هذا قبل فرض الصلوات الخمس. فلما فرضت نسخت هذه كما نَسَخَت الزكاةُ كلَّ صدقة، وصومُ رمضان كلَّ صوم أهـ (١).
(وقال) الحربى: إنّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل الغروب وصلاة قبل طلوع الشمس (٢).
هذا. وقد فرضت الصلاة الرباعية أولا ركعتين ثم أربعاً (قالت) عائشة رضى الله عنها: " فُرِضَت الصلاة ركعتين ثم هاجر فُفرِضت أربعاً وتُرِكتْ صلاةُ السفر على الأولى " أخرجه البخارى وأحمد وزاد من طريق ابن كيسان إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا (٣). ﴿٧﴾
ويأتى تمامه فى مبحث (صلاة المسافر) إن شاء الله تعالى. ثم الكلام بعد ينحصر فى أربعة عشر بحثاً:
(الأول) أقسام الصلاة
هى ثلاثة عند الحنفيين: فرض وواجب ونفل. وهو يشمل المسنون والمندوب وعند غيرهم فرض ونفل (فالفرض) قسمان: (أ) عينى وهو ما يُلَزُم بتحصيله كلُّ من كُلِّف به كالصلوات الخمس والجمعة. (ب) فرض كفائى وهو ما يَلزم تحصيلُه فى ذاته. فإن أدّاه البعض سقط الطلب عن
стр. 527
الجميع كصلاة الجنازة وإلا أثم الكل (والواجب) قسمان: (أ) واجب لعينه وهو مالا يتعلق وجوبه بعارض كالوتر وصلاة العيدين وسجدة التلاوة.
(ب) واجب لغيره وهو ما يتعلق وجوبه بعارض كسجدتى السهو وركعتى الطواف وقضاء نفل أفسده والمنذور (والنفل) قسمان: مؤكد كركعتى الفجر. وغير مؤكد كأربع قبل العصر.
(الثانى) سببها (وقتها)
السبب الحقيقى لافتراض الصلاة، إيجاب الله تعالى فى الأزل. لكن لما كان غيبيا عنا جعل الله تعالى لها أسبابا ظاهرية تيسيرا وهى الأوقات. قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١)، أى زوالها، وقال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ﴾ (٢)، وقد جاء بيان أوقات الصلاة المكتوبة فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: " أمّنى جبريلُ ﵇ عند البيتِ مرتين: فصلّى بىَ الظهرَ حين زالت الشمس وكانت قدرَ الشِّراك. وصلى بىَ العصرَ حين كان ظِلُّ كلِّ شئ مثله. وصلّى بى المغربَ حين أفطر الصائمُ. وصلى بى العشاءَ حين غاب الشفقُ. وصلى بى الفجرَ حين حرُم الطعامُ والشرابُ على الصائم. فلما كان الغدُ صلى بى الظهرَ حين كان ظلّ كل شئ مثلَه. وصلى بى العصرَ حين كان ظلُّه مِثْليه. وصلى بى المغربَ حين أفطر الصائم. وصلى بى العشاءَ إلى ثُلثِ الليل. وصلى بى الفجر فأسفرَ. ثم التفت إلىّ وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين " أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى
стр. 528
وابن حبان والحاكم بسند صحيح والترمذى وقال: حديث حسن وصححه ابن عبد البر (١). ﴿٨﴾
وهناك بيان الأوقات على ترتيب الحديث:
(أ) وقت الظهر: دل الحديث على أن أول وقت الظهر زوال الشمس عن وسط السماء فى رأى العين، ومتفق عليه، وأن آخره أن يصير ظل كل شئ مثله (وقد اختلف) العلماء فى هذا (فقال) مالك وطائفة: إن وقت الظهر يبقى بعد أن يصير ظل الشئ مثله قدر أربع ركعات، ويدخل وقت العصر به، لقوله فى الحديث "فلما كان الغد صلّى بىَ الظهر حين كان ظلّ الشئ مثلّه " وقد صلى العصر فى اليوم الأوّل حين صار ظل كل شئ مثله. فظاهره اشتراكهما فى قدر أربع ركعات (وقال) النعمان: آخر وقت الظهر إذا صار ظل الشئ مثليه سوى ظل الزوال. لكنه خلاف ظاهر الحديث. ولذا قال أبو يوسف ومحمد والشافعى والجمهور: إنه لا اشتراك بين الظهر والعصر فى الوقت، بل متى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشئ مثلَه - غير ظل الزوال - دخل وقت العصر (لحديث) عبد الله بن عمرو أنّ النبى ﷺ قال: " وقتُ الظهر إذا زالت الشمسُ وكان ظلّ الرجلِ كطوله ما لم يحضُر العصرُ " أخرجه أحمد ومسلم والنسائى وأبو داود (٢). ﴿٩﴾
стр. 529
(وأجابوا) عن حديث ابن عباس بأن معناه فرغ من الظهر فى اليوم الثانى حين صار ظل الشئ مثله وشرع فى العصر فى اليوم الأوّل حينذاك. فلا اشتراك بينهما. فهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث، ولأنه إذا حمل على الاشتراك يكون آخر وقت الظهر مجهولا، لأنه إذا ابتدأ بها حين صار ظل كل شئ مثله، لم يعلم متى فرغ منها. وحينئذ لا يحصل بيان حدود الأوقات. وإذا حمل على ذلك التأويل حصل معرفة آخر الوقت وانتظمت الأحاديث (١) وهذا تأويل حسن لو لم يعارضه ما فى حديث جابر أن جبريل أتى النبى ﷺ يُعلّمه مواقيتَ الصلاة، فتقدّم جبريل ورسولُ الله ﷺ خلفَه والناسُ خلف رسول الله ﷺ . فصلى الظهر حين زالت الشمس. وأتاه حين كان الظلّ مثلَ شخْصه فصنع كما صنع. فتقدّم جبريل ورسولُ الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العصر (الحديث) وفيه: ثم أتاه فى اليوم الثانى حين كان ظلُّ الرجل مثل شخصه فصنع كما صنع بالأمس فصلى الظهر. ثم أتاه جبريل حين كان ظل الرجل مثلى شخصه فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصر " أخرجه النسائى (٢). ﴿١٠﴾
فهذا صريح فى أنه تقدم للظهر فى اليوم الثانى بعد صيرورة ظل الرجل مثل شخصه كما صنع فى العصر فى اليوم الأول.
(فائدة) طريق معرفة الزوال أن يُنصَب عود مستقيم على أرض مستوية ويجعل عند منتهى الظل علامة، فما دام ظل العود ينقص فالشمس لم تزل
стр. 530
ومتى وقف فهو وقت الاستواء. وحينئذ تجعل علامة على رأس الظل. فما بين العلامة وأصل العود هو المسمى فئ الزوال. وإذا أخذ الظل فى الزيادة، علم أن الشمس زالت، فتوضع علامة على رأس الزيادة. فإذا صار ظل العود مثله من العلامة - لا من العود - جاء وقت العصر.
هذا. ويستحب الإبراد بظهر الصيف (أى تأخير صلاته عن أوّل وقتها إلى أن تنكسر شدة الحر) بشرط أن يُصَلَّى قبل أن يصير الظل مثله. ويستحب تعجيل ظهر الشتاء عند الجمهور ومنهم الحنفيّون (لحديث) أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " إذا اشتد الحر فأبرِدوا بالصلاة (وفى رواية بالظهر) فإن شدة الحر من فيح جهنم " أخرجه مالك وأحمد الشيخان (١). ﴿١١﴾
(وقال) أبو خلْدة خالد بن دينار: صلى بنا أميرنا الجمعة ثم قال لأنس: كيف كان النبى ﷺ يصلى الظهر؟ قال: " كان إذا اشتد البرد بكّر بالصلاة. وإذا اشتد الحر أبرد الصلاة " أخرجه البخارى (٢). ﴿١٢﴾
стр. 531
والجمعة كالظهر. والأمر فى الحديث للندب عند الجمهور وقيل للإرشاد. والقرينة الصارفة له عن الوجوب: الأحاديث الدالة على أنه ﷺ صلى الظهر بالهاجرة (شدة الحر) وأيضاً لما كانت الحكمة فى الإبراد دفع المشقة عن المصلى، كان ذلك من باب النفع له، فلو كان الأمر للوجوب لكان حرجاً وتضييقاً عليه، فيعود الأمر عليه بالضرر (وظاهر) الأحاديث يدل على أنه لا فرق فى الإبراد بظهر الصيف بين الجماعة والمنفرد والبلاد الحارة وغيرها. وبه قال الحنفيون وأحمد وإسحاق (وقال) أكثر المالكية: الأفضل للمنفرد التعجيل. لكن مقتضى التعليل الذى يتسبب عنه ذهاب الخشوع أنه لا فرق بين المنفرد وغيره (وخصه) الشافعى بالبلد الحار لظاهر التعليل. وقيد الجماعة بما إذا كانوا يأتون المسجد من بعيد. أما إذا كانوا مجتمعين أو يمشون فى ظل، فالأفضل التعجيل. لكن ظاهر الأحاديث عدم الفرق (وقال) الهادى والقاسم وغيرهما: تعجيل الظهر أفضل مطلقاً متمسكين بأحاديث أفضلية أول الوقت كحديث ابن مسعود قال: " سألت النبى ﷺ أى العمل أفضل؟ قال: الصلاة فى أول وقتها " أخرجه الدار قطنى والحاكم وقال: هو صحيح على شرط الشيخين (١). ﴿١٣﴾
وبحديث خباب قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشكنا. أخرجه أحمد ومسلم والنسائى والبيهقى وابن المنذر، وزاد: وقال إذا زالت الشمس فصلوا (٢). ﴿١٤﴾
(وتأولوا حديث) الإبراد بأن معنى أبردوا: صلوا أول الوقت أخذا من
стр. 532
برد النهار وهو أوله. وهو تأويل بعيد يرده التعليل بشدة الحر (ويجاب) (أ) بأن الأحاديث الواردة فى تعجيل الظهر وأفضلية أول الوقت عامة أو مطلقة وحديث الإبراد خاص أو مقيد، ولا تعارض بين عام وخاص ولا بين مطلق ومقيد. فتأخير الظهر عن أول وقتها مطلوب فى شدة الحر. ويطلب التعجيل فيما عدا ذلك. (ب) عن حديث خباب بأنه منسوخ بحديث المغيرة بن شعبة قال: صلى بنا النبى ﷺ صلاة الظهر بالهجير ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة. أخرجه أحمد وابن ماجه بسند صحيح وابن حبان فى صحيحه والطحاوى (١). ﴿١٥﴾
وقال: فأخبر المغيرة أن أمر النبى صلى الله عليبه وسلم بالإبراد بالظهر بعد أن كان يصليها فى الحر فثبت بذلك نسخ تعجيل الظهر فى شدة الحر أهـ أو يحمل حديث خباب على أن القوم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد. لأن الإبراد أن يؤخر بحيث يصير للحيطان ظل يمشون فيه ويتناقص الحر (وقال) النووى: اختلف العلماء فى الجمع بين هذين الحديثين فقال بعضهم: الإبراد رخصة والتقديم أفضل. واعتمدوا حديث خباب،
وحملوا حديث الإبراد على الترخيص والتخفيف فى التأخير (وبهذا قال) بعض أصحابنا وغيرهم أهـ (٢) (أقول) والظاهر أن حديث الإبراد خباب منسوخ. ولو سلمنا جهل التاريخ وعدم معرفة المتأخر فأحاديث الإبراد أرجح، لأنها فى الصحيحين وغيرهما بطرق متعددة. وحديث خباب فى مسلم فقط. ولا شك أن المتفق عليه مقدم. وكذا ما جاء من طرق.
стр. 533
(ب) وقت العصر: يدخل وقته بصيرورة ظل الشئ مثله بعد الزوال لحديث جبريل السابق وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد وأبى يوسف ومحمد وزفر والطحاوى. ورواية الحسن بن زياد عن النعمان. وبه يفتى عند الحنفيين.
(وروى) محمد عن النعمان أن وقت العصر إنما يدخل بصيرورة ظل الشئ مثليه مستدلا بقول النبى ﷺ : أبردوا بالظهر بمعنى صلوها إذا سكنت شدة الحر. واشتداد الحر فى بلادهم يكون وقت صيروة ظل الشئ مثله ولا يفتر الحر إلا بعد المثلين (ورد) بأن هذا غير مسلم (قال) أبو ذر: كنا مع النبى ﷺ فى سفر فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال أبرد ثم أراد أن يؤذن فقال: أبرد مرتين أو ثلاثا حتى رأينا فئ التلول (الحديث) أخرجه الشيخان وأبو داود (١). ﴿١٦﴾
فقوله: حتى رأينا فئ التلول يدل على أن نهاية الإبراد مجرد ظهور الظل لا صيرورة ظل الشئ مثله. على أن الأحاديث الكثيرة الصحيحة صريحة فى أن وقت العصر يدخل بصيرورة ظل الشئ مثله وأحاديث المثلين ليست صريحة فى أنه لا يدخل وقت العصر إلا بصيرورة ظل الشئ مثليه. وإنما استنبط منها ما ذكر. والمستنبط لا يعارض الصريح. ولذا روى رجوع النعمان
стр. 534
إلى قول الجمهور (واختلف) فى آخر وقت العصر (فقال) الجمهور آخر وقته غروب الشمس (لحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من أدرك ركعة من العصر قبل أن ترعب الشمس. فقد أدرك العصر. أخرجه الستة وقال الترمذى: حسن صحيح (١) ﴿١٧﴾
(وقال) الاصطخرى: آخره مصير ظل الشئ مثليه ويكون قضاء بعده، مستدلا بحديث جبريل أنه صلى العصر فى اليوم الأول عند مصير ظل الشئ مثله، وفى اليوم الثانى عند مصير ظل الشئ مثليه ثم قال " الوقت ما بين هذين الوقتين (وأجاب) الجمهور بحمل قوله فى حديث جبريل " الوقت ما بين هذين (٢) " على الوقت غير المكروه. ولذا قالوا تأخير المغرب مطلقا مكروه. وكذا تأخير العشاء إلى ما بعد نصف الليل. وليس المراد فى حديث جبريل استيعاب وقت الاضطرار والجواز، وهذا التأويل لابد منه جمعا بين الأحاديث. فمن كان مضطرا امتد وقت العصر فى حقه إلى الغروب. وغير المعذور يصلى ما دامت الشمس بيضاء نقية. فإن أخر العصر إلى ما بعد الاصفرار كره.
(قال) العلاء بن عبد الرحمن: دخلنا على أنس بن مالك فقام يصلى العصر فلما فرغ ذكرنا تعجيل الصلاة فقال: سمعت النبى ﷺ يقول: تلك الصلاة المنافقين ثلاثا. يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرنى شيطان، قام فنقر أربعا لا يذكر الله
стр. 535
فيها إلا قليلا. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (١) ﴿١٨﴾
(وفى الحديث) التنفير من الإسراع فى الصلاة، وعدم إكمال الاطمئنان والخشوع والأذكار المطلوبة فيها.
(فائدة) قال النووى: للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة وهو أول وقتها. ووقت اختيار يمتد إلى أن يصير ظل الشئ مثليه. ووقت جواز بلا كراهة إلى الاصفرار. ووقت جواز مع كراهة حال الاصفرار إلى الغروب ووقت عذر وهو وقت الظهر لمن جمع بين الظهر والعصر جمع تقديم لسفر أو مطر. ويكون فى هذه الأوقات أداء. فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاء (٢) (والمشهور) عند المالكية أن تأخير العصر إلى وقت الاصفرار وما بعده إلى الغروب لا يجوز إلا لذى عذر كحائض ونفساء فهو وقت ضرورة. و (جملة) القول عندهم أن للظهر وقتين: (أ) وقت اختيارى من الزوال إلى ما يسع أربع ركعات بعد صيرورة ظل كل شئ مثله (ب) وقت ضرورة لذى العذر وهو ما بعد ذلك إلى ما قبل الغروب بما يسع خمس ركعات. وللعصر وقتان:
(أ) وقت اختيار من صيرورة ظل
стр. 536
كل شئ مثله إلى الاصفرار. (ب) وقت ضرورة لذى العذر من الاصفرار إلى الغروب (وقال) الحنفيون: يستجب تأخير العصر صيفا وشتاء فى غير يوم الغيم إلى ما قبل اصفرار الشمس. ويكره تأخيرها إلى الاصفرار وما بعده، (لقول) على بن شيبان: قدمنا على رسول الله ﷺ فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. أخرجه أبو داود. وفى سنده يزيد بن عبد الرحمن بن على بن شيبان. وهو مجهول (١) ﴿١٩﴾
(ج) وقت المغرب: يدخل وقت صلاة المغرب بغروب الشمس وهو مجمع عليه، لحديث سلمة بن الأكوع أن النبى ﷺ كان يصلى المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. أخرجه السبعة إلا النسائى وقال الترمذى حسن صحيح (٢). ﴿٢٠﴾
(واختلفوا) فى آخره: فمشهور مذهب المالكية أن وقتها المختار ينتهى بمضى ما يسعها بعد الأذان والإقامة وتحصيل شروطها. وهى الطهارة من الحد والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة. وبه قال الأوزاعى والشافعى فى الجديد، لحديث جبريل السابق. ففيه أنه ﵇ صلى بالنبى ﷺ المغرب فى اليومين حين أفطر الصائم (ومشهور) مذهب الشافعية أنه يمتد وقتها إلى قبيل مغيب الشفق الأحمر. وبه قالت الحنبلية وأبو يوسف ومحمد. وهو قول للمالكية ورواية عن النعمان، لحديث ابن عمر أن النبى ﷺ قال: الشفق الحمرة فإذا غاب
стр. 537
الشفق وجبت العشاء. أخرجه الدار قطنى وابن خزيمة وصححه والبيهقى (١) ﴿٢١﴾
وفى حديث ابن عمرو أن النبى ﷺ قال: ووقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق (٢) (والمشهور) عن النعمان أنه يمتد إلى مغيب الشفق الأبيض (لما فى) حديث أبى هريرة: وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس. وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق. أخرجه أحمد والنسائى والترمذى والدار قطنى والطحاوى والحاكم وقال: صحيح الإسناد وصححه ابن السكن (٣). ﴿٢٢﴾
والمراد بالأفق الشفق ففى رواية الترمذى " وإن آخر وقتها حين يغيب الشفق. فلا يدل على الدعوى لأن الشفق الحمرة. ولا تنافى بين أحاديث الشفق وحديث جبريل، لأنها محمولة على وقت الجواز. وهو محمول على وقت الفضيلة. والراجح القول بانتهاء وقت المغرب بمغيب الشفق الأحمر، لقوة أدلته.
واتفقوا على استحباب تعجيل المغرب، لحديث جبريل، ولحديث أبى أيوب أن النبى ﷺ قال: " بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجوم " أخرجه أحمد والطبرانى بسند رجاله ثقات (٤) ﴿٢٣﴾
(قال) النووى: إن تعجيل المغرب عقيب غروب الشمس مجمع عليه
стр. 538
(وأما) الأحاديث الواردة فى تأخير المغرب إلى قرب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير وأحاديث التعجيل المذكورة فى هذا الباب وغيره إخبار عن عادة رسول الله ﷺ المتكررة التى واظب عليها إلا لعذر فالاعتماد عليها أهـ بتصرف (١).
(د) وقت صلاة العشاء: أول وقت العشاء من مغيب الشفق الأحمر أو الأبيض على الخلاف السابق. والراجح الأول (قال) ابن سيد الناس فى شرح الترمذى: وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول. وهو الذى حدّ ﵇ خروج أكثر الوقت به. فصح يقيناً أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين. فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذى هو البياض. فتبين بذلك يقيناً أنّ الوقت داخل بالشفق الذى هو الحمرة (٢) وأما الآخر وقتها الاختيارى فثلث الليل الأول عند الشافعى فى أحد قوليه. وهو مشهور مذهب المالكية، لما فى حديث جبريل (٣) (وقال) الشافعى فى أحد قوليه: إن آخر وقتها الاختيار نصف الليل وهو رواية عن مالك. لقوله فى حديث عبد الله بن عمرو " ووقت العشاء إلى نصف الليل (٤) " (ولقول) أنس: أخَّر النبى ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: قد صلى الناس وناموا. أَمَا إنكم فى صلاة ما انتظرتموها. قال أنس: كأنى أنظر إلى وبيص خاتمه لَيْلَتَئِذٍ " أخرجه الشيخان (٥) ﴿٢٤﴾
стр. 539
(ولحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " لولا أن أشُقَّ على أمتى لآمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه " أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذى وصححه (١) ﴿٢٥﴾
وهو نص فى أن ترك التأخير إنما هو للمشقة (قال) النووى التأخير المذكور فى الأحاديث كلُّه تأخير لم يخرج به عن وقت الاختيار. وهو نصف الليل أو ثلث الليل (٢) (وقد) اختلف العلماء فى أن الأفضل تقديمها أو تأخيرها. وهما قولان لمالك والشافعى. فمن فضل التأخير احتج بهذه الأحاديث، ومن فضل التقديم، احتج بأن العادة الغالبة لرسول الله ﷺ هى التقديم. وإنما أخرها فى أوقات يسيرة لعذر أو لبيان الجواز. ولو كان تأخيرها أفضل مطلقاً لواظب عليه وإن كان فيه مشقة (٣).
وينبغى للإمام أن يعجل بها إذا اجتمع الناس فى أول الوقت وأن يؤخرها إذا تأخروا (لقول) جابر: " كان النبى ﷺ يُصلى الظهر بالهاجِرة والعصرَ والشمسُ نقّية. والمغربَ إذا وجبت الشمسُ. والعشاء أحيانا يؤخّرها وأحياناً يعِّجلُ. كان إذا رآهم اجتمعوا عجَّل. وإذا رآهم أبطئوا أخّر. والصبح كانوا أو كان النبى ﷺ يصليها بغلَسٍ " أخرجه أحمد والشيخان (٤) ﴿٢٦﴾
стр. 540
(فالحديث) يدل على استحباب تأخير صلاة العشاء إذا لم يجتمع المصلون. والمبادرة بالصلاة عند اجتماعهم.
(وأما) وقت الجواز والاضطرار فهو ممتدّ إلى الفجر، لما فى حديث أبى قتادة من قوله ﷺ : " أمَا إنه ليس فى النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى " أخرجه مسلم (١) ﴿٢٧﴾
فإنه ظاهر فى امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، إلا أن صلاة الصبح مخصوصة من هذا العموم، لإجماعهم على أن وقتها ينتهى بطلوع الشمس، ولقوله ﷺ : " ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس (٢) " وتقدم الجواب عن حديث جبريل.
(فائدتان) (الأولى) قالت المالكية: للمغرب وقتان:
(أ) وقت اختيار، من الغروب إلى ما يسع أداء المغرب بعد تحصيل شروطه من الطهارة وغيرها كما تقدم. وقيل إلى مغيب الشفق الأحمر.
(ب) وقت ضرورة - لذى العذر كالحائض والنفساء - يكون بعد الاختيارى إلى أن يبقى ما يسع أربع ركعات قبل الفجر. وللعشاء وقتان:
(أ) وقت اختيار، من مغيب الشفق الأحمر إلى ثلث الليل. وقيل إلى نصفه.
(ب) وقت ضرورة - لذى العذر - من ثلث الليل أو نصفه إلى الفجر.
(الثانية) يكره النوم قبل صلاة العشاء والكلام بعدها إلا فى مصلحة، (لحديث) أبى بَرْزة الأسلَمىِّ: "أنِّ النبى ﷺ كان يَستحِب
стр. 541
أن يُؤَخِّرَ العشاءَ التى يسمونها العتَمة. وكان يكره النومَ قبلها والحديثَ بعدها " أخرجه السبعة وقال الترمذى: حسن صحيح (١). ﴿٢٨﴾
(وقال) ابن سيد الناس فى شرح الترمذى: وقد كرهه جماعة وأغلظوا فيه: منهم عمر وابنه وابن عباس. وإليه ذهب مالك (ورخص) فيه بعضهم. منهم علىّ وأبو موسى وهو مذهب الكوفيين (وشرط) بعضهم أن يجعل معه من يوقظه لصلاتها. وروى عن ابن عمر مثله. وإليه ذهب الطحاوى (وقال) ابن العربى: إنّ ذلك جائز لمن علم من نفسه اليقظة قبل خروج الوقت بعادة أو يكون معه من يوقظه (والحكمة) فى كراهة النوم قبلها، لئلا يذهب النوم بصاحبه ويستغرقه فتفوته أو يفوته فضل وقتها المستحب، أو يترخص فى ذلك الناس فينامون عن إقامة جماعتها (٢) (واحتج) من قال بالجواز بلا كراهة (بحديث) عائشة أنّ رسول الله ﷺ أعْتَمَ بالعشاء حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان والنسائى (٣) ﴿٢٩﴾
وجه الدلالة أنهم ناموا قبل العشاء ولم ينكر عليهم (لكن) قال ابن سيد الناس: وما أرى هذا من هذا الباب ولا نعاسهم فى المسجد وهم فى انتظار الصلاة من النوم المنهى عنه. وإنما هو من السِّنَة التى هى مبادئ النوم (٤) (وقد) أشار الحافظ إلى الفرق بين هذا النوم والنوم المنهى عنه
стр. 542
قال: (باب النوم قبل العشاء لمن غُلِب) فى الترجمة إشارة إلى أن الكراهة مختصة بمن تعاطى ذلك مختاراً (١) (ومما) يدل على كراهة الحديث بعدها (حديث) ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: " لا سمَر بعد الصلاة يعنى العشاء الآخرة إلا لأحد رجلين مصلّ أو مسافر " أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبرانى فى الكبير بسند رجاله ثقات (٢) ﴿٣٠﴾
(وقالت) عائشة: " السمَر لثلاثة: لعروس أو مسافر أو متهجد بالليل " أخرجه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح (٣) ﴿٣١﴾
وكان عمر يضرب الناس على الحديث بعد العشاء لغير مصلحة ويقول: أسمَراً أول الليل ونوما آخره؟ (وحكمه الكراهة) أنه يؤدّى إلى السهر فيخشى منه إذا نام أن يفوته قيام الليل أو صلاة الصبح فى وقتها المختار أو الجائز. ولأنّ السهر فى الليل سبب للكسل فى النهار عما يطلب من الطاعات والمصالح (ويدل) على جواز الحديث بعد العشاء لمصلحة، قول عمر ابن الخطاب رضى الله عنه: " كان رسول الله ﷺ يسُمر مع أبى بكر فى الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما " أخرجه أحمد النسائى والترمذى. ورجاله رجال الصحيح. وفيه انقطاع بين علقمة وعمر. ولذا حسنه الترمذى. ولم يصححه (٤) ﴿٣٢﴾
وقال: وقد اختلف أهل العالم فى السمر بعد العشاء الآخرة (فكرهه)
стр. 543
قوم منهم بعد صلاة العشاء. ورخص فيه بعضهم إذا كان فى معنى العلم وما لابُدَّ منه من الحوائج. وأكثر أهل الحديث على الرخصة أهـ (وهذا) الحديث يدل على عدم كراهة السمر بعد العشاء إذا كان لحاجة دينية عامّة أو خاصة. وحديث أبى برزة وابن مسعود وغيرهما، يدل على الكراهة. وهى محمولة على الكلام المباح الذى ليس فيه فائدة تعود على صاحبه.
(هـ) وقت صلاة الصبح: اتفق العلماء على أنّ أوّل وقت الصبح طلوع الفجر الصادق. وآخره طلوع الشمس إلا ماروى عن ابن القاسم وبعض أصحاب الشافعى من أنّ آخر وقتها الإسفار (واختلفوا) فى وقتها المختار (فقال) مالك والشافعى وأحمد وإسحاق: يستحب المبادرة بصلاة الصبح أوّل الوقت (لقول) عائشة رضى الله عنها: " إن كان رسول الله ﷺ لَيُصلى الصبح فينصرف النساء متلفِّعاتٍ بمروطهن ما يُعْرَفْن من الغَلَس " أخرجه مسلم والثلاثة. وقال الترمذى: حسن صحيح (١) ﴿٣٣﴾
ولقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وتعجيل الصلاة
стр. 544
من باب المسارعة إلى الخير (وفى حديث أبى مسعود) وصلى - يعنى رسول الله ﷺ الصبح مرة بغلس. ثم صلى مرة أخر فأسْفَر. ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يُسْفِر " أخرجه أبو داود (١) ﴿٣٤﴾
وما إلى ذلك من الأحاديث الصحيحة الصريحة فى أنه ﷺ كان يصلى الصبح بغلس (وقال) الحنفيون والثورى وأكثر العراقيين: الإسفار بالصبح أفضل (لحديث) رافِع بن خَديج أن النبى ﷺ قال: " أسفروا بالفجر فإنه أعظُم للأجر " أخرجه أحمد والنسائى والترمذى وقال: حسن صحيح وابن ماجه وابن حبان والطبرانى وصححه غير واحد (٢) ﴿٣٥﴾
وأيضاً فإن الإسفار يؤدىّ إلى كثرة الجماعة واتصال الصفوف (وجمع) الطحاوى بين أحاديث التغليس وأحاديث الإسفار، بأنه يدخل فى الصلاة مغلساً ويطوّل القراءة حتى ينصرف منها سفراً ولعل حديث عائشة (٣) مبنى على بعض أحوال. فإن الظاهر من الأدلة أنه كان يبتدئ بغلس وهو الغالب من أحواله ﷺ ، وينصرف منها بغلس كما فى حديث عائشة، وتارة بإسفار كما فى حديث أبى برزة قال: " وكان يَنفَتِلُ من صلاة الغداة حين يَعْرف الرجلُ جَليسَه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة. أخرجه النسائى (٤)
стр. 545
وكان ذلك على حسب طول القراءة وقصرها. فقد كان يقرأ فيها من الستين إلى المائة (قال) أنس بن مالك: " صلّى بنا أبو بكر صلاةَ الصبح فقرأ بسورة آل عِمْران فقالوا كادت الشمسُ تطلعُ فقال: لو طلعت لم تّجدْنا غافلين " أخرجه الطحاوى (١) ﴿٣٦﴾
(وقال) عبدُ الله بنُ الحارث بنِ جَزْى الزَّبيدى: " صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ سورةَ البقرة فى الركعتين جميعا فقال له عمر: كادت الشمسُ تطلُعُ. فقال: لو طلَعَت لم تجدنا غافلين " أخرجه الطحاوى (٢) ﴿٣٧﴾
وقال: فهذا أبو بكر قد دخل فيها فى وقت غير الإسفار ثم مدّ القراءة فيها حتى خيف طلوع الشمس. وهذا بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله لعيه وسلم، وبقرب عهدهم من رسول الله ﷺ وفعلِه، لا ينكر عليه منهم منكر. فذلك دليل على متابعتهم له. ثم فعل ذلك عمر من بعده فلم ينكره عليه من حضره منهم أهـ (إذا) علمت هذا تبين لك أنّ الراجح القول بأن التغليس أفضل لصحة أدلته وقوّتها.
(الثالث) الصلاة الوسطى
... هى صلاة العصر عند الحنفيين وأحمد (لحديث) على رضى الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال يوم الخندق: " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا " أخرجه أحمد
ومسلم وأبو داود (٣) ﴿٣٨﴾
стр. 546
و (لحديث) ابن مسعود رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: " صلاةُ الوسطى صلاةُ العصر " أخرجه مسلم الترمذى وقال حديث صحيح (١) ﴿٣٩﴾
(وهذا) مذهب الحسن البصرى والجمهور (قال) الماوردى: هذا مذهب الشافعى ﵀ لصحة الأحاديث فيه. وإنما نص على أنها الصبح لأنه لم يبلغه الأحاديث الصحيحة فى العصر ومذهبه اتباع الحديث أهـ (٢) (وقال) ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم. الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وله قال مالك والشافعى (قال) ابن عباس رضى الله عنهما " أدْلج رسول الله ﷺ ثم عرّس فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضُها، فلم يُصلِّ حتى ارتفعت الشمسُ. وهى الصلاة الوسطى " أخرجه النسائى (٣) ﴿٤٠﴾
(وهو) معارض (بما روى) ابن عباس قال: قاتل رسول الله ﷺ عدوّا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها. فلما رأى ذلك قال: " اللهم من حبَسنا عن الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم نارا، أو قبورهم نارا أو نحو ذلك " أخرجه أحمد والطبرانى فى الكبير والأوسط ورجاله موثقون (٤)
стр. 547
(وبما روى) أيضا أنً النبى ﷺ قال: " صلاة الوسطى صلاة العصر " أخرجه البزار ورجاله موثقون (١) ﴿٤٢﴾
وقد تقرر أنه عند مخالفة الراوى روايته، فالعبرة بما روى لا بما رأى.
(قال) النووى: الذى تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار (قال) صاحب الحاوى: نص الشافعى رحمه الله تعالى أنها الصبح. وصحت الأحاديث أنها العصر فمذهبه اتباع الحديث. فصار مذهبه أنها العصر. ولا يكون فى المسألة قولان كما وهم بعض أصحابنا أهـ (٢)
(وعن سعيد بن جبير) وشريح القاضى ونافع أنها واحدة من الخمس غير معينة واختاره إمام الحرمين. فقد روى أن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات تصبها فهى مخبوءة فى جميع الصلوات خبء ساعة الإجابة فى ساعات يوم الجمعة، وليلة القدر فى ليالى رمضان، والاسم الأعظم فى جميع الأسماء.
(الرابع) ما تدرك به الصلاة
... من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت فقد أدركها، (لحديث) أبى هريرة رضى الله عنه أنّ النبى ﷺ قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " أخرجه السبعة (٣) ﴿٤٣﴾
стр. 548
وهو صادق بالصلوات الخمس لا فرق بين عصر وصبح وغيرهما: فهو أعم من حديث أبى هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر " أخرجه السبعة (١) (قال النووى) أجمع المسلمون على أن هذا ليس على ظاهره، وأنه لا يكون بالركعة مدركا لكل الصلاة وتكفيه وتحصل الصلاة بهذه الركعة، بل هو متأوّل وفيه إضمار تقديره فقد أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها (٢) أهـ. والحديث بعمومه يشمل من كان معذوراً بجنون أو حيض أو نفاس أو إغماء أو صبا وزال عذره وقد بقى من الوقت قدر ما يسع ركعة وعليه فتلزمه تلك الصلاة. وبهذا قال الجمهور (وقال) الحنفيون: تبطل صلاة الصبح إذا أدرك منها ركعة قبل الشمس وركعة بعدها. وقيل تقع كلها قضاء. وقيل ما وقع فى الوقت أداء وما بعده قضاء، والحديث ظاهر فى أن الكل أداء (ومفهومه) أنّ من أدرك اقل من ركعة لا يكون مدركا للوقت وأنّ صلاته تكون قضاء وهو مذهب الجمهور (وقيل) تقع أداء. والحديث يردّه (واختلفوا) فيمن أدرك من الوقت دون ركعة وهو ممن لا تجب عليه الصلاة لعذر - كالحائض تطهر، والمجنون يعقل، والمغمى عليه يفق، والكافر يسلم - أتجب عليه الصلاة؟ فيه قولان للشافعى (أحدهما) لا تجب وروى عن مالك عملا بمفهوم الحديث. وأصحهما أنها تلزمه وبه قال الحنفيون، لأنه أدرك جزءا من الوقت فاستوى قليله وكثيره (وأجابوا) عن مفهوم الحديث بأن التقييد بركعة خرّج مخرج الغالب ولا يخفى ما فيه من البعد (وأما) إذا أدرك أحد هؤلاء ركعة وجبت عليه الصلاة اتفاقا (ومقدار) هذه الركعة قدر ما يكبر ويقرأ أمّ القرآن ويركع ويرفع
стр. 549
ويسجد سجدتين. قال النووى: هل يشترط مع التكبيرة أو الركعة إمكان الطهارة؟ فيه وجهان لأصحابنا.
أصحهما أنه لا يشترط (١) (وقالت) المالكية يشترط فى حق المعذور غير الكافر أن يدرك من الوقت زمناً يسع الطهر المحتاج إليه وركعة كاملة. أما الكافر فلا يقدّر له الطهر، لأنّ إزالة عذره بإسلامه فى وسعه (وقال) الحنفيون: يشترط فى وجوب الصلاة على من طرأ عليه سبب الوجوب أن يدرك فى آخر الوقت زمناً يسع الطهارة وستر العورة وتكبيرة الإحرام. وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت.
(الخامس) الأوقات المنهى عن الصلاة فيها
هى ثمانية أوقات يجمعها خمسة أنواع:
(١) الصلاة بعد صلاة الصبح والعصر: نهى النبى ﷺ عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. وعن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس (روى) أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه أنّ النبى ﷺ قال: " لا صلاةَ بعد الصبح حتى ترتفعَ الشمس. ولا صلاة بعد العصر حتى تغيبَ الشمس " أخرجه أحمد والشيخان (٢) ﴿٤٤﴾
وقد اختلف العلماء فى الصلاة فى هذين الوقتين (فقال) الحنفيون: يكره فيهما التنقل ولو كان له سبب. وبه قال مالك والحسن البصرى وجماعة
стр. 550
من الصحابة. منهم على وابن مسعود وأبو هريرة. وكان عمر يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير (وقال) الشافعى: يجوز أن يصلى فى هذين الوقتين ماله سبب. واستدل بصلاته ﷺ سنة الظهر بعد صلاة العصر (وأجاب) الجمهور عنه بأنه من خصوصيات النبى ﷺ (وقالت) الحنبلية: يحرم التطوّع مطلقاً ولو له سبب فى هذين الوقتين، لظاهر النهى إلا ركعتى الطواف (لحديث) جُبير ابن مُطعم أن النبى ﷺ قال: " يا بنى عبدِ منافٍ لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيتٍ وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار " أخرجه أحمد والثلاثة وصححه ابن خزيمة والترمذى والحاكم وابن حبان (١) ﴿٤٥﴾
ومشهور مذهب الظاهرية المنع من الصلاة مطلقا ولو فرضا بعد الصلاة الصبح وبعد صلاة العصر، لعموم النهى فى الأحاديث. ويردّه أن النبى ﷺ أقرّ قيس بن عمرو على صلاته ركعتى الفجر بعد صلاة الصبح (قال) قيس بن عمرو: خرج رسول الله ﷺ فأقيمت الصلاة فصليتُ معه الصبح ثم انصرف فوجدنى أصلى فقال: مهْلا ياقيسُ، أصلاتان معا؟ قلت يا رسول الله إن لم أكن ركعتُ ركعتى الفجر قال: فلا إذاً " أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى. وهذا لفظه (٢) ﴿٤٦﴾
стр. 551
(وقد أجمع) العلماء على جواز قضاء الفوائت فى هذين الوقتين لعموم حديث أنس أن النبى ﷺ قال: " من نسِىَ صلاة فلْيُصلِّها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " أخرجه الشيخان وأبو داود (١) ﴿٤٧﴾
وحديث " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفَل عنها فلْيصلها إذا ذكرها " أخرجه مسلم عن أنس (٢) ﴿٤٨﴾
(وقال) جماعة من السلف: تباح الصلاة مطلقا فى جميع الأوقات. وحكى عن داود. وبه جزم ابن جزم (لحديث): لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار (٣) (وزعموا) أن أحاديث النهى منسوخة بهذا الحديث وحديث أبى هريرة: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (٤) " وردّ استدلالهم (أ) بأن حديث جُبير ابن مُطْهِم خاص بالصلاة فى الحرم المكى ودعواهم عامّة. فلا يصلح الاستدلال به عليها. ولا يصلح لنسخ الأحاديث الدالة على النهى عن الصلاة فى أوقات المذكورة (ب) وحديث أبى هريرة خاص بالمكتوبة صاحبة الوقت. وأحاديث النهى فى غير صاحبة الوقت. فلا يصح دعوى نسخها به على فرض تأخره (وروى) عن ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، لظاهر الأحاديث المذكورة، وإباحتها بعد العصر حتى تصفر الشمس، (لحديث) على رضى الله عنه أن النبى ﷺ نهى عن الصلاة
стр. 552
بعد العصر إلا والشمس مرتفعة " أخرجه أبو داود (١) ﴿٤٩﴾
(٢) الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها: نهى النبى صلى الله لعيه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس حتى ترتفع كرمح، ووقت استوائها وسط السماء - إلا يوم الجمعة - حتى تزول، ووقت اصفرارها حتى يتم الغروب (قال) عقبة بن عامر: " ثلاثَ ساعاتٍ كان النبى ﷺ ينهانا أن نُصلىّ فيهن أو نقُبرَ فيهن موتانا: حين تطلعُ الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميلَ الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمسُ للغروب حتى تغربَ " أخرجه الجماعة إلا البخارى (٢) ﴿٥٠﴾
وقد اختلف الفقهاء فى الصلاة فى هذه الأوقات (فقال) الحنفيون: لا تصح فى هذه الأوقات صلاة مطلقا مفروضة أو واجبة أو نافلة قضاء أو أداء مستدلين بعموم النهى عن الصلاة فى هذه الأوقات، بناء على أن النهى يقتضى الفساد (واستثنوا) من ذلك عصر اليوم، لحديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرُبَ الشمس فقد أدرك العصر (٣) " فيصح أداؤه وقت الغروب، لأنه أدّاة كما وجب. ويكره تحريما تأخيره إلى هذا الوقت (واستثنوا) أيضا صلاة الجنازة إن حضرت فى وقت من هذه الأوقات فإنها تصلى فيها بلا كراهة، لحديث علىّ رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: " ثلاث لا يؤخَّرن: الصلاةُ إذا أتت، والجنازةُ إذا حضرت، والأيِّم
стр. 553
إذا وجدت كفئاً " أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والترمذى وقال غريب ليس بمتصل (١) ﴿٥١﴾
(واستثنوا) أيضا سجدة تلاوة تليت آيتها فى وقت من هذه الأوقات، فإنه يصح تأديتها فيه، لأنها أدّيت كما وجبت. لكنه يكره تنزيها، لنقصان الوقت بالنهى عن الصلاة فيه. والأفضل تأخيرها لتؤدى فى الوقت المستحب، لأنها لا تفوت بالتأخير (وقد فرقوا) بين الصبح والعصر حيث قالوا بعدم صحة أداء الصبح وقت الطلوع، وبصحة أداء العصر وقت الغروب (ويرده) قول النبى ﷺ : " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (٢) " فقد ستوى بينهما (واستثنى) أبو يوسف أيضا التنفل يوم الجمعة وقت الاستواء لحديث أبى قتادةَ رضى الله عنه أن النبى ﷺ كَرِه الصلاةَ نصف النهار إلا يومَ الجمعة، وقال: " إن جهنم تُسَجّر إلا يوم الجمعة " أخرجه أبو داود (٣) ﴿٥٢﴾
وفيه انقطاع. لأنه من رواية مجاهد عن أبى الخليل عن أبى قتادة قال أبو داود: وهو مرسل مجاهد أكبر من أبى الخليل. وهذا لم يَسمع من أبى قتادة وفى سنده ليث بن أبى سليم وهو ضعيف وقد ذكر له البيهقى شواهد ضعيفة يقوى بها وبحديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصفَ النهار حتى تزولَ الشمس إلا يوم الجمعة " أخرجه الشافعى فى مسنده (٤) ﴿٥٣﴾
стр. 554
(وقالت) الحنبلية: لا ينعقد النفل مطلقا فى هذه الأوقات الثلاثة حتى ماله سبب كسجود تلاوة وشكر وصلاة كسوف وتحية مسجد، لعموم أدلة النهى. ولا فرق فى ذلك بين مكة وغيرها ولا يوم الجمعة وغيره إلا تحية المسجد يوم الجمعة. فإنهم قالوا بجواز فعلها بلا كراهة وقت الاستواء وحال الخطبة، لحديث أبى قتادة (١) (وردّ) بأنه يفيد إباحة الصلاة مطلقا وقت الاستواء يوم الجمعة. وهم لا يقولون إلا إباحة تحية المسجد حينئذ (ويحرم) عندهم أيضا صلاة الجنازة فى هذه الأوقات إلا إن خيف عليها التغير، فتجوز للضرورة، ويجوز بلا كراهة قضاء الفوائت فى هذه الأوقات لحديث أنس مرفوعا: "من نسى صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها " أخرجه أحمد ومسلم (٢). ﴿٥٤﴾
جعلوه مخصصا لأحاديث النهى (وجوّزوا) أيضا فى هذه الأوقات الصلاة المنذورة ولو نذر أن يوقعها فيها - بأن قال لله علّى أن أصلى ركعتين عند طلوع الشمس مثلا - لأنها صلاة واجبة فأشبهت الفرائض (وأباحوا) تأدية ركعتى الطواف ولو نفلا فى كل وقت، لحديث خبير بن مطعم (٣) (وقالت) المالكية: تحرم النوافل ولو لها سبب والمنذورة وسجدة التلاوة وقت الطلوع والغروب لأحاديث النهى، وكذا تحرم صلاة الجنازة فى هذين الوقتين إلا إن خيف تغيرها فتجوز، وأباحوا الفرائض العينية قضاء أو أداء فى هذين الوقتين (وأباحوا) الصلاة مطلقا فرضا أو نفلا وقت الاستواء (قال الزرقانى) فى شرح الموطأ: قال الجمهور والأئمة الثلاثة بكراهة الصلاة
стр. 555
عند الاستواء. وقال مالك بالجواز مع روايته هذا الحديث (١) (قال) ابن عبد البر: فإما أنه لم يصح عنده، أورده بالعمل الذى ذكره بقوله: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار أهـ. والثانى أولى أو متعين فإن الحديث صحيح بلا شك إذ رواته ثقات مشاهير. وعلى تقدير أنه مرسل فقد تقوّى بحديثى عقبة وعمرو بن عَبَسَة وقد صححهما مسلم أهـ (٢) (أقول) وحيث ثبتت صحة الحديث فهو مذهب مالك ولا وجه للتفرقة بين أجزائه بعمل الناس.
فإنه لا كلام لأحد مع رسول الله ﷺ . على أن عمل الناس إنما هو فى الصلاة وقت الاستواء يوم الجمعة. وقد تقدّم ما يدل على استثنائه. ولذا قال الباجى فى شرح الموطأ: وفى المبسوط عن ابن وهب. سئل مالك عن الصلاة نصف النهار فقال أدركت الناس وهم يصلون يوم الجمعة نصف النهار. وقد جاء فى بعض الحديث نهى عن ذلك، فأنا لا أنهى عنه الذى أدركتُ الناس عليه، ولا أحبه للنهى عنه أهـ (٣) وقول مالك لا أحبه للنهى عنه، محمول على أنه لم يثبت عنده الحديث الدال على إباحة الصلاة وقت الاستواء يوم الجمعة. وقد تقدّم ما فيه (وقالت) الشافعية: يكره النفل الذى لا سبب له فى هذه الأوقات. أما الفرض مطلقا والنفل الذى له سبب،
стр. 556
فلا يكرهان لحديث: من نسى صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. أخرجه أحمد ومسلم عن أنس (١) (وأباحوا) أيضا التنفل فى الحرم المكى فى هذه الأوقات، لحديث جبير بن مطعم (٢) (وأباحوا النفل) أيضا وقت الاستواء يوم الجمعة، لحديث أبى قتادة (٣).
هذا والمعوّل عليه أن الصلاة مطلقا ممنوعة فى هذه الأوقات الثلاثة إلا أداء الصبح وقت الطلوع، والعصر وقت الغروب والنفل وقت الاستواء يوم الجمعة.
(٣) الصلاة بعد طلوع الفجر: تكره الصلاة بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح بأكثر من سنته عند الحنفيين وهو المشهور عن أحمد (لحديث) ابن عمر أن النبى ﷺ قال: لا تُصلوا بعد الفجر إلا سجدتين أخرجه أبو داود والترمذى (٤) ﴿٥٥﴾
(ولقول) حفصة رضى الله عنها: كان النبى صلى اله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلى إلا ركعتين خفيفتين. أخرجه مسلم (٥). ﴿٥٦﴾
(وقال) الحسن البصرى والشافعى: يجوز التنفل مطلقا بلا كراهة بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح، لما فى حديث عمرو بن عبسة قال: قلت يا رسول الله أى الليل أسمع؟ قال جوف الليل الآخر، فصل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلى الصبح (الحديث) أخرجه أبو داود (٦) ﴿٥٧﴾
стр. 557
فهو يدل بظاهرة على إباحة التطوّع بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتيه. ولكن ينافيه ما فى رواية عن عمرو بن عَبَسَة قال: قلتُ أىّ الساعاتِ أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتين حتى تُصَلِّىَ الفجر (الحديث) أخرجه أحمد (١) ﴿٥٨﴾
فهو صريح فى كراهة التطوع بعد طلوع الفجر بغير ركعتى الفجر، ولعله وقع اختصار فى رواية أبى داود (وقال) مالك: يجوز ذلك لمن فاتته صلاة الليل لعذر، لقول سعيد بن جبير: إن عبد الله بن عباس رقد ثم استيقظ ثم قال لخادمه أنظر ما صنع الناس وهو يومئذ قد ذهب بصره. فذهب الخادم ثم رجع فقال: قد انصرف الناس من الصبح. فقام عبد الله بن عباس فأوتر ثم صلى الصبح (وعن هشام) بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن مسعود قال: ما أُبالى لو أقيمت صلاة الصبح وأنا أوتِر (وقال) يحيى بن سعيد: كان عبادة بن الصامت يؤمّ قوما فخرج يوما إلى الصبح فأقام المؤذن صلاة الصبح فأسكته عُبادة حتى أو تر ثم صلى بهم الصبح. أخرج هذه الآثار مالك (٢).
(٤) التنفل بعد الإقامة: التطوّع بعد الشروع فى إقامة الصلاة غير مشروع (لحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " إذا أقيمت
стр. 558
فلا صلاة إلا المكتوبة " أخرجه أحمد ومسلم والأربعة. وذكره البخار ترجمة (١) ﴿٥٩﴾
" والنفى " فيه " بمعنى النهى " وهو متوجه إلى الشروع فى غير المكتوبة المقامة. أمّا تمام ما شرع فيه قبل الإقامة، فلا يشمله النهى بل يتمّه. وإلا لزم إبطاله وهو منهى عنه بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ويحتمل إبقاء النفى على أصله، أى فلا صلاة صحيحة أو كاملة. وحمله على نفى الصحة أولى، لأن نفيها أقرب إلى نفى الحقيقة. لكنه معارض بحديث عبد الله بن سَرْجِسَ قال: " جاء رجل والنبى ﷺ يصلى الصبح فصلى الركعتين ثم دخل مع النبى ﷺ فى الصلاة فلما انصرف قال يا فلانُ: أيتُهما صلاتُك التى صلّيتَ وحدَك، أو التى صليتَ معنا؟ أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه وأبو داود (٢) ﴿٦٠﴾
فقد أنكر النبى ﷺ على الرجل صلاتَه بعد الإقامة ولم يأمره بإعادة ركعتى الفجر. فدل ذلك على أن المراد نفى الكمال لا ننفى الصحة.
وحكمه النهى عن التنفل بعد الإقامة، التفرغ للفريضة من أوّلها والمحافظة على إكمالها مع الإمام، وعلى أسباب الاتفاق والبعد عما يؤدّى إلى الخلاف على الأئمة والطعن فيهم.
стр. 559
هذا. وقد دل الحديث على أنه لا ينبغى لمن حضر حال الإقامة أن يشرع فى غير الصلاة المقام لها لا فرق بين سنة الصبح وغيرها (وللعلماء) فى ذلك أقوال:
(أولا) قال ابن المبارك والشافعى وأحمد إسحاق: يكره لأن المراد بالنفى فى الحديث النهى، وهو محمول على الكراهة. أو أن النفى فيه باقى على حقيقته والمراد به نفى الكمال.
(ثانيا) قال ابن عبد البر والظاهرية: لا يجوز صلاة شئ من النوافل إذا أقيمت المكتوبة لا فرق بين ركعتى الفجر وغيرها ولو خارج المسجد، حملا للنفى فى الحديث على نهى التحريم.
(ثالثا) قال الحنفيون والثورى: لا بأس بصلاة سنة الصبح خارج المسجد أو فيه والإمام فى الفريضة إذا تيقن إدراك الركعة الأخيرة مع الإمام. وروى عن ابن مسعود وابن عمر، وابن عباس والأوزاعى وغيرهم لحديث أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتى الفجر" أخرجه البيهقى من طريق حجاج بن نُصَير عن عبّاد بن كثير وقال: هذه الزيادة لا اصل لها. وحجاج وعباد ضعيفان (١). ﴿٦١﴾
(وقال) أبو عثمان الأنصارى: جاء عبد الله بن عباس والإمام فى صلاة الغداة ولم يكن صلى الركعتين فصلى الركعتين خلف الإمام ثم دخل معهم (وعن) أبى الدرداء أنه كان يدخل المسجد والناس صفوف فى صلاة الفجر فيصلى الركعتين فى ناحية المسجد ثم يدخل مع القوم فى الصلاة. أخرجهما الطحاوى (٢) (وقال) أبو موسى: " أقيمت الصلاة فتقدم عبد الله بن مسعود
стр. 560
إلى أُسْطُوانة فى المسجد فصلى ركعتين ثم دخل يعنى فى الصلاة" أخرجه الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات (١) (رابعاً) قال مالك: يركعهما خارج المسجد إذا لم يخف فوات الركعة الأولى مع الإمام وإلا تركهما ودخل معه. لما روى زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه جاء والإمام يصلى الصبح ولم يكن صلى الركعتين قبل صلاة الصبح فصلاهما فى حُجْرة حفصةَ وصلى مع الإمام. أخرجه الطحاوى (٢) (قالوا) ويبعد أن يكون حديث عبد الله بنِ سَرْجِسَ على إطلاقه ويفعلَ خلافهَ هؤلاء الصحابةُ الأجلاء (وفيه نظر) لأن ظاهر الحديث الإنكار على من دخل فى النافلة والإمام فى الفريضة. ويؤيد بقاءه على ظاهره، حديث أبى هريرة المذكورة (٣). فإن فيه النهى عن ابتداء صلاة أخرى بعد إقامة الصلاة الحاضرة. ويؤيده أيضاً (حديث) أبى موسى أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلا صلَّى ركعتى الغداة حين أخذ المؤذن يقيم فغمز النبى ﷺ منكبه وقال: "ألا كان هذا قبل هذا"أخرجه الطبرانى فى الكبير والأوسط ورجاله موثقون (٤) ﴿٦٢﴾
" وما ذكروه " من أن ما ذهبوا إليه فيه الجمع بين الفضيلتين " متعقَّب " بأنه يمكن الجمع بين الفضيلتين بصلاة الركعتين بعد الفراغ من الفريضة قبل الشمس أو بعدها (لقول) قيس بن عمرو: خرج رسول الله ﷺ فأُقيمت الصلاةَ فصليتُ معه الصبحَ ثم انصرف النبى ﷺ فوجدنى اصلى فقال " مهلا يا قيسُ، أصلاتان معاً؟ قلت: يا رسول الله إنى لم أكن ركعت ركعتى الفجر قال فلا إذاً (٥) " ولحديث أبى هريرة أنّ
стр. 561
رسول الله ﷺ قال: " من لم يصل ركعتى الفجر فَليُصلها بعد ما تطلع الشمس " أخرجه الترمذى وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفى سنده قتادة وهو مدلس رواه عن النضر بن أنس بالعنعنة (١). ﴿٦٣﴾
(وما ذكروا) من الآثار معارض بالمثل فقد ثبت عن عمر وابنه وأبى هريرة وغيرهم أنهم كانوا يمنعون الشروع فى النافلة بعد إقامة الصلاة (فعن عمر) رضى الله عنه أنه كان إذا رأى رجلا يصلى وهو يسمع الإقامة ضربه (وعن) نافع عن ابن عمر أنه أبصر رجلا يصلى الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه وقال: أتصلى الصبح أربعا؟ أخرجهما البيهقى (٢) وعلى تقدير عدم ما يعارضها فهى لا تقوى على معارضة الأحاديث المرفوعة إلى النبى ﷺ (قال) ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنة. فمن أدلى بها فقد أفلح. وتَرْكَ التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقربُ إلى أتباع السنة. ويتأيد ذلك من حيث المعنى، بأن قوله فى الحادث حىّ على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة التى يقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لا يتشاغل عنه بغيره أهـ.
(٥) الصلاة وقت خطبة الجمعة: يمنع التنفل وقت الخطبة ولو لداخل المسجد عند الحنفيين ومالك. لأن استماع الخطبة فرض والأمر بالمعروف حرام وقتها (لحديث) أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنْصِت فقد لغوت " أخرجه الجماعة إلا الترمذى (٣). ﴿٦٤﴾
стр. 562
فالتنفل أولى. ولا يصلى من الفرض حينئذ إلا صبح اليوم عند المالكية. وله قضاء فائتة يتوقف على تأديتها صحة الجمعة عند الحنفيين (وقالت) الحنبلية: له صلاة التحية وقضاء الفوائت وقت الخطبة (وقالت) الشافعية: لا يصلى إلا تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب. وهذا الذى يشهد له الدليل كما سيأتى فى بحث تحية المسجد إن شاء الله.
(السادس) جاحد الصلاة وتاركها
من أنكر فرضية الصلاة أو استخف بها ولو مع أدائها فهو كافر بالإجماع لإنكاره أو استخفافه بأمر معلوم من الدين بالضرورة (وحكمه) حكم المرتد - إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدّة يبلغه فيها فرضية الصلاة - وعليه يحمل عند الجمهور (حديث) جابر بن عبد الله أنّ النبى ﷺ قال: "إن بين الرجل وبين الشرك والفكر تركَ الصلاة " أخرجه مسلم (١). ﴿٦٥﴾
(وحديث) بريدة أنّ النبى ﷺ قال: إن العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة. فمن تركها فقد كفر " أخرجه أحمد والنسائى والحاكم (٢). ﴿٦٦﴾
(ومن تركها) عمداً كسلا مع اعتقاده فرضيتها كما هو حال كثير من الناس. فقد اختلف العلماء فيه (فقال) جمهور السلف والخلف: إنه لا يكفر
стр. 563
بل يفُسق فإن تاب وإلا قتل حدا بالسيف. وبه قالت المالكية إلا أنهم قالوا يؤخر إلى آخر الوقت الضرورى. فإن أدَّاها خلى سبيله وإلا قتل (وقالت) الشافعية: يؤخر إلى آخر وقت العذر ثم يستتاب ندباً أو وجوبا. فإن تاب وصلى خُلّىَ سبيله وإلا قتل. ولا يقتل لترك الظهر والعصر حتى تغرب الشمس. ولا لترك المغرب والعشاء حتى يطلع الفجر. ويقتل فى الصبح بطلوع الشمس بشرط مطالبته بالأداء فى الوقت إذا ضاق، ويتوعد بالقتل إن أخرها عنه (واستدلوا) على عدم كفره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ (١)﴾ وبحديث عبادة ابن الصامت أنّ النبى ﷺ قال: " خمس صلوات كتبهُنّ الله على العباد، فمن جاء بِهن لم يُضيِّع منهنّ شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهُد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " أخرجه مالك وأحمد والنسائى وأبى داود (٢) ﴿٦٧﴾
(واستدلوا) على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ (٣)﴾ وبحديث ابن عمر أنّ النبى ﷺ قال: " أُمِرْت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا نمى دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أخرجه الشيخان (٤) ﴿٦٨﴾
стр. 564
وتأوّلوا قوله ﷺ : " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " ونحوه، على معنى أنه مستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهى القتل، أو أنه محمول على المستحل تركها، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو على أن فعله فعل الكفار (وقال) الحنفيون والمزنى: تارك الصلاة كسلا لا يكفر لما تلونا ولما روينا. ولا يقتل، (لحديث) ابن مسعود أنّ النبى ﷺ قال: " لا يَحِل دم امرئ مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النفس بالنفُس، والثيُب الزانى، والمفارقُ لدينه التارك للجماعة " أخرجه الشيخان والنسائى (١). ﴿٦٩﴾
وجه الدلالة: أنه لم يذكر فيه تارك الصلاة. بل هو فاسق يضرب ضربا شديداً حتى يسيل دمه ويحبس ويتفقد بالوعظ والزجر والضرب حتى يصلى أو يموت. فإن مات مسلماً ولم يتب لقى الله وهو عليه غضبان محروم من كامل الثواب (روى) ابن عباس أنّ النبى ﷺ قال: " من ترك صلاة لقى الله تعالى وهو عليه غضبان " أخرجه البزار والطبرانى فى الكبير بسند حسن (٢). ﴿٧٠﴾
ويعذب عذاباً أليما فى واد فى جهنم أشدّها حرا وأبعدها قعرا، فيه آبار يسيل إليها الصديد والقيح. أُعِدّت لتارك الصلاة. قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ (٣)﴾.
(والغى) قال ابن مسعود: نهر فى جهنم بعيد القعر خبيث الطعم، أخرجه
стр. 565
الحاكم وصححه (١). والمراد باللقّى الاجتماع والملابسة مع الرؤية (وعن) أبى أمامة أنّ النبى ﷺ قال: " لو أنّ صخرة زنة عشرة أواق قُذِف بها من شَفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا. ثم تنتهى إلى غىّ وأثام. قلت: وما غىّ وما أثام؟ قال: بئران فى أسفل جهنم يسيب فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان ذكر الله فى كتابه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ﴾ وقوله فى الفرقان: ﴿وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ أخرجه الطبرى (٢)
(وقال) جماعة من السلف: إنّ تارك الصلاة كسلا كافر. وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وبعض أصحاب الشافعى (وقالت) الحنبلية: من ترك الصلاة كسلا دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها. فإن امتنع حتى ضاق وقت التى بعدها وجب استتابته ثلاثة أيام كالجاحد لها. فإن تاب وأدّاها خلى سبيله وإلا ضرب عنقه كفرا، لما تقدّم (ولقول) عبد الله ابن شقيق العُقيلى: " كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرَوْن شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " أخرجه الترمذى والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٣) ﴿٧٢﴾
(قال) الشوكانى: والحق أنه كافر يقتل (أما كفره) فلأن الأحاديث قد صحت أنّ الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم. وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة. فتركها مقتض لجواز الإطلاق.