← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ترجمة الشيخ الإمام المؤلف السيد محمود محمد خطاب السبكي تغمده الله برحمته وعمه برضوانه بقلم فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ أبي القاسم إبراهيم المدرس بالجامعة الأزهرية ﵀ وجزاه خيرًا الطبعة الخامسة ١٤١١ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه (أما بعد) فهذه قطرة من بحر، للتعريف بالشيخ الإمام. المؤلف - هو الفقيه المحدث المفسر الثقة الثبت ناصر السنة وقامع البدعة، المرشد الإمام الكبير أبو محمد محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكى. مولده - ولد الشيخ الإمام ببلدة سبك الأحد من قرى مركز أشمون بمحافظة المنوفية، فى يوم الخميس التاسع عشر من شهر ذى القعدة عام أربع وسبعين ومائتين وألف من الهجرة النبوية (١٢٧٤ هـ) أول يوليو ١٨٥٨ م. نشأته - نشأ الشيخ الإمام بين أبوين طاهرين كريمين تعهداه بحسن التربية، وغرس فيه والده منذ نعومة أظفاره روح السخاء والشجاعة والسؤدد وعلو الهمة وتلك مكارم أخلاق تحلى بها هذا الوالد العظيم، وقد كان سيدا فى قومه ذا بسطة فى الرزق والجسم محببا بين عشيرته وعارفى فضله ونبله. ولقد أنجب والد المؤلف ستة ذكور كل اثنين من سيدة فضلى، فكان يبعث واحدا للتعليم الأولى ثم تلقى العلم بالأزهر المعمور، ويبقى الآخر يعمل معه فى مزرعته الفسيحة الخصبة، ويعاونه على أعماله الأخرى. وكان من حظ المؤلف أن يبقى بجانب والده فى بحبوحة العز وعظيم الجاه، ولكن غير خامل ولا كسل، بل تراه فى حداثة سنة يكل إليه والده رعاية غنمه ليقظته النادرة وعزيمته الوثابة، وحسن سياسته وكياسته فكان خير حارس لها، وخير قائم على أمرها. ثم عهد إليه مراعاة خيل كان يملكها لما رآه شجاعا رابط الجأش " قوى القلب " فساس الجموح منها مرة بالشدة، وآونه باللين فاستحال ذلولا منقادا. وهل أحدثك عن آثار شجاعة المؤلف وهمته " وهو حدث (١) مراهق " حتى

стр. 3

يتجلى لك أن عناية الله تعالى كانت تحوطه وترعاه من بدايته. كان لوالد الشيخ الإمام حديقة واسعة الأرجاء. مساحتها ستة أفدنه أو تزيد، عدت عليها عوادى الدهر، واستلبت ثمارها أيدى الناهبين فشوهت جمالها، وأذهبت بهجتها، فما كان من هذا الوليد الفتى وهو رابط الجأش شجاع، له نفس أبيه تعاف الضيم، ما خالطها خور (١) العزيمة ولا جبن النذلاء (٢) كان لزاما عليه أن ينهض بتلك الحديقة يغرس أشجارها ويصلح أرضها، ويروى أزهارها ويشذب غصونها (٣) فإذا جن الليل واختلط، تعهدها بالحراسة غير مستسلم إلى الكرى " النوم " الذى لم يغمض له جفنا. شاء الله تعالى أن تصبح الحديقة روضة أريضة (٤)، يانعة الثمر وارفة الظل (٥) دانيه القطوف " تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها " وتجود بأطيب الثمرات. وحذق المؤلف غير هذا. النجارة والحياكة وفن البناء، وهو زراع ماهر صائد لا يخطئ الرماية، يصيب الطائر السريع سابحا فى جو السماء فيخر صريعا وفى الليل البهيم يصيد طيورا معتمدا على سماع صوتها. عبادة المؤلف اتصل المؤلف بعد بلوغه الحلم بالشيخ العارف بربه أبى محمد أحمد بن محمد جبل السبكى الخلوتى، فاشتغل بذكر الله كثيرا وجد فى الطاعة فكان يصوم النهار ويقوم من الليل مقبلا على مناجاة ربه علام الغيوب فى الأسحار. وربما صلى فى الليلة مائة ركعة مع كثرة ما لديه من أعمال النهار، فلاحت عليه علائم السعادة فأذن له شيخه أن يرشد المريدين إلى الطريق القويم، فدعا إلى طاعة الله تعالى،

стр. 4

وطاعة رسوله " صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله " فألفى آذانا صاغية، وقلوبا واعية جزاء إخلاصه، وصفاء سريرته ". المؤلف يكتب ويقرأ بعد أن كان أميا وبينما هو جالس ذات يوم فى بستان أبيه إذ دخل عليه ابن عم له بيده لوح صغير به بعض حروف الهجاء، فاشتاقت نفسه أن يتعلمها، فاتصل بمعلم القرية فكتبها له فقلد الإمام كتابتها، وما أعظم دهشة المعلم حينما رأى خط تلميذه اليافع (١) أحسن من خطه. وما هى إلا أيام تعد على الأصابع حتى صار المؤلف يجيد الكتابة والقراءة. المؤلف يخطو إلى الجامعة الأزهرية تاقت نفس المؤلف إلى الرحلة لتلقى العلم فى الجامع الأزهر المعمور. وبينما هو يناجى مولاه سحرا، جد فى الدعاء طالبا أن يمن عليه المنعم الوهاب بمعرفة العلم ويسهل له طريقه. وما مضى على دعائه أسبوع إلا وقد أشيع بين الناس أن الحكومة التى كانت لا تجند أولاد العمد، غيرت طريقتها. فأشار الشيخ خطاب "﵀ " أكبر أخوة المؤلف على أبيه، أن يأخذه معه إلى الجامع الأزهر، ليتمكن من الحصول على شهادة المعافاة من الخدمة العسكرية بانتسابه إلى الأزهر. وهو إذ ذاك الحرم المكين من دخله كان آمنا. وبعد أخذ ورد سافر المؤلف مع أخيه الشيخ خطاب العالم الجليل. وما كادت عينه تبصر السادة العلماء، وبين أيديهم تلامذتهم حتى تملك هذا المنظر سويداء قلبه، واستولى على مشاعره كلها وأخذت الآمال تملأ جوانحه (٢) حتى فاضت على لسانه إذ فاتحه أخو الشيخ خطاب فى الذهاب إلى أستاذ كبير يشار إليه بالبنان (المرحوم الشيخ حسن العدوى)

стр. 5

وكانت بينهما صداقة وثيقة، ليسهل له شهادة المعافاة فيعود على جناح السرعة إلى والده مخففا عنه هذا العبء الثقيل من أعماله، وهو يقوم بأوفر قسط منها. فقال المؤلف هيهات! ! وكيف أترك هذه الضالة المنشودة، وهل أضيع على نفسى مأربها وبغيتها؟ ؟ لابد من الانضمام إلى هذه الأسرة الدينية لأكون فردا منها ولابد من الجلوس بين هذه الحلقات العلمية ردحا من الزمن (١)، مفارقا تلك الحلقات الريفية، مترحما على الأيام الطويلة التى قضيتها بين ذويها وأترابها! ! دهش كل الدهش أخوه إذ يراه قد جاوز العقد الثانى من عمره، فأصبح طلب العلم عليه غير هين أدرك المؤلف منه هذا فقال: قد تسبق العرجاء. والله يختص برحمته من يشاء. ثم أقبل المؤلف على مطلوبة أيما إقبال. فكنت تراه فى اليوم الواحد يحفظ قسطا من كتاب الله تعالى، ومقدارا من المتون الأزهرية على الطريقة المألوفة إذ ذاك، ويتردد على على حلقات العلم يتزود منها ما شاء الله. ومضى عليه نصف عام كامل فهل يدور بخلدك (٢) أن هذا التلميذ الناشئ فى مكنته (٣) أن يكون أستاذا لمبتدئين يتلقون عنه دروس العلم فى المساء، ويشرف عليها بعض المعلمين المعجبين بذكاء ابن الريف المتقدم فى سنه! ! ومازال مجدا مواصلا ليله بنهاره، غير مقتصر على أن يملأ مخيلته بالمسائل العلمية يرددها لسانه، بل وضع نصب عينيه العمل بما يتطلبه العلم، موقنا أن الطالب لذلك هو الله تعالى ورسوله شاعرا أن وراءه أبناء الحلقات الريفية، وهم الذين خيم الجهل عليهم فما يدرون حلال ولا حراما، وما يفرقون بين ولى ولا نبى! ! وهؤلاء لابد أن تجمع الأيام بينه وبينهم فتنقلب هذه الحلقات الدينوية حلقات دينية يرى المجتمعون فيها من كان على شاكلتهم أضحى لهم معلما. ومعلم هذه الطبقات ترمقة عيونهم، وتصغى إلى قوله آذانهم. فان عمل بما

стр. 6

أرشدهم إليه التفوا حوله وقدسوه، وان اعوج انفضوا من حوله، واحترزوه. لبث المؤلف يتلقى عن أساتذته الأجلاء بالجامع الأزهر المنير ويلقى فى أوقات فراغه دروسا شتى على بعض الطلاب، ويرشد أبناء الريف إذا ما رجع إليهم فكان أزهريا بين الأزهريين، وواعظا مرشدا بين الريفيين وما رضى المؤلف أيام طلبه العمل أن يتناول جراية من أوقاف الأزهر، ولا أن يدون اسمه بين دفاتره، وما كان شغله الشاغل إلا التفانى فى العلم، والتحللى بالعمل، وهو ثمرة العلم! المؤلف يطارد الراقصات وآلات الملاهى فى الأفراح يتخذ فى بعض البلاد من لا خلاق لهم نسوة راقصات، ورجالا بأيديهم آلات الملاهى من موسيقى وطبل ومزمار وغيرها ليالى الأفراح. وفى الجمع الحاشد الشاب والفتاة، والشيخ والسيدة. وهؤلاء جميعا تثور شهواتهم وتفسد أخلاقهم، وتتغير طباعهم بهذه المناظر المخزية التى يندى لها وجه الفضيلة. فقام المؤلف على قدم وساق يعظ ويرشد ويعلم هؤلاء الجاهلين ما يجب عليهم لخالقهم ورازقهم الغيور على دينه المنتقم الجبار. وبين لهم المفاسد والأضرار المترتبة على اتخاذ الراقصات واستعمال آلات الملاهى، فهدى الله تعالى على يديه الكثير منهم، فثابوا إلى رشدهم وأنابوا إلى ربهم وتابوا من ذنوبهم. المؤلف ينهى عن منكرات المآتم فى كثير من بلدان القطر يأتى النساء منكرات فظيعة اذا ما زار الموت بيتا من البيوت، فترى الصارخة واللاطمة وشاقة الثوب ومن لطخت وجهها بالطين أو صبغته بالنيلج (١) وتبصر نسوة متشحات بالسواد سائرات وراء الميت إلى المقبرة، وعائدات إلى المنازل تقودهن النائحة، وتظل تندب لهن وتنوح، وتأتى ما حرم الله ورسوله، وربما نطقت بما يخرجها عن الملة وهى المعلمة الملقنة من

стр. 7

حولها تظل هى ومن معها ثلاثة أيام، ثم يعدن سيرتهن الأولى كل خميس حتى ينتهى جناز الأربعين وتلك عادات مزرية، وفعال مشينة، ومنكرات عكف عليها هؤلاء النساء. والرجال القوامون عليهن ساكتون لاهون. وليس هناك الآمر الناهى قوى اليقين. فشمر المؤلف ساعد الجد، وكشف ذراع الغيرة ونهى وزجر أهل كل بلدة يتنقل إليها وبين لهم ما يترتب على هذا الفعل الشينع من الضرر والفساد وغضب الواحد القهار، فثاب إلى رشده كثير ممن كتب الله الهداية لهم، وصلحت نفوسهم، ونفوس نسائهم. المؤلف ينحى باللائمة على أرباب الطرق منى القطر المصرى بالمتصوفة أرباب الطرق. وهم كثير تبلغ طرقهم ثلاثين أو تزيد. وقد كان المؤلف صوفيا خلوتيا قبل أن يخطو إلى الأزهر الميمون واختلط بكثيرين ممن ينتسبون إلى طرق أخرى فسمع الأذكار المحرفة ورأى الألعاب البهلوانية، وشاهد من يتظاهر بأكل النار والحيات والزجاج، وعاين الضرائب التى يجبيها مشايخ الطرق من مريديهم كأنها أموال أميرية وأبصر النذور والهدايا تقدم إليهم كأنها مسوقة إلى حرم الله تعالى، أو مبذولة إلى عيال الله الفقراء والمحاويج، فحمل عليهم الشيخ الإمام حملة شعواء، وأبان للعامة أنهم على غير هدى وأن ما يقدم لهم من الضرائب حرام وسحت، وكل لحم ودم نبتا من حرم فالنار أولى بهما، وأن الطرق الصوفية ليست حرفا ولا مهنا بل هى بأذكارها المحرفة وضرائبها ونذورها، شارة سوداء تشوه جمال الدين الإسلامي، وتجعل الأجانب الغربيين أعداء الدين ينظرون إلينا نظرة السخرية والازدراء فى حين أن الدين منهم براء، وأن سيدنا محمدا صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله يمقت هؤلاء. وكانت النتيجة أن تباعد كثير من هؤلاء المتصوفة، فقلت أرزقهم وقطعت نذورهم، فأخذوا يكيدون للمؤلف، ويدبرون له المؤامرات من يومئذ ولا تنس أن المال شقيق الروح! !

стр. 8

المؤلف يحمل على قراء القرآن اعتاد بعض القراء تلاوة كتاب الله تعالى فى المقابر، وفى الطرقات العامة، وفى المنازل بحضرة النساء، وأمام من لا يعرف للقرآن حرمة كشارب دخان ومهوش أثناء القراءة غير منصت، كما اعتاد بعضهم التلاوة المحرفة غير المشروعة فنصح المؤلف للقراء أولا بالحسنى ثم أخذ يزجرهم ويبين لهم انهم آثمون وأن القرآن الكريم سيكون حجة عليهم لا لهم يوم الوقوف بين يدى ملك الملوك مذل الطغاة والعصاة. وبين للناس ما ينبغى أن يتحلى به القارئ والمستمع من الآداب والتدبر والاعتبار. فهدى الله على يديه كثيرا ممن أراد الله بهم الخير وألهمهم الرشد " لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " (١) أخرجه الشيخان عن أبى العباس سهل بن سعد الساعدى. المؤلف يرى البدع فاشية فى الأزهر والمساجد الأخرى رأى المؤلف البدع فاشيه فى الأزهر كعبة العلم، وفى مساجد القطر وهو يعلم أن الناس تسير وراء العلماء شبرا بشبر، وذراعا بذارع، وأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى حاجة إلى أدلة صحيحة صريحة تزيل الشبهات حتى يظهر الحق ناصعا، وأنه لابد مع هذا من أخذ أقوال العلماء أرباب المذاهب عن تلك البدع والمنكرات التى شاعت وذاعت وحلت محل السنن والمأمورات حتى التبست على المتعلمين أنفسهم لسكوت فطاحل العلماء عنها فجاهد المؤلف جهاد الأبطال، ورفع أسئلة بذلك إلى حضرات السادة العلماء، فأجابوا بأن جميع بدع العبادات باطلة لا يجوز العمل بها كما هو مقتضى نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة،

стр. 9

وأمضى بعضهم على هذه الفتاوى وختم آخرون. ولما تسلم المؤلف الفتاوى دونها فى كتاب أسماه (فتاوى أئمة المسلمين) وقام بطبعه ونشره بين الناس ولا تزال صور هذه الفتاوى لمشايخ الأزهر وكبار علمائه محفوظة لمن يريد الاطلاع عليها فى أى وقت يشاء. ثم أخذ المؤلف ينشر كتبا ورسائل يبين فيها بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ونصوص أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم، أن الدين ما كان عليه رسول الله "صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله " وأصحابه والأئمة المجتهدون رضوان الله تعالى عليهم، وقد عرضت هذه المؤلفات على جهابذة العلماء فاطلعوا عليها وقرظوها تمام التقريظ، واعترفوا أن ما فيها صواب وحكمة، وأن من يخالف أحكامها يكون مبتدعا آثما، وقد طبعت هذه الكتب والرسائل وتناولتها الأيدي، فعمل بها الكثيرون بعد أن ظهر لهم أن البدع التى فى الأذان والصلاة والصيام والحج والأفراح والمآتم والأضرحة والملبس والمطعم وغيرها مضادة للدين، أحدثها من لا خلاق لهم، وتعودها الناس حتى اختلط الحابل بالنابل (١). وماذا كان بعد هذا؟ تبرم (٢) الناس ممن سكت من السادة العلماء هذه السنين الطويلة على هذه البدع الطاغية حتى تركوها تفرخ كل يوم، وتناولوا العلماء بالسنة حداد. عند ذلك شعر العلماء بما يحيط بهم من خطوب وأهوال فأخذوا يدبرون للمؤلف ما يدبرون، ويشيعون بين الناس أنه يكفرهم ويكفر سواد الأمة، وهذا منهم أمر طبيعى ألفته النفوس. وما أراد المؤلف للعلماء والعامة إلا خيرا دنيا وأخرى. المؤلف يؤدى امتحان العالمية بتفوق كان الأزهر يعنى أبناؤه العناية التامة بدراسة العلوم الشرعية والعربية ومن أراد أن ينال شهادة العالمية، وضع رسالة في مبادئ هذه العلوم يقدمها إلى شيخ الأزهر مرافقة لطلب الامتحان. والمؤلف لا طماعية عنده في نيل هذه الشهادة،

стр. 10

التي من ورائها الرواتب والمناصب، إذ أن نفسه الطاهرة لها اتجاه غير هذا. ولكن أحد تلامذته أشار عليه أن يتقدم إلى الامتحان، ونيته تعليم أبناء الأزهر ومن سواهم بعد نيله الشهادة كيما يساير الناس وهم يعتقدون أن العلم لا يؤخذ إلا ممن لديه هذه الشهادة، فأنشرح صدره ووضع الرسالة وقدمها وبعد البحث اتضح أن اسمه غير مدرج في سلك الطلاب، ولم تكن له مدة معلومة فلا يقبل طلبه ولكن الله القدير يسر له الصعاب! ! وفي الأربعاء اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب سنه ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف (سنه ١٣١٣ هـ) ١٥ يناير سنه ١٨٩٦ م أدى المؤلف الامتحان أمام اللجنة المكونة من حضرات أصحاب الفضيلة الأساتذة الأجلاء الشيخ حسونة النواوى شيخ الأزهر ومفتى الديار المصرية. والشيخ بكرى عاشور الصدفى والشيخ عمر الرافعى الحنفيين. والشيخ أحمد الرفاعى والسيد على الببلاوى المالكين. والشيخ محمد حسين الابريرى. والشيخ سليمان العبد الشافعيين. ولقد كان أعجاب اللجنة به عظيما وسرورها فائقا وجاوز المؤلف الميدان ظافرا منصورا! ! وتصادف أن المؤلف قبل أن يؤدى الامتحان ألف كتابا أسماه (الرسالة البديعة الرفعية. فى الرد على من طغى فخالف الشريعة) وخطبته ملأى بإشارات التصوف فطلب منه الأستاذ الشيخ عمر الرافعى قبل أن يغادر اللجنة أن يروح أفئدتهم بطرفه من التصوف، واستعان بالشيخ حسونة ليجاب الطلب. فقال المؤلف: " أن القلوب ممتلئة بحب الدنيا فلا تقبل شيئا من التصوف، ولازال مصرا على هذا الامتناع بعد إلحاح الشيخ النواوى. فتألم جد الألم الشيخ الرافعى ظانا أن المؤلف شامخ بأنفه متكبر، غير أن السيد الببلاوى أفهمه وأفهم الأعضاء أن الأستاذ محمودا صريح غير متكبر، وهو رجل جاهد نفسه، وتعلق بربه ﵎! المؤلف يشق للأمة طريقا فى الحياة عمليا (وبعض الشيوخ يكيد له) بعد نيله إجازة التدريس عنى جد العناية فى دروسه التى كان يلقيها فى الأزهر

стр. 11

المعمور وغيره على مئات الطلاب، ببيان البدع الفاشية والخرا فات المضلة، محذرا الناس وبخاصة ذوى العلم من ارتكابها والسير فى طريقها المعوجة، مرشدا إلى العمل بهدى الرسول الأمين. وصحبه الطيبين الطاهرين. وبهذا تبين لكثير من أهل العلم أن ما يرونه محيطا بهم من البدع والمنكرات فى المساجد وسواها، لا يتفق ومبادئ الدين الحنيف، وأنهم لابد مسئولون أمام الله تعالى بتفريطهم وسيرهم فى طرقاتها، والعامة من ورائهم يعملون ويقدسون كما عملوا وقدسوا. ولما رأى فريق من شيوخ الأزهر أن دعوة المؤلف كل يوم تزداد. وأنهم لا يسلمون منه أخذوا يصطادون فى الماء العكر، ويؤلبون عليه ويبيتون ما الله به عليم! ! وأيم الله لقد عملوا كل ما فى وسعهم من تقديم شكاوى إلى أمير البلاد الخديو السابق فوضعت فى زوايا الإهمال، وعادوا بخفى حنبن! ! وياليتهم اكتفوا بهذا بل عمدوا إلى دار الحماية البريطانية يشكون. وماذا كانت شكايتهم؟ أن السبكى قائد جيش عرمرم من التلاميذ والأتباع وهذا الجيش خطر على الأمن العام فى البلاد. ولكن بعد التحرى وبث العيون والأرصاد، تبين أن الرجل برئ، وأنه يدعو إلى الله تعالى والى العمل بدنيه، والاعتصام بسنة حبيبة السيد الهادى الأمين " صلوات الله تعالى وسلامة عليه وعلى آله " وأن من حوله من هذه الجموع المحتشدة قوم أخيار يعملون لدينهم قبل دنياهم. ولما فشل هذا الفريق فى مسعاه السياسي لجأ إلى شيخ الأزهر إذ ذاك المغفور له الإمام الوقور الشيخ سليم البشرى طالبا تشكيلي مجلس علمى يناظر المؤلف ويبحث معه فيما يدعيه من البدع الفاشية، والسنن المتروكة، فأرسل شيخ الأزهر إليه يدعوه فلبى مسرعا. وكانت المناظرة فى إدارة الأزهر فقارعهم بالحجة والدليل فهزمهم وولوا مدبرين! ! ولبث المؤلف يجاهد بقلمه كما جاهد بلسانه فتراه ينشر بين الناس المؤلفات القيمة تدعوهم إلى ما كان عليه النبى وأصحابه والسلف الصالح والأئمة المجتهدون، والعلماء العاملون. وهذه المؤلفات ليست فى حاجة إلى إطراء وتقريظ. عرفها

стр. 12

من اطلع عليها، وسيعرفها من يطلع عليها بعد إن شاء الله تعالى. ويبلغ ما علمنا به منها ثمانية وعشرين مؤلفا. وفيما يلى أسماؤها: ١ - أعذب المسالك المحمودية: فى التصوف والأحكام الفقهية. أربعة أجزاء. ٢ - حكمة البصير: على مجموع الأمير " فى فقه الإمام مالك ". أربعة أجزاء. ٣ - هداية الأمة المحمدية: فى الحكم المحمودية السنية. وهو ديوان خطب منبريه. ٤ - إصابة السهام: فى فؤاد من حاد عن سنة خير الأيام. ٥ - تحفة الأبصار والبصائر: فى بيان كيفية السير مع الجنازة إلى المقابر. ٦ - الرسالة البديعة الرفيعة: فى الرد على من طغى فخالف الشريعة. ٧ - حاشية ديباجة الرسالة البديعة. ٨ - المقالة الشرعية للرآسة الإسلامية. ٩ - غاية التبيان: لما به ثبوت الصيام والإفطار فى شهر رمضان. ١٠ - العهد الوثيق: لمن أراد سلوك أحسن طريق. ١١ - النصيحة النونية ٠ فى الحث على العمل بالشريعة المحمدية. ١٢ - تعجيل القضاء المبرم: لمحق من سعى سنة الرسول الأعظم. ١٣ - فتاوى أئمة المسلمين ٠ بقطع لسان المبتدعين. ١٤ - سيوف إزالة الجهالة ٠ عن طريق سنة صاحب الرسالة. ١٥ - فصل القضية ٠ فى المرافعات وصور التوثيقات والدعاوى الشرعية. ١٦ - المقامات العلية ٠ فى النشأة الفخيمة النبوية. ١٧ - السم الفعال ٠ لأي أمعاء فرق الضلال. ١٨ - الصارم الرنان ٠ من كلام سيد ولد عدنان. ١٩ - العضب المنظوم ٠ للذب عن سنة المعصوم. ٢٠ - الرياض القرآنية ٠ فى الخطب المنبرية. ٢١ - خلاصة الزاد ٠ لمن أراد سلوك سبيل الرشاد. ٢٢ - رسالة البسملة ٠

стр. 13

٢٣ - رسالة مبادئ العلوم. ٢٤ - الحكم الإلهية بالدلائل القرآنية (فى الخطب المنبرية). ٢٥ - اتحاف الكائنات. ببيان مذهب السلف والخلف فى المتشابهات. ٢٦ - المنهل العذب المورود. شرح سنن الإمام أبى داود (طبع منه عشرة أجزاء) انتهى إلى " باب الهدى " من كتاب الحج، والأجزاء الأربعة من الحادى عشر إلى الرابع عشر تكملة المنهل العذب. ويظهر ما بعدها إن شاء الله تعالى. ٢٧ - الدين الخالص. أو إرشاد الخلق: إلى دين الحق. طبع منه ثمانية أجزاء تنتهى بانتهاء كتاب الصيام (والتاسع) إرشاد الناسك إلى أعمال المناسك وهو يجمع مناسك الحج باستفاضة وعلم غزير ٢٨ - محور الوصول. إلى حضرة الرسول. أيها القارئ الكريم إن أمامك هذه الصحف المطهرة هى كتب قيمة تناديك من كل مكان فى ذهابك وإيابك، وحلك وترحالك. فهل متعت بصرك بقراءتها؟ وأنت ذو عقل سليم وتفكير صحيح. فلا يؤثر عليك سحر المؤلف. ولا طلاوة (١) أسلوبه، بل يأخذ بلبك ساطع حجته، وقوة منطقة، ونور برهانه. فعليك بمطلعتها، والزود منها. وما نريد إلا العمل بما فيها أن كنت منصفا رشيدا. ولا تظن أيها القارئ أن المؤلف خارت (٢) عزيمته، وكلت همته إزاء هذه المناوشات. بل سار فى طريقه دائبا مجاهدا معتمدا على ربه، مستعينا بحوله وقوته ومن استعان بربه رعاه ونصره نصرا مؤزرا. ولقد صدق الله تعالى إذ يقول: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وان الله لمع المحسنين " نعم هداه الله تعالى إلى سبيله، فلم يثنه شئ عن قيامه بالنصح والإرشاد ولم يتحول قيد (٣) شعرة وما برح

стр. 14

مثلا عاليا للثبات على المبدأ ونبراسا (١) وضاء للتضحية بنفسه وماله ووقته. وهل يخطر بباك أن المؤلف وقفت همته عند التدريس والوعظ والتأليف؟ معاذ الله! ! وكيف تقف تلك الهمة الوثابة؟ همة زعيم مصلح خطير، نشأ متحركا وعاش متحركا. ومن كان هذا دأبه فهو مؤسس جماعة، وواضع لها نظاما وقانونا يكفل بقاءها ودوامها. المؤلف ينشئ الجمعية الشرعية أن جهادا فى سبيل الله، وفى سبيل نصرة دينه، واحياء العمل بسنة حبيبه المصطفى سيد المصلحين وإمام المتقين " صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " - يلبث زهاء (٢) عشرين عاما (من سنة ١٣١٣ إلى سنة ١٣٣١ هـ) لابد أن يحاط بسياج (٣) متين، وسور منيع يكفلان راحة من انصووا (٤) تحت راية هذا الجهاد ولا شئ أبقى لوحدة الأفراد من تكوين جماعة. وفى الحديث " ويد الله على الجماعة " أخرجه الترمذى عن ابن عباس والبزار عن سمرة بن جندب. عنى المؤلف فى الأربعاء غرة المحرم سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف (سنة ١٣٣١ هـ) ١١ من ديسمبر سنة ١٩١٢ م بتكوين جمعية أسماها (الجمعية الشرعية: لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية) ووضع لها قانونا محكما منظما. مواده ترشد إلى عملى الدنيا والآخرة وتدعو إلى الحسنيين. وقد سارت عليه الجمعية بإشراف مجلس إدارتها تحت رياسة المؤلف زهاء ربع قرن (من سنة ١٣٣١ إلى سنة ١٣٥٢ هـ) وهى تتقدم باطراد كل عام بفضل رجالها الذين صفت نفوسهم، واعتمدوا على بارئهم فى جميع شئونهم، يفرون من الكسالى المتعطلين والخاملين فرار السليم من الأجرب، وإذا فتشت بين صفوفهم فلا ترى متسولا، ولا متسكعا بل ترى كل من انضم إلى هذه الجماعة. قد شق لنفسه طريقا فى الحياة يسلكه إلى عمل مشروع. شأن المسلمين فى صدر الإسلام، ومن بعدهم أيام عزتهم وصولتهم.

стр. 15

آثار الجمعية (الوعاظ , إنشاء المساجد. شركة المنسوجات الوطنية) فى مقدمة آثار هذه الجمعية الناهضة وعاظها الذين يبلغ عددهم أكثر من مائتى واعظ اختارتهم من بين أفرادها المثقفين المدربين للقيام بتعليم العامة أصول الدين وفروعه فى دروسهم ومحاضراتهم. لا يفترون عن غرس مبادئ الدين الصحيحة فى نفوس اخوتهم المؤمنين واللين رائدهم. والرفق حليفهم والموعظة الحسنة ديدنهم. والحكمة وسداد الرأى قبلتهم. سمحاء حنفاء، لا مشددين ولا معسرين ولا متنطعين ولا رجعيين. ولقد وضعت لهم الجمعية منشورا عاما يسيرون على ضوئه. لا يلى أحدهم هذا المنصب الإسلامي الرفيع إلا بعد أن يتعهد كتابيا بالسير على مقتضاه. والمنشور كله خير مما يدل على أن الجمعية جد حريصة على المحافظة على الوحدة الإسلامية، بعيدة كل البعد عما يوجب تفريقا وانشقاقا وصدعا وانثلاما. واليكم هذا المنشور العام بنصه. وهو والجمعية الشرعية توءمان ولدا عام التكوين (سنة ١٣٣١ هـ). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمد من وعظ نفسه قبل أن يعظ سواه، والصلاة والسلام الدائمان الأتمان على كوكب الإرشاد ومنار الهداة، وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا نفوسهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله. (أما بعد) فقد رأت الجمعية الشرعية فى حضرة الأستاذ الفاضل ................ من المكانة الأخلاقية والعلمية ما يؤهله لأن يجوب فدافد (١) الأرض شرقا وغربا وجنوبا وشمالا يعظ المسلمين، ويرشد الحائرين، ويذب عن دين الله شبه الضالين والمارقين. لذلك أسندت إليه هذا المنصب السامى مع علمها بخطورته

стр. 16

ووعورة مسالكه. والجمعية ترجو منك أيها الأستاذ أن تتقى الله فيها وفى نفسك وفى المسلمين. فانك قد أصبحت أمينا على دين الله، مالكا زمام من ترشدهم تقودهم إلى حيث تريد. فجنتهم ونارهم بين لحييك (١). فيجب إذا أن تجعل مركزك فوق مركز ذلك الطبيب الحاذق الذى يعطى من الأدوية لكل مريض ما يناسبه بمقادير خاصة لا ينقص ولا يزيد عليها شيئا. يعرف أن التباب فى طرفى الإفراط والتفريط. وان الجمعية تبيح لك أن تغدو وتروح فى تعليمك، واضعا نصب عينيك إفادة المسلمين، متدليا فى ذلك من أهم إلى مهم فتبتدئ بغرس العقائد فى نفوس من تباشر تعليمهم، مراعيا مذهب أهل السنة والجماعة، بعيدا عن المشاغبات الكلامية والبراهين المنطقية لصعوبتها على أفكار العامة من الناس. وتردف ذلك بتعليم ما لابد منه أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج، وتتبع هذا نهيهم عما هو فاش فى البلاد من المنكرات كترك أركان الإسلام وكالربا والزنا وشرب الخمر والقتل وتعاطى كل مسكر من الأنبذة والحشيش والمنازيل. وتنهاهم أيضا عن السرقة والغش والإيمان الفاجرة والنميمة والغيبة وسم البهائم وشق بطونها وحرق المزروعات وتقليعها، والحسد والحقد والكبر والعجب والرياء والمراء. وتنهاهم أيضا عن لعب الكاب المعروف والسيجة والطاولة والكتشينة وغير ذلك من كل فعلى باطنى أو ظاهرى قبيح. ثم تعرج بهم إلى رياض الآداب النبوية والأخلاق المحمدية كالحلم والصبر والتوضع والكرم والرغبة عن الدنيا وفى الآخرة وحب الخير للمسلمين والسعى فيما يزيل الأحقاد من نفوسهم، والتزاور فى الله، وإفشاء السلام، والتعاون على البر والتقوى، وتعلمهم لباس النبى صلى الله وعلى آله وسلم وآكله وشر به وغير ذلك من كل خلق نبوى يتعلق بعادة أو عبادة تمنحهم منه ما يطيقون. ثم تنحدر إلى ما يخالف ذلك من البدع فتنبه عليه حاثا على اجتنابهم إياها، اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 17

وحبا فى أدب المصطفي ﷺ ، وبغضا لما سواه بعبارة يفهمها العام والخاص يصحبها التأنى، فان فى الناس الغبى والذكى. كل ذلك وأنت رحب الصدر، حلو اللسان، طلق الوجه، أزهد الناس وأبعدهم عن الفحش فى القول، تسع السفيه والجاهل والمتعنت جاعلا محورك الذى يدور حوله الكلام، قوله تعالى على لسان سيدنا لقمان رضى الله عنه إذ يقول لابنه ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وإياك ثم إياك أن يخطر ببالك أن تتكلم فى موضوع سياسى، فان ذلك ليس من شأنك. وحسبنا فى ذلك حكومتنا السنية (حفظها الله وقواها). ومعلوم أن الدين دين الله، والهداية لدينه بيده لا يملكها سواه. وليس علينا سوى أن نعرف، والحمل على الأمور والتعب لتنفيذها خارج عن الواجب علينا، فلا تتعرض له فمن سمع وعمل فالخير أراد لنفسه. ومن أعرض عنا وتركنا وما نأمر به، فالخير أردنا، وما علينا إلا البلاغ اتباعا لسيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووقوفنا على ما حده الله له إذ يقول: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ﴾. إنشاء المساجد ومن آثار الجمعية التى تغتبط عليها، إنشاؤها المساجد العديدة فى مدن الجمهورية وقراها. وفى مقدمتها المسجد الكبير بالقاهرة (فى عطفة الشيخ السبكى بشارع الخيمية على مقربة من باب زويلة " بوابة المتولى " وجامع الوزير طلائع بن رزيك الأثرى) وكان الفراغ من بنائه وتنسيقه سنة ١٣٤٢ هـ. هذا المسجد الكبير أنشأته الجمعية فى حياة المؤلف " أمام داره الفسيحة التى يؤمها القاصى والدانى " على قطعة أرض تبلغ مساحتها ثلاثة أمتار ومائتين (٢٠٣ من الأمتار المربعة) وفيه تصلى الجمعة، والصلوات الخمس كصلاة الرسول وخلفائه ومن استقوا من شرعة الرسول صلى الله

стр. 18

عليه وعلى آله وسلم، وكم كنت تسر وينشرح صدرك حينما ترى الأستاذ المؤلف المرحوم بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع متربعا على كرسيه فى تلك الرقعة البسيطة من الأرض يحتف به حزب الله وجنود الله، كأنما على رءوسهم الطير. والشيخ ينثر بينهم الدرر والجواهر من عظاته البالغة، ونصائحه الحكيمة بأسلوب واضح جلى تصل آثاره إلى النفوس قبل الرءوس، فيهذبها ويحييها. وفى المجلس الحاشد العالم وغيره، فيأخذ كل بغيته وفوق ما يتمنى. وما اقتصر المؤلف (تغمده الله برحماته) على موعظة هذا اليوم الأسبوعي. بل كان يلقى درسين فى هذا المسجد بعينه ليلة الجمعة وليلة السبت من كل أسبوع فى الحديث النبوى. فدرس سنن الإمام النسائى كلها. وجزءا غير قليل من سنن الإمام أبى داود. وما عاقه عن إتمامه إلا المنية أسبغ الله عليه الرحمة وعمه بالإحسان والرضوان. وانك لتعجب العجب كله وأنت متعلم مثقف حينما ترى الأمى الساذج يجلس بجوارك جنبا إلى جنب يتفهم أحكام الدين بسهولة من غير تكلف ومن غير ما حرج! . ألا أن هذا المسجد المؤسس على تقوى من الله ورضوان، ينادى المسلمين أن يفدو إليه ليروا صورة مكبرة لعهد أول الإسلام غير مشوبة بما يبرأ منه الإسلام! والله تعالى يعلم أن الجمعية ما أرادت بإنشاء مساجدها المتعددة فى القاهرة وسواها من بلدان القطر ضرارا ولا تفريقا بين المؤمنين، بل ما قصدت إلا إرشاد المسلم إلى عبادة نقية نائية عن الجلبة والضوضاء والتهويش، عبادة ملؤها الخشوع والخضوع لله الملك الدوس، الذى يعلم خائنه الأعين وما تخفى الصدور. هذا، وان مساجدها مفتحة الأبواب من مطلع الفجر إلى ساعة متأخرة من الليل، يتردد إليها المسلمون على اختلاف طبقاتهم فيجدون إخوانا لهم رحماء فرحين مستبشرين! المنسوجات الشرعية ومن آثار الجمعية الميمونة تلك المنسوجات الشرعية الوطنية. التى كانت تصنع

стр. 19

بمصنع الجمعية، وتباع فى مركزها الرئيسى وفى الفروع التابعة لها. وهذه المنسوجات حسنة من حسنات المرحوم الإمام، ورمز منه للنهوض بالمسلم الوطنى فى مصاف أبناء الغرب، من يأخذون نبات التربة المصرية من قطن وكتان وغيرهما بأبخس ثمن ويردونه إلينا منسوجا، الدرهم منه بعشرات الدنانير! . ومنسوجات الجمعية الشرعية من قطنك وكتانك أيها المسلم الوطنى. فلا ترى فيها حريرا فى حين أنها أجود من الثياب الحريرية، ولا تقل عنها نعومة. وهى تنأى بلابسها عن الحرام والمكروه وما فيه ريبة واشتباه فالبس منها يا ذا العقل الراجح، وترحم على الإمام المؤلف الراحل. ومن خرج فى المدرسة الشرعية المحمدية مسلمين عمليين. عبادتهم ومساجدهم وملابسهم يضارع ما كان عليه سلف الأمة "رضى الله عنهم ورضوا عنه". ظلت هذه المنسوجات سنوات طوالا، وما استغنت عنها الجمعية وعن مصنعها إلا بمزاحمة المنسوجات الأخرى الوطنية الكثيرة. المؤلف يودع الأزهر لبث الشيخ يدرس بالأزهر بعد نيله العالمية سبعا وثلاثين سنة من (١٣١٣ إلى ١٣٥٠ هـ) وما ترك الأزهر زهادة فيه، بل حال بينه وبين مواصلة جهاده فيه، إحالة مجلس الأزهر الأعلى له على التعاقد بجلسة يوم الخميس الخامس من جمادى الأولى سنة ١٣٥٠ هـ الموافق ١٧ من سبتمبر سنة ١٩٣١ م وإنها لجلسة صارخة روعت فداحتها العالم الإسلامي أجمع، إذ بلغ فيها عدد المحالين إلى المعاش والمفصولين من الأزهر والمعاهد الدينية سبعين عالما. كثير منهم فى مقتبل العمر، ونضرة الشباب، وبذا نكل المجلس بسبعين أسرة، وسامها سوء العذاب! ! وكان ذلك فى عهد حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد الأحمدى الظواهرى شيخ الأزهر ورئيس مجلسه الأعلى. وفى عهد رئيس الوزراء حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقى باشا. ولا تحدثك نفسك أن الشيخ مال إلى الراحة بعد نصب وطول سهاد (١)

стр. 20

كما مال غيره من المعمرين. بل ما زال عاكفا على العمل، فى داره بين مسجده الزاهر، ومكتبته العامرة، ومؤلفاته القيمة، وجمعيته الشرعية الميمونة، وتلامذته العديدين الوافدين إليه يغترفون من منهله العذاب، ويحيطون به إحاطة الهالة بالقمر فى مجلسه الخاص بعد عصر كل يوم، ويعلوهم جميعا حياء وأدب جم من هيبة الشيخ وجلاله. وما يمنعهم حياؤهم السؤال عن مهمة دينية أو دنيوية. ومن جلس منهم لا يفك حبوته إلا مؤذن المغرب، يدعوه إلى الوقوف بين يدى الحى القيوم! ! المؤلف يودع الحياة وما طالت حياة الشيخ بعد وداعه الأزهر، إنها لمدة قصيرة: سنتان إلا نحو شهرين. فى نهايتها يزوره الموت الزوام. وما اشتكى ألما، وما انقطع عن عمله الموصول، ولا عن مجلسه الخاص إلا بعد عصر الخميس الثالث عشر من شهر ربيع الأول عام اثنين وخمسين وثلاثمائة وألف (١٣ من ربيع الأول سنة ١٣٥ هـ) وفى صبيحة يوم الجمعة الرابع عشر منه، أطل على بعض تلامذته من نافذة حجرته، فناوله آخر ملزمة من الجزء السادس من شرحه لسنن الإمام أبى داود (المنهل العذب المورود) كان يصححها لترسل إلى مطبعة الاستقامة. ولما حان وقت صلاة الجمعة، أخذ القوم يلتفتون يمنه ويسرة، علهم يحظون بطلوع الشيخ عليهم متقدما إلى الصف الأول، يستمع إلى الخطيب، ويؤدى صلاة الجمعة ويعظهم بعدها كعادته. فما حظوا، وارتد البصر منهم وهو كليل! ! وما حسبوا أن فقدانهم الشيخ هذه الساعات، يكون فقدانا لا رجعة بعده، ولا لقاء إلا يوم اللقاء! ! ساعة الوداع: وفى منتصف الساعة الثانية بعد الظهر (الجمعة ١٤ من ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ)، (٧ من يوليه سنة ١٩٣٣) لفظ الشيخ آخر نفس من أنفاسه الطاهرة، وجاد بروحه العظيمة

стр. 21

الوثابة المتفانية فى نصره الدين والسنة المطهرة، ولا ينبغى شهرة ولا أثرة (١) وكان النبأ مروعا، وكانت الفاجعة أليمة، والكارثة عظمى، والخسارة غير هينة وليست على مسلمى مصر فحسب، بل على مسلمى الشعوب التى عرفت مكانته، وانطوت قلوبهم على محبته، وعلى العمل بما كان يدعو إليه من خير العمل. وكم كانت دهشة الناس وحيرتهم بهذا النبأ المزعج إذ فقدوا أمامهم ومحط آمالهم، من كانوا إليه يهرعون. وبدعوته إلى العمل بالدين الحق يسارعون. وكم كانت آلامهم التى تفتت الأكباد، وتصدع الأفئدة، وتحز حنايا (٢) الضلوع، حينما وثقوا أن الشيخ ينتزع من بينهم انتزاعا إلى مقره الأخير، إلى روضته الندية إلى جدثه مهبط الرحمة والرضوان، بعد أن صلى عليه أكبر أنجاله الكرام الأستاذ السيد أمين، يؤم الجم الغفير ممن وصل إليه النبأ من سكان القاهرة، وهم قل من كثر من تلامذته ومحبيه المنتشرين فى القاهرة وضواحيها وبلدان القطر وغيره من الأقطار العربية. تشييع الإمام الراحل إلى قبره: صلى عليه هذا الجم الغفير فى ساحة داره الواسعة بجوار مسجده المعمور. ثم أخذ الناس يتهافتون على حمل سريره كلما مر عليهم وكنت ترى الشوارع مكتظة تموج بهم موجا. حتى أن السرير كانت لا تبصره العيون من ازدحام الجموع المشيعة، وكلهم تبدو على وجوههم علائم الأسى والحزن! ! واخترقت الجنازة فى سيرها شوارع الخيمية، والغورية، والسكة الجديدة، والمشهد الحسينى، والدراسة، وقرافة المجاورين، وخوند طولباى والسلطان أحمد ثم شارع قرافة باب الوزير. وفيه مدفن المرحوم إبراهيم باشا حليم. ثم انعطف السائرون يمنة مخترقين شارع حسن بك حسنى. وفيه على يسارهم المقبرة الشرعية،

стр. 22

للعاملين بالكتاب والسنة المحمدية والمقبرة فى منطقة قرافة المجاورين حسب التخطيط الجغرافى، رسم مصلحة المساحة المصرية. وفيها لحد شرعى بنى فى عهد الإمام الراحل، واختاره مسكنا له فى أخرته أسلمه مشيعوه إليه وعادوا بعد المغرب ما بين ذاهل وواجم! ! طريقان آخران للمقبرة الشرعية الطريق الأول يبتدئ سالكه السير من المنشية مارا بسكة المحجر على مسجد المحمودية (١) وعلى يمينه أسوار قلعة محمد على باشا (٢). ثم يتجه إلى الشمال مخترقا شارع المحجر حتى يصل إلى حارة باب التربة. وهى عن يمينه، وبها سبيل ومسجد طراباى عن يساره. ثم ينفذ من باب الوزير الأثرى إلى شارع قرافه باب الوزير متجها إلى الشمال الشرقى، فيلتقى عن يمينه بثلاثة قبور داخل مستطيل من أعواد حديدية لا سقف له. هذه القبور الثلاثة أنشأتها مصلحة التنظيم المصرية لحفظ رفات بعض الأولياء الذين عثرت عليهم، وهى تهدم بعض الشوارع لتجديدها وتوسيعها (أما القبر الأول) ففيه (أ) ولى الله الشيخ محمد العراقى المنقولة رفاته (٣) يوم الأربعاء ٣٠ من ربيع الآخر سنة ١٣٤٦ هـ. ومعه ولى الله الشيخ محمد أبو قوطة، وجثة أخرى نقلا يوم الأحد ١٨ من رمضان سنة ١٣٥١ هـ (ب) سيدى محمد الخواص نقلت رفاته يوم الثلاثاء ١١ من رمضان سنة ١٣٥١ هـ وكان أولا بحارة الخواص. بشارع الانبانى تبع قسم باب الشعرية (والقبر الثانى) به ولى الله الشيخ محمد الشافعى الرفاعى الشهير بالأربعين. نقلت رفاته يوم الأربعاء ٢ من شعبان سنة ١٣٤٣ هـ. وكان أولا بجنبينة قاميش بشارع الخليج المصرى تبع قسم السيدة زينب (والقبر الثالث) به السيدة غنيا بنت نور الدين أبى بكر المتوفاة

стр. 23

أول ذى الحجة سنة ٦٦٤ هـ. نقلت رفاتها من شارع عاكف بالعباسية يوم الاثنين ٢٩ من رجب سنة ١٣٤٣ هـ. والمسافة من باب الوزير إلى مقبرة مصلحة التنظيم تقدر بكيلو متر تقريبا وتقطع فى عشر دقائق. وأمام هذه المقبرة قناطرة باب الوزير تعلوها سكة حديدية قديمة معطلة الآن. ينفذ السائر من القناطر متجها إلى الشمال مسافة تسعين مترا فى شارع قرافة باب الوزير نفسه. ثم ينعطف عن يمينه فيجد شارع حسن بك حسنى فيسلكه متجها إلى الجنوب الشرقى، قاطعا مسافة قدرها ٢٤٥ مترا فى نهايتها المقبرة الشرعية المذكورة. وعلى مسافة ثمانين مترا من باب المقبرة يرى الناظر سكة حديد الحكومة المصرية (خط المحاجر) كما يرى جامع التنكزية الأثرى فى الجنوب الشرقى، ويبعد عن السكة الحديدية بمقدار سبعين مترا (انظر المصور الجغرافى شكل (١) (المبتدأ من منتصف شارع قرافة باب الوزير). الطريق الثانى: يبدأ سالكه من باب زويلة (١) الأثرى (الشهير بباب المتولى (٢)) مارا بشارع الدرب الأحمر، وعن يمينه نقطة بوليس الدرب الأحمر، وأمامه مسجد أبى حريبة ثم ينعطف ذات اليمين فيلتقى بشارع التبانة. وبه مسجد الماردانى. وعلى مسافة خمسين ومائة متر يجد زاوية عارف باشا. وهى فى ملتقى شارعى سوق السلاح وباب الوزير. ثم يسلك شارع باب الوزير متجها إلى الجنوب حتى يصل إلى حارة باب التربة وبها سبيل ومسجد طراباى، كما تقدم فى وصف الطريق الأول.

стр. 24

وصف المقبرة الشرعية قبل أن أصف لك المقبرة الشرعية، أبين لك الغرض الذى من أجله أنشأها المرحوم الشيخ الإمام " تغمده الله برحماته ". أن مقابر المسلمين ليست كلها على النظام الدينى المشروع، فان منها أضرحة مرتفعة مكسوة تعلوها القباب أعدوها للأولياء والصالحين، وهم منها براء (ومنها) مدافن الأثرياء والوجهاء والعظماء يبذلون فى تشييدها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة (ومنها) مقابر الطبقات الأخرى وهى قليلة النفقات، غير أن ارتفاعها عن سطح الأرض اكثر من ذراع في حين أن القبر الشرعي لا يزيد ارتفاعه عن ذراع كما بينته كتب السنة المطهرة، وقد بين السلف الصالح والقادة من العلماء والأئمة كيف تكون القبور الشرعية. ولقد رأى المرحوم الشيخ الإمام قبور زمانه مخالفة قبور السلف، فملأ الحزن قلبه، ورأى لزاما عليه أن يبين للناس عمليا صورة القبور الشرعية التى تضم أجساد المسلمين بعد مفارقتهم قصور الدنيا وما فيها من زخارف حتى يمكنهم أن يجعلوها لهم مثالا يحتذونه، فأمر رحمة الله عليه فى سنة ١٣٣٩ هـ باستصدار إذن من محافظة مصر باتخاذ قطعة أرض مربعة الشكل طول ضلعها أربعة وعشرون مترا فى منطقة قرافة المجاورين، لإقامة مقابر شرعية عليها، وما جاءت سنة ١٣٤٦ هـ إلا وقد بنى بها ثمانية وثلاثون قبرا شرعيا تكون منها ثلاثة صفوف وكانت هذه المقبرة هى الأولى، ولما امتلأت، سعى خليفة الإمام (أمد الله فى أجله) إلى تشييد المقبرتين الثانية والثالثة، وهما فى الشارع الأخير يسلكه المار عن يمينه إلى الجنوب (الجهة القبلية) وبجوارهما مقبرة آل طعيمة، ومقبرة النوبيين.

стр. 25

الوصف للمقبرة الشرعية باب حديدى مرتفع فى الجنوب والمقبرة مكونة من ثلاثة صفوف: الصف الأول تجاه الباب به ستة عشر قبرا: ثمانية قبور متجهة إلى الشمال وثمانية تتجه إلى الجنوب، والصف الثانى به أربعة عشر، سبعة اتجاهها شمالي، وسبعة اتجاهها جنوبي. والصف الثالث به ثمانية فقط تمتد إلى الجنوب مرقومة من الرقم (١) إلى الرقم (٨). أين قبر الإمام؟ يمر الزائر على القبور بالصف الثالث من (١) إلى (٦) فإذا ما جاوز السادس وجد قبر المرحوم الشيخ الإمام مرقوما بالرقم (٧) وهو المشار إليه بعلامة (*) بالشكل رقم (٢) المنظور الطبعى من عمل تلميذ محب مخلص من تلامذته، وهو الرسام الماهر السيد الأستاذ أحمد يوسف الموظف بمصلحة الآثار، وقد رقى إلى وكيل مصلحة الآثار، وأسندت إليه أعمال فنية هامة فى منطقة أهرام الجيزة " أجزل الله تعالى له الثواب ". والقبر الثامن: لزوج الإمام وهى أول من دفن بهذه المقبرة (رحمة الله عليها) وقد لحقت بها الزوجة الثانية الصالحة للمرحوم الإمام، وعاشت بعده تسع سنوات ثم لحقت بهما السيدة التقية زوج خليفة الإمام، وشريكته فى الحياة بعد معاشرة طال مداها. وكان ذلك فى صفر سنة ١٣٧٥ هـ - سبتمبر ١٩٥٥ م (طيب الله ثراهن ونور لهن روضتهن). وان ضريح الإمام الراحل تعلوه الهيبة، والسكينة، والرحمة، ونور الجهاد لا نور القباب. وان كان فى رأى العين غير مرفوع فهو عند الله مرفوع. وان الناظر إليه تستولى على مشاعره الخشية، يحوطها الاتعاظ، ويبدو له ضريح متواضع لا يزيد عن مترين فى متر قد ضم جثمان إمام ذائع الصيت، لو وضع فيه جهاده مجسما وإرشاده كذلك ما وسعه! !

стр. 26

شيوخ الأزهر الذين عاصرهم الشيخ الإمام طالبا ومدرسا أدرك من شيوخ الأزهر عشرة: ١ - المرحوم الشيخ محمد المهدى العباسى الحنفى، الذى استقال من مشيخة الأزهر سنة ١٣٠٤ هـ. ٢ - ثم المرحوم الشيخ شمس الدين محمد الانبابى الشافعى، الذى استقال لمرضه يوم ٢٥ من ذى الحجة سنة ١٣١٢ هـ. ٣ - والمرحوم الشيخ حسونة بن عبد الله النواوى (١) الحنفى ٠ أسندت إليه الرياسة فى المحرم سنة ١٣١٣ هـ - وفى رجب من هذه السنة، نال المؤلف شهادة العالمية بعد أن أدى الامتحان إمام أعضاء اللجنة السالفة أسماؤهم - وبقى الشيخ النواوى رئيسا للأزهر إلى أن فصل فى ٢٥ من المحرم سنة ١٣١٧ هـ. ٤ - والمرحوم الشيخ عبد الرحمن القطب النواوى الحنفى. وتوفى فجأة بعد شهر واحد. ٥ - ثم تولى شيخ الإسلام المرحوم الشيخ سليم البشرى (٢) المالكى يوم الخميس ٢٨ من صفر من هذه السنة. واستقال فى ذى الحجة سنة ١٣٢٠ هـ. ٦ - فخلفه المرحوم السيد على بن محمد الببلاوى (٣) المالكى، واستقال فى المحرم سنة ١٣٢٣ هـ. ٧ - فخلفه المرحوم الشيخ عبد الرحمن الشربينى الشافعى، واستقال فى ذى الحجة سنة ١٣٢٤ هـ. ثم عاد للرياسة المرحوم الشيخ حسونة النواوى واستقال سنة ١٣٢٧ (وتوفى يوم ٢٤ من شوال سنة ١٣٤٣ هـ). ثم عاد للرياسة المرحوم الشيخ سليم البشرى ولبث إلى أن توفى ظهر يوم الجمعة ٤ من ذى الحجة سنة ١٣٣٥ هـ. ٨ - فأسندت الرياسة إلى الشيخ محمد أبى الفضل الوراقى الجينزاوى المالكى يوم ١٤ من ذى الحجة من هذه السنة. وتوفى (رحمة الله عليه) فى المحرم سنة ١٣٤٦ هـ. ٩ - وفى غرة ذى الحجة من هذه

стр. 27

السنة أسندت الشيخ محمد مصطفى المراغى (١) الحنفى وقد استقال يوم الثلاثاء ٦ من جمادى الأولى سنة ١٣٤٨ هـ. ١٠ - فأسندت للشيخ محمد الأحمدى الظواهرى بعد ذلك بيومين واستقال يوم الجمعة ٢٣ من المحرم سنة ١٣٥٤ هـ. (٢٦ من أبريل سنة ١٩٣٥ م) وتوفي بمنزله في الزيتون مساء السبت ٢٠ من جمادي الأولى ١٣٦٣ هـ. (١٣ مايو ١٩٤٤ م) ودفن فى مقبرته بقرافه المجاورين على مقربة من قبر المرحوم شمس الدين الانبابى. وفى عهده أحيل الشيخ الإمام إلى المعاش، ولحق بجوار ربه العلى الأعلى. الشيوخ الذين تلقى عنهم المؤلف هم كثيرون. ومن بينهم حضرات أصحاب الفضيلة شمس الدين الأنبابى الشافعى والشيخ سليم البشرى المالكى، والشيخ أحمد الرفاعى المالكى. والشيخ إبراهيم الظواهرى الشافعى - من عين آخر حياته شيخا للجامع الأحمدى قبل النظام الحديث سنة ١٣١٢ هـ. وتوفى سنة ١٣١٤ هـ - ١٩٠٦ م. أنجال الشيخ الإمام: أعقب ﵀ خمسة أشبال حاطهم برعايته، وأدبهم فأحسن تأديبهم، وغذاهم بروحه الوثابة المجدة الجريئة غير الهيابة. فكانوا فى مقدمة النابغين الذين يشار إليهم بالبنان تلامذة ومدرسين (أولهم) المرحوم الشيخ محمد. التحق بمدرسة دار العلوم بعد إتمام دراسته بالأزهر. وتخرج فيها سنة ١٣٢٦ هـ الموافقة (١٩٠٨ م) وعين مدرسا بمدارس الحكومة ثم بالمدرسة الثانوية بطنطا التابعة حينئذ لمجلس المديرية. ثم بالمدرسة الثانوية بشبين الكوم التابعة وقتئذ لجمعية المساعى المشكورة ثم اشتغل محاميا شرعيا. فكان مثال الجد والنشاط والصدق والنزاهة والدفاع عن الحق حتى يظهر ويزهق الباطل. ثم توفى (رحمة الله عليه) فى حياة والده فى

стр. 28

السادس عشر من شعبان سنة ١٣٣٥ هـ الموافق ٤ يونيو سنة (١٩١٧ م). وقد كان معروفا بين أقرانه بسيبويه زمانه (وثانيهم) الأستاذ الشيخ أمين. ولد بسبك الأحد سنة ١٣٠٤ هـ وفى شوال سنة ١٣١٤ هـ التحق بالأزهر. وبعد إتمام الدراسة به تخرج فيه يوم السبت التاسع عشر من شهر رجب سنة ١٣٢٩ هـ - ١٥ من يوليه سنة ١٩١١ م. وفى شوال سنة ١٣٣١ هـ - سبتمبر سنة ١٩١٣ م أدى امتحانا فى العلوم الرياضية، فجازه بتفوق فعين مدرسا للجغرافية والتاريخ بالقسم النظامى بالأزهر. ثم أسند إليه دراسة العلوم الشرعية والعربية بالأزهر والمعاهد. وهو قائم بما يسند إليه خير قيام، مثال الجد والنشاط والذكاء. ولما اكتمل السبعين عاما أحيل إلى التقاعد يوم الثلاثاء ٢٢ من رجب سنة ١٣٧٢ هـ ٧ من أبريل سنة ١٩٥٣ م (أمد الله تعالى فى أجله المبارك). (وثالث) الأنجال الشيخ شرف الدين. التحق بالأزهر فى شوال سنة ١٣١٤ هـ وهو ابن تسع سنين فتغذى فيه بلبان العلوم الأزهرية ثم التحق بمدرسة

стр. 29

دار العلوم فى الثامنة عشرة من عمره وتخرج فيها سنة ١٣٢٨ هـ سنة ١٩١٠ م وكان أول فرقته فى كل السنين فاختير للبعثة الأوربية فسافر بعد إذن والده رغابا فى الثقافة العربية وعاد محافظا على دينه وأخلاقه فزاول التدريس بمدارس الحكومة ثم اختير مدرسا بكلية دار العلوم. ثم عين مفتشا بالمدارس الثانوية بوزارة المعارف سنة ١٣٥٤ هـ. وفى أبريل سنة ١٩٤٧ أحيل إلى المعاش لبلوغه الستين. ثم لحق بربه مساء الخميس ٦ من ذى القعدة سنة ١٣٧٠ هـ ٩ من أغسطس سنة ١٩٥١ م. وصلى عليه أخوه خليفة الإمام ووراءه الجم الغفير قبل صلاة الجمعة ٧ من ذى القعدة سنة ١٣٧٠ هـ. وأودع مقره الأخير فى القبر رقم ٩ من مقبرة المرحوم والده الإمام. (ورابع) الأنجال الأستاذ الشيخ عبد الحليم. التحق بالأزهر فى شوال سنة ١٣١٤ هـ وهو ابن تسع سنين. ولما أخذ قسطا وافرا من العلوم الأزهرية التحق بمدرسة دار العلوم فى التاسعة عشرة من عمره. وتخرج فيها سنة ١٣٢٩ هـ الموافق سنة ١٩١١ م فعين مدرسا بمدارس الحكومة. ومنها المدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا ثم نقل مدرسا بدار العلوم سنة ١٣٥٤ هـ. ثم مدرسا فى كلية البنات بالزمالك. ثم لحق بربه مساء الثلاثاء وصلى على جثمانه الجم الغفير آخر ظهر الأربعاء ٩ من رمضان سنة ١٣٧٣ هـ - ١٢ من مايو سنة ١٩٥٤ م وأوداع مقرة الأخير بجوار أخيه المرحوم الشيخ شرف الدين. (وخامس الأنجال) الأستاذ عبد الحكيم. التحق بالأزهر فى السنة الثانية عشرة من عمره ومكث به حتى نال الشهادة الأولية والتحق بالقسم الثانوى به ثم التحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة ١٣٤٤ هـ. فعين مدرسا بمدارس الحكومة. ثم اختير للتدريس بمعهد التربية بالجيزة وأخذ يرقى حتى كان ناظر مدرسة الفسطاط الثانوية بمصر القديمة. وأحيل إلى التعاقد فى مارس سنة ١٩٦٢ م. تلامذة المرحوم الشيخ الإمام: طوال تلك المدة التى قضاها الشيخ الإمام مدرسا بالأزهر المعمور تخرج على يديه فيها الجم الغفير من تلامذته الأفذاذ النجباء ومن مشاهيرهم حضرات أصحاب الفضيلة الأساتذة الأجلاء: الشيخ عبد المجيد سليم. وقد أسندت إليه رياسة الأزهر لأول مرة يوم السبت ٢٤ من ذى الحجة سنة ١٣٦٩ هـ. ٧ من أكتوبر سنة ١٩٥٠ م. ثم أعفى منها ثم عاد لرياسة الأزهر يوم السبت ١٣ من جمادى الأولى سنة ١٣٧١ هـ - ٩ من فبراير سنة ١٩٥٢ م. واستقال في يوليو سنة ١٩٥٢. ولزم داره حتى وافته منيته يوم الخميس ٩ من صفر سنة ١٣٧٤ هـ - ٧ من أكتوبر سنة ١٩٥٤ م. أجزل الله له المثوبة ومنهم المرحوم الشيخ فتح الله سليمان رئيس المحكمة الشرعية العليا سابقا. والمرحوم الشيخ عبد السلام البحيرى كان عضوا بالمحكمة الشرعية العليا. وتوفى عام ١٣٥٤ هـ - ١٩٣٥ م (رحمة الله عليه) والمرحوم

стр. 30

الشيخ على محفوظ كان مدرسا بكلية أصول الدين (١) والشيخ سليمان نوار (عميد كلية اللغة العربية سابقا) والشيخ محمود الغمراوى (المفتش بالجامعة الأزهرية) وغير هؤلاء كثير ممن يدرس بالأزهر والمعاهد الدينية ومدارس الحكومة، وممن يلى مناصب القضاء الشرعى ومن تلامذته غير الموظفين كثير من العلماء الأجلاء القائمين بالوعظ والإرشاد على سنن أستاذهم الراحل. خليفة الإمام: كثيرا ما تحدثك نفسك - إذا ما وقفت على سيرة الإمام - بمن كان يخلف هذه الشخصية البارزة لم يمهلها الزمان. وان السرور ليملأ جوانحك والبشر لينير وجهك إذا ما علمت أن خليفة الإمام هو شبل الإمام ثانى الأنجال فضيلة الأستاذ الشيخ أمين. وهو بحق خير من يخلف أباه (ومن يشابه أبه فما ظلم) و (أن هذا الشبل من ذاك الأسد) ولقد أجمع تلامذة الإمام كلمتهم من ثانى يوم الوفاة على اختياره للقيام لأعباء هذه المنزلة السامية. فكان قائدا لعشرات الألوف من المتمسكين بدينهم، سائرا على النهج المحمودى الذى كان يسير عليه والده، متمما بعض المؤلفات التى بدأها، محافظا جد المحافظة على من كان يرعاهم والده، وهو في ذلك كله الحليم الحازم ذو الهمة التى لا تعرف سآمة ولا مللا، ويشرف على الأمور دقيقها وجليلها بأمانة ونزاهة. يتنقل في العاصمة وضواحيها والبلاد النائية لإرشاد الناس إلى التمسك بمبادئ دينهم الحنيف حتى يعود إليهم مجد إسلافهم، وعزة آبائهم الأقدمين. وختاما أسأل الله الرحيم أن يتغمد المرحوم الشيخ الإمام برحماته، ويصب على رمسه شآبيب رضوانه، ويسكنه فسيح جناته. وان يبارك في خليفته ويمد في أجله ممتعا بوافر العافية، ودائم التوفيق. والحمد لله أولا وأخر والصلاة والسلام على خاتم النبيين .. وآله وصحبه والتابعين.

стр. 31

مقدمة الطبعة الخامسة

стр. 32

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الخامسة الحمد لله رب العالمين الذي ألهم الذاكرين ذكره والشاكرين شكره والحامدين حمده وأثابهم من فضله واستخدمهم في طاعته وتقبل أعمالهم بنعمته. يرفع من يشاء إلى رفيع الدرجات باتباع سيد الكائنات. والصلاة والسلام على الهادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم صلى الله عليه وعلى آله أجمعين. أما بعد: فقد دعت الضرورة إلى إعادة طبع كتاب الدين الخالص الجزء الأول وذلك لتصحيح ما وقع في الطبعة الرابعة من أخطاء لا تخفى. وقد من الله علينا بالاطلاع على الطبعة الرابعة قبل أن تصل إلى أيدي الناس فصوبت الأخطاء الظاهرة في ملزمة ألحقت بالطبعة المشار إليها وذلك مداركة لما ليس منه بد مع إبداء الأسف لما حدث. وقد مكن الله أسرة الإمام من السيطرة على المقاليد وانتهى إليهم بحمد الله الإشراف على هذه المطبوعات فكان لزامًا عليهم أن يعيدوا الطبع على نحو ما كان يجب أن يتم. فجرى تصوير الطبعة الثالثة التي طبعت في مطبعة السعادة في سنة ١٣٨٤ هـ ضمانا للدقة وأمانة البحث فالحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات. أما المقدمة الأولى التي كتبها فضيلة الأستاذ الشيخ أبو القاسم ابراهيم أبو القاسم رحمه الله تعالى وجزاه خيرا والتي حررت في حياة الاستاذ الإمام أمين محمود خطاب صارت الآن في حاجة إلى تعديل. فقد تغيرت الأمور فرأى بمعنى النابهين استبقاء المقدمة ونصحوا بتحرير مقدمة لهذه الطبعة الخامسة، تصوب فيها بعض المعلومات التي طرأت على الترجمة المحررة من الإمام المؤلف رحمه الله تعالى. وطلبوا مني تحرير مقدمة إضافية. جزاهم الله خيرًا ولهذا أشير إلى: إن أول معالم التغيير هو وفاة الإمام الشيخ أمين محمود خطاب نجل المؤلف وخليفته في إمامة جماهير أهل السنة. ذلك الإمام الذي شب مع الدعوة وساير مراحلها

стр. 33

وقد ذكرت بعض ترجمته في آخر الجزء الثامن من هذا الكتاب فذكرت أنه ولد بسبك الأحد مركز أشمون منوفية في ١٣٠٤ هـ / ١٨٨٧ م والتحق بالأزهر فحضر على شيوخه وحصل على العالمية في رجب سنة ١٣٢٩ هـ / يونية سنة ١٩١٦ م فعين مدرسًا بالمعاهد الدينية الأزهرية بالوجهين القبلي والبحري والقاهرة ثم عين أستاذًا بكلية الشريعة ثم بكلية أصول الدين وتتلمذ على يديه الدعاة والوعاظ والعلماء. وقد شارك في الدعوة إلى الكتاب والسنة فكان وكيلا للجمعية الشرعية ثم تولى الإمامة عقب وفاة والده وعنى بالبحث العلمي والتأليف فحقق وعلق وشرح أجزاء الدين الخالص ثم أضاف مؤلفه الذي نشره من قبل تحت عنوان إرشاد الناسك إلى أعمال المناسك في حجم الربع ليكون بيد الحاج يحمله معه في سفره ولكنه أعاد طبعه بحجم كتاب الدين الخالص وجعله جزءًا تاسعًا وسماه الدين الخالص أو إرشاد الناسك إلى أعمال المناسك بالإضافة إلى تخريج الأحاديث الواردة في مؤلفات والده. كما شرع في تكملة كتاب المنهل العذب المورود في أربعة أجزاء كبار. وقد خطت الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية في عهده خطوات واسعة. ونمت فروعها وازدهرت مؤسساتها وصارت أكبر الجمعيات العاملة في الحقل الإسلامي في مصر بل وفي الشرق العربي كله، وذلك بفضل دأبه وسهره وانتقالاته إلى أنحاء البلاد معلمًا وواعظًا وداعيًا. كما كان يرعى مشروعات الفروع ومنشآتها وجاهد في سبيل الدعوة ونشر السنة بالحكمة والموعظة الحسنة حتى ترك لنا تراثا دينيا عظيما. فلما أثقلت كاهله السنون والشيخوخة والمرض لم ينقطع عن تلاوة القرآن الكريم وهو على الفراش حتى توقف القلب الكبير وارتحلت الروح الطاهرة إلى الرفيق الأعلى عصر يوم الإثنين ٢٧ من ذي القعدة سنة ١٣٧٨ الموافق ٢٦ من شهر فبراير سنة ١٩٦٨. توفي يوم الإثنين وغسل وكفن وصلى عليه يوم الثلاثاء كما حدث لرسول الله ﷺ ﵀ وطيب تراه ودفن مع أخوته بالمقبرة رقم ٩ لأن مقبرة الوالد كانت لحدًا وقد منع أن يدفن معه أحد. وقد طار حبر وفاته إلى سائر محافظات الجمهورية فتوافد الجميع لتشييعه إلى مقره الأخير بعد أن صلى عليه أبنه وخليفته الإمام الشيخ يوسف أمين خطاب ثم أسرع الناس إلى مبايعة إمامًا لأهل السنة في مكان والده وجدَّه والتفوا

стр. 34

حوله وجاء رؤساء الفروع من كل مكان ليظهروا له الطاعة والرضا بإمامته لأهل السنة. وقد ذكرت ترجمة مختصرة له في نهاية إتحاف الكائنات الطبعة الثانية وأنه ولد في ٢٤ محرم سنة ١٣٢٣ هـ / ٧ إبريل سنة ١٩٠٥ والتحق بالأزهر الشريف في سنة ١٣٣٨/ ١٩١٩ ثم تخرج في مدرسة دار العلوم ١٣٥٠ هـ / ١٩٣١ واشتغل بالتربية والتعليم. ولما توفي والده تسلم الأمانة فكان إماما لأهل السنة ورئيسًا للجمعية الشرعية يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ١٣٧٨ ثم دعا إلى حفل ديني في سبك الأحد في دوار آل خطاب وهناك في الحادي عشر من ذي الحجة سنة ١٣٧٨ تمت بيعة ثانية له. وواصل الإمام يوسف المسيرة ورأس معهد الإمامه للدراسات الإسلامية وألقى فيه محاضرات في اللغة العربية والحديث النبوي وهذا المعهد أعد لتخريج الدعاة إلى الله من وعاظ الجمعية، ومقره مسجد الإمام محمود خطاب السبكي ١٩ شارع الجلاء بالقاهرة وقاد الجمعية الشرعية ونشر كتاب الفتاوي الأمينية ١٣٩٢ هـ / ١٩٧٢ وقد تولى رياسة جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية وكان يكتب بابا ثابتا في المجلة التي تصدرها الجمعية، ثم كانت وفاته يوم الإثنين ٣٠ من صفر سنة ١٣٦٩ الموافق أول مارس سنة ١٩٧٦. وكان قد بنى مقبرة جديدة شرعية إلى جوار مقبرة جده في المجاورين تضم ٤٣ قبرًا وخصص لنفسه وعلى نفقته لحدًا على مثال ما فعل جده الإمام مؤسس الجمعية ورقمه بنفس رقمه رحمهما الله وأجزل مثوبتهما. وبقي استدراك على ما كتب الشيخ أبو القاسم ابراهيم في ترجمة الإمام مؤلف الدين الخالص في ص ٣١ أن الأستاذ عبد الحكيم محمود خطاب النجل الأصغر أحيل للتقاعد في سنة ١٩٦٢ ونضيف إلى ما ذكر أنه عكف على تلاوة القرآن وبذل المال في سبيل الله وصلة الرحم حتى انتقل إلى جوار الله في السابع من ربيع الأول سنة ١٣٩١ الموافق سنة ١٩٧١ م ﵀ رحمة واسعة ودفن إلى جوار أخوته في المقبرة التي تضم أولاد الإمام ﵀ وجعلهم الله في أعلى عليين ونسأله تعالى أن يوفق ذرية الإمام بفضله ويعينهم على مرضاته ويرزقهم تمام القبول والحمد لله أولا وأخرًا والصلاة والسلام على خاتم المرسلين والنبيين وآله وصحبه أجمعين. شهر ذي القعدة سنة ١٤١١ الموافق مايو سنة ١٩٩١ د. عبد العظيم حامد خطاب وكيل الجمعية الشرعية الرئيسية

стр. 35

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق وهو آخر كتاب وضع أصله الشيخ الإمام محيى السنة ومميت البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد المرحوم السيد محمود محمد خطاب السبكى المتوفى في الرابع عشر من ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ - ٧ يوليو سنة ١٩٣٣ م عمه الله تعالى بالرحمة والرضوان وأسكنه فسيح الجنان الجزء الأول عنى بتنقيحه وتصحيحه وتنسيقه والتعليق عليه خليفة الشيخ الإمام أمين محمود خطاب من علماء الأزهر الطبعة الرابعة سنة ١٣٩٧ هـ - سنة ١٩٧٧ م تمتاز بضبط الآيات والأحاديث وترقيمها برقم مسلسل بالأصل والهامش وبيان غريبها وحالها ومراجعها ومراجع النصوص العلمية

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، الذى ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، المنفرد بتشريع الأحكام، فليس لغيره تعالى تشريع حتى سيد الأنام، عليه وعلى آله الصلاة والسلام. وأشهد أن لا اله إلا الله القائل في حق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الأعراف عجز آية ١٥٨ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ الحشر عجز آية ٧ واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) " ﴿١﴾ والقائل " بعثت بالحنيفية السمحة ومن خالف سنتى فليس منى (٢) " ﴿٢﴾ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه. أما بعد: فيقول محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكى (سبك الأحد: مركز أشمون منوفية) قد فشا في الأزمنة الأخيرة الزيغ في العقائد التوحيدية، والتعبد بالبدع المضادة لسنة خير البرية، صلى الله عليه وعلى آله وسلم (فيعتقد) أحدهم عقيدة زائفة (فإذا) نهيته عنها يقول لا أرجع عنها اذهى العقيدة السلفية (ويتعبد) ببدع الملحدين "وإذا " نهاه مؤمن عن ذلك وأرشده إلى العمل بالشرع الذى شرعه رب العالمين على لسان رسوله الأمين " قابله " بقوله: هى بدع استحسنها

стр. 37

الشيخ فلان والشيخ فلان، ويذكر أشخاصا من المتساهلين في دينهم من متأخري المقلدين" والسبب " في ضلال أولئك الجهلة " زلة " بعض المنسوبين للعلم المتعرضين للتأليف، حيث سطروا في تأليفهم بعض العقائد الزائفة، واستحسنوا بعض البدع المضادة لشرع الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وينسب نفسه إلى مذهب أحد الأئمة رضى الله تعالى عنهم، فيعتقد الجاهل أن تلك العقائد والبدع قالها هذا الإمام. ولم يفقه أن جميع الأئمة المجتهدين متبرئون من كل عقيدة فاسدة وبدعة في العبادة، وقد قالوا لأصحابهم: خذوا العلم من حيث أخذنا. أى من الكتاب والسنة. وقالوا: نحن بريئون ممن يخالف الكتاب والسنة. وقالوا: ليس لأحد كلام مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن الله لم يجعل لأحد معه كلاما، وجعل قوله يقطع كل قول. وقال الشافعى في رسالته: إذا وجدتم قولى يخالف قول رسول الله ﵌ فاعلموا بقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واضربوا بقولى عرض الحائط. وقال مالك ﵀: من استحسن بدعة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة. وقال: ما لم يكن في زمان النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم دينا لم يكن اليوم دنيا وغير ذلك. (والأدهى) أنك لو أرشدت أحد أولئك المقلدين - التقليد الأعمى - إلى العمل بالشرع الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وترك البدع، هاج وماج وأشاع وأذاع أنك تريد أبطال المذهب الذى نسب نفسه إليه بهتانا وزورا. وصاح أمثاله بذلك معه ويشتد مهم الجدال والنزاع الذى يناسب حالهم ويتعصبون تعصب الجاهلية الأولى، فإنا لله وأنا إليه راجعون " ومن شدة " عمى البصيرة "دعواهم " على من تمسك في قوله وعمله بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجانب البدع " أنه ضل وأضل " وخرج على مذاهب المسلمين، وأحدث الفتن والشحناء بين المؤمنين.

стр. 38

(فدعانى) ذلك إلى وضع كتاب أبين فيه عقيدة وكيفية العبادة التى شرعها رب العالمين أمرا ونهيا وتقريرا وعليها الأئمة المجتهدون، ذاكرا دليل كل مسألة من الكتاب أو السنة أو إجماع الأئمة، ليكون المتعبد على بصيرة تامة من دينه، ويخلع ربقة التلقيد من عنقة. وقد ذكرت بعد كل حديث من أخرجه من الأئمة، وبينت حالة من صحة وحسن وضعف غالبا، وأردت بالشيخين البخارى ومسلما، وبالثلاثة أبا داود والترمذى والنسائى، وبالأربعة الثلاثة وابن ماجه، وبالخمسة الشيخين والثلاثة، وبالستة الشيخين والأربعة، وبالسبعة أحمد والستة. وبالجماعة مالكا والسبعة، وسميته " الدين الخالص " أو " إرشاد الخلق إلى دين الحق " والله أسأل أن ينفع به النفع العميم. وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم. وسببا للنجاة والفوز " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " وهو حسبى ونعم الوكيل. مقدمة على العاقل أن يعلم أن جميع أئمة المسلمين على هدى من ربهم، ولا هم لأحدهم إلا الوصول إلى الحق الصحيح، وبيانه بالدليل الصريح، وإرشاد الناس إليه وحثهم على التمسك به والاعتصام بحبله. وتنفيرهم من البدع التى حذر منها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه العرباض بن سارية رضى الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم. أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون. ووجلت منها القلوب. فقال قائل يا رسول الله: كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان عبدا حبشيا، فانه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا

стр. 39

كثيراً، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الأمور، فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه والدرامى والترمذى وقال: حسن صحيح (١) ﴿٣﴾. وما إلى ذلك من الأحاديث الصحيحة الواردة في ذم البدع وأنها ضلالة " فمن " زعم أن بعض البدع في العبادة قد تكون حسنة " فقد أخطأ " وذلك أنه ﷺ أخبر أن كل بدعة ضلالة ولفظ " كل " موضوع للأفراد. فمعنى الحديث: أن كل فرد من أفراد البدع ضلالة. وموضوعه العبادة كما علمت " ومن أدعى " أن الحديث دخله التخصيص بحديث " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ " أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه عن جرير بن عبد الله (٢) ﴿٤﴾. " فدعواه " باطلة لأن الحديث إنما ورد في الحث على مكارم الأخلاق العادية التى بها ارتباط القلوب واتفاق الكلمة والقضاء على أسباب التباغض والنفور،

стр. 40

وأيضا فان الاستنان فيه ليس المراد به الاختراع. وإنما المراد به العمل بما ثبت بالكتاب والسنة النبوية. وذلك لأن سبب الحديث هو الحث على الصدقة المشروعة. فقد قال جرير بن عبد الله: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابى النمار متقلدى السيوف عامتهم بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: (يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة) الآية، والآية التى في الحشر: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما تقدمت لغد) تصدق رجل من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره، حتى قال ولو بشق تمرة. فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفة تعجز عنها بل عجزت. ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم: من سن في الإسلام (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم والنسائى (١) ﴿٥﴾. (قال) الشاطبى: فتأملوا أين قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من سن سنة حسنة؟ تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه حتى أتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى قال " من سن في الإسلام " الحديث. فدل
следующие страницы →