← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

لابد منه ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع" أخرجه البيهقي وأبو داود (١) ﴿٢٥٥﴾ (وعن) ابن عمر أن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوماً عند الكعبة، فسأل النبي ﷺ فقال: "اعتكف وصم" أخرجه أبو داود والبيهقي. وفيه عبد الله بن بديل، ضعفه الدارقطني، واثنى عليه غيره. قال ابن معين وأبو حفص في الثقات: مكي صالح وذكره ابن حبان في الثقات (٢) ﴿٢٥٦﴾ وزيادة الثقة مقبولة، وقد روي لزوم الصوم للمعتكف عن ابن عباس وعائشة وغيرهما. (روي) الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: من اعتكف فعليه الصوم. (وروي) عطاء عن عائشة قالت: من اعتكف فعليه الصوم (٣). (وعن) عطاء عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: المعتكف يصوم أخرجه البيهقي (٤). (وعن) القاسم بن محمد ونافع مولى ابن عمر قالا: لا اعتكاف إلا بصيام، لقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد" فذكر تعالى الاعتكاف مع الصيام. أخرجه مالك في الموطأ وقال: والأمر على ذلك عندنا أنه لا اعتكاف إلا بصيام (٥). (وقال) الشافعي: الصوم ليس شرطاً لصحة الاعتكاف بل يصح اعتكاف لحظة لأنه يصح اعتكاف لحظة واحدة على ما تقدم وهو مشهور

стр. 3222

مذهب أحمد (لحديث) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" أخرجه البيهقي وقال تفرد به عبد الله بن محمد بن نصر وأخرجه الحاكم وصححه وتصحيحه غير مسلم لأنه لم يرفعه غير عبد الله بن محمد وهو مجهول الحال (١). ﴿٢٥٧﴾ وعليه فالراجح القول باشتراط الصوم في الاعتكاف ولو تطوعاً (قال) ابن القيم: ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اعتكف مفطراً قط، بل قالت عائشة ﵂: لا اعتكاف إلا بصوم ولم يذكر الله الاعتكاف إلا مع الصوم فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف (٢). (هذا) والخلاف في لزوم صوم المعتكف المتطوع وعمده مبني على الخلاف في أن اعتكاف التطوع مقدر بيوم أولاً على ما تقدم فمن قال إنه مقدر وهم الجمهور اشترط الصوم ومن قال: إنه غير مقدر لم يشترطه (قال) ابن قدامة: إذا قلنا إن الصوم شرط لم يصح اعتكاف ليلة مفردة ولا بعض يوم ولا ليلة وبعض يوم لأن الصوم المشترط لا يصح في أقل من يوم ويحتمل أن يصح في بعض اليوم إذا صام اليوم كله لأن الصوم المشروط وجد في زمن الاعتكاف ولا يعتبر وجود المشروط في زمن الشرط كله (٣) (٤) وقت الدخول في المعتكف: من نوى اعتكاف يوم وليلة أو أكثر يدخل معتكفة قبل غروب الشمس عند الجمهور والأئمة الأربعة (لحديث) أبي سعيد الخدري ﵁ أن

стр. 3223

النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين- وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه - قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر" أخرجه البخاري (١) ﴿٢٥٨﴾ وجه الدلالة أن العشر بدون هاء اسم لعدد الليالي وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين (وقال) الأوزاعي والثوري والليث بن سعد: يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح (لحديث) عمرة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فأمر ببنائه فضرب" (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه وأبو داود (٢) ﴿٢٥٩﴾ (وأجاب) الأولون عنه بأن النبي ﷺ دخل المسجد أول الليل معتكفاً ولكنه لم يدخل المكان الذي أعدة للاعتكاف إلا بعد صلاة الصبح. (٥) ما يستحب للمعتكف: يستحب له الاشتغال بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة. والذكر يشمل التسبيح والتهليل والتحميد والكبير والاستغفار والحوقلة والصلاة على النبي ﷺ الدعاء والتفكر في آيات الله تعالى. والطواف بالكعبة ودخولها في معنى الصلاة وكذا يستحب له

стр. 3224

عند الحنفيين والشافعية استذكار الحديث ودراسة العلم وسير الأنبياء والصالحين وكتابة أحكام الدين وغير ذلك من القرب وهو رواية عن أحمد (وقالت) المالكية: يكره اشتغاله بقربة غير ذكر الله تعالى والصلاة والتلاوة وهو رواية عن أحمد وإنما كره الاشتغال بالعلم- غير العيني- غير أنه أفضل من صلاة النافلة، لأن المقصود من الاعتكاف صفاء القلب ورياضة النفس وهو إنما يحصل غالباً بالذكر والصلاة لا بالاشتغال بالعلم. وكذا يكره عند مالك كتابة قرآن إن كثر ولا بأس باليسير وإن كان تركه أولى وكذا يكره صلاته على جنازة وإن وضعت بقربه أو كانت لجار أو صالح، لكونها مظنة الاشتغال مع الناس. وكذا يكره مشي لأذان على منار أو سطح أو غيرهما، لأنه كالخروج من المسجد. فإن أذن في موضعه أو بقربه جاز. وكذا يكره المشي للإقامة ولعيادة مريض بالمسجد إلا أن يكون قريباً منه فلا بأس أن يسلم عليه ولا يقوم ليعزي أو يهني (١) (وندب) مكث في المسجد ليلة العيد لمعتكف عشر رمضان الأواخر ليمضي من معتكفه إلى المصلي لو صل عبادة، وكذا لو اعتكف أقل من العشر وكان آخر اعتكافه آخر يوم من رمضان فيندب له المكث ليلة العيد فإن كانت ليلة العيد أثناء اعتكافه فهل يجب عليه المكث أولاً؟ لأنه لا يصوم صبيحة تلك الليلة. والراجح الأول. لكن إن خرج ليلة العيد أو يومه إثم ولا يبطل اعتكافه مراعاة للمقابل (وندب) مكثه بآخر المسجد ليبعد عمن يشغله بالحديث (وندب) الاعتكاف برمضان لكونه سيد الشهور (وندب) أن يكون بالعشر الأخير منه لمصادفة ليلة القدر الغالب وجودها في رمضان أو في العشر الأخير منه (٢).

стр. 3225

(٦) ما يباح للمعتكف: يباح له أمور المذكور هنا ثمانية: (أ) استخدام زوجته في غسل رأسه وتسريح شعره وإخراج بعض بدنه من المسجد لهذا الغرض (لقول) عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يجاور في المسجد فيصغي إليّ رأسه فأرجله وأنا حائض" أخرجه أحمد وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يعتكف فيخرج إليّ رأسه من المسجد فأغسله وأنا حائض (١). ﴿٢٦٠﴾ (ب) ويجوز للمعتكف التنظف والغسل والحلق والتزين إلحاقاً بالترجل ولا يكره له إلا ما يكره في المسجد (قال) الخطابي: في حديث عائشة أن ترجيل الشعر مباح للمعتكف وفي معناه حلق الرأس وتقليم الأظفار وتنظيف الأبدان من الشعث والدرن (٢) وللرجل أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب وليس ذلك بمستحب (قال) أحمد: لا يعجبني أن يتطيب لأن الاعتكاف عبادة تختص مكاناً ترك الطيب فيها مشروعاً كالحج وليس ذلك بمحرم لأنه لا يحرم اللباس ولا النكاح فأشبه الصوم (٣). ولا يجوز للمرأة المعتكفة في المسجد التطيب لأنه داعية إلى تعلق قلوب الرجال بها في المسجد (٤) (جـ) ويباح عند الجمهور للمعتكف وغيره الوضوء في المسجد إلا أن

стр. 3226

يقذره أو يتأذى به الناس فإنه يكره (وعن) مالك أنه مكروه تنزيهاً للمسجد (وقال) الحنفيون يكره التوضؤ فيه إلا في موضع أعدّ لذلك (وعن) أحمد روايتان (إحداهما) لا يكره لقول أبي العالية حدثني من كان يخدم النبي ﷺ قال: "توضأ النبي ﷺ في المسجد وضوءاً خفيفاً" أخرجه أحمد والبيهقي (١) ﴿٢٦١﴾ (والأخرى) يكره لأنه يبل من المسجد مكاناً يمنع المصلين من الصلاة فيه ولا يسلم من أن يبصق في المسجد أو يتمخط وإن خرج من المسجد للوضوء وكان تجديداً بطل اعتكافه لأنه خروج لما له منه بد وإن كان وضوءاً من حدث لم يبطل لأن الحاجة داعية إليه (٢). (د) ويباح للمعتكف عقد النكاح ومراجعة امرأته في المسجد اتفاقاً، لأن الاعتكاف عبادة لا تحرم الطيب فلم يحرم النكاح كالصوم ولأن النكاح طاعة وحضوره قربة ومدته لا تتطاول فيتشاغل به عن الاعتكاف فلم يكره فيه كتشميت العاطس ورد السلام (٣). (هـ) ويباح للمعتكف عقد البيع والشراء المحتاج إليه في المسجد بلا إحضار السلع فإنه مكروه تحريماً، لما فيه من شغل المسجد وجعله كالدكان وكذا يكره له تحريماً- عند الحنفيين وأحمد وعلى الصحيح عند الشافعي- عقد البيع والشراء لغير الحاجة الأصلية كالتجارة، لأنه منقطع إلى طاعة الله تعالى فلا يشتغل بأمور الدنيا (روي) عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابن عمرو قال: "نهى النبي

стр. 3227

صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد" (الحديث) أخرجه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي (١). ﴿٢٦٢﴾ (وعن) الشافعي أنه يجوز للمعتكف أن يبيع ويشتري ولا يكثر منه فإن أكثر كره (وقال) مالك: يكره للمعتكف البيع والشراء في المسجد. ولو كان محتاجاً لشراء قوته خرج لشرائه (رأى) عمران القصير رجلاً يبيع في المسجد فقال يا هذا إن هذا سوق الآخرة. فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا. وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف ففيه أولى (فأما) الصنعة فلا يجوز منها ما يكتسب به لأنه بمنزلة التجارة بالبيع والشراء ويجوز ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيراً مثل أن ينشق قميصه فيخيطه أو ينحل شيء يحتاج إلى ربط فيربطه لأن هذا يسير تدعو الحاجة إليه فجرى مجرى ليس قميصه وعمامته وخلعهما (٢). (و) ويباح للمعتكف الأكل والشرب في المسجد اتفاقاً على وجه لا يؤدي إلى تقذير المسجد أو تضييقه على مصل (وقالت) المالكية: يكره أكل المعتكف بفناء المسجد أو رحبته فإن أكل خارجاً عما ذكر بطل اعتكافه، لأنه مشى في غير عمل الاعتكاف والمطلوب أن يأكل فيه على حدة أو في المنارة ويغلق عليه (٣) (ويجوز) للمعتكف وغيره أن يضع المائدة في المسجد ويغسل يده بحيث لا يتأذى بغسالته أحد وغن غسلها في الطست فهو أفضل ويستحب للآكل

стр. 3228

أن يضع سفرة ومحوها ليكون أنظف للمسجد وأصون (١) ولا يجوز أن مخرج لغسيل يده لأن له من ذلك أبداً. (ز) ويباح للمعتكف الكلام للحاجة وتوديع زائره وزيارة امرأته له (لقول) صفيه: كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي يقلني فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا. فقال النبي ﷺ على رسلكما إنها صفية بنت حيي. قالا: سبحان الله يا رسول الله فقال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً أو قال شيئاً" أخرجه البيهقي والسبعة إلا الترمذي (٢). ﴿٢٦٣﴾ (ح) ويجوز للمعتكف- عند غير المالكية- دخول بيته لحاجة الإنسان التي لابد منها كالبول والغائط وغسل الجنابة (وقالت المالكية: يكره دخوله محل أهله كزوجة- لئلا يطرأ عليه ما يفسد اعتكافه- ولو كان دخوله لحاجة من بول أو غائط فإن لم يكن به أهله لم يكره كما إذا كان أهله في علو المنزل ودخل هو أسفله والمراد محل أهله القريب من المسجد. أما البعيد فيبطل اعتكافه بدخوله إن أمكن غيره (٣).

стр. 3229

(٧) خروج المعتكف: لا يخرج المعتكف من معتكفه ليلاً أو نهاراً إلا لو أحد من أمور ثمانية: (الأول) حاجة طبيعية كبول أو غائط وإزالة نجاسة واغتسال من جنابة باحتلام (الثاني) حاجة ضرورية كانهدام المسجد وإخراج ظالم له كرهاً وخوف على نفسه أو ماله من ظالم فلا يفسد اعتكافه بخروجه لذلك اتفاقاً (لقول) عائشة: "وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل عليّ رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إلا إذا أراد الوضوء وهو معتكف" أخرجه أحمد (١) ﴿٢٦٤﴾ (قال) ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول لأن هذا مما لابد منه ولا يمكن فعله في المسجد وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه وإن بغته القيء فله أن يخرج ليتقابأ خارج المسجد وكل ما لابد منه ولا يمكن فعله الخروج إليه ولا يفسدا اعتكافه ما لم يطل (٢) (الثالث) حاجة شرعية كصلاة جمعة وعيد فيخرج في وقت يمكنه إدراك الجمعة مع الإمام ويصلي بعدها السنة أو ستاً ولو أتم اعتكافه في مسجد الجمعة صح مع الكراهة التنزيهية لمخالفته ما التزمه بلا ضرورة

стр. 3230

(وقالت) المالكية والشافعية: لا يعتكف في غير المسجد الجامع إذا كان اعتكافه المنذور يتخلله جمعة فإن اعتكف في غيره وخرج للجمعة ونحوها، بطل اعتكافه (الرابع والخامس) الحيض والنفاس: فإذا حاضت المعتكفة أو نفست، لزمها الخروج من المسجد إلى البيت - عند الأئمة الأربعة- أو إلى رحبة المسجد عند مالك. وهو رواية عن أحمد (لقول) عائشة: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب" أخرجه أبو داود والبخاري في التاريخ وصححه ابن خزيمة وحسنه ابن القطان (١). ﴿٢٦٥﴾ ويفسد اعتكافها كما تقدم وإن انقطع الحيض تعود إلى معتكفها. (السادس) العدة: وإذا لزم المعتكفة عدة وفاة أو فراق لزمها الخروج لقضاء العدة في بيت الزوج عند الشافعي وأحمد (وقال) مالك: لا تخرج حتى يتم اعتكافها لأن الاعتكاف المنذور واجب والاعتداد في البيت واجب فقد تعارض واجبان فيقدم أسبقهما (٢) وإذا خرجت للعدة هل يبطل اعتكافها؟ فيه طريقان: (أصحهما) لا يبطل حتى إذا نذرت متتابعاً أكملت العدة ثم عادت إلى المسجد وبنت على ما مضى وإذا لزمها الخروج للعدة فمكثت في الاعتكاف ولم تخرج عصت وأجزأها الاعتكاف (٣).

стр. 3231

(السابع والثامن) العيادة وصلاة الجنازة- فيجوز للمعتكف إعتكافاً مستحباً الخروج من معتكفه لعيادة مريض وصلاة جنازة لأن كلاً مما ذكر تطوع. والأفضل عدم الخروج- إن لم يتعين عليه- للجنازة. وإن خرج لما لابد منه فسأل عن المريض في طريقة ولم يعرج عليه جاز ولم يبطل اعتكافه. فإن وقف بطل اعتكافه (قالت) عائشة ﵂: إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة (الحديث) أخرجه مسلم وابن ماجه (١) ولا يفسد إعتكاف التطوع- في ظاهر الرواية عند الحنفيين- بالخروج بغير عذر كالخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة، بناء على أن اعتكاف التطوع غير مقدر فله أن يعتكف ساعة من نهار أو نصف يوم أو ما شاء من قليل أو كثير أو يخرج فيكون معتكفاً ما أقام تاركاً ما خرج. ويفسد بما ذكر عند مالك والحسن بن زياد والشافعي وأحمد بناء على أنه مقدر بيوم كالصوم (٢) (أما) المعتكف اعتكافاً منذوراً أو مؤكداً فلا يخرج لعيادة مريض ولا لصلاة جنازة، لأنه لا ضرورة إلى الخروج لأن عيادة المريض من الفضائل وصلاة الجنازة فرض كفاية تسقط عنه بقيام الباقين بها فلا يجوز إبطال الاعتكاف لأجلها. (ولما تقدم) عن عائشة قالت: السنة على المعتكف ألا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة (٣) يعني أنه لا يخرج من معتكفه قاصداً عيادة مريض أو صلاة جنازة.

стр. 3232

(وبهذا) قالت الأئمة الثلاثة وهو الصحيح عن أحمد والمشهور عنه أنه لا يخرج لذلك إلا أن اشتراطه (وحاصل) مذهب المالكية أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج لعيادة المريض ولا لتشييع الجنازة ولا للصلاة عليها ولو تعينت فإن خرج بطل اعتكافه ولو مرض أحد أبويه أو هما خرج وبطل اعتكافه، لأن في عدم خروجه عقوقاً أما جنازتهما معاً فلا يخرج على مشهور المذهب وأما جنازة أحدهما فيخرج لئلا يكون عدم خروجه عقوقاً للحي منهما. (فوائد) (أ) متى يخرج معتكف العشر الأواخر من رمضان؟ (قال) مالك وأحمد: يستحب له البقاء في المسجد حتى يخرج إلى صلاة العيد وإن خرج بعد غروب شمس آخر رمضان أجزأه (وقال) أبو حنيفة والشافعي: يخرج بعد غروب الشمس (قال) سحنون وابن الماجشون: إن رجع إلى بيته قبل صلاة العيد فسد اعتكافه. وسبب الاختلاف هل الليلة الباقية من حكم العشر أم لا؟ (١). (ب) إذا أنذر اعتكافاً متتابعاً وشرط الخروج منه إن عرض عارض مثل مرض خفيف أو عيادة مريض أو شهود جنازة أو زيارة أو صلاة جمعة أو شرط الخروج لطلب علم أو لغرض آخر صح شرطه، وإذا قضى العمل الذي شرطه وخرج له لزمه العود والبناء على اعتكافه. فإن آخر العود بعد قضاء العمل بلا عذر بطل تتابعه ولزمه استئناف الاعتكاف ولو نذر اعتكافاً متتابعاً وقال في نذره إن عرض مانع قطعت الاعتكاف. فإذا عرض المانع الذي شرطه انقضى نذره وبرثت ذمته منه وجاز الخروج ولا رجوع عليه. ولو قال على أن اعتكف رمضان إلا أن أمرض أو أسافر فمرض أو سافر فلا شيء عليه ولا قضاء.

стр. 3233

(جـ) إذا مات وعليه اعتكاف فهل يطعم عنه؟ (قال) مالك وأحمد: لا يطعم عنه وهو الصحيح عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: يطعم عنه. وعن ابن عباس وعائشة وأبي ثور أنه يعتكف عنه. (د) لو نذر أن يعتكف شهر رمضان من هذه السنة. فإن كان النذر في شوال لم ينعقد وإن كان قبله انعقد فإن لم يعتكف حتى فات رمضان، لزمه القضاء متتابعاً أو متفرقاً (١). (٨) ما يكره للمعتكف: يكره له أربعة أمور: (أ) يكره له تحريماً الصمت بالكلية إن اعتقده قربة (لحديث) علي ﵁ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل" أخرجه أبو داود بسند حسن (٢). ﴿٢٦٦﴾ فإن سكت غير معتقد انه قربة فلا كراهة (لحديث) ابن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من صمت نجا" أخرجه أحمد والترمذي بسند فيه ابن لهيعة. وأخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات (٣). ﴿٢٦٧﴾ والصمت عن الشر متعين على المعتكف وغيره (لحديث) أبي شريح الخزاعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم

стр. 3234

ضيفه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت" أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه (١). ﴿٢٦٨﴾ فإن نذر الصمت في اعتكافه أو غيره لم يلزمه الوفاء به إجماعاً لما تقدم أن أبا إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه (٢). (فائدة) لا يجوز لأحد أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام لأنه استعمال له في غير ما هو له فأشبه استعمال المصحف في التوسد ونحوه وقد جاء لا تناظروا بكتاب الله، قيل معناه لا تتكلم به عند الشيء تراه كأن ترى رجلاً قد جاء في وقته فتقول: وجئت على قدر يا موسى أو نحوه (٣). (ب) يكره للمعتكف الكلام إلا بما فيه ثواب من قرآن وذكر وغيرهما من أنواع الطاعة. ويجتنب مالا يعنيه من الأقوال والأفعال ولا يكثر الكلام لأنه من كثر كلامه سقطة (روي) أبو بصرة أن النبي ﷺ قال: من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه أخرجه الترمذي وابن ماجه وحسنه النووي وصححه ابن عبد البر (٤). ﴿٢٦٩﴾ ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش. فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى. ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك. ويستحب للمعتكف إذا سبه إنسان أن لا يجيبه كالصائم. فإن أجابه أو سب غيره أو جادله بغير حق، كره لم يبطل اعتكافه. ويبطل ثوابه أو ينقص (٥).

стр. 3235

(جـ) يكره عند مالك اعتكافه وليس معه كفاية واشتغاله بغير الذكر والصلاة والتلاوة كما تقدم. (د) يكره عنده إخراج القاضي للمعتكف لمقاضاته قبل تمام اعتكافه إن لم يكن فارا باعتكافه من دفع الحق ولم تطل مدة الاعتكاف بحيث تضر برب الحق وإلا وجب إخراجه في الحالة الأولى وبطل اعتكافه ولا كراهة في إخراجه في الثانية وإذا دعى المعتكف لتحمل شهادة إن كان اعتكافه تطوعاً ولم يتعين بالتحمل فالأولى-عند غير مالك- ألا يخرج وإن تعين عليه التحمل لزمه الخروج، لأن ذلك واجب. وإن كان اعتكافه واجباً لم يلزمه الإجابة سواء أكان متتابعاً أم لا، لأنه مشتغل بفرض فلا يلزمه قطعه. وهل يباح له الخروج؟ ينظر فإن لم يكن شرط التتابع جاز الخروج، لأنه لا يبطل بخروجه عبادته فإذا عاد بني وإن كان شرط التتابع لم يجز الخروج لأنه يبطل ما مضى من عبادته وإبطال العبادة الواجبة لا يجوز (١) (وقالت) المالكية: لا يخرج لأداء شهادة وإن تعينت عليه بل يذهب القاضي للمسجد أو تنقل عنه الشهادة لعدم تمكنه من الحضور كالمريض. (٩) قضاء الاعتكاف: الاعتكاف مستحب وواجب (أ) فمن اعتاد اعتكاف أيام تطوعاً أو نواها ولم يدخل في الاعتكاف لعذر أو غيره يستحب له أن يقضيه اتفاقاً (لحديث) أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر سنة

стр. 3236

فلم يعتكف فلما كان في العالم المقبل اعتكف عشرين يوماً. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بسند جيد وصححه ابن حبان والحاكم (١). ﴿٢٧٠﴾ يعني أن النبي ﷺ سافر سنة فلم يعتكف العشر في رمضان فاعتكف في العالم القابل عشرين يوماً عشرة قضاة عما فاته في العام السابق استحباباً وعشرة عن العام الحاضر ويحتمل أن الاعتكاف كان واجباً عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نصوصه فقضاه على سبيل الوجوب. (ومن) دخل في اعتكاف متطوعاً فله إتمامه وله الخروج منه متى شاء. وإن خرج يستحب له قضاؤه عند الشافعي وأحمد وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، لأن الاعتكاف لبث وإقامة فلا يتقدر بيوم كامل كالوقوف بعرفة وكل لبث فهو اعتكاف لا تتوقف صحته على تمام اليوم (وقال) مالك والحسن بن زياد يلزمه إتمامه فإن قطعه لأن الشروع في التطوع موجب للإتمام (٢) عندهما صيانة للمؤدي عن البطلان كما في صوم التطوع وصلاة التطوع ومست الحاجة هنا إلى صيانة المؤدي لأن القدر المؤدي انعقد قربة فيحتاج إلى صيانته بالمضي فيه. (قال) الترمذي: واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى. فقال مالك: إذا انقضى اعتكافه وجب عليه

стр. 3237

القضاء واحتجوا بالحديث أن النبي ﷺ خرج من اعتكافه فاعتكف عشراً من شوال (١). (وقال) الشافعي: إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه وكان متطوعاً فخرج فليس عليه قضاه إلا أن يجب ذلك اختياراً منه قال الشافعي وكل عمل لك ألا تدخل فيه فإذا دخلت فيه وخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة (٢) وهذا هو الحق. وقد انعقد الإجماع على أن الإنسان لو نوى الصدقة بمال مقدر فأخرج بعضه لم تلزمه الصدقة بباقيه وهو نظير الاعتكاف لأنه غير مقدر بالشرع. (ب) يجب على من نذر اعتكافاً أو أفسده بخروج وغيره- مما تقدم في الشرط الخامس للاعتكاف (٣) - أن يقضيه اتفاقاً إذا قدر على القضاء لأنه

стр. 3238

إذا فسد التحق بالعدم فيحتاج إلى القضاء جبراً للفوات. ويقضى بالصوم لأنه فات مع الصوم فيقضيه معه. غير أن المنذور وإن كان اعتكاف شهر بعينه يقضي قدر ما فسد لا غير ولا يلزمه الاستقبال كالصوم المنذور في شهر بعينه إذا أفطر يوماً أنه يقضي ذلك اليوم ولا يلزمه الاستئناف كما في صوم رمضان وإذا كان اعتكاف شهر بغير عينه يلزمه الاستقبال لأنه يلزمه متتابعاً فيراعي فيه صفة التتابع وسواء فسد بصنعه بلا عذر كالحرج والجماع والأكل والشرب في النهار إلا الردة- عند الحنفيين ولا يسقط القضاء عند الثلاثة- أو فسد بصنعه لعذر كما إذا مرض فاحتاج إلى الخروج فخرج أو بغير صنعة رأساً كالحيض والجنون والإغماء الطويل، لأن القضاء يجب جبراً للفائت. والحاجة إلى الجبر متحققة في هذا كله، إلا أن سقوط القضاء في الردة- عند الحنفيين- عرف بالنص وهو قوله تعالى "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف" (١) وقول النبي ﷺ الإسلام يجب ما قبله (٢). (وإن نذر) اعتكاف شهر بعينه ففات بعضه، قضاه لا غير وإن فاته كله قضى الكل متتابعاً لأنه لما لم يعتكف حتى مضى الوقت صار الاعتكاف ديناً في ذمته فإن قدر على قضائه فلم يقضه أيس من حياته، يجب عليه أن يوصي بالفدية لكل يوم طعام مسكين لأجل الصوم لا لأجل الاعتكاف كما في قضاء رمضان. وإن قدر على البعض دون البعض فلم يعتكف فكذلك إن كان صحيحاً وقت النذر. فإن كان مريضاً وقته فذهب الوقت وهو مريض حتى مات فلا شيء عليه. وإذا نذر اعتكاف شهر بغير عينه فجميع العمر وقته وفي أي وقت أدّى كان مؤدياً لا قاضياً. وإذا لم يؤد وأيس من حياته

стр. 3239

يجب عليه أن يوصي بالفدية كما في قضاء رمضان. فإن لم يوصي حتى مات سقط عنه في أحكام الدنيا عند الحنفيين ومالك حتى لا تؤخذ الفدية من تركته ولا تجب على الورثة إلا أن يتبرعوا بها (وقال) الشافعي وأحمد لا تسقط وتؤخذ من تركته وتعتبر من جميع المال (١). (١٠) إحياء العشر الأواخر من رمضان: يستحب فيها الاجتهاد في الطاعة وإحياؤها بالعبادة وحث الأهل والأولاد ولو صغاراً يقدرون على إحيائها (لقول) عليّ ﵁: "كان رسول الله ﷺ يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان وكل صغير وكبير يطيق الصلاة" أخرجه الترمذي باختصار. ورواه الطبراني في الأوسط وكذا أبو يعلي مختصراً بسند حسن. وقال الترمذي: حسن صحيح (٢). ﴿٢٧١﴾ وإنما كان النبي ﷺ يفعل ذلك ليصادف في هذه العشر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر (وعن) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر" أخرجه احمد والشيخان والبيهقي وابن ماجه (٣). ﴿٢٧٢﴾ (والمراد) بشد المئزر الاجتهاد في الطاعة زيادة على العادة (وقيل) هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادة. والمراد بإحياء الليل استغراقة

стр. 3240

بالصلاة وغيرها والجد في الطاعة "وقول" بعضهم: يكره قيام الليل كله محمول على المداومة عليه. وأما قيام ليلة أو ليلتين إلى العشر فليس بمكروه، ولذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين والعشر الأخير من رمضان. وفي أحاديث الباب الحث على الاهتمام بتجويد الخاتمة نسأل الله تعالى التوفيق والإكرام وحسن الختام. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه. ((تنبيه)) قد بينا أهم المراجع التي استعنا بها في تخريج أحاديث هذا الجزء ومراجع النصوص العلمية فانتظر بصفحتي ٣٧٥، ٣٧٦ من الجزء السابع من الدين الخالص. وإلى هنا ما تم يسر الله تعالى من تنقيح وتحرير وتنسيق ما ترك السيد الوالد الشيخ محمود خطاب- عمه الله تعالى بالرحمة والإحسان- من أصول الدين الخالص والتعليق عليه مع ضبط الآيات والأحاديث وترقيمها وبيان المراجع أسأل الله ذا الكرم العميم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم. وأن ينقع به النفع العميم. إنه هو البر الرحيم. وقد استعنت بحول الله تعالى وقوته على إتمام قسم العبادات على النسق الذي سلكته في تنقيح الكتاب. فألفت (إرشاد الناسك. إلى أعمال المناسك) وتم طبعه وعم نفعه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وأسأل الله تعالى أن يمن على من فضله بإتمام الكتاب على هذا النظام المستطاب وإكمال مقاصده على وجه يرضيه ويرضي به عن عبده الفقير إلى رعايته وإعانته وتوفيقه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه واقتفى بأثره، ، ١١ شعبان ١٩٧٠ هـ ... أمين محمود خطاب ١٧ مايو ١٩٥١ م ... من العلماء المدرسين بالجامعة الأزهرية.

стр. 3241

نبذة مختصرة عن محقق هذا الكتاب فضيلة الإمام الشيخ أمين محمود خطاب ثاني أنجال المؤلف، ولد بسبك الأحد مركز أشمون في سنة ١٣٠٤ هـ/١٨٨٤ م، والتحق بالأزهر فحضر على كبار شيوخه وحصل على العالمية في رجب سنة ١٣٢٩ هـ/ يونية سنة ١٩١٦ م، فعين مدرساً بالمعاهد الدينية الأزهرية بالوجهين القبلي والبحري والقاهرة، ثم عين مدرساً بكلية الشريعة، ثم بكلية أصول الدين، وتتلمذ عليه عدد من الدعاة والوعاظ والعلماء. وقد شارك في الدعوة إلى الكتاب والسنة، فكان وكيلاً للجمعية الشرعية في حياة والده، وبعد وفاته تولى إمامة أهل السنة. وعني بالبحث العلمي والتأليف فأذاع مؤلفات والده بنشرها وتحقيقها، ومنها: المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود فزاد فيه الأجزاء من الحادي عشر إلى الرابع عشر، وحقق كتاب الدين الخالص وأثمه بإصدار الجزء التاسع منه، وعزم على استكمال المعاملات، ولكنه توفي في سنة ١٣٨٧ هـ /١٩٦٨ م قبل أن يتمكن من إصدار باقي الكتاب. واقتصر على الأجزاء التسعة، فشرع فضلة نجله الورع الشيخ يوسف أمين خطاب إمام أهل السنة في إعادة طبع هذا الجزء الثامن، متمنياً أن يتم إصداره في حياته. وعندما استشعر دنو أجله ألقى على جماهير المصلين بالمسجد الكبير بالخيامية عقب صلاة الجمعة كلمة وصاهم فيها بالالتفاف حول الجمعية الشرعية وبذل غاية الجهد في سبيل إنجاح مقاصدها لتظل مؤسسة إسلامية تحمل مشعل الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم. وطلب منهم متابعة طباعة هذا الجزء. ثم توفي بعد ثلاثة أيام يوم الاثنين ٣٠ صفر ١٣٩٦ هـ الموافق أول مارس ١٩٧٦ م ﵀ وطيب ثراه وجعل الجنة مثواه.

стр. 3242

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق وهو آخر كتاب وضع أصله الشيخ الإمام محيي السنة ومميت البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد المرحوم السيد محمود محمد خطاب السّبكى المتوفى فى الرابع عشر من ربيع الاول سنة ١٣٥٢ هـ -٧ يوليو سنة ١٩٣٣ م عمه الله تعالى بالرحمة والرضوان وأسكنه عالى الجنان الجزء التاسع عنى بنتقيحه وتصحيحه وتنسيقه والتعليق عليه وضبط الآيات والأحاديث وترقيمها وبيان حالها وغريبها ومراجعها خليفة الشيخ الامام المرحوم السيد أمين محمود خطاب المتوفى فى السابع والعشرين من ذى القعدة ١٣٨٧ هـ - ٢٦ فبراير ١٩٦٨ م ﵀ رحمة واسعة وجعل قبره روضة من رياض الجنة وحشره مع الصالحين حقوق الطبع محفوظة له الطبعة الثالثة سنة ١٤٠١ هـ - ١٩٨٠ م

стр. 3243

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله الذي جعلَ البيت الحرام مثابةً للناس وأَمناً، وأَمرنا بأَن نتخذ مقام إبراهيم مُصَلًّى. وعَهِدَ إلى إبراهيم وإِسماعيل أَن يُطَهِّرا بيته للطَّائفين والعاكفين والركَّع السُّجود. وأَشهد أَن لاَ إلهَ إلاَّ الله وحده لاَ شريك له. القائل ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (١) وأَشهد أَن سيدنا محمداً عبده ورسوله. المنَزَّل عليه (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) (٢). اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ على سيدنا محمدٍ القائل: ﴿خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم﴾ (٣) وعلى آله الأَطهار، وصحابته الأَخيار، ومن نَسَكَ منسكَهم واهْتَدَى بهديهم وتَبِعَهم بإِحسان. (أَمَّا بعد) فيقول العبدُ الفقيرُ على رحمة رَبِّه القدير أَمين بن محمود ابن محمد بن أَحمد بن خطَّاب السُّبكي: هذا جزءٌ لطيفٌ في بيان أَعمال الحج والعُمْرة ومناسكهما عند الأَئمَّة الأَعلام مع بيان أدلتها النقلية وحكمها الشرعيَّة. ولم آلُ جهداً في بيانِ حالِ الحديث صِحَّةٌ وحسناً وغيرهما مع

стр. 3244

عَزْوِه لمخرجيه. وأَردتُ بالإمامين: مالِكاً وأَحمد (١) ﵄.

стр. 3245

وبالأئمة الإمامين والشَّافعي (١)، وبالشَّيخَيْن: البُخارى ومُسْلماً (٢)، وبالثلاثة:

стр. 3246

أبا داود والنسائى والترمذى (١) وبالأربعة الثلاثة وابن ماجه (٢) وبالخمسة الشيخين والثلاثة، وبالستة الشيخين والأربعة، وبالسبعة أحمد والستة، وبالجماعة السبعة ومالِكاً.

стр. 3247

وسميتُه "إرشاد النَّاسِك، إِلى أَعمال المنَاسِك " (١) وهو الجزءُ التَّاسع من الدِّين الخالِص. ويشتمل على مقدمة وأَحد عشر مقصداً وخاتمة. أَسأَل الله تعالى أَن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وسبباً للفوز بجنَّاتِ النَّعِيم، وأَن ينفع به النَّفْع العَمِيم. إِنه على ما يشاءُ قدير، وهو حَسْبى ونِعَم الوكيل. المقدمة فى فضل السفر وآدابه وأذكاره السَّفَر وإِن كان فيه مشَقَّةٌ علَى النَّفس، ففيه فوائدٌ دُنيوية وأُخروية جَلِيلة " روى " أَبو هريرة أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سَافِرُوا تَصِحُّوا واغْزُوا تستغنُوا). أَخرجه أَحمد. وفى سنده ابن لهيعة متكلم فيه، لكن حسنه السيوطى وصححه المناوي (٢). ﴿١﴾ كان فى السَّفَر الصِّحَّة لِمَا فيه من الحَرَكة والهواءِ الطَّلْق اللَّذين يعودان علَى البَدَن بالنَّفْع. وعن أَبى هريرة رضى الله عنه أَنَّ النبى ﷺ قال: (ما مِنْ خارج يخرجُ من بيتِهِ إلاَّ بِبَابه رايتان راية بيد ملَك وراية بيد شيطان. فإِنْ خَرَجَ لِمَا يحب اللهُ اتبعه الملَك برايته فلم يَزَل تحت راية الملَك حتى يرجع إلى بيِته. وإن خرج لِمَا يُسخط الله اتبعه الشَّيطان برايته. فلم يَزَل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته). أخرجه أحمد والبيهقى والطبرانى فى الأوسط بسند جيد (٣). ﴿٢﴾

стр. 3248

هذا ويطلب ممن عزم على السَّفَر التحلِّى بآداب. المذكور منها هنا تسعة: (١) أن يُوصى بما يحتاج إلى الوصيَّة به، ويُشْهِد علَى وصيته ويستحل كل من بينه وبينه معاملة ويسترضى والديه وشيوخه ومن يندب إلى بره واستعاطفه. ويتوب إلى الله ويستغفره من جميع الذنوب ويهتم بتعلم ما يحتاج إليه في سفره فإن كان حاجا أو معتمراً تعلم مناسك الحج والعمرة. (٢) ومنها أن يستشير فى السفر من يعلم منه النصيحة والشفقة والصلاح والاستقامة، لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (١)، ثم يستخير الله تعالى فيصلِّى ركعتين من غير الفريضة ويدعُو بدُعاء الاستخارة، لقول جابر ﵁: كان رسول الله ﵌ يُعَلِّمنا الاستخارةَ كما يعلِّمنا السورةَ من القرآن يقول: (إذَا هَمّ أَحدكم بالأَمر فَلَيركَعْ ركعتين من غير الفريضة ثم ليَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْتَخِيرُك بعِلْمكَ وأَسْتَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأَسأَلُكَ من فَضْلك العَظيِم، فإِنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِر، وتَعْلَم ولاَ أَعْلَم، وأَنتَ عَلاَّم الغُيُوب. اللَّهُمَّ فإِن كنتَ تَعْلَم أَنَّ هَذَا الأَمَر " يُسُمِّى ما يُريد " خَيْرٌ لى في دِينى ومَعَاشِي ومَعَادِى وعاقبةِ أَمرِى فاقْدُرْهُ لى ويَسِّرْهُ وبارك لى فيه، اللَّهُمَّ وإِن كُنْتَ تَعْلَمه شَرًّا لى فى دِينى ومَعَاشِى وعاقبةِ أَمرِى، فاصْرِفْنى عنه واصْرِفْهُ عنِّى، واقْدُر لى الخيرَ حيث كان، ثم رَضِّنى به. أَخرجه السبعة إِلاَّ مُسْلِماً وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (٢). ﴿٣﴾ (٣) ويُستحبُّ أَن يكون السَّفَر يوم الخميس، لقول كعب بن مالك ﵁: قَلَّمَا كان رسول الله ﷺ يخرج إذا أَراد

стр. 3249

سَفَراً إِلاَّ يوم الخميس. أَخرجه أَحمد والبخارى وأَبو داود بسند جيد (١) ﴿٤﴾. وذلك لأَن يوم الخميس يَوْمٌ مُبَارَكٌ تُرْفَعُ فيه أَعمال العباد إلى الله تعالى. (٤) ويُستحبُّ لمريد السَّفَر أَن يطلب الوصيَّةَ والدُّعَاءَ من أهل الخير والصَّلاح، لحديث أَبى هريرة ﵁: (أَنَّ رَجُلاّ جاءَ إِلى النبى ﷺ يُريد سفراً فقال: يا رسول الله أَوْصِنى قال: أُوصِيكَ بتَقْوَى الله والتكبير على كل شَرَفٍ. فَلَمَّا ولَّى الرَّجُلُ قالَ النَّبى ﷺ : اللَّهُمَّ ازْوِ لُه الأَرض وهَوِّن عليه السَّفَر). أَخرجه أَحمد والترمذى وحسنه وأَخرج ابن ماجه صدره (٢). ﴿٥﴾ وعن أَنس بن مالك رضى الله عنه ـ قال (جاءِ رَجُلٌ إِلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله إِنِّى أُرِيُد سفراً فَزَوِّدْنى فقال: زَوَّدَكَ الله التَّقوى، قال: زِدْنى. قال: وغفَر ذنبك. قال: زِدْنى بأَبى أَنت وأُمى، قال: ويَسَّرَ لكَ الخير حيثما كُنت). أَخرجه النسائى والحاكم والترمذى وحسنه (٣) ﴿٦﴾ (٥) ويُستحبُّ للمُقِيم تَوْدِيع المسافر، لقول قَزَعة: قال لى ابن عمر: هَلُّم أُوَدِّعْكَ كما وَدَّعنى رسول الله ﵌. (أَسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وأَمانَتَكَ وخواتيِمَ عملك). أَخرجه أَحمد وأَبو داود. وكذا أَحمد والترمذى من حديث سالم بن عبد الله وقال: هذا حديث حسن صحيح (٤) ﴿٧﴾

стр. 3250

(٦) ويُستحبُّ لمريد السَّفَر السَّلاَم علَى إِخْوانه وتوديعهم، لحديث أَبي هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: (إِذا أَراد أَحدكم سَفَراً فَلْيُسَلِّم على إِخوانه فإِنهم يزيدونه بدعائهم إلى دعائه خيراً). أَخرجه الطَّبرانى فى الأَوسط وفيه يحيى بن العلاء البُجَلى ضعيف (١) ﴿٨﴾. وعن أَبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: (مَنْ أَراد أَن يُسَافِرَ فَلْيَقُلْ لمنْ يَخْلُف: أَسْتَوْدِعكُم الله الذى لا تضيع ودائعه). أَخرجه ابن السنى (٢) ﴿٩﴾ (٧) ويُستحبُّ لمريد السَّفَر أَن يُصَلِّى ركعتين قبل خروجه، لقول عبد الله بن مسعود: (جاءَ رجُل إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، إِنِّى أُريد أَن أَخرج إِلى البحرَيْنِ في تجارة. فقال: صَلِّ ركعتين) أَخرجه الطبرانى فى الكبير ورجاله موثقون (٣) ﴿١٠﴾ (٨) ويُستحبُّ له اتخاذ رفيق يأْنَسُ به ويتعاون معه على مشاقّ السَّفَر، لحديث ابن عمر (أَنَّ النبى ﷺ نهى عن الوَحْدَةِ: (أَن يَبِيتَ الَّرجُل وحده أَو يُسَافر وحده). أخرجه أحمد وحسنه السيوطى (٤) ﴿١١﴾

стр. 3251

وعن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده (عبد الله بن عمرو) أَن النبى ﷺ قال: (الَّراِكبُ شيطانٌ والَّراكِبَانِ شيطانان والثلاثة ركب). أَخرجه الإِمامان والأَربعة إلاَّ النسائى بسند حسن وصححه ابن خزيمة والحاكم (١) ﴿١٢﴾ وحكمة النَّهْى عن ذلك أَن الواحد لو مات فى سَفره قد لا يجد من يقوم بشأْنه، وكذا الإِثنان إِذا ماتا أَو إِذا مات أَحدهما لا يجد الآخر من يعينه بخلاف الثلاثة، ففى الغالب أَنه لا يخشى عليهم شئٌ من ذلك. وهذا زجر أَدب وإِرشاد، لما يخشى على الواحد من الوحشة، وليس بحرام. ومحله إذا لم يَدْعُ إِلى الانفراد داع كالتجسس وتعرُّف أَحوال العدو فإِنه يجوز، لقول جابر ﵁: نَدَبَ النبىُّ ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير (الحديث) أخرجه البخارى (٢) ﴿١٣﴾ (٩) ويُستحبُّ للمُقِيم توصية المسافر بالدُّعاءِ له فى مواطن الخير، لقول عمر رضى الله عنه: (استأْذَنْتُ النبى ﷺ فى العمرة، فَأَذِنَ لى وقال: لا تَنْسَنَا أُخَىّ من دعائك). أَخرجه أَبو داود والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح والحاكم وصححه (٣) ﴿١٤﴾

стр. 3252

أذكار السفر المراد بها ما يشمل الدُّعاءَ، وهى أَنواع: المذكور منها هنا عشرة: (١) يُستحبُّ للمسافر الدُّعاء فإِنه مُستجابٌ: لحديث أَبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: (ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٍ: دعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالد لولده). أَخرجه أَحمد والأَربعة إَلاَّ النسائى، وحسنه الترمذى، وفى سنده أبو جعفر المدنى لا يعرف اسمه (١) ﴿١٥﴾ (٢) ويُستحبُّ له الدعاءُ عند نهوضه وخروجه من بيته وركوب الدَّابة ونحوها: لقول أَنس رضى الله عنه: (لم يُرِد رسول الله ﷺ سفراً قَطّ، إِلاَّ قال حين يَنْهَضُ من جُلُوسِه: اللَّهُمَّ لَكَ انتشرتُ، وإِليك توجهتُ، وبكَ اعتصمتُ. اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقْتى وأَنتَ رجائى. اللَّهُم اكْفِنى ما أَهَمَّنى وما لا أَهْتَمّ له وما أَنتَ أَعْلَم بِه منِّى. اللَّهُمَّ زَوِّدْنى التَّقْوَى واغْفِرْ لى ذَنبى، وَوَجِّهْنى للخير أَيْنما توجَّهتُ، ثم يخرج). أَخرجه ابن جرير وأَبو يعلى، وفى سنده عمر بن مساور ضعيف (٢) ﴿١٦﴾ وعن رَجُل عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: (ما مِنْ مُسْلم يخرج من بيِته يُريدُ سَفَراً أَو غيره فقال حين يخرج: باسم الله، آمنتُ بالله اعتصمتُ بالله، توكلتُ على الله، لا حولَ ولاَ قُوَّةَ إَلاَ بالله، إلاَّ رُزق خيرَ ذلك المخرج وصُرِف عنه شَرّ ذلك

стр. 3253

المخرج). أَخرجه أَحمد بسند فيه من لم يسم وبقية رجاله ثقات (١) ﴿١٧﴾ وعن علّى رضى الله عنه قال: (كان رسول الله ﷺ إِذا أَراد سَفَراً قال: اللَّهُمَّ بكَ أَصُولُ وبكَ أَحُولُ وبكَ أَسِيرُ). أَخرجه أَحمد والبزار بسند رجاله ثقات (٢) ﴿١٨﴾ وقال علّى بن ربيعة: رأَيت عليًّا رضى الله عنه أَتى بدابة ليركبها، فلمَّا وضع رجْله فى الركاب قال: باسم الله، فلمَّا استَوَى عليها قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. ثم حَمِدَ الله ثلاثاً وكَبَّر ثلاثاً، ثم قال: سُبحانك لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنتَ قد ظِلَمْتُ نَفْسِى فاغْفِرْ لى، إِنَّهُ لا يَغْفِر الذُّّنُوب إِلاَّ أَنتَ. وقال: رأَيتُ رسُول الله ﷺ فَعَلَ مثل ما فَعَلْتُ (الحديث). أَخرجه أَحمد والثلاثة، والحاكم بأَسانيد صحيحة (٣). ﴿١٩﴾ وعن ابن عمى رضى الله عنهما أَن النبى ﷺ كان إذا استوى على بَعيِره خارجاً إلى سَفَر كَبَّر ثلاثاً ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْألُكَ فى سَفَرنَا هَذَا البرّ والتَّقْوَى ومن العَمَل ما تَرْضَى. اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَيْنَا سَفَرنَا هَذَا واطْو عَنَّا بُعْدَه. اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحب فى السَّفَر والخليفة فى الأَهل. اللَّهُم إِنِّى أَعوذُ بكَ من وَعْثَاءِ السَّفَر وكآبةِ المنقَلَبِ وسُوءِ المنظر

стр. 3254

فى الأَهل والمال وإِذا رجَعَ قالهنّ وزاد فيهنّ: آيِبوُنَ تَائِبُون عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. أَخرجه أَحمد ومسلم والثلاثة (١) ﴿٢٠﴾ (٣) ويُستحبُّ للمُسَافر التَّكْبير والتَّحْميد والتَّمجيد عند صُعُوده والتسبيح عند هبوطه. لحديث أَنس رضى الله عنه (أَنَّ النبى ﷺ كان إذا صعد أَكمة أَو نَشْراً قال: اللَّهمَّ لك الشَّرَف على كل شَرَف ولك الحمد على كل حال). أخرجه أحمد وأبو يعلى. وفيه زياد النميرى وثق على ضعفه وبقية رجاله ثقات، قاله الهيثمى (٢) ﴿٢١﴾ وقال جابر رضى الله عنه: (كُنَّا نُسَافِرُ مع النبى ﷺ ، فإِذا صَعِدْنا كَبَّرْنا وإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا). أَخرجه أَحمد والبخارى والنسائى (٣) ﴿٢٢﴾ (٤) ويُستحبُّ للمُسَافر إِذا أَمْسَى بأَرض أَن يدعو بما فى حديث عبد الله بن عمر قال: (كان رسُول الله ﷺ إِذا غَزَا، أَو سافر فأَدركَهٌ اللَّيلُ قال: يا أَرضُ، رَبِّى ورَبُّك اللهُ. أَعوذ بالله من شَرِّكِ وشَرِّ ما فيكِ، وشَرِّ ما خُلِقَ فيكِ، وشَرِّ ما يَدُبُّ عليكِ. أُعوذ بالله

стр. 3255

من شَرِّ كل أَسَدٍ وأَسْوَدَ وحَيَّةٍ وعقربٍ، ومن شَرِّ ساكن البلد، ومن شَرِّ وَالدٍ وما وَلَدَ) أَخرجه أَحمد وأَبو داود بسند جيد (١). ﴿٢٣﴾ (٥) ويُستحبُّ لمن ركب البحر أَن يدعو بما فى حديث ابن عباس أَن النبى ﷺ قال ﷺ : (أَمَانُ أُمَّتى من الغَرَقِ إِذا رَكِبُوا السفنَ أَو البحر أَن يقولوا: ﴿باسم الله الملكِ وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢) بِسْمِ اللهِ مَجْرَيهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣). أخرجه الطبرانى فى الكبير والأوسط. وفى سنده نهشل بن سعيد متروك ... (٤) ﴿٢٤﴾ وقد حدث فى هذا الزمان المركبات البخارية والكهربائية والسيارات والطائرات، فينبغى أَن يقول عند ركوبها ما يقال فى مثلها هيئة. (٦) ويُستحبُّ لمن نزل منزلاً أَن يدعو بما فى حديث خَوْلةَ بنتِ حكيم السُّلَمِية أَن النَّبى ﷺ قال: (من نَزَلَ منزلاً ثم قال: أَعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّاتِ من شَرِّ ما خَلَق، لم يَضُرَّهُ شيءٌ حتى يرتَحِلَ من منزله ذلك). أَخرجه الإِمامان ومسلم والترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح (٥) ﴿٢٥﴾

стр. 3256

(٧) ويُستحبُّ أن يدعو وقت السَّحر بما فى حديث أَبي هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ إذا كان فى سفر وأَسْحَر يقول: (سَمَّعَ سامع بحمد الله ونعمته وحُسْن بلائه علينا، رَبَّنَا صاحِبنا وأَفضل علينا عائذاً بالله من النار). أَخرجه مسلم والحاكم وزاد: يقول ذلك ثلاث مرات ويرفع بها صوته (١) ﴿٢٦﴾ (٨) ويُستحبُّ لمن رأَى بلداً يقصدها الدعاءَ بما فى حديث عطاء ابن أَبى مروان عن أَبيه عن كعب عن صهيب أَن النبى ﷺ لم يَرَ قرية يريد دخولها إِلاَّ قال حين يراها: (اللَّهُمَّ ربَّ السَّمواتِ السَّبْعِ وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأَرَضين السَّبع وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطين وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرِّياح وما ذَرَيْن: أَسْأَلك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذُ بك من شَرِّها وشَرِّ أَهلها وشَرِّ ما فيها). أَخرجه ابن حبان، والحاكم وصححاه، والطبرانى بسند رجاله رجال الصحيح غير عطاءٍ وأَبيه. وكلاهما ثقة. قاله الهيثمى (٢) ﴿٢٧﴾ وأَن يدعو بما فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: (كُنَّا نُسَافر مع رسول الله ﷺ فإِذا رَأَى قريةٌ يُرِيدُ أَن يَدْخُلَهَا قال: اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فيها ثلاثاً، اللَّهُمَّ ارزقنا جَناها وحَبِّبْنَا إَلى أَهلها وحَبِّبْ صالحى أَهلَها إلينا). أَخرجه البطرانى فى الأَوسط بسند جيد (٣) ﴿٢٨﴾

стр. 3257

(٩) ويُستحبُّ لمن رجع من السَّفَر أَن يُكَبِّر على كل شرفٍ ثلاثاً ويقول ما فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما. قال: (كان النبى ﷺ إذا قَفَل من غَزْوٍ أَو حَجٍّ أَو عُمْرَةٍ إِذا أَوْفَى على ثنيةٍ أَو فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثلاثاً ثم قال: لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شئ قدير. آيِبُون تائبون عابدون ساجدون لربِّنَا حامدون، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحزاب وحده). أخرجه الشيخان (١) ﴿٢٩﴾ (١٠) ويُستحبُّ لمن أَشرف على بلده أَن يقول ما فى حديث أَنس رضى الله عنه قال: (أَقبلنا مع النبى ﷺ حتى إِذا كُنَّا بظهر المدينة قال: آيِبُون عابدون لربِّنَا حامدون، فلم يَزَلْ يقول ذلك حتى قَدِمْنَا المدينة). أَخرجه مالك والشيخان (٢) ﴿٣٠﴾ المقصد الأول فى الحج الحجُّ أَحد أَركانِ الإِسلام المذكورة فى حديث حنظلة بن أبى سفيان عن عِكرمة بن خالد عن ابن عمر رضى الله عنهما أَنَّ النبى ﷺ قال: (بُنِىَ الإِسلامُ على خَمْسٍ: شهادةِ أَنْ لاَ إِلهَ إلا اللهُ وأَنَّ

стр. 3258

مُحمداً رسولُ الله، وإِقامِ الصَّلاَةَ وإِيتاء الزَّكاةِ وحَجِّ الْبَيْتِ وصِيَامِ رمضان). أَخرجه أَحمد والشيخان والنسائى والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿٣١﴾ وهو بفتح الحاءِ وكسرها، لغة القصد إلى معظم، وشرعاً قصد البيت الحرام لأَداءِ أَفعالٍ مخصوصة من الطواف والسعى والوقوف بعرفة فى وقتها محرماً بالحج، وهو من الشرائع القديمة. " قال " محمد بن كعب القرظى أو غيره: (حج آدم ﵇ فلقيته الملائكة فقالوا: بَرّ نسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بأَلفى عام). أخرجه الشافعى (٢). ﴿١﴾ وقد روى أنه ما من نبى إِلاَّ حَجَّ. ثم الكلام بعد ينحصر فى ستة مباحث: (١) حكمه: هو فرض على المستطيع من الإِنس والجن، لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٣)﴾ قال ابن علان: دخل فى الناس الجنِّى بناءً على أَنه من نَوَسَ إِذا تحرك. فيجب الحج على المستطيع من الجن (٤)،

стр. 3259

وأَجمعت الأُمة على أَن الحج فرض فى العمر مرة واحدة، لحديث ابن عباس رضى الله عنهما: (أَن الأَقْرَعَ بنَ حابسٍ سأَلَ النبى ﷺ فقال: الحجُّ فى كل سنةٍ أَو مَرَّةٌ واحدةٌ؟ فقال: بَلْ مَرَّةٌ واحدةَ، فمن زادَ فتطوع). أَخرجه أَحمد والبيهقى والدارامى والحاكم وصححه والأربعة إلاَّ الترمذى (١) ﴿٣٢﴾ (٢) تعلم أحكام النسك: يجب على من يريد الحج والعمرة أَن يتعلم أَحكامهما مما يجب ويحرم ويكره ويباح؛ لأَن الله تعالى لا يقبل عبادة الجاهل، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وعن أَنس أَن النبى ﷺ قال: ﴿طلبُ الْعِلُمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ﴾. أخرجه ابن عدى والبيهقى وغيرهما من طرق. قال النووى: ضعيف وإِن كان معناه صحيحاً. وقال السيوطى: جمعت له خمسين طريقاً وحكمت بصحته لغيره ... (٣) ﴿٣٣﴾ قال العلماء: ما وجب عليك عمله وجب عليك العلم به، فأَول ذلك أَن ينظر المكلَّف إِذا وجب عليه الحج فى أَمر الزاد وما ينفقه فى حجه، فيكون ذلك من أطيب جهة تمكنه؛ لأَن الحلال يعين على الطاعة ويبعد عن المعصية، فعلى العاقل أَن يتحرَّز من الشُّبهات فإِن عجز عن ذلك فليفترض مالاً حلالاً ليحج به، فإِن الله تعالى طَيِّبٌ لا يقبل إِلاَّ طَيِّباً (روى) أَبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: (إِذا خرج الحاجُّ بنفقةٍ طيبةٍ ووضَعَ رِجْلَهُ فى الغَرْزِ، فنادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ

стр. 3260

لَبَّيْكَ، ناداهُ منادٍ من السماءِ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، زَادُك حَلالٌ وراحِلَتُكَ حلالٌ وحجُّكَ مبرورٌ غير مَأْزُور، وإِذا خرج بالنفقةِ الخبيثةِ فوضَعَ رِجْلَهُ فى الغَرْزِ فنادَى: لَبَّيْكَ ناداهُ منادٍ من السماءِ: لا لَبَّيْكَ، ولاَ سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حرامٌ ونفقَتُكَ حرامٌ وحجُّكَ مَأْزُورٌ غير مبرور). أَخرجه الطبرانى فى الأَوسط (١). ﴿٣٤﴾ (وعن) أَبى هريرة أَن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ الله تعالى طَيِّبٌ لا يقبلُ إِلاَّ طَيِّباً، وإِن الله تعالى أَمَرَ المؤمنين بما أَمَرَ به المُرْسَلِينَ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢)﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (٣) (﴾، ثم ذكَر الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يمدُّ يديهِ إِلى السماء يا ربِّ يا ربَّ ومَطْعَمُهُ حرام ومَشْرَبُهُ حرام وملبسُهُ حَرَام وغُذِّى بالحرام، فَأَنَّى يُستجابُ لذلك). أَخرجه أَحمد ومسلم والترمذى (٤) ﴿٣٥﴾ واعلم أَن عماد الدِّين وقوامَه هو طِيبُ المطعم. فمنْ طاب مكسبه زكا عمله. ومن لم يطب مكسبه خيِفَ عليهَ ألاَّ تُقْبل صلاتُه وصيامُه وحجُّه وجميعُ عمله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥)، ويُرْوَى لبعض الأَئِمَّة. إِذَا حَجَجْتَ بمالٍ أَصْلُه سُحْتُ ... فَمَا حَجَجْتَ ولكِنْ حَجَّتِ الْعِيرُ لا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ كُلَّ صَالِحَةٍ (٦) ... ما كُلّ مَنْ حَجَّ بيتَ اللهِ مَبْرُورُ
следующие страницы →