فقد دل على طواف النساء ليلا متنكرات.
هذا. وأن تعذر الرجل القرب من الكعبة مع الرمل للزحمة فأن رجا فرجة استحب أن ينتظرها ليرمل أن لم يؤذ بوقوفه أحداً وأن لم يرجها فالمحافظة على الرمل مع البعد عن البيت أفضل من القرب بلا رمل (١).
(١٣) وليس للطائف أن يكون خاشعاً خاضعاً متذللاً حاضر القلب ملازم الأدب ظاهراً وباطناً ملاحظاً أن الطواف صلاة فيتأدب بآدابها مستشعراً بقلبه عظمة من يطوف بيته (٢).
(٤) مكروهات الطواف - يكره في الطواف أمور المذكور منها هنا ستة عشر:
(١) ترك سنة من سنته , كالرمل والاضطباع والاستلام والتقبيل والدعاء ولا يلزمه لترك ما ذكر دم.
(٢) وتكره المبالغة في الإسراع في الرمل , بل يرمل على العادة.
(٣ و ٤) ويكره الأكل والشرب في الطواف وكراهة الشرب أخف (وقال) الشافعي: لا بأس بشرب الماء في الطواف , وتركه أحب , لما روي ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ شرب ماء فيا لطواف. أخرجه البيهقي والحاكم وصححه ﴿١٥٥﴾
(٥) ويكره للطائف وضع يده على فيه كما في الصلاة إلا أن يحتاج إليه أو يتثاءب فيضع يديه على فيه , لحديث أبي سعيد الخدري أن النبي
стр. 3362
صلى الله عليه وسلم قال: إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه فأن الشيطان يدخل. أخرجه مسلم (١) ﴿١٥٦﴾
(٦ - ١١) ويكره للطائف أن يشبك أصابعه أو يفرقع بها وأن يطوف وهو يدافع البول أو الغائط أو الريح , أو وهو شديد التوقان إلى الأكل وما في معنى ذلك كما تكره الصلاة في هذه الأحوال (٢).
(١٢) ويكره في الطواف الكلام بغير ذكر الله تعالى ولو تلبية.
(١٣ - ١٦) ويكره فيه أنشاد الشعر إلا ما قل. وبيع وشراء وطواف شخص عن غيره قبل أن يطوف عن نفسه (٣).
(٤) أنواع الطواف - الطواف أربعة أقسام
(الأول) طواف الركن وقد تقدم بيانه (٤).
(الثاني) طواف القدوم ويسمى طواف التحية , وطواف اللقاء. وهو سنة عند الحنفيين والشافعي وأحمد , لأنه تحية الكعبة فلا يجب كتحية المسجد. و «تقدم» أن عائشة ﵂ قالت: أن أول شئ بدأ به النبي ﵌ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت أخرجه الشيخان والبيهقي (٥). دل الحديث على أن تحية المسجد الحرام الطواف فيطلب ممن دخله ولو غير محرم الابتداء بالطواف إلا أن دخل في وقت منع الناس فيه من الطواف أو كان عليه فائتة أو خاف فوت المكتوبة أو التوتر أو سنة الراتبة. أو الجماعة , فيقدم ما ذكر على الطواف ثم يطوف. (وقال) مالك وبعض الشافعية: طواف القدوم واجب على من قدم
стр. 3363
مكة محرماً بالحج من الحل ولو مقيما بمكة ثم خرج إليه. وهو الحق , لأن فعل النبي ﷺ مبين لمجمل واجب هو قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت «وعن جابر» ﵁ أن النبي ﷺ قال: لتأخذوا مناسككم. فأني لا أدري لعلى لا أحج بعد حجتي هذه. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي. وساقه البيهقي أيضاً بلفظ: خذوا عني مناسككم لعلى لا أراكم بعد عامي هذا (١). ﴿١٥٧﴾
وهذا يستلزم وجوب كل فعل فعله النبي ﷺ في حجه إلا ما خصه دليل. وأما من أحرم بعمرة أو بحج من الحرم , فليس عليه طواف قدوم ولا دم كما لا يجب على ناس وحائض ونفساء ومغمي عليه ومجنون حيث بقى عذرهم بحيث لا يمكنهم الإتيان بالقدوم , وكذا لا قدوم على من زاحمه الوقت وضاق عليه بحيث يخشى بالتشاغل به فوات الحج (٢) هذا , ويطلب في طواف القدوم ما يطلب في طواف الركن من شروط وواجبات وسنن , ومنها الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى كما تقدم.
(الثالث) طواف الوداع - بفتح الواو ويسمى طواف الصدر بفتحتين وطواف آخر عهد بالبيت. وهو الطواف عند إرادة السفر من مكة.
وهو واجب لغير الحائض والمكي - وهو من كان مقيما داخل المواقيت - عند الحنفيين والشافعي وأحمد. فلا يجب على من كان داخلها ولا على الحائض.
стр. 3364
ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵄: قال: أمر الناس
أن يكون آخر عهدهم بالبيت , إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. أخرجه الشيخان (١) ﴿١٥٨﴾
وقال مالك طواف الوداع سنة لا شئ في تركه وهو قول للشافعي لأنه لو كان واجباً لما خفف عن الحائض (ورد) بأن التخفيف دليل الإيجاب على غيرها. فالحق أنه واجب.
ولطواف الوداع وقتان.
(١) وقت استحباب وهو عند إرادة السفر.
(٢) ووقت جواز وأوله بعد طواف الزيارة إذا كان عازماً على السفر. فلو طاف له ثم أطال الإقامة بمكة بلا نية الإقامة لا يلزمه إعادته عند الحنفيين ولا آخر له ما دام بمكة. فلو طاف في أي وقت وقع أداءً. ولو سافر ولم يطفه لزمه الرجوع لطوافه ما لم يجاوز الميقات. فأن جاوزه فله أن يمضي وعليه دم , وهو أفضل , وله أن يرجع محرماً بعمرة , فإذا فرغ منها طاف للوداع ولا شئ عليه بتأخيره عند الحنفيين. وقال غيرهم شرط الاعتداء بطواف الوداع ألا يقيم بعده فوق ساعة فلكية وإلا أعاده , ومن سافر ولم يطفه رجع أن كان قريباً بأن كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر وإلا أرسل دما عند من يرى وجوبه , وكذا من لم يمكنه الرجوع لعذر. ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لا يلزمه أكثر من دم.
فائدة: ليس على المعتمر طواف الوداع , لأنه لم يرد إلا في الحج وقال الثوري: يجب على المعتمر أيضاً (٢).
стр. 3365
(الرابع) طواف التطوع. وهو سنة , فينبغي للناسك أن يغنتم مدة إقامته بمكة ويكثر الاعتمار والطواف والصلاة بالمسجد الحرام (١).
(٦) مسائل - (الأولى) من كان عليه طواف الركن فنوى غيره عن نفسه أو عن غيره تطوعا أو وداعا أو قدوما وقع عن طواف الركن كما لو أحرم بتطوع الحج أو العمرة وعليه فرضهما فأنه ينعقد عن الفرض. ولو نذر أن يطوف فطاف عن غيره , فأن كان زمان النذر معيناً لم يجز أن يطوف فيه عن غيره اتفاقا. وأن كان غير معين أو معيناً وطاف في غيره قبل أن يطوف للنذر لا يجوز أن يطوف عن غيره على الصحيح كطواف الإفاضة (٢).
(الثانية) لو طاف المحرم وهو لابس المخيط ونحوه صح طوافه وعليه الفدية , لأن تحريم اللبس لا يختص بالطواف فلا يمنع صحته.
(الثالثة) إذا حاضت المرأة ولم تنك طافت للإفاضة لزم من معها من محرم أو زوج أو أجير الإقامة معها مدة اكثر الحيض وزيادة ثلاثة أيام عند مالك (وقال) الشافعي: لا يلزم الأجير الانتظار.
(٧) بدع الطواف - تقدم بيان ما ينبغي أن يتحلى به الطائف من صالح الأعمال , وجميل الخصال التي يرجى لمن أتى بها على وجهها الرضا والقبول , ولكن الشيطان العدو اللدود لبني الإنسان , حسن لهم بدعا ارتكبوها في الطواف منها.
(١) التمسح بحيطان الكعبة غير الحجر الأسود والركن اليماني اللذين شرع استلامهما دون غيرهما.
стр. 3366
(٢) ومنها تقبيل غير الحجر الأسود , والتمسح بمقام سيدنا إبراهيم وتقبيله والطواف حوله.
(٣) ومنها ما ابتدع المطوفون من تلقينهم الحجاج في الطواف وغيره أدعية مخترعة بأصوات مرتفعة تشوش على الطائفين والمصلين.
(٤) ومنها اختلاط الرجال والنساء بشكل مريع في الطواف وغيره بحال يخجل منه وجه الحياء. فترى صفوف النساء أمام صفوف الرجال وكم حدث من تهتك وفتن. وهناك عند الحجر الأسود ترى الموت الأحمر من مزاحمة الرجال للنساء. والشرطة واقفون على يمين الحجر وشماله , لا لإبعاد النساء عن الرجال بل لتمكين من يعطيهم النقود من استلام الحجر وإلا دفع عنيفاً. وكذلك يكون الأمر في المشاهد الكريمة بمكة والمدينة إن أعطى الشرطة منها رضوا بكل منكر يفعل وإلا فهم الساخطون المنكرون.
(٥) ومن البدع المستقبحة خروج المودع إلى الوراء مستقبلا البيت ماشياً إلى الخلف , فهو مكروه لعدم الورود , بل يخرج وظهره إلى البيت. والأدب والتعظيم بالقلب. والله تعالى ولي الهداية والتوفيق.
فظائع المطوفين - من المطوفين من كل همهم جمع المال بأي طريق كان ويعاملون الحجاج معاملة شاذة ويرون أن مالهم غنيمة مباحة يوحون إلى أوليائهم بجدة ومكة بتحصيل ضرائب من الحجاج فادحة وإلا لاقوا في الوصول إلى مصالحهم المرين. وأفظع من هذا حملهم الحجاج على دفع أثمان الدماء الواجبة أو الأضاحي لم يزعم أنهم أدوى بالثمن وأعرف بالمستحقين. واليقين انهم لهت آكلون وإذا لم يأخذوا من الحجاج أثمانهم استولوا في المذبح على الذبائح وباعوها أو فرقوها على معارفهم وأحبابهم ومن العجيب أنهم لا يتورعون عن الاختلاط الشائن بالسيدات والبنات.
стр. 3367
فترى أحدهم متأبطا امرأة يجرى بها حول الكعبة أو في المسعى أو عند الجمرات. وهناك يكون المس والاحتكاك ويبلغ الشيطان مناه. والأفظع والأدهى استمرارهم على لهوهم حتى وقت الآذان وأقام الصلاة مع الإمام فترى المقاهي بهم عامرة والطرقات غاصة والمنازل مزدحمة. وهذا قليل من كثير. فليكن الحاج على حذر منهم وعلى بينة من أمره ومعرفة بالمناسك حتى يؤديها على الوجه المرضى. ولعل الحكومة السعودية تعد لمن يرغب في التطويف دراسة خاصة يعقبها اختبار ومن تحين حاله يعطي إجازة بعمله.
(٩) ما بعد الطواف - وبعد الطواف يصلى ركعتيه على ما تقدم بيانه ثم يأتي زمزم (١) ويشرب من مائها ويستحب ان يكثر منه وأن ينوي بشربه ما يريد من أمور الآخرة والدنيا وأن يستقبل القبلة ويسمى ويسرب ثلاثاً يقول في كل مرة: اللهم إني أسألك علماً نافعاً وقلبا خاشعا ونوراً ساطعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء. ثم يقول: اللهم غني أشربه لتغفر لي اللهم اغفر لي. أو اللهم إني أشربه مستشفياً به اللهم فاشفني ونحو هذا؛ فإذا فرغ حمد الله تعالى. وقد جاء في هذا أحاديث (منها) حديث محمد بن حبيب الجارودي ثنا سفيان بن عيينة عن ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له فإن شربته تستشفي به شفاك الله. وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله. وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه. قال: وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً
стр. 3368
وشفاء من كل داء. أخرجه الحاكم وقال حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجاوردي (١) ﴿١٥٩﴾
«
وحديث» محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجال فقال من أين جئت؟ قال من زمزم فقال أشربت منها كما ينبغي؟ فقال وكيف؟ قال إذا شربت منها فاستقبل القبلة ثم اذكر اسم الله وتنفس ثلاثاً وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله تعالى فإن رسول الله ﵌ قال: إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم. أخرجه ابن ماجة والبيهقي بسند صحيح رجاله ثقات (٢). ﴿١٦٠﴾
(١٠) الوقوف بالملتزم - الملتزم بضم الميم وفتح الزاي ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة. يستحب للناسك بعد طواف الوداع أن يأتي الملتزم فيضع صدره وبطه وخده الأيمن على حائط البيت ويبسط يديه على الجدار جاعلاً يده اليمنى مما يلي الباب واليسرى مما يلي الحجر الأسود متعلقاً بأستار الكعبة ويدعوا بما أحب من خيرى الدنيا والآخرة متحسراً على فراق البيت , لحديث المثني بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله بن عمرو فلما فرغنا من السبع وكنا في دبر الكعبة فقلت ألا تتعوذ بالله من النار؟ قال نعوذ بالله من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر وأقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطا وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه
стр. 3369
وسلم يفعله. أخرجه أبو داود والبيهقي وابن ماجه والمثني ضعيف (١) ﴿١٦١﴾
«
وعن ابن عباس» ﵄ أنه كان يلتزم ما بين الركن والباب ويقول: ما بين الركن والباب يدعى الملتزم لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه. أخرجه البيهقي بسند ضعيف (٢) ﴿٤٨﴾
والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال.
فائدتان: (الأولى) ذكرا لحسن البصري في رسالته لأهل مكة أن الدعاء يستحب في خمسة عشر موضوعا: في الطواف وعند الملتزم , وتحت الميزان , وفي البيت «الكعبة» وعند زمزم , وعلى الصفا والمروة , وفي المسعى , وخلف المقام. وفي عرفات وفي المزدلفة ومنى وعند الجمرات الثلاث (٣) فينبغي الحرص على الدعاء في هذه المواضع بما أحب من خيري الدنيا والآخرة ومنه: اتللهم وفق ولاة الأمور في بلاد الإسلام لإزالة المنكرات والمخالفات وإقامة الحدود والعمل [أحكام التنزيل. اللهم لا تجعل لكافر على مسلم ولاية وطهر البلاد من أهل الشرور والفساد. ووفق المؤمنين للتخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل والوقوف عند الحدود الشرعية والإخلاص لله الواحد المعبود. وصلى الله على النبي وعلى آله.
(الثانية) لا باس بنقل ماء زمزم إلى غير مكة , لحديث عروة عن عائشة ﵂ أنها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله. أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن
стр. 3370
غريب والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد «ورد» بأن في سنده خلاد بن يزيد قال البخاري لا يتابع على حديثه. وأخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن العلاء أبو كريب ثنا خلاد بن يزيد (السند) وقال: ورواه غيره عن أبي كريب وزاد فيه: حمله رسول الله ﷺ في الأداوي والقرب وكان يصب على المرضى ويسقيهم (١) ﴿١٦٢﴾
(د) السعي بين الصفا والمروة (٢)
السعي بينهما سبعة أشواط - البدء مرة والعود أخرى - هو الركن الرابع للحج لا يصح إلا به ولا يجبر بدم ولا غيره عند مالك والشافعي ورواية عن أحمد (وقال) الحنفيون: السعي واجب يجبر بدم. وهو الصحيح عن أحمد , لحديث حبيبة بنت أبي تجراه قالت: رأيت النبي ﵌ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه
стр. 3371
وهو وراءهم يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي. أخرجه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي. وفي يوجد رسم سنده عبد الله بن المؤمل. وثقه ابن حبان
стр. 3372
_________
في الأصل واحد المروة. وهي الحجارة البيض. والمراد به هنا مكان مرتفع في أصل جبل قعيقعان في الشمال الشرقي للمسجد الحرام قرب باب السلام. وهو شبيه بالمصلي. وطوله أربعة أمتار في عرض مترين وارتفاعه نحو مترين. يصعد إليه بخمس درجات. والشارع الذي بين الصف والمروه هو المسعى. وسيأتي وصفه إن شاء الله تعالي. وقد أدخل في المسجد الحرام بمقتضى التوسعة السعودية سنة ١٣٧٥ هـ. (انظر رسم ص ١٣٠ ورسم ٥ ص ١٣١)
стр. 3373
وقال: يخطئ وضعفه غيره (١) ﴿١٦٣﴾
قال ابن المنذر: أن ثبت فهو حجة في الوجوب (ويقويه) حديث صفيه بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: كتب عليكم السعي فتسعوا. أخرجه أحمد. وفي سنده موسى بن عبيده وهو ضعيف. قاله الهيثمى (٢) ﴿١٦٤﴾
أمر النبي ﷺ بالسعي. والأمر للفريضة عند المالك والشافعي «وقال» الحنفيون: هو ظني فلا يفيد إلا الوجوب وهو الصحيح عند أحمد.
«وقال» الترمذى: وأختلف أهل العلم فيمن لم يطف بين الصفا والمروة حتى رجع. فقال البعض: أن لم يطف بينهما حتى خرج من مكة فأن ذكر وهو قريب منها رجع فطاف بينهما وأن لم يذكر حتى أتى بلادة أجزأه وعليه دم. وهو قال الثوري. وقال بعضهم: لا يجزئه وهو قال الشافعي لأن الطواف بينهما ركن لا يجوز الحج إلا به (٣)
ثم الكلام ينحصر في ستة مباحث.
(١) ـ شروط السعي ـ يشترط لصحة السعي خمسة شروط: (الأول) كونه بعد طواف ولو تطوعا. وهو شرط عند مالك والشافعي وأحمد. واختاره صاحب اللباب من الحنفيين. والأصح عندهم أنه واجب
стр. 3374
لقول أبى هريرة رضى الله عنه ـ في قصة فتح مكة ـ: أقبل النبي ﷺ فدخل مكة فأقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يكر الله ودعا بما يشاء أن يدعو. أخرجه أبو داود والبيهقي (١) ﴿١٦٥﴾
فإن لم يتقدمه طواف بطل عند الثلاثة. ولزم فيه دم عند الحنفيين.
(الثاني) البدء في السعي بالصفا والختم بالمروة. وهو شرط عند مالك والشافعي وأحمد. واختاره صاحب اللباب من الحنفيين والأصح عندهم أنه واجب , وأنه واجب لحديث جابر رضى الله عنه أن النبي ﷺ طاف سبعا رمل ثلاثا والمروة ومشي أربعا ثم قرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. فصلى سجدتين وجعل المقام بينه وبين الكعبة ثم استلم الركن ثم خرج فقال: أن الصفا من شعائر الله. فابدءوا بما بدأ الله به. أخرجه النسائي والدارقطني من عدة طرق. وصححه ابن حزم (٢). ﴿١٦٦﴾
قال الترمذي: والعمل علي هذا عند أهل العلم أنه يبدأ بالصفا قبل المروه. فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزه ويبدأ بالصفا (٣)
(الثالث) قطع كل ما بين الصفا والمروة. فلو بقى منها بعض خطوة لم يصح سعيه حتى لو كان راكبا اشترط أن يسير دابته حتى تضع حافرها على الجبل أو إليه. ويجب على الماشي أن يلصق ـ في الابتداء
стр. 3375
والانتهاء ـ رجلة بالجبل بحيث لا يبقى بينهما فرجة عند الشافعي (١) ويجب على الماشي أن يلصق ـ في الابتداء
(وقال) غيره: لا يطلب إلصاق العقب بالصفا والمروة , لأنه تنطع وتشديد وإنما المراعى في ذلك الشأن والعادة (٢)
(الرابع) كون السعي في المسعى (٣)
فلا يجوز السعي في غير موضعه لأنه مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف. وموضع السعي بطن الوادي. فأن التوي شيئا يسيرا أجزأه وأن عدل حتى دخل المسجد أو زقاق العطارين فلا (٤)
(الخامس) موالاة السعي بلا تفريق كثير عند مالك ورواية عن أحمد. فأن جلس خفيفا بين أشواطه للراحة أجزاه. وأن طال أو فعل ذلك عبثا ابتدأه. ولا يبيع ولا يشتري ولا يقف مع أحد يحدثه. فأن فعل وكان خفيفا لا يضر. وأن طال بطل وأعاده ولا يقطعه لإقامة صلاة بالمسجد إلا أن ضاق وقتها فيصليها ويبني. وأن دافعه البول أو الغائط توضأ وابتدأ السعي أن طال الفصل. والكلام فيه أخف من الكلام في الطواف (٥) (وقال) الحنفيون والشافعي والجمهور: الموالاة بين أشواط السعي سنة. وهو ظاهر مذهب أحمد. فلو تخلل فصل يسير أو طويل بينها
стр. 3376
لم يضر. ولو أقيمت الصلاة وهو في أثناء السعي قطعه وصلاها ثم بنى عليه (١).
(٢) واجبات السعي - للسعي واجبات أخر.
(منها) (١) المشي فيه مع القدرة عند الحنفيين ومالك. فلا يركب إلا لعذر لا يقدر معه على المشي أو لداع آخر كتعليم الناس. وعليه يحمل ما تقدم عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليًشرف وليسألوه فأن الناس غشوه (٢). فلو سعى راكباً بلا عذر لزمه هدى.
(وقال) الشافعي وأحمد: المشي في السعي سنة: لقول أبي الطفيل: قلت لابن عباس: حدثني عن الركوب بين الصفا والمروة , فأن قومك يزعمون أنه سنة. فقال: صدقوا وكذبوا. قلت: ما صدقوا وكذبوا ماذا؟ قال: قدم رسول الله ﷺ مكة فخرجوا حتى خرجت العواتق. وكان رسول الله ﷺ فطاف وهو راكب ولو نزل لكان المشى أحب إليه. أخرجه أحمد وهذا لفظه. وأخرجه مسلم وأبو داود والبيهقي مطولا (٣). ﴿١٦٧﴾
стр. 3377
فلو سعى راكبا جاز ولكنه خلاف الأولى ولا دم عليه. ولو سعى به غيرة محمولا جاز , لكن الأولى سعيه بنفسه أن لم يكن صغيراً أو له عذر كمرض.
(٢) ويجب على من طلب منه طواف القدوم تقديم السعي على الوقوف بعرفة عند مالك وأحمد. وهو سنة عند الحنفيين وجابر عند الشافعية.
(٣) ويجب على من لم يطلب منه طواف قدوم تأخير السعي عن طواف الركن عند مالك وأحمد. وهو سنة عند الحنفيين وجائز عند الشافعية.
(٣) سنن السعي - وللسعي سنن أخرى المذكور منها هنا أربع عشرة:
(١) يسن الخروج للسعي من باب الصفا.
(٢) وتسن الموالاة بين السعي والطواف عند الحنفيين ومالك وأحمد. فلو فرق بينهما ولو كثيراً جاز ولا دم عليه (وقالت) الشافعية: يجب عدم الفصل بينهما بالوقوف بعرفة. فأن تخللها الوقوف لم يجز السعي بعده قبل طواف الإفاضة بل يتعين حينئذ السعي بعد طواف الإفاضة.
(٣ - ٦) ويسن الصعود على كل من الصفا والمروة , والذكر والدعاء عليهما بما أحب. والمأثور أفضل, لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. ويصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو. ويصنع على المروة مثل ذلك. أخرجه الإمامان النسائي والبيهقي (١) ﴿١٦٨﴾
стр. 3378
(ويدعو) أي يدعو ثلاث مرات على المشهور عند الجمهور. قيل يكرر الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين (وقال) نافع: سمعت ابن عمر وهو على الصفا يدعو يقول: اللهم أنك قلت: أدعوني استجب لكم وأنك لا تخلف الميعاد. وأني أسألك كما هديتني للإسلام ألا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم. أخرجه مالك والبيهقي بسند صحيح على شرط الشيخين (١) ﴿٤٩﴾
«
وعن» نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول على الصفا: اللهم اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك , وجنبنا حدودك. اللهم اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين. اللهم حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى وأغفر لنا في الآخرة والأولى واجعلنا من أئمة المتقين. أخرجه البيهقي (٢) ﴿٥٠﴾
والمرأة في ذلك كالرجل عن لم تزاحم.
(٧ - ٩) ويسن في السعي المشي على هينته من الصفا إلى الميل الأول - وهو عمود بجوار باب البغلة - ثم يرمل الرجل إلى الميل الثاني وهو بجوار باب على. ثم يمشي إلى المروة , لحديث جابر أن النبي ﷺ كان إذا نزل من الصفا مشى حتى ذا أنصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه. أخرجه الإمامان والنسائي بسند جيد (٣) ﴿١٦٩﴾
стр. 3379
(١٠) ويسن الذكر والدعاء في السعي بما أحب. ومن المأثور: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم أنك أنت الأعز الأكرم. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
(١١ , ١٢) ويسن للسعي الطهارة من الحدث والنجس وستر العورة عند الأئمة الأربعة والجمهور. فلو سعى محدثا ولو حدثا أكبر أو متنجسا أو مكشوف العورة صح سعيه ولا دم عليه. لكن كشف العورة حرام. وكذا يحرم على الجنب والحائض , لأن المسعى ادخل في المسجد.
(١٣) ويسن للناسك أن يتحرى لسعيه وطوافه وقت الخلوة وإذا ازدحم الناس لزمه التحرز من إيذائهم. ويستحب للمرأة أن تسعى ليلا لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة. فأن طافت نهاراً اجاز وتسدل على وجهها ما يستره بلا مماسته البشرة (١).
(١٤) ويسن عند الجمهور الاضطباع في كل السعي.
(٤) مكروهات السعي - يكره في السعي أمور منها.
(١) ترك سنة من سننه.
(٢) ويكره صلاة ركعتين على المروة بعد السعي , لنه لم يثبت عن النبي ﷺ :
(٣) ويكره تكرير السعي , لأنه لا يشرع في الحج إلا سعي واحد لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لم يطف هو ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي (٢). ﴿١٧٠﴾
стр. 3380
(٥) كيفية السعي - إذا طاف الناسك وصلى ركعتين وشرب من ماء زمزم واستلم الحجر , يستحب أن يخرج من باب الصفا برجله اليسرى قائلا: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك , ثم يصعد على الصفا حتى يرى الكعبة ويستقبلها ويكبر ويهلل ويصلى على النبي ﷺ ويدعو بالمأثور , وبما احب من خيري الدنيا والآخرة كما تقدم (١) ثم ينزل من الصفا فيمشي على مهل قائلا: اللهم أحيني على سنة نبيك وتوفني على ملته وأعذني من مضلات الفتن برحمتك يا أرحم الراحمين. أخرجه البيهقي من قول ابن عمر (٢). ﴿٥١﴾
فإذا وصل بطن الوادي سعى بين الميلين الأخضرين سعياً شديداً قائلا: رب اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم. أخرجه البيهقي من قول ابن مسعود وابن عمر (٣) ﴿٥٢﴾
ثم يمشي على مهل حتى يصل المروة فيرقى عليها ويفعل كما فعل على الصفا. وهذا شوط. ثم يعود من المروة إلى الصفا وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط. وقد جاء في كيفية السعي أحاديث أجمعها حديث جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر ﵁ فذكر الحديث (في حج النبي ﷺ قال: ثم خرج من الباب إلى الصفا ثم قرأ «عن الصفا والمروة من شعائر الله» ثم قال: نبدأ بما بدأ الله به فرقى على الصفا حتى إذا نظر البيت كبر وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ,
стр. 3381
لا إله إلا الله وحده أنجر وعده وصدق عبده وغلب الأحزاب وحده ثم دعا ثم رجع إلى هذا الكلام. ثم نزل حتى إذا نصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فرقى عليها حتى نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصفا حتى كان آخر الطواف على المروة (١).
(٦) أصل مشروعية الطواف والسعي - الطواف والسعي من مناسك الحج وشعائره من عهد سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام. وقد ثبت أن هاجر أم إسماعيل سعت بين الصفا والمروة سبعا عند حاجتها للمساء حتى هداها الله تعالى إلى زمزم.
(قال) ابن عباس ﵄: أقبل إبراهيم بإسماعيل ﵉ وأمه وهي ترضه ومعها شنة حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاه فيه ماء , ثم قفي إبراهيم منطلقا , ثم قال: وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء , فلما نفد عطشت وعطش ولدها فجعلت تنظر إليه يتلوى , فانطلقت كراهة أن تنظر إليه , فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه , ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها , ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ,
стр. 3382
فنظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبعا , فذلك سعى الناس بينهما سبعاً (الأثر) أخرجه البخاري (١) ﴿٥٣﴾
وحكمة مشروعية الطواف والسعي , ما فيها من الأمر والطاعة وإحياء سنن المرسلين وتعظيم الشعائر التي أمر الله بتعظيمها «قالت» عائشة ﵂: قال النبي ﷺ : إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمى الجمار لإقامة ذكر الله. أخرجه أحمد وأبو داود والدارمي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (٢) ﴿١٧١﴾
«
وأما الرمل» فيهما والاضطباع فهما خاصان بهذه الأمة. والحكمة فيها إظهار نشاط المسلمين وقوتهم , «قال» ابن عباس ﵄: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب , فقال المشركون: أنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى. فأطلع الله النبي ﷺ على ما قالوا: فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين. فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم هؤلاء أجلد منا. قال ابن عباس: فلم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي والبيهقي (٣). ﴿١٧٢﴾
стр. 3383
(هـ) الحلق أو التقصير
هو الركن الخامس من أركان الحج على الصحيح عند الشافعية. وقال غيرهم: هو واجب يجبر تركه بدم. والمراد بالحلق إزالة شعر الرأس بأي آلة أو بالنورة أو بالنتف أو الإحراق. والأفضل كونه بالموسى أن أمكن. وأن لم يمكن كالأقرع وجب إمرار الموسى على رأسه عند الحنفيين (وقال) غيرهم: يسن إمراره أن أمكن , لما روي عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ في الأصلع: يمر الموسى على رأسه. أخرجه الدارقطني والبهيقي بسند فيه يحي بن محمد الجاري صدوق يخطئ. قال البهيقي: وروى ذلك عن عبد الله بن عمر العمرى عن نافع عن ابن عم كذلك موقوفاً (١) ﴿٥٤﴾
والمراد بالتقصير أن يأخذ الناسك ذكراً أو أنثى من شعر كل الرأس قدر الأنملة. والحلق والتقصير ثابتا بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: «لتدخلن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين (٢)» وعن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والبيهقي (٣) ﴿١٧٣﴾
«وعن» ابن عباس عن معاوية قال: قصرت عن رأس رسول الله
стр. 3384
صلى الله عليه وسلم عند المروة. أخرجه أحمد ومسلم (١) [١٧٤]
ويستحب ألا ينقص في الحلق عن قدر الأنملة من أطراف الشعر. والتخيير بين الحلق والقص في حق الرجل عند عدم العذر. فلو تعذر أحدهما لعارض تعين الآخر. هذا. ويتعين التقصير في حق المرأة , ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير. أخرجه أبو داود والدارقطني والطبراني والبيهقي بسند قوي وحسنه الحافظ ابن حجر (٢) ﴿١٧٥﴾
وهذا مجمع عليه. ويكره لهن الحلق عند الحنفيين والشافعي لأنه بدعة في حقهن وفيه مثلة (وقال) الجمهور: يحرم عليهم الحلق ولو بنت عشر سنين , لحديث على ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها. أخرجه الترمذي وقال: فيه اضطراب. وزاد رزين: فيا لحج والعمرة وقال: إنما عليها التقصير (٣) ﴿١٧٦﴾
وهذا أن لم يكن برأسها أذى. فأن كان جاز لها الحلق لضرورة كما يجوز لولى الصغيرة جداً حلق رأسها. ثم الكلام ينحصر في ستة مباحث:
(١) الحلق نسك - هو نسك واجب في الحج يجبر بالدم عند الحنفيين ومالك. وهو ظاهر مذهب أحمد. والأصح عند الشافعية أنه ركن يفسد
стр. 3385
الحج بتركه ولا يجبر بالدم (وروى) عن احمد وأبي يوسف والشافعي أنه ليس بنسك. وإنما هو إطلاق من محظور كان محرماً بالإحرام فأبيح عند الحل كاللباس والطيب وغيرهما من محظورات الإحرام. وعليه فلا شئ على تاركه مستدلين بقول أبي موسى الأشعري: قدمت على النبي ﷺ وهو نازل بالأبطح فقال: بم أهللت؟ قلت لبيك بحج كحج رسول الله ﷺ قال: أحسنت ثم قال لي: اذهب ثم طف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلل ففعلت ما أمرني (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان (١) ﴿١٧٧﴾
أمره النبي ﷺ بالإحلال من العمرة قبل الحلق فدل على أنه ليس بنسك (ورد) بأن الأمر بالإحلال مجمل بينه النبي ﷺ بما كان منه من الحلق والذبح. فلما كان الحلق مشهوراً استغنى عن ذكره. والصحيح أنه نسك , لحديث جابر ﵁ أنه حج مع النبي ﷺ وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا. (الحديث) أخرجه الشيخان (٢) ﴿١٧٨﴾
أمرهم بالتقصير والأمر للوجوب ولأن الله تعالى وصفهم به بقوله: محلقين رءوسكم ومقصرين. ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس وقتل الصيد.
стр. 3386
(٢) وقت الحلق - يجب كون الحلق في الحرم وفي أيام النحر عند أبي حنيفة ومالك وروى عن احمد , لقول معمر بن عبد الله العدوى: كنت أرحل لرسول الله ﷺ في حجة الوداع (الحديث) وفيه: فلما نحر رسول الله ﷺ هديه بمنى أمرني أن أحلقه (الحديث) أخرجه أحمد والطبراني في الكبير. وفي سنده عبد الرحمن بن عقبة مولى معمر ولم يوثق ولم يجرح (١) ﴿١٧٩﴾
فكان فعله ﷺ بيانا للمطلق في قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين فأن أخرجه عن أيام النحر ولو قليلا أو ناسياً فعليه دم , لأنه نسك عن أخره عن وقته (وقال) محمد بن الحسن والشافعي: يجب كون الحلق أو التقصير بالحرم دون أيام النحر. وهو مشهور مذهب أحمد. أما اختصاصه بالحرم فلقوله تعالى: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله (٢) ومحله الحرم , ولقوله تعالى: ثم محلها إلى البيت العتيق (٣).
وأما عدم اختصاصه بأيام النحر , فلحديث ابن عباس رضي الله
стр. 3387
عنهما أن رجلا قال للنبي ﷺ : زرت قبل أن أرمي. قال لا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح. قال لا حرج. قال: ذبحت قبل أن أرمي قال لا حرج. أخرجه البخاري (١) ﴿١٨٠﴾
وجه الدلالة أنه أجاز تقديم الحلق على الرمي. يدخل وقته من نصف ليلة النحر أو بطلوع فجر يومه على ما يأتي. فأن أخر الحلق عن أيام النحر جاز ولا دم عليه , لأن الله تعالى بين أول وقته بقوله: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله. ولم يبين آخره فمتى أتى به أجرأه.
(٣) مقدار ما يؤخذ من الرأس في النسك - يجب حلق أو تقصير كل الرأس , لقوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين , محلقين رءوسكم ومقصرين. والرأس اسم للجميع. فالآية تدل على طلب حلق كل الرأس أو تقصيره , لأنه ليس فيها ما يدل على التبغيض «وتقدم» عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع (٢). «وهو يدل» أيضاً على وجوب استيعاب حلق الرأس , لأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه وقال: خذوا عنى مناسككم. وهو مذهب مالك وأحمد وبه قال محققو الحنفيين (وقال) أبو حنيفة: يكفي حلق الربع أو تقصيره كالمسح في الوضوء (وعن) أبي يوسف يجب حلق النصف (وقال) الشافعي: يجزئ في الحلق والتقصير ثلاث شعرات. ولكن الدليل يقتضي وجوب الاستيعاب. وأما المرأة فتقصر من كل قرن مثل الأنملة عند الحنفيين والشافعي وأحمد (وقال) مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء ولا يجوز الاقتصار على بعضها.
стр. 3388
(٤) كيفية الحلق - يسن في الحلق أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق وأن كان على يسار الحلق , لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها , ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: خذوا وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر , ثم جعل يعطيه الناس. أخرجه أبو داود ومسلم والبيهقي. وهذا لفظهما (١) ﴿١٨١﴾
وبهذا قال الجمهور. ويستحب لمن حلق أو قصر أن يقلم أظفاره ويأخذ من شاربه , لما روى مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه. أخرجه البيهقي وقال: ورواه ابن جريح عن نافع وزاد فيه: وأظفاره (٢) ﴿٥٥﴾
(٥) فضل الحلق - هو في حق الرجل أفضل من التقصير بالإجماع. لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين , قالوا: والمقصرين؟ قال: والمقصرين. أخرجه الجماعة إلا النسائي (٣) ﴿١٨٢﴾
(٦) ثمرة الحلق - إذا حلق الحاج أو قص يوم النحر حل له كل شئ من محظورات الإحرام إلا الجماع ودواعيه القريبة كالقبلة واللمس بشهوة بخلاف النظر ولو إلى الفرج فأنه لا يجب به دم وأن أنزل ,
стр. 3389
لحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شئ إلا النساء. أخرجه احمد والدارقطني والبيهقي. وفي سنده ابن أرطاة متكلم فيه (١) ﴿١٨٣﴾
وفي الباب أحاديث كثيرة تقويه. وكلها تدل على أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر حل له كل شئ ما عدا النساء. وهذا هو التحلل الأصغر. والنحلل الأكبر يكون بطواف الإفاضة بعد ما ذكر , وبالسعي بين الصفا والمروة أن لم يكن سعى عقب طواف القدوم. فمتى فعل المحرم ذلك حل له كل شئ من محرمات الإحرام بالإجماع.
مجمل أركان الحج
قد علمت بيان خمسة منها (اثنان) متفق عليهما , وهما الوقوف بعرفة ومعظم طواف الإفاضة وباقيه ركن عند مالك والشافعي وأحمد. وواجب عند الحنفيين (٢) (وثلاثة) مختلف فيها وهى:
(أ) الإحرام وهو ركن عند مالك والشافعي وأحمد. وشرط عند الحنفيين.
(ب) والسعي بين الصفا والمروة. وهو ركن عند مالك والشافعي ورواية عند أحمد.
(ج) والحلق أو التقصير. وهو ركن عند الشافعي على الأصح من أنه نسك. وواجب عند الحنفيين ومالك وأحمد على ما تقدم (٣).
стр. 3390
وهذه الأركان (منها) ما يفوت الحج بتركه ولا يؤمر تاركه بشيء وهو الإحرام (ومنها) ما يفوت الحج بفواته ويؤمر تاركه بالتحلل من الحج بعمرة وبالقضاء في العام القابل وهو الوقوف بعرفة على ما يأتي بيانه في الإحصار والفوات أن شاء الله تعالى (ومنها) مالا يفوت الحج بفواته ولا يحلل منه أصلاحتى يؤديه. وهو طواف الإضافة والسعي والحلق. (وأما الترتيب) بين معظم الأركان فركن عند الشافعي وشرط عند غيرة. فيشترط تقديم الإحرام على جميعها , وتقديم الوقوف بعرفة على طواف الركن. ويشترط كون السعي بعد طواف صحيح ولا يشترط تقدم الوقوف بعرفة على السعي بل صحيح سعيه بعد طواف القدوم. وهو أفضل ولا ترتيب بين طواف الركن والحلق (١).
المقصد الرابع في واجبات الحج
وهى جمع واجب وهو هنا ما يجب بتركه دم ويصح الحج ولو تركه عمدا ولكنه يأثم.
وواجبات الحج كثيرة منها:
(أ) المتفق على وجوبه وهو أربعة: الإحرام من المقيات , ورمى الجمال , والذبح للمتمتع والقارن والبعد عن محرمات الإحرام.
(ب) ومنها ما قيل فيه بالوجوب وغيرة , وهو تسعة:
(١) التلبية. وهى واجبة في المشهور عن مالك , وشرط للإحرام لا يصح إلا بها عند الحنفيين. ويقوم مقامها ما في معناها , وسنة عند الشافعي وأحمد. وهو رواية عن مالك على ما تقدم (٢)(٢) وطواف القدوم - وهو واجب عند مالك وسنة عند غيرة كما تقدم (٣)
стр. 3391
(٣) وصلاة الطواف وهو واجبة بعد كل طواف عند الحنفيين وهو قول لمالك والشافعي. وسنة عند أحمد وهو الأصح عند الشافعي كما تقدم (١).
(٤) والسعي بين الصفا والمروة. وهو واجب يجبر بدم عند الحنفيين وهو الصحيح عند أحمد. وركن عند مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد كما تقدم (٢).
(٥) ومد الوقوف بعرفة - أن وقف نهارا - إلى ما بعد الغروب. وهو واجب عند الحنفيين ومالك وأحمد. وسنة عند الشافعي كما تقدم (٣).
(٧,٦) والمبيت بمزدلفة والوقوف بها.
(٨) والحلق أو التقصير. وهو ركن عند الشافعي. وواجب عند الثلاثة كما تقدم (٤).
(٩) وطواف الوداع. وهو واجب عند الحنفيين والشافعي وأحمد. وسنة عند مالك كما تقدم (٥). وهاك بيان ما لم يتقدم بيانه وهو ستة:
(أ) الإحرام من المقيات (٦) - وهو واجب اتفاقا , لحديث ابن عباس رض الله عنهما أن النبي ﷺ قال: لا تجاوزوا المقيات إلا بإحرام. أخرجه ابن أبى شيبة والطبراني في الكبير. وفي سنده خصيت الجزرى. وفيه كلام وقد وثقه جماعة (٧) ﴿١٨٤﴾
стр. 3392
" وعن أبى الشعثاء " أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز المواقيت غير محرم. أخرجه الشافعي والبهقى (١) ﴿٥٦﴾
(ب) المبيت بمزدلفة (٢) - المبيت بها ليلة النحر بعد النزول من عرفة واجب عند أحمد.
ويجب عند الشافعية البيات بها ساعة في الصف الثاني من الليل (وقال) الحنفيون ومالك: البيات بها سنة , لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ : ودفع ﷺ (يعنى من عرفة) وقد شنق للقصواء الزمام ويقول بيده المني: أيها الناس السكينة السكينة حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين
стр. 3393
ولم يسبح بينهما ثم اضطجع ﷺ حتى طلع الفجر (١). (ويستقط) وجوب المبيت بمزدلفة لعذر كضعف أو خوف زحام أو فوات رفقة , لقول عائشة رضى الله عنها: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة , فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع بليل فأذن لها , ووددت أنى كنت استأذنته فأذن لي. أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه (٢) ﴿١٨٥﴾
" وقال " ابن عباس رضى الله عنهما: أنا ممن قدم النبي ﵌ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. أخرجه الشافعي وأحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه (٣) ﴿١٨٦﴾
والمعنى ابن عباس رضى الله عنهما كان من الضعفة الذين أذن لهم النبي ﷺ أن يخرجوا من المزدلفة ليلا إلى منى. وهذا إذن عام لكل ضعيف في الدفع إلى منى قبل الفجر لرمى جمرة العقبة قبل الزحام. وهذا متفق عليه.
(ج) الوقوف بمزدلفة - يجب الوقوف بها بعد طلوع فجر يوم النحر وقبل طلوع الشمس عند الحنفيين وأحمد وروى عن الشافعي , لحديث على رضى الله عنه أن النبي ﷺ أتى جمعا فصلى بهم
стр. 3394
الصلاتين المغرب والعشاء ثم بات حتى أصبح , ثم أتى قزح فوقف عليه فقال: هذا الموقف وجمع كلها موقف (الحديث) أخرجه أحمد - وهذا لفظه - وأبو داود الترمزى
وقال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد رواه غير واحد عن الثوري مثل هذا. والعمل على هذا (١) ﴿١٨٧﴾
" وعن جابر " رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: لتأخذوا مناسككم (٢) فإذا ضم هذا إلى ما قبله دل على وجود الوقوف بمزدلفة. (وقال) مالك الوقوف بما سنة لا دم في تركه. وهو المشهور عند الشافعية ثم الكلام ينحصر في خمسة مباحث:
(١) ركن الوقوف بمزدلفة - وهو وجود الحاج بوادي مزدلفة ولو محمولا أو ناعما أو مغمى عليه أو على دابة وأن لم يعلم أمها مزدلفة لأنها لا يفوته حينئذ إلا النيبة وهى ليست شرطا. وأو مر بها بلا وقوف كفي. ولا يشترط له الطهارة عن الجنابة والحيض , لأنه عبادة لا تتعلق بالكعبة فتصح بلا طهارة كالوقوف بعرفة.
(٢) مكانه - يصح الوقوف بأي جزء من مزدلفة إلا وادي محسر , لما تقدم عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: كل عرفات موقف وار فعور عن بطن عرفة. وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر (٣) (الحديث)
стр. 3395
(وقد) استبدل الناس بالوقوف على قزح الوقوف على بناء مستحدث في وسط المزدلفة. والصحيح صحة الوقوف عليه لحديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال: وقفت هاهنا بعرفة وعرفة كلها موقف. ووقفت هاهنا بجمع وجمع كلها موقف أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه (١) ﴿١٨٨﴾
والمعنى وقفت على قزح وجميع المزدلفة موقف , لكن أفضلها قزح. والسنة استمرار الوقوف على قزح للذكر والدعاء إلى أن يسف الصبح إسفارا واضحا , لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ : وصلى الفجر " يعنى بالمزدلفة " حين تبين له الصبح بآذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فحمد الله وكبرة وهلله ووحدة ودعاه فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس (٢).
(٣) وقت الوقوف بمزدلفة - وقته من طلوع فجر يوم النحر إلى طلوع شمسة , لقول عمرو بن ميمون: صلى بنا عمر بجمع الصبح ثم وقف وقال: أن المشركين كانوا لا يفيضوا من جمع حتى تطلع الشمس , وأن رسول الله ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل تطلع الشمس. أخرجه السبعة إلا مسلما وهذا لفظ أحمد. وقال الترمذى: هذا حديث صحيح (٣) ﴿١٨٩﴾
стр. 3396
فمن وجد بمزدلفة في هذا الوقت , فقد أدرك الوقوف وأن لم يبت بها. ومن لم بوجد بها فيه فاته الوقوف عند الجمهور. وقال الشافعي: يجوز الوقوف بمزدلفة في النصف الأخير من ليلة النحر (١).
(٤) سنن الوقوف بمزدلفة - يسن لذلك ستة أمور:
(١) يسن الغسل للوقوف بمزدلفة بعد نصف الليل فأن لم يجد ماء تيمم (وهذه) الليلة جمعت أنواعاً من الفضل (منها) شرف الزمان والمكان , فأن مزدلفة من الحرم وقد اجتمع فيها وفد الله ومن لا يشقى بهم جليسهم. فيطلب إحياؤها بأنواع العبادة من صلاة وتلاوة وذكر ودعاء وتضرع (٢).
(٢) ويسن التعجيل بصلاة الصبح ليتسع وقت الوقوف بمزدلفة ولما تقدم عن جابر (٣).
(٣) ويسن أن يأتي المشعر الحرام ويقف عنده أو يرقى عليه مستقبلا القبلة داعياً ذاكراً ملبياً , لما تقدم في حديث جابر (٤) (ومما يدعى) به في المشعر: اللهم كما وقفتنا فيه ورأيتنا إياه؛ فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك: فإذا أفضتم من عرفات اذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وأن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله أن الله غفور رحيم (٥) ويكثر من قوله: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
стр. 3397
(٤) ويستحب النزول من مزدلفة بعد الإسفار جداً وقبل طلوع الشمس عند الحنفيين والشافعي وأحمد والجمهور , لما تقدم عن عمرو بن ميمون أن عمر ﵁ قال: أن المشركين كانوا لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس وأن رسول الله ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس (١).
(وقال) مالك: يدفع من مزدلفة قبل الإسفار. والحجة مع غيره.
(٥) ويستحب أن يسير بسكينة ووقار في غير وادي محسرٍ , لما في حديث مقسم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أتى جمعاً ثم أردف الفضل بن عباس وقال: أيها الناس أن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم بالسكينة. فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى مني. هذا عجز حديث وأخرجه أبو داود والبيهقي (٢) ﴿١٩٠﴾
(٦) ويستحب الإسراع بوادي محسرٍ لو ماشيا وتحريك دابته لو راكبا قدر رمية حجر اقتداء بالنبي ﷺ (فقد) روى جابر أن النبي ﷺ أوضع في وادي محسر. أخرجه النسائي (٣) ﴿١٩١﴾
«وعن» نافع أن ابن عمر ﵄ كان يحرك راحلته في بطن محسر قدر رمية بحجر. أخرجه مالك والبيهقي (٤). ﴿٥٧﴾
стр. 3398
وحكمة مشروعية الإسراع ببطن محسر أن النصارى كانت تقف به فخالفهم النبي ﵌ بالإسراع فيه «روى» المسور بن مخرمة أن عمر ﵁ كان يوضع ويقول:
إليك تعدو قلقاً وضينها
مخالفا دين النصارى دينها
أخرجه البيهقي (١) ﴿٥٨﴾
ويستحب للمار بوادي محسر أنشاد هذا البيت.
(٥) فوت الوقوف بمزدلفة - أن فات لعذر مما تقدم فلا بأس لأن النبي ﷺ قدم ضعفه أهله ولم يأمرهم بالفدية. وأن كان فواته لغير عذر فعليه دم عند من قال بوجوبه.
(د) رمي الجمار - الجمار جمع جمرة , وهي الحجر الصغير. ورميها لغة القذف بالحصى وشرعا القذف بالحصى في زمان ومكان وعدد مخصوص كما يأتي بيانه أن شاء الله تعالى (والجمار) التي ترمي ثلاث بمنى. الصغرى التي تلي مسجد الخيف , والوسطى بينها وبين جمرة العقبة. والكبرى جمرة العقبة (٢) ثم الكلام ينحصر في خمسة عشر مبحثاً.
стр. 3399
(١) حكم الرمي - يجب رمي جمرة العقبة يوم النحر ورمي الجمار الثلاث كل يوم من أيام التشريق الثلاث , لحديث جابر أن النبي صلى الله يوجد رسمة عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحى , ورمى في سائر أيام التشريق بعد ما زالت الشمس. أخرجه السبعة والبيهقي وقال الترمذي:
стр. 3400
هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿١٩٢﴾
«وقال» عبد الرحمن بن عثمان التيمي: امرنا رسول الله ﷺ أن نرمي الجمار بمثل حصى الحذف في حجة الوداع. أخرجه الطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (٢) ﴿١٩٣﴾
(ولذا) اتفق الأئمة الأربعة والجمهور على أن رمي الجمار واجب يجبر بدم.
(٣) وقت الرمي - أيام الرمي أربعة: يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة.
(أ) أما يوم النحر فترمى فيه جمرة العقبة فقط. ولرميها أربعة أوقات (وقت) أداء من طلوع فجر يوم النحر إلى فجر اليوم الثاني (ووقت) استحباب من طلوع شمس يوم النحر إلى الزوال. (ووقت) إباحة من زواله إلى الغروب (ووقت) كراهة قبل طلوع شمسه وبعد غروبها عند عدم العذر , وإلا فلا كراهة في رمي الضعفة قبل طلوع الشمس , ولا في رمي الرعاة ليلا , لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ كان يأمر نساءه وثقله من صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد وألا يرموا الجمرة إلا مضجعين. أخرجه الطلحاوي والبيهقي (٣). ﴿١٩٤﴾