لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. أخرجه السبعة وزاد البخاري: وبنى بها وهو حلال (١) ﴿١١٠﴾
(قال) الترمذي: واختلفوا في تزويج النبي ﷺ ميمونة، لأنه ﷺ تزوجها في طريق مكة، فقال بعضهم: تَزَوَّجها وهو حلال، وظهر أمر تزويجها وهو محرم ثم بنى بها وهو حلال بسرف في طريق مكة (٢). ورجح قول الجمهور , لأن حديث عثمان فيه بيان قانون كلى للأمة. وأما حديث ابن عباس ففيه حكاية فعل النبي ﷺ . (وقال) الحنفيون: حديث ابن عباس أرجح فقد أخرجه السبعة فلا يعارضه حديث عثمان , لأن البخاري لم يخرجه. والأصل في أفعال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم العموم إلا أن قام دليل الخصوصية ولا دليل.
(١٥) تعرض المحرم للصيد - يحرم على المحرم قتل كل صيد برى مأكول وحشى بأصله واصطياده لقول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم" (٣). والمراد صيد البر لأن صيد البحر حلال , لقوله تعالى: " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة " (٤) , وكذا يحل للمحرم بالإجماع ما ليس بصيد كالبقر والغنم والإبل وغيرها من الحيوان الإنسى.
стр. 3327
١٦ - ويحرم على المحرم الإعانة على قتل صيد البر المأكول الوحشى بدلالة أو إشارة أو إعارة آله إن اتصل بها القبض، ولم يكن المدلول عالماً بالصيد وصدق الدال، لأن ما حرم قتله حرمت الإعانة على قتله إجماعاً وإن أعان على قتله فقتل لم يجب عليه الجزاء، لأن ما لا يلزمه حفظه لا يضمنه بالدلالة على إتلافه، ودليل ذلك حديث أبى قتادة أنه كان مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف بعض أصحاب لهم محرمين وهو غير محرم، فرأي حماراً وحشياً فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه، فأبوا، فسألهم رمحه، فأبوا، فأخذ رمحه فشدَّ على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحابا لنبي ﷺ وأبي بعضهم، فلما أدركوا النبي ﷺ سألوه عن ذلك، فقال: إنما هي طُعمة أطعمكموها الله تعالى. أخرجه الأئمة ومسلم وأبو داود والبيهقي والطحاوي (١) ﴿١١١﴾
وعند الشيخين أنهم سألوا رسول الله ﷺ فقال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار غليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقى من لحمها (٢). وهذا يدل على أن مجرد الأمر من المحرم للصائد بأن يحمل على الصيد والإشارة منه , يوجب عدم الحل \لمشاركته للصائد.
١٧ - ويحرم على المحرم تنفير الصيد وإتلافه وبيعه وشراؤه , لحديث
стр. 3328
ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمة الله يوم خلق السموات والأرض , فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة , وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده , ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها , فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر , فإنه لقينهم ولبيوتهم. فقال إلا الإذخر. أخرجه الشيخان والبيهقي، وكذا أبو داود مختصراً، وهذا لفظ مسلم (١) ﴿١١٢﴾
دل (أولا) على حرمة قطع شوك الحرم. وبه قال الجمهور. (وقال) بعض الشافعية: لا يحرم قطعه لأنه مؤذ , لكنه قياس في مقابلة النص فلا يعول عليه (قال القرطبي) خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبت بلا صنع آدمي. أما ما ينبته الآدمي فيجوز قطعه عند الجمهور. (وقال) الشافعي: في الجميع الجزاء. وقد اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم , غير أن الشافعي أجاز قطع السواك، وأجاز أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها.
стр. 3329
(ثانيا) دل قوله ﷺ : ولا ينفر صيده، على حرمة إتلافه، لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى.
(ثالثاً) دل قوله ﷺ : ولا يختلي خلاها، على تحريم رعى الرطب من نبات الحرم , لأنه أشد من القطع والاحتشاش، أما اليابس فيجوز قطعه على الأصح عند الشافعية.
١٨ - أكل المحرم لحم الصيد: يحرم على المحرم أكل لحم صيد البر إلا إذا لم يصد لأجله ولا أعان عليه ولا أشار , لحديث المطلب بن عبد الله عن جابر رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم. أخرجه الشافعي وأحمد والثلاثة والحاكم والدارقطني والطحاوي والبيهقي , وفي سنده عمرو بن عمرو مختلف فيه , وإن كان من رجال الصحيح (١) ﴿١١٣﴾
(قال) الترمذى: حديث جابر حديث مفسر (٢)، والمطلب لا نعرف له سماعا من جابر. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لا يرون بأكل الصيد للمحرم بأسا إذا لم يصطده أو يصد من أجله. (قال) الشافعي: هذا أحسن حديث روى في هذا الباب وأقيس , وهو قول أحمد وإسحاق (٣)، وبمقتضاه قال مالك أيضا والجمهور: فإن صاده أو صيد له فهو حرام سواء صيد له بإذنه أم بغير إذنه، أما إن صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم ثم أهدى من لحمه المحرم أو باعه له لم يحرم عليه (وقال)
стр. 3330
الحنفيون: لا يحرم على المحرم ما صيد له بغير إعانة ولا إشارة منه , لحديث عمير بن سلمة الضمري ﵁ أن النبي ﷺ مر بالعرج , فإذا هو بحمار عقير فلم يلبث أن جاء رجل من بهز , فقال: يا رسول الله، هذه رميتي فشأنكم بها , فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ فقسمه بين الرفاق (الحديث) أخرجه الإمامان والنسائي والبيهقي. وهذا لفظ أحمد. وصححه ابن خزيمة (١) ﴿١١٤﴾
١٩ - ويحرم على المحرم كسر بيض الصيد وحلبه وبيعه وشراؤه، لحديث على بن زيد حدثنا عبد الله بن الحارث قال: كان أبي الحارث على أمرٍ من أمر مكة في زمن عثمان، فأقبل عثمان ﵁ إلى مكة (الحديث) وفيه: ثم قال على: أنشد الله رجلا شهد رسول الله ﷺ حين أتى ببيض النعام، فقال ﷺ : إنا قوم حرم أطعموه أهل الحل فشهد دونهم من العدة من الأثنى عشر , فثنى عثمان وركه عن الطعام فدخل رحله وأكل ذلك الطعام أهل الماء. أخرجه أحمد. وعلى بن زيد فيه كلام وقد وثق (٢) ﴿١١٥﴾
دل على أن كل طير وصيد حرم على المحرم صيده يحرم عليه بيضه، فإن أتلفه ضمنه بقيمته عند الحنفيين والشافعي وأحمد. (وقال) مالك: يضمنه بعشر ثمن أصله (٣).
стр. 3331
(تتميم): لا شئ على المحرم عند الحنفيين والشافعي في قتل البعوض والبراغيث والبقَّ (وقال) مالك: إذا قتل الذباب والقمل يتصدق بشيء من الطعام. (وقال) الحنفيون: يحرم على المحرم قتل لقمل , وروى عن أحمد لأنه يترفه بإزالته فحرم كقطع الشعر , ولحديث عبد الرحمن بن أبي ليل عن كعب بن عجرة قال: أتى النبي ﷺ زمن الحديبية وأنا كثير الشعر، فقال: كأن هوام رأسك تؤذيك؟ قلت: أجل، قال فاحلقه واذبح شاة نسيكة أو صم ثلاثة أيام , أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين. أخرجه الشافعي وهذا لفظه. والجماعة بألفاظ متقاربة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿١١٦﴾
فلو كان قتل القمل وإزالته مباحا لم يكن كعب يتركه حتى يصير كذلك , ولأمره النبي ﷺ بإزالته، والصئبان كالقمل لأنه بيضه , ولا فرق بين قتل القمل ورميه لحصول الترفه به. ويجوز للمحرم حك رأسه برفق كيلا يقطع شعراً أو يقتل قملا. فإن تفلي المحرم أو قتل قملا فلا فدية فيه , لأن كعب بن عجرة حين حلق رأسه قد اذهب قملاً كثيراً ولم تجب عليه فدية إلا للحلق (٢)، ولو ظهر القمل في بدنه وثيابه فله إزالته ولا فدية اتفاقاً، بخلاف قمل الرأس لأنه يتضمن إزالة الأذى من الرأس وقد ورد فيه النص.
стр. 3332
هذا. ويستحب عند الحنفيين والشافعي وأحمد قتل القراض للمحرم وغيره، فللمحرم أن يقرض بعيره. وكرهه مالك. وروي عن سعيد ابن المسبب أنه قال في المحرم يقتل قراضاً: يتصدق بتمرة أو تمرتين (١)، والله تعالى ولى التوفيق.
(ب) الوقوف بعرفة
عرفة واد بين المزدلفة والطائف , يمتد من علمي عرفة إلى جبل عرفة الذي يحيط بالوادي من الشرق على هيئة قوس , وفي طرفه من الجنوب الطريق إلى الطائف , وفي طرفه من الشمال لسان يبرز إلى المغرب يسمى جبل الرحمة , وسفحه الجنوبي هو حد عرفة الشمالي , وفي طرفه الغربي صخرة عالية هي موقف الخطيب , وفي أسفله مصلى تسمى مسجد الصخرات والمسافة من علمي على عرفة إلى فح جبل الرحمة تبلغ نحو خمسمائة وألف متر. (أنظر رسم رقم ٢)
هذا. والوقوف بعرفة يتحقق بالوجود في أي جزء من أجزائها محرماً واقفاً أو راكباً أو مضطجعاً عالما أنها عرفة أو غير عالم في وقته (وهو ركن) من أركان الحج إجماعاً لحديث عبد الرحمن بن يعمر قال: شهدت رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا يا رسول الله كيف الحج؟ فقال: الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه. أخرجه أحمد وهذا لفظه والأربعة والبيهقي والحاكم وصححه الترمذي (٢) ﴿١١٧﴾
стр. 3333
وقال: والعمل عليه عند أهل العلم أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر , فقد فاته الحج ولا يجزئ عنه أنه جاء بعد طلوع الفجر ويجعلها
стр. 3334
عمرة وعليه الحج من قابل , وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق (١). ثم الكلام ينحصر في ثمانية مباحث:
(١) وقت الوقوف - هو ما بين زوال شمس يوم عرفة وطلوع فجر يوم النحر عند الحنفيين ومالك والشافعي والجهور, لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال وكذا الخلفاء الراشدون
(قال) ابن إسحاق: حدثنى نافع عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: غدا رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مهجرا فجمع بين الظهر والعصر ثم راح فوقف على الوقوف من عرفة. أخرجه أحمد وأبو داود , وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فهو حجة (٢) ﴿١١٨﴾
وفي حديث ابن يعمر: فمن جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد أدرك الحج " فكان " فعل النبي ﷺ بيانا لأول الوقت " وقوله " بيانا لآخره. ويكفي عند الحنفيين والشافعي الوقوف في أي جزء من هذا الوقت ليلا أو نهارا وهو مشهور مذهب مالك غير أنه أن وقف بالنهار وجب عند الحنفيين ومالك وأحمد مدّ الوقوف إلى ما بعد الغروب. أما إذا وقف ليلا فلا واجب في حقه. ومشهور مذهب الشافعي أن مد الوقوف إلى الليل سنة. (وقال) أحمد: وقت الوقوف بعرفة ما بين طلوع فجر يوم
стр. 3335
عرفة وفجر يوم النحر. ويكفي الوقوف في أي جزء من هذا الوقت ليلا أو نهارا لحديث عروة بن مُضرِّس الطائى أن النبي ﷺ قال: من صلى معنا صلاة الغداة بجمع ووقف معنا حتى نفيض وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهاراً فقد تم حجه عجز حديث أخرجه أحمد والأربعة والبيهقى. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿١١٩﴾
وجه الدلالة أن لفظ الليل والنهار مطلق يشمل كل النهار (وأجاب) الجمهور عنه بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال لأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين لم يقفوا إلا بعد الزوال ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله (فالراجح) الذي يشهد له العقل والنقل ما ذهب إليه الجمهور من أن وقت الوقوف بعرفة يبتدئ من زوال شمس يوم عرفة.
(٢) مكان الوقوف: عرفة كلها موقف إلا بطن عرفة لحديث سليمان بن موسى عن جُبير بن مُطعم رضى الله عنه أن النبي ﵌ قال: كل عرفات موقف وارفعوا عن بطن عُرفة (الحديث) أخرجه أحمد والبزار الطبراني في الكيير بسند رجاله موثقون. قاله الهيثمى (٢) ﴿١٢٠﴾
قال بن عبد البر: أجمع العلماء على أن من وقف بعرنة لا يجزئه ,
стр. 3336
والأفضل الوقوف عند الصخرات موقف النبي ﷺ أو بالقرب منها. وأما ما اشتهر من الاهتمام بالوقوف على جبل الرحمة وترجيحه على غيره فخطأ مخالف للسنة.
(٣) آداب الوقوف - يسن لمريد الوقوف بعرفة أمور. (منها) الغسل لما تقدم (١) (ومنها) أن يقف راكبا عند الصخرات مستقبلا القبلة رافعا يديه للدعاء حامدا مهللا مكبرا ملبيا مصليا على النبي ﷺ داعيا ربه باجتهاد وحضور قلب اقتداء بالنبي ﷺ .
(٤) دعاء عرفة: ويستحب الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء يوم عرفة فإنه يوم إجابة الدعاء وإفاضة الخير من الجواد الكريم الرءوف الرحيم. ويستحب أن يدعو بالمأثور (ومنه) ما في حديث موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله عن على ﵁ أن النبي ﷺ قال: أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلى بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، اللهم اجعل في قلبي نوراً , وفي صدري نوراً , وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً. اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأعوذ بك من وساوس الصدر وشتات الأمر وفتنة القبر. اللهم أني أعوذ بك من شر ما يَلج في الليل وشر ما يلج في النهار وشر ما تُهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر. أخرجه البيهقي وقال: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف ولم يدرك أخوه عليا (٢) ﴿١٢١﴾
стр. 3337
ومن الأدعية المختارة: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ: اللهم أني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً , وأنه لا يغفرا لذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني رحمة أسعد بها في الدارين ,
وتب على توبة نصوحا لا أنكثها أبداً وألزمني سبيل الاستقامة لا أزبغ عنها أبداً. اللهم أنقلني عن ذل المعصية إلى عز الطاعة واكفني بحلالك عن حرامك. وأغني بفضلك عمن سواك , ونور قلبي وقبري واغفر لي الشر كله , واجمع لي الخير. اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم يسرني لليسرى وجنبنى العسرى وارزقني طاعتك ما أبقيتني , أستودعك منى ومن أحبابي والمسلمين أدياننا وأدناتنا وخواتم أعمالنا وأقوالنا وأبدلنا وجميع ما أنعمت به علينا (١) ولا يتكلف السجع في الدعاء. ويستحب أن يخفض صوته به وأن يكرر كل دعاء ثلاثا ويكثر من التلبية رافعاً بها صوته وليدْع لنفسه ولوالديه ومشايخه وأقاربه وأصدقائه وكل من أحسن إليه وسائر المسلمين , وليحذرْ من التقصير في شئ من هذا فأن اليوم لا يمكن تداركه وينبغي أن يكرر الذكر والاستغفار والتوبة من جميع المخالفات مع الندم الشديد.
(٥) حكمة الوقوف: وحكمة مشروعية الوقوف بعرفة: أن الحجاج إذا اجتمعوا بها آملين رغباً ورهباً سائلين خوفاً وطمعاً وهم بين مقبول ومخذول , يتذكرون موقف القضاء (يَوْمَ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسَ إلا بإذنه فَمِنْهُمْ شَقيٌ وَسَعِيدٌ) ولا تخفي الثمرات العمرانية المترتبة على اجتماع
стр. 3338
أطراف العالم الإسلامي في ساحة تجمع وفودهم , وتضم شتيتهم , ويقوم فيها خطيبهم يدلهم على ما فيه سعادتهم الباقية وهدايتهم الخالدة فلو شاءوا لا تنفعوا أعظم انتفاع في الدين والدنيا والآخرة.
(٦) فضل يوم عرفة: قد ورد في فضله أحاديث:
(منها) حديث عائشة رضى الله عنها أن النبي ﷺ قال: ما من يوم أكثر من أن يُعتِق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي (١). ﴿١٢٢﴾
(وعن) طلحة بن عُبيد الله بن كَرِيز عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: ما رُؤى الشيطان يوماً هو فيه أَصغر ولا أَدْحَر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأَى من تَنَزُّل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام , إلا ما رأُي يوم بدر. قيل وما رأي يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أما إنه قد رأي جبريل يزَع الملائكة. أخرجه مالك مرسلا والحاكم موصولا (٢) ﴿١٢٣﴾
(٧) مسائل في الوقوف - (الأولى) أجمع العلماء على أنه يصح وقوف غير الطاهر , كالجنب والحائض.
стр. 3339
(الثانية) لا يصح وقوف المغمي عليه عند الشافعي وأحمد. (وقال) الحنفيون ومالك: يصح.
(الثالثة) إذا ضاق وقت العشاء والوقوف بأن كان لو مكث ليصلى العشاء في الطريق يطلع الفجر قبل وصوله إلى عرفة ولو ذهب ووقف يفوت وقت العشاء. (فقيل) يدع الصلاة ويذهب لعرفة. ورجحه المالكية واختاره بعض الحنفيين والنووي ارتكاباً لأخف الضررين لسهولة قضاء الصلاة بخلاف الحج (وقيل) يصلى العشاء قبل الفجر ولو فاته الوقوف , لأن تأخير الوقوف لعذر مع إمكان التدارك في العام القابل جائز وليس في الشرع ترك فرض حاضر لتحصيل فرض آخر. واختاره بعض الحنفيين والرافعي والشافعي (وقيل) يصلى ماشياً موميا ثم يقضبه احتياطياً وهو قول حسن وجمع مستحسن.
(الرابعة) إذا التبس هلال ذي الحجة ووقفوا بعرفة بعد إكمال ذي القعدة , ثم تبين بشهادة أن ذلك اليوم كان يوم النحر فوقوفهم صحيح وحجهم تام , ولا تقبل الشهادة لأن التدارك غير ممكن. وفي الأمر بإعادة الحج حرج بين فوجب أن يكتفي به عند الاشتباه بخلاف ما إذا وقفوا يوم التروية , لأن التدارك ممكن في الجملة , بأن يزول الاشتباه في يوم عرفة.
هذا ولو شهد شهود يوم التروية (١) أن هذا اليوم يوم عرفة , فإن أمكن إمام الحج أن يقف مع الناس أو أكثرهم قبلت الشهادة للتمكن من الوقوف فإن لم يقفوا فاتهم الحج. وإن لم يمكنه أن يقف ليلا مع أكثر الناس لا تقبل الشهادة ويقفوا من الغد.
стр. 3340
(٨) بدع عرفة: تقدم أن يوم عرفة فضله عظيم , فيه يتجلى الله على العباد ويعمهم بالرحمة والإحسان , ويباهي بهم الملائكة وأهل السماء. وتقدم بيان ما ينبغي للمؤمن أن يتحلى به في هذا اليوم من صالح الآداب وخير الأعمال , لكن الشيطان للإنسان بالمرصاد. أقسم بعزة الله تعالى أنه يغوي الناس ويبعدهم عن الطريق القويم فحَّسن لهم بدعاً ارتكبوها في هذا اليوم المبارك ما أنزل الله بها من سلطان. منها.
(١) التعريف بغير عرفة: وهو اجتماع الناس بعد عصر يوم عرفة في المساجد أو غيرها يدعون ويهللون ويكبرون تشبها بمن بعرفة فقد كرهه قربة في غيره (قال) شعبة: سألت الحكم وحماداً عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد , فقالا هو محدث. ونحوه عن إبراهيم النخعي. ذكره البيهقي (١) ﴿٣٩﴾
(٢) ومنها ما اعتاده بعض العوام في هذه الأزمان , من إيقاد الشمع بحبل عرفة ليلة التاسع أو غيرها يصطحبون الشمع من بلادهم لذلك. وهذه ضلالة فاحشة ارتكبوا فيها أنواعاً من القبائح (منها) إضاعة المال في غير وجهه (ومنها) إظهار شعائر المجوس في الاعتناء بالنار (ومنها) اختلاط الرجال بالنساء.
(ومنها) تقديم دخول عرفة على وقتها المشروع. فعلى ولي الأمر وكل من تمكن من غزالة هذه البدع أن يزيلها.
(٣) ومنها اعتقاد العامة أن جبل الرحمة هو الأصل في الوقوف بعرفة دون باقي بقاعها. وهذا خطأ بل أفضلها موقف رسول الله ﷺ عند الصخرات عن يسار الجبل.
стр. 3341
(٤) ومنها حضور الحجاج عرفة بعد دخول وقت الوقوف فإن المطوفين يخرجون بهم ظهر يوم عرفة من مكة إلى عرفات رأساً فيفوتون عليهم بعض السنن وهي الخروج من مكة بعد شمس يوم التروية إلى منى وصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والبيات بها حتى يصلى صبح يوم التاسع , والتوجه بعد طلوع شمسه من منى إلى عرفة والنزول بنمرة ثم خطبة إمام الحج بعد الزوال والجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بمسجد نمرة. كل هذه السنن يفوتها المطوفون على الحجاج جهلاً وتفريطاً. ومن الناس من يحضرون عرفة وقت الوقوف لأنهم يرحلون في اليوم الثامن من مكة إلى عرفة رأساً وإنما السنة ما تقدم بيانه. (١)
(جـ) طواف الركن
(الثالث) من أركان الحج طواف الزيارة يعني زيارة مكة. ويسمى طواف الإفاضة. وهو مجمع على ركنيته. قال الله تعالى: ﴿وَلَيَّطوَّفوا بِالبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (٢) غير أن الحنفيين يرون أن الركن أربعة أشواط والثلاثة الباقية واجب. (ويدخل) وقته بطلوع فجر يوم النحر عند الحنفيين ومالك (وقال) الشافعي وأحمد: يدخل وقته بنصف ليلة النحر ولا آخر لوقته لكن يجب فعله في يوم من أيام النحر عند الحنفيين. فإن أخره عنها كره ولزمه دم. ومذهب المالكية أنه يجب فعله يوم النحر أو في يوم بعده من أيام ذي الحجة , فإن أخره عنها كره ولزمه دم. هذا وفعله يوم النحر أفضل لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر
стр. 3342
ثم رجع فصلى الظهر بمنى. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي (١) ﴿١٢٤﴾
فيسن للحاج النزول من منى إلى مكة يوم النحر لطواف الركن.
ولكن غالب الحجاج قد أماتوا هذه السنة في هذا الزمان فلا يطوفون طواف الركن إلا بعد نزولهم من منى بعد رمى الجمار في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق. والكلام بعد ينحصر في عشرة مباحث:
(١) شروط الطواف - يشترط لصحته تسعة شروط: الطهارة من الحدث والنجس وستر العورة والنية والطواف بجميع البيت سبعة أشواط وداخل المسجد ووراء حجر إسماعيل ومحاذاة الحجر الأسود بجميع بدنه والترتيب , وهو أن يطوف على يمينه والموالاة. وهاك تفصيلها.
(الأول) الطهارة من الحدث والنجس فلا يصح من محدث حدثا أصغر أو أكبر , ولا من متنجس بدنه أو ثوبه عند مالك والشافعي والجمهور وهو المشهور عن أحمد , لما تقدم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: أن النفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلها , غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر (٢).
والمراد بالطهارة هنا الغسل لما في حديث عائشة قالت: دخل على النبي ﷺ وأنا ابكي فقال: أنفستِ: يعني الحيضة قلت نعم قال: أن هذا شئ كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضى
стр. 3343
الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي (الحديث) أخرجه مسلم (١) ﴿١٢٥﴾
نهيت الحائض والنفساء عن الطواف حتى ينقطع الدم وتغتسل "قالت"عائشة ﵂: أن أول شئ بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت (الحديث) أخرجه الشيخان والبيهقي (٢) ﴿١٢٦﴾
(وقال) الحنفيون: الطهارة من الحدث ليست شرطاً في الطواف بل واجبة وهو رواية عن أحمد. فلو طاف محدثاً حدثاً أصغر صح طوافه ولزمه شاة. وإن طاف جنبا أو حائضا صح ولزمه بدنة ويعيده ما دام بمكة (وأما الطهارة) من النجس في الثوب والبدن والمكان فهي سنة مؤكدة عند الحنفيين لا تجبر بدم لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بالْبَيْت الْعَتيق﴾. وهو يتناول الطواف بلا طهارة قياسا على الوقوف بعرفة وسائر أركان الحج.
(وأجاب) الأولون عن الآية: (أ) بأنها عامة فيجب تخصيصها بما ذكر من الأحاديث.
(ب) وبأن الطواف بغير طهارة مكروه عند الحنفيين ولا يجوز حمل الآية على طواف مكروه لأن الله تعالى لا يأمر بالمكروه (والجواب) عن قياس الطواف على الوقوف وغيره , أن الطهارة ليست واجبة في غير الطواف من أركان الحج فلم تكن شرطاً في غيره. بخلاف الطواف فأنها واجبة فيه عند الحنفيين (٣).
стр. 3344
(الثاني) من شروط الطواف ستر العورة عند مالك والشافعي وأحمد والجمهور , لحديث أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أَمَّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. أخرجه الشيخان والنسائي والبيهقي (١) ﴿٤٠﴾
(وقال) الحنفيون: ستر العورة فى الطواف واجب. فمن طاف عريانا أعاد ما دام في مكة. فإن خرج منها لزمه دم وهذا فائدة عده واجباً هنا مع أنه فرض مطلقاً.
(الثالث) يشترط لصحة طواف الوداع والتطوع النية إجماعاً وكذا طواف الإفاضة والعمرة عند أحمد , لأن النبي ﷺ سماه صلاة والصلاة لا تصح إلا بالنية اتفاقا (وقال) الحنفيون ومالك والشافعي: يجزئ الحاج طواف الركن والعمرة والقدوم بلا نية لأن نية النسك تسرى عليه كالوقوف بعرفة وغيره.
(الرابع) يشترط أن يكون الطواف سبعة أشواط من الحجر الأسود إليه ولو ترك خطوة من السبع لم يحسب طوافه وأن أنصرف عن مكة ولا يجبر بدم ولا بغيره عند مالك والشافعي وأحمد والجمهور , لقول ابن عمر رضي عنهما قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين ثم خرج إلى الصفا. أخرجه الشيخان (٢) ﴿١٢٧﴾
стр. 3345
(وقال) الحنفيون: ركن الطواف أربعة أشواط وباقيه واجب يجبر بالدم.
(الخامس) أن يكون الطواف داخل المسجد الحرام فلا يجوز خارجه اتفاقاً.
(السادس) أن يكون وراء حجر إسماعيل , لقول ابن عباس ﵄: من طاف بالبيت فليطف وراء الحِجْر ولا تقولوا الحطيم. أخرجه البخاري (١) ﴿٤١﴾
وعن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: الحِجْر من البيت لأن رسول الله ﷺ طاف بالبيت من ورائه. قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفوا بالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾. أخرجه البيهقي (٢) ﴿١٢٨﴾
ولهذا قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور: يشترط لصحة الطواف كونه خارج الحجر والشاذِرْوان (٣) فإن طاف ماشياً عليه ولو في خطوة
стр. 3346
لم تصح طوفته , لأنه طاف في البيت لا بالبيت (وقال) الحنفيون: الطواف وراء الحجر واجب يجبر تركه بدم.
(السابع والثامن) يشترط البداءة في الطواف مطلقا من الحجر الأسود. وأن يمشي عن يمينه جاعلاً البيت عن يساره في الطواف , لقول جابر ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتي الحجر الأسود
стр. 3347
فاستلمه ثم مشى عن يمينه فرَمَل ثلاثاً ومشى أربعا. أخرجه مسلم والنسائي. (١) ﴿١٢٩﴾
دل على أن الطائف يبتدئ من الحجر الأسود متيامناً جاعلاً البيت عن يساره. وهو شرط عند مالك وأحمد والشافعي , وواجب عند الحنفيين. فإن تركه لم يصح عند الثلاثة وأعاده عند الحنفيين مادام بمكة. وإن لم يعده لزمه دم. وكذا لو نكِّس الطواف فجعل البيت عن يمينه لم يجزئه عند الثلاثة لأن النبي ﷺ جعلا لبيت في الطواف على يساره وقال: لتأخذوا عنى مناسككم. ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكان الاتباع فيها لازماً كالصلاة. (وقال) الحنفيون: يعد الطواف ما كان بمكة فأن رجع لزم دم , لأنه ترك هيئة فلم تمنع الإجزاء.
(التاسع) يشترط لصحة الطواف موالاته عند مالك وأحمد. فإن فرق بين أجزائه استأنف إلا أن يكون التفريق يسيرا - ولو لغير عذر - أو كثيراً لعذر. (وقال) الحنفيون: الموالاة بين أجزاء الطواف سنة وهو الصحيح عن الشافعي. فلو فرق تفريقا كثيراً بغير عذر لا يبطل طوافه بل يبني على ما مضى منه. ولو أقيمت الصلاة المكتوبة وهو في الطواف النفل استحب قطعه للصلاة ثم يبني. وأن كان طوافاً مفروضاً كره قطعه لها. وإذا عرضت له حاجة ضرورية وهو في الطواف قطعه فإذا فرغ بنى وأن طال الفصل. وإذا أحدث في طوافه ولو عمداً لا يبطل ما مضى من طوافه على الصحيح عند الحنفيين والشافعي فيتوضأ ويبنى عليه (٢).
стр. 3348
(٢) واجبات الطواف - للطواف واجبات غير ما تقدم منها.
(١) المشى فيه عند الحنفيين ومالك إلا لعذر يمنعه منه. فلو ركب فيه بلا عذر أعاده وإلا لزمه دم. وإن ركب لعذر فلا شئ عليه اتفاقاً «لقول» جابر بن عبد الله رضى الله عنهما طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليُشرِف وليسألوه فإن الناس غَشَوْه. أخرجه الشافعي وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي. (١) ﴿١٣٠﴾
«وعن» أم سلمة ﵂ أنها قدمت وهي مريضة فذكرت ذلك النبي ﷺ فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة (الحديث) أخرجه الشافعي والسبعة إلا الترمذي (٢). ﴿١٣١﴾
دل الحديثان على مشروعية الركوب في الطواف لمرض أو حاجة ككونه إماما يعلم الناس المناسك. أما إن ركب لغير عذر فعليه دم عند الحنفيين ومالك (وقال) الشافعيون: لا شئ عليه وهو الصحيح عن أحمد (والراجح) الأول لأنه لا دليل في طوافه ﷺ راكباً على جواز الطواف راكباً بلا عذر , لأنه طوافه ﷺ راكباً هو وأم سلمة كان قبل أن يحوَّط المسجد. فإذا حُوط امتنع الركوب داخله إذ لا يؤمن التلويث (٣).
(٢) (ومنها) صلاة ركعتين عند المقام أو حيث تيسر من المسجد بعد
стр. 3349
كل طواف ولو تطوعا (وهي) واجبة عند الحنفيين وهو قول لمالك والشافعي للأمر بها في قوله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (١) ولمواظبة النبي ﷺ عليها (وعن جابر) ﵁ أن لنبي ﷺ حين قدم مكة طاف بالبيت سبعاً وأتى المقام فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. فصلى خلف المقام , ثم أتى الحجر فاستلمه (الحديث) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (٢) ﴿١٣٢﴾
وأخرجه النسائي وفيه: فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت (٣).
(وهذه) الصلاة تصح في أي مكان عند الجمهور ولا تفوت إلا بالموت ولا يجبر تركها بدم على الصحيح. ومشهور مذهب المالكية أنها تابعة للطواف , فأن صلاها في غيره أعاد مادام متوضئا. (وقال) أحمد: صلاة الطواف سنة وهو الأصح عند الشافعية , وقالوا: الأمر في الآية للاستحباب (ويسن) أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة قبل يا أيها الكافرون , وفي الثانية قل هو الله أحد. لحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ
стр. 3350
لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب , وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد , ثم عاد إلى الركن فاستلمه , ثم خرج إلى الصفا. أخرجه النسائي (١) ﴿١٣٣﴾
هذا. ولا يقوم مقام صلاة الطواف غيرها كركعتي الفجر عند الحنفيين ومالك وهو قول للشافعي. «قال» إسماعيل بن أمية: قلت للزهري عن عطاء يقول: تجزئ المكتوبة عن ركعتي الطواف , فقال: السنة أفضل لم يطف النبي ﷺ أسبوعا إلا صلى. أخرجه البخاري معلقاً (٢) ﴿١٣٤﴾
ومشهور مذهب أحمد أن المكتوبة تجزئ عنها وهو الصحيح عند الشافعية. هذا (ولا بأس) بالصلاة بمكة إلى غير سترة , لقول المطلب بن أبي وداعة: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من سبعه جاء حاشية المطاف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطوافين أحد. أخرجه النسائي وابن ماجة وقال: هذا بمكة خاصة (٣) ﴿١٣٥﴾
(وتؤدي) هذه الصلاة في أي وقت عند الشافعي وأحمد وبعض الحنفيين , لحديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار. أخرجه الشافعي وأحمد والثلاثة وصححه الترمذي (٤) ﴿١٣٦﴾
стр. 3351
(وقال) أبو حنيفة ومالك: لا تصلى في الأوقات المنهى عن الصلاة فيها , لما روي حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن عبد القارى أخبره أنه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح فلما قضى عمر طوافه نظر فلم ير الشمس فركب حتى أناخ راحلته بذي طوى فصلى ركعتين. أخرجه مالك بسند على شرط الشيخين (١) ﴿٤٢﴾
«وعن عطاء» أن عائشة ﵂ قالت: إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف وأخر الصلاة حتى تغيب الشمس أو حتى تطلع فصل لكل أسبوع ركعتين. أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن ﴿٤٣﴾
(وأجاب) الأولون عن هذين الأثرين بأنهما لا يعارضان حديث جبير المرفوع الصحيح.
مسائل - (الأولى) إذا قلنا صلاة الطواف واجبة فلا تجوز من قعود مع القدرة على القيام على الأصح كسائر الواجبات. وقيل تجوز كما يجوز الطواف راكباً ومحمولا مع القدرة على المشي. وعلى أنها سنة يجوز فعلها قاعداً كسائر النوافل (٢) ويجهر فيها ليلاً ويسر نهاراً.
(الثانية) تطلب الصلاة عقب كل طواف. فأن طاف أكثر من طواف ثم صلى لكل طواف ركعتين جاز ولكنه ترك الأفضل عند الشافعي وأحمد. وكرهه الحنفيون ومالك , لأن النبي ﷺ لم يفعله.
стр. 3352
(الثالثة) تمتاز هذه الصلاة بأنها تدخلها النيابة فأن النائب في الحج يصلها وتقع عن المحجوج عنه على الأصح لأنها من أعمال الحج.
(الرابعة) إذا حج الصبي فأن كان مميزاً طاف بنفسه وصلى ركعتيه وأن كان غير مميز طاف به وليه وصلى ركعتي الطواف وتع عن الصبي على الأصح تبعاً للطواف (١).
(الخامسة) يستحب الدعاء عقب صلاة الطواف خلف المقام بما أحب من أمر الآخرة والدنيا. ويستحب أن يدعو بما روى جابر أن النبي ﷺ خلف المقام ركعتين ثم قال: اللهم هذا بلدك والمسح\جد الحرام وبيتك الحرام وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة. وهذا مقام والعائذ بك من النار فاغفر لي أنك أنت الغفور الرحيم. اللهم أنك دعوت عبادك إلى بيتك الحرام وقد جئت طالباً رحمتك مبتغياً مرضاتك وأنت مننت على بذلك فاغفر لي وارحمني أنك على كل شئ قدير. ذكره صاحب الحاوي (٢).
(٣) سنن الطواف - للطواف سنن المذكور منها هنا ثلاث عشرة: -
(١) الاضطباع - وهو جعل الناسك وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر. وهو سنة عند الحنفيين والشافعي وأحمد والجمهور , لحديث يعلى بن أمية أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعاً وعليه برد أخضر. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والدارمي البيهقي والترمذي وصححه (٣) ﴿١٣٧﴾
стр. 3353
«
وعن» ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانة فاضطبعوا أرديتهم تحت آباطهم وقذفوها على عوأنقهم اليسرى. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي بسند رجاله رجال الصحيح (١) ﴿١٣٨﴾
شرع الاضطباع لأنه يعين على الرمل في الطواف.
(وقال) مالك: لا يستحب لأنه لا يعرف ولم ير أحداً يفعله (ورد) لثبوته بالأحاديث الصحيحة الكثيرة. وقد اتفقت النصوص على استحبابه وتعلى أنه يسن في طواف العمرة وطواف واحد في الحج وهو طواف القدوم أو الإفاضة. ولا يسن في صلاة الطواف ولا للمرآة اتفاقاً لأن حالها مبنى على الستر.
(٢) الرمل بفتحتين. وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخطأ وتحريك المنكبين. ويسن في الأشواط الثلاثة الأول إجماعاً ويمشى في الباقي على رسله بسكينة ووقار «لقول» ابن عمر ﵄: رمل رسول الله ﷺ من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ثلاثاً ومشى أربعاً. أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي (٢). ﴿١٣٩﴾
شرع لإظهار القوة والنشاط. ولا يسن إلا في طواف العمرة وفي طواف يعقبه سعى في الحج وهو طواف القدوم أو الإفاضة ولا يشرع تداركه: فلو تركه في الثلاثة لم يقضه في الأربعة الباقية لأن هيئتها السكينة
стр. 3354
والتمهل (ولا يشرع) للنساء , لقول ابن عمر ﵄: ليس على النساء سعي بالبيت (أي رمل) ولا بين الصفا والمروة. أخرجه البيهقي (١) ﴿٤٤﴾
(٣ و ٤ و ٥) ويسن في بدء الطواف استقبال الحجر الأسود مهللاً مكبراً اتفاقاً رافعاً يديه كالصلاة عند الحنفيين والشافعي وأحمد , لقول ابن عمر ﵄: استقبل رسول الله ﷺ الحجر وأستلمه ثم وضع شفتيه يبكي طويلاً فالتفت فإذا عمر يبكي فقال: يا عمر ههنا تسكب العبرات. أخرجه الحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي (٢). ﴿١٤٠﴾
«وعن عمر» ﵁ أن النبي ﷺ قال له: يا عمر أنك رجل قوى لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف أن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله فهلل وكبر. أخرجه الشافعي وأحمد. وفيه رأوا لم يسم (٣). ﴿١٤١﴾
«وعن طلحة» بن مصرف عن إبراهيم النخعي قال: ترفع الأيدي في سبعة مواطن في افتتاح الصلاة , وفي التكبير للقنوت في التوتر , وفي العيدين وعند استلام الحجر وعلى الصفا والمروة وبجمع وعرفات وعند
الجمرتين. أخرجه الطلحاوي (٤). ﴿٤٥﴾
«وكان» مالك ﵀ لا يرى رفع اليدين , لقول المهاجر المكي.
стр. 3355
سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت أيرفع يديه؟ قال: ما كنت أرى أحداً يفعل هذا إلا اليهود وقد حججنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يكن يفعله. أخرجه الثلاثة والطلحاوي والبيهقي فلم يكن يفعله. أخرجه الثلاثة والطلحاوي والبيهقي (١) ﴿١٤٢﴾
(وأجاب) عنه الأولون بأنه فيا لرفع عند رؤية البيت. وما روينا في الرفع عند استلا الحجر.
(٦ و ٧) ويسن استلام الحجر الأسود بوضع يديه عليه وتقبيله بلا صوت أن استطاع بلا إيذاء وإلا مسه بشيء كيداً أو عود وقبله أو أشار إلى الحجر بنحو عصا مكبرا مهللا حامداً الله تعالى مصليا على النبي ﷺ , لقول الزبير بن عربي: سألت بن عمر ﵄ عن الحجر قال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. فقلت أرأيت أن زحمت عليه أو غلبت عليه فقال ابن عمر: اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. أخرجه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود الطيالسي. وهذا لفظه (٢) ﴿١٤٣﴾
وظاهرة أن ابن عمر لم ير الزحام عذراً في ترك الاستلام. وهو محمول على ما إذا لم يؤد الاستلام حينئذٍ إلى إيذاء وإلا اكتفي بما يتيس كما تقدم في حديث عمر ﵁ (٣) «وعن» ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أكب على الركن فقال: أني لأعلم أنك حجر
стр. 3356
ولو لم أر حبيبي ﷺ قبلك وأستلمك ما أسلمتك ولا قبلتك , لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي بألفاظ مختلفة. وهذا لفظ أحمد. وأخرج السبعة نحوه عن عباس بن ربيعة عن عمر ﵁ أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿١٤٤﴾
وإنما قال ذلك عمر ﵁ , لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشى عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية. فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لسول الله ﷺ لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان. قاله الطبري (٢).
«وقال» نافع: رأيت ابن عمر استلم الحج بيده ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. أخرجه مسلم (٣) ﴿١٤٥﴾
والأحاديث في هذا كثيرة صريحة في مشروعية استلام وتقبيل الحجر الأسود دون غيره. وحكمة ذلك أنه لما جعل مبدأ للطواف منعاً لاضطراب
стр. 3357
الطائفين استحق أن يكرم ويقبل (وخص) بهذا لما ثبت من فضله. وقد اتفق العلماء على أن هذا للرجال دون النساء.
(٨) ويسن أيضاً وضع الخد على الحجر الأسود , لقول ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يقبل الركن يعني الأسود ويضع خده عليه. أخرجه أبو يعلي. وفي سنده عب الله بن مسلم بن هرمز. وهو ضعيف (١) ﴿١٤٦﴾
«وقال» سويد بن غفلة: رأيت عمر قبل الحجر والتزمه وقال: رأيت رسول الله ﵌ بك حفيا. أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي (٢) ﴿١٤٧﴾
وجه الدلالة أن وضع الخد من معاني الالتزام. فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عاليه. وبهذا قال الحنفيون والشافعي وأحمد والجمهور. وقال: مالك وضع الجبهة عليه بدعة. قال عياض: وقد شذ في هذا عن العلماء (٣).
(٩) ويسن الدعاء عند استلام الحجر بما شاء من خيرى الدنيا والآخرة , وبالمأثور أفضل (ومنه) ما روي الحارث عن على ﵁ أنه كان يقول إذا استلم الحجر: اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك واتباعا لسنة نبيك ﷺ . أخرجه البيهقي والطبراني في الأوسط , والحارث ضعيف وقد وثق. وأخرجه الطبراني في الأوسط بسند
стр. 3358
رجاله رجال الصحيح عن ابن عمر (١) ﴿٤٦﴾
(١٠) ويسن استلام الركن اليماني لحديث نافع عن ابن عمر ﵄ قال: ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحجر الأسود منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمها في شدة ولا في رخاء. أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي (٢) ﴿١٤٨﴾
«وقال» ابن عمر: لم أر النبي ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين. أخرجه الطحاوي والسبعة إلا الترمذي (٣) ﴿١٤٩﴾
والمراد باليمانيين الركن الذي فيه الحجر الأسود والركن اليماني. واقتصر ﷺ على استلامها , لأن ركن الحجر الأسود فيه فضيلتان كونه على قواعد إبراهيم ووجود الحجر فيه. فلذا يستلم ويقبل. وفي الركن اليماني فضيلة واحدة وهي كونه على قواعد إبراهيم. ولذا يستلم فقط , وأما الركنان الآخران فليس فيهما شئ من ذلك فلذا لا يستلمان ولا يقبلان.
(١١) ويسن الدعاء والذكر في الطواف بالوارد (ومنه)
(أ) ما في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﵌ كان يأتي البيت فيستلم الحجر ويقول: باسم الله والله أكبر. أخرجه أحمد من حديث طويل (٤) ﴿١٥٠﴾
стр. 3359
(ب) ما في حديث سعيد بن جبير قال. كان ابن عباس ﵄ يقول: احفظوا هذا الحديث وكان يرفعه إلى النبي ﷺ وكان يدعو به بين الركنين: رب قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل عائبة لي بخير. أخرجه الحاكم بسند صحيح (١) ﴿١٥١﴾
«وقال» أبو العباس الأصم: أنبأنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: أحب كلما حاذي به (يعني بالحجر الأسود) أن يكبر وأن يقول في رمله: اللهم اجعله حجا مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً. ويقول في الأطواف الأربعة: اللهم اغفر وارحم , واعف عما تعلم , وأنت الأعز الأكرم. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أخرجه البيهقي (٢). ﴿٤٧﴾
هذا. ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف عند الحنفيين والشافعي وهو مشهور مذهب أحمد , لقول عبد الله بن السائب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بين الركن اليماني والحجر: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أخرجه الشافعي وأحمد البيهقي. وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححاه (٣) ﴿١٥٢﴾
وعن مالك وأحمد أنه يكره قراءة القرآن في الطواف. وهو مردود بالحديث (ويستحب) أن يدع الحديث في الطواف إلا بذكر أو قراءة
стр. 3360
أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو مالا بدمنه , لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: الطواف بالبيت صلاة ولكن الله أحل فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير. أخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي (١). ﴿١٥٣﴾
(١٢) ويسن للطائف الدنو من الكعبة إجماعاً لأن القرب من البيت في الصلاة أفضل فكذا فيا لطواف وهذا بشرط ألا يؤذي ولا يتأذي للزحمة. فأن تأذي أو آذى بالقرب فالبعد أولى.
وهذا في حق الرجل , أما المرأة فيستحب لها ألا تدنو من الكعبة حال طواف الرجال بل تكون في حاشية المطاف بحيث لا تخالط الرجال. (ويستحب) لها أن تطوف ليلا فأنه أصون لها ولغيرها؛ فأن كان المطاف خالياً من الرجال استحب لها القرب من الكعبة كالرجل. وأصله حديث ابن جريح قال: أخبرني عطاء - إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال - قال: كيف تمنعهن وقد طاف نساء رسول الله ﷺ مع الرجال؟ قلت أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: لقد أدركته بعد الحجاب: قلت كيف يخالطن الرجال؟ قال لم يكن يخالطن. كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة: أنطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت: عنك وأبت فكن يخرجن متنكراتٍ بالليل فيطفن مع الرجال (الحديث) أخرجه البخاري والبيهقي (٢) ﴿١٥٤﴾
стр. 3361
فقد دل على طواف النساء ليلا متنكرات.
هذا. وأن تعذر الرجل القرب من الكعبة مع الرمل للزحمة فأن رجا فرجة استحب أن ينتظرها ليرمل أن لم يؤذ بوقوفه أحداً وأن لم يرجها فالمحافظة على الرمل مع البعد عن البيت أفضل من القرب بلا رمل (١).
(١٣) وليس للطائف أن يكون خاشعاً خاضعاً متذللاً حاضر القلب ملازم الأدب ظاهراً وباطناً ملاحظاً أن الطواف صلاة فيتأدب بآدابها مستشعراً بقلبه عظمة من يطوف بيته (٢).
(٤) مكروهات الطواف - يكره في الطواف أمور المذكور منها هنا ستة عشر:
(١) ترك سنة من سنته , كالرمل والاضطباع والاستلام والتقبيل والدعاء ولا يلزمه لترك ما ذكر دم.
(٢) وتكره المبالغة في الإسراع في الرمل , بل يرمل على العادة.
(٣ و ٤) ويكره الأكل والشرب في الطواف وكراهة الشرب أخف (وقال) الشافعي: لا بأس بشرب الماء في الطواف , وتركه أحب , لما روي ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ شرب ماء فيا لطواف. أخرجه البيهقي والحاكم وصححه ﴿١٥٥﴾
(٥) ويكره للطائف وضع يده على فيه كما في الصلاة إلا أن يحتاج إليه أو يتثاءب فيضع يديه على فيه , لحديث أبي سعيد الخدري أن النبي
стр. 3362
صلى الله عليه وسلم قال: إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه فأن الشيطان يدخل. أخرجه مسلم (١) ﴿١٥٦﴾
(٦ - ١١) ويكره للطائف أن يشبك أصابعه أو يفرقع بها وأن يطوف وهو يدافع البول أو الغائط أو الريح , أو وهو شديد التوقان إلى الأكل وما في معنى ذلك كما تكره الصلاة في هذه الأحوال (٢).
(١٢) ويكره في الطواف الكلام بغير ذكر الله تعالى ولو تلبية.
(١٣ - ١٦) ويكره فيه أنشاد الشعر إلا ما قل. وبيع وشراء وطواف شخص عن غيره قبل أن يطوف عن نفسه (٣).
(٤) أنواع الطواف - الطواف أربعة أقسام
(الأول) طواف الركن وقد تقدم بيانه (٤).
(الثاني) طواف القدوم ويسمى طواف التحية , وطواف اللقاء. وهو سنة عند الحنفيين والشافعي وأحمد , لأنه تحية الكعبة فلا يجب كتحية المسجد. و «تقدم» أن عائشة ﵂ قالت: أن أول شئ بدأ به النبي ﵌ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت أخرجه الشيخان والبيهقي (٥). دل الحديث على أن تحية المسجد الحرام الطواف فيطلب ممن دخله ولو غير محرم الابتداء بالطواف إلا أن دخل في وقت منع الناس فيه من الطواف أو كان عليه فائتة أو خاف فوت المكتوبة أو التوتر أو سنة الراتبة. أو الجماعة , فيقدم ما ذكر على الطواف ثم يطوف. (وقال) مالك وبعض الشافعية: طواف القدوم واجب على من قدم
стр. 3363
مكة محرماً بالحج من الحل ولو مقيما بمكة ثم خرج إليه. وهو الحق , لأن فعل النبي ﷺ مبين لمجمل واجب هو قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت «وعن جابر» ﵁ أن النبي ﷺ قال: لتأخذوا مناسككم. فأني لا أدري لعلى لا أحج بعد حجتي هذه. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي. وساقه البيهقي أيضاً بلفظ: خذوا عني مناسككم لعلى لا أراكم بعد عامي هذا (١). ﴿١٥٧﴾
وهذا يستلزم وجوب كل فعل فعله النبي ﷺ في حجه إلا ما خصه دليل. وأما من أحرم بعمرة أو بحج من الحرم , فليس عليه طواف قدوم ولا دم كما لا يجب على ناس وحائض ونفساء ومغمي عليه ومجنون حيث بقى عذرهم بحيث لا يمكنهم الإتيان بالقدوم , وكذا لا قدوم على من زاحمه الوقت وضاق عليه بحيث يخشى بالتشاغل به فوات الحج (٢) هذا , ويطلب في طواف القدوم ما يطلب في طواف الركن من شروط وواجبات وسنن , ومنها الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى كما تقدم.
(الثالث) طواف الوداع - بفتح الواو ويسمى طواف الصدر بفتحتين وطواف آخر عهد بالبيت. وهو الطواف عند إرادة السفر من مكة.
وهو واجب لغير الحائض والمكي - وهو من كان مقيما داخل المواقيت - عند الحنفيين والشافعي وأحمد. فلا يجب على من كان داخلها ولا على الحائض.
стр. 3364
ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵄: قال: أمر الناس
أن يكون آخر عهدهم بالبيت , إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. أخرجه الشيخان (١) ﴿١٥٨﴾
وقال مالك طواف الوداع سنة لا شئ في تركه وهو قول للشافعي لأنه لو كان واجباً لما خفف عن الحائض (ورد) بأن التخفيف دليل الإيجاب على غيرها. فالحق أنه واجب.
ولطواف الوداع وقتان.
(١) وقت استحباب وهو عند إرادة السفر.
(٢) ووقت جواز وأوله بعد طواف الزيارة إذا كان عازماً على السفر. فلو طاف له ثم أطال الإقامة بمكة بلا نية الإقامة لا يلزمه إعادته عند الحنفيين ولا آخر له ما دام بمكة. فلو طاف في أي وقت وقع أداءً. ولو سافر ولم يطفه لزمه الرجوع لطوافه ما لم يجاوز الميقات. فأن جاوزه فله أن يمضي وعليه دم , وهو أفضل , وله أن يرجع محرماً بعمرة , فإذا فرغ منها طاف للوداع ولا شئ عليه بتأخيره عند الحنفيين. وقال غيرهم شرط الاعتداء بطواف الوداع ألا يقيم بعده فوق ساعة فلكية وإلا أعاده , ومن سافر ولم يطفه رجع أن كان قريباً بأن كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر وإلا أرسل دما عند من يرى وجوبه , وكذا من لم يمكنه الرجوع لعذر. ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لا يلزمه أكثر من دم.
فائدة: ليس على المعتمر طواف الوداع , لأنه لم يرد إلا في الحج وقال الثوري: يجب على المعتمر أيضاً (٢).
стр. 3365
(الرابع) طواف التطوع. وهو سنة , فينبغي للناسك أن يغنتم مدة إقامته بمكة ويكثر الاعتمار والطواف والصلاة بالمسجد الحرام (١).
(٦) مسائل - (الأولى) من كان عليه طواف الركن فنوى غيره عن نفسه أو عن غيره تطوعا أو وداعا أو قدوما وقع عن طواف الركن كما لو أحرم بتطوع الحج أو العمرة وعليه فرضهما فأنه ينعقد عن الفرض. ولو نذر أن يطوف فطاف عن غيره , فأن كان زمان النذر معيناً لم يجز أن يطوف فيه عن غيره اتفاقا. وأن كان غير معين أو معيناً وطاف في غيره قبل أن يطوف للنذر لا يجوز أن يطوف عن غيره على الصحيح كطواف الإفاضة (٢).
(الثانية) لو طاف المحرم وهو لابس المخيط ونحوه صح طوافه وعليه الفدية , لأن تحريم اللبس لا يختص بالطواف فلا يمنع صحته.
(الثالثة) إذا حاضت المرأة ولم تنك طافت للإفاضة لزم من معها من محرم أو زوج أو أجير الإقامة معها مدة اكثر الحيض وزيادة ثلاثة أيام عند مالك (وقال) الشافعي: لا يلزم الأجير الانتظار.
(٧) بدع الطواف - تقدم بيان ما ينبغي أن يتحلى به الطائف من صالح الأعمال , وجميل الخصال التي يرجى لمن أتى بها على وجهها الرضا والقبول , ولكن الشيطان العدو اللدود لبني الإنسان , حسن لهم بدعا ارتكبوها في الطواف منها.
(١) التمسح بحيطان الكعبة غير الحجر الأسود والركن اليماني اللذين شرع استلامهما دون غيرهما.