مستحق، نقلت وجوبا إلى محل فيه مستحق ولو بعد مسافة القصر (وقالت) الشافعية: يجب صرفها في بلد المال، فلو نقلت إلى بلد آخر مع وجود المستحقين ففيه أربعة أقوال الأصح أنه لا يجوز النقل ولا يجزئ ولو لأقل من مسافة القصر (٢). ويجوز إن فقد المستحق في موضع الوجوب (لحديث) عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله ﷺ حتى مات النبي ﷺ ، ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه، فبعث إليه معاذ بثلث صدقة

стр. 2977

الناس، فأنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعث إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه منى. فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة فتراجعا بمثل ذلك. فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه، فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا. أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (١). (وقال) أحمد: لا تخرج صدقة قوم عنهم من بلد إلى بلد إلا أن يكون فيها فضل عنهم، لأن الذي كان يجيء إلى النبي ﷺ وأبي بكر وعمر من الصدقة إنما كان عن فضل عنهم، وكذلك إذا كان ببادية ولم يجد من يدفعها غليه فرقها على فقراء أقرب البلاد إليه (٢). (وإذا) أخذ الساعي الصدقة فاحتاج إلي بيعها لمصلحة- من كلفه في نقلها أو مرضها أو نحوها- فله ذلك لما روى قيس بن أبي حازم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء، فسأل عنها، فقال المصدق: "إني ارتجعتها بإبل فسكت" أخرجه أبو عبيد في الأموال (٣). ﴿١٧٠﴾ وقال: الرجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها أو غيرها. فإن لم يكن حاجة على بيعها، فقال بعض الحنبلية: لا يجوز والبيع باطل وعليه الضمان. (وقيل) يجوز لحديث قيس فإن النبي ﷺ سكت حين أخبره المصدق بارتجاعها ولم يستفصل (٤).

стр. 2978

(٧) ما يطلب من المزكى والآخذ: هو ثلاثة أمور: (أ) يسن للمزكي دفع الزكاة بيده اليمني متواضعا لله تعالى، معتقدا أن الفضل والنعمة من الله تعالى، وإنما أجرى الخير على يديه تفضلا منه وإحسانا داعيا بقوله: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما (لحديث) سويد بن سعيد حدثنا الوليد بن مسلم عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما" أخرجه ابن ماجه وسويد فيه مقال، والوليد مدلس، والبختري متروك متفق على ضعفه (١). ﴿١٧١﴾ (ب) ويسن للأخذ أن يدعو للمزكي بنحو آخرك الله فيما أعطيت وجعله طهورا، وبارك لك فيما أبقيت (لحديث) وائل بن حجر أن النبي ﷺ بعث ساعيا فأتي رجلا فآتاه فصيلا مخلولا، فقال النبي ﷺ : "اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله. فبلغ الرجل. فجاء بناقة حسنا، فقال: أتوب إلى الله وإلى نبيه ﷺ . فقال النبي ﷺ : اللهم بارك فيه وفي إبله" أخرجه النسائي (٢). ﴿١٧٢﴾ (وقال) عبد الله بن أبي أوفى: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبي أبو أوفي بصدقته، فقال: الهم صل على آل أبي أوفى" أخرجه السبعة إلا الترمذي (٣). ﴿١٧٣﴾

стр. 2979

(ولهذا) قال الأئمة الأربعة والجمهور: يسن دعاء آخذ الزكاة لرب المال. وأوجبه داود وبعض الشافعية لظاهر قوله تعالى: "وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" (ورد) بأن هذا مختص بالنبي ﷺ لكون صلاته سكنا لهم بخلاف صلاة غيره، ولو كان الدعاء واجبا لأمر به النبي ﷺ السعادة. (جـ) يندب ستر الزكاة عن أعين الناس، لأن عمل السر أفضل إلا أن يكون الغالب تركها فيستحب الإظهار للاقتداء به. وقيل: إن إظهارها أفضل، وكذا سائر الفرائض، لكن يحرم قصد المحمدة (وأما) صدقة التطوع فيستحب فيها الإسرار لخبر: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (١) (فعده) من السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظل عرشه.

стр. 2980

(وقال) ابن عباس في قوله تعالى: "إن تبدوا الصدقات فنعما هي" (١) الآية: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا. وكذا في جميع الفرائض والنوافل. وعن عقبة بن عامر أن النبي ﵊ قال: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرىن كالمسر بالصدقة" أخرجه أحمد والثلاثة (٢). ﴿١٧٤﴾ (١٥) صدقة التطوع الصدقة عطية يراد بها الثواب من الله تعالى، وقد تقدم في فضلها والترغيب فيها أحاديث (فيسن) للإنسان التصدق بما ينتفع به ويثاب عليه ولو قليلا، قال الله تعالى: "فمن يعمل مثال ذرة خيرا يره" (٣) (وعن) عدى بن حاتم أن النب ﷺ قال: "من استطاع منكم أن يتقي النار فليتصدق ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" أخرجه أحمد ومسلم (٤). ﴿١٧٥﴾ (وعن) عائشة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال
следующие страницы →