رسول الله ﷺ قال: " من لم يصل ركعتى الفجر فَليُصلها بعد ما تطلع الشمس " أخرجه الترمذى وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفى سنده قتادة وهو مدلس رواه عن النضر بن أنس بالعنعنة (١). ﴿٦٣﴾
(وما ذكروا) من الآثار معارض بالمثل فقد ثبت عن عمر وابنه وأبى هريرة وغيرهم أنهم كانوا يمنعون الشروع فى النافلة بعد إقامة الصلاة (فعن عمر) رضى الله عنه أنه كان إذا رأى رجلا يصلى وهو يسمع الإقامة ضربه (وعن) نافع عن ابن عمر أنه أبصر رجلا يصلى الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه وقال: أتصلى الصبح أربعا؟ أخرجهما البيهقى (٢) وعلى تقدير عدم ما يعارضها فهى لا تقوى على معارضة الأحاديث المرفوعة إلى النبى ﷺ (قال) ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنة. فمن أدلى بها فقد أفلح. وتَرْكَ التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقربُ إلى أتباع السنة. ويتأيد ذلك من حيث المعنى، بأن قوله فى الحادث حىّ على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة التى يقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لا يتشاغل عنه بغيره أهـ.
(٥) الصلاة وقت خطبة الجمعة: يمنع التنفل وقت الخطبة ولو لداخل المسجد عند الحنفيين ومالك. لأن استماع الخطبة فرض والأمر بالمعروف حرام وقتها (لحديث) أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنْصِت فقد لغوت " أخرجه الجماعة إلا الترمذى (٣). ﴿٦٤﴾
стр. 562
فالتنفل أولى. ولا يصلى من الفرض حينئذ إلا صبح اليوم عند المالكية. وله قضاء فائتة يتوقف على تأديتها صحة الجمعة عند الحنفيين (وقالت) الحنبلية: له صلاة التحية وقضاء الفوائت وقت الخطبة (وقالت) الشافعية: لا يصلى إلا تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب. وهذا الذى يشهد له الدليل كما سيأتى فى بحث تحية المسجد إن شاء الله.
(السادس) جاحد الصلاة وتاركها
من أنكر فرضية الصلاة أو استخف بها ولو مع أدائها فهو كافر بالإجماع لإنكاره أو استخفافه بأمر معلوم من الدين بالضرورة (وحكمه) حكم المرتد - إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدّة يبلغه فيها فرضية الصلاة - وعليه يحمل عند الجمهور (حديث) جابر بن عبد الله أنّ النبى ﷺ قال: "إن بين الرجل وبين الشرك والفكر تركَ الصلاة " أخرجه مسلم (١). ﴿٦٥﴾
(وحديث) بريدة أنّ النبى ﷺ قال: إن العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة. فمن تركها فقد كفر " أخرجه أحمد والنسائى والحاكم (٢). ﴿٦٦﴾
(ومن تركها) عمداً كسلا مع اعتقاده فرضيتها كما هو حال كثير من الناس. فقد اختلف العلماء فيه (فقال) جمهور السلف والخلف: إنه لا يكفر
стр. 563
بل يفُسق فإن تاب وإلا قتل حدا بالسيف. وبه قالت المالكية إلا أنهم قالوا يؤخر إلى آخر الوقت الضرورى. فإن أدَّاها خلى سبيله وإلا قتل (وقالت) الشافعية: يؤخر إلى آخر وقت العذر ثم يستتاب ندباً أو وجوبا. فإن تاب وصلى خُلّىَ سبيله وإلا قتل. ولا يقتل لترك الظهر والعصر حتى تغرب الشمس. ولا لترك المغرب والعشاء حتى يطلع الفجر. ويقتل فى الصبح بطلوع الشمس بشرط مطالبته بالأداء فى الوقت إذا ضاق، ويتوعد بالقتل إن أخرها عنه (واستدلوا) على عدم كفره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ (١)﴾ وبحديث عبادة ابن الصامت أنّ النبى ﷺ قال: " خمس صلوات كتبهُنّ الله على العباد، فمن جاء بِهن لم يُضيِّع منهنّ شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهُد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " أخرجه مالك وأحمد والنسائى وأبى داود (٢) ﴿٦٧﴾
(واستدلوا) على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ (٣)﴾ وبحديث ابن عمر أنّ النبى ﷺ قال: " أُمِرْت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا نمى دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أخرجه الشيخان (٤) ﴿٦٨﴾
стр. 564
وتأوّلوا قوله ﷺ : " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " ونحوه، على معنى أنه مستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهى القتل، أو أنه محمول على المستحل تركها، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو على أن فعله فعل الكفار (وقال) الحنفيون والمزنى: تارك الصلاة كسلا لا يكفر لما تلونا ولما روينا. ولا يقتل، (لحديث) ابن مسعود أنّ النبى ﷺ قال: " لا يَحِل دم امرئ مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النفس بالنفُس، والثيُب الزانى، والمفارقُ لدينه التارك للجماعة " أخرجه الشيخان والنسائى (١). ﴿٦٩﴾
وجه الدلالة: أنه لم يذكر فيه تارك الصلاة. بل هو فاسق يضرب ضربا شديداً حتى يسيل دمه ويحبس ويتفقد بالوعظ والزجر والضرب حتى يصلى أو يموت. فإن مات مسلماً ولم يتب لقى الله وهو عليه غضبان محروم من كامل الثواب (روى) ابن عباس أنّ النبى ﷺ قال: " من ترك صلاة لقى الله تعالى وهو عليه غضبان " أخرجه البزار والطبرانى فى الكبير بسند حسن (٢). ﴿٧٠﴾
ويعذب عذاباً أليما فى واد فى جهنم أشدّها حرا وأبعدها قعرا، فيه آبار يسيل إليها الصديد والقيح. أُعِدّت لتارك الصلاة. قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ (٣)﴾.
(والغى) قال ابن مسعود: نهر فى جهنم بعيد القعر خبيث الطعم، أخرجه
стр. 565
الحاكم وصححه (١). والمراد باللقّى الاجتماع والملابسة مع الرؤية (وعن) أبى أمامة أنّ النبى ﷺ قال: " لو أنّ صخرة زنة عشرة أواق قُذِف بها من شَفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا. ثم تنتهى إلى غىّ وأثام. قلت: وما غىّ وما أثام؟ قال: بئران فى أسفل جهنم يسيب فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان ذكر الله فى كتابه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ﴾ وقوله فى الفرقان: ﴿وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ أخرجه الطبرى (٢)
(وقال) جماعة من السلف: إنّ تارك الصلاة كسلا كافر. وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وبعض أصحاب الشافعى (وقالت) الحنبلية: من ترك الصلاة كسلا دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها. فإن امتنع حتى ضاق وقت التى بعدها وجب استتابته ثلاثة أيام كالجاحد لها. فإن تاب وأدّاها خلى سبيله وإلا ضرب عنقه كفرا، لما تقدّم (ولقول) عبد الله ابن شقيق العُقيلى: " كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرَوْن شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " أخرجه الترمذى والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٣) ﴿٧٢﴾
(قال) الشوكانى: والحق أنه كافر يقتل (أما كفره) فلأن الأحاديث قد صحت أنّ الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم. وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة. فتركها مقتض لجواز الإطلاق.
стр. 566
ولا يلزمنا شئ من المعارضات التى أوردها الأوّلون. لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التى سماها الشارع كفراً. فلا ملجئ إلى التأويلات التى وقع الناس فى مضيقها (وأما) أنه يقتل فلأن حديث: أمرت أن أقاتل الناس ونحوه، يقضى بوجوب القتل لاستلزام المقاتلة له. ولا أوضح من دلالتها على المطلوب. وقد شرط الله - فى القرآن - التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإبتاء الزكاة. فقال ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فلا يخلى سبيل من لم يقم الصلاة. وعن أم سلمة أن النبى ﷺ قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون. فمن أنكر فقد برئ. ومن كره فقد سلم. ولكن من رضى وتابع. فقالوا ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا " أخرجه مسلم (١) ﴿٧٣﴾
فجعل الصلاة هى المانعة من مقاتلة أمراء الجور (وحديث) لا يحل دم أمرى مسلم، لا يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحة. والمراد بقوله فى حديث جابر "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر تركَ الصلاة (٢) " كما قال النووى - أن الذى يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة. فإن تركها لم يبق بينه وبين الكفر حائل (واختلف) القائلون بوجوب قتل تارك الصلاة. قال الجمهور يضرب عنقه بالسيف. وقيل يضرب بالخشب
стр. 567
حتى يموت (واختلفوا) أيضا فى وجوب الاستتابة. فالهادوية توجها، وغيرهم لا يوجبها، لأنه يقتل حدّا. ولا تسقط التوبة الحدود كالزانى والسارق (واختلفوا) هل يجب القتل لترك صلاة واحدة أو أكثر؟ (قال) الجمهور: يقتل لترك صلاة واحدة. والأحاديث قاضية بذلك. والتقييد بالزيادة على واحدة لا دليل عليه. وهكذا حكم تارك ما يتوقف صحة الصلاة عليه من وضوء أو غسل أو استقبال قبلة أو ستر عورة وكل ما كان ركنا أو شرطا أهـ بتصرف (١). إذا علمت ذلك عرفت أن ترك الصلاة جريمة كبرى تفضى بمرتكبها إلى وقوع فى مهاوى العطب دنيا وأخرى. وقد ورد فى زجر تارك الصلاة أحاديث كثيرة (منها) حديث ابن عباس أنّ النبى ﷺ قال: " عُرى الإسلاِم وقواعُد الدينِ ثلاثة عليهنّ أسُس الإسلاِم. من ترك واحدةً منهنّ فهو بها كافُر حلالُ الدم: شهادةُ أن لا إله إلا الله، والصلاةُ المكتوبةُ، وصوم رمضان " أخرجه أبو يعلى والديلمى بسند حسن وقال الذهبى: حديث صحيح (٢) ﴿٧٤﴾
(وحديث) عبد الله بن عمرو بن العاصى أنّ النبى ﷺ ذكر الصلاة يوما فقال: " من حافظ عليها كانت له نورا وبُرهانا ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة. وكان يوم القيامة مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ وأبىِّ بنِ خلَف " أخرجه أحمد والطبرانى فى الكبير والأوسط بسند رجاله ثقات (٣) ﴿٧٥﴾
стр. 568
وفيه أنه لا ينتفع المصلى بصلاته إلا إذا كان محافظا عليها، لأنه إذا انتفى كونها نورا وبرهانا ونجاة مع عدم المحافظة، انتفى نفعها.
(فالواجب) على كل مكلف أن يحافظ على تأدية الصلاة فى أوقاتها، ولا يشغله عن أدائها شاغل مهما كان، لينجو من ورطة دخول النار مع الكفرة ويخلص من عذاب الله وغضبه. نسأله أن يحفظ عباده المؤمنين من المخالفات ويوفقنا جميعا لخالص الطاعات.
(السابع) الأذان والإقامة
الأذان لغة الإعلام. وشرعا إعلام مخصوص للصلاة وقتية أو فائتة بألفاظ مخصوصة على وجه مخصوص بأن يكون على مكان مرتفع لأذان الجماعة من جهير الصوت مترسلا فيه عالما بالوقت.
وهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال تعالى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً (١)﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه (٢)﴾. (وعن) ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: " ليؤذن لكم خياركم. وليؤمكم قراؤكم " أخرجه أبو داود وابن ماجه. وفى سنده حسين بن عيسى الحنفى. فيه مقال (٣) ﴿٧٦﴾
стр. 569
(وعن) ابن عمر رضى الله عنهما قال: " كان النبى ﷺ مؤذنان: " بلالُ وابنُ أم مكتوم الأعمى " أخرجه مسلم وأبو داود (١) ﴿٧٧﴾
وشرع فى السنة الأولى من الهجرة على الراجح (لقول) ابن عمر رضى الله عنهما: " كان المسلمون حين قدمِوا المدينةَ يجتمعون فيتحيّنون الصلاة وليس يُنادِى بها أحد، فتكلموا يوما فى ذلك. فقال بعضهم: اتخِذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم اتخِذوا قَرْناً مثل قرن اليهود. فقال عمر: أوَلا تبعثون رجلا ينادى بالصلاة؟ فقال النبى ﷺ : " يا بلالُ قم فنادِ بالصلاة " أخرجه أحمد والشيخان والنسائى والترمذى وقال حسن صحيح (٢) ﴿٧٨﴾
ثم الكلام هنا فى عشرين عاماً:
(١) حكم الأذان والإقامة: هما من خصائص هذه الأمة، وسنة مؤكدة على سبيل الكفاية فى حق الرجل ولو منفرداً أو مسافراً للفرائض أداء وقضاء. ومنها الجمعة لما تقدم (ولقول) أبى الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما مِن ثلاثة فى قرية فلا يؤذَّن ولا تُقام فيهم الصلاةُ إلا اْستحوذَ عليهم الشيطان (الحديث) أخرجه أحمد والنسائى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد (٣) ﴿٧٩﴾
стр. 570
(وقال) مالك بن الُحوَيْرَث: قدمتُ على رسول الله ﷺ أنا ابنُ عّمٍ فى فقال لنا: " إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما. ولْيؤمّكما أكبركما، أخرجه النسائى والترمذى وقال حسن صحيح (١) ﴿٨٠﴾
فهما من شعائر الدين يأثم تاركهما عند الحنفيين وهو مشهور مذهب الشافعية. لأنّ ترك السنة المؤكدة بمنزلة ترك الواجب العملى فى الإثم (ولا يطلبان) لغير الفرائض كصلاة الجنازة والتطوع والعيدين والوتر (لقول) جابر بن سَمُرة رضى الله عنه: " صليت مع النبى ﷺ العيدين غيرَ مرة ولا مرتين بلا أذان إقامة " أخرجه مسلم (٢) ﴿٨١﴾
(وقالت) المالكية: الأذان سنة مؤكدة على سبيل الكفاية فى كل مسجد وجماعة طلبت غيرها. وفرض كفاية فى المصر. والإقامة سنة عين لذكر بالغ منفرد أو مع نساء أو صبيان يصلِّى بهم. وسنة كفاية لجماعة الذكور البالغين. ومندوبة لصبى.
(وقالت) الحنبلية: الأذان فرض كفاية للفرائض المؤداة دون غيرها لجماعة الرجال فى الحضر ويشرع للمسافر والراعى ونحوه.
(وقال) داود. الأذان فرض لصلاة الجماعة وليس شرطا لصحتها. والسبب فى الاختلاف، جعل الأمر فى الأحاديث للوجوب أو الندب فحمله جماعة على الوجوب عملا بالأصل. ويؤيده مواظبة النبى ﷺ على الأذان والإقامة حضرا وسفرا. وحمله آخرون على الندب لأن الغرض من الأذان الدعاء إلى الاجتماع للصلاة، ولما روى أنه ﷺ ترك الأذان ليلة المزمنة. وهذا فى حق الرجال (وأما النساء) فليس لهنّ أذان ولا إقامة، لأن الأصل فى الأذان الإعلام برفع الصوت وهو غير مشروع
стр. 571
للمرأة. ومن لا يشرع له الأذان لا تشرع له الإقامة (وقال) ابن عمر: ليس على النساء الأذان ولا إقامة. أخرجه البيهقى بسند صحيح (١) وقال: ورويناه عن أنس بن مالك موقوفا ومرفوعا. ورفعه ضعيف. وهو قول الحسن وابن المسيب وابن سيرين والنخعى أهـ وبه قالت الحنبلية.
(وقال) الحنفيون يكره أذان المرأة تحريما، لأن المؤذن يستحب له رفع الصوت، وأن يكون على مكان مرتفع مُشْهرا نفسه. والمرأة منهية عن ذلك. والإقامة فى حقها كالأذان، لقول عائشة: كنا نصلى بغير إقامة. أخرجه البيهقى (٢) (ولا ينافيه) ما رواه عطاء عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقوم وسَطَهن. أخرجه البيهقى (٣) (لاحتمال) أنها أذَّنَت وأقامت بلا رفع صوت أو أنها فعلته مرة وتركته لما تقدم. قال البيهقى: هذا إن صح مع الأول فلا يتنافيان، لجواز فعلها ذلك مرة وتركها أخرى (٤).
(وقالت) المالكية: يحرم أذان المرأة، لأن صوتها عورة، ويندب لها الإقامة سرا.
(وقالت) الشافعية: يكره أذانها ويستحب لها الإقامة.
(٢) فضل الأذان: فضله عظيم وثوابه جزيل وقد ورد فى ذلك عدّة أحاديث (منها) حديث معاوية رضى الله عنه أنّ النبى ﷺ قال: " المؤذنونَ أطولُ الناس أعناقا يومَ القيامة " أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه والبيهقى (٥) ﴿٨٢﴾
стр. 572
(وحديث) عبد الله بن الرحمن أن أبا سعيد الخدرى قال له: " إذا كنتَ فى غنمك أو باديتك فأذّنتَ بالصلاة فارفع صوتَك بالنداء فإنه لا يَسمع مَدَى صوتِ المؤذن جنّ ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يومَ القيامة سمعته من رسول الله ﷺ " أخرجه مالك وأحمد والبخارى والنسائى (١) ﴿٨٣﴾
(وحديث) أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " المؤذن يُغفَر له مدَى صوتِه ويشهد له كلُّ رطب ويابس " أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه وان خزيمة وابن حبان (٢) ﴿٨٤﴾
وعلى الجملة فقد صحت أحاديث كثيرة فى بيان فضل الأذان والمؤذنين، وأنه من أجلّ الطاعات التى يتنافس فيها المتنافسون.
(٣) أخذ الأجدة على الأذان: ينبغى للمؤذن ألاّ يأخذ أجراً على الأذان (لقول) عثمان بن أبى العاص: قلت يا رسول الله اجْعلنى إمامَ قومى قال: " أنت إمامُهم واقْتدِ بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " أخرجه النسائى وأبو داود وحسنه الترمذى (٣) ﴿٨٥﴾
وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم. كرهوا أن يأخذ على الأذان أجرا. واستحبوا للمؤذن أن يستحب فى أذانه (وقال) يحيى البكّاء: سمعت رجلا قال لابن عمر: إنى لأحِبُّك فى الله، فقال له ابن عمر: إنى لأبغَضك
стр. 573
فى الله. فقال سبحان الله أحِبك فى الله، وتُبْغُضنى فى الله؟ قال نعم. إنك لتسأل على أذانك أجرا. أخرجه ابن حبان (١) (وقال) ابن مسعود: أربع لا يؤخذ عليهن أجر: الأذان، وقراءة القرآن، والمقاسم (قسمة الغنائم) والقضاء. أخرجه ابن حزم (٢).
(وقد اختلف العلماء) فى أخذ الأجر على الأذان. فعند الجمهور يكره أخذه (وقال) النعمان: يحرم إن كان الأجر مشروطا لما تقدم. والصحيح عند المالكية جوازه (قال) ابن العربى: الصحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء، وجميع الأعمال الدينية. فإن الخليفة يأخذ أجرة على هذا كله. فكذا نائبه (٣) قاس ابن العربى المؤذن على العامل وهو قياس فى مقابلة النص (والأصح) عند الشافعية أنه يجوز للإمام أو نائبه أن يعطى للمؤذن أجرة من بيت المال أو من مال نفسه. ويجوز لآحاد الناس أن يعطوه من مالهم (وقالت) الحنبلية: لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان إن وجُد متبرع به، وإلا رزُق من بيت المال. وللناس أن يجعلوا للمؤذن جُعلا على الأذان.
(٤) لإقامة أفضل أم الأذان؟ : الإمامة أفضل عند الحنفيين وبعض المالكية والشافعية وهو المختار عند أحمد لأنّ النبى ﷺ وخلفاءه تولّوْها ولم يتولَّوا الأذان (ولحديث) أبى هريرة رضى الله عنه أنّ النبى ﷺ قال: " الإمام ضامن: " والمؤذن مُؤتَمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين " أخرجه الشافعى وأحمد وأبو داود وصححه ابن حبان (٤) ﴿٨٦﴾
стр. 574
وجه الدلالة ما فيه من أن الإمام متكفل بأركان الصلاة وكل أعمالها. والمؤذن متكفل بالوقت فحسب وأن الدعاء بالمغفرة يؤذن بالتقصير بخلاف الدعاء بالرشاد (وقال) الشافعى وأكثر أصحابه وبعض الحنبلية: الأذان أفضل، لما روينا فى فضله، ولحديث أبى هريرة السابق. فإن الأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الرشاد. وإنما لم يؤذِّن النبى ﷺ ولا خلفاؤه، لاشتغالهم بالأهم. ولذا قال عمر: لولا الخلافة لأذنت. هنا. والراجح القول الأوّل فإن الإمام كفيل بأعمال الصلاة وهى المقصودة. والأذان ونحوه وسيلة إليها.
(٥) شروط الأذان والإقامة: يشترط كون الأذان باللفظ العربى مرتباً موالى بين كلماته عرفا والجهر به لجماعة بحيث يسمعه واحد منهم. وكون المؤذن والمقيم عاقلين مميزين مسلمين. ودخول الوقت فى غير الصبح. فلا يصح مجنون وسكران وكافر ولو مرتداً. ويحكم بإسلامه إذا أذن، لإتيانه بالشهادتين. ولا يؤذَّن لصلاة - غير الصبح - قبل دخول وقتها. فلو وقع كله أو بعضه قبل دخول الوقت فهو غير صحيح، ويعاد فى الوقت كما سيأتى بيانه، ويشترط عند غير الحنفيين كون المؤذن ذكراً، فلا يصح أذان الأنثى والخنثى، لأنه من مناصب الرجال كالقضاء والإمامة، وزادت الحنبلية كونه عدلا ولو مستورا، فلا يعتدّ بأذان ظاهر الفسق، لأنه ﵊ وصف المؤذنين بالأمانة. والفاسق غير أمين.
(تنبيه) علم مما تقدم:
(أ) اتفاق الأئمة الأربعة على صحة أذان الصبى المميز، غير أن المالكية
стр. 575
يشترطون فى صحة أذانه أن يعتمد فى دخول الوقت على بالغ عدل (وقال) داود: لا يصح أذانه. وكرهه جماعة من الشافعية.
(ب) اتفق العلماء على جواز أذان الأعمى بلا كراهة إذا كان معه من يُعْلِمُه بدخول الوقت (لقول) عائشة: "كان ابنَ أم مكتوم يؤذن لرسول الله ﷺ وهو أعمى" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود (١) ﴿٨٧﴾
(فائدة) الأكمل أن يكون المؤذن حرّاً فيصح أذان العبد. فإن أذن لنفسه لم يلزمه استئذان سيده، لأن ذلك لا يضر بخدمته. وإن أذن الجماعة لزمه استئذانه، لأنه يحتاج إلى مراعاة الأوقات فيضر بخدمة سيده.
(٦) كيفية الأذان: للأذان ثلاث كيفيات مشهورة (الأولى) تثنية التكبير وترجيع الشهادتين بأن يأتى بكل واحدة منهما مرتين بصوت منخفض أوّلا. ثم يرفع بهما صوته مثنى كبقية الأذان. ما عدا لا إله إلا الله فإنه متفق على إفرادها (روى) عبد الله بن مُحيريز عن أبى مَحذورةَ أن نبى الله ﷺ علمه هذا الأذانَ: " الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله. أشهد أن محمداً رسول الله. ثم يعودُ فيقول: أشهد أن لا إله إلا اللهُ مرتين. أشهد أنّ محمداً رسولَ الله مرتين. حىَّ على الصلاة مرتين. حىَّ على الفلاح مرتين. الله أبكر. الله أبكر. لا إله إلا الله " أخرجه مسلم (٢) ﴿٨٨﴾
стр. 576
واختار هذه الكيفية مالك وأهل المدينة وأبو يوسف.
(الثانية) تربيع التكبير الأوّل وتثنية باقى الأذان بلا ترجيع (قال) عبد الله بن زيد: لما أَمر رسول الله صلى الله لعيه وسلم بالنّاقوس يُعملُ ليُضْربَ به للناس لِجْمع الصلاة طاف بى وأنا نائم رجل يحمِل ناقوساً فى يده، فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوسَ؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقتل له بلى. فقال تقول: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أنّ محمداً رسول الله. أشهد أنّ محمداً رسول الله. حىَّ على الصلاة. حىَّ على الصلاة. حىَّ على الفلاح. حىَّ على الفلاح. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة صححه. وكذا الترمذى مختصراً وقال حسن صحيح (١) ﴿٨٩﴾
واختار هذه الكيفية النعمان والثورى ومحمد بن الحسن. وهى رواية عن احمد والشافعية.
(الثالثة) تربيع التكبير الأوّل وترجيع كل من الشهادتين وتثنية باقى الأذان (قال) أبو محذورة: قلتُ يا رسول الله علّمنى سنةَ الأذانِ، فمسح مُقدّم رأسى قال: تقول الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. ترفع بها صوتَك ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أنّ محمداً رسول الله. أشهد أنّ محمداً رسول الله. تخفِض بها صوتَك. ثم ترفع
стр. 577
صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أنّ محمداً رسول الله. أشهد أنّ محمداً رسول الله. حىَّ على الصلاة. حىَّ على الصلاة. حىَّ على الفلاح. حىَّ على الفلاح. فإن كان صلاةَ الصبح، قلتَ: الصلاةُ خير من النوم. الصلاةُ خير من النوم. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى. وفى سنده محمد بن عبد الملك بن أبى محذورة غير معروف والحراث بن عُبيد، فيه مقال. لكن رواه النسائى والطحاوى من طرق أخرى يقوى بها (١) ﴿٩٠﴾
واختار هذه الكيفية الشافعى واحمد وكثيرون.
وهذه الكيفيات ثابتة بالروايات الصحيحة كما ترى. فمن شاء ربّع التكبير ومن شاء ثنّاه. ومن شاء رَجَّع فى الشهادتين ومن شاء ترك الترجيع.
(٧) التثويب: هو لغة الترجيع فى القول مرة بعد أخرى. وشرعا أن يقول فى أذان الصبح بعد الحيعلتين. الصلاة خير من النوم مرتين، لما فى حديث أبى محذورة المذكور. ولا يشرع التثويب إلا فى الصبح (لقول) عائشة: جاء بلال إلى النبى ﷺ يُؤْذنِه بصلاة الصبح فوجده نائما فقال: " الصلاة خير من النوم فأقِرت فى أذان الصبح " أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وفيه صالح بن أبى الأخضر مختلف فى الاحتجاج به (٢) ﴿٩١﴾
(وقال) مجاهد: " كنتُ مع عبد الله بن عمر فثوب رجل فى الظهر
стр. 578
أو العصر، فقال أخرج بنا فإن هذه بدعة " أخرجه أبو داود (وقال) الترمذى: وروى عن مجاهد قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجداً وقد أُذِّن فيه ونحن نريد أن نصلّىَ فيه فثوب المؤذن فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال اخرج بنا من عند هذا المبتدع ولم يصل فيه. وإنما كَرِه عبد الله ابن عمر التثويبَ الذى أحدثه الناُس بعدُ (١) أهـ. أى وهو التثويب فى غير الصبح. وذلك لأنّ كل حدَث فى الدين مردود على صاحبه غير مقبول منه. لقوله ﵊: " من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه الشيخان عن عائشة (٢) ﴿٩٢﴾
(٨) كيفية الإقامة: لها ثلاث كيفيات.
(الأولى) أنها سبعَ عشرةَ كلمة (روى) أبو مَحْذورة أنّ رسول الله ﷺ علّمه الأذانَ تِسعَ عشْرة كلمة، والإقامةَ سبعَ عشرة كلمة. ثم قال: والإقامةُ الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أنّ محمداً رسول الله. حىَّ على الصلاة حىَّ على الصلاة. حىَّ على الفلاح حى على الفلاح. قد قدمت الصلاة قامت الصلاة. الله أكبر الله أبكر. لا إله إلا الله" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وكذا النسائى والترمذى مختصراً. وقال الترمذى حسن صحيح (٣) ﴿٩٣﴾
стр. 579
واختار هذه الكيفية الحنفيون والثورى وابن المبارك.
(الثانية) أنها عشر كلمات (قال) أنس: " أُمِر بلال أن يشَفْع الأذان وُيوِترَ الإقامة، أخرجه أحمد وابن ماجه النسائى والترمذى وقال حسن صحيح (١) ﴿٩٤﴾
" ويوتر الإقامة " أى يقول كلمات الإقامة مفردة مرة مرة إلا التكبير أوّلها وآخرها. فإنه مَثْنَى كما صرح بذلك فى روايات كثيرة. وصورتها أن يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حىّ على الصلاة، حىّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله، وبها أخذ مالك وعليها أعمل أهل المدينة المستفيض. وهو قول للشافعى فى القديم.
(الثالثة) أنها إحدى عشْرة كلمة بتكرير قد قامت الصلاة مرتين (قال) أنس: " أُمِرَ بلال بشفع الأذان ووتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة " أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود (٢) ﴿٩٥﴾
أى فإنه يقولها مرتين كالتكبير أوّلها وآخرها (وصورتها) أن يقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حىّ على الصلاة، حىّ على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أبكر، لا إله إلا الله. كما فى حديث عبد الله بن زيد (٣).
стр. 580
(وبهذه الكيفية) قال الشافعى وأحمد والزهرى والأوزاعى. وهو قول للمالكية.
(فتحصل) أن الإقامة ورد فيها:
(أ) تربيع التكبير مع تثنية جميع كلماتها ما عدا لا إله إلا الله.
(ب) إفراد جميع كلماتها إلا التكبير أوّلها وآخرها وقد قامت الصلاة فإنها مثناة.
(ج) وردت منفردة أيضاً ما عدا التكبير أوّلها وآخرها كما عليه عمل أهل المدينة.
(فهذه الوجوه) كلها ثابتة عن النبى ﷺ . فمن فعل أى وجه منها فقد أصاب السنة.
(٩) سنن الأذان والإقامة: هى سبع عشرة:
(١، ٢، ٣، ٤) يسنّ أن يكون المؤذن والمقيم رجلا صالحاً ثقة طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر (لقول) أبى هريرة: " لا ينادِ بالصلاة إلا متوضى " أخرجه الترمذى والبيهقى مرفوعا وموقوفا. وقال الترمذى وحديث أبى هريرة لم يرفعه ابن وهب وهو أصح (١) ﴿٩٦﴾
(٥، ٦، ٧) ويسنّ أن يكون المؤذن مستيقظا قائما على مرتفع ارتفاعا ظاهراً عن احتيج إليه كمئذنة وسطح مسجد أو غيره لما فى حديث ابن عمر أنّ النبى ﷺ قال: " يا بلال قم فناد بالصلاة (٢) " وكان مؤذنوه ﵊ يؤذنون قياما (قال ابن المنذر) الإجماع على أنّ القيام فى الأذان من السنة، لأنه أبلغ فى الإسماع (وقالت) امرأة من
стр. 581
بنى النجار: " كان بيتى من أطولِ بيت كان حول المسجد فكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتى بسَحَرٍ فيجلس على البيت ينظر على الفجر، فإذا رآه تمطّىِ ثم قال: اللهم إنى أحَمدُك وأستعينك على قريش أن يُقيموا دينك. ثم يؤذن " أخرجه أبو داود والبيهقى (١) ﴿٩٧﴾
وفيه: قال أ**بو برزة الأسلمى: من السنة الأذان فى المنارة والإقامة فى المسجد.
(هذا) وينبغى ألا يكون مكان الأذان مرتفعاً ارتفاعا متفاحشاً كما يفعل الآن فى المآذن، لما فيه من السرَف وفقد حكمة الأذان التى هى الإعلام. فإن صوت المؤذن عليها قلّ من يسمعه لفًحْش ارتفاعها (قال) ابن الحاج: من السنة الماضية أن يؤذن المؤذن على المنار. فإن تعذر فعلى سطح المسجد.** فإن تعذر فعلى بابه. وكان المنار عند السلف بناء يبنونه على سطحه المسجد مدوّراً وكان قريباً من البيوت خلافاً لما أحدثوه اليوم من تعليه المنار. وذلك يمنع لوجوه.
(الأول): مخالفة السلف.
(الثانى): أنه يكشف على حريم المسلمين.
(الثالث): أن صوته يبعد عن أهل الأرض. ونداؤه إنما هو لهم. وهذا إذا كان المنار تقدّم وجوده على بناء الدار. وأما إذا كانت الدور مبنية ثم جاء بعض الناس يريد أن يعمل المنار، فإنه يمنع من ذلك لأنه يكشف عليهم. اللهم إلا أن يكون بين المنار والدور سكك وبُعْد بحيث إنه إذا طلع المؤذن على المنار ورأى الناس على أسطح بيوتهم لا يميز بين الذكر والأنثى منهم. فهذا جائز على ما قاله علماؤنا أهـ (٢).
стр. 582
(٨) ويسن رفع الصوت بالأذان (لحديث) أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال له: " إذا كنتَ فى غنمك أو بأديتك فأذْنتَ بالصلاة فارفع صوتك بالنداء. فإنه لا يَسْمع مَدَى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة (١) " (ولحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " المؤذن يغفر له مَدَى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس (٢) " " يغفر له مدى صوته " أى أن المؤذن يستكمل مغفرة الله تعالى إذا بذل جهده فى رفع الصوت بالأذان. وقيل إن الكلام على التمثيل والتشبيه. والمعنى أن المكان الذى ينتهى إليه صوت المؤذن لو قدّر أنه ارتكب ذنوبا لو حسمت تملأ ذلك المكان يغفرها الله له. والغرض من الأذان الإعلام بدخول وقت الصلاة، فطلب فيه رفع الصوت لتتحقق ثمرته.
(٩) ويسن أن يستقبل بالأذان والإقامة القبلة. لأنّ مؤذنى رسولِ الله ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلى القبلةِ.
(١٠) ويسن عند الحنفيين وإسحاق أن يلتفت برأسه وعنقه وصدره يمينا عند حىَّ على الصلاة ويسارا عند حىَّ على الفلاح ولا يستدير، وروى عن أحمد، لقول أبى جُحَيْفةَ: وأذّن بلال فجعلتُ أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يقول يمينا وشمالا: حىَّ على الصلاة حىَّ على الفلاح. أخرجه مسلم (٣) ﴿٩٨﴾
من حديث طويل. ولأبى داود عن أبى جُحَيفة: رأيتُ بلال خرج إلى الأبْطح فأذَّن فلما بلغ حىَّ على الصلاة حىَّ على الفلاح. لوَى عُنقه يمينا وشمالا ولم يستدر (٤). والالتفات المذكور مقيد بوقت الحيعلتين. ولا يدور
стр. 583
عند الحنفيين إلا أن يكون على منارة فيدور (وقال) الشافعى والثورى والأوزاعى: يستجب الالتفات بالعنق فى الأذان يمينا وشمالا بلا تحوُّل عن القبلة بصدره وقدميه ولا دوران سواء أكان المؤذن على الأرض أم على غيرها وروى عن أحمد (وقال) مالك: لا يدور ولا يلفت يمينا ولا شمالاً إلا أن يريد الإسماع. هذا وقد اختلفت الروايات فى الاستدارة ففى بعضها أنه كان يستدير وفى بعضها ولم يستدر. ولكنها لم ترو الاستدارة إلا من طريق حجاج بن أرطاة وإدريس الأودىّ ومحمد العرزمى وهم ضعفاء وقد خالفهم من هو مثلهم أو أمثل وهو قيس بن الربيع فرواه عن عون قال فى حديثه ولم يستدر. أخرجه أو داود (قال) الحافظ: ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عَنى بها استدارة الرأس. ومن نفاها عنى بها استدارة الجسد كله (١).
(وفى كيفية) الالتفات أوجه (الأصح) أنه يلتفت عن يمينه فيقول: حى على الصلاة حى على الصلاة. ثم يلتفت عن يساره فيقول: حى على الفلاح حى على الفلاح.
(الثانى) أنه يلفت عن يمينه فيقول: حى على الصلاة ثم يعود إلى القبلة. ثم يلتفت عن يمينه فيقولها ثانية. ثم يلتفت عن يساره فيقول: حى على الفلاح. ثم يعود إلى القبلة. ثم يلتفت عن يساره فيقولها ثانية.
(الثالث) يقول حى على الصلاة مرة عن يمينه ومرة عن يساره، ثم يقول حى على الفلاح كذلك (٢) (وقال) ابن سيرين: يكره الالتفات ويرده الحديث. هذا ولم يرد التفات فى الإقامة. ولذا رجح البغوى القول بعد استجابه فيها، والأصح عند الشافعية استجابه، وقيل لا يلفت إلا أن يكون المسجد كبيرا (٣).
стр. 584
(١١) ويسن المؤذن وضع طرف أصبعيه فى أذنيه حال الأذان (لقول) أبى جُحيفة: رأيتُ بلالا يؤذن ويدور وأتتبّع فاه هاهنا هاهنا يعنى يمينا وشمالا وأُصبعاه فى أنيه. أخرجه أحمد الترمذى وقال: حسن صحيح وعليه العمل عند أهل العلم. يستحبون أن يدخل المؤذن أصبعيه فى أذنيه فى الأذان. وقال الأوزاعى: وفى الإقامة أيضا (١) ﴿٩٩﴾
(قال) الحافظ: فى ذلك فائدتان: (إحداهما) أنه قد يكون أرفع لصوته وفيه حديث ضعيف. أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القَرْظ عن بلال.
(ثانيتهما) أنه علامة للمؤذن ليَعرف مَنْ يراه على بعد أو مَن كان به صمم أنه يؤذن، ثم قال: لم يرد تعين الأصبع التى يستحب وضعها، وجزم النووى بأنها المسبحة. وإطلاق الأصبع مجاز عن الأنملة (٢).
(١٢) ويسنّ المبادرة بالأذان فى أول الوقت (لقول) جابر بن سَمُرة: " كان بلال يؤذن إذا زالت الشمسُ لا يَخْرُم ثم لا يقيم حتى يخرُج النبىُّ ﷺ . فإذا خرج أقام حين يراه. أخرجه أحمد وابو داود والنسائى (٣) ﴿١٠٠﴾
(١٣ و ١٤) ويسنّ التأنى فى الأذان بأن يفصل بين كل كلمتين بسكتة. والإسراع فى الإقامة. بألاّ يفصل بين كلماتها (لحديث) جبار أنّ رسول الله ﷺ قال لبلال: " يا بلالُ إذا أذّنت فترسل فى أذانك. وإذا
стр. 585
أقمت فاحدر، (الحديث) أخرجه البيهقى وابن عدى والترمذى (١) ﴿١٠١﴾
وضعفوه، لأن فى سنده: (أ) عبد المنعم صاحب السقاه ضعفه الدار قطنى. وقال أبو حاتم منكر الحديث جدا لا يجوز الاحتجاج به.
(ب) يحبى بن مسلم مجهول. وقال الترمذى: لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم وهو إسناد مجهول أهـ (وقد) روى من عدة طرق لا تخلو من مطعن (ويقويه) قول أبى الزبير مؤذن بيت المقدس: قال لى عمر بن الخطاب: " إذا أَذّنْتَ فترسّلْ وإذا أقمت فاحدُر " أخرجه البيهقى (٢) (قال) محمد بن عبد الرحمن فى شرح الترمذى: الحديث يدل على أنّ المؤذنّ يقول كل كلمة من كلمات الأذان بِنفَس واحد. فيقول التكبيرات الأربع فى أول الأذان بأربعة أنفاس (٣). وهذا ما اختاره أئمة المذاهب.
(قال) الكمال ابن الهمام: قوله ويترسل فى الأذان. هو أن يفصل بين كل كلمتين من كلماته بسكته (٤) (وقال) ابن نجيم: ويترسل فيه ويحدر فيها أى يتمهل فى الأذان ويسرع فى الإقامة، وحده أن يفصل بين كل كلمتى الأذان بسكتة بخلاف الإقامة للتوارث، ولحديث الترمذى أنه ﷺ قال لبلال: إذا أذنت فترسل فى أذانك. وإذا أقمت فاحدر. فكان سنة. فيكره تركه (٥) (وقال) ابن عابدين: رأيت لسيدى عبد الغنى رسالة فى هذه المسألة سماها " تصديق من أخبر بفتح راء الله أكبر " حاصلها أن السنة أن يسكن الراء من الله أكبر الأولى، أو يصلها بالله أكبر الثانية.
стр. 586
فإن سكنها كفى. وإن وصلها نرى السكون فحرك الراء بالفتحة. فإن ضمها خلاف السنة، لأن طلب الوقف على أكبر الأول صيره كالساكن أصالة فحرك بالفتح (١) (وقال) العمة الدردير فى صغيره: التكبير مجزوم أى ساكن الجمل لا معرب (قال) محشيه الصاوى: نقل البنانى عن أبى الحسن وعياض وابن يونس وابن راشد والفاكهانى أن جزم الأذان من الصفات الواجبة (٢). وفى الرهونى على شرح عبد الباقى قال النخعى: الأذان والتكبير كل ذلك جزم، وقال غيره: عوام الناس يضمون الراء من الله أكبر والصواب جزمها، لأن الأذان سمع موقوفا ومن أعرب الله أكبر لزمه أن يعرب الصلاة والفلاح بالخفض (٣) (وقال) ابن حجر الهيثمى الشافعى: يسن الوقف على أواخر الكلمات من الأذان لأنه روى موقوفا ولا ينافيه ما مر من ندب قرن كل تكبيرتين فى صوت لأنه يوجد مع الوقف على الراء الأولى بسكتة لطيفة جدا (قال) محشيه: " قوله يسن الوقف على أواخر الكلمات " أى مطلقاً سواء التكبير وغيره " وقوله روى موقوفا " أى ورد موقوفا على أواخر الكلمات. ومبنى العبادات على الاتباع (٤) (وقال) الكردى: وعبارة الإمداد: السنة تسكين راء التكبير الثانية وكذا الأولى (٥) (وقالت) الحنبلية: يسن الوقف على كل كلمة من كلمات الأذان والإقامة (قال) الشيخ منصور الحنبلى: " ولا يعربهما " أى الأذان والإقامة " بل يقف على كل جملة " منهما. قال إبراهيم النخعى: شيئان مجزومان كانوا لا يعربونهما: الأذان والإقامة (٦).
ولا دليل على هذه التسوية
стр. 587
(وقول) النووى: يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد. فيقول فى أول الأذان: الله أكبر الله أكبر بنفس واحد، ثم يقول الله أكبر الله أكبر بنفس آخر أهـ.
(رده) الحافظ فى الفتح بأن هذا إنما يتأتى فى أول الأذان لا فى التكبير الذى فى آخره. وعلى ما قاله النووى ينبغى للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين فى آخره بنفس (١).
(ولا يستدل) لما قاله النووى بحديث عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله. قال: أشهد أن محمداً رسول الله. ثم قال: حى على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حى على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه، دخل الجنة " أخرجه مسلم وأبو داود (٢) ﴿١٠٢﴾
لاحتمال أن التكبير فيه موقوف لا معرب. وذكر الجملة الثانية بعد الأولى لا يستلزم عدم الوقف عليها. ولم يثبت فى الرواية أن الراء فى الجملة الأولى مضمومة. ويؤيده أن سائر جمل الأذان موقوفة بالاتفاق، لاسيما أن الأصل الوقف على كل جملة من الكلام فلا يصح الاستدلال-بحديث عمر المذكور-على أن الجملة الأولى معربة.
стр. 588
(١٥) ويستحب - عند الحنفيين والشافعى وأحمد - إجابة المقيم بأن يقول السامع كما يقول المقيم إلا فى الحيعلتين فيقول بدلهما لا حول ولا قوة إلا بالله. وإلا قد قامت الصلاة فيقول بدلها أقامها الله وأدامها (لحديث) أبى أمامة أن بلالا أخذ فى الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة، قال النبى ﷺ : " أقامها الله وأدامها، وقال فى سائر الإقامة كنحو حديث عمر فى الأذان " أخرجه أبو داود والبيهقى (١) ﴿١٠٣﴾
وقال: وهذا إن صح شاهد لما استحسنه الشافعى ﵀ من قولهم: اللهم أقمها وأدمها واجعلنا من صالحى أهلها عملا.
(وقالت) المالكية: الإقامة لا تحكى. والراجح، القول الأول، للحديث المذكور. وهو " إن كان ضعيفاً " لأن فى سنده محمد بن ثابت وهو ضعيف. وشهر بن حوشب وهو مختلف فى عدالته " فضعفه " لا يضر فإن الضعيف يعمل به فى فضائل الأعمال باتفاق العلماء.
(١٦) ويستحب لمن سمع الإقامة أن يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة صل على محمد وآته سؤله يوم القيامة. فقد كان أبو هريرة يقوله إذا سمع المؤذن يقيم. أخرجه ابن السنى ﴿١٠٤﴾
وهو فى حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأى.
(١٧) ويستحب ألا يفصل بين كلمات الأذان بكلام أجنبى أو فعل. فإن حصل فصل يسير بذلك لا يبطل الأذان. وإن طال بطل. كما إذا
стр. 589
سكت أو نام طويلا أو أغمى عليه أو جن جنونا يقطع الموالاة. ولا يتكلم سامع الأذان والإقامة ولا يشتغل بشئ سوى الإجابة.
(١٠) أذان المرأة والمحدث: يكره أذان المرأة وإقامتها عند الحنفيين. وعند غيرهم لا يصح أذان المرأة كما تقدم. ويكرهان من الفاسق والجنب والقاعد لغير عذر من مرض ونحوه (قال) ابن القاسم: قال مالك لم يبلغنى أن أحدا أذن قاعدا. وأنكر ذلك إنكاراً شديداً وقال إلا من عذر به فيؤذن لنفسه إن كان مريضاً (١) (وتكره) إقامة المحدث حدثا أصغر اتفاقا (واختلفوا) فى أذانه فالصحيح عند الحنفيين أنه لا يكره أذانه. وهو مذهب أحمد وسفيان وابن المبارك، ورواية عن مالك (وكرهه) الشافعى والحسن البصرى وداود وقتادة (قال) البدر العينى. قال صاحب الهداية: وينبغى أن يؤذن ويقيم على طهر، لأن الأذان والإقامة ذكر شريف فيستحب فيه الطهارة. فإن أذن على غير وضوء جاز، وبه قال الشافعى وأحمد وعامة أهل العلم. وعن مالك أن الطهارة شرط فى الإقامة دون الأذان.
(وقال) عطاء والأوزاعى وبعض الشافعية تشترط فيهما (٢) أهـ. والمعتمد عند المالكية صحة إقامة المحدث مع الكراهة. ويؤيد القول بالكراهة فيهما حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة ألا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم. أخرجه البيهقى والدار قطنى (٣).
وفيه انقطاع. فإن عبد الجبار لم يسمع من أبيه. ولكن له شاهد من حديث ابن عباس بلفظ: يا بن عباس إن الأذان متصل بالصلاة، فلا يؤذن
стр. 590
أحدكم إلا وهو طاهر. أخرجه أبو الشيخ ابن حبان (١) ﴿١٠٥﴾
(١١) أذان المنفرد: يستحب الأذان المنفرد سفرا وحضرا، لقوله ﷺ فى حديث أبى سعيد فإذا كنت غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء (٢). وبه قال الحنفيون وأحمد. وهو الراجح عند الشافعية. ومحله عندهم إذا لم يسمع أذان الجماعة ويريد الصلاة معهم (قالت) المالكية: يندب لمن كان فى فلاة. ويكره للحاضر.
(١٢) الأذان قبل الوقت: قد اتفق العلماء على أنه لا يؤذن للصلوات قبل وقتها ما عدا الصبح. فإنهم اختلفوا فيها (فقال) النعمان ومحمد والثورى وزيد بن على: لا يجوز الأذان لها قبل وقتها كبقية الصلوات (لحديث) نافع عن ابن عمر أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبى ﷺ أن يرجع فينادى: ألا إن العبد قد نام. فرجع فنادى: ألا إن العبد قد نام. أخرجه أبو داود والترمذى وفى سنده حماد بن سلمة. ضعفه غير واحد. قال ابن المدينى: حديث حماد بن سلمة غير محفوظ، وأخطأ فى رفعه والصواب وفقه (٣). ﴿١٠٦﴾
(وقال) الجمهور: يجوز الأذان قبل الفجر مطلقا فى رمضان وغيره خلافات لابن القطان فإنه خصه برمضان (واستدلوا) بحديث ابن عمر وعائشة أنه ﷺ قال: " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى
стр. 591
يؤذن ابن أم مكتوم " أخرجه أحمد والخمسة، زاد البخارى فى رواية " فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر " وقال الترمذى: حسن صحيح (١) ﴿١٠٧﴾
(وبحديث) ابن مسعود: أنه ﷺ قال. " لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادى بليل، ليرجع قائمكم وينبه نائمكم " أخرجه السبعة إلا الترمذى (٢) ﴿١٠٨﴾
(وأجابوا) عن حديث ابن عمر بأنه ضعيف كما تقدم وعلى تقدير صحته فيحمل على أن ذلك كان قبل مشروعية الأذان الأول. فإن بلالا كان المؤذن الأول لرسول الله ﷺ . ثم اتخذ ابن أم مكتوم مؤذنا معه. فكان بلال يؤذن أولا، إرجاع القائم وإيقاظ النائم. فإذا طلع الفجر أذن ابن أم مكتوم (قال) فى الموطأ وشرحه (لم تزل صلاة الصبح ينادى لها قبل الفجر) فى أول السدس الأخير من الليل (فأما غيرها من الصلوات فإنا لم نرها ينادى لها إلا بعد أن يحل وقتها) لحرمته قبل الوقت فى غير الصبح (قال) الكرخى من الحنفية: كان أو يوسف يقول بقول أبى حنيفة لا يؤذن لها " يعنى قبل الفجر " حتى أتى المدينة فرجع إلى قول مالك وعلم أنه علمهم
стр. 592
المتصل (١) (واختلف) القائلون بجواز الأذان قبل الفجر فى الوقت الذى يكون فيه (فقيل) وقت السحر ورجحه جماعة من أصحاب الشافعى. وهو ظاهر مذهب المالكية. وقيل نصف الليل الأخير، ورجحه النووى (والظاهر) أنه يكون وقت السحر، ويؤيده حديث عائشة أن النبى ﷺ قال."إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم قلت: ولم يكن بينهما إلا ينزل هذا ويصعد هذا"أخرجه النسائى والطحاوى (٢) ﴿١٠٩﴾
وهل يكتفى بالأذان قبل الفجر للصلاة أم يعاد بعده؟ (قالت) الشافعية والحنبلية: يكتفى به للصلاة. وعند المالكية قولان أرجحهما عدم الاكتفاء.
(١٣) حكاية الأذان: ويطلب ممن سمع الأذان المسنون الإجابة. وهى أن يقول كما قال المؤذن إلا الحيعلتين. فللسامع أن يقولهما مثله. وله أن يقول بدل كل واحدة منهما. لا حول ولا قوة إلا بالله، لحديث عمر السابق (٣) ولقول علقمة بن وقاص: " إنى عند معاوية إذا أذن مؤذنه فقال معاوية كما قال المؤذن حتى إذا قال: حى على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلا بالله فلما قال حى على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال بعد ذلك ما قال المؤذن ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول مثل ذلك " أخرجه البخارى وأحمد والنسائى وهذا لفظهما (٤) ﴿١١٠﴾
стр. 593
(وعن) أبى سعيد: أن النبى ﷺ : " إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن " أخرجه الجماعة والشافعى (١) ﴿١١١﴾
هذا وظاهر قوله فى الحديث إذا سمعتم اختصاص الإجابة بمن سمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلا فى الوقت وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم، لا تشرع له الإجابة (٢) (والظاهر) أيضاً من قوله فقولوا التعبد بالقول وعدم كفاية إمرار الإجابة على القلب (واختلف) العلماء فى ذلك فذهب الجمهور إلى أنه يحكى الأذان كالمؤذن فى جميع ألفاظه إلا فى الحيعلتين فإنه يقول بدل كل واحدة منهما: لا حول ولا قوة إلا بالله حملا للعام على الخاص جمعا بينهما. وهو رواية عن مالك. وهذا ليس بمتعين طريقا للجمع. بل يمكن الجمع بأن يجيب المؤذن تارة فى جميع الكلمات على وفق الراويات الثانية. وتارة يجيب على حسب الروايات الأولى. وعلى هذا جرى ابن حزم (قال) ابن المنذر: يحتمل أن يكون هذا من الاختلاف المباح. فيقول: تارة مثل قول المؤذن حتى فى الحيعلتين وتارة يبدلهما بالحوقلتين (٣) (ومشهور) مذهب المالكية: أن السامع يحكى الأذان لمنتهى الشهادتين، وما زاد تكره حكايته حتى التكبير الأخير والتهليل، وقيل يخير فى حكايته
стр. 594
لظاهر قول عبد الله بن ربيعه السلمى. كان النبى ﷺ فى سفر فسمع مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. قال النبى ﷺ أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن محمداً رسول الله: قال النبى ﷺ :
أشهد أنى محمد رسول الله. وقال: تجدونه راعى غنم أو عازبا عن أهله (الحديث) أخرجه أحمد والطبرانى فى الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (١) ﴿١١٢﴾
ورد بأنه لا دليل فيه على كراهة حكاية ما بعد الشهادتين، لأن الظاهر أنه ﷺ حكى كل الأذان كما أمر فعند النسائى عن عبد الله ابن ربيعة أنه كان مع رسول الله ﷺ فى سفر فسمع صوت رجل يؤذن فقال مثل قوله (الحديث) (٢) واقتصار الراوى على الإخبار بحكاية الشهادتين، لا يدل على عدم حكاية غيرهما، والراجح الذى يشهد له الدليل أنه يطلب حكاية الأذان لآخره إلا أنه يدل الحيعلة فى كل مرة بالحوقلة.
(قال) العلامة الدسوقى: والحاصل أن الأذان قيل تندب حكايته لآخره إلا أنه يبدل الحيعلة بحوقلة. ورجحه فى المجموع (٣) وظاهر الأحاديث يدل على وجوب إجابة المؤذن فى جميع الحالات، وبه قال الحنفيون وابن وهب المالكى والظاهرية (وقال) مالك والشافعى وأحمد وجمهور الفقهاء: الأمر فى الأحاديث للاستحباب وهو اختيار الطحاوى. قالوا والصارف له عن الوجوب ما فى قوله أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع
стр. 595
الفجر. وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار. فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ على الفطرة ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ خرجت من النار. فنظروا فإذا هو راعى معزى، أخرجه مسلم (١) ﴿١١٣﴾
وأخرج الطحاوى نحوه عن ابن مسعود وقال: فهذا رسول الله ﷺ قد سمع المنادى ينادى فقال غير ما قال. فدل ذلك على أن قوله " إذا سمعتم المنادى فقولوا مثل الذى يقول " ليس على الإيجاب. وأنه على الاستحباب والندبة إلى الخير وإصابة الفضل كما علم الناس من الدعاء الذى أمرهم به أن يقولوه فى دبر الصلوات وما أشبه ذلك (٢).
(قال) الحافظ: وتعقب بأنه ليس فى الحديث أنه لم يقل مقل ما قال. فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوى اكتفاء بالعادة، ونقل القول الزائد وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قل صدور الأمر، يعنى بإحالة المؤذن (٣) وللجمهور أيضاً أن الأذان الذى هو الأصل ليس بواجب كما عليه الأكثر، فالإجابة لا تكون واجبة بالطريق الأولى.
(فوائد):
(الأولى) أيحكى الترجيع أم لا؟ ظاهر قوله فقولوا مثل ما يقول أنه يحكيه لن الترجيع مما يقوله. وهذا أظهر وأحوط.
(الثانية) روى سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه
стр. 596
وسلم قال: " من قال حين يسمع الأذان وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا، غفر له " أخرجه أحمد ومسلم والأربعة وقال الترمذى: حسن صحيح (١) ﴿١١٤﴾
وظاهر هذه الرواية يدل على أنه يقول هذا الذكر حال الأذان عقب سماعه الشهادتين. ويحتمل أنه يقول بعد تمام الأذان، إذ لو قال ذلك حال الأذان لفاته إجابة المؤذن فى بعض كلمات الأذان.
(الثالثة) هل باشر النبى ﷺ الأذان بنفسه؟ (قال) علاء الدين الحصنى: وفى الضياء أنه ﵊ أذن فى سفر بنفسه وأقام وصلى الظهر (٢) (وروى) يعل ابن مرة نه صلى الله عليه
وسلم أذن فى سفر وهو على راحلته وأقام فتقدم على راحلته فصلى بهم " أخرجه الترمذى وقال: حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح البلخى (٣) ﴿١١٥﴾
(قال) الحافظ: وجزم به النووى وقواه. ولكن وجدناه فى مسند أحمد من هذا الوجه فأمر بلالا فأذن فعلم أن فى رواية الترمذى اختصارا، وأن معنى قوله أذن أمر بلالا به، كما يقا أعطى الخليفة العالم الفلانى كذا، وإنما باشر العطاء غيره (٤) " لكن قال السندى وفى السراج (قال) عقبة بن عامر،
стр. 597
" كنت مع رسول الله ﷺ فى سفر فلما زالت الشمس أذن بنفسه وأقام صلى الظهر (وقال) السيوطى فى شرح البخارى، ظفرت بحديث آخر مرسل " أخرجه سعيد بن منصور فى سننه عن ابن أبى ملكية قال: " أذن رسول الله ﷺ مرة فقال: حى على الفلاح (١) " ﴿١١٦﴾
وهذه رواية لا تقبل التأويل.
(١٤) الصلاة على النبى ﷺ : يسن لمن سمع الأذان أن يصلى على النبى صلى الله لعيه وسلم بعد حكاية الأذان وأن يسال له الوسيلة "لحديث " عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبى ﷺ يقول: " إذ سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإن م صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا. ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها منزلة فى الجنة ل تنبغى إلا لعبد من باد الله. وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له الشفاعة " أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى (٢) ﴿١١٧﴾
ومثل السامع فيما ذكر المؤذن، لدخوله فى عموم قوله " من صلى على الصلاة " وقوله " فمن سأل الله لى الوسيلة " (قال) النووى: فيه استحباب الصلاة على النبى ﷺ بعد فراغه من متابعة المؤذن. واستحباب سؤال الوسيلة له ﷺ وأنه يستحب أن يقول السامع كل كلمة بعد فراغ المؤذن منها ولا ينتظر فراغه من كل الأذان (٣). والأمر فى الحديث
стр. 598
للندب عند الجمهور. وحمله الطحاوى على الوجوب. وظاهر الحديث جواز إفراد الصلاة على النبى ﷺ عن السلام بلا كراهة. وبه قال الجمهور، ولا وجه لمن قال بالكراهة (روى) جابر أن النبى صلى الله لعيه وسلم قال: " من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محموداً الذى وعدته، حلت له شفاعتى
يوم القيامة " أخرجه أحمد والبخارى والأربعة (١) ﴿١١٨﴾
هذا. وقد ورد فى الصلاة على النبى ﷺ بعد الأذان (أفضلها) ما فى حديث كعب بن عجرة: " قيل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه. فكيف الصلاة عليك؟ قال قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم حميد مجيد. اللهم بارك
стр. 599
على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أخرجه السبعة. ولفظ أبى داود قولوا: اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم. وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد (١) ﴿١١٩﴾
(وقال) أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه: " قلنا هذا السلام يا رسول الله قد علمناه فكيف الصلاة عليك؟ قال قولوا: اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم " أخرجه أحمد والبخارى والنسائى (٢) ﴿١٢٠﴾
والمطلوب فيها الإسرار من المؤذن والسامع.
(١٥) الدعاء بين الأذان والإقامة: يسن الدعاء بينهما. وهو مجاب لحديث أنس بن مالك أن النبى ﷺ قال: " الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة " أخرجه أحمد والثلاثة وحسنة الترمذى (٣) ﴿١٢١﴾
(وعن) أنس أن النبى ﷺ قال: " عند أذان المؤذن
стр. 600
يستجاب الدعاء. فإذا كانت الإقامة لا ترد دعوته " أخرجه الخطيب وضعفه السيوطى (١) ﴿١٢٢﴾
ويستحب أن يقال بعد أذان المغرب فما فى حديث أم سلمة قالت: علمنى رسول الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب " اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك فاغفر لى " أخرجه أبو داود والبيهقى والترمذى، وقال حديث غريب والحاكم وصححه (٢) ﴿١٢٣﴾
وإجابة الدعاء عامة فى الأمور الدينية والدنيوية ما لم يكن بإثم أو قطعية رحم وللإجابة شروط (منها) ألا يستعجل الداعى الإجابة، لحديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم ما لم يستعجل. قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعرت وقد دعوت فلم أن يستجاب لى. فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. أخرجه مسلم (٣) ﴿١٢٤﴾
ومنها (إقبال) العبد على ربه حال دعائه. وأن يكون موقنا بالإجابة. لكن تكون على حسب مراد الله تعالى وفى الوقت الذى يريده. لا على حسب مراد الداعى، ولا فى الوقت الذى يريده، إذ قد يدعو بما تكون عاقبته وبالا عليه كما وقع لثعلبة بن حاطب (٤).