← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يفقد ما كان عليه من الكمال، وتفوته المنافع والمرافق التى كان يجعل يده ذريعة إلى تناولها؛ وهذه حال ناسى القرآن ومضيّعه (١) بعد حفظه، لأنه يفقد ما كان لا بسا له من الجمال، ومستحقا له من الثواب، وهذه عادة للعرب فى كلامهم معروفة؛ يقولون فيمن فقد ناصره ومعينه (٢): فلان بعد فلان أجدع، وقد بقى بعده أجذم؛ قال الفرزدق يرثى مالك بن مسمع (٣): تضعضع طودا وائل بعد مالك ... وأصبح منها معطس العزّ أجدعا (٤) وإنما أراد المعنى الّذي ذكرناه. وللعرب ملاحن فى كلامها (٥)، وإشارات إلى الأغراض، وتلويحات بالمعانى، متى لم يفهمها ويسرع إلى الفطنة بها من تعاطى تفسير كلامهم، وتأويل خطابهم كان ظالما نفسه، متعديا طوره. ونعود إلى الكلام على ما ذكره الرجلان؛ أما أبو عبيد فإن خطأه من حيث لم يفطن للغرض فى الخبر، وضلّ عن وجهه، وإلا فالأجذم هو الأقطع لا محالة كما قال؛ إلّا أنه لا يليق بهذا الموضع، وإذا حمل عليه لم يفد شيئا؛ وإن كانت (٦) شبهته التى أوقعته فى هذا التأويل ظنّه أن ذلك يكون على سبيل العقوبة له على نسيان القرآن فليس كما ظن، لأنّ الجذم (٧) أولا ليس بعقوبة؛ لأن الله تعالى قد يجذم (٨) أولياءه والصالحين من عباده، ويقطّع أعضاءهم بالأمراض، وقد يبتدئ خلق من هو ناقص الأعضاء؛ فليس بلازم فى الجذم أن يكون عقوبة. ثم لو كان يستحقّ ناسى القرآن عقوبة على نسيانه لكان حفظ القرآن بأسره فرضا واجبا وحتما لازما (٩)؛ لأن العقوبة لا تستحق بترك ما ليس بواجب، وليس

стр. 37

حفظ جميع القرآن كذلك. وأما ابن قتيبة فإنه غلط من حيث لم يفطن للوجه/ فى الخبر الّذي ذكرناه؛ من حيث ظنّ أن العقوبة لا تكون إلا فى محلّ الذّنب، وهذا القول يوجب عليه ألّا يجلد ظهر الزانى، وتختص العقوبة بفرجه، وكذلك القاذف كان يجب أن يعاقب فى لسانه دون سائر أعضائه؛ والخبر الّذي استشهد به حجّة عليه، لأنا نعلم أنّ اللسان أقوى خطأ فى باب الكلام من الشّفة، فلم لم يخصّ بالعقوبة (١) وحلّت بالشفاء دونه؟ ثم غلطه فى تأويل الآية التى أوردها أقبح من كل ما تقدّم؛ لأنه توهّم أنّ ما تضمنته الآية من تخبّط آكل الربا وتعثّره عند القيام إنما هو فى الدنيا من حيث يثقل ما أكله فى معدته فيمنعه من النّهوض؛ ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك، ونجد كثيرا من آكلى الربا أخفّ نهوضا، وأسرع قياما وتصرّفا من غيرهم؛ ممّن لم يأكل الربا قطّ؛ والمعنى فى الآية ما ذكره المفسّرون من أنّ ما وصفهم الله تعالى به يكون عند قيامهم من قبورهم، فيلحقهم العثار والزّلل والتّخبّل على سبيل العقوبة لهم، وليكون ذلك أيضا أمارة لمن يعاقبهم (٢) من الملائكة والخزنة على الفرق بين الولىّ والعدوّ، ومستحقّ الجنة ومستحقّ النار. وليس بمعروف ولا ظاهر أن الأجذم هو المجذوم؛ وردّ ابن قتيبة معناه واشتقاقه إلى الجذم الّذي هو القطع يوجب عليه أن يكون كلّ داء يقطّع الجسد ويفرّق أوصاله؛ كالجدرىّ والأكلة (٣) وغيرهما يسمّى جذاما، ويسمى من كان عليه أجذم، وهذا باطل. وأما قول الشاعر (٤): حرّق قيس عليّ البلا ... د حتّى إذا اضطرمت أجذما فليس من هذا الباب؛ بل هو من الإجذام الّذي هو الإسراع؛ فكأنه قال: لما اضطرمت

стр. 38

أسرع عنى، وتباعد منى. والإجذام، بالذال المعجمة والدال غير المعجمة جميعا: الإسراع؛ فأما قول عنترة فى وصف الذّباب (١): هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزّناد الأجذم الأجذم من صفة المكبّ (٢) لا من صفة الزّناد؛ فكأنه (٣) قال: قدح المكبّ الأجذم على الزّناد، وهذا من حسن التشبيه وواقعه (٤). مسألة [في القول بوجوب الأصلح عليه تعالى] قال الشريف المرتضى قدّس الله روحه: كان بعض الشّيوخ المتقدمين (٥) يقول: ليس بممتنع أن يمكّن الله تعالى من الظّلم من/ يعلم من حاله أنه يرد القيامة غير مستحقّ لشيء من الأعواض، أو لما يوازى القدر المستحقّ عليه منها؛ فإذا أراد الانتصاف منه تفضّل عليه بما ينقله إلى مستحقّ العوض، ويقول: ليس هذا ببعيد ولا مستحيل، لأن العوض ليس يختص بصفة تمنع من التفضّل بمثله، ولا يجرى فى ذلك مجرى الثواب.

стр. 39

والمستقرّ من مذاهب الشّيوخ- وهو الصحيح- أن الانتصاف لا يجوز أن يكون موقوفا على ما يتفضّل به؛ لأنّ الانتصاف واجب على الله تعالى من حيث خلّى بين عباده وبين الظلم، فلا يجوز أن يتعلّق إلا بأمر واجب، والتفضّل لفاعله ألّا يفعله، فتئول الحال إلى تعذّر الانتصاف. وقالوا: من يعلم الله تعالى أنه يرد القيامة- ولا أعواض له- يمنعه من الظلم، ولا يمكّنه منه لهذه العلة. ويجيزون (١) أن يمكّن من الظلم من يكون فى الحال غير مستحقّ للعوض، أو غير مستحق للقدر الّذي يوازى الظلم من العوض، بعد أن يكون المعلوم من حاله أنه يرد القيامة وقد استحقّ من الأعواض ما يوازى ما عليه منها. قال المرتضى: وهذا القول- نعنى تجويز تمكين الظالم من الظلم، وهو فى الحال غير مستحق للعوض- يبطل بالعلّة التى أبطلنا بها قول من أجاز الانتصاف بالتفضّل؛ لأنّا نعلم أن تبقية المكلّف وغير المكلّف لا تجب، وللقديم تعالى ألّا يفعلها، فلو لم يفعلها واخترم هذا الظالم بعد حال ظلمه لكان الانتصاف منه غير ممكن. وقد تعلّق الانتصاف على هذا القول بما ليس بواجب؛ كما علّقه من قدمنا حكاية قوله بما ليس بواجب. وليس لهم أن يقولوا ذلك يحسن؛ لأن الله تعالى يعلم أنّه يبقيه فيستحقّ (٢) أعواضا؛ لأن عليهم مثل ذلك إذا قيل لهم: فأجيزوا أيضا أن يرد القيامة وهو لا يستحقّ العوض؛ ويعلم الله تعالى أنه يتفضّل عليه بما يقع به الانتصاف. فإذا قالوا: علم الله تعالى بأنه يتفضّل، لا يخرج التفضّل من أن يكون غير واجب؛ وقيل لهم: وعلم الله تعالى بأنه يبقى من لا عوض له ليستحقّ العوض، لا يخرج التبقية من أن تكون غير واجبة، فاستوى الأمران. والصحيح أن يقال: إنّه تعالى لا يمكّن من الظلم من لا عوض له فى الحال؛ ليستقيم الكلام ويطّرد.

стр. 40

[٢] مجلس آخر «*» [المجلس الثاني] تأويل آية [وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... ] قال الله تعالى (١): وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]. وقد ظنّ قوم من غفلة الملحدين وجهّالهم أن الجواب عمّا سئل عنه فى هذه الآية لم يحصل، وأن الامتناع منه إنما هو لفقد العلم به، وأن قوله تعالى: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا تبكيت وتقريع لم يقعا موقعهما؛ وإنما هو (٢) على سبيل المحاجزة والمدافعة عن الجواب. وفى هذه الآية وجوه من التّأويل تبطل ما ظنّوه، وتدلّ على ما جهلوه؛ أولها: أنّه تعالى إنما عدل عن جوابهم لعلمه بأنّ ذلك ادعى لهم إلى الصلاح فى الدّين، وأن الجواب لو صدر منه إليهم لازدادوا فسادا وعنادا؛ إذ كانوا بسؤالهم متعنّتين (٣) لا مستفيدين؛ وليس هذا بمنكر؛ لأنّا نعلم فى كثير من الأحوال ممن (٤) يسألنا عن الشّيء أنّ العدول عن جوابه أولى وأصلح فى تدبيره. وقد قيل إن اليهود قالت لكفار قريش: سلوا محمدا؛ عن الرّوح فإن أجابكم فليس بنبىّ؛ وإن لم يجبكم فهو نبىّ؛ فإنّا نجد فى كتبنا (٥) ذلك؛ فأمره الله بالعدول عن ذلك ليكون علما له ودلالة على صدقه، وتكذيبا لليهود الرادّين عليه؛ وهذا جواب أبى عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبّائىّ (٦).

стр. 41

وثانيها أن القوم إنما سألوه عن الرّوح: هل هى محدثة مخلوقة أو ليست (١) كذلك؟ فأجابهم إنها من أمر ربى، وهو جوابهم عما سألوه (٢) عنه بعينه؛ لأنّه لا فرق بين أن يقول فى الجواب: إنها محدثة مخلوقة، وبين قوله إنها من أمر ربّى؛ لأنه إنما أراد أنها من فعله وخلقه، وسواء على هذا الجواب أن تكون الرّوح التى سألوا عنها هى التى بها قوام الجسد أم عيسى ﵇، أم جبرئيل صلى الله عليه. وقد سمّى الله تعالى جبرئيل روحا، وعيسى أيضا مسمّى بذلك فى القرآن. وثالثها أنهم سألوا عن الرّوح الّذي هو القرآن، وقد سمّى الله القرآن روحا فى مواضع من الكتاب؛ وإذا كان السؤال عن القرآن فقد وقع الجواب موقعه، لأنه قال لهم: الروح (٣) الّذي هو القرآن من أمر ربّى، ومما (٤) أنزله على نبيه صلى الله عليه؛ ليجعله دلالة وعلما على صدقه، وليس من فعل المخلوقين، ولا ممّن يدخل فى إمكانهم؛ وهذا جواب الحسن البصرىّ. ويقويه قوله/ تعالى بعد هذه الآية: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا. [الإسراء: ٨٦]. فكأنّه قال تعالى: إن القرآن من أمرى وفعلى (٥) وممّا أنزلته علما على نبوّة رسولى، ولو شئت لرفعته وأزلته وتصرّفت فيه؛ كما يتصرّف الفاعل فيما يفعله.

стр. 42

فصل [تأويل قوله تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها ... ] قال الشّريف المرتضى رضى الله عنه: قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهانىّ (١) فى قوله تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ. [الحجر: ١٩]؛ قال: إنما خصّ الموزون دون المكيل بالذّكر لوجهين: أحدهما أن غاية المكيل تنتهى إلى الوزن لأن سائر المكيلات إذا صارت طعاما دخلت فى باب الوزن وخرجت عن باب الكيل؛ فكأنّ الوزن أعمّ من الكيل. والوجه الآخر أن فى الوزن معنى الكيل؛ لأن الوزن هو طلب مساواة الشيء بالشيء. ومقايسته إليه، وتعديله به؛ وهذا المعنى ثابت فى الكيل، فخصّ الوزن بالذّكر لاشتماله على معنى الكيل. هذا قول أبى مسلم، ووجه الآية وما يشهد له ظاهر لفظها غير ما سلكه أبو مسلم، وإنما أراد تعالى بالموزون المقدّر الواقع بحسب الحاجة؛ فلا يكون ناقصا عنها، ولا زائدا عليها زيادة مضرّة أو داخلة فى باب العبث. ونظير ذلك من كلامهم (٢) قولهم: كلام فلان (٣) موزون، وأفعاله مقدّرة موزونة؛ وإنما يراد ما أشرنا إليه، وعلى هذا المعنى تأوّل المفسرون ذكر الموازين فى القرآن على أحد التأويلين، وأنها التعديل والمساواة بين الثّواب والعقاب، قال الشاعر (٤): لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر والهراء: الكثير، والنزر: القليل؛ فكأنه قال: إن حديثها لا يقلّ عن الحاجة

стр. 43

ولا يزيد عليها؛ وهذا يجرى مجرى أن تقول: هو موزون. وقال مالك بن أسماء ابن خارجة الفزارىّ (١): وحديث ألذّه هو ممّا ... ينعت الناعتون يوزن وزنا (٢) منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا وهذا الوجه الّذي ذكرناه أشبه بمراد الله تعالى فى الآية، وأليق بفصاحة القرآن/ وبلاغته الموفيتين (٣) على فصاحة سائر الفصحاء وبلاغتهم؛ فأمّا قول الشاعر الّذي استشهدنا بشعره: «وتلحن أحيانا» فلم يرد اللّحن فى الإعراب الّذي هو ضد الصواب (٤)؛ وإنما أراد الكناية عن الشيء والتعريض بذكره والعدول عن الإفصاح عنه؛ على معنى قوله تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. [محمد: ٣٠]، وقول الشاعر (٥): ولقد وحيت لكم لكيما تفطنوا ... ولحنت لحنا ليس بالمرتاب (٦) وقد قيل: إن اللحن الّذي عنى فى البيت هو الفطنة وسرعة الفهم؛ على ما روى عن

стр. 44

[تفسير معنى «اللحن» عند العرب: ] النبي ﷺ أنه قال: «لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته» أى أفطن لها، وأغوص عليها. ومما يشهد بما ذكرناه ما أخبرنا به أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزبانىّ (١) قال حدّثنا أحمد بن عبد الله العسكرىّ قال حدثنا العنزىّ قال حدثنا على بن إسماعيل اليزيدىّ قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: تكلّمت هند بنت أسماء بن خارجة فلحنت، وهى عند الحجاج، فقال لها: أتلحنين وأنت شريفة فى بيت قيس؟ ! فقالت: أما سمعت قول أخى مالك لامرأته الأنصارية؟ قال: وما هو؟ قالت: قال (٢): منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا فقال لها الحجاج: إنما عنى أخوك اللحن فى القول؛ إذا كنّى المحدّث عمّا يريد، ولم يعن اللحن فى العربية (٣)، فأصلحى لسانك. وقد ظنّ عمرو بن بحر الجاحظ مثل هذا بعينه وقال: إن اللّحن مستحسن (٤) فى النساء الغرائر (٥)، وليس بمستحبّ منهن كلّ الصواب والتشبّه بفحول الرجال، واستشهد بأبيات مالك بعينها، وظن أنه أراد باللحن ما يخالف الصواب (٦). وتبعه على هذا الغلط عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينورىّ، فذكر فى كتابه المعروف بعيون الأخبار (٧) أبيات الفزارىّ، واعتذر بها من لحن إن أصيب فى كتابه. قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنى محمد بن يحيى

стр. 45

الصّولىّ قال حدثنى يحيى بن على المنجّم قال حدثنى أبى قال: قلت للجاحظ: مثلك فى عقلك وعلمك بالأدب ينشد قول الفزارىّ ويفسّره على أنه أراد اللحن فى الإعراب! وإنما أراد وصفها بالظّرف والفطنة وأنها تورّى (١) بما قصدت له وتتنكّب التصريح به، فقال له: قد فطنت لذلك بعد، فقلت (٢): فغيّره من كتابك، فقال: فكيف بما سارت به الركبان! قال الصّولىّ: فهو فى كتابه على خطئه. *** [خبر أسير بنى العنبر فى بكر بن وائل ورسالته إلى قومه وشرح ما فيه من كنايات] / ومن حسن اللحن الّذي هو التعريض والكناية ما أخبرنا به أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدىّ أنّ رجلا من بنى العنبر حصل أسيرا فى بكر بن وائل، فسألهم رسولا إلى قومه فقالوا: لا ترسل إلا بحضرتنا؛ لأنهم كانوا عزموا على غزو قومه، فخافوا أن ينذرهم؛ فجئ بعبد أسود، فقال له: أتعقل؟ قال: نعم؛ إنى لعاقل، قال: ما أراك عاقلا، وأشار بيده إلى الليل فقال: ما هذا؟ فقال: هذا الليل، قال: أراك عاقلا، ثم ملأ كفّيه من الرّمل فقال: كم؟ فقال: لا أدرى وإنّه لكثير. فقال: أيّما أكثر؟ النجوم أم النيران (٣)؟ فقال: كلّ كثير، فقال: أبلغ قومى التحية، وقل لهم: ليكرموا فلانا- يعنى أسيرا كان فى أيديهم من بكر- فإنّ قومه لى مكرمون، وقل لهم: إن العرفج قد أدبى (٤)، وشكت النساء؛ وأمرهم (٥) أن يعروا ناقتى الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملى الأصهب (٦)، بآية ما أكلت معكم حيسا، واسألوا عن خبرى أخى الحارث. فلما أدّى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملا أصهب، ثم سرّحوا العبد، ودعوا الحارث فقصّوا عليه القصّة، فقال: قد أنذركم،

стр. 46

أمّا قوله: «أدبى العرفج» يريد أن الرجال قد استلأموا ولبسوا السلاح، وقوله: «شكت النساء»؛ أى اتخذن الشّكاء (١) للسّفر، وقوله: «الناقة الحمراء»، أى ارتحلوا عن الدّهناء. واركبوا الصّمّان (٢)؛ وهو الجمل الأصهب (٣). وقوله: «أكلت معكم حيسا» يريد أخلاطا من الناس قد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط. فامتثلوا ما قال، وعرفوا لحن كلامه. تأويل خبر «*» [«من أحبّنا أهل البيت؛ فليستعدّ للفقر جلبابا، أو تجفافا] روى أبو عبيد القاسم بن سلام فى كتابه غريب الحديث، عن أمير المؤمنين ﵇ (٤) أنه قال: «من أحبّنا أهل البيت؛ فليستعدّ (٥) للفقر جلبابا، أو تجفافا (٦)». قال أبو عبيد: قد تأوّل بعض الناس هذا الخبر على أنه أراد به الفقر فى الدّنيا، قال: وليس ذلك كذلك؛ لأنّا نرى فيمن يحبّهم مثل ما نرى فى سائر الناس، من الغنى والفقر، ولا تمييز (٧) بينهما، قال: والصّحيح أنه أراد الفقر فى يوم القيامة، وأخرج الكلام مخرج الموعظة والنصيحة والحثّ على الطاعات، فكأنه أراد: من أحبنا فليعدّ لفقره يوم القيامة ما يجبره (٨) من الثّواب، والقرب إلى الله تعالى، والزّلف (٩) عنده.

стр. 47

قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن/ قتيبة: وجه الحديث خلاف ما قاله أبو عبيد، ولم يرد إلا الفقر فى الدّنيا؛ ومعنى الخبر أن من أحبّنا فليصبر على التقلّل من الدنيا والتقنّع فيها، وليأخذ نفسه بالكفّ عن أحوال الدنيا وأعراضها؛ وشبّه الصبر على الفقر بالتّجفاف أو الجلباب؛ لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب أو التّجفاف البدن. قال: ويشهد لصحة هذا التأويل ما روى عنه ﵇ أنه رأى قوما على بابه، فقال: يا قنبر، من هؤلاء؟ فقال له قنبر: هؤلاء شيعتك، فقال: ما لي لا أرى فيهم سيما (١) الشيعة؟ قال: وما سيما الشّيعة؟ قال: خمص البطون من الطّوى، يبس الشفاه من الظّما، عمش العيون من البكاء؛ هذا كله قول ابن قتيبة. والوجهان جميعا فى الخبر (٢) حسنان؛ وإن كان الوجه الّذي ذكره ابن قتيبة أحسن وأنصع (٣). ويمكن أن يكون فى الخبر وجه ثالث تشهد بصحته اللّغة؛ وهو أن أحد وجوه معنى لفظة الفقر أن يحزّ أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو قريب منه، ثم يلوى عليه حبل، يذلّل بذلك الصّعب، يقال: فقره يفقره فقرا إذا فعل ذلك به، وبعير مفقور وبه فقرة، وكلّ شيء حززته وأثّرت فيه فقد فقّرته تفقيرا؛ ومنه سمّيت الفاقرة (٤)، وقيل سيف مفقّر (٥)؛ فيحمل [القول على أنه ﵇ أراد] (٦): من أحبّنا فليزمّ نفسه وليخطمها وليقدها إلى الطاعات، ويصرفها عمّا تميل طباعها إليه من الشّهوات، وليذللها على الصّبر عما كره منها، ومشقة ما أريد منها (٧)؛ كما يفعل ذلك بالبعير الصّعب؛ وهذا وجه فى الخبر ثالث لم يذكر، وليس يجب أن يستبعد حمل الكلام على بعض ما يحتمله إذا كان له شاهد

стр. 48

من اللغة وكلام العرب؛ لأن الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشّعر أن يذكر كلّ ما يحتمله الكلام من وجوه المعانى؛ فيجوز (١) أن يكون أراد المخاطب كلّ واحد منها منفردا، وليس عليه العلم بمراده بعينه؛ فإن مراده مغيّب عنه، وأكثر ما يلزمه ما ذكرناه من ذكر وجوه احتمال الكلام. فصل [ذكر بعض أخبار الشعراء المتقدمين ممن كان على مذاهب أهل العدل] قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: وممّن كان من مشهورى الشعراء ومتقدّميهم على مذاهب أهل العدل ذو الرّمة؛ واسمه غيلان بن عقبة، وكنيته أبو الحارث، وذو الرّمة/ لقب لقّب به لبيت قاله، وهو قوله فى صفة الوتد: * أشعث (٢) باقى رمّة التّقليد* والرّمة: القطعة البالية من الحبل؛ يقال: حبل أرمام؛ إذا كان ضعيفا باليا؛ وقيل إنه إنما لقّب بذى الرّمة لأنه كان- وهو غلام- يتفزّع، فجاءته أمّه بمن كتب له كتابا وعلّقته عليه برمّة من حبل؛ فسمّى ذا الرّمة. ويشهد بمذهبه فى العدل ما أخبرنا به أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدّثنا ابن دريد قال حدثنا أبو عثمان الأشناندانىّ عن التّوزيّ عن أبى عبيدة قال: اختصم رؤبة وذو الرّمّة عند بلال بن أبى بردة، فقال رؤبة: والله ما فحص طائر أفحوصا، ولا تقرمص سبع قرموصا (٣) إلّا بقضاء من الله وقدر؛ فقال له ذو الرّمة: والله ما قدّر الله على الذّئب أن يأكل حلوبة (٤) عيائل (٥) ضرائك؛ فقال رؤبة: أفبقدرته أكلها؟ هذا كذب

стр. 49

على الذئب ثان (١)، فقال ذو الرّمّة: الكذب على الذّئب خير من الكذب على ربّ الذّئب. وهذا الخبر صريح فى قوله بالعدل واحتجاجه عليه، وبصيرته فيه؛ فأما العيائل فهو جمع عيّل، وهو ذو العيال. والضرائك: جمع ضريك وهو الفقير. قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثنا أحمد ابن محمد المكىّ عن أبى العيناء عن الأصمعىّ عن إسحاق بن سويد قال: أنشدنى ذو الرّمة: وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر (٢) فقلت له: «فعولين» خبر الكون، فقال لى: لو سبّحت ربحت، إنما قلت: «وعينان فعولان» وصفتهما بذلك. وإنما تحرّز ذو الرّمة بهذا الكلام من القول بخلاف العدل. وقد روى هذا الخبر على خلاف هذا الوجه (٣)؛ أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن خالد النحاس (٤) قال حدّثني (٥) محمد بن القاسم أبو العيناء قال حدّثنا الأصمعىّ قال: لما أنشد ذو الرّمة قوله: وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولين بالألباب ما تفعل الخمر - وهو يريد: كونا فكانتا فعولين حيث كانتا (٦) - قال له عمرو بن عبيد (٧): ويحك! قلت عظيما، فقل: «فعولان بالألباب»، فقال له ذو الرّمة، ما أبالى: أقلت هذا أم سبّحت، فلما علم بما ذهب إليه عمرو قال: سبحان الله! لو عنيت ما ظننت كنت جاهلا.

стр. 50

قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: وممّن روى أنه كان على مذاهب أهل العدل من شعراء الطبقة الأولى أعشى (١) قيس بن ثعلبة، واستشهد بقوله: استأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولى الملامة الرّجلا (٢) [ذكر بعض أخبار الشعراء المتقدمين ممن كان على مذهب أهل الجبر] وممّن قيل إنه كان على مذاهب أهل الجبر من المشهورين أيضا لبيد بن ربيعة العامرىّ، واستدلّ بقوله: إنّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثى وعجل (٣) من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضلّ وإن كان لا طريق (٤) إلى نسب الجبر إلى مذهب لبيد إلا هذان البيتان فليس فيهما دلالة على ذلك، أما قوله: * وبإذن الله ريثى وعجل* فيحتمل أن يريد: بعلمه؛ كما يتأول عليه قوله تعالى: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ١٠٢]؛ أى بعلمه، وإن قيل فى هذه الآية، إنه أراد: بتخليته وتمكينه، وإن كان لا شاهد لذلك فى اللغة أمكن مثله فى قول لبيد؛ فأما قوله: «من هداه اهتدى ومن شاء أضل» فيحتمل أن يكون مصروفا إلى بعض الوجوه التى يتأول عليها الضّلال والهدى المذكوران فى القرآن؛ مما يليق بالعدل ولا يقتضي الإجبار؛ اللهم إلا أن يكون مذهب لبيد فى الإجبار معروفا بغير هذه الأبيات؛ فلا يتأوّل له هذا التأويل؛ بل يحمل مراده على موافقة المعروف من مذهبه.

стр. 51

مسألة [فى الاستدلال على نفى الرؤية بالأبصار] قال الشّريف المرتضى رضى الله عنه: اعلم أن أصحابنا لمّا استدلّوا على نفى الرؤية بالأبصار عن الله تعالى بقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]، وبينوا أنه تعالى تمدّح بنفى الإدراك (١) الّذي هو رؤية البصر عن نفسه على وجه يرجع إلى ذاته؛ فيجب أن يكون فى ثبوت الرؤية له فى وقت من الأوقات نقص وذمّ. قال لهم مخالفوهم: كيف يتمدّح بأنه لا يرى، وقد يشاركه فى نفى الرؤية ما ليس بممدوح؛ كالمعدومات والإرادات والاعتقادات؟ فقالوا لهم: لم يتمدّح تعالى بنفى الرؤية فقط، وإنما تمدّح بنفى الرؤية عنه وإثباتها له، فتمدّحه بمجموع (٢) الأمرين؛ وليس يشاركه فى هاتين الصفتين مشارك؛ لأن الموجودات المحدثات على ضروب؛ منها ما لا يرى ولا يرى كالإرادات والاعتقادات، ومنها ما يرى ولا يرى كالألوان، ومنها ما يرى ويرى كالإنسان وضروب الأحياء؛ وليس فيها ما يرى ولا يرى؛ فثبتت المدحة لله تعالى بمتضمّن الآية. فقال لهم المخالفون: وكيف/ يجوز أن تكون صفة لا تقتضى المدحة بانفرادها، ثم تصير تقتضيها مع غيرها! ولئن جاز هذا ليجوزنّ أن يتمدّح متمدح بأنه شيء عالم، أو موجود قادر؛ فإذا كان لا مدحة فى وصف الذات بأنها شيء وموجودة (٣)، وإن انضمّت إلى صفة مدح من حيث كانت بانفرادها لا تقتضى مدحا، فكذلك لا مدحة فى نفى الرؤية عمّن ثبتت (٤) له، من حيث كانت بانفرادها لا تقتضى مدحا. فأجاب أصحابنا عن هذا الكلام بأن قالوا: ليس يمتنع فى الصّفة أن تكون لا تقتضى مدحا إذا انفردت، وتقتضيه إذا انضمت إلى غيرها، ومثّلوا ذلك بقوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥]. وإنّ نفى السّنة والنّوم هاهنا إنما يكون مدحا إذا انتفى عمّن هو بصفة الأحياء، وإن كان بانفراده لا يقتضي مدحا لمشاركة ذوات كثيرة غير

стр. 52

ممدوحة فيه، وفصلوا بين الوصف بالشيء والوجود، وبين ما ذكروا من حيث لا تأثير لهاتينك (١) الصّفتين فى المدح. واعلم أنّ صفات المدح المتضمنة للإثبات ما تكاد (٢) تفتقر إلى شرط فى كونها مدحا. وصفات النفى إذا كانت مدحا فلا بدّ فيها من شرط؛ وإنما افترق الأمران من حيث كان النّفى أعمّ من الإثبات؛ فيدخل تحته الممدوح وغير الممدوح، والإثبات أشدّ اختصاصا؛ ألا ترى أنّ ما ليس بعالم من الذّوات وليس بموجود أكثر مما ثبت له العلم والوجود منها؟ لأنّ الأول لا يكون إلا غير متناه، والثانى لا بدّ أن يكون متناهيا، فلما شملت صفات النفى الممدوح وغير الممدوح احتاجت إلى شرط يخصّصها. وأنت إذا اعتبرت سائر صفات النّفى التى يتمدّح بها وجدتها مفتقرة إلى الشروط؛ ألا ترى أنّ من ليس بجاهل إنما يكون ممدوحا بهذا النفى إذا كان حيّا ذاكرا، ومن ليس بعاجز إنما يكون ممدوحا إذا كان أيضا موجودا حيا، ومن ليس بظالم إنما يكون ممدوحا إذا كان قادرا على الظلم وله دواع إليه، ولا بدّ فى الشرط الّذي يحتاج إليه فى صفات النفى حتى تكون مدحا من أن يكون أيضا إثباتا أو جاريا مجرى الإثبات، ولا يكون نفيا لأنه إن (٣) كان نفيا لم يتخصص، وساوى (٤) فيه الممدوح ما ليس بممدوح؛ مثال ذلك أنا إذا مدحنا غيرنا بأنه لا يظلم، وشرطنا فى هذه المدحة أنه لم يدعه داع (٥) إلى الظلم لم تحصل المدحة، لأنه قد يشاركه فى نفى الظلم ونفى الدواعى إليه ما ليس بممدوح، فلا بدّ من شرط يجرى مجرى الإثبات؛ وهو أن تقول: وهو ممّن تدعوه الدواعى إلى/ الأفعال ويتصرّف فيها بحسب حاجته ودواعيه. فإذا صحّت هذه الجملة فالوجه أن نقول: إن المدحة فى الآية إنما تتعلّق بنفى الإدراك عن القديم تعالى، لكن بشرط أن يكون مدركا، ولا نجعل (٦) كلّ

стр. 53

واحدة من الصفتين تقتضى المدح مجتمعا؛ مع أنّ كل واحدة لا تقتضيه على سبيل الانفراد. وليس بمنكر أن يقتضي الشيء غيره بشرط متى وجد حصل المقتضى، وإذا لم يحصل (١) لم يحصل مقتضاه، ونفى السّنة والنوم والظلم عن الله تعالى إنما كان مدحا بشروط معروفة على نحو ما ذكرناه؛ وهذا التلخيص فى هذا الموضع أولى وأحسم للشّبه (٢) مما تقدّم ذكره.

стр. 54

[٣] مجلس آخر «*» [المجلس الثالث: ] تأويل آية [فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ] إن سأل سائل فقال: ما تقولون فى قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [الشعراء: ٣٢]، وقال فى موضع آخر: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ (١) [القصص: ٣١]. والثّعبان هو الحيّة العظيمة الخلقة، والجانّ الصغير من الحيّات، فكيف اختلف الوصفان والقصة واحدة؟ وكيف يجوز أن تكون العصا فى حالة واحدة من صفة ما عظم خلقه من الحيّات، وبصفة ما صغر منها؟ وبأىّ شيء تزيلون التناقض عن هذا الكلام؟ . الجواب: أول ما نقوله (٢): إن الّذي ظنه السائل من كون الآيتين خبرا عن قصة واحدة باطل؛ بل الحالتان مختلفتان؛ فالحال [التى أخبر عن العصا فيها بصفة الجان] (٣) كانت فى ابتداء النبوّة، وقبل مصير موسى ﵇ إلى فرعون، والحال التى صارت العصا فيها ثعبانا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة؛ والتلاوة تدلّ على ذلك؛ وإذا اختلفت القصّتان فلا مسألة. على أن قوما من المفسّرين قد تعاطوا الجواب عن هذا السؤال؛ إمّا لظنّهم أن القصة واحدة، أو لاعتقادهم أن العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب فى حالتين: تارة إلى صفة الجانّ،

стр. 55

وتارة إلى صفة الثعبان؛ أو على سبيل الاستظهار فى الحجة، وأن الحال لو كانت واحدة على ما ظنّ لم يكن بين الآيتين تناقض؛ وهذا الوجه أحسن ما تكلّفوا الجواب لأجله؛ لأن الأولين لا يكونان إلا عن غلط أو غفلة، وذكروا وجهين تزول بكل واحد منهما الشبهة فى تأويلها: أحدهما أنه تعالى إنما شبّهها بالثعبان فى إحدى الآيتين لعظم خلقها، وكبر جسمها، وهول منظرها؛ وشبّهها فى الآية الأخرى بالجانّ لسرعة حركتها ونشاطها وخفّتها؛ فاجتمع لها مع أنها فى جسم الثعبان وكبر خلقه نشاط الجان، وسرعة حركته؛ وهذا أبهر فى باب الإعجاز، وأبلغ فى خرق العادة؛ ولا (١) تناقض معه بين الآيتين؛ وليس يجب إذا شبّهها بالثعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان، ولا إذا شبّهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته، وقد قال الله تعالى: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا. قوارير من فضّة [الدهر: ١٥، ١٦]. ولم يرد تعالى أنّ الفضّة قوارير على الحقيقة؛ وإنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير وشفوفها ورقّتها؛ مع أنها من فضة؛ وقد تشبّه العرب الشيء بغيره فى بعض وجوهه؛ فيشبّهون المرأة بالظّبية والبقرة (٢) ونحن نعلم أن فى الظباء والبقر من الصّفات ما لا يستحسن أن يكون فى النساء، وإنما وقع التشبيه فى صفة دون صفة، ومن وجه دون وجه (٣). والجواب الثانى أنه تعالى لم يرد بذكر الجانّ فى الآية الأخرى الحيّة؛ وإنما أراد أحد الجنّ؛ فكأنه تعالى خبّر (٤) بأن العصا صارت ثعبانا فى الخلقة وعظم الجسم؛ وكانت مع ذلك كأحد الجن فى هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها؛ ولهذا قال تعالى: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ.

стр. 56

ويمكن أن يكون فى الآية تأويل آخر استخرجناه؛ إن لم يزد على الوجهين الأوّلين لم ينقص عنهما؛ والوجه فى تكلّفنا له ما بيّناه من الاستظهار فى الحجّة، وأنّ التناقض الّذي توهّم زائل على كل وجه (١)؛ وهو أنّ العصا لمّا انقلبت حيّة صارت أولا بصفة الجانّ وعلى صورته؛ ثم صارت بصفة الثّعبان؛ على تدريج؛ ولم تصر كذلك ضربة واحدة؛ فتتّفق الآيتان على هذا التأويل، ولا يختلف حكمهما، وتكون الآية الأولى التى تتضمن ذكر الثعبان إخبارا عن غاية حال العصا، وتكون الآية الثانية تتضمّن ذكر الحال التى ولى موسى فيها هاربا؛ وهى حال انقلاب العصا إلى خلقة الجان؛ وإن كانت بعد ذلك الحال انتهت إلى صورة الثعبان. فإن قيل على هذا الوجه: كيف يصح ما ذكرتموه مع قوله تعالى: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ؛ وهذا يقتضي أنها صارت ثعبانا بعد الإلقاء بلا فصل؟ قلنا: تفيد (٢) الآية ما ظنّ؛ وإنما فائدة قوله تعالى: فَإِذا هِيَ الإخبار عن قرب الحال التى صارت فيها بتلك الصّفة؛ وأنّه لم يطل الزّمان فى مصيرها كذلك، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى/: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس: ٧٧]؛ مع تباعد ما بين كونه نطفة وكونه خصيما مبينا، وقولهم: ركب فلان من منزله فإذا هو فى ضيعته، وسقط من أعلى الحائط فإذا هو فى الأرض؛ ونحن نعلم أنّ بين خروجه من منزله وبلوغه ضيعته زمانا، وأنّه لم يصل إليها إلا على تدريج؛ وكذلك الهابط من الحائط؛ وإنما فائدة الكلام الإخبار عن تقارب الزّمان؛ وأنه لم يطل ولم يمتدّ.

стр. 57

تأويل آية أخرى [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ] قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. وقد ظنّ بعض من لا بصيرة له، ولا فطنة عنده أن تأويل هذه الآية أنّ الله تعالى استخرج من ظهر آدم ﵇ جميع ذريته، وهم فى خلق الذّرّ، فقرّرهم بمعرفته، وأشهدهم على أنفسهم. وهذا التأويل- مع أنّ العقل يبطله ويحيله- مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه؛ لأن الله تعالى قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ، ولم يقل: من آدم، وقال: مِنْ ظُهُورِهِمْ، ولم يقل: من ظهره، وقال: ذُرِّيَّتَهُمْ، ولم يقل: ذرّيته؛ ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة: إنهم كانوا عن ذلك غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم، وأنّهم نشئوا على دينهم وسنّتهم؛ وهذا يقتضي أنّ الآية لم تتناول ولد آدم ﵇ لصلبه؛ وأنها إنما (١) تناولت من كان له آباء مشركون؛ وهذا يدلّ على اختصاصها ببعض ذرّية (٢) بنى آدم؛ فهذه شهادة الظّاهر ببطلان تأويلهم، فأما شهادة العقول (٣) فمن حيث لا تخلو هذه الذّرّية التى استخرجت من ظهر آدم ﵇ فخوطبت وقرّرت من أن تكون كاملة العقول، مستوفية لشروط التكليف؛ أو لا تكون كذلك (٤). فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم، وإكمال عقولهم ما كانوا عليه فى تلك الحال، وما قرّروا به، واستشهدوا عليه؛ لأنّ العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى، وإن بعد العهد وطال الزمان؛ ولهذا لا يجوز أن يتصرّف أحدنا فى بلد من البلدان وهو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرّفه المتقدّم/ وسائر أحواله.

стр. 58

وليس أيضا لتخلّل الموت بين الحالين تأثير؛ لأنه لو كان تخلّل الموت يزيل الذكر لكان تخلّل النوم والسّكر والجنون والإغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم؛ لأنّ سائر ما عددناه مما ينفى العلوم يجرى مجرى الموت فى هذا الباب. وليس لهم أن يقولوا: إذا جاز فى العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه فى حال الطفوليّة جاز ما ذكرناه؛ وذلك أنّا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادّعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى لهم (١) وهم كاملو العقول، ولو كانوا بصفة الأطفال فى تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه. على أن تجويز النّسيان عليهم ينقض الغرض فى الآية، وذلك أنّ الله تعالى أخبر بأنه إنما قرّرهم وأشهدهم لئلا يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك، وسقوط الحجّة عنهم (٢) فيه؛ فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة وزوالها، وإن كانوا على الصّفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم، وصار ذلك عبثا قبيحا؛ يتعالى الله عنه. فإن قيل: قد أبطلتم تأويل (٣) مخالفيكم، فما تأويلها الصحيح عندكم؟ قلنا فى هذه الآية وجهان: أحدهما أن يكون تعالى إنما عنى جماعة من ذرّية بنى آدم خلقهم وبلّغهم وأكمل عقولهم، وقرّرهم على ألسن (٤) رسله ﵈ بمعرفته وما يجب (٥) من طاعته، فأقرّوا بذلك، وأشهدهم على أنفسهم به؛ لئلا يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم. وإنما أتى من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظنّ أنّ اسم الذرية لا يقع إلّا على من لم يكن كاملا عاقلا؛ وليس الأمر كما ظنّ؛ لأنّا نسمّى جميع البشر بأنهم ذرية آدم؛ وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون، وقد قال الله تعالى: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ

стр. 59

جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [غافر: ٨]. ولفظ الصالح لا يطلق إلا على من كان كاملا عاقلا؛ فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلّفين؛ فهذا جوابهم. والجواب الثانى أنّه تعالى/ لمّا خلقهم وركّبهم تركيبا يدلّ على معرفته ويشهد بقدرته ووجوب عبادته، وأراهم العبر والآيات والدّلائل فى أنفسهم وفى غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم، وكانوا فى مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره فيهم على الوجه الّذي أراده تعالى، وتعذّر امتناعهم منه، وانفكاكهم من دلالته بمنزلة المقرّ المعترف؛ وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١]، وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة، ولا منهما جواب، ومثله قوله تعالى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة: ١٧]. ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم؛ وإنما (١) لمّا ظهر منهم ظهورا لا يتمكّنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به؛ ومثل هذا قولهم: جوارحى تشهد بنعمتك، وحالى معترفة بإحسانك. وما روى عن بعض الخطباء (٢) من قوله: سل (٣) الأرض: من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا. وهذا باب كبير، وله نظائر كثيرة فى النظم والنثر؛ يغنى عن ذكر جميعها القدر الّذي ذكرناه منها.

стр. 60

تأويل خبر [«ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن»] قال أبو عبيد القاسم بن سلّام فيما يروى عن النبىّ صلى عليه وآله: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن». قال: أراد: يستغنى به، واحتجّ بقولهم: تغنّيت تغنيا، وتغانيت تغانيا، وأنشد بيت الأعشى: وكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التّغنّ (١) وقول الآخر: كلانا غنىّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا (٢) واحتجّ أيضا بقول ابن مسعود: «من قرأ سورة آل عمران فهو غنىّ»، أى مستغن، وبالحديث الآخر: «نعم كنز الصّعلوك سورة آل عمران يقوم بها (٣) فى آخر الليل»؛ والصّعلوك الفقير، واحتجّ بحديث آخر يروى عن النبي ﵌ هو أنه قال: «لا ينبغى لحامل القرآن أن يظنّ أنّ أحدا أعطى أفضل مما أعطى، لأنّه لو ملك الدنيا بأسرها لكان القرآن أفضل ممّا ملكه». واحتجّ أيضا بخبر يرفعه (٤) عن عبد الله بن نهيك أنه دخل على سعد (٥) بيته (٦)، فإذا مثال رثّ، ومتاع رثّ، فقال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن». قال أبو عبيد: فذكره المتاع الرثّ، والمثال الرثّ يدلّ على أن التغنّى بالقرآن الاستغناء به

стр. 61

عن الكثير من المال والمثال هو الفراش، قال الشاعر (١): بكلّ طوال السّاعد بن كأنّما ... يرى بسرى اللّيل المثال الممهّدا (٢) - يعنى الفراش. قال أبو عبيد: ولو كان معناه الترجيع لعظمت المحنة علينا بذلك؛ إذ كان من لم يرجّع بالقرآن فليس (٣) منه ﵇. وذكر غير (٤) أبى عبيد جوابا آخر، وهو أنه ﵇ أراد: من لم يحسّن صوته بالقرآن. ولم يرجّع (٥) فيه. واحتجّ صاحب هذا الجواب بحديث عبد الرحمن بن السائب قال: أتيت سعدا- وقد كفّ بصره- فسلمت عليه، فقال: من أنت؟ فأخبرته. فقال: مرحبا يا ابن (٦) أخى، بلغنى أنك حسن الصوت بالقرآن، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منا». فقوله: «فابكوا أو تباكوا» دليل على أن التغنّى التحنين والترجيع. وروى عن النبي ﷺ أنّه قال: «لا يأذن الله لشيء من أهل الأرض إلا لأصوات المؤذّنين، والصوت الحسن بالقرآن». ومعنى قوله: «يأذن» يستمع له؛ يقال: أذنت للشيء آذن أذنا إذا استمعت له؛ قال الشاعر (٧): صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء (٨) عندهم أذنوا

стр. 62

وقال عدىّ بن زيد العبادىّ (١): أيّها القلب تعلّل بددن ... إنّ همّى فى سماع وأذن (٢) والأذن هو السّماع، وإنما حسّن (٣) تكرير المعنى اختلاف اللفظ. وللعرب فى هذا مذهب معروف، ومثله: * وهند أتى من دونها النّأى والبعد* فأما الدّدن فهو اللهو/ واللعب، وفيه لغات ثلاث: دد على مثال دم، وددا على مثال فتى، وددن على مثال حزن؛ ومنه قول النبي ﵇: «ما أنا من دد ولا الدّد منّي (٤)». فإن قيل: كيف يحمل قوله: «لا يأذن الله لشيء كإذنه لكذا وكذا» على معنى الإسماع، وهو تعالى سامع لكلّ شيء مسموع، فأىّ معنى للاختصاص؟ قلنا: ليس المراد هاهنا بالإسماع مجرد الإدراك، وإنما المراد به القبول، فكأنّه ﵇ قال: إنّ الله تعالى لا يتقبّل أو يثيب على شيء من أهل الأرض كتقبّله وثوابه على كذا وكذا، ومن هذا قولهم: هذا كلام لا أسمعه، وخاطبت فلانا بكلام فلم يسمعه (٥)، وإنما يريد نفى القبول لا الإدراك، والبيت الّذي أنشدناه يشهد بذلك، لأنه قال: * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا* ونحن نعلم أنّهم يستمعون الذّكر بالخير والشر معا من حيث الإدراك؛ فوجه الاختصاص ما ذكرناه.

стр. 63

وقد ذكر أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ وجها ثالثا فى الخبر، قال: أراد ﵇: [من لم يتلذّذ بالقرآن، ويستحله، ويستعذب] (١) تلاوته كاستحلاء أصحاب الطّرب للغناء والتذاذهم به. وسمّى ذلك تغنّيا من حيث يفعل عنده ما يفعل عند التغنّى بالغناء، وذكر أنّ ذلك نظير قولهم: العمائم تيجان العرب، والحباء (٢) حيطان العرب، والشمس حمّامات العرب (٣)؛ وأنشد بيت النابغة: بكاء حمامة تدعو هديلا ... مفجّعة على فنن تغنّى (٤) فشبّه صوتها لمّا أطرب إطراب الغناء بالغناء، وجعلوا العمائم لمّا قامت مقام التّيجان تيجانا؛ وكذلك القول فى الحباء والشمس. وجواب أبى عبيد أحسن الأجوبة وأسلمها، وجواب أبى بكر أبعدها؛ لأن التلذّذ لا يكون إلا فى المشتهيات، وكذلك الاستحلاء والاستعذاب. وتلاوة القرآن وتفهّم معانيه من الأفعال الشاقة، فكيف يكون ملذّا مشتهى (٥)؟ ! فإن عاد إلى أن يقول: قد تستحلى التّلاوة من الصوت الحزين (٦)، قلنا: هذا رجوع إلى الجواب الثانى الّذي رغبت عنه، وانفردت عند نفسك بما يخالفه. ويمكن أن يكون فى الخبر وجه رابع خطر لنا، وهو أن يكون قوله ﵇: / «من لم يتغنّ» من غنى الرجل بالمكان إذا طال مقامه به، ومنه قيل: المغنى والمغانى، قال الله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [الأعراف: ٩٢]، أى لم يقيموا بها، وقال

стр. 64

الأسود بن يعفر (١) الإيادىّ: ولقد غنوا فيها بأنعم غنية ... فى ظلّ ملك ثابت الأوتاد (٢) وقول (٣) الأعشى الّذي أنشده أبو عبيد وهو: وكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التّغنّ بطول المقام أشبه منه بالاستغناء، لأن المقام يوصف بالطول ولا يوصف الاستغناء بذلك، فكأنّ الأعشى أراد: إنّنى كنت ملازما لوطنى، مقيما بين أهلى، لا أسافر للانتجاع والطّلب؛ ويجرى قوله هذا مجرى قول حسّان بن ثابت الأنصارىّ: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل (٤) أراد بقوله: «حول قبر أبيهم» أنهم ملوك لا ينتجعون (٥)، ولا يفارقون محالّهم وأوطانهم؛ فيكون معنى الخبر على هذا الوجه: من لم يقم على القرآن؛ فلا يتجاوزه (٦) إلى غيره، ولا يتعدّاه إلى سواه، ويتخذه مغنى ومنزلا ومقاما فليس منا. فإن قيل: أليس قد يتعدّى القرآن إلى السّنّة والإجماع وسائر أدلّة الشرع؟ فكيف يحظر علينا تعدّيه؟ قلنا: ليس فى ذلك تعدّ للقرآن، لأنّ القرآن دالّ على وجوب اتّباع السنّة وغيرها من أدلّة الشرع، فمن اعتمد بعضها فى شيء من الأحكام لا يكون متجاوزا للقرآن، ولا متعديا؛ فأمّا قوله ﵇: «ليس منّا» فقد قيل فيه: إنه لا يكون على أخلاقنا، واستشهد ببيت النابغة:

стр. 65

إذا حاولت فى أسد فجورا ... فإنّى لست منك ولست منّى (١) وقيل إنه أراد: ليس على ديننا، وهذا الوجه لا يليق إلّا بجوابنا الّذي اخترناه، وهو بعده بجواب أبى عبيد أليق، لأنه محال أن يخرج عن دين النبي صلى الله عليه وملّته من لم يحسّن صوته بالقرآن، ويرجّع فيه، أو من لم يتلذّذ بتلاوته ويستحليها. مسألة: [الكلام على قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ] / اعلم أنّ أصحابنا قد اعتمدوا فى إبطال ما ظنّه أصحاب الرؤية فى قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة ٢٢ - ٢٣]، على وجوه معروفة، لأنهم بيّنوا أنّ النظر ليس يفيد الرؤية، ولا الرؤية من أحد محتملاته، ودلّوا على أنّ النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة؛ منها تقليب الحدقة الصحيحة حيال (٢) المرئىّ طلبا لرؤيته؛ ومنها النظر الّذي هو الانتظار؛ ومنها النّظر الّذي هو التعطّف والرّحمة؛ ومنها النظر الّذي هو الفكر والتأمّل، وقالوا: إذا لم يكن فى أقسام النظر الرّؤية لم يكن للقوم بظاهرها تعلّق (٣)، واحتجنا (٤) جميعا إلى طلب تأويل للآية من غير جهة الرؤية. وتأوّلها بعضهم على الانتظار للثواب، وإن كان المنتظر فى الحقيقة محذوفا، والمنتظر منه مذكورا على عادة للعرب معروفة. وسلّم بعضهم أن النظر يكون الرؤية بالبصر، وحمل الآية على رؤية أهل الجنة لنعم الله تعالى عليهم؛ على سبيل حذف المرئىّ فى الحقيقة. وهذا كلام (٥) مشروح فى مواضعه، وقد بيّنا ما يورد عليه، وما يجاب به عن الشّبهة المعترضة فى مواضع كثيرة. وهاهنا وجه غريب فى الآية حكى عن بعض المتأخرين (٦): لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر، أو إلى تقدير محذوف، ولا يحتاج إلى منازعتهم فى أنّ النظر يحتمل الرؤية،

стр. 66

أو لا يحتملها؛ بل يصح الاعتماد عليه؛ سواء كان النظر المذكور فى الآية هو الانتظار بالقلب، أو (١) الرؤية بالعين، وهو أن يحمل قوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ على أنه أراد به نعمة ربّها، لأن الآلاء النّعم، وفى واحدها أربع لغات: ألّا مثل قفا، وألى مثل رمى، وإلى مثل معى، وإلى مثل حسى؛ قال أعشى بكر بن وائل: أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إلا (٢) أراد أنه لا يخون نعمة، فأراد «بإلى ربّها» نعمة ربّها، وأسقط التنوين للإضافة. فإن قيل: فأىّ فرق بين هذا الوجه وبين تأويل من حمل الآية على أنّه أريد بها (٣) إلى ثواب ربها ناظرة، بمعنى رائية لنعمه وثوابه؟ قلنا: ذلك الوجه يفتقر إلى محذوف، لأنه إذا جعل «إلى» حرفا/ ولم يعلّقها بالربّ تعالى، فلا بد من تقدير محذوف، وفى الجواب الّذي ذكرناه لا يفتقر إلى تقدير محذوف، لأن «إلى» فيه اسم يتعلق به الرؤية ولا يحتاج إلى تقدير غيره (٤).

стр. 67

[٤] مجلس آخر [المجلس الرابع: ] تأويل آية [وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ] إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس: ١٠٠]. وظاهر هذا الكلام يدلّ على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه وأمره، وليس هذا مذهبكم؛ وإن حمل الإذن هاهنا على الإرادة اقتضى أنّ من لم يقع منه الإيمان لم يرده الله منه، وهذا أيضا بخلاف قولكم. ثم جعل الرّجس الّذي هو العذاب على الذين لا يعقلون؛ ومن كان فاقدا عقله لا يكون مكلّفا، فكيف يستحقّ العذاب؟ وهذا بالضد من الخبر المروىّ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «أكثر أهل الجنة البله». الجواب، يقال له فى قوله تعالى: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وجوه: منها أن يكون الإذن الأمر، ويكون معنى الكلام: إن الإيمان لا يقع إلا بعد أن يأذن الله فيه، ويأمر به، ولا يكون معناه ما ظنّه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، ويجرى هذا مجرى قوله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٤٥]. ومعلوم أنّ معنى قوله: ليس لها فى هذه الآية هو ما ذكرناه، وإن كان الأشبه فى هذه الآية التى فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالإذن العلم. ومنها أن يكون الإذن هو التوفيق (١) والتيسير والتسهيل، ولا شبهة فى أن الله يوفق لفعل الإيمان ويلطف فيه، ويسهّل السبيل إليه. ومنها أن يكون الإذن العلم من قولهم: أذنت لكذا وكذا إذا سمعته وعلمته، وآذنت فلانا بكذا إذا أعلمته؛ فتكون فائدة الآية الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات، فإنه ممن

стр. 68

لا يخفى عليه الخفيّات .. وقد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الإذن (بكسر الألف وتسكين الذال) عبارة عن العلم، وزعم أن الّذي هو العلم الأذن (بالتحريك)، واستشهد بقول الشاعر (١): * إنّ همّى فى سماع وأذن* وليس الأمر على ما توهّمه هذا المتوهّم، لأن الأذن هو المصدر، والإذن هو اسم الفعل (٢)؛ فيجرى مجرى الحذر فى أنه مصدر؛ والحذر (بالتسكين) الاسم على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الأذن (بالتحريك) لجاز التسكين، مثل مثل ومثل وشبه وشبه ونظائر ذلك كثيرة. ومنها: أن يكون الإذن العلم، ومعناه إعلام الله المكلّفين بفضل الإيمان وما يدعو إلى فعله، ويكون معنى الآية: وما كان لنفس أن تؤمن إلّا بإعلام الله لها بما يبعثها على الإيمان، وما يدعوها إلى فعله. فأمّا ظنّ السائل دخول الإرادة فى محتمل اللفظ فباطل؛ لأنّ الإذن لا يحتمل الإرادة فى اللّغة، ولو احتملها أيضا لم يجب ما توهّمه، لأنه إذا قال: إنّ الإيمان لا يقع (٣) إلا وأنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع، وليس فى صريح الكلام ولا دلالته (٤) شيء من ذلك. وأما قوله تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ فلم يعن بذلك الناقصى العقول، وإنما أراد الّذين لم يعقلوا ويعلموا (٥) ما وجب عليهم علمه من معرفة الله خالقهم، والاعتراف بنبوّة رسله والانقياد إلى طاعتهم، ووصفهم تعالى بأنّهم لا يعقلون تشبيها؛

стр. 69

كما قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٨]، وكما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور، أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون وفقد العقل. فأما الحديث الّذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل إنه عليه وآله السلام (١) لم يرد بالبله ذوى الغفلة والنقص والجنون، وإنما أراد البله عن الشرّ والقبيح، وسمّاهم بلها عن ذلك من حيث لا يستعملونه ولا يعتادونه، لا من حيث فقدوا العلم به. ووجه تشبيه من هذه حاله بالأبلة ظاهر، فإنّ الأبله عن الشيء هو الّذي لا يعرض له ولا يقصد إليه، فإذا كان المتنزّه عن الشر معرضا عنه، هاجرا لفعله جاز أن يوصف بالبله للفائدة التى ذكرناها؛ ويشهد بصحة هذا التأويل قول الشاعر: ولقد لهوت بطفلة ميّادة ... بلهاء تطلعنى على أسرارها (٢) أراد أنها بلهاء عن الشر والريبة؛ وإن كانت فطنة لغيرهما؛ وقال أبو النّجم العجلىّ: من كل عجزاء سقوط البرقع (٣) ... بلهاء لم تحفظ ولم تضيّع أراد بالبلهاء ما ذكرناه. فأما قوله: «سقوط البرقع» فأراد أنها تبرز وجهها ولا تستره، ثقة [بحسنه وإدلالا بجماله] (٤)، وقوله: «لم تحفظ» أراد أن استقامة طرائقها تغنى عن حفظها، وأنها لعفافها (٥) ونزاهتها غير محتاجة إلى مسدّد وموقّف؛ وقوله: «لم تضيّع» أراد أنّها لم تهمل فى أغذيتها (٦) وتنعيمها وترفيهها فتشقى، ومثل قوله: «سقوط البرقع» قول الشاعر (٧):

стр. 70

فلمّا تواقفنا وسلّمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا (١) ومثله أيضا: بها شرق من زعفران وعنبر ... أطارت من الحسن الرّداء المحبّرا (٢) أى رمت به عنها ثقة بالجمال والكمال (٣)، ومثله- وهو مليح (٤): لهونا بمنجول البراقع حقبة ... فما بال دهر لزّنا بالوصاوص (٥) أراد بمنجول البراقع اللاتى يوسعن عيون براقعهنّ ثقة بحسنهن، ومنه الطعنة النّجلاء، والعين النّجلاء؛ ثم قال: ما بال دهر أحوجنا واضطرنا إلى القباح، اللواتى يضيّقن عيون براقعهن لقبحهنّ، والوصاوص: هى النّقب الصّغار للبراقع؛ ومما يشهد للمعنى الأول الّذي هو الوصف بالبله لا بمعنى الغفلة قول ابن الدّمينة: بمالى وأهلى من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب (٦) - ويروى بنفسى وأهلى- ولم يعتذر عذر البريّ ولم تزل ... به ضعفة (٧) حتّى يقال مريب (٨) ومثله: أحبّ اللّواتى فى صباهنّ غرّة ... وفيهنّ عن أزواجهنّ طماح (٩)

стр. 71

مسرّات حبّ مظهرات عداوة ... تراهنّ كالمرضى وهنّ صحاح ومثله: يكتبين الينجوج فى كبد المش ... تى وبله أحلامهنّ وسام (١) أما قوله: «يكتبين» فمأخوذ من لفظ الكباء، وهو العود، أراد يتبخّرن به، والينجوج هو/ العود، وفيه ست لغات: ينجوج، وأنجوج، ويلنجوج، وألنجوج، وألنجج، ويلنجج. فأما كبد المشتى، فهو ضيقته (٢) وشدّته، ومنه قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤]؛ وقد روى: «فى كبّة المشتى» والمعنى متقارب، لأن الكبّة هى الصدمة والحملة، مأخوذ من كبّة (٣) الخيل؛ وأما الوسام فهنّ (٤) الحسان من الوسامة، وهى الحسن. ويمكن أن يكون فى البله جواب آخر، وهو أن يحمل على معنى البله الّذي هو الغفلة والنقصان فى الحقيقة، ويكون معنى الخبر أنّ أكثر أهل الجنة الذين كانوا بلها فى الدنيا، فعندنا أن الله ينعّم الأطفال فى الجنة والمجانين والبهائم، وإنما لم نجعلهم بلها فى الجنة وإن كان ما يصل إليهم من النعيم على سبيل العوض أو التفضّل (٥) لا يفتقر إلى كمال العقل، لأنّ الخبر ورد بأن الأطفال والبهائم إذا دخلوا الجنّة لم يدخلوها إلا وهم على أفضل الحالات وأكملها، ولهذا صرفنا البله عنهم فى الجنة، ورددناه إلى أحوال الدنيا، وإلّا فالعقل لا يمنع من ذلك كمنعه إياه فى باب الثواب والعقاب.

стр. 72

تأويل آية أخرى [ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ... : ] قال الله تعالى مخبرا عن يوم القيامة: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود: ١٠٣ - ١٠٥]. وقال فى موضع آخر: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]. وفى موضع آخر: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات: ٢٧، والطور: ٢٥]. وظاهر هذه الآيات ظاهر الاختلاف، لأن بعضها ينبئ عن أنّ النطق لا يقع منهم فى ذلك اليوم، ولا يؤذن لهم فيه، وبعضها ينبئ عن خلافه. وقد قال قوم من المفسّرين فى تأويل (١) هذه الآيات: إن يوم القيامة يوم طويل ممتدّ، فقد يجوز أن يمنع النّطق فى بعضه، ويؤذن لهم فى بعض آخر (٢)؛ وهذا الجواب يضعّف، لأن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله، فكيف يجوز أن تجعل الحالات فيه مختلفة؛ وعلى هذا التأويل يجب أن يكون قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ فى بعضه، والظاهر بخلاف ذلك. والجواب السديد عن هذا أن يقال: إنما أراد الله تعالى/ نفى النّطق المسموع المقبول الّذي ينتفعون به، ويكون لهم فى مثله عذر أو حجّة، ولم ينف النطق الّذي ليست هذه حاله، ويجرى هذا مجرى قولهم: خرس فلان عن حجّته، وحضرنا فلانا يناظر فلانا فلم يقل شيئا، وإن كان الّذي وصف بالخرس عن الحجّة، والّذي نفى عنه القول قد تكلّم بكلام كثير غزير، إلّا أنّه من حيث لم يكن فيه حجّة، ولا به منفعة جاز إطلاق القول الّذي حكيناه عليه؛ ومثل هذا قول الشاعر (٣):

стр. 73

أعمى إذا ما جارتى خرجت ... حتّى يوارى جارتى الخدر ويصمّ عمّا كان بينهما ... سمعى وما بى غيره وقر (١) وقال الآخر: لقد طال كتمانيك (٢) حتّى كأنّنى ... بردّ جواب السّائلى عنك أعجم (٣) وعلى هذا التأويل قد زال الاختلاف، لأنّ التساؤل والتلاؤم لا حجّة فيه .. وأما قوله تعالى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، فقد قيل: إنهم غير مأمورين بالاعتذار، فكيف يعتذرون؟ ويجاب بحمل الإذن على الأمر؛ وإنّما لم يؤمروا به من حيث كانت تلك الحال لا تكليف فيها، والعباد ملجئون عند مشاهدة أحوالهم إلى الاعتراف والإقرار. وأحسن من هذا التأويل أن يحمل لِيُؤْذَنَ، على معنى أنه لا يستمع لهم، ولا يقبل عذرهم، والعلة فى امتناع قبول عذرهم هى التى ذكرناها (٤).

стр. 74

تأويل خبر [: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو الله» .] روى عن النبىّ صلى الله عليه وآله أنه قال: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر (١) هو الله». وقد ذكر قوم فى تأويل هذا الخبر أنّ المراد به لا تسبّوا الدهر، فإنه لا فعل له، وإنّ الله مصرّفه ومدبّره، فحذف من الكلام ذكر المصرّف والمدبّر وقال: «هو الدهر». وفى هذا الخبر وجه هو أحسن من ذلك الّذي حكيناه، وهو أنّ الملحدين، ومن نفى الصانع من العرب كانوا ينسبون ما ينزل بهم من أفعال الله تعالى كالمرض والعافية، والجدب والخصب، والبقاء والفناء إلى الدّهر، جهلا منهم بالصّانع جلّت عظمته، ويذمّون الدهر ويسبّونه فى كثير من الأحوال، من حيث اعتقدوا أنه الفاعل بهم/ هذه الأفعال، فنهاهم النبىّ صلى الله عليه وآله عن ذلك وقال لهم: لا تسبّوا من فعل بكم هذه الأفعال ممّن تعتقدون أنه هو الدّهر، فإن الله تعالى هو الفاعل لها. وإنما قال: إنّ الله هو الدهر من حيث نسبوا إلى الدّهر أفعال الله؛ وقد حكى الله تعالى عنهم قولهم: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجائية: ٢٤]. وقال لبيد: فى قروم سادة من قومه ... نظر الدّهر إليهم فابتهل (٢) أى دعا عليهم. وقال عمرو بن قمئة (٣): كأنّى وقد جاوزت تسعين (٤) حجّة ... خلعت بها عنّى عذار لجامى (٥) على الرّاحتين مرّة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا (٦) بعدهنّ قيامى رمتنى بنات الدّهر (٧) من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برامى

стр. 75

فلو أنّها نبل إذا لاتقيتها ... ولكنّنى أرمى بغير سهام إذا ما رآنى النّاس قالوا ألم تكن ... جليدا حديد الطّرف غير كهام وأفنى وما أفنى من الدّهر ليلة ... ولم يغن ما أفنيت سلك نظام (١) وأهلكنى تأميل يوم وليلة ... وتأميل عام بعد ذاك وعام وقال الأصمعىّ: ذمّ أعرابىّ رجلا فقال: هو أكثر ذنوبا من الدهر؛ وأنشد الفراء (٢): حنتنى حانيات الدّهر حتّى ... كأنّى خاتل أدنو لصيد (٣) قصير الخطو يحسب من رآنى ... ولست مقيّدا أنّى بقيد وقال كثيّر (٤): وكنت كذى رجلين رجل صحيحة ... ورجل (٥) رمى فيها الزّمان فشلّت وقال آخر (٦): فاستأثر الدّهر الغداة بهم ... والدّهر يرمينى وما أرمى يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا (٧) ووقرت فى العظم أما قوله: وقرت فى العظم، أراد به: اتّخذت فيه وقرا، أو وقيرة، والوقر هو الحفيرة/ العظيمة تكون فى الصّفا يستنقع فيها ماء المطر، والوقب أيضا كذلك، والوقيرة أيضا الحفيرة إلا أنّها دون الأوليين فى الكبر. وكل هؤلاء الذين روينا أشعارهم نسبوا أفعال الله التى لا يشاركه فيها غيره إلى الدهر، فحسن وجه التأويل الّذي ذكرناه.
следующие страницы →