(٧) ويُستحبُّ أن يدعو وقت السَّحر بما فى حديث أَبي هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ إذا كان فى سفر وأَسْحَر يقول: (سَمَّعَ سامع بحمد الله ونعمته وحُسْن بلائه علينا، رَبَّنَا صاحِبنا وأَفضل علينا عائذاً بالله من النار). أَخرجه مسلم والحاكم وزاد: يقول ذلك ثلاث مرات ويرفع بها صوته (١) ﴿٢٦﴾
(٨) ويُستحبُّ لمن رأَى بلداً يقصدها الدعاءَ بما فى حديث عطاء ابن أَبى مروان عن أَبيه عن كعب عن صهيب أَن النبى ﷺ لم يَرَ قرية يريد دخولها إِلاَّ قال حين يراها: (اللَّهُمَّ ربَّ السَّمواتِ السَّبْعِ وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأَرَضين السَّبع وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطين وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرِّياح وما ذَرَيْن: أَسْأَلك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذُ بك من شَرِّها وشَرِّ أَهلها وشَرِّ ما فيها). أَخرجه ابن حبان، والحاكم وصححاه، والطبرانى بسند رجاله رجال الصحيح غير عطاءٍ وأَبيه. وكلاهما ثقة. قاله الهيثمى (٢) ﴿٢٧﴾
وأَن يدعو بما فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: (كُنَّا نُسَافر مع رسول الله ﷺ فإِذا رَأَى قريةٌ يُرِيدُ أَن يَدْخُلَهَا قال: اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فيها ثلاثاً، اللَّهُمَّ ارزقنا جَناها وحَبِّبْنَا إَلى أَهلها وحَبِّبْ صالحى أَهلَها إلينا). أَخرجه البطرانى فى الأَوسط بسند جيد (٣) ﴿٢٨﴾
стр. 3257
(٩) ويُستحبُّ لمن رجع من السَّفَر أَن يُكَبِّر على كل شرفٍ ثلاثاً ويقول ما فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما. قال: (كان النبى ﷺ إذا قَفَل من غَزْوٍ أَو حَجٍّ أَو عُمْرَةٍ إِذا أَوْفَى على ثنيةٍ أَو فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثلاثاً ثم قال: لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شئ قدير. آيِبُون تائبون عابدون ساجدون لربِّنَا حامدون، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحزاب وحده). أخرجه الشيخان (١) ﴿٢٩﴾
(١٠) ويُستحبُّ لمن أَشرف على بلده أَن يقول ما فى حديث أَنس رضى الله عنه قال: (أَقبلنا مع النبى ﷺ حتى إِذا كُنَّا بظهر المدينة قال: آيِبُون عابدون لربِّنَا حامدون، فلم يَزَلْ يقول ذلك حتى قَدِمْنَا المدينة). أَخرجه مالك والشيخان (٢) ﴿٣٠﴾
المقصد الأول فى الحج
الحجُّ أَحد أَركانِ الإِسلام المذكورة فى حديث حنظلة بن أبى سفيان عن عِكرمة بن خالد عن ابن عمر رضى الله عنهما أَنَّ النبى ﷺ قال: (بُنِىَ الإِسلامُ على خَمْسٍ: شهادةِ أَنْ لاَ إِلهَ إلا اللهُ وأَنَّ
стр. 3258
مُحمداً رسولُ الله، وإِقامِ الصَّلاَةَ وإِيتاء الزَّكاةِ وحَجِّ الْبَيْتِ وصِيَامِ رمضان). أَخرجه أَحمد والشيخان والنسائى والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿٣١﴾
وهو بفتح الحاءِ وكسرها، لغة القصد إلى معظم، وشرعاً قصد البيت الحرام لأَداءِ أَفعالٍ مخصوصة من الطواف والسعى والوقوف بعرفة فى وقتها محرماً بالحج، وهو من الشرائع القديمة. " قال " محمد بن كعب القرظى أو غيره: (حج آدم ﵇ فلقيته الملائكة فقالوا: بَرّ نسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بأَلفى عام). أخرجه الشافعى (٢). ﴿١﴾
وقد روى أنه ما من نبى إِلاَّ حَجَّ.
ثم الكلام بعد ينحصر فى ستة مباحث:
(١) حكمه: هو فرض على المستطيع من الإِنس والجن، لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٣)﴾ قال ابن علان: دخل فى الناس الجنِّى بناءً على أَنه من نَوَسَ إِذا تحرك. فيجب الحج على المستطيع من الجن (٤)،
стр. 3259
وأَجمعت الأُمة على أَن الحج فرض فى العمر مرة واحدة، لحديث ابن عباس رضى الله عنهما: (أَن الأَقْرَعَ بنَ حابسٍ سأَلَ النبى ﷺ فقال: الحجُّ فى كل سنةٍ أَو مَرَّةٌ واحدةٌ؟ فقال: بَلْ مَرَّةٌ واحدةَ، فمن زادَ فتطوع). أَخرجه أَحمد والبيهقى والدارامى والحاكم وصححه والأربعة إلاَّ الترمذى (١) ﴿٣٢﴾
(٢) تعلم أحكام النسك: يجب على من يريد الحج والعمرة أَن يتعلم أَحكامهما مما يجب ويحرم ويكره ويباح؛ لأَن الله تعالى لا يقبل عبادة الجاهل، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وعن أَنس أَن النبى ﷺ قال: ﴿طلبُ الْعِلُمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ﴾. أخرجه ابن عدى والبيهقى وغيرهما من طرق. قال النووى: ضعيف وإِن كان معناه صحيحاً. وقال السيوطى: جمعت له خمسين طريقاً وحكمت بصحته لغيره ... (٣) ﴿٣٣﴾
قال العلماء: ما وجب عليك عمله وجب عليك العلم به، فأَول ذلك أَن ينظر المكلَّف إِذا وجب عليه الحج فى أَمر الزاد وما ينفقه فى حجه، فيكون ذلك من أطيب جهة تمكنه؛ لأَن الحلال يعين على الطاعة ويبعد عن المعصية، فعلى العاقل أَن يتحرَّز من الشُّبهات فإِن عجز عن ذلك فليفترض مالاً حلالاً ليحج به، فإِن الله تعالى طَيِّبٌ لا يقبل إِلاَّ طَيِّباً (روى) أَبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: (إِذا خرج الحاجُّ بنفقةٍ طيبةٍ ووضَعَ رِجْلَهُ فى الغَرْزِ، فنادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ
стр. 3260
لَبَّيْكَ، ناداهُ منادٍ من السماءِ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، زَادُك حَلالٌ وراحِلَتُكَ حلالٌ وحجُّكَ مبرورٌ غير مَأْزُور، وإِذا خرج بالنفقةِ الخبيثةِ فوضَعَ رِجْلَهُ فى الغَرْزِ فنادَى: لَبَّيْكَ ناداهُ منادٍ من السماءِ: لا لَبَّيْكَ، ولاَ سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حرامٌ ونفقَتُكَ حرامٌ وحجُّكَ مَأْزُورٌ غير مبرور). أَخرجه الطبرانى فى الأَوسط (١). ﴿٣٤﴾
(وعن) أَبى هريرة أَن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ الله تعالى طَيِّبٌ لا يقبلُ إِلاَّ طَيِّباً، وإِن الله تعالى أَمَرَ المؤمنين بما أَمَرَ به المُرْسَلِينَ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢)﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (٣) (﴾، ثم ذكَر الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يمدُّ يديهِ إِلى السماء يا ربِّ يا ربَّ ومَطْعَمُهُ حرام ومَشْرَبُهُ حرام وملبسُهُ حَرَام وغُذِّى بالحرام، فَأَنَّى يُستجابُ لذلك). أَخرجه أَحمد ومسلم والترمذى (٤) ﴿٣٥﴾
واعلم أَن عماد الدِّين وقوامَه هو طِيبُ المطعم. فمنْ طاب مكسبه زكا عمله. ومن لم يطب مكسبه خيِفَ عليهَ ألاَّ تُقْبل صلاتُه وصيامُه وحجُّه وجميعُ عمله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥)، ويُرْوَى لبعض الأَئِمَّة.
إِذَا حَجَجْتَ بمالٍ أَصْلُه سُحْتُ ... فَمَا حَجَجْتَ ولكِنْ حَجَّتِ الْعِيرُ
لا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ كُلَّ صَالِحَةٍ (٦) ... ما كُلّ مَنْ حَجَّ بيتَ اللهِ مَبْرُورُ
стр. 3261
(٣) متى فرض الحج؟ : الصحيح أَنَّهُ فُرِض سنة تسع من الهجرة، وأَمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (١) فإِنها وإِن نزلت سنةَ سِتًّ فليس فيها فريضةُ الحج وإِنما فيها الأَمُر بإِتمامِه وإِتمامِ الْعُمْرَةِ بعد الشُّرُوع فيهما، وذلك لا يقتضى وجوب الابتداءِ.
(٤) تأخير الحج: هو فرض على التراخي عند الشافعى ومحمد بن الحس، فلا يأْثم المستطيع بتأْخيره إِن حجَّ قبل مَوْتِه، وإِلاَّ تَبَيَّنَ إِثمه بالتأْخير. (قال) الربيع بن سليمان: أَنبأَ الشافعى قال: نَزَلَتْ فريضةُ الحجَّ على النبى ﷺ بعد الهجرة وافتتحَ رسول الله ﷺ مكةَ فى شهر رمضان، وانصرف عنها فى شوال واستخلف عليها عتَّاب بن أَسِيد فأَقام الحج للمسلمين بأَمر رسول الله ﷺ ، ورسولُ الله ﷺ بالمدينة قادر على أَن يحج وأَزواجُه وعامةُ أَصحابه، ثم انصرف رسول الله ﷺ عن تَبُوكَ، فبعث أَبا بكرٍ فأَقَامَ الحَجَّ للناس سنةَ تسعٍ ورسول الله ﷺ بالمدينة قادِرٌ على أَن يحجَّ ولم يحجَّ حتى سنة عشر، فاستدللنا على أَن الحج فرضه مرةٌ فى العمر، أَوله البلوغ وآخره أَن يأْتي به قبل مَوْتِه. أخرجه البيهقي (٢) ﴿٢﴾
وقال: واستدل أَصحابنا بحديث كعب بن عُجْرة على أنها ـ يعنى فريضة الحج ـ نزلت زمن الحديبية، فقد حَدَّثَ عبد الرحمن بن أَبى ليلى أَن كعبَ بن عُجْرة رضى الله عنه قال: وقف علىَّ رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسِى يتهافت قملاٌ، فقال: أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قلتُ: نَعَمْ يا رسول الله، قال: فاحْلَقْ رَأْسَكَ، ففىَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ
стр. 3262
مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (الحديث) أخرجه الشيخان (١) ﴿٣٦﴾
فثبت بهذا نزول قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ زمن الحديبية. (وعن ابن مسعود) وغيره أنه قال فى قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ أَقيموا الحج والعمرة لله. أخرجه البيهقي (٢) ﴿٣﴾
(وقال) مالك وأَبو يوسف وأَحمد وبعض الشافعية: الحج فرض على الفور، فيأْثم المستطيع بتأْخيره، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ والأَمر على الفور (وعن ابن عباس) أَن النبى ﷺ قال: (من أَراد الحج فَليَتعجَّلْ) أَخرجه أَحمد وأَبو داود وابن ماجه والدارمي (٣) ﴿٣٧﴾
وأجاب الأولون: (ا) عن الآية بأَن الأَمر المجرد عن القرائن لا يقتضى الفور. وعلى فرض أَنه يقتضيه فيصرفه إلى التراخى ما تقدم من فعل النبى ﷺ وأَكثر أَصحابه.
(ب) وعن الحديث بأَنه لا يدل على الفورية؛ لأَنه فوض فعله إلى إِرادته؛ أَو أَن الأَمر بالتعجيل للندب جمعاً بين الأدلة. فالظاهر القول بأَن الحج فرض على التراخى، لقوة أَدلته، وإِن كان الأَفضل للمستطيع التعجيل بقدر الإمكان؛ لأَن الأَجل غير معلوم.
(٥) فضل الحج: الحج من أَفضل العبادات، وله فضل عظيم وثواب
стр. 3263
جزيل، جاءَ فى فضله أَحاديث (منها) حديث أَبى هريرة أَن النبى ﷺ قال: (أَفضلُ الأَعمالِ عند الله إِيمانٌ لا شكَّ فيه، وغَزْوٌ لا غُلول فيه، وحَجٌّ مَبْرُور). قال أَبو هريرة: حَجٌّ مبرورٌ يُكَفِّر خطايا تلك السنة، أَخرجه أَحمد وابن حبان (١) ﴿٣٨﴾
(وعن أبى هريرة) (أَن النبى ﵌ قال: ﴿مَنْ حج فلم يرفثْ ولم يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ). أَخرجه أَحمد والشيخان والدارمى والأربعة إلا أبا داود (٢) ﴿٣٩﴾
(وعن عبد الله) بن عمرو أَن النبى ﷺ قال: (إَنَّ الله يُبَاهِى ملائكَتَهُ عَشِيَّةَ عرفة بأَهل عرَفةَ، فيقول: انظروا إلى عِبَادِى أَتَوْنى شُعثاً غُبْراً). أَخرجه أَحمد والطبرانى فى الكبير بسند رجاله موثقون (٣) ﴿٤٠﴾
(وقال) ابن عمر رضى الله عنهما: (كنت جالساً مع النبى صلى الله
стр. 3264
عليه وسلم فى مسجد منى، فأَتَاهُ رَجُلُ من الأَنصار ورجلٌ من ثقيف، فسلما ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسأَلك. فقال: إِن شئتُما أَخبرتكما بما جئتُما تسأَلاني عنه فعلْتُ، وإِن شئتُما أَن أَمْسِك وتسأَلاني فعلْتُ. فقالا: أَخبرنا يا رسول الله. فقال الثقفي للأَنصارى: سَلْ، فقال: أَخبرنى يا رسول الله فقال: جئتنى تسأَلنى عن مَخْرجك من بيتك تَؤمّ البيت الحرام ومالك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف ومالَك فيهما، وعن طوافك بين الصَّفا والمروة ومالك فيه، وعن وقوفك عَشيَّةَ عرفة ومالك فيه، وعن رَمْيك الجِمَارَ ومالك فيه، وعن نحرك ومالك فيه، وعن حلقك رأْسك ومالك فيه، وعن طوافك بالبيت بعد ذلك ومالك فيه مع الإفاضة. فقال: والذى بعثك بالحق لَعَنْ هذا جئت أَسأَلك. قال: فإِنك إِذا خرجتَ من بيتك تَؤُمّ البيت الحرام لا تضع ناقَتُكَ خُفًّا ولا ترفعه إِلاَّ كَتَب الله لك به حسنةٌ ومحا عنك خطيئة، وأَمَّا ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بنى إسماعيل، وأَمَّا طوافك بالصَّفا والمروة بعد ذلك كعتق سبعين رقبة، وأَمَّا وقوفك عَشِيَّةَ عرفة فإِن الله تعالى يهبط (١) إلى سماءِ الدنيا فيباهى بكم الملائكةَ يقول: عبادِى جَاءُونى شَعْثاً من كل فج عميق يرجون جنتى، فلو كانت ذنوبكم كعددِ الرَّمْل أَو كقطر المطر أو كزَبَدِ البحر لغفرتها، أَفِيضُوا عبادى مغفوراً لكم ولمن شفعتم له. وأَما رميك الجِمارَ فلك بكل حصاةٍ رميتها تكفيرُ كبيرة من الموبقات. وأَمَّا نحرك فمدْخور لك عند ربك. وأَمَّا حلاقك رأْسَك فلك بكل شَعْرَةٍ حلقتها حسنة وتمحى عنك بها خطيئة.
(وأَمَّا طوافك بالبيت بعد ذلك فإِنك تطوف ولا ذنبَ لك، يأْتى ملَك حتى يضعَ يديه بين كتفيك فيقول: اعمل
стр. 3265
فيما يُستقبل فقد غُفِرَ لك ما مَضَى). أخرجه الطبرانى فى الكبير والبزار واللفظ له. وقال: وقد رُوِى هذا الحديث من وجوه، ولا نعلم له أحسنَ من هذا الطريق. قال المنذرى فى الترغيب: وهى طريق لا بأْس بها رواتها كلهم موثقون. ثم قال: ورواه ابن حبان فى صحيحه (١) ﴿٤١﴾
(٦) الحث على الحج: قد ورد فى التحذير من ترك المستطيع الحج أَو تأْخيره ما فيه مُزْدَجر لمن اتَّعَظَ واعتبر، (روى) أَبو أُمامة أَن النبى ﷺ قال: (من لم يحبسه مرضٌ أَو حاجةٌ ظاهرةٌ أَو سلطانٌ جائر فلم يحجَّ فليمُتْ إِنْ شَاءَ يهودِيًّا وإِنْ شَاءَ نصرانيًّا). أَخرجه أَحمد فى الإيمان والدارمى والبيهقى وقال: وهذا وإن كان إِسناده غير قوى فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه (٢) ﴿٤٢﴾
يُشِيرُ إِلى قول عمر رضى الله عنه: لقد هَمَمْتُ أَن أَبعث رَجَالاً إِلى أَهل الأَمصار فلينظروا كل مَنْ كان له جَدَةٌ ولم يحج فيضربوا عليه الجزية ما هم بمسلمين. أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح (٣) ﴿٤﴾
المقصد الثانى: فى شروط الحج
للحج شروط ثمانية، وهى الإِسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعلم بافتراضه لمن أَسلم فى دار الحرب، والاستطاعة، والوقت، وعدم الجماع قبل الوقوف بعرفة. وهى أَربعة أَنواع:
(الأَول) ما هو شرط فرض وصحة، وهو اثنان:
(ا) الإِسلام فلا يفترض الحج ولا يصح من كافر أَصلى على الصحيح
стр. 3266
عند غير مالك؛ لأَنه غير مخاطب بأَداء فروع الإِسلام كالصلاة والحج. ولا يجوز أَمره بالأَداء بشرط تقديم الإيمان؛ لأَنه أَصل فلا يكون تبعاً. وعليه فلا يعذب على تركه عذاباً زائداً على عذاب الكفر عند الحنفيين. وقالت الشافعية والحنبلية: يُعَذَّب وإِن لم يطالب بأَدائه فى الدنيا. وأَما مَنْ لم يعتقد افتراضه فهو معاقب اتفاقاً على تركه الاعتقاد (وقالت) المالكية: الإِسلام شرط صحة فقط؛ لأَن الكافر مخاطب بفروع الشريعة عندهم على المعتمد. وعليه فيعذب على ترك الحج عذاباً زائداً على عذاب الكفر.
هذا، ومن حج ثم ارْتَدَّ ثمَّ أَسلم لا يلزمه إعادة الحج عند الشافعى. وقال الحنفيون ومالك: يلزمه إعادته لأَن وقته العمر، فلمَّا حُبط بالردة ثم أَدرك وقته مسلماً لزمه إِعادته كما يلزمه إعادة فرض أَداه فارتد ثم أسلم فى الوقت.
(ب) والعقل: فلا يفترض ولا يصح الحج من مجنون اتفاقاً، لأنه غير مكلف وليس من أَهل العبادة، وكذا المعتوه وهو ناقص العقل.
حج الصبى والرقيق:
(النوع الثانى من الشروط) ما هو شرط للافتراض والإجزاءِ وهو البلوغ والحرية، فلا يفترض الحج على صبىّ لعدم تكليفه، ولا على عَبْدٍ ولو مأْذوناً له فى الحج ولو بمكة، لعدم ملكه الزَّاد والرَّاحِلة.
ولو حجَّ الصَّبى والعبد صَحَّ حَجُّهما ولا يجزئهما عن حجة الإسلام، لقول جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: حَجَجْنَا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساءُ والصِّبيان فلَبَّيْنَا عن الصِّبيان ورمينا عنهم. أخرجه أحمد. وفى سنده أَشعث بن سِوار وثَّقه بعضهم وضَّعفه الأكثر (١) ﴿٤٣﴾
стр. 3267
(وقال) السائب بن يزيد رضى الله عنه: حجَّ بى مع رسول الله ﷺ فى حجة الوداع وأَنا ابن سبع سنين. أخرجه أحمد والبخارى والترمذى وصححه (١) ﴿٤٤﴾
وقال: قد أَجمع أَهل العلم على أَن الصبى إِذا حجّ قبل أَن يُدْرِك فعليه الحج إِذا أَدرك. وكذلك المملوك إذا حجّ فى رِقِّهِ ثم أُعتق فعليه الحج إِذا وجد إلى ذكل سبيلاّ أهـ.
(وعن ابن عباس) رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: (أَيَّما صبىّ حجَّ ثم بلغ الحنث فعليه أَن يحجّ حجةٌ أُخرى، وأَيَّما عبدٍ حجَّ ثم أُعتق فعليه أَن يحج حجة أُخرى). أخرجه الطبرانى فى الأوسط بسند رجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٤٥﴾
(وقال) ابن عباس: أَيَّما مملوك حج به أَهله فمات قبل أَن يُعتق فقد قضى حجهّ. وإِنْ عَتق قبل أَن يموت فليحجج. وأَيَّما غلامٌ حجَّ به أَهله فمات قبل أَن يُدْرِكَ فقد قضَى حجته وإِن بلغ فيلحجَّ. أخرجه الشافعى (٣) ﴿٥﴾
دل ما ذكر على أَن حج الصبى ولو غير مميز صحيح منعقد. ويحرم الولى عن غير المميز ويجرده من المخيط ويلبى عنه ويطوف به ويَسْعَى، ويقف به بعرفة ويرمى عنه. وبه قال الأَئمة الأَربعة والجمهور.
стр. 3268
(فائدة) إذا بلغ الصبىّ أَو عَتق العبد يوم عرفة أَو قبله غير مُحْرِمَيْنِ فَأَحْرَمَا وَوَقَفَا بعرفة وأَتَمَّا المناسك أَجْزَأَهُمَا عن حجَّةِ الإِسلام إِجماعاً. وإِن بلغ الصبىّ وعتق العبد وهما مُحْرِمان وأَتما المناسك أَجزأَهما عن حجَّةِ الإِسلام عند الشافعى وأحمد؛ لأنهما وَقَفَا بعرفة وهما أَهل له فأَجزأَهما كما لَوْ أَحْرَمَا حينئذ. وقال مالك: لا يجزئهما، واختاره ابن المنذر. وقال الحنفيون: لا يجزئ العبد. أَمَّا الصبى فإِن جَدَّدَ الإِحرام بعد البلوغ وقبل الوقوف بعرفة أَجزأَه وإِلاَّ فَلا؛ لأَن إِحرامهما لم ينعقد واجباً فلا يجزئ عن الواجب كما لو بقيا على حالهما. وإذا بلغ الصبىّ وعتَق العبد بعد الوقوف بعرفة فعادا إليها قبل طلوع فجر يوم النحر أَجزأَهما عن حجة الإسلام عند الشافعى وأَحمد؛ لأَنهما أَدركا الوقوف وهما أَهل للوجوب، (وقال) أَبو حنيفة ومالك: لا يجزئهما عن حجة الإسلام كما تقدم. وإِن لم يعودا إلى عرفة أَو عادا بعد طلوع فجر يوم النحر لم يجزئهما عن حجة الإسلام اتفاقاً، ويتمان حجهما تطوعاً، لفوات الوقوف المفروض، ولا دم عليهما؛ لأنهما حَجَّا تطوعاً بإِحرام صحيح، فأَشبها البالغ الذى يحج تطوعاً.
حج من أسلم فى دار الحرب:
(الثالث) ما هو شرط لافتراض الحج فقط، وهو اثنان:
(أ) العلم بافتراض الحج: بإِخبار رَجُلَين، أَو رَجُل وامرأَتَين، أَو واحد عَدْل - فى حق من أَسلم فى دار الحرب. فلو أَسلم حربى فى دارهم ولم يعلم بافتراض الحج وهو مستطيع ثم علم فقيراً لا يلزمه. ولو أَسلم فى دارنا لزمه الحج وإِن لم يعلم بافتراضه، لأَنه لا يعذر بجهله.
وهو شرط وجوب وصحة عند مالك، فلا يجب الحج ولا يصح من حربى أَسلم فى دارهم ولم يعلم بافتراضه.
стр. 3269
(ب) الاستطاعة: وهى شرط لافتراض الحج إجماعاً. وتتحقق بأُمور منها.
(١) القُدْرَة على الزَّاد الذى يصح به بَدَنه. فمن اعتاد نحو اللحم إِذا قدر على خُبز وجُبن لا يعدّ مستطيعاً والمعتبر نفقة الوسط.
(٢) القُدْرَة على الرَّاحِلة المختصة به لمن لا يمكنه المشْى بلا مشَقَّة لبعده عن مكة. والمراد بالراحِلة المركب سواءٌ البرى والبحرى والهوائى كالطائرات. ودليل ذلك حديث قتادة عن أَنس رضى الله عنه أَنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قيل يا رسول الله، ما السبيل؟ وقال: الزَّاد والراحلة. أَخرجه الدار قطنى والحاكم وصححه والبيهقى؛ وقال: المحفوظ عن قتادة عن الحسن عن النبى ﷺ مرسلاً (١) ﴿٤٦﴾
أما الزَّاد فهو أَن يملك ما يكفيه ويكفى من يعوله حتى يرجع. وأَما الرَّاحِلة فيشترط أَن تبلغه مقصوده ذهاباً وإياباً سواء أَكانت ملكه أم مؤجرةٌ بأُجرةٍ معتدلة يَقْدِرُ على دفعها بلا غُبن. ولا تتحقق الاستطاعة بإِعارةِ الزَّادِ والرَّاحِلة ولا إباحتهما. فلو بَذَل الابن لأَبيه الزَّاد والراحلة وأَباحَهُما له لا يلزمه الحج ولا يلزمه قبول ما بذله؛ لأنَّ شرط الفرضية لا يلزم تحصيله عند عدمه.
هذا، ويُشْتَرط فيهما أَن يكونا فاضِلَيْن عن نفقَتِه ونَفَقَةِ مَنْ تلزمه نفقته حتى يعود، وعن حوائجه الأصلية؛ فلا تثبت الاستطاعة بثياب يلبسها ومتاع يحتاجه ودار يسكنها ولو كبيرة تفضل عنه بخلاف دار
стр. 3270
لا يسكنها وضيعة يملكها فإنه يلزمه بيعها ليحج من ثمنها. وهذا مذهب الحنفيين والشافعى وأحمد (وقالت) المالكية: الاستطاعة: هى إمكان الوصول إمكاناً عادياً مع الأمن على النفس والمال بلا مشَقَّة فادِحَة ولو بلا زَادٍ وراحلةٍ لذى صنعة تقوم به وقدر على المشى. فيقوم مقام الزاد الصنعة الكافية كخياطة وحلاقة وطب. ويقوم مقام الراحلة القدرة على المشى؛ فلا يجب الحج على غير المستطيع إلاَّ أنه إذا تكلفه صَحَّ ووقع فَرْضاً.
هذا. ومن الاستطاعة عند غير الحنفيين أُمُورٍ خمسة:
(١) عدم المانع الحسىّ الذى يمنع عن الذهاب إلى الحج، كالحبس والخوف من سلطان يمنع الناس من الخروج إلى الحج.
(٢) خلو المرأة من عدة مطلقها؛ لأن المعتدة من طلاق ولو رَجْعِيًّا عليها ملازمة البيت الذى كانت فيه وقت الفرقة، فلا تخرج منه ليلاً ولا نهاراً ولون بإِذن الزوج إلا لضرورة لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (١). وقال أحمد: لها أن تخرج إلى الحج فى عدةٍ الطلاق البائن دون الوفاة؛ لأن لزوم المنزل واجب فى عدة الوفاة دون عدة البائن. وأما معتدة الرجعى فكالزوجة.
(٣) أَمْن الطريق.
(٤) وجود زَوْجٍ أَو مَحْرَمٍ مُكَلَّفٍ أَو مُرَاهِق غير فاسق مع المرأَة.
(٥) صِحَّة البَدَنِ من الآفاتِ المانعة من القيام بما لابُدَّ منه. وهذه عند الحنفيين شروط للزوم أَداءِ الحج على المختار، وهو رواية عن أحمد، فإِن فَقَد بعضها مع تحقق شروط الافتراض، لا يلزمه الأَداءَ بنفسه بل يلزمه إحجاج الغير عنه أَو الإيصاء به عند الموت. وهناك بيان الثلاثة الأَخيرة:
стр. 3271
١ - أمن الطريق: يُشْتَرَط للزومِ أَداءِ الحجِّ أَمْنُ الطريق على نفسِه ومالِه، بأَن يكونَ الغالب فيه السَّلاَمة ولو بالرِّشْوة. وقتلِ قطاع الطريق بعض الحجاج عُذر يُسقط لزوم الحج. وهل ما يؤخذ فى الطريق من نحو المكس والكوشان عُذر؟ المعتمد ـ لا ـ عند الحنفيين؛ لأن أمْن الطريق شرط للزوم الأَداءِ عندهم. فيلزم المستطيع الإِيصاءَ عند خوف الطريق؛ لأن النبى ﵌ لما سُئل عن الاستطاعة فَسَّرَها بالزَّاد والرَّاحِلة؛ فلو كان أَمْنُ الطريق منها لذكَره. ومحل الخلاف فى لزوم الإيصاءِ إِذا مات قبل حصول الأمن وإِلاَّ لزم اتفاقاً.
(وقالت) المالكية والشافعية: أَمْن الطريق شرط وجوب وهو من أَسباب الاستطاعة وما يؤخذ من المكس ونحوه عذر يسقط الحج إَن تَعَدَّدَ أَو أُجْحِفَ بصاحِبِه وإِلاَّ فلاَ عند المالكية. وعند الشافعية يُعَدّ عذراً وإِن قَلَّ المأْخوذ. وإِما الخفارة فجائزة وتوزع بحسب ما يخفر من الأمتعة. أَما الدال على الطريق فإِنه يأْخذ على الرءُوس. وهو رواية عن أحمد. وقيل: إِن كان فى الطريق عدو يطلب خفارة لا يلزمه الحج وإن كانت يَسِيرة لأَنها رِشْوَة. وقيل: إِن كانت لا تُجْحِف بماله لَزِمه الحج لإمكان بذلها (١). وإِذا كان لابُدَّ للحاجِّ من اجتيازِ البحر جازَ له ركُوبه إِن غلبت السلامة وإلاَّ فلا. فإِن كان هائجاً لا يجوز ركوبه لا لحج ولا لغيره حتى يَهْدَأَ (لقول) أَبى عمران الجونى: حدثنى بعض أَصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن النبى ﷺ قال: مَنْ بَاتَ فوق بيتٍ ليس له إِجَّار فوقع فمات فقد بَرِئَتْ منه الذمة، ومن ركب البحر
стр. 3272
عند ارتجاجه فمات فقد بَرِئَتْ منه الذمة. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات (١) ﴿٤٧﴾
٢ - حج المرأة: يشترط للزُوم حَجِّهَا وجُود زَوْجٍ أَو محرمٍ مُكَلَّفٍ أَو مُرَاهِق غير فاسِق معها؛ لأَنها يَحْرُمُ عليها أَن تُسَافِر بلاَ محرَم أَو زَوْج، لحديث ابن عباس رضى الله عنهما أَن النبى ﷺ قال: لا تُسَافِر امرأَة إِلاَّ ومعها ذُو محرم. وجاءَ النبىَّ ﷺ رَجُلٌ فقال: إِنِّى اكتتبت فى غزوة كذا وكذا وامرأَتى حاجَّة قال فارجع فحجّ معها. أَخرجه الشافعى والشيخان وأحمد. وهذا لفظه (٢) ﴿٤٨﴾
والأَحاديث فى هذا كثيرة وهى تشمل كل سفرٍ ومنه الحج. والمحرم كل من حرمُ عليه نكاح المرأَة على التأْبيد بسبب مُباح لحرمتها (٣) كالأَب والابن والأَخ وابن الأَخ ونحوهم. فليس من المحرم:
(١) زوج أُخت المرأَة وعمتها وخالتها وأُمها إِذا فارق هذا الأُم قبل الدخول ـ فإن حُرمة من ذكر ليست على التأْبيد.
(ب) وكذا مَنْ يحرم على التأْبيد لا لسبب مباح كوطءِ الشبهة فإِنه لا يوصف بالإِباحة، ولا غيرها من الأَحكام. فلا يحلُّ للمرأَةِ الخروجَ للحجِّ إذا لم يكن معها محرم أَو زَوْج، ولا يجوزُ لها الخروج عند الحنفيين
стр. 3273
وأَحمد مع امرأَة أَ! وأَكثر أَو رفقة مأْمونين؛ لأَّن خوف الفتنة قائم حينئذ (وقالت) المالكية: لها أن تخرج مع رِفْقَةٍ مأْمونة إِذا كان بينها وبين مكة يوم وليلة (وقالت) الشافعية: لها أَنتخرج مع نسوة ثقات ولو بعدت المسافة (وقيل): لها الخروج مع امرأَة حرة مسلمة ثقة، مستدلين:
(أ) بما روى إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أَن عمر رضى الله عنه أَذِنَ لأَزواج النبى ﷺ فى الحج، فبعث معهن عثمان ابن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما. أَخرجه البخارى
والبيهقى (١) ﴿٦﴾
(ب) وبظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فإِن لفظ الناس يتناول الذَّكَر والأُنثى، والاستطاعة تتحقق بوجود الزَّاد والرَّاحلة؛ ولأَنَّ الغرض من وجُودِ المحرم أَو الزَّوْج معها الأَمن عليها، وهو يحصل بجماعة النساء وبالرفقة المأْمونة.
(وأجاب) الأَوَّلُون:
(أ) بأَن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف محرمان لأُمهات المؤمنين.
(ب) وبأَن الآية لا تتناول النساءَ حال عدم وجود الزوج والمحرم معها؛ لأَن المرأَة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها فتحتاج إلى من يعاونها على ذلك، وليس هذا لغير الزوج المحرم فلم تكن مستطيعة عند عدمهما. ومعلوم أَن خوف الفتنة عند اجتماعهن غير مأْمون.
(فائدة) لا يلزم الزوج، ولا المحرم السفر مع المرأَة إِذا لم يُوجَد غيره عند الحنفيين ومالك، وهو الصحيح عند أَحمد والشافعى؛ لأَن فى الحج
стр. 3274
مشقة شديدة فلا تلزم أَحداً لأَجل غيره، كما لا يلزمه أَن يحجّ عنها إذا كانت مريضة. وإذا مات محرم المرأَةِ فى الطريق، قال أَحمد: إِذا تباعدت مضت فحجَّت لأَنه لابُدَّ لها من السفر بلا محرم فمضيها إلى الحج أَوْلَى إذا كان فرضاً. أَمَّا إِذا كان تطوعاً وأَمكنها الإِقامة فى بلد فهى أَوْلَى من سفرها بلا محرم. وليس للرجل منع امْرَأَتِه من حجة الإسلام عند الحنفيين وأَحمد، وهو الصحيح عن الشافعى؛ لأَنه فرض فليس له منعها منه. ويُسْتَحَبُّ أَن تستأْذِنه فإِن أَذن وإِلاَّ خرجت بلا إِذْنِه. فأَمَّا حج التطوع فله منعها منه إجماعاً، وليس له منعها من الحج المنذور؛ لأَنه واجب عليها فأَشبه حجة الإسلام. والأَصَحّ عند الشافعية أَنَّ له مَنْعَها عن الحج الفرض لكونه على التراخى، ولما روى نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله ﷺ فى امْرَأَةٍ لها زَوْج ولها مال ولا يِأْذَن لها فى الحج: ليس لها أَن تَنْطَلِقَ إِلاَّ بإذن زَوْجِهَا. أخرجه الدار قطنى، وفيه العباس بن محمد بن مُجاشِع. حاله غير معروف (١) ﴿٤٩﴾
(وأجاب) الجمهور بأَنه محمول على حجّ التطوع جمعاً بين الأدِلَّةِ.
٣ - الحج عن الغير: تقدم أَن صِحَّةَ البدَنِ مَّما تتحقَّق به الاستطاعة فهى شرطٌ لوجوب الحجِّ عند أَبى حنيفة ومالك والشافعى وأَحمد فى رواية، فالْمُقْعَد والزَّمِن والمفلوج والمريض والشيخ الكبير الذى لا يثبت على الراحلة بنفسه ومقطوع الرِّجْلَين والأَعمى وإِن وَجَدَ قائداً عند أَبى حنيفة، لا يجب عليهم الحج ولا يلزمهم إِحجاجُ الْغَيْرِ عنهم ولا الإيصاء به عند الموت. (وقال) أبو يوسف ومحمد وأحمد فى رواية: صِحَّةُ البَدَنِ شرطٌ لِلزُوم أَداء
стр. 3275
الحج، فلا يلزم المقْعَد ومَنْ معه الأداء بأَنفسهم، وعليهم إِنابة غيرهم ليحجَّ عنهم إِن كانوا مستطيعين، ويجزئُهم حجه إِنْ دام العجز إلى الموت، فإِنْ زال حَجُّوا بأَنفسهم. ومحل الخلاف إذا لم يقدر من ذكر على الحج وهو صحيح، فإِنْ قدر ثم عجز قبل الخروج تقرر فى ذمته فيلزمه إحجاج غيره عنه من منزله اتفاقاً. ودليل ذلك حديث ابن عباس رضى الله عنهما أَن امْرَأَةٌ مِن خَثْعَم قالت: يا رسول الله، إِنَّ فريضةَ اللهِ على عِبادِه فى الحجِّ أَدركَتْ أَبى شَيْخاً كبيراً لا يستطيُع أَن يَثْبُتَ على الرَّاحِلة، أَفأَحُجَ عنه؟ قال: نَعَمْ. وذلك فى حجَّةِ الوَداع. أخرجه مالك والشافعى والشيخان وأبو داود والنسائى. وأخرج نحوه الدارمى (١) ﴿٥٠﴾
وقال الترمذى: وقد صَحَّ عن النبى ﷺ فى هذا الباب غير حديث، والعمل على هذا عند أهل الْعِلم. وبه يقول الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق، يرون أَن يُحَجَّ عن الميت. وقال مالك: إذا أَوْصَى أن يَحُجَّ عنه حُجَّ عنه. وقد رخَّص بعضهم أن يُحَجَّ عن الحىّ إذا كان كبيراً وبحال لا يقدر أن يحجَّ، وهو قول ابن المبارك والشافعى (٢)، وهو أَيضاً قول أحمد وابن حبيب المالكى والمختار عند الحنفيين، فيجوز عندهم الحج عن الْغَيْر سواءٌ أَوجب عليه الحج حال الصِّحَّة أم حال العجز بأَن قدر على الإنابة، وحاصِل مذهبهم أنه تجوز النيابة فى نفل الحج مطلقاً. ولا تجوز فى فرضه إلاَّ بشَرْطِ العجز المستمر إلى الموتِ ويقع عن المحجوج عنه. ويُشْترط النِّيَّة عن المحجوج عنه، ويندب ذكره فى التلبية، بأَن
стр. 3276
يقول النائب: لَبَّيْكَ عن فلان، وأَن يكون النائب حُرَّا ذكَراً بالغاً، عالماً بالمناسِك قد حج عن نفسه. ويُكْرَه إِنابة العبد والمرأَة، ومَنْ لم يحج عن نفسِه، وليس للنائب أن يوكل غيره فى الحج عن الآمر وإنْ مَرِضَ فى الطريق، إلاَّ إنْ قيل له: اصنع ما شِئْتَ، فله حينئذٍ أَن يوكل غيره فى الحج عن الآمر وإن كان المأْمور صحيحاً. (وقال) مالك والليث: لا يحج أحد عن أحد إلاَّ عن مَيِّتٍ لم يحجَّ حجةَ الإسلام وأَوْصَى بها؛ لأَن الحج عبادة لا تدخله النيابة مع القُدْرَة، فلا تدخله مع العجز؛ لأن العبادة فُرِضَتْ للابتلاء وهو لا يوجد فى العبادة البدنية إلاَّ بإتعاب البدن فيها (ورد) بأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون بالغير "فإن قول " الخثعمية: إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركَتْ أبى شيخاً كبيراً.
" يفيد " أن افتراض الحج لا يشترط له القدرة على السفر، وقد أقَرَّهَا النبى ﵌، فهو يؤيد أن الاستطاعة المعتبرة ليست بالبدَنِ خاصَّة وإنما هي بالزَّادِ والراحِلة، ومنه يعلم أن الراجح القول بجواز النيابة فى الحج عند الداعية. (قال) ابن قُدَامة: ولا يجوز أن يستنيب فى الحج الواجب مَنْ يقدر عليه بنفسه إجماعاً. والحج المنذور كحجة الإسلام، فأَمَّا حج التَّطَوُّع فثلاثة أقسام:
(الأول) أن يكون ممن لم يُؤَدِّ حجة الإسلام، فلا يجوز أَن يستنيب فى التطوع؛ لأنه لا يصح أن يفعله بنفسه فبنائه أَوْلى.
(الثاني) أن يكون أدَّى حجة الإسلام وهو عاجز عن الحج بنفسه، فيصح أَن يستنيب فى التطوع اتفاقاً؛ لأَن ما تجوز الاستنابة فى فريضته تجوز فى نفله.
стр. 3277
(الثالث) أن يكون أَدَّى حجة الإسلام وهو قادِرٌ على الحج بنفسه، فهل له أَن يستنيب فى حج التطوع؟ فيه قولان:
(أ) يجوز عند الحنفيين وهو رواية عن أحمد؛ لأنها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب. وتكره الإنابة فيها عند مالك.
(ب) لا يجوز عند الشافعى. وهو رواية عن أحمد؛ لأنه قادر على الحج بنفسه فلا يجوز له أن يستنيب فيه كالفرض (١). وبقى الكلام فى أمرين.
(١) حج الصرورة عن غيره: الصَّرورة مَنْ لم يَحُجَّ عن نفسِهِ، مأْخوذ من الصَّر وهو الحبس. فمن ترك الحج مع الاستطاعة فقد منع الخير عن نفسه. وقد اختلف العلماء فى حجه عن غيره، فمنعه الشافعى وأحمد، لحديث ابن عباس: أن النبى ﷺ سمع رجلاً يقول: لَبَّيْكَ عن شُبْرمة، قال: من شُبْرُمة؟ قال: أَخ لى أَو قريب لى. قال حَجَجْتَ عن نفسك؟ قال: لا، قال: حُجّ عن نفسك ثم حُجّ عن شُبرمة. أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان وصححه. والبيهقى وقال: وقال إسناده صحيح وأخرجه الشافعى موقوفاً على ابن عباس (٢) ﴿٥١﴾
(وقال) الحنفيون ومالك: حج الصَّرورة المستطيع عن غيره مكروه كراهةَ تحريم؛ لأنه يتضيق عليه فى أول سِنى الإمكان فيأْثم بتركه. وكذا لو تَنَفَّل لنفسه ومع ذلك يصحّ حجه؛ لأن النَّهْى ليس لعين الحج المفعول، بل لغيره وهو خَشْيَةَ ألاَّ يُدْرِك الفرض، إذ الموت فى سنة غير
стр. 3278
نادر. فعلى هذا يحمل قوله ﵊ حُجّ عن نفسك ثم حُجّ عن شُبرمة ـ على الوجوب لا على الفرضية فلا ينفى الصحة.
فوائد (الأولى) مِنْ عليه حجة الإسلام وحجة نذر، لَزِمَهُ تقديم حجة الإسلام عند الشافعى وأحمد، لما روى شُعبة عن سليمان أبو أبى سليمان أنه سمع أنس بن مالك يقول ـ فيمن نَذَرَ أَن يَحُجَّ ولم يَحُجَّ قطّ ـ قال: لِيَبْدَأْ بالفريضة. أخرجه البيهقى (١) ﴿٧﴾
(وقال) الحنفيون ومالك: له أن يَحُجَّ حجَّةَ النَّذْر ثم يَحُجَّ حجَّةَ الإسلام من قابل.
(الثانية) إذا أَمَرَهُ اثنانِ بالحجِّ عن كُلٍّ منهما، فإِنْ أَحْرَمَ بحجةٍ عنهما معاً وقع الحج عنه. ولهما الرجوع بما أَخذه منهما. وإِنْ أَحْرَمَ عن أَحدهما مبهماً، فإِن عينه قبل الوقوف بعرفة انصرف إليه، وإلاَّ انصرف إلى نفسه وضمن ما أخذ.
(الثالثة) لو أّحْرَمَ بحجّ عن أَحد أَبَوَيْهِ أَو عنهما بلا أَمرهما ثم عينه عن أحدهما صَحّ؛ لأنه من قبيل جعل الثواب للغير لعدم الأمر فتلغو نيته. وهذا مندوب إليه؛ لحديث ابن عباس رضى الله عنهما: أن النبى ﷺ قال: مَنْ حَجَّ عن أَبَوَيْه أَو قضى عنهما مَغْرَماً بُعِثَ يوم القيامة مع الأبرار. أخرجه الدار قطنى وضَّعفه، والطبرانى فى الأوسط، وفى سنده صلة بن سليمان العطار متروك (٢) ﴿٥٢﴾
(٢) الاستئجار للحج ونحوه: يجوز إجارة النفس للطاعة كالحج والعمرة وتعليم الفقه وغيره من العلوم والقرآن والأذان والإمامة، لحديث
стр. 3279
ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: إِنَّ أَحَقَّ ما أَخَذْتُمْ عليه أَجراً كنابُ الله. أخرجه البخارى (١) ﴿٥٣﴾
وهو وإِنْ كان وَارِداً فى الرقية فهو يدل على جواز أخذ الأُجْرَةِ على تعليم القرآن؛ لأن الْعِبرة بعموم اللفظ. وبهذا قال الشافعى وأَحمد فى رواية. وهو المفتى به عند الحنفيين (وقالت) المالكية: يُكْرَه للشخص إجارة نفسه للطاعة كالحج وقراءَة القرآن وتعليم العلم، لحديث الجارود ابن المُعَلَّى: أن النبى ﷺ قال: مَنْ طَلَبَ الدنيا بعملِ الآخرةِ طُمِسَ وَجْهُهُ ومُحِى ذِكْره وأُثبتَ اسمه فى أَهل النار. أخرجه الطبرانى وأبو نعيم (٢) ﴿٥٤﴾
وللمحجوج عنه أَجْرُ النفقة التى أنفقها النائب، وله دعاؤه أيضاً، ولا يسقط حَجُّ الفرض عن المحجوج عنه ولا يكتب له نفلاً أَيضاً، لأنه لا يقبل النيابة. ويكتب نفلاً للأجير. ويجوز عند مالك أخذ الأُجْرَة على تعليم الأطفال القرآن والأذان ولو مع الصلاة. أما أَخْذُ الأُجْرَةِ على الإمامة وحدها فيكره إن كانت من المصَلِّين لا من الوقف أو من بيت المال، فإنه يجوز ويكون من باب الإعانة على الطاعة. ومنه ما يؤخذ على التدريس ونحوه مَّما وقف لأجله من وظائف الطاعات (٣).
(فوائد) (الأولى) قال ابن قدامة: وإن استأْجر ليحجَّ عنه أو عن مَيِّتٍ اعتبر فيه شروط الإجارة من معرفة الأُجْرَة. وما يأْخذه أُجْرَةٌ له يملكه ويباح له التصرف فيه والتوسع به فى النفقة وغيرها، وما فضل فهو
стр. 3280
له، وإن أُحْصِر أو ضَلَّ الطريق أو ضاعت النفقة منه فهو فى ضمانه وعليه الحج. وإنْ مات انفسحت الإجارة لتلف المعقود عليه. ويكون الحج أيضاً مَن موضع بلغ إليه النائب، وما لزمه من الدماء، فعليه لأن الحج عليه (١).
(الثانية) قال النووى: أعمالُ الحجِّ معروفة، فإن علمها المتعاقدان عند العقد صحت الإجارة، وإن جَهِلها أحدهما لم تصحٌ. وهل يشترط تعيين الميقات الذى يُحرم منه الأجير؟ فيه قولان أصحهما لا يشترط تعين الميقات الذى يُحرم منه الأَجير؟ فيه قولان أَصحهما لا يشترط، ويحمل على ميقات تلك البلد فى العادة الغالبة. والثانى يشترط؛ لأن الإحرام قد يكون من الميقات وفوقه ودونه. والغرض يختلف بذلك فوجب بيانه (٢).
(الثالثة) حاصل مذهب الحنفيين فى مسألتين فى حج النائب:
(أ) أنه لو أحرم شخص عن الآمر فأُحْصِر فالدم على الآمر عند أبي حنيفة ومحمد وإن كان ميتاً. وعلى المأْمور الحج من قابل من ماله. وكذا لو فاته الحج ولا يضمن النفقة. وأما دم التمتع والقران والجناية فعلى المأْمور اتفاقاً. وإن جنى بالوطء قبل الوقوف بعرفة، فَسَد الحج وضمن النفقة، ولزمه الحج من قابل.
(ب) ولو أَوْصَى شخص بالحج عنه فخرج رجل يَحُجّ عنه فمات فى الطريق أو سرقت نفقته يُحَجُّ عن الميت من منزله من ثلث ما بقى من ماله عند أبى حنيفة (٣) (وقال) أبو يوسف ومحمد: يُحَجُّ عنه من حيث مات المأْمور، غير أَن محمداً قال: يُحَجُّ عنه بما بقى من المال المدفوع إلى الحاج إِنْ بقى منه شيءٌ وإِلاَّ بطلت الوصية. وقال أَبو يوسف: يُحَجُّ عنه بما بقى
стр. 3281
من الثلث الأول، فإِنْ كانت التركة مائة جنيه مثلاً ونفقة الحج خمسة وعشرين فدفعها الوصىّ إِلى مَنْ يَحُجَّ عن الميت فسُرِقَتْ فى الطريق. فعند الإمام يأْخذ ثلث ما بقى من التركة، فإن سُرِقَ ثانياً ثُلث الباقى وهكذا، (وقال) أَبو يوسف: يأْخذ ما بقى من الثلث، فإِن سُرِقَ ثانياً لا يأْخذ شيئاً. وقال محمد: إِنْ سُرِقَ كل ما دفع أَولاً بطلت الوصية، وإن بقى منه شيءٌ يُحَجُّ به لا غير. فالخلاف فى موضعين:
(أ) فيما يدفع ثانياً، وقول الإمام فيه أوجَه.
(ب) وفي المحل الذى يلزم الإحجاج منه ثانياً. وهو مبنى على أَن السفر أَيبطل بالموت؟ قال الإمام نَعَمْ، لحديث أبى هريرة رضى الله عنه: أَن النبى ﷺ قال: إذا ماتَ الإِنسانُ انْقَطَعَ عنه عمله إِلاَّ من ثلاثة: مِنْ صَدَقَةٍ جارِيةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفُع بِه أَوْ وَلَد صَالِح يَدْعُو له. أخرجه مسلم والثلاثة (١) ﴿٥٥﴾
وقال الصاحبان: لا يبطل السفر بالموت، وهو أَوْجَه، لحديث أَبى هريرة رضى الله عنه: أَن النبى ﷺ قال: مِنْ خَرَجَ حاجاً فمات كُتب له أَجْرُ الحاجِّ إلى يوم القيامة، ومَنْ خَرَجَ مُعتمراً فمات كُتب له أَجْرُ المعَتمِر إلى يوم القيامة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط والبيهقى وأبو يعلى. وفيه جميل بن أبى ميمونة. ذكره ابن حبان فى الثقات (٢) ﴿٥٦﴾
والحديث الأَول إِنما يَدُلُّ على انقطاع العمل. والكلام فى بطلان القدر الذى وجد من العبادة والثواب. وهو غير العمل. وانقطاع العمل لا يستلزم انقطاع ما وجد منه.
стр. 3282
(الرابعة) يُشْترط فى حج المأْمور أن يُحرم من مِيقَاتِ الآمر عند الحنفيين إن اتَّسَعَ ثُلث مال الميت لنفقة حج المأْمور، وإن لم يتَّسع يُحَجّ عنه من حيث يبلغ استحساناً، فلو كان ثلُث ماله لا يسَعَ إِلاَّ أَن يحجّ عنه من مكة جاز الحج عنه منها. وهذا بحث هام ينبغى علمه، فإِن كثيراً من الناس يمنعون إخراج البدل من مكة مع قِلَّةِ النفقة.
وقت الحج: النوع الرابع من شروط الحج ما هو شرط صحة فقط. وهو اثنان:
(١) الوقت الذى لا يصح شئٌ من الحج إِلاَّ فيه وهو شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة، لقوه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (١). قال ابن عمر: أَشْهُر الحجّ شوالٌ وذُو القَعدة وعشر من ذِي الحِّجة. أَخرجه البخارى معلقاً. ووصله ابن جرير والدارقطني بسند صحيح عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر (٢) ﴿٨﴾
ورواه البيهقى عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن الزبير (٣)، وبهذا قال الحنفيون والشافعى فى الجديد وأحمد. وقال مالك والشافعى فى القديم: زمن الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه، لقول أَبى أُمامة رضى الله عنه: قال رسول الله ﷺ فى قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ قال: شوالٌ وذو القَعدة وذو الحجة. أَخرجه الطبرانى فى الصغير والأَوسط. وفيه حُصَين بن مخارق. قال الطبرانى: كُونى ثقة. وضعَّفه الدار قطنى وبقية رجاله موثقون. قاله الهيثمى ... (٤) ﴿٥٧﴾
стр. 3283
وهذا الحديث ضعيف كما تَرَى. فالحق أَن زمن الحجَّ شوال وذو القَعدة وعشر من ذِي الحجَّة. هذا. ولا يَصِحُّ الإِحرامُ بالحجِّ قبل أَشهر عند الشافعى، لقول ابن عباس رضى الله عنهما: مِنَ السُّنَّةِ أَلاَّ يُحْرِ م بالحج إِلاَّ فى أَشهر الحج. أخرجه البخارى معلقاً ووصله الحاكم والدارقطني والبيهقى بسند صحيح (١) ﴿٩﴾
وقول الصَّحَابى " من السنة " فى حكم المرفوع: (وقال) الحنفيون ومالك وأَحمد: يَصِحُّ الإِحرام بالحج قبل أَشهره مع الكراهة، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ أخبر الله تعالى أَن الأَهِلَّة كلها مواقيتُ للناس والحج فيصح الإحرام به فى جميع السُّنة كالعمرة (ورد) بأَن الآية مجملة بينت بآية ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ فالراجح والاحتياط أَلاَّ يحرم بالحج قبل أَشهره. أَما بقية أَعماله فلاَ تَصِحُّ قبل أَشهره اتفاقاً.
(فائدة) سيأْتى أن المتمتع يحرم بالحج يوم الترْوِيَةِ أَو قبله.
(ب) عدم الجِماع فى أَحَد سَبِيلَىْ آدمىّ حىّ مُشْتهى قبل الوقوف بعرفة، فإِن ذلك يفسد الحج كما سيأْتى إِنْ شَاء الله تعالى.
المقصد الثالث: فى أركان الحج
هي جمع ركن وهو ما تتوقَّفُ عليه صِحَّةُ الحج ولا يجبر تركه بِدَمٍ ولا غيره. وأَركانُ الحجِّ عند الحنفيين الوقوف بعرفة وأَكثر طواف الإفاضة، وهو أَربعة أَشواطٍ وباقى السَّبعة واجب. وعند مالك وأَحمد أَركانه أَربعة:
(ا) الإحرام ـ وهو قَصْدُ الحج وِنيَّتِه. ... (ب) الوقوف بعرفة.
стр. 3284
(ج) السَّعْى بين الصَّفَا والمرْوَة.
(د) طَوَافُ الإِفَاضَة.
والمشهور عن الشافعى أَن أَركانه ستة: هذه الأَربعة، والحلق أَو التَّقْصِير. وترتيب معظم الأَركان بأَن يقدم الإحرام على جميعها، والوقوف بعرفة على طَوَافِ الإِفَاضَةِ، وهناك بيانها مفصلة:
(أ) الإحرام
هو عند الحنفيين الدخول فى أحَدِ النسكين (الحجّ والعمرة) أو فيهما بالنِّيَّة مع التَّلْبِية أَو فعلٍ يتعلقُ بالحج كتقليد الهدْى وسوقه؛ لأَن الإحرام عَزْمٌ على الأَداءِ فلا بد فيه من ذِكْرٍ أَو فِعْلٍ يدلٌ عليه وهو التلبية وسوق الهدْى أو تقليده. والمشهور عند الأَئمة الثلاثة أَن الإِحرام هو نية أَحَدِ النسكين أَوْهُما دُونَ التلبية. وهو شَرْطٌ لِصِحَّةِ الحجِّ عند الحنفيين ابتداءَ، ولذا صَحَّ تقديمه على أَشْهُرِ الحجِّ مع الكَراهة. وله حكم الركن انتهاءَ، ولذا لا يجوز لمن فاتَهُ الحج البقاءُ على الإحرام ليقضى به من عام قابل (وقال) غير الحنفيين: الإحرام ركن، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، والإخلاص النِّيَّة؛ لأنه عملٌ من أَعمال القلب (وعن) عُمر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: ﴿إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّات﴾ (الحديث) أخرجه السبعة (٢). ﴿٥٨﴾
أي صِحَّةُ الأَعمالِ بالنِّيَّة. وقد أَجمع العلماءُ على أَنها فرض فى الحج وغيره من مقاصد العبادات. هذا، والثابت بالدليل أَن شرط النية علمه
стр. 3285
بقلبه: أى نسك يُؤَدِّى. والنية محلها القلب ولم يَرِد التَّلَفُّظ بهما عن أَحَدٍ ممن يُقْتَدَى بهم (قال) الكمال ابن الهمام: ولم نَعْلَم عن الرُّوَاة لنسكه ﵊ أَن روى واحد منهم أَنه سمعه ﵊ يقول: تّوَيْتُ الْعُمْرَة ولا الحجّ (١). هذا. والكلام فى الإحرام ينحصر فى خمسة مباحث:
(١) ما يطلب للإحرام: يطلب من مريد الإحرام أُمور ستة:
١ - التنظيف: إِذا أَراد شخص الإحرام بنسك ندب له قَصُّ أَظافره وشَارِبه وحلْق عَاَنتِه ونَتْفِ إِبطَيْه. ثم يَتَوَضَّأُ أَو يَغْتَسِل ولو صَبِيًّا أَو حائضاً أَو نفساءَ؛ لأَنه للنظافة. والغُسْلُ أَفْضَلُ، لقول ابن عمر رضى الله عنهما: مِنَ السُّنة أَن يغتَسِلَ إِذا أَراد الإِحرام وإِذا أِراد دخول مكة. أخرجه البزار والدار قطنى والحاكم وصححه (٢) ﴿١٠﴾
(وقالت) عائشة رضى الله عنها: نُفِسَتْ أَسماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بمحمد بن أبى بكر بالشجرة، فأَمر النبى ﷺ أَبا بكر أَن يَأْمُرَها أَن تَغْتَسلِ وتُهِلَّ. أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه والبيهقى والدارمى، وأخرج الأَئمة نحوه من حديث القاسم عن أسماء ... (٣) ﴿٥٩﴾
стр. 3286
(وعن) ابن عباس ﵄ أَن النبي ﷺ قال: إِنَّ النفساءَ والحائض تَغْتَسِلُ وتُحْرِمُ وتَقْضِى المناسِك كُلَّها غير أَنهما لا تطوف بالبيْتِ حتى تَطْهُرَ. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (١) ﴿٦٠﴾
دَلِّتْ هذه الأَحاديث على مشروعية الغُسْل لمنْ يريدُ الإِحرام فيغتسل بنية غُسْل الإحرام وهو غسل للنظافة، ولذا لا ينوب التيمم عنه عند العجز عند الحنفيين وأحمد. ويُشْتَرط عند المالكية اتصال هذا الغُسْل بالإحرام كاتصال غًسْل الجمعة بالرَّواح. فلو اغْتَسَل غَدْوَةٌ وأَحرم ظهراً لم يجزه ولا يضر الفصل بشَدِّ الرِّحال وإصلاح الحال. هذا ويُسَنُّ الغُسْل أَيضاً لدخول مكة وللوقوف بعرفة، لقول نافع: كان ابن عمر رضى الله عنهما يغْتَسِلُ لإحرامه قبل أَن يُحْرِمَ ولدخول مكة ولوقوفه عَشِيَّة عرفة. أخرجه مالك (٢) ﴿١١﴾
(وقال) النووى: يَغْتَسِل المحرم لسبعة مواطن: للإحرام ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والوقوف بالمزدلفة، ولرَمْى الجِمَار الثلاث فى أَيام التشريق. يَغْتَسِلُ فى كلِّ يومٍ من الأَيام الثلاثة غُسْلاً واحداً لرمْى الجمرات. ولا يُسْتَحَبُّ الغُسْل لرمْى جمرة العقبة يوم النَّحْر؛ لأَنَّ وقته من نِصْفِ اللَّيل إلى آخر النهار فلا يجتْمع له الناس فى وقتٍ واحد (٣).
٢ - لباس المحرم: يُسَنُّ لمنْ يُرِيدُ الإحرام أَن يَلْبسَ:
(أ) إِزَاراً مِنَ الوسَط ويُكْرَه شَدُّ حَبْل ونحوه عليه.
стр. 3287
(ب) رِدَاء مِنَ الكَتِف غَسِيلين أَو جَدِيدَيْن أَبْيَضَيْن. لقول ابن عباس رضى الله عنهما: انْطَلَقَ النبى ﵌ مِنَ المدينة بعدما تَرَجَّلَ وادَّهَنَ ولَبِسَ إِزَارَهُ ورِدَاءَهُ هُوَ وأَصحابُه. ولم ينه عن شَيْءٍ من الأَرْدية والأزُر تُلبس إِلاَّ المزعْفرةَ التى تَردَع الجلد حتى أَصبح بذى الحُلَيفة ركب راحلته حتى استوى على البيداءَ أَهلَّ هو وأَصحابهُ (الحديث) أخرجه البخارى ... (١) ﴿٦١﴾
٣ - التطيب: ويُسَنُّ التَّطَيُّب قبل الإحرام للرَّجُل والمرأَةِ ولا يَضُرُّ بقاءُ لَوْنه بعد؛ لقول عائشة رضى الله عنها: كُنَّا نخرجُ مع النبى ﷺ إلى مكة فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بالسُّك المطَّيب عند الإحرام. فإذا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ على وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النبى ﷺ فلا يَنْهَاهَا. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى (٢) ﴿٦٢﴾
(وعنها) قالت: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسول الله ﷺ لإِحرامِه قبل أَن يُحرم، ولإِحْلاَلِه قبل أَن يطوف بالبيت. أخرجه الشافعي والجماعة والدرامي. ﴿٦٣﴾
стр. 3288
دلَّ الحديثانِ على استحبابِ التطَيُّبِ عند الإحرام، وأنه لا يَضُرُّ بقاء أثره بعده. وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسُف والشافعي وأحمد.
(وقال) مالك ومحمد بن الحسن: يكره التطيب بما يبقى أَثره بعد الإحرام، لحديث صفوان بن يعلى بن أُمية عن أبيه أن رجلاً أتى النبى ﷺ وهو بالجعرَّانة قد أَهلّ بعمرةٍ وهو مُصَفِّر لحيته ورَأْسَه وعليه جُبَّة، فقال: يا رسول الله أَحْرَمْتُ بعمرةٍ وأنا كما تَرَى، فقال: انْزَعْ عنك الجبَّة واغسل عنك الصُّفرة. أخرجه الشافعى والجماعة إلاَّ ابن ماجه ... (١) ﴿٦٤﴾
(وأجاب) الأَوَّلون عنه بأَنَّهُ منسوخ كما قال الشافعي؛ لأنه كان فى عام الجعرانة سنة ثمان، وأَحاديث عائشة فى حجة الوداع سنة عشر.
ومنه تعلم أَن الراجح القول الأَوَّل لِقُوَّةِ أَدِلَّتِه.
٤ - خضاب المرأة: ويُستحبُّ للمرأَةِ الْخِضَاب للإحرام، وإن لم يكن لها زوج أَو كانت عَجوزاً. فتُخضِّب يَدَيْهَا إِلى الكُوعَيْن وتمسَحُ وَجْهَهَا بشىْءٍ مِنَ الحِنَّاء ليستتر لونُ البَشرَة؛ لأنها تُؤْمَرُ بكَشْف الوجْه وهي محرمة، وقد ينكَشِف الكَفَّان أَيضاً؛ ولأن الحِنَّاء من زِينة النساء، فاستحبت عند الإحرام كالتّطَيُّب وتَرْجِيل الشَّعْر. وبُكْرَه لها الْخِضَاب بعد الإحرام؛ لأنه من الزِّينة وهي مكروهة للمحرم.
٥ - تلبيد الشعر: ويُطلب من مُريد الإحرام أَن يُلَبِّد رأْسَهُ بصَمْغ
стр. 3289
ونحوه حِفْظاً له من الشَّعَث والقَمْل والانتشار، لقول ابن عمر رضى الله عنهما: سمعتُ النبى ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّداً. أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي والبيهقى ... (١) ﴿٦٥﴾
دلَّ على استحبابِ تَلْبِيدِ الشَّعْر للمحرم رِفْقاً به وبُعْداً عن أَسباب الأَذَى. وبه قال الشافعى وأَحمد. وكذا الحنفيون ومالك إذا كان يَسيراً لا يُؤدى إِلى سَتْر رأْس الرَّجُل. أَما الكثير الذى يستر رُبْعَ الرأْس فأَكثر، فحرام يلزم فيه دم باستدامته حال الإحرام يوماً فأَكثر. وعليه يحمل ما رَوَى الصَّلْتُ ابْنُ زُبَيْدٍ عن غير واحد من أَهله أَن عُمَر رضى الله عنه وَجَدَ رِيحَ طِيب، وهو بالشجرة، فقال: مَّمنْ رِيحُ هذا الطيب؟ فقال: كثير بن الصلت: مِنِّى، لَبَّدْتُ رأْسِى وأَردتُ أَلاَّ أَحْلِقَ فقال عُمر: اذهب إلى شَرَبة فادْلُك رأْسَك حتى تُنْقِيَه، ففعل ذلك. أخرجه مالك (٢) ﴿١٢﴾
أَمَّا لو دام أَقلَّ من يوم وليلة ففيه صَدَقة كصَدقة الفِطِر. أَمَّا المرأَةُ فلا تمنع من تَغْطِيةِ رَأْسِهَا فى الإحرام. هذا، ومن لَبَّدَ رَأْسَهُ أَو ضَفَّره أَو عقَص شعره لَزِمَهُ الحلق عند الإحلال عند مالك والشافعى وأحمد، لحديث عبد الله بن رافع عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ للإِحرام فقد وَجَبَ عليه الحلق. أخرجه ابن عدى. وعبد الله بن رافع ضعيف. وقال الدار قطنى ليس بالقوى (٣) ﴿٦٣﴾
стр. 3290
(وقال) الحنفيون: مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ أَو ضَفَّرها فله الحلق أَو التَّقْصِير، لقول ابن عباس: مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ أَو عَقَص أَو ضَفَّر فإِنْ كان نَوَى الحلق فَلْيَحْلِقْ، وإِنْ لم يَنْوِه فإِن شاءَ حلق وإِن شاءَ قَصَّر. ذكَره البدر العيني ﴿١٣﴾
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأَن فى سنده عبد الله بن رافع، وهو ضعيف، فلا حجة فيه. أَفاده البدر العيني (١).
٦ - ركعتا الإحرام: ويُستحبُّ لمريد الإحرام أَن يُصَلى رَكعتين فى غير وقت كراهة يَنْوِى بهما سُنَّةَ الإحرام، ويقرأْ فيهما بعد الفاتحة: قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون والإخلاص، وتُجْزئُ المكتوبة عنهما كتَحِيَّة المسجد. ودليله قولُ ابن عُمَر رضى الله عنهما: كان النبى ﷺ يركَعُ بِذِى الْحُلَيْفَةِ ركعتين، ثم إذا اسْتَوَتْ به الناقة قائمة عند مسجد ذِى الْحُلَيْفَةِ أَهَلِّ بهؤُلاء الكلمات (الحديث). أخرجه مسلم (٢) ﴿٦٧﴾
وهذه الصَّلاَة مجمعٌ على استحبابها فى غير وقت كراهة، فإن كان فى الميقات مسجد اسْتُحِبَّ أَن يُصَلِّيها فيه، وإِلاَّ صَلاَّهَا حيثُ يُحْرِم. قال القاضى حسين وغيره: لو صَلَّى فريضةً كَفَتْ عن رَكْعَتَي الإحرام كتَحِيَّة المسجِدِ تندرج فى الفريضة. قال النووى: وفيما قالوه نظر لأَنها سُنَّة مقصودة فينبغى ألا تندرج كسُنَّةِ الصُّبح (٣).
(الثانى) أَماكن الإَحرام: قد حدد الشارع للإحرام بالنسك أَمكنة لا يحلُّ لمرِيد مكة مجاوزتها بلا إِحرام وهي خمسة:
(الأول) ذو الْحُلَيْفَةَ لأَهل المدينة وكل من يمرّ به.
стр. 3291
(الثانى) ذات عِرْقٍ لأَهل العراق وكل من يمرّ به (١).
(الثالث) جُحْفة على ساحل البحر الأحمر الشرقى، وقد ذهبت أَعلامها ولم يبق إِلاَّ رسوم. ولذا صار النَّاسُ الآن يُحْرِمُنون من رابغ ـ مدينة فى شمالها ـ احتياطاً، وهي ميقاتٌ لأَهل مِصْر والشام ومن يمرّ عليها من الغربيين.
(الرابع) قَرْن المنازل (٢) لأهل نَجْدٍ ومن سَلَكَ طَريقهم.
(الخامس) يَلَمْلَم (٣) لأهل اليمن ومَنْ يمر بطريقهم. هَكَذَا وَقَّتَ النبى ﷺ هذه المواقيت لأَهْلِهَا ولمنْ يمرّ بها. (روت) عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ وَقَّتَ لأَهل المدينةِ ذَا الْحُلَيْفَةَ، وَلأهل الشام ومَصْر الْجُحْفَةَ وَلأَهل العراق ذاتَ عِرْقٍ، ولأهل نَجْدٍ قَرْناً ولأهل اليمن يَلَمْلَمَ. أخرجه النسائى (٤) ﴿٦٨﴾
стр. 3292
(وعن ابن عباس) رضى الله عنهما أن النبى ﷺ وَقَّتَ لأهل المدينة ذا الحليفةِ؛ ولأهل الشام الْجُحْفَة ولأهل نَجْدٍ قَرْنَ المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم. قال: فَهُنَّ لَهُنَّ ولمن أتَى عليهنَّ من غير أَهلهنَّ ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دونهن فَمُهَلَّهُ من أهله حتى أهلُ مكةُ يُهِلُّون منها. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى وأخرجه الشافعى مختصراً (١) ﴿٦٩﴾
وفي رواية لأبى داود: فَهُنَّ لهم " أى فالمواقيت المذكورة ميقات لأهل هذه الجهات " ولمنْ أَتَى عليها من غير أهلها، سواءٌ مَنْ كان له مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ أم لاَ. فمنْ له مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ وفى طريقه مِيقَاتٌ قبل مِيقَاتِه كالشامى يمرّ بذى الْحُلَيْفَةَ قبل الجحفة (فعند) الشافعى وأحمد: يجب أن يُحْرِمَ من ذى الحليفة. (وقال) مالك: يندب له الإحرام منها، وهو المشهور عند الحنفيين، فإن لم يُحْرِم منها لَزِمَهُ الإحرام من الْجُحْفة. وقال الحنفيون أيضاً: يجوز للمدَنىّ أَن يجاوز ذا الحليفة بلا إحرام ويُحْرِمَ من الجحفة أو من محاذاتها. (روى) نافع أن عبد الله بن عمر أَهَلَّ من الفُرْع. أخرجه مالك والبيهقى (٢) ﴿١٤﴾
وقال: قال الشافعى: وهذا عندنا أَنَّهُ مَرَّ بميقاتِه لم يُرِد حَجاً ولا عُمْرَةٌ
стр. 3293
ثم بدا له من الفُرْع فَأَهَلَّ منها، أَو جاءَ الفُرْعَ من مكة أو غيرها، ثم بدا له الإهلال فَأَهَلَّ منها. هذا، ومن سلك طريقاً بين ميقاتين بَرُّا أَو بحراً، فعند الحنفيين يَجْتَهد ويُحْرِم إذا حْاذَى ميقاتاً منهما. والأَبْعَدُ من مكة أَوْلَى بالإحرام منه، وهو ظاهِرُ المالكية. وعند أحمد يتعَيَّنُ الإحرام من أَبعدهما، وهو الأصح عند الشافعية.
هذا ويصح لمريد النسك عند الحنفيين الإحرام قبل هذه المواقيت، وهو أَفضلُ لمنْ يأْمَنُ الوقوع فى محظوراتِ الإحرام، وهو قول للشافعى صححه الرافعى، لحديث أُمِّ سلمة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال: مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةٍ أَو عُمْرَةٍ من المسجد الأَقْضَى إلى المسجد الحرام، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأَخَّر أو وَجَبَتْ له الجنة. أخرجه أحمد بسند لا بأْس به، وأَبو داود وابن ماجه والبيهقى بسند غير قوى (١) ﴿٧٠﴾
وقال مالك وأحمد: يُكْرَهُ الإحرامُ قبل الميقات، وهو أَصَحُّ القولين عند الشافعية. وصححه النووى.
هذا، وظاهر قوله فى حديث ابن عباس (٢) ـ ممن أَراد الحجَّ والعمرة ـ أَن الإحرام من هذه المواقيت إنما يجبُ على مَنْ مَرَّ بها قاصِداً فسكاً دون مَنْ لم يُرِده، فلو أَنَّ شخصاً مَرَّ بميقاتِه وهو لا يريد نسكاً ثم أراده فإنه يُحْرِم حينئذٍ ولا يجب عليه دم عند الشافعى. (وقال) أبو حنيفة وأحمد والجمهور: يلزمه دَمٌ إِنْ لم يرجِعْ إلى الميقات، لأنه لا يجوزُ لمريد مكة مجاوزة الميقات بلا إحرام وإِنْ لم يُرِد نسكاً. ومَنْ فَعَل أَثِمَ ولزمه دم،
стр. 3294
لما روى عطاءٌ أَن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إذا جاوز الوقْت فلم يُحْرِم حتى دخل مكة رجع إلى الوقت فأَحرم. فإِنْ خَشِىَ إِنْ رجع إلى الوقت فَوَّت الحج فإنه يُحْرِم ويُهْرِيق لذلك دماً. أخرجه إسحق بن راهويه (١). ﴿١٥﴾
فهذا المنطوق أَوْلَى من المفهوم المخالف فى قوله ـ ممن أَراد الحج والعمرة ـ إِنْ ثَبَتَ أَنه من كلام النبى ﷺ دون كلام الرَّاوِى. وهذا بالنسبة لمن كان خارج الميقات. أَما مَنْ كان فيه أو داخله، فَيَحِلُّ له دخول مكة لحاجةٍ بلا إحرامٍ لكثرةِ دخوله. وفي إلزامِه بالإحرام كلما دَخَلَ حَرَج. وهو مدفوع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمُ فى الدِّين مَنْ حَرَج (٢)﴾. وكذا مَنْ أَراد دخول مكة لقتالٍ مباحٍ أَو لخوفٍ من عَدُوّ لا يلزمه الإحرام؛ لأنَّ النبى ﷺ وأَصحابه دخلوا يوم الفتح بلا إحرام، وكذا مَنْ جاوَزَ الميقاتَ لحاجةٍ فى غير مكة لا يلزمه الإحرام اتفاقاً. ومَتَى بدا له الإحرام يُحْرِم من موضعه ولا شىْءَ عليه عند مالك والشافعى وأبى يوسف ومحمد. وعن أحمد أنه يلزمه الرجوع إلى الميقاتِ والإحرام منه.
هذا، ومن كان مَسْكَنه دون هذه المواقيت ـ بأَن كان بين مكة وأَحدها ـ فإِحرامه من بَلَدِه اتفاقاً لقوله فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما: ومَنْ كان دُونَهُنَّ فَمُهَلَّه من أَهلهِ.
(فائدة) للحرم المكِّى حدود قد نُصِبَتْ عليها أَعلام فى خمس جهاتٍ تحيط بمكة. فعلى حَدِّه من جهة الشرق، الجعرانة بينه وبين مكة ١٦ ستة عشر كيلو متراً. وعلى حَدِّه من الشمال الشرقى (العراق) وَادِى نَخْلة بينه وبين مكة نحو ١٤ أَربعة عشر كيلو متراً. وعلى حَدِّه من جهة الشمال، التنعيم على طريق المدينة بينها وبين مكة ٦ ستة كيلو مترات. ومن جهة الغرب بميل قليل إلى الشمال (من جهة جُدة) الحديبية وتسمى اليوم
стр. 3295
الشميسى، وهي التى وقعت بها بَيْعَةَ الرضوان بينها وبين مكة نحو ١٥ خمسة عشر كيلو متراً. ومن جهة الجنوب أَضاه (كنواه) على طريق اليمين بينها وبين مكة ١٢ اثنا عشر كيلو متراً وهذه الأعلام أحجار مُتْقَنَة النحت مرتفعة نحو متر، تقوم مُتَحَاذِية على جانبى كل طريق من هذه الطرق (انظر رسم رقم ١).