بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، الذى ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، المنفرد بتشريع الأحكام، فليس لغيره تعالى تشريع حتى سيد الأنام، عليه وعلى آله الصلاة والسلام. وأشهد أن لا اله إلا الله القائل في حق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الأعراف عجز آية ١٥٨ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ الحشر عجز آية ٧ واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) " ﴿١﴾ والقائل " بعثت بالحنيفية السمحة ومن خالف سنتى فليس منى (٢) " ﴿٢﴾ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.
أما بعد: فيقول محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكى (سبك الأحد: مركز أشمون منوفية) قد فشا في الأزمنة الأخيرة الزيغ في العقائد التوحيدية، والتعبد بالبدع المضادة لسنة خير البرية، صلى الله عليه وعلى آله وسلم (فيعتقد) أحدهم عقيدة زائفة (فإذا) نهيته عنها يقول لا أرجع عنها اذهى العقيدة السلفية (ويتعبد) ببدع الملحدين "وإذا " نهاه مؤمن عن ذلك وأرشده إلى العمل بالشرع الذى شرعه رب العالمين على لسان رسوله الأمين " قابله " بقوله: هى بدع استحسنها
стр. 37
الشيخ فلان والشيخ فلان، ويذكر أشخاصا من المتساهلين في دينهم من متأخري المقلدين" والسبب " في ضلال أولئك الجهلة " زلة " بعض المنسوبين للعلم المتعرضين للتأليف، حيث سطروا في تأليفهم بعض العقائد الزائفة، واستحسنوا بعض البدع المضادة لشرع الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وينسب نفسه إلى مذهب أحد الأئمة رضى الله تعالى عنهم، فيعتقد الجاهل أن تلك العقائد والبدع قالها هذا الإمام. ولم يفقه أن جميع الأئمة المجتهدين متبرئون من كل عقيدة فاسدة وبدعة في العبادة، وقد قالوا لأصحابهم: خذوا العلم من حيث أخذنا. أى من الكتاب والسنة. وقالوا: نحن بريئون ممن يخالف الكتاب والسنة. وقالوا: ليس لأحد كلام مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن الله لم يجعل لأحد معه كلاما، وجعل قوله يقطع كل قول. وقال الشافعى في رسالته: إذا وجدتم قولى يخالف قول رسول الله ﵌ فاعلموا بقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واضربوا بقولى عرض الحائط. وقال مالك ﵀: من استحسن بدعة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة. وقال: ما لم يكن في زمان النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم دينا لم يكن اليوم دنيا وغير ذلك.
(والأدهى) أنك لو أرشدت أحد أولئك المقلدين - التقليد الأعمى - إلى العمل بالشرع الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وترك البدع، هاج وماج وأشاع وأذاع أنك تريد أبطال المذهب الذى نسب نفسه إليه بهتانا وزورا. وصاح أمثاله بذلك معه ويشتد مهم الجدال والنزاع الذى يناسب حالهم ويتعصبون تعصب الجاهلية الأولى، فإنا لله وأنا إليه راجعون " ومن شدة " عمى البصيرة "دعواهم " على من تمسك في قوله وعمله بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجانب البدع " أنه ضل وأضل " وخرج على مذاهب المسلمين، وأحدث الفتن والشحناء بين المؤمنين.
стр. 38
(فدعانى) ذلك إلى وضع كتاب أبين فيه عقيدة وكيفية العبادة التى شرعها رب العالمين أمرا ونهيا وتقريرا وعليها الأئمة المجتهدون، ذاكرا دليل كل مسألة من الكتاب أو السنة أو إجماع الأئمة، ليكون المتعبد على بصيرة تامة من دينه، ويخلع ربقة التلقيد من عنقة. وقد ذكرت بعد كل حديث من أخرجه من الأئمة، وبينت حالة من صحة وحسن وضعف غالبا، وأردت بالشيخين البخارى ومسلما، وبالثلاثة أبا داود والترمذى والنسائى، وبالأربعة الثلاثة وابن ماجه، وبالخمسة الشيخين والثلاثة، وبالستة الشيخين والأربعة، وبالسبعة أحمد والستة. وبالجماعة مالكا والسبعة، وسميته " الدين الخالص " أو " إرشاد الخلق إلى دين الحق " والله أسأل أن ينفع به النفع العميم. وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم. وسببا للنجاة والفوز " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " وهو حسبى ونعم الوكيل.
مقدمة
على العاقل أن يعلم أن جميع أئمة المسلمين على هدى من ربهم، ولا هم لأحدهم إلا الوصول إلى الحق الصحيح، وبيانه بالدليل الصريح، وإرشاد الناس إليه وحثهم على التمسك به والاعتصام بحبله. وتنفيرهم من البدع التى حذر منها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه العرباض بن سارية رضى الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم. أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون. ووجلت منها القلوب. فقال قائل يا رسول الله: كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان عبدا حبشيا، فانه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا
стр. 39
كثيراً، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الأمور، فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه والدرامى والترمذى وقال: حسن صحيح (١) ﴿٣﴾.
وما إلى ذلك من الأحاديث الصحيحة الواردة في ذم البدع وأنها ضلالة " فمن " زعم أن بعض البدع في العبادة قد تكون حسنة " فقد أخطأ " وذلك أنه ﷺ أخبر أن كل بدعة ضلالة ولفظ " كل " موضوع للأفراد. فمعنى الحديث: أن كل فرد من أفراد البدع ضلالة. وموضوعه العبادة كما علمت " ومن أدعى " أن الحديث دخله التخصيص بحديث " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ " أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه عن جرير بن عبد الله (٢) ﴿٤﴾.
" فدعواه " باطلة لأن الحديث إنما ورد في الحث على مكارم الأخلاق العادية التى بها ارتباط القلوب واتفاق الكلمة والقضاء على أسباب التباغض والنفور،
стр. 40
وأيضا فان الاستنان فيه ليس المراد به الاختراع. وإنما المراد به العمل بما ثبت بالكتاب والسنة النبوية. وذلك لأن سبب الحديث هو الحث على الصدقة المشروعة. فقد قال جرير بن عبد الله: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابى النمار متقلدى السيوف عامتهم بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: (يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة) الآية، والآية التى في الحشر: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما تقدمت لغد) تصدق رجل من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره، حتى قال ولو بشق تمرة. فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفة تعجز عنها بل عجزت. ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم: من سن في الإسلام (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم والنسائى (١) ﴿٥﴾. (قال) الشاطبى: فتأملوا أين قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من سن سنة حسنة؟ تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه حتى أتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى قال " من سن في الإسلام " الحديث.
فدل
стр. 41
على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابى. وهو العمل بما ثبت كونه سنة (١).
(وأما) البدعة التى قسموها إلى حسنة وغيرها فهى اللغوية (ومن المعلوم) أن البدع ليست من الدين، فكيف يتقرب بها إلى الله . وهل يصح من عاقل أن يعبد الله تعالى بغير ما شرع؟ وأن سنة النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم هى فعله وقوله وتقريره. وأن ما ترك مع قيام المقتضى فرتكه سنة وفعله بدعة. كالأولى والثانية يوم الجمعة تركهما النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع قيام المقتضى وهو التشريع. فتركهما سنة (وكذا) الترقية بين يدى الخطيب ورفع الصوت حال السير مع الجنازة وسائر البدع في العبادة. وتركها مطلوب شرعا لأنها ضلالة يجب البعد عنها ٠ (وقد) أجمعوا على أن كل بدعة حدثت رفع مثلها من السنة، لحديث غضيف بن الحارث أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة " أخرجه أحمد بسند جيد (٢) ﴿٦﴾.
(وقال) عبد الله بن الديلمى " بلغنى أن أول ذهاب الدين ترك السنة يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة " أخرجه الدارمى (٣) ﴿١﴾.
(فالمطلوب) ممن يريد حفظ دينه من الضياع وسلامة عقيدته من الفساد، ألا يركن إلى أى كتاب ادعي صاحبه استحسان أي بدعه في العبادة أو مال إلى
стр. 42
عقيدة فاسدة، وإلا ضل وخاب، وغرق في غياهب التباب. هذا، والمعلوم أن الدين هو ما أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وأنه مأمور بتبليغه من غير تغيير ولا زيادة ولا نقص قال الله تعالى " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى " (٣) " إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى " (٤) النجم. وقال: " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ " (٦٧) المائدة. وقال: " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرَ " (١١٢) هود. وقال " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ " (١٢) آل عمران. وقال: " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ " (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ" (٤٧) الحاقة (١) وما إلى ذلك من الآيات الناطقة بأنه لا مشرع إلا الله تعالى. (ولو أدرك) المتعرضون للتأليف ذلك ما قالوا بتحسين أى بدعة سيما وأن كل بدعة مردودة بقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه الشيخان وأبو داود عن عائشة. وفى رواية لمسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) " ﴿٧﴾.
(ولو عقلوا) أن الأحكام لا تثبت إلا بدليل من الكتاب أو السنة (ما أثبتوا) شيئا من هذه المخالفات فى كتبهم. (وإذا) كانت البدع ليست من الدين فما الدليل على حسنها؟ (وهل) الدين كان ناقصا فكمل بالبدع التى ليست منه؟ ألم يبلغهم قول الله : ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
стр. 43
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (٣) المائدة (١)؟ أم بلغهم ولم يفقهوه؟ أم أعتقدوا أن الدين الذى شرعه الله كامل ولكن البدع أكمل منه؟ فلذا تركوا العمل بالكثير منه وعكفوا على العمل ببدعهم، وغفلوا عن قول بن مسعود رضى الله عنه " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " أخرجه الطبرانى فى الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٣﴾.
الدين
يجب على كل مكلف أن يعتقد اعتقاد جازما أن الله تعالى أرسل جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام وهو الدين الذى لا يقبل الله تعالى غيره. قال تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ (١٢٨) البقرة. وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِياًّ وَلاَ نَصْرَانِياًّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (٦٧) آل عمران. وقال حكاية عن سيدنا سليمان ﴿أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣١) النمل. وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (١٩) آل عمران. وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (٨٥) آل عمران. أى ومن يطلب غير دين النبى محمد
стр. 44
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو فى الآخرة من الخاسرين، ولا يخرج من النار أبد الآبدين، لأن الله تعالى جعل شرعه ناسخا لجميع الشرائع.
هذا. والدين يطلق على الطاعة وعلى الطريقة الثابتة والملة المتبعة، فهو يشمل الشرائع كلها. فذا صدق العبد بكل ما جاء به النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو مؤمن (والإيمان) لغة: التصديق القلبى، قال تعالى حكاية عن اخوة يوسف (وما أنت بمؤمن لنا) أى بمصدق، وشرعا التصديق بكل ما جاء به النبى صلى الله عليه وعلى آله واعتقاده اعتقادا جازما، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، والتصديق بالأوامر والنواهى كافتراض الصلاة وتحريم قتل النفس المعصومة وأنا (روى) أبو ذر أن النبى ﷺ قال " ما من عبد قال لا اله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت: وان زنى وان سرق؟ قال: وان زنى وان سرق؟ قلت: وان زنى وان سرق؟ قال: وان زنى وان سرق، قلت: وان زنى وان سرق؟ قال: وان زنى وان سرق على رغم أنف أبى ذر " أخرجه أحمد والشيخان والترمذى (١)
(والإسلام) لغة الانقياد والاستسلام. ومنه إيمان الأعراب الذين قال الله تعالى فيهم ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١٤) الحجرات، لأنهم تلفظوا بكلمة الشهادة بلا تصديق (وشرعا) انقياد ظاهرى مع اعتقاد باطنى بكل ما جاء به النبى ﷺ ، وعلم من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
стр. 45
فكل من الإيمان والإسلام المنجيين لا ينفك عن الآخر. وكل مؤمن مسلم وكلم مسلم مؤمن، لأن المصدق ذلك التصديق للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لابد أن يكون خاضعنا لما جاء به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والخاضع هذا الخضوع لابد أن يكون مصدقا ذلك التصديق.
هذا. وقوام الدين ثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان. وقد بينها النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى حديث عمر رضى الله عنه قال: " بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وقال: يا محمد أخبرنى عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت أن استطعت إليه سبيلا. قال: دقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان. قال: أ، تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك. قال: فأخبرنى عن ساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرنى عن إماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان. ثم انطلق. فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر أتدرى من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فانه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. أخرجه أحمد والخمسة إلا البخارى (١) ﴿٩﴾.
стр. 46
دل الحديث على أن الأحكام الشرعية علمية وعملية. فالعلمية ستة:
(الأول) الإيمان بالله، وهو اعتقاد وجود الله تعالى متصفا بكل كمال يليق بجلاله، منزها عن كل نقص. وأنه قادر على إيجاد الممكن وإعدامه.
(الثانى) الإيمان بالملائكة، وهو أ، تؤمن بوجودهم، وأنهم عباد مكرمون لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
(الثالث) الإيمان بالكتاب، وهو أن تصدق بان الله كتبا أنزلها على بعض رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام منها: القرآن وهو أفضلها أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والإنجيل أنزل على سيدنا عيسى. والتوراة أنزلت على سيدنا موسى. والزبور أنزل على سيدنا داود. وصحف سيدنا إبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام.
стр. 47
(الرابع) الإيمان بالرسل، وهو أن تؤمن بأن الله تعالى أرسل رسلا من البشر مبشرين الطائعين بالجنة، ومنذرين بالعذاب الأليم. متصفين بما يليق بهم من صدق وأمانة وتبليغ وفطانة ومالا يؤدى إلى نقص فى مراتبهم العلية، ولا إلى نفرة الناس عنهم، منزهين عما لا يليق بمقامهم من كذب وخيانة وكتمان وبلادة.
(الخامس) (الإيمان باليوم الآخر. وهو يوم القيامة. وسيأتى أن أوله من الموت أو البعث، وبما اشتمل عليه من سؤال القبر وعذابه ونعيمه وبعث وحشر وميزان ونشر كتب الأعمال وتعليقها فى الأعناق وأخذها باليمين لقوم وبالشمال لآخرين، وقراءة كل كتابه قال تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائرة فى عنقة ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (١) وما إلى ذلك مما يأتى بيانه إن شاء الله تعالى.
(السادس) الإيمان بالقدر كله، أى التصديق والإذعان بان كل ما قدر الله فى الأزل لابد من وقوعه وما لم يقدره يستحيل وقوعه، وبأنه تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق. " روى " ابن عمرو أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء " أخرجه مسلم والترمذى (٢) ﴿١٠﴾.
وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤٩) القمر. وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (٢) الفرقان
стр. 48
وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣٠) الدهر. وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " كل شئ بقدر حتى العجز والكيس " أخرجه أحمد ومسلم (١) ﴿١٢﴾.
وقد تكفل بتفصيل هذه الأحكام:
علم التوحيد
التوحيد لغة العلم بأن الشئ واحد. وشرعا أفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا وصفاتا وأفعالا ويعرف بمعنى الفن المدون بأنه علم يبحث فيه عن معرفة العقائد الدينية. وهى التى يجب على كل مكلف ذكر أو أنثي حر أو رقيق
стр. 49
أن يعتقدها. فيجب عليه أن يعرف الصفات الواجبة لله تعالى والمستحيلة والجائزة فى حقه تعالى. وأن يعرف الصفات الواجبة للأنبياء والرسل والمستحيلة عليهم والجائزة فى حقهم عليهم الصلاة والسلام. وأن يعرف ما جاء فى الكتاب والسنة من أحوال الموت والقبر وما بعدهما. ومن لم يعرف ذلك فليس بمسلم ويخلد فى نار جهنم (والمعرفة) هى الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل (والواجب) الأمر الثابت الذى لا يقبل الانتفاء ككون الجسم متحركا أو ساكنا وكونه صغيرا أو كبيرا وكونه ناعما أو خشنا. ونحوه ما لابد للجسم متحركا ساكنا أو طويلا قصيرا، أو حيوانا جمادا فى آن واحد (والجائز) ما يقبل الثبوت والانتفاء ككون الجسم صغيرا فى وقت كبيرا فى وقت آخر، وكونه قصيرا فى وقت طويلا فى آخر، وكونه حيا فى وقت ميتا فى آخر.
هذا. والكلام هنا فى ثلاثة أصول: إلهيات، ونبويات، وسمعيات.
(١) الالهيات هى ما يتعلق بالله تعالى
من واجب ومستحيل وجائز
(أ) الواجب فى حقه تعالى: يجب على المكلف أن يعتقد أن الله تعالى متصف بالصفات الجليلة القديمة الثابتة بالأدلة التفصيلية وهى ثلاث عشرة:
١ - الوجود - فهو تعالى موجود بلا ابتداء قبل وجود جميع الحوادث من عرش وكرسى وسموات وسائر العالم (والدليل) على ذلك خلقه تعالى السموات وما فيها من الكواكب والملائكة، والأرض وما فيها من الجبال والرمال والأشجار والأحجار والبحار والأنهار والحيوانات والجمادات، لأن الصنعه لابد لها من صانع
стр. 50
موجود. وقد قال الله ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦٢) غافر. وقال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (١) الأنعام. وقال ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ أى خلق كل شئ فسوى خلقه. وقال ﴿أقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق﴾ وقال ﴿وخلق كل شئ فقدره تقديرا﴾ (٢) الفرقان. ومن البدهى أن موجد الشئ لا يكون معدوما، لأن المعدوم لا يعطى الوجود.
٢ - القدوم - ومعناه انه لا لأول لوجوده تعالى، وأنه لم يسبقه عدم، لقوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢) الزمر. إذ معناه أن كل شئ غير الله مخلوق لله، فلا يجوز أن يكون غيره خالقا له، لأنه لو كان مخلوقا لكان محتجا لغيره كيف وهو ذو الغنى غيره خالقا له، لأنه لو كان مخلوقا لكان محتاجا لغيره كيف وهو ذو الغنى المطلق. وفقر كل شئ إليه محقق؟ (وعن عمران) بن حصين رضى الله عنه قال: انى عند النبى ﵌ اذ جاءه قوم من من بنى تميم فقال " اقبلوا البشرى يا بنى تميم " قالوا بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن. فقال: " اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم " قالوا: قبلنا. جئناك لنتفقه فى الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال قال: كان الله ولم يكن شئ قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب فى الذكر كل شئ " أخرجه البخارى (١) ﴿١٣﴾.
стр. 51
٣ - البقاء - ومعناه أنه لا انتهاء لوجوده تعالى، وانه لا يلحقه عدم، لقوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (٢٧) الرحمن، وقوله: (كل شئ هالك إلا وجهه) (٨٨) القصص، ولأن من ثبت قدمه استحال عدمه. فهو الأزلى القديم بلا بداية والأبدى الباقى بلا نهاية (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم) (٣) الحديد.
٤ - مخالفته تعالى للحوادث - ومعناها عدم مماثلته لشئ منها لا فى الذات ولا فى الصفات ولا فى الأفعال، لقوله تعالى: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) (١١) الشورى، ولأنه لو ماثل شيئا منها لكان حادثا مثلها. والحدوث مستحيل فى حق الخالق .
٥ - قيامه تعالى بنفسه - ومعناه أنه تعالى موجود بلا موجد وغنى عن كل ما سواه، وانه متصف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص، لقوله تعالى: (يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد) (١٥) فاطر، وقوله تعالى: (والله الغنى وأنتم الفقراء) (٣٨) محمد، ولأنه لو احتاج إلى شئ لكان حادثا وحدوثه محال لما تقدم فاحتياجه محال.
٦ - الوحدانية فى الذات والصفات والأفعال - ومعناها أن ذاته ليست مركبة، وليس لغيره ذات تشبه ذاته، وانه ليس له صفتان من جنس واحد كقدرتين وعلمين، وليس لغيره صفة كصفته، وأن الأفعال كلها خيرها وشرها اختياريها واضطراريها مخلوقة لله وحده بلا شريك ولا معين. قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٣) البقرة، وقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢٢) الأنبياء، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٩٦) الصافات، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
стр. 52
عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣) فاطر، وقال تعالى: (قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد) أى قل يأيها النبى - لمن سألك عن صفة ربك جل وعلا - هو المعبود بحق المتصف بكل صفات الكمال، الواحد فى ذاته وصفاته وأفعاله، المقصود فى قضاء حوائج الخلق على الدوام، الذى ليس بوالد ولا مولود ولا شبيه له ولا نظير.
(دلت) السورة على أمور:
(أ) إثبات ألوهية الله تعالى المستلزمة لا تصافه بكل صفات الكمال كالعلم والقدرة والإرادة.
(ب) إثبات أحديته الموجبة تتنزهه تعالى عن التعدد والتركيب وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة فى الخلقه وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة.
(جـ) إثبات صمديته تعالى المقتضية استغناءه عن كل ما سواه وافتقار كل ما عداه إليه فى الوجود والبقاء وسائر الأحوال.
(د) إبطال زعم من زعم أن له ولدا كاليهود والنصارى بقوله: (لم يلد) لأن الولد من جنس أبيه، والله لا يجانسه أحد ولا يجانس أحدا، ولا يفتقر إلى من يعينه أو يخلفه لا متناع احتياجه وفنائه.
(هـ) إثبات قدمه بقوله: (لم يولد) أى لم يفصل عن غيره. وهذا لا نزاع فيه. وإنما ذكر لتقرير ما قبله إذ المعهود أن ما لا يولد لا يلد.
(و) نفى مماثلة شئ له تعالى فى أى زمان كان " ومن زعم " أن نفى الكفء فى الماضى لا يدل على نفيه فى الحال والكفار يدعونه " فقد غفل " لأن ما لم يوجد فى الماضى لا يكون فى الحال ضرورة أ، الحادث لا يكون كفئا للقديم.
стр. 53
٧ - الحياة - وهى صفة قديمة قائمة بالذات العلية تصحح لموصوفها الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وما إلى ذلك من الصفات الأئقة به تعالى (وحياته) ليست بروح. ودليلها قوله: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ (٢) آل عمران، وقوله: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ (١١١) طه، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾ (٥٨) الفرقان.
٨ - العلم - وهو صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تحيط بكل موجود: واجبا كان أو جائزا، وبكل معدوم: مستحيلا كان أو ممكنا. فهو تعالى يعلم وجود ذاته وصفاته وأنها قديمة لا تقبل العدم. ويعلم أنه لا شريك له، وأن وجود الشريك محال. ويعلم جواز حدوث الممكن وعدمه. ويعلم فى الأزل عدد من يدخل الجنة ومن يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد فى ذلك العدد ولا ينقص منه. ويعلم أفعالهم وكل ما يكون منهم. ويعلم أنه عالم بكل الأمور لا تخفى عليه خافية. قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ (١٤) الملك، وقال: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (٩٨) طه. وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (١٢) الطلاق، وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٢٥٥) البقرة، وقال: ﴿هو الله الذى لا اله إلا هو عالم الغيب والشهادة﴾ (٢٢) الحشر، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١٩) غافر، وقال: ﴿إن الله بكل شئ عليم﴾ (٧٥) الأنفال.
(وعن) ابن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفى يده كتابان، فقال: " أتدرون ما هذان الكتابان " فقلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا. فقال للذى فى يده اليمنى: " هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على أخرهم،
стр. 54
فلا يزاد منهم ولا ينقص منهم أبدا " وقال للذى فى شماله: " هذا كتاب من رب العالمين. فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم اجمل على أخرهم فلا يزاد منهم ولا ينقص منهم أبدا " فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله أن كان الأمر قد فرغ منه؟ قال: " سددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وان عمل أى عمل. وان صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وان عمل أى عمل " ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم " بيديه فنبذهما " ثم قال: " فرغ ربكم من العباد فريق فى الجنة وفريق فى السعير " أخرجه أحمد والترمذى وقال: حديث حسن غريب صحيح (١) ﴿١٤﴾.
ولأنه تعالى لو لم يكن عالما لكان جاهلا، ولو كان جاهلا لكان حادثا، وحدوثا محال لما سبق. فالجهل عليه تعالى محال.
هذا. وعلم الله تعالى ليس كسبيا ولا يوصف بكونه ضروريا أو نظريا أو بديهيا أو يقينيا أو تصوريا أو تصديقيا، لأنه صفة قديمة لا تعدد فيها ولا تكثر.
٩ - الإرادة - وهى صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه كوجود المخلوق فى زمن دون غيره. وفى مكان دون آخر وهكذا، لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (٦٨) القصص، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (٤٩) الشورى، وقوله تعالى: (فعال لما يريد) (١٦) البروج، وقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ
стр. 55
لِلإِسْلامِ﴾ (٢٥) الأنعام. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْر﴾ (١٨٥) البقرة.
١٠ - القدرة - وهى صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ (٥٨) الذاريات. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ (عجز ٥٠) الروم. وقوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً) (٤٥) الكهف. ولأنه لو لم يكن قادرا لكان عاجزا، وعجزه محال، كيف وهو خالق كل شئ.
(تنبيه) علم أن الإرادة والقدرة يتعلقان بكل ممكن من أفعالنا الاختيارية. وما له سبب كالإحراق عند مماسة النار. وما لا سبب له كخلق السماء. وتعلق القدرة فرع تعلق الإرادة الذى هو فرع تعلق العلم إذ لا يوجد الله تعالى شيئا ولا يعدمه إلا إذا أراد وجوده أو إعدامه وقد سبق فى علمه انه يكون أولا يكون.
١١ - السمع - وهو صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تحيط بكل موجود واجبا أو ممكنا صوتا أو لونا أو ذاتا أو غيرها، فهو يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء فى الليلة الظلماء بلا أذن ول صماخ.
١٢ - بصر - وهو صفة وجودية قديمة قائمة بالذات العلية تحيط بكل موجود - واجبا أو جائزا جسما أو لونا أو صوتا أو غيرها بلا حدقة - إحاطة غير إحاطة العلم والسمع. والدلي على انه تعالى سميع بصير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٥٦) غافر. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عجز ٥٧ الحج و ٢٨ لقمان، ولأنه تعالى لو لم يكن سميعا بصيرا لكان أصم أعمى وهو نقص. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
стр. 56
١٣ - الكلام - وهو صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تدل على كل موجود واجبا أو جائزا، وعلى كل معدوم محالا أو جائزا. وليس كلامه تعالى بحرف ولا صوت، ولا يوصف بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولاسكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هذا كله من صفات الحوادث، وهى محالة علية تعالى. ودليله قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (١٦٤) النساء، ولأنه تعالى لو كان غير متكلم لكان. أبكم، والبكم نقص محال فى حقه تعالى لو كان غير متكلم لكان. أبكم، والبكم نقص محال فى حقه تعالى. القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وباقى الكتب المنزلة، تدل على بعض ما يدل عليه الكلام القديم، قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (١٠٩) الكهف. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٢٧) لقمان. وله تعالى صفات غير ذلك كالجلال والجمال والعزة والعظمة والكبرياء والقوة وهى القدرة، والوجه والنفس والعين واليد والأصابع والقدم (١) والمحبة والرضا والفرح والضحك والغضب والكراهة والعجب والمكر ونحو ذلك مما ورد فى الكتاب والسنة. فيجب الإيمان به بلا كيف فنقول: له تعالى يد لا كالأيدى.
ونفوض معرفة ذلك، وتفصيله إلى الله تعالى ولا نؤول أن يده تعالى قدرته أو نعمته وأمثال ذلك، لأن فيه إبطال الصفة التى دل عليها الكتاب والسنة، ولكن نقول يده صفة له بلا كيف وهكذا. وغضبه ومكره واستهزاؤه غير انتقامه وغير إرادة الانتقام. بل من صفاته بلا كيف. وهذا مذهب السلف فى المتشابهات. وبه نقول. وسيأتى لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
هذا ما يلزم اعتقاده ومعرفته تفصيلا من الواجب فى حقه تعالى.
стр. 57
(وأما الواجب معرفته إجمالا فهو أن يعتقد المكلف أن الله تعالى. متصف بكمالات موجودة تليق به تعالى لا نهاية لها يعلمها الله تعالى تفصيلا ويعلم أنها لا نهاية لها، لأنه لو انتفى عنه تعالى شئ من الكمال الذى يليق به لكان ناقصا والنقص محال فى حقه لا ستلزامه الحدوث المحال عليه تعالى.
(ب) المستحيل فى حق الله تعالى: يستحيل فى حقه تعالى بالأدلة التفصيلية السابقة ثلاث عشرة صفة مقابلة للصفات الواجبة له تعالى على الترتيب السابق. وهى العدم والحدوث " وهو الوجود بعد عدم " والفناء، ومماثلته تعالى للحوادث " فى الذات " بأن يكون جسما مركبا أو حالا له شبيه " وفى الصفات " بأن يكون حياته كحياة الحوادث وعلمه كعلمهم وهكذا " وفى الأفعال " بألا يكون مؤثرا فى شئ، وإنما له مجرد الكسب. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فهو لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود، ولا يحده مقدار ولا تحويه أقطار، لقوله تعالى: (ليس كمثله شئ) (ومن المستحيل) فى حقه تعالى احتياجه لموجد أو ذات يقوم بها. والتعدد " فى ذات " بأن يكون مركبا يقبل الانقسام أو يكون هناك ذات كذاته " وفى الصفات " بأن يكون له صفتان من جنس واحد كقدرتين وعلمين، أو يكون لغيره صفة كصفته " وفى الأفعال " بأن يكون لغيره تأثير فى شئ من الأشياء بطبعه أو بقوة مودعه فيه. فليست النار محرقة بطبعها ولا بقوة خلقت فيها. وإنما الخالق للإحراق هو الله تعالى عند خلقه النار. ولو شاء خلق النار دون الإحراق لكان. كما حصل لخليله سيدنا إبراهيم ﵊. وليس الماء مرويا بطبعه ولا بقوة خلقت فيه وإنما الخالق للرى الله تعالى عند شرب الماء. وليس الملبوس ساترا وواقيا البرد أو الحر بنفسه ولا بقوة خلقت فيه. بل الخالق لما ذكر هو الله تعالى عند لبس الثياب. فمن يعتقد تأثير شئ من الأسباب فى مسببه بطبعه فهو كافر أو بقوة خلقها الله فيه فهو فاسق. ومن
стр. 58
اعتقد عدم تأثيرها وأن الله هو المؤثر ولكن يستحيل خلق السبب بدون مسببه أو عكسه فهو مؤمن يخشى عليه إنكار معجزات الأنبياء فيكفر، أو إنكار كرامات الأولياء فيفسق.
والاعتقاد الصحيح اعتقاد أن المؤثر فى السب والمسبب هو الله تعالى مع إمكان تخلف أحدهما عن الآخر خرقا للعادة (ومن المستحيل) فى حقه تعالى الموت وما فى معناه كالنوم والإغماء. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ (ومنه) الجهل وما فى معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان، (ومنه) وجود شئ من الحوادث بلا إرادته تعالى بأن يكون بطريق الطبع أو العلة. فلا يقع فى الملك والملكوت قليل أو كثير صغير أو كبير خير أو شر إلا بقضائه وقدره. (ومنه) العجز عن ممكن ما والصمم وما فى معناه كسمعه الجهر دون السر، وكاختصاصه بالأصوات دون الذوات وسائر الموجودات (ومنه) العمى وما فى معناه كالعشى - بفتحتين مقصورا - وهو عدم الإبصار ليلا - والجهر - بفتحتين وهو عدم الإبصار نهارا (ومنه) البكم وهو الخرس وما فى معناه كالفهاهه والعى والسكوت، وكون كلامه تعالى بحروف وأصوات. هذا ما دلت على استحالة فى حق الله تعالى الأدلة التفصيلية، وهى أدلة الواجب التفصيلى ويجب على كل مكلف أن يعتقد بعد ذلك أن الله تعالى منزه عن كل نقص كما أنه متصف بكل كمال.
(جـ) الجائز فى حق الله تعالى: يجوز فى حقه تعالى فعل كل ممكن أو تركه فهو متفضل بالخلق والاختراع والتكليف والأنعام والإحسان لا عن وجوب ولا إيجاب. فلا يجب عليه شئ مما ذكر. ولا يستحيل عليه تعالى فعل ما يضر عباده، بل يجوز أن يفعله بهم بطريق العدل، إذ للمالك أن يتصرف فى ملكه بما يشاء. فهو الخالق للإيمان والطاعة والسعادة والعافية، وسائر النعم فضلا
стр. 59
منه وإحسانا (١). وهو الخالق للكفر والمعاصى والشقاوة والأمراض والفقر ونحو ذلك عدلا منه فى مملوكه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ عجز آية (١٠٥) البقرة. وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (٦٨) القصص. وقال: (فعال لما يريد) (١٦) البروج. وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (٩٣) النحل. وقال: ﴿من يضلل الله فلا هادى له﴾ (٨٦) الأعراف. وقال: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢٣) الأنبياء. فيجوز فى حقه تعالى عقلا (تعذيب) المطيع عدلا منه لأنه الخالق للطاعة مع تنزهه عن الانتفاع بها. وإنما ينتفع بها العبد الذى وفقه الله لكسبها، (وإثابة) العاصى فضلا منه لأنه الخالق للمعصية مع تنزهه عن التضرر بها. وإنما يتضرر بها من خذله الله باكتسابها عدلا منه.
قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (٤٩) الكهف. وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٤٦) فصلت (٢) وقال: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عجز (٣٨٤) البقرة. وقال: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
стр. 60
وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (١٧) فاطر. وفى الحديث القدسى " يا بنى آدم ما خلقتكم لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستعين بكم من وحدة على أمر عجزت عنه، ولا لجر منفعة، ولا لدفع مضرة. بل خلقتكم لتعبدونى طويلا وتشكرونى كثيرا وتسبحونى بكرة وأصيلا. ولو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم وحيكم وميتكم وصغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم، اجتمعوا على طاعتى مازاد فى ذلك ملكى مثقال ذرة. ولو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم وحيكم وميتكم وصغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم، أجتمعوا على معصيتى ما نقص ذلك من ملكى مثقال ذرة (١) " ﴿١٧﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِين﴾ (٦) العنكبوت. وهم الفقراء إليه وهو الغنى الحميد (ومن الجائز) رؤيته تعالى بالأبصار وغيرها خرقا للعادة بلا اتصال الأشعة به تعالى ولا كيفية ولا انحصار فى جهة.
قال الله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢٣) القيامة. وسيأتى تمامه فى بحث الرؤية إن شاء الله تعالى.
(ومن الجائز) إنزال الكتب وإرسال الرسل مبينين للناس ما نزل إليهم مبشرين الطائعين بالجنة والنعيم، ومنذرين العاصين بالنار والعذاب الأليم. قال تعالى: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه. وأنزل التوراة والإنجيل (٣) (من قبل هدى للناس، وأنزل على عبده الكتاب) وقال: (تبارك الذى الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٨٩) النحل. وقال: ﴿رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (١٦٥) النساء.
стр. 61
هذا. ومما تقدم تعلم أنه يجب على كل مكلف أن يعتقد أن الله تعالى متصف بصفات الجلال والكمال التى تليق بعظمة تعالى الواردة فى الكتاب العزيز والسنة المطهرة. وأنه تعالى منزه عن كل نقص، وعن مشابهة الحوادث، تعالى الله عن ذلك.
المتشابه
أما ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهة، فقد أجمع السلف والخلف رضى الله عنهم على أنها مصروفه عن ظاهرها، لقوله تعالى: (قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد) وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١١) الشورى (ثم اختلفوا) فى بيان معانى تلك الآيات والأحاديث (فالسلف) يفوضون علم معانيها إليه تعالى. فيقولون أن الاستواء فى آية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) طه - لا يعلمه إلا الله ، مع جزمهم بأنه ﷻ يستحل عليه الاستقرار على العرش أو اتصاله به أو جلوسه عليه، لأنه تعالى اله قديم موصوف باستوائه على العرش قبل خلق العرش، لأن القرآن الذى منه هذه الآية موجود قبل إيجاد العرش، فكيف يعقل أنه تعالى استقر على العرش غير موجود؟ ولما خلق الخلق لم يحتج الى مكان يحل فيه. بل هو غنى عنه. فهو تعالى لم يزل بالصفة التى كان عليها (والخلف) يقولون فيها: الاستواء لأنه معناه الاقتدار والتصرف أو نحو ذلك، ومذهب السلف أسلم، لأنه يحتمل أن الله أراد معنى فى الآية غير ما فسرها به الخلف.
(ووجه) صحة مذهب الخلف أنهم فسروا الآية بما يدل عليه اللفظ العربى. والقرآن عربى (وحملهم) على التفسير المذكور ولم يفوضوا كما فوض السلف
стр. 62
(وجود) المشبهة والمجسمة فى زمانهم زاعمين أن ظاهر الآيات يدل على أنه تعالى جسم، ولم يفقهوا أنه مستحيل عليه الجسمية والحلول فى الأمكنة. وقد اغتر بعض العوام بقولهم فاعتقدوا أن الله تعالى جالس على العرش وحال فى السماء. فكفروا والعياذ بالله تعالى، والنفس أمارة بالسوء، والشياطين تحسن لها ارتكاب ما تخلد به فى النار (فوجب) عليهم أن يبينوا للعامة معنى تلك الآيات والأحاديث المتشابهة - حسب مدلولات القرآن والأحاديث النبوية - بما يصح اتصاف الله تعالى به، ليعرفوا الحق فيعلموا عليه ويتركوا الباطل وأهله فلا يكفرون. فجزاهم الله تعالى خير الجزاء (وقد) نقل العلامة أحمد زروق عن أبى حامد أنه قال: لا خلاف فى وجوب التأويل عند تعين شبهة لا ترتفع إلا به أهـ (والحاصل) أن الخلف لم يخالفوا السلف فى الاعتقاد وإنما خالفوهم فى تفسير المتشابه للمقتضى الذى حدث فى زمانهم دون زمان السلف كما علمت. بل اعتقادهم واحد، وهو أن الآيات والأحاديث المتشابهات مصروفه عن ظاهرها الموهم تشبيهه تعالى بشئ من صفات الحوادث وأنه مخالف للحوادث، فليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا مستقر على عرش ولا فى سماء ولا يمر عليه زمان وليس له جهة إلى غير ذلك مما هو من نعوت المخلوقين (فمن اعتقد) وصفه تعالى بشيء منها فهو كافر بإجماع السلف والخلف. نسأل الله تعالى حسن الاعتقاد أن الله تعالى استقر على العرش وحل فى السماء وأنه فى جهة من الجهات، وأن له مكانا ونحو ذلك مما هو من صفات المخلوق (وجود) بعض مؤلفات لبعض من ينتسبون إلى العلم مال وله جهة ويتصف بالتحول والانتقال إلى غير ذلك من الضلال والإضلال.
تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (واطلع) عليها من لا علم عنده بأصول الدين الصحيحة فاعتقد أن ما ذكر فيها حق وعقائد صحيحة، وأعانه على ذلك الاعتقاد المكفر من
стр. 63
كفر قبله بسبب هذا الاعتقاد (ويقولون) لهم: هذه كتب أكابر العلماء المحققين. وهذه العقيدة عقيدة السلف، ومن لم يعتقدها يكون كافرا مخلدا فى النار معطلا لصفات الله غير ذلك من البهتان الفظيع (١) (ومن) جهلهم استدلالهم على دعواهم الباطلة أن الله تعالى استقر على العرش، بقول بعض السلف كمالك بن أنس رضى الله تعالى عنه جوابا للسائل عن معنى (الرحمن على العرش استوى) الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أظنك الا ضالا. ثم أمر به فأخرج. ولا دليل فيها، فان معنى الاستواء معلوم أنه مصرح به فى القرآن. ففى رواية تأتى للشافعى عن مالك (٢): الاستواء مذكور وكيفيته مجهولة يعنى لا نعلم معناه، لأنه لا يعلم معنى المتشابه الا الله تعالى. فهو ناطق بأنه لا يتعرض لبيان معناه لعدم علمه به. فكيف يدعى عليه أنه فسر الاستواء بالاستقرار والجلوس؟ سبحانك هذا بهتان عظيم (والأدهى) دعوى هذه الشرذمة أن من لم يعتقد أن لله تعالى جهة، وأنه فى مكان، فهو كافر لانكاره وجود الله . ويقولون لمن حضرهم من العوام بسطاء العقول: اذا كان الله تعالى ليس فى جهة فوق ولا تحت ولا أمام ولا خلف ولا يمين ولا شمال، فهو غير موجود. فيجب الكفر بالاله الذى لا جهة له ولا مكان. (فهذه) (الدعوى) ناطقة بأنهم يعتقدون أن الله تعالى جسم كالأجسام شبيه بالحوادث.
وهو كفر صريح نعوذ بالله تعالى من الكفر وأهله (فقد) عكسوا الحقائق لانعكاس بصيرتهم وفظيع مركب جهلهم. قال الله تعالى (ومن يضلل الله فما له من هاد) عجز (٣٣) الرعد (اذ لو كانوا) يسمعون أو يعقلون وتأملوا
стр. 64
قليلا (لعرفوا) أن (دعواهم) أن الاله القديم يتوقف وجوده على كونه فى جهة من الجهات وله مكان (صريحة) فى اعتقادهم عدم وجود الله لأنه لا مكان له ولا جهة، مع انه كان موجودا قبل خلق الجهات والأمكنة، وكان موجودا ولا شئ معه كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذلك من صفات الألوهية. كما أن الاحتياج الى المكان والجهة من صفات الأجسام الحادثة. (وكيف) يتوهم من عنده شائبه عقل أن وجود الاله القديم يتوقف على اتصافه ٨ بصفات المخلوق. أن هذا لمن أشنع الخبال والبهتان (والأغرب) أنهم يعتقدون أنهم سلفيون وهم كاذبون وبغيهم جاهلون.
(ومن خرافاتهم) دعواهم أن من لم يعتقد أن الله جالس ومستقر على العرش أو فى السماء، معطل لصفات الإله (مع العلم) الضرورى أن ذلك ليس من صفات الله تعالى، بل هو ضد صفاته ، ناف للألوهية بالكيلة كما علمت.
(وأما) السلف والخلف فانهم مجمعون على ثبوت صفات الله تعالى الواردة فى الكتاب العزيز والسنة المحمدية. وإنما خلافهم فى تفويض معنى المتشابه وهو مذهب السلف. وفى بيان معناه وهو مذهب الخلف (قال الإمام) السلفى الجليل ابن كثير فى تفسيره ما نصفه: أما قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ (٥٤) الأعراف فلنا فى هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هنا موضوع بسطها. وإنما نسلك فى هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعى والثورى والليث ابن سعد قديما وحديثا. وهو أمراها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطليل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفى عن الله تعالى، فإن الله لا يشبهه شئ من خلقه و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١١) الشورى. بل الأمر كما قاله
стр. 65
الأئمة. منهم نعيم بن حماد الخزاعى شيخ البخارى قال: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه (فمن أثبت) لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى (ونفى) عنه تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى أهـ (وقال) العلامة إسماعيل حقى فى تفسيره روح البيان: من قال أن الله فى السماء، أن أراد به المكان كفر. وان أراد به الحكاية عما جاء فى الظاهر الأخبار لا يكفر، لأنها مؤولة. والأذهان السليمة والعقول المستقيمة لا تفهم بحسب السليقة من مثل هذه التشبيهات إلا عين التنزيه أهـ (ولذا) لم يتعرض السلف لتأويل المتشابهات لكون العقول إذ ذاك كانت سليمة لا تفهم من المتشابه إلا تنزيه الله عن صفات الحوادث. (وتعرض) الخلف للتأويل لفساد عقول كثير من أهل زمانهم ففهموا من ظاهر المتشابهات أن الله جسم يحل فى العرش أو السماء أو الجهة.
وقد تقدم التنبيه على ذلك (قال) فى روح البيان: يقال لمن قال أن لله تعالى مكانا: أين كان قبل خلق هذه العوالم؟ ألم يكن له وجود متحقق؟ فان قالوا: لا، فقد كفروا وان قالوا بالحلول والانتقال، فكذلك، لأن الواجب لا يقارن الحادث إلا بالتأثير والفيض وظهور كمالاته، لكن لا من حيث انه حادث مطلقا بل من حيث أن وجوده مستفاض منه، فافهم أهـ (وقال) أيضا: من يثبت له تعالى مكانا فهو من المجسمة. ومنهم جهلة المتصوفة القائلون بأنه تعالى فى كل مكان، ومن يليهم من العلماء الزائغين عن الحق الخارجين عن طريق العقل والنقل والكشف أهـ.
(والعلماء) الزائغون عن الحق هم الذين ذمهم الله تعالى بقوله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (٧) آل عمران. وأى فتنة أفظع من كونهم كفروا بالله تعالى
стр. 66
لاعتقادهم أن الله تعالى جالس على العرش أو له مكان أو حل فى جهة زعما منهم أن ظاهر الآيات والأحاديث يدل على ذلك وكفر بسببهم كثير من جهلة العوام ضعفاء العقول كما شاع وذاع فى كثير من البقاع فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
(وقال) البيضاوى فى تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ (٥٤) الأعراف: استوى أمره أو استولى وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف. والمعنى أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذى عناه منزهتا عن الاستقرار والتمكن اهـ.
(وقال) العلامة الخطيب: الله تعالى لا يتصف بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام ولأنه تعالى خلق الأمكنة وهو غير متحيز، وكان فى أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان اهـ.
(وقال) العارف الصاوى فى تفسير قوله تعالى: ﴿يخالفون ربهم من فوقهم﴾ (٥) النحل: المراد بالفوقية القهر لا الجهة لأنها مستحيلة عليه تعالى أهـ (وقال) الإمام القرطبى فى تفسير قوله تعالى ﴿أمنتم من فى السماء﴾ (١٦) الملك: المراد بها توقيره وتنزيه تعالى عن السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها من صفات الأجسام، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان فى أزله قبل خلق المكان والزمان ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان أهـ.
(وقال): أبو حيان فى تفسيره: معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة له ولا يشبه بشئ من خلقه ولا يكيف ولا يتحيز ولا تحله
стр. 67
الحوادث أهـ. (وقال) فى تفسير قوله تعالى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ (٣) الأنعام: إنما ذهب أهل العلم إلى الخروج عن ظاهر (فى السموات وفى الأرض) لما قام عليه العقل من استحالة حلول الله تعالى فى الأماكن ومماسة الأجرام ومحاذاته لها وتحيزه فى جهة أهـ.
(وقال) الامام النيسابورى فى تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ (٥٤) الأعراف: يقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة أهـ.
(وقال) عماد الدين الكندى فى تفسير قوله تعالى (وهو الله فى السموات وفى الأرض): حلول الله تعالى فى الأماكن مستحيل، وكذلك ممارسة الأجرام أو محاذاته لها، أو تحيزة فى جهة، لا متناع جواز التغير عليه ﵎، وقد استقرت القواعد على أن الله ﵎ لا يجوز عليه الجهة ولا الظرفية اهـ. بتصرف (وقال) فى تفسير قوله تعالى ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٦١) الأنعام: الفوقية تمثيل للقهر لا للقاهر. وما أغبى الحشوية وأجمدهم حيث الترموا فوقية الجهة والجسمية فيمن يستحيل عليه ذلك. فما بالحشوية الا مكايدة المعقول ومكابرة المنقول أهـ.
(وقال) العلامة ابن العادل الدلجى فى تفسير قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٨٤) الزخرف: ابن الخطيب: وهذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر فى السماء، لأنه تعالى بين فى هذه الآية أن نسبته بالهية السماء كنسبته بالهية الأرض. فلما كان الها للأرض مع أنه غير مستقر فيها، فكذلك وجب أن يكون الها للسماء مع انه لا يكون مستقرا فيها أهـ. (وقال) فى تفسير قوله تعالى (وهو معكم): لابد فيه من التأويل. فاذا جوزنا التأويل فى موضع وجب تجويزه فى سائر المواضه اهـ فيجب التأويل فى آية
стр. 68
﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٥) طه - بصرفها عن ظاهرها. وهو الاستقرار والجلوس. وكذلك سائر المتشابهات من الآيات والأحاديث (وقال) أيضا فى تفسير قوله (ءأمنتم من فى السماء) قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن اجرؤاها على ظاهرها باتفاق المسلمين، لأن ذلك يقتضى احاطة السماء به من جميع الجوانب، فيكون أصغر منها. والعرش أكبر من السماء بكثير. فيكون حقيرا بالنسبة الى العرش وهو باطل بالاتفاق. ولأنه قال ﴿قل لمن ما فى السموات والأرض؟ قل لله﴾ (١٣) الأنعام. فلو كان فيهما لكان مالكا لنفسه. فالمعنى اما من فى السماء عذابه. واما من فى السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال الله تعالى ﴿وهو الله فى السموات وفى الأرض﴾ (٣) الأنعام. فان الشئ الواحد لا يكون دفعه فى مكانين. والغرض من ذكره السماء تفخيم فى شرح صحيح البخارى فى تفسير الاستواء على العرش: قالت المجسمة: معناه الاستقرار. وهو قول فاسد، لأن الاستقرار من صفات الأجسام. ويازم منه الحلول والتناهى وهو محال فى حق الله تعالى ولائق بالمخلوقات اهـ.
(وقال) العلامة النووى فى شرح صحيح مسلم: مذهب السلف فى أحاديث الصفات أنه يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى مع اعتقادنا أن الله ليس كمثله شئ وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز فى جهة وعن سائر صفات المخلوق اهـ (وقال) القاضى عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبه فقيههم ومحدشهم ومتكلمهم ومجتهدهم ومقلدهم، أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى كقوله تعالى: ﴿ءأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم اهـ (وقال) العلامة الأبى فى شرح صحيح مسلم. قال القاضى عياض: لم يختلف المسلمون فى تأويل ما يوهم أنه
стр. 69
تعالى في السماء كقوله تعالى: (ءأمنتم من في السماء) وقد أطلق الشرع أنه القاهرة فوق عباده، وانه استوى على العرش " فالتمسك " بالآية الجامعة للتنزيه الكلى الذى لا يصح فى العقل غيره وهى قوله تعالى (ليس كمثله شئ) " عصمة " لمن وفقه الله تعالى اهـ.
(وقال) العلامة أحمد زروق فى شرحه على رسالة ابن أبى زيد القيروانى. قال أبو حامد: انه تعالى مستو - على العرش على الوجه الذى قاله، وبالمعنى الذى أراده - استواء منزها عن الممارسة هو الاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بمحض قدرته ومقهورون فى قبضته أهـ. وهو مذهب السلف الصالح. ومنهم الأئمة المجتهدون أبو حنفية ومالك والشافعى وأحمد وغيرهم.
(وقال) العلامة الكبير الشيخ زين الدين الحنفى فى كتابه البحر الرائق شرح كنز الدقائق (ا) ويكفر " بقوله " يجوز أن يفعل الله فعلا لا حكمة فيه، وباثبات المكان لله تعالى فان قال: الله فى السماء. فان قصد حكاية ما جاء فى ظاهر الخبار لا يكفر. وان أراد المكان كفر. وان لم يكن له نية، كفر عند الأكثر وهو الأصح. وعليه الفتوى (ب) " وبقوله " الله جلس للانصاف أو قام له وبوصفه تعالى بالخوق أو بالتحت اهـ بحذف.
(وقال) الامام الشافعى فى كتابه الأكبر: فصل واعلموا أن البارئ لا مكان له. والدليل عليه هو أن الله تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلقه المكان. لا يجوز عليه التغيير فى ذاته والتبديل فى صفاته، ولأن من له مكان وله تحت يكون متناهى الذات محدودا. والمحدود مخلوق. تعالى الله عن ذلك. ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة والولد، لأن ذلك
стр. 70
لا يتم الا بالمباشرة والاتصال والانفصال. فكذلك الزوجة والولد فى صفته تعالى محال (فان قيل) قال الله تعالى (الرحمن على العرش استوى) (يقال) له ان هذه الآية من المتشابه التى يحار فى الجواب عنها وعن أمثالها من لا يريد التبحر فى العلم، أى يمر بها كما جاءت ولا يبحث عنها ولا يتكلم فيها، لأنه لا يأمن الوقوع فى الشبة والورطة اذا لم يكن راسخا فى العلم. ويجب أن يعتقد فى صفة البارئ ما ذكرناه. وأنه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان منزه عن الحدود والنهايات، مستغن عن المكان والجهات ليس كمثل شئ. ويتخلص عن هذه المهالك (ولهذا) زجر مالك السائل حين سأله عن هذه الآية فقال: الاستواء مذكور وكيفيته مجهولة، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم قال: فان عدت الى مسألتك أمرت بضرب رقبتك. أعذانا الله تعالى واياكم من التشبيه اهـ كلام الامام الشافعى رضى الله تعالى عنه (ونحوه) للامام أبى حنيفة فى الفقه الأكبر وشرحه (وقال) العلامة الجليل سعد الدين التفتازانى فى كتابه تهذيب الكلام (والقول) بانه تعالى جسم على صورة انسان أو غيره وفى جهة العلو مماسا للعرش أو محاذيا له تمسكا بأن كل موجود جسم أو جسمانى ومتحيز أو حال فيه ومتصل بالعلم أو منفصل عنه (جهالة) والنصوص مؤولة اهـ.
(قال) محشية محمد وسيم: وأما ما تقرر فى فطرة العقلاء مع اختلاف آرائهم من التوجه الى العلو فى الدعاء ورفع الأيدى الى السماء فليس من جهة اعتقادهم أنه فى تلك الجهة بل من جهة أن السماء قبلة الدعاء، منها تتوقع الخيرات والبركات وهبوط الأنوار ونزول الأمطار المحيى للأقطار اهـ.
(وقال) المحقق الدوانى على العقائد العضدية: ويستحيل عليه تعالى التحيز والجهة ولا يصح عليه الحركة والانتقال أ. هـ (قال) القدوة السنوسي في عقيدة أهل التوحيد الكبرى: ومن هنا - يعنى من وجوب قدمه تعالى وبقائه -
стр. 71
تعلم وجوب تنزهه تعالى عن أن يكون جرماً أو قائماً أو محاذياً له أو في جهة له أو مرتسماً في خياله، لان ذلك كله يوجب مماثلته للحوادث، فيجب له ما وجب لها. وذلك يقدح في وجوب قدومه وبقائه، بل وفي كل وصف أوصاف ألوهيته أهـ. (وقال) العلامة الدسوقي في حاشيته على أم البراهين: أنه يستحيل عليه تعالى أن يكون له جهة، لأن الجهات من عوارض الجسم، والله تعالى يستحيل أن يكون جسماً أهـ. (وقال) العلامة الهدهدي في شرحه على السنوسية: وكذا يستحيل عليه أن يكون في جهة، لأنه لو كان في جهة لزم أن يكون متحيزا أهـ. أي وكونه تعالي متحيزا محال عليه .
(وقال) اعلامة الفخر الرازي في كتابه اساس التقديس: ظاهر قوله تعالي: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ (١٦) ق. وقوله: ﴿وهو معكم اينما كنتم﴾ (٤) الحديد. وقوله: ﴿وهو الذي في السماء اله وفي الارض اله﴾ (٨٤) الزخرف. ينفي كونه مستقرا علي العرش وليس تأويل هذه الايات اولي من الايه التي تمسكوا بها يعني (الرحمن علي العرش استوي) أهـ.
(وقال) أيضا في كتابه المذكور: ان الدلائل العقلية القاطعة التي قدمنا ذكرها تبطل كونه تعالي مختصا بشئ من الجهات. واذا ثبت هذا ظهر انه ليس المراد من الاستواء الاستقرار. فوجب ان يكون المراد هو الاستيلاء والقهر ونفاذ القدر وجريان الاحكام الالهية. وهذا مستقيم علي قانون اللغة، وتمامه فيه.
(وقال) العلامة جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في كتابه " دفع شبهة التشبيه ": الحق سبحانه وتعالي لا يوصف بالتحيز، لانه لو كان متحيزا لم يخل اما ان يكون ساكنا في حيزه او متحركا عنه، ولا يجوز ان يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاور او بين فقد تناهي ذاتا، والتناهي اذا اختص بمقدار استدعي مخصصا، وكذا ينبغي ان يقال ليس بداخل
стр. 72
في العالم وليس بخارج منه، لان الدخول والخروج من لوازم المتحيزات. فهما كالحركة والسكون وسائر الاعراض التي تخص الاجرام اهـ. (وقال) ايضا: قال القاضي ابو يعلي في كتابه المعتمد: ان الله لا يوصف بالمكان اهـ. (وقال) ومن الايات قوله تعالي (ءامنتم من في السماء) قد ثبت قطعا ان الاية ليست علي ظاهرها لان لفظة " في " للظرفبة. والحق سبحانه وتعالي غير مظروف. واذا منع الحس ان ينصرف الي مثل هذا بقي وصف العظيم بما هو عظيم عند الحق أهـ.
(وقال) المحقق الجليل علي القاري في شرح المشكاة: قال جمع من السلف والحلف: ان معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي انه قول لابي حنيفة ومالك والشافعي والاشعري والباقلاني اهـ. ومحل الخلاف في كفره ان اعتقد جهة العلو لله تعالي مع اعتقاد انه تعالي لا مكان له ولا تحيز ولا اتصال بعرش ولا سماء ولا غيرهما من الحوادث، والا فهو كافر باجماع عقلاء المسلمين.
(وجملة القول) ان الادلة القطعية والبراهين النقلية ناطقة بانه تعالي ليس له جهة وليس في جهة، وليس جالسا علي العرش ولا حالا السماء ولا غيرها، ولا يتصف بالتحول والانتقال، وليس جسما ولا جوهرا ولا عرضا، ولا غير ذلك من صفات الحوادث (١)
стр. 73
(ومن الآيات المتشابهات) قوله تعالى: (ان الذين يبايعونك انما يبايعون
стр. 74
الله يد الله فوق أيديهم) (١٠) الفتح (والسماء بنيناها بأيد) (٧) الذرايات.
стр. 75
(وقد) اتفق علماء السلف والخلف المعول عليهم على أن اليد فى هذه الآيات ونحوها مصروفه عن ظاهرها، لأن الله تعالى منزه عن الجارحة لقوله تعالى: (ليس كمثله شئ) (١١) الشورى. (واختلفوا) فى بيان المراد منها (فالسلف) يفوضون علم المراد منها الى الله تعالى. لقوله (وما يعلم تأويله الا الله) (والخلف) يقولون: المراد منها القدرة والنعمة، بناء على أن الوقف فى الآية على قوله تعالى: (والراسخون فى العلم) ولكل وجهة.
(ومن الايات) المتشابهات (ويبقى وجه ربك) (٢٧) الرحمن. و (لا اله الا هو كل شئ هالك الا وجهه) (٨٨) القصص. (فالسلف) يقولون: له وجه لا كوجوهنا لا يعلمه الا هو (١) (والخلف) يقولون: المراد بالوجه الذات. وعبر عنها بالوجه على عادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم. يقول أحدهم: فعلت لوجهك أى لك، وقس على هذا باقى الآيات المتشابهة.
(ومن) الأحاديث المتشابهة حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " ينزل ربنا ﵎ كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعونى فأستجب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى