مسرّات حبّ مظهرات عداوة ... تراهنّ كالمرضى وهنّ صحاح
ومثله:
يكتبين الينجوج فى كبد المش ... تى وبله أحلامهنّ وسام (١)
أما قوله: «يكتبين» فمأخوذ من لفظ الكباء، وهو العود، أراد يتبخّرن به، والينجوج هو/ العود، وفيه ست لغات: ينجوج، وأنجوج، ويلنجوج، وألنجوج، وألنجج، ويلنجج.
فأما كبد المشتى، فهو ضيقته (٢) وشدّته، ومنه قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤]؛ وقد روى: «فى كبّة المشتى» والمعنى متقارب، لأن الكبّة هى الصدمة والحملة، مأخوذ من كبّة (٣) الخيل؛ وأما الوسام فهنّ (٤) الحسان من الوسامة، وهى الحسن.
ويمكن أن يكون فى البله جواب آخر، وهو أن يحمل على معنى البله الّذي هو الغفلة والنقصان فى الحقيقة، ويكون معنى الخبر أنّ أكثر أهل الجنة الذين كانوا بلها فى الدنيا، فعندنا أن الله ينعّم الأطفال فى الجنة والمجانين والبهائم، وإنما لم نجعلهم بلها فى الجنة وإن كان ما يصل إليهم من النعيم على سبيل العوض أو التفضّل (٥) لا يفتقر إلى كمال العقل، لأنّ الخبر ورد بأن الأطفال والبهائم إذا دخلوا الجنّة لم يدخلوها إلا وهم على أفضل الحالات وأكملها، ولهذا صرفنا البله عنهم فى الجنة، ورددناه إلى أحوال الدنيا، وإلّا فالعقل لا يمنع من ذلك كمنعه
إياه فى باب الثواب والعقاب.
стр. 72
تأويل آية أخرى [ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ... : ]
قال الله تعالى مخبرا عن يوم القيامة: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود: ١٠٣ - ١٠٥]. وقال فى موضع آخر: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]. وفى موضع آخر: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات: ٢٧، والطور: ٢٥].
وظاهر هذه الآيات ظاهر الاختلاف، لأن بعضها ينبئ عن أنّ النطق لا يقع منهم فى ذلك اليوم، ولا يؤذن لهم فيه، وبعضها ينبئ عن خلافه. وقد قال قوم من المفسّرين فى تأويل (١) هذه الآيات: إن يوم القيامة يوم طويل ممتدّ، فقد يجوز أن يمنع النّطق فى بعضه، ويؤذن لهم فى بعض آخر (٢)؛ وهذا الجواب يضعّف، لأن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله، فكيف يجوز أن تجعل الحالات فيه مختلفة؛ وعلى هذا التأويل يجب أن يكون قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ فى بعضه، والظاهر بخلاف ذلك.
والجواب السديد عن هذا أن يقال: إنما أراد الله تعالى/ نفى النّطق المسموع المقبول الّذي ينتفعون به، ويكون لهم فى مثله عذر أو حجّة، ولم ينف النطق الّذي ليست هذه حاله، ويجرى هذا مجرى قولهم: خرس فلان عن حجّته، وحضرنا فلانا يناظر فلانا فلم يقل شيئا، وإن كان الّذي وصف بالخرس عن الحجّة، والّذي نفى عنه القول قد تكلّم بكلام كثير غزير، إلّا أنّه من حيث لم يكن فيه حجّة، ولا به منفعة جاز إطلاق القول الّذي حكيناه عليه؛ ومثل هذا قول الشاعر (٣):
стр. 73
أعمى إذا ما جارتى خرجت ... حتّى يوارى جارتى الخدر
ويصمّ عمّا كان بينهما ... سمعى وما بى غيره وقر (١)
وقال الآخر:
لقد طال كتمانيك (٢) حتّى كأنّنى ... بردّ جواب السّائلى عنك أعجم (٣)
وعلى هذا التأويل قد زال الاختلاف، لأنّ التساؤل والتلاؤم لا حجّة فيه .. وأما قوله تعالى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، فقد قيل: إنهم غير مأمورين بالاعتذار، فكيف يعتذرون؟ ويجاب بحمل الإذن على الأمر؛ وإنّما لم يؤمروا به من حيث كانت تلك الحال لا تكليف فيها، والعباد ملجئون عند مشاهدة أحوالهم إلى الاعتراف والإقرار. وأحسن من هذا التأويل أن يحمل لِيُؤْذَنَ، على معنى أنه لا يستمع لهم، ولا يقبل عذرهم، والعلة فى امتناع قبول عذرهم هى التى ذكرناها (٤).
стр. 74
تأويل خبر [: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو الله» .]
روى عن النبىّ صلى الله عليه وآله أنه قال: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر (١) هو الله».
وقد ذكر قوم فى تأويل هذا الخبر أنّ المراد به لا تسبّوا الدهر، فإنه لا فعل له، وإنّ الله مصرّفه ومدبّره، فحذف من الكلام ذكر المصرّف والمدبّر وقال: «هو الدهر».
وفى هذا الخبر وجه هو أحسن من ذلك الّذي حكيناه، وهو أنّ الملحدين، ومن نفى الصانع من العرب كانوا ينسبون ما ينزل بهم من أفعال الله تعالى كالمرض والعافية، والجدب والخصب، والبقاء والفناء إلى الدّهر، جهلا منهم بالصّانع جلّت عظمته، ويذمّون الدهر ويسبّونه فى كثير من الأحوال، من حيث اعتقدوا أنه الفاعل بهم/ هذه الأفعال، فنهاهم النبىّ صلى الله عليه وآله عن ذلك وقال لهم: لا تسبّوا من فعل بكم هذه الأفعال ممّن تعتقدون أنه هو الدّهر، فإن الله تعالى هو الفاعل لها. وإنما قال: إنّ الله هو الدهر من حيث نسبوا إلى الدّهر أفعال الله؛ وقد حكى الله تعالى عنهم قولهم: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجائية: ٢٤]. وقال لبيد:
فى قروم سادة من قومه ... نظر الدّهر إليهم فابتهل (٢)
أى دعا عليهم. وقال عمرو بن قمئة (٣):
كأنّى وقد جاوزت تسعين (٤) حجّة ... خلعت بها عنّى عذار لجامى (٥)
على الرّاحتين مرّة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا (٦) بعدهنّ قيامى
رمتنى بنات الدّهر (٧) من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برامى
стр. 75
فلو أنّها نبل إذا لاتقيتها ... ولكنّنى أرمى بغير سهام
إذا ما رآنى النّاس قالوا ألم تكن ... جليدا حديد الطّرف غير كهام
وأفنى وما أفنى من الدّهر ليلة ... ولم يغن ما أفنيت سلك نظام (١)
وأهلكنى تأميل يوم وليلة ... وتأميل عام بعد ذاك وعام
وقال الأصمعىّ: ذمّ أعرابىّ رجلا فقال: هو أكثر ذنوبا من الدهر؛ وأنشد الفراء (٢):
حنتنى حانيات الدّهر حتّى ... كأنّى خاتل أدنو لصيد (٣)
قصير الخطو يحسب من رآنى ... ولست مقيّدا أنّى بقيد
وقال كثيّر (٤):
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة ... ورجل (٥) رمى فيها الزّمان فشلّت
وقال آخر (٦):
فاستأثر الدّهر الغداة بهم ... والدّهر يرمينى وما أرمى
يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا (٧) ووقرت فى العظم
أما قوله: وقرت فى العظم، أراد به: اتّخذت فيه وقرا، أو وقيرة، والوقر هو الحفيرة/ العظيمة تكون فى الصّفا يستنقع فيها ماء المطر، والوقب أيضا كذلك، والوقيرة أيضا الحفيرة إلا أنّها دون الأوليين فى الكبر.
وكل هؤلاء الذين روينا أشعارهم نسبوا أفعال الله التى لا يشاركه فيها غيره إلى الدهر، فحسن وجه التأويل الّذي ذكرناه.
стр. 76
مسألة [فى ذكر المنافع التى عرض الله الإحياء لها]
اعلم أن المنافع التى عرّض الله ﵎ الأحياء لها ثلاث: منفعة تفضّل، ومنفعة عوض، ومنفعة ثواب، فأمّا المنفعة على سبيل التفضّل فهى الواقعة ابتداء من غير سبب استحقاق، ، ولفاعلها أن يفعلها، وله ألّا يفعلها، وأما منفعة العوض فهى المنفعة المستحقة من غير مقارنة شيء من التعظيم والتبجيل لها، وأمّا منفعة الثواب فهى المستحقة على وجه التعظيم والتبجيل فمنفعة العوض تبين من التفضل بالاستحقاق، والثواب يبين من العوض بالتعظيم والتبجيل، المصاحبين له؛ فكأنّ التفضل أصل لسائر المنافع من حيث يجب تقدمه وتأخر ما عداه؛ لأنه لا سبيل للمنتفع أن ينتفع بشيء دون أن يكون حيّا له شهوة (١)، والابتداء بخلق الحياة والشهوة تفضّل، فقد صحّ (٢) أنه لا سبيل إلى النفع بمنفعة العوض والثواب إلا بعد تقدّم التفضّل. فأمّا المنفعة بالثواب فهى الأصل للمنفعة بالعوض؛ لأنّ الآلام وما جرى مجرى الآلام (٣) مما يستحقّ به العوض متى لم يكن فيها اعتبار يفضى إلى الثواب، ويستحق به لم يحسن فعلها، وجرى عندنا مجرى العبث، ولهذا نقول: إن الله تعالى لو لم يكلّف أحدا من المكلّفين ما كان يحسن منه أن يبتدئ بالآلام (٤)، وإن عوّض عليها.
والأحياء على ضروب فمنهم من عرّض للمنافع الثلاث. ومنهم من عرّض لاثنتين، ومنهم من عرّض لواحدة، والمكلّف المعرّض للثواب لا بدّ أن يكون منفوعا بالتفضّل من الوجه الّذي قلنا؛ لأنه إذا خلق حيّا وفعل له القدرة والشهوة والعقل وضروب التمكين، فقد نفع بالتفضّل، وليس يجب فيمن هذه حاله أن يكون منفوعا بالعوض؛ لأنّه لا يمتنع أن يخلو المكلّف منّا من ألم يحدثه (٥) الله به؛ فلا يكون معرّضا للعوض؛ فمتى عرّض له فقد تكاملت فيه المنافع؛ فصار/ المكلّف مقطوعا على تعريضه لاثنتين من المنافع؛ ومجوّزا تكامل الثلاث له؛ فأما من ليس بمكلّف فمقطوع فيه على إحدى المنافع، وهى التفضّل من حيث
стр. 77
خلق حيا، ومسكّن من كثير من المنافع، ومشكوك فى تعريضه للعوض من الوجه الّذي بيّنا.
وكما قطعنا على إحدى المنافع فيه، فنحن قاطعون أيضا على نفى التعريض للثواب عنه، لفقد ما يوصّل (١) إليه وهو التكليف، ولا بد فى كل حىّ محدث أن يكون معرّضا لإحدى هذه المنافع، أو لجميعها؛ وإنما أوجبنا (٢) ذلك من جهة حكمة القديم تعالى؛ لا من جهة أنه يستحيل [فى نفسه، وإنما قلنا إنه ليس يستحيل] (٣)؛ لأن كونه حيا وعاقلا وذا شهوة وقدرة ليس منفعة بنفسه، وإنما يكون منفعة ونعمة إذا فعل تعريضا للنفع؛ فأما إذا فعل تعريضا للضرر أو لأوجه من الوجوه، فإنه لا يكون نعمة ولا منفعة، وأوجبناه من جهة حكمة القديم تعالى، لأنه إذا جعل الحىّ بهذه الصفات، فلا يخلو من أن يكون أراد بها نفعه أو ضرّه، أو لم يرد بها شيئا، فإن كان الأول فهو الّذي أوجبناه، وإن كان الثانى أو الثالث فالقديم تعالى متنزه (٤) عنهما، لأنّ الثانى يجرى مجرى الظلم، والثالث هو العبث بعينه، وقد يشارك القديم تعالى فى النفع بالتفضّل والعوض الفاعلون المحدثون، ولا يصح أن يشاركوه فى النفع بالثواب، لأن الصفة التى يستحق المكلّف لكونه عليها الثواب، وهى كون الفعل شاقّا عليه لا يكون إلّا من قبله تعالى، وليس لأحد أن يظن فيمن يهدى إلى الدين ويرشد إلى الإيمان، وما يستحقّ به الثواب أنه معرّض للثواب، وذلك أن (٥) المكلّف قد يكون معرّضا للثواب، ويصح أن يستحقه من دون كل هداية وإرشاد يقع منّا، ولولا الصفة التى جعله الله تعالى عليها لم يصحّ (٦) أن يستحقّه، فبان الفصل بين الأمرين؛ على أنّ أحدنا وإن نفع غيره بالتفضل وبالتعريض للعوض فهذه المنافع منسوبة إلى الله تعالى، ومضافة إليه من قبل أنه لولا نعمه ومنافعه لم تكن هذه منافع ولا نعما؛ ألا ترى أنه لو لم يخلق الحياة والشهوة/ لم يكن ما يوصل إليهما مما ذكرنا منفعة ولا نعمة، ولو لم يخلق المشتهى الملذوذ لم يكن سبيل لنا إلى النفع والإنعام؛ فبان بهذه الجملة ما قصدناه.
стр. 78
[٥] مجلس آخر [المجلس الخامس: ]
تأويل آية: [كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ .]
إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله ﵎ مخبرا عن مهلك قوم فرعون وتوريثه نعمهم: كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ. فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ؛ [الدخان: ٢٨، ٢٩].
وكيف يجوز أن يضيف البكاء إليهما، وهو لا يجوز فى الحقيقة عليهما؟ .
الجواب، يقال له فى هذه الآية وجوه أربعة من التأويل:
أوّلها أنه تعالى أراد أهل السماء والأرض فحذف كما حذف فى قوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ [يوسف: ٨٢]؛ وفى قوله تعالى حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها؛ [محمد: ٤] وأراد أهل القرية، وأصحاب الحرب، ويجرى ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، يريدون: السخاء سخاء حاتم؛ قال الحطيئة (١):
وشرّ المنايا ميّت وسط أهله ... كهلك الفتى قد أسلم الحىّ حاضره (٢)
أراد شر المنايا ميتة (٣) ميّت؛ وقال الآخر:
стр. 79
قليل عيبه والعيب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ غفور (١)
أراد: غنى ربّ غفور؛ وقال ذو الرّمة:
لهم مجلس صهب السّبال أذلّة ... سواسية أحرارها وعبيدها (٢)
أراد أهل مجلس، وأما قوله: «صهب السّبال» فإنما أراد به الأعداء، والعرب تصف الأعداء بذلك، وإن لم يكونوا صهب الأسبلة، وقوله: «سواسية» يريد أنهم مستوون متشابهون؛ ولا يقال هذا إلا فى الذم.
وثانيها أنه أراد تعالى المبالغة فى وصف القوم بصغر القدر، وسقوط المنزلة؛ لأنّ العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك (٣) قالت: كسفت الشمس لفقده، وأظلم القمر، وبكاء
стр. 80
الليل والنهار والسماء والأرض، يريدون بذلك المبالغة فى عظم الأمر وشمول ضرره؛ قال جرير يرثى عمر بن عبد العزيز (١):
стр. 81
/ الشّمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكى عليك نجوم الليل والقمرا (١)
وقال يزيد بن مفرّغ الحميرىّ:
الرّيح تبكى شجوها ... والبرق يلمع (٢) فى الغمامة (٣)
وهذا صنيعهم فى وصف كل أمر جلّ خطبه، وعظم موقعه؛ فيصفون النهار بالظلام، وأن الكواكب طلعت نهارا
لفقد نور الشمس وضوئها؛ قال النابغة:
تبدو كواكبه والشّمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام (٤)
وقال طرفة:
إن تنوّله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجرى بالظهر (٥)
ومن هذا قولهم: لأرينّك الكواكب بالنهار، ومعناه أورد عليك ما يظلم له فى عينك النهار، فتظنّه ليلا ذا كواكب.
فأما بيت جرير فقد قيل فى انتصاب النجوم والقمر (٦) وجوه ثلاثة: أحدهما أنه أراد أن الشمس طالعة وليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل والقمر، لأن عظم الرزء قد سلبها ضوأها؛ فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب. والوجه الثانى أن يكون انتصاب ذلك كما ينتصب فى قولهم: لا أكلمك الأبد، والدهر، وطوال المسند (٧)، وما جرى مجرى ذلك، فكأنه أخبر
стр. 82
بأنّ الشمس تبكيه ما طلعت النجوم وظهر القمر (١). والوجه الثالث أن يكون القمر ونجوم الليل باكين الشمس على هذا المرثىّ المفقود، فبكتهن؛ أى غلبتهنّ بالبكاء؛ كما تقول: باكاني عبد الله فبكيته، وكاثرنى فكثرته، أى غلبته وفضلت عليه.
وثالثها أن يكون معنى الآية الأخبار عن أنه لا أحد أخذ بثأرهم ولا انتصر لهم، لأن العرب كانت لا تبكى على قتيل
إلا بعد الأخذ بثأره، وقتل من كان بواء به من عشيرة القاتل، فكنّى تعالى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار، والأخذ بالثأر؛ على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن.
ورابعها أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم فى الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء.
ويطابق هذا التأويل ما روى عن ابن عباس رحمة الله عليه/ فى قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ قيل له: أو تبكيان على أحد؟ فقال: نعم، مصلّاه فى الأرض، ومصعد عمله فى السماء. وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «ما من مؤمن إلّا وله باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه»، ومعنى البكاء هاهنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال: بكى منزل فلان بعده، قال ابن مقبل:
لعمر أبيك لقد شاقنى ... مكان حزنت له أو حزن
وقال مزاحم العقيلىّ:
بكت دارهم من أجلهم وتهلّلت ... دموعى فأىّ الجازعين ألوم (٢)
أمستعبرا يبكى من الهون والبلى ... وآخر يبكى شجوه ويئيم (٣)
стр. 83
فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر الله عن بوارهم مقام صالح فى الأرض، ولا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال: فما بكت عليهم السماء والأرض.
ويمكن فى الآية وجه خامس، وهو أن يكون البكاء فيها كناية عن المطر والسّقيا؛ لأن العرب تشبّه المطر بالبكاء، ويكون معنى الآية أنّ السماء لم تسق قبورهم، ولم تجد عليهم بالقطر؛ على مذهب العرب المعروف فى ذلك؛ لأنهم كانوا يستسقون السحائب لقبور من فقدوه من أعزّائهم، ويستنبتون لمواقع حفرهم الزّهر والرّياض؛ قال النابغة:
فلا زال قبر بين تبنى وجاسم ... عليه من الوسمىّ طلّ ووابل (١)
فينبت حوذانا وعوفا منوّرا ... سأتبعه من خير ما قال قائل (٢)
وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام (٣)، ومسألة الله تعالى لهم الرضوان، والفعل الّذي أضيف إلى السماء- وإن كان لا يجوز إضافته إلى الأرض- فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن يقدر لها فعل يصح نسبه إليها، والعرب تفعل مثل هذا؛ قال الشاعر:
يا ليت زوجك فى الوغى ... متقلّدا سيفا ورمحا (٤)
стр. 84
فعطف الرمح على السيف، وإن كان التقلّد لا يجوز فيه، لكنه أراد حاملا رمحا، ومثل هذا يقدّر/ فى الآية، فيقال: إنه تعالى أراد أن السماء لم تسق قبورهم، وأن الأرض لم تعشب عليها (١)؛ وكلّ هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله تعالى ورضوانه.
تأويل خبر [عن النبي ص أنه قال: «إنّ أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ]
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إنّ أحبّ الأعمال إلى الله أدومها (٢) وإن قلّ؛ فعليكم من الأعمال بما تطيقون؛ فإنّ الله لا يملّ حتّى تملوا».
وفى وصفه (٣) ﵇ الله تعالى بالملل وجوه أربعة:
أوّلها أنه أراد نفى الملل عنه، وأنه لا يملّ أبدا، فعلّقه بما لا يقع على سبيل التبعيد كما قال الله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛ [الأعراف ٤٠].
وقال الشاعر:
فإنّك سوف تحكم أو تناهى (٤) ... إذا ما شبت أو شاب الغراب (٥)
стр. 85
أراد أنك لا تحكم أبدا. فإن قيل: ومن أين قلتم: إن ما علقه به لا يقع حتى حكمتم بأنه أراد نفى الملل على سبيل التأبيد؟ قلنا: معلوم أنّ الملل لا يشمل البشر فى جميع آرابهم (١) وأوطارهم، وأنهم لا يعرون من حرص ورغبة وأمل وطمع، فلهذا جاز أن يعلّق ما علم تعالى أنه لا يكون بمللهم.
والوجه الثانى أن يكون المعنى أنه لا يغضب عليكم ويطرحكم حتى تتركوا العمل له، وتعرضوا عن سؤاله، والرغبة فى حاجتكم إلى جوده؛ فسمّى الفعلين مللا؛ وإن لم يكونا على الحقيقة كذلك؛ على مذهب العرب فى تسميتها الشيء باسم غيره إذا وافق معناه فى بعض الوجوه، قال عدىّ بن زيد العبادىّ:
ثمّ أضحوا لعب الدّهر بهم ... وكذاك الدّهر يؤدى بالرّجال (٢)
وقال عبيد بن الأبرص الأسدىّ:
سائل بنا حجر ابن أمّ قطام إذ ... ظلّت به السّمر الذّوابل تلعب (٣)
فنسبا اللّعب إلى الدهر والقنا تشبيها؛ وقال ذو الرّمة:
وأبيض موشيّ القميص نصبته ... على خصر مقلات سفيه جديلها (٤)
فسمّى اضطراب زمامها، وشدة تحركه سفها؛ لأن السفه فى الأصل هو الطيش وسرعة الاضطراب/ والحركة، وإنما وصف ناقته بالذكاء والنشاط. فأما قوله: «وأبيض موشيّ القميص» فإنما عنى به سيفه، وقميصه: جفنه، والمقلات: الناقة التى لا يعيش لها ولد.
والوجه الثالث أن يكون المعنى أنه تعالى لا يقطع عنكم فضله وإحسانه حتى تملّوا من سؤاله، ففعلهم ملل على الحقيقة، وسمّى فعله تعالى مللا، وليس بملل على الحقيقة للازدواج
стр. 86
ومشاكلة اللفظين (١) فى الصورة، وإن اختلفا فى المعنى، ومثل هذا قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ؛ [البقرة: ١٩٤]، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛ [الشورى: ٤٠]. ومثله قول الشاعر- وهو عمرو بن كلثوم التغلبىّ.
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٢)
وإنما أراد المجازاة على الجهل، لأن العاقل لا يفخر بالجهل ولا يتمدّح به.
والوجه الرابع أن يكون الراوى وهم وغلط من الضمّ (٣) إلى الفتح: وأن يكون قوله «يملّ» بالضمّ لا بالفتح، وعلى هذا يكون له معنيان: أحدهما أنه لا يعاقبكم بالنار حتى تملوا عبادته (٤) وتعرضوا عن طاعته، لأن الملّة هى مشتوى الخبز؛ يقال: ملّ الرجل الخبزة (٥) وغيرها يملّها ملّا إذا اشتواها فى الملّة. وقيل: إنّ الجمر لا يقال له ملّة حتى يخالطه رماد؛ والمعنى الثانى أن يكون أراد أنّه لا يسرع إلى عقابكم (٦)، بل يحلم عنكم ويتأنّى بكم حتى تملّوا حلمه، وتستعجلوا عذابه، بركوبكم المحارم وتتابعكم (٧) فى المآثم (٨).
***
стр. 87
[خبر حسد الفرزدق لليلى الأخيلية على أبيات قالتها]
[قال المرتضى رضى الله عنه]: روى أنه قيل للفرزدق: هل حسدت أحدا على شيء من الشعر؟ فقال: لا، لم أحسد على شيء منه إلّا ليلى الأخيلية فى قولها (١):
ومخرّق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما (٢)
حتى إذا برز اللّواء رأيته ... تحت اللّواء على الخميس زعيما (٣)
لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف ... لا ظالما أبدا ولا مظلوما (٤)
- ويروى: «إن ظالما أبدا وإن مظلوما» -
على أننى قد قلت:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب (٥)
/ سروا يخبطون اللّيل وهى تلفّهم ... إلى شعب الأكوار من كلّ جانب (٦)
إذا أبصروا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب (٧)
وليس أبيات الفرزدق بدون أبيات ليلى، بل هى أجزل ألفاظا، وأشدّ أسرا، إلا أن أبيات ليلى أطبع وأنصع؛ وقد كان الفرزدق مشهورا بالحسد على الشعر والاستكثار لقليله والإفراط فى استحسان مستحسنه.
стр. 88
[خبره مع الكميت حين عرض عليه أبياتا له من قصيدة]
وقد روى أن الكميت بن زيد الأسدىّ لما عرض على الفرزدق أبياتا من قصيدته التى أولها:
أتصرم الحبل حبل البيض أم تصل ... وكيف والشّيب فى فوديك مشتعل
لما عبأت لقوس المجد أسهمها ... حيث الجدود على الأحساب تنتضل (١)
أحرزت من عشرها تسعا وواحدة ... فلا العمى لك من رام ولا الشّلل (٢)
الشّمس أدّتك إلّا أنّها امرأة ... والبدر أدّاك إلّا أنه رجل (٣)
حسده الفرزدق، فقال له: أنت خطيب، وإنما سلّم له الخطابة ليخرجه عن أسلوب الشعر. ولما بهره من حسن الأبيات وأفرط بها إعجابه، ولم يتمكن من دفع فضلها جملة عدل فى وصفها إلى معنى الخطابة (٤).
стр. 89
وحسد الفرزدق على الشعر وإعجابه بجيده من أدلّ دليل على حسن نقده له وقوة بصيرته فيه، وأنّه كان يطرب للجيّد منه فضل طرب، ويعجب منه فضل عجب. ويدلّ أيضا على إنصافه فيه، وأنه مستقلّ للكثير الصادر من جهته، فإن كثيرا من الناس قد يبلغ بهم الهوى فى الإعجاب والاستحسان لما يظهر منهم فى شعر أو فضل إلى أن يعموا عن محاسن غيرهم فيستقلّوا منهم الكثير، ويستصغروا الكبير.
[خبره عند سليمان بن عبد الملك]
ولأبيات الفرزدق التى ذكرناها خبر مشهور متداول، أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة عن يونس قال:
دخل الفرزدق على سليمان (١) بن عبد الملك وعنده نصيب الشاعر، فقال له سليمان أنشدنى، فأنشده الأبيات التى تقدم ذكرها، فاسودّ وجه سليمان وغاظه/ فعله، وكان يظن أنه ينشده مديحا له، فلمّا رأى نصيب ذلك قال: ألا أنشدك؟ فأنشده:
стр. 90
أقول لركب قافلين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب (١)
قفوا خبّرونى عن سليمان إننى ... لمعروفه من أهل ودّان طالب (٢)
فعاجوا فأثنوا بالذّي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب (٣)
فقال له سليمان: أنت أشعر أهل جلدتك (٤)؛ وفى بعض الأخبار أنّ الفرزدق قال ذلك فى نصيب حين سأله عنه سليمان.
وروى أيضا أنه لما أنشد نصيب أبياته قال له سليمان: أحسنت، ووصله (٥) ولم يصل الفرزدق فخرج الفرزدق وهو يقول:
стр. 91
وخير الشّعر أكرمه رجالا ... وشرّ الشّعر ما قال العبيد (١)
ولا شبهة فى أنّ أبيات الفرزدق مقدمة فى الجزالة والرّصانة على أبيات نصيب؛ وإن كان نصيب قد غرّب (٢)
وأبدع فى قوله:
* ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب*
إلّا أنّ أبيات نصيب وقعت موقعها، ووردت فى حال تليق بها، وأبيات الفرزدق جاءت فى غير وقتها وعلى غير وجهها؛ فلهذا قدّمت أبيات نصيب.
والفرزدق مع تقدّمه فى الشعر وبلوغه فيه إلى الذّروة العليا، والغاية القصوى شريف الآباء، كريم البيت، له ولآبائه مآثر لا تدفع، ومفاخر لا تجحد. والفرزدق لقب لقّب به، وليس باسمه، وإنما لقّب بذلك لجهامة وجهه، وغلظه؛ لأنّ الفرزدقة هى القطعة الضخمة من العجين، وقيل: إنها الخبزة الغليظة التى يتّخذ منها النساء الفتوت (٣)، واسمه همام بن غالب، وكنيته أبو فراس، وقيل إنّه كان يكنى فى شبابه بأبى مكّية (٤) وهى أغرب كنيته (٥).
وكان شيعيّا (٦) مائلا إلى بنى هاشم، ونزع فى آخر عمره عما كان عليه من القذف (٧)
стр. 92
والفسق، وراجع طريقة الدين، على أنه لم يكن فى خلال (١) فسقه منسلخا من الدّين جملة، ولا مهملا لأمره أصلا.
[خبر تنسّكه فى آخر عمره وما قاله من شعر فى ذلك]
ومما يشهد لذلك ما أخبرنا به عليّ بن محمد الكاتب عن أبى بكر محمد بن يحيى الصولىّ عن أبى حفص الفلّاس
عن عبد الله بن سوّار/ عن معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال:
دخلت على الفرزدق، فجعلت أحادثه، فسمعت صوت حديد يتقعقع، فتأملت الأمر، فإذا هو مقيّد الرّجل (٢)، فسألته عن السبب فى ذلك، فقال: إنى آليت على نفسى ألّا أنزع القيد من رجلى، حتى أحفظ القرآن.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانيّ قال أخبرنى أبو ذرّ القراطيسىّ قال حدثنا ابن أبى الدّنيا قال حدّثني الرّياشىّ عن الأصمعىّ عن سلام بن مسكين قال: قيل للفرزدق؛ علام تقذف المحصنات؟ فقال: والله، لله أحبّ إلى من عينىّ هاتين، أفتراه يعذّبنى بعدها (٣)! .
وروى أنّه تعلّق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللّذين كان ارتكبهما، وقال:
ألم ترنى عاهدت ربّى وإنّنى ... لبين وتاج قائما ومقام (٤)
стр. 93
على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما ... ولا خارجا من فىّ زور كلام (١)
أطعتك يا إبليس سبعين حجة ... فلمّا انقضى عمرى وتمّ تمامى (٢)
فزعت إلى ربّى وأيقنت أنّنى ... ملاق لأيّام الحتوف حمامى (٣)
وروى الصّولى عن الحسين بن الفيّاض عن إدريس بن عمران قال: جاءنى الفرزدق، فتذاكرنا رحمة الله وسعتها؛ فكان أوثقنا بالله، فقال له رجل: ألك هذا الرجاء والمذهب وأنت تقذف المحصنات، وتفعل ما تفعل! فقال: أترونني لو أذنبت إلى أبوىّ، أكانا يقذفانى
стр. 94
فى تنوّر، وتطيب أنفسهما بذلك؟ قلنا: لا، بل كانا يرحمانك، قال: فأنا والله برحمة ربّى أوثق منى برحمتهما.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن إبراهيم (١) قال حدثنا عبد الله بن أبى سعد (٢) الورّاق قال حدّثني محمد بن محمد بن سليمان الطّفاوىّ (٣) قال: حدثنى أبى عن جدى قال: شهدت الحسن البصرىّ فى جنازة النّوار (امرأة الفرزدق) - وكان الفرزدق حاضرا- فقال له الحسن وهو عند القبر: يا أبا فراس، ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة، فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطّنب! . وفى رواية أخرى أنه قال له: نعم ما أعددت، ثم قال الفرزدق فى الحال:
/ أخاف وراء القبر- إن لم يعافنى- ... أشدّ من الموت التهابا وأضيقا (٤)
إذا جاءنى يوم القيامة قائد ... عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النّار مغلول القلادة أزرقا (٥)
يقاد إلى نار الجحيم مسربلا ... سرابيل قطران لباسا محرّقا
قال: فرأيت الحسن يدخل بعضه فى بعض، ثم قال: حسبك. ويقال إن رجلا رأى الفرزدق بعد موته فى منامه، فقال له ما فعل بك ربّك؟ فقال: عفا عنى بتلك الأبيات (٦).
стр. 95
[عود إلى خبره مع الكميت]
وأما ما يدلّ على تشيّعه وميله إلى بنى هاشم ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى عمر بن داود العمانىّ قال حدثنا محمد بن زكريا (١) الغلابىّ قال حدثنا مهدىّ بن سابق قال حدثنا أبو لبيد قال: جاء الكميت إلى الفرزدق فقال: يا عمّ إنى قد قلت قصيدة أريد أن أعرضها عليك، فقال له: قل، فأنشده:
* طربت وما شوقا إلى البيض أطرب*
فقال له الفرزدق: إلى من طربت، ثكلتك أمّك! فقال:
* ولا لعبا منّى وذو الشّيب يلعب*
ولم تلهنى دار ولا رسم منزل ... ولم يتطرّبنى بنان مخضّب
стр. 96
فقال له: إلى من طربت؟ فقال:
ولا أنا ممّن يزجر الطّير؛ همّه: ... أصاح غراب أم تعرّض ثعلب (١)
ولا السانحات البارحات عشيّة ... أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب (٢)
ولكن إلى أهل الفضائل والنّهى ... وخير بنى حوّاء، والخير يطلب
فقال له الفرزدق: هؤلاء بنو دارم، فقال الكميت:
إلى النّفر البيض الّذين بحبّهم ... إلى الله فيما نابنى أتقرّب
فقال الفرزدق: هؤلاء بنو هاشم، فقال الكميت:
بنى هاشم رهط النبىّ فإنّنى ... بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب (٣)
فقال له الفرزدق: والله لو جزتهم إلى سواهم لذهب قولك باطلا.
[خبر مديحه لعلي بن الحسين بن علي]
ومما يشهد لذلك ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا الحسن بن محمد قال حدّثني جدّى يحيى بن الحسن العلوىّ قال حدّثنا الحسين بن محمد بن طالب قال: حدّثني غير واحد من أهل الأدب أن عليّ بن الحسين ﵉ حجّ فاستجهر (٤) الناس جماله، وتشوّفوا له، وجعلوا يقولون: من هذا؟ فقال الفرزدق:
стр. 97
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التّقىّ النّقيّ الطّاهر العلم
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم (١)
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم (٢)
يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم (٣)
أىّ القبائل ليست فى رقابهم ... لأوّليّة هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا ... فالدّين من بيت هذا ناله الأمم (٤)
стр. 98
وفى رواية الغلابىّ أن هشام بن عبد الملك حج فى خلافة عبد الملك- أو الوليد- وهو حديث (١) السن، فأراد أن يستلم الحجر، فلم يتمكن من ذلك لتزاحم الناس عليه، فجلس ينتظر خلوة؛ فأقبل على بن الحسين ﵉، وعليه إزار ورداء، وهو من أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا، بين عينيه سجّادة، كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ الحجر تنحّى الناس له حتى يستلمه، هيبة له وإجلالا. فغاظ ذلك هشاما، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الّذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه- لئلا يرغّب فيه أهل الشام. فقال الفرزدق- وكان هناك حاضرا-: لكنى أعرفه، وذكر الأبيات، وهى أكثر مما رويناه؛ وإنما تركناها (٢) لأنها معروفة.
قال: فغضب هشام، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكّة والمدينة، وبلغ ذلك عليّ بن الحسين ﵉، فبعث إلى الفرزدق باثنى عشر ألف درهم وقال: اعذرنا/ يا أبا فراس، فلو كان عندنا فى هذا الوقت أكثر منها لوصلناك به، فردّها الفرزدق وقال: يا ابن رسول الله، ما قلت الّذي قلت إلا غضبا لله ورسوله، وما كنت لأرزأ (٣) عليه شيئا؛ فردها إليه وأقسم عليه فى قبولها وقال له: قد رأى الله مكانك، وعلم نيّتك، وشكر لك، ونحن أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه؛ فقبلها، وجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو فى الحبس؛ فمما هجاه به قوله:
تحبّسنى بين المدينة والّتي ... إليها رقاب النّاس يهوى منيبها (٤)
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد ... وعينا له حولاء باد عيوبها
стр. 99
[٦] مجلس آخر [المجلس السادس: ]
تأويل آية [وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً]
إن سأل سائل فقال: ما عندكم فى تأويل قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ؛ [هود: ١١٨، ١١٩].
وظاهر هذه الآية يقتضي أنّه تعالى ما شاء أن يكونوا أمة واحدة وأن يجتمعوا على الإيمان والهدى؛ وهذا بخلاف ما تذهبون إليه؛ ثم قال: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ فلا يخلو من أن يكون عنى أنّه للاختلاف خلقهم، أو للرحمة؛ ولا يجوز أن يعنى الرحمة؛ لأن الكناية عن الرحمة لا تكون بلفظة «ذلك»؛ ولو أرادها لقال: ولتلك خلقهم، فلما قال وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ كان رجوعه إلى الاختلاف أولى. وليس يبطل حمل الآية على الاختلاف من حيث لم يكن مذكورا فيها؛ لأن الرحمة أيضا غير مذكورة فيها، وإذا جعلتم قوله تعالى: إِلَّا مَنْ رَحِمَ دالّا على الرحمة فكذلك قوله: مُخْتَلِفِينَ دالّ على الاختلاف؛ على أن الرحمة هى رقة القلب والشفقة؛ وذلك لا يجوز على الله تعالى، ومتى تعدّى بها ما ذكرناه، لم يعن بها إلا العفو وإسقاط الضرر، وما جرى مجراه (١) عن مستحقّه، وهذا مما لا يجوز أن يكونوا مخلوقين له على مذهبكم، لأنه لو خلقهم للعفو لما حسن منه عقاب المذنبين ومؤاخذة المستحقين.
الجواب، يقال له: أما قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ فإنما عنى به المشيئة التى ينضمّ إليها الإلجاء، ولم يعن/ المشيئة على سبيل الاختيار، وإنما أراد تعالى أن يخبرنا عن قدرته، وأنه ممّن لا يغالب، ولا يعصى مقهورا؛ من حيث كان قادرا على إلجاء العبيد، وإكراههم على ما أراد منهم.
فأما لفظة «ذلك» فى الآية فحملها على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف؛ لدليل
стр. 100
العقل وشهادة اللفظ، فأما دليل العقل فمن حيث علمنا أنّه تعالى كره الاختلاف، والذّهاب عن الدين، ونهى عنه، وتوعّد عليه، فكيف يجوز أن يكون شائيا له، ومجريا (١) بخلق العباد إليه.
وأما شهادة اللفظ فلأنّ الرحمة أقرب الى هذه الكناية من الاختلاف، وحمل اللفظ على أقرب المذكورين إليها أولى فى لسان العرب.
فأما ما طعن به السائل، وتعلّق به من تذكير الكناية، وأنّ الكناية عن الرحمة لا تكون إلا مؤنثة فباطل، لأن تأنيث الرحمة غير حقيقى، وإذا كنى عنها بلفظ التذكير كانت الكناية على المعنى، لأن معناها هو الفضل والإنعام؛ كما قالوا: سرّنى كلمتك، يريدون سرّنى كلامك، وقال الله تعالى: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي؛ [الكهف: ٩٨]؛ ولم يقل «هذه»، وإنما أراد هذا فضل من ربى؛ وقالت الخنساء:
فذلك يا هند الرّزيّة فاعلمى ... ونيران حرب حين شبّ وقودها (٢)
أرادت الرّزء؛ وقال امرؤ القيس:
برهرهة رؤدة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر (٣)
فقال: «المنفطر» ولم يقل المنفطرة، لأنه ذهب إلى الغصن؛ وقال الآخر:
هنيئا لسعد ما اقتضى بعد وقعتى (٤) ... بناقة سعد والعشيّة بارد
فذكّر الوصف: لأنه ذهب إلى العشىّ؛ وقال الآخر:
قامت تبكّيه على قبره ... من لى من بعدك يا عامر (٥)
стр. 101
تركتنى فى الدّار ذا غربة (١) ... قد ذلّ من ليس له ناصر
فقال: «ذا غربة» ولم يقل ذات غربة، لأنه أراد شخصا ذا غربة؛ وقال زياد الأعجم:
/ إنّ الشّجاعة والسّماحة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطّريق الواضح (٢)
فقال: «ضمنّا» ولم يقل ضمّنتا؛ قال الفرّاء: لأنه ذهب إلى أنّ السماحة والشجاعة مصدران، والعرب تقول: قصارة الثوب يعجبنى؛ لأن تأنيث المصادر يرجع إلى الفعل، وهو مذكر.
وقال الفرزدق:
تجوب بنا الفلاة إلى سعيد ... إذا ما الشّاة فى الأرطاة قالا (٣)
فذكّر الوصف، لأنه أراد التيس؛ فأما الأرطاة فهى واحدة الأرطى، وهى (٤) شجر ينبت فى الرمل تستظل بظلاله الظباء من الحرّ، وتأوى إليه، قال الشماخ:
إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازى بالرّمل عين (٥)
стр. 102
وقوله: «قالا» من القيلولة لا من القول، على أن قوله تعالى: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ كما يدلّ على الرحمة يدلّ أيضا على «أن يرحم»، فإذا جعلنا الكناية بلفظة «ذلك» عن أن يرحم كان التذكير فى موضعه؛ لأن الفعل مذكر، ويجوز أيضا أن يكون قوله تعالى وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ كناية عن اجتماعهم على الإيمان، وكونهم فيه أمة واحدة؛ ولا محالة أنّه لهذا خلقهم؛ ويطابق هذه الآية قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ؛ [الذاريات: ٥٦].
وقد قال قوم فى قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً معناه أنه لو شاء أن يدخلهم أجمعين الجنة، فيكونوا فى وصول جميعهم إلى النعيم أمة واحدة، وأجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها؛ [السجدة: ١٣].
فى أنه أراد: هداها إلى طريق الجنة، فعلى هذا التأويل أيضا يمكن أن ترجع لفظة «ذلك» إلى إدخالهم أجمعين إلى الجنة، لأنه إنما خلقهم للمصير إليها والوصول إلى نعيمها.
فأما قوله تعالى: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ فمعناه الاختلاف فى الدين والذهاب عن الحق فيه بالهوى والشبهات.
وذكر أبو مسلم ابن بحر فى قوله: مُخْتَلِفِينَ وجها غريبا وهو أن يكون معناه أن خلف هؤلاء الكافرين يخلف سلفهم فى الكفر، / لأنه سواء قولك: خلف بعضهم بعضا، وقولك: اختلفوا (١)، وسواء قولك: قتل بعضهم بعضا، واقتتلوا؛ ومنه قولهم: لا أفعل كذا ما اختلف العصران والجديدان، أى جاء كلّ واحد منهما بعد الآخر.
فأمّا الرحمة فليست رقة القلب كما ظنه السائل، لكنها فعل النّعم والإحسان، يدلّ على ذلك أنّ من أحسن إلى غيره، وأنعم عليه يوصف بأنه رحيم به، وإن لم يعلم منه رقة قلب عليه، بل وصفهم بالرحمة من لا يعهدون منه رقّة القلب أقوى من وصفهم الرقيق القلب بذلك؛ لأنّ مشقة النعمة والفضل والإحسان على من لا رقّة عنده أكبر منها على الرقيق القلب، وقد علمنا أنّ من رقّ قلبه لو امتنع من الإفضال والإحسان لم يوصف بالرحمة، وإذا أنعم
стр. 103
وصف بذلك، فوجب أن يكون معناها ما ذكرناه؛ على أنه لا يمتنع أن يكون معنى الرحمة فى الأصل ما ذكرتم (١)، ثم انتقل بالتعارف إلى ما ذكرناه كنظائره. وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه هدى ورحمة من حيث كان نعمة، ولا يتأتّى فى القرآن ما ظنوه (٢)؛ وإنما وصفت رقة القلب بأنها رحمة؛ لأنّها ممّا تجاوره الرحمة التى هى النعمة فى
الأكثر، وتوجد عنده، فحلّ محلّ وصف الشهوة بأنّها محبة لمّا كانت توجد عندها المحبة فى الأكثر؛ وليست الرحمة مختصة بالعفو؛ بل تستعمل فى ضروب النّعم، وصنوف الإحسان؛ ألا ترى أنّا نصف المنعم على غيره، المحسن إليه بالرحمة، وإن لم يسقط عنه ضررا، ولا تجاوز له عن زلّة؛ وإنما سمى العفو عن الضرر وما جرى مجراه رحمة من حيث كان نعمة؛ لأنّ النعمة بإسقاط الضرر تجرى مجرى النعمة بإيصال النفع، فقد بان بهذه الجملة معنى الآية، وبطلان ما ضمنه السائل سؤاله.
فإن قيل: إذا كانت الرحمة هى النعمة، وعندكم أن نعم الله تعالى شاملة للخلق أجمعين، فأىّ معنى لاستثناء مَنْ رَحِمَ من جملة المختلفين إن كانت الرحمة هى النعمة؟ وكيف يصحّ اختصاصها بقوم دون قوم وهى عندكم شاملة عامّة؟
قلنا: لا شبهة فى أنّ نعم الله شاملة للخلق أجمعين؛ غير أنّ فى نعمه أيضا ما يختصّ بها بعض العباد (٣)، إما لاستحقاق، أو لسبب يقتضي الاختصاص/ فإذا حملنا قوله تعالى:
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ على النعمة بالثواب، فالاختصاص ظاهر، لأن النعمة به لا تكون إلا مستحقّة، فمن استحقّ الثواب بأعماله وصل إلى هذه النعمة، ومن لم يستحقّه لم يصل إليها.
وإن حملنا الرحمة فى الآية على النعمة بالتوفيق للايمان واللطف الّذي وقع بعده فعل الإيمان كانت هذه النعمة أيضا مختصّة، لأنّه تعالى إنما لم ينعم على سائر المكلّفين بها؛ من حيث
стр. 104
لم يكن فى معلومه تعالى أنّ لهم توفيقا، وأنّ فى الأفعال ما يختارون عنده الإيمان؛ فاختصاص هذه النعم ببعض العباد لا يمنع من شمول نعم أخر لهم؛ كما أن شمول تلك النعم لا يمنع من اختصاص هذه.
تأويل خبر [«ممّا أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى إذا لم تستحى فاصنع ما شئت» .]
روى أبو مسعود البدرىّ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «ممّا أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى إذا لم تستحى فاصنع (١) ما شئت».
وفى هذا الخبر وجوه من التأويل ثلاثة:
أحدها أن يكون معناه: إذا عملت العمل لله جلّ وعزّ وأنت لا تستحيى من الناظرين إليك، ولا تتخوّفهم (٢) أن ينسبوك فيه إلى الرياء صنعت ما شئت، لأن فكرك فيهم، ومراقبتك لهم يقطعانك عن استيفاء شروط عملك، ويمنعانك من القيام بحدوده وحقوقه؛ وإذا اطّرحت الفكر توفّرت على استيفاء عملك.
والوجه الثانى أنّ من لم يستحى من المعاير والمخازى والفضائح صنع ما شاء، والظاهر (٣) ظاهر أمر، والمعنى معنى تغليظ وإنكار؛ مثل قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛ [فصلت: ٤٠]، وقوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ؛ [الكهف: ٢٩]؛ وهذا نهاية التغليظ والزجر والإخبار عن كبر (٤) الذنب فى اطّراح الحياء؛ ويجرى مجرى قولهم: بعد أن فعل فلان كذا فليفعل ما يشاء، وبعد أن أقدم على كذا فليقدم على ما شاء؛ والمعنى المبالغة فى عظم ما ارتكبه، وقبح (٥) ما اقترفه.
والوجه الثالث أن يكون معنى الخبر إذا لم تفعل ما تستحيى منه فافعل ما شئت؛
стр. 105
فكأنّ معنى (١) الخبر إذا لم تفعل قبيحا فافعل ما شئت، لأنه لا قبيح (٢) من ضروب القبائح إلا والحياء يصاحبه، ومن شأن فاعله إذا قرع به أن يستحيى منه، فمتى جانب/ الإنسان ما يستحى منه من أفعاله فقد جانب سائر القبائح، وما عدا القبيح من الأفعال فهو حسن.
ويجرى هذا مجرى خبر يروى فيما أظن عن نبينا ﵇ أنّ رجلا جاءه (٣) فاسترشده إلى خصلة يكون فيها جماع الخير، فقال له ﵇: «أشترط عليك ألّا تكذبنى، ولن أسألك (٤) ما وراء ذلك»، فهان على الرجل ترك الكذب خاصّة، والمعاهدة على اجتنابه دون سائر القبائح، وشرط على نفسه ذلك، فلمّا انصرف جعل كلّما همّ بقبيح يفكّر (٥) ويقول: أرأيت لو سألنى عنه النبي صلى الله عليه وآله ما كنت قائلا له، لأننى إن صدقته افتضحت، وإن كذبته نقضت العهد بينى وبينه؛ فكان ذلك سببا لاجتنابه لسائر القبائح (٦)، وهكذا معنى الخبر الّذي تأوّلناه؛
لأن فى اجتناب ما يستحى منه اجتنابا لسائر القبائح.
стр. 106
تأويل خبر آخر [خبر على بن أبى طالب ومارية القبطية، وتفسير ما ورد فيه من غريب]
روى محمد بن الحنفيّة رحمة الله عليه عن أبيه أمير المؤمنين ﵇ قال: كان قد كثّر على مارية القبطيّة أم إبراهيم فى ابن عم لها قبطىّ كان يزورها، ويختلف إليها، فقال لى النبي صلى الله عليه وآله: «خذ هذا السيف وانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله». قلت:
يا رسول الله، أكون فى أمرك إذا أرسلتنى كالسّكّة (١) المحمّاة، أمضى لما أمرتنى، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال لى النبي صلى الله عليه وآله: «بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب». فأقبلت متوشّحا (٢) بالسيف، فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما أقبلت نحوه عرف أنى أريده، فأتى نخلة فرقى إليها، ثم رمى بنفسه على قفاه، وشغر برجليه، فإذا إنه أجبّ أمسح، ماله ممّا للرجال قليل ولا كثير، قال: فغمدت السيف ورجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته، فقال: «الحمد لله الّذي يصرف (٣) عنّا أهل البيت».
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: فى هذا الخبر أحكام وغريب، ونحن نبدأ بأحكامه، ثم نتلوها بغريبه.
فأول ما فيه أن لقائل أن يقول: كيف يجوز أن يأمر الرسول ﵇ بقتل رجل على التّهمة (٤) بغير بينة ولا ما يجرى مجراها؟ والجواب عن ذلك أن القبطىّ جائز أن يكون من أهل/ العهد الذين أخذ عليهم أن تجرى فيهم (٥)
أحكام المسلمين، وأن يكون الرسول ﵇ تقدم إليه بالانتهاء عن الدخول إلى مارية، فخالف وأقام على ذلك، وهذا نقض للعهد، وناقض
стр. 107
العهد من أهل الكفر مؤذن بالمحاربة؛ والمؤذن بها مستحقّ للقتل.
فأما قوله: «بل [الشاهد يرى ما لا يرى الغائب] (١)» فإنما عنى به رؤية العلم لا رؤية البصر لأنه لا معنى فى هذا الموضع لرؤية البصر، فكأنه عليه وآله السلام قال: بل الشاهد يعلم؛ ويصحّ له من وجه الرأى والتدبير ما لا يصحّ للغائب؛ ولو لم يقل ذلك لوجب قتل الرجل على كل حال، وإنما جاز منه ﵊ أن يخيّر بين قتله والكفّ عنه، ويفوض الأمر فى ذلك إلى أمير المؤمنين ﵇ من حيث لم يكن قتله من الحدود والحقوق، التى لا يجوز العفو عنها، ولا يسع إلا إقامتها، لأن ناقض العهد ممّن إلى الإمام القائم بأمر (٢) المسلمين إذا قدر عليه قبل التوبة أن يقتله، أو أن يمنّ عليه.
ومما فيه أيضا من الأحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول صلى الله عليه وآله لا يقتضي الوجوب، لأنه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه؛ وفى حسنها ووقوعها موقعها دلالة (٣) على أنها لا تقتضى ذلك.
ومما فيه أيضا من الأحكام دلالته على أنه لا بأس بالنظر إلى عورة الرجل عند الأمر ينزل فلا يوجد من النظر إليها بدّ إمّا لحدّ يقام، أو لعقوبة تسقط، لأن العلم بأنه أمسح أجبّ لم يكن إلا عن تأمّل ونظر، وإنما جاز التأمل والنظر لتبيين: هل هو ممّن يكون منه ما قرف به أولا، والواجب على الإمام فيمن شهد عليه بالزنا، وادّعى أنه مجبوب أن يأمر بالنظر إليه، وتبيين أمره، وبمثله أمر النبي صلى الله عليه وآله فى قتل مقاتلة بنى قريظة، لأنه أمر أن ينظروا إلى مؤتزر، وكلّ من أشكل عليهم أمره، فمن وجدوه قد أنبت قتلوه، ولولا جواز النظر إلى العورة عند الضرورة لما قامت شهادة الزنا؛ لأن من رأى رجلا مع امرأة واقعا عليها متى لم يتأمل أمرهما حقّ التأمل لم تصحّ
شهادته، ولهذا قال النبي
стр. 108
صلى الله عليه وآله لسعد بن عبادة، وقد سأله عمّن وجد مع امرأته رجلا، أيقتله؟ / فقال صلى الله عليه وآله: لا، حتى يأتى بأربعة شهداء، ولو لم يكن للشهداء إذا حضروا تعمّد النظر إلى عورتيهما لإقامة الشهادة كان حضورهم كغيبتهم، ولم تقم شهادة الزّنا؛ لأن من شرطها مشاهدة العضو فى العضو كالميل فى المكحلة.
فإن قيل: كيف جاز لأمير المؤمنين الكفّ عن القتل، ومن أى جهة آثره لما وجده أجبّ، وأىّ تأثير لكونه أجبّ فيما استحقّ به القتل وهو نقض العهد؟ قلنا: إنه ﵇ لما فوّض إليه الأمر فى القتل والكفّ كان له أن يقتله على كلّ حال، وإن وجده أجبّ؛ لأنّ كونه بهذه الصفة لا يخرجه من نقض العهد، وإنما آثر الكفّ الّذي كان إليه، ومفوّضا إلى رأيه، لإزالة التهمة والشك الواقعين فى أمر مارية، ولأنه أشفق من أن يقتله، فيتحقّق الظنّ ويلحق بذلك العار، فرأى ﵇ أن الكفّ أولى لما ذكرناه.
فأمّا غريب الحديث (١) فقوله: «شغر [برجليه» يريد رفعهما] (٢)، وأصله فى وصف الكلب إذا رفع رجله للبول، فأما نكاح الشّغار (٣) - وقد قيل الشّغار بالفتح- فهو أن يزوّج الرجل من هو ولىّ لها من بنت أو أخت غيره، على أن يزوجه بنته أو أخته بغير مهر. وكان أحد العرب فى الجاهلية يقول للآخر: شاغرنى؛ أى زوّجنى حتى أزوّجك؛ وأظنه مأخوذا من الشّغر الّذي هو رفع الرجل، لأن النكاح فيه معنى الشّغر، فسمّى هذا العقد شغارا ومشاغرة، لإفضائه فى كل واحد من المزوّجين (٤) إلى معنى الشّغر، وصار اسما لهذا النكاح كما قيل فى الزنا سفاح، لأن الزانيين يتسافحان الماء، أى يسكبانه، والماء هو النّطفة، ويمكن أن يكون أيضا الماء الّذي يغتسلان به، فكنّى بذلك عن الزناء (٥) ثم صار اسما له وعلما عليه.
стр. 109
ومن الشّغر الّذي هو رفع الرجل قول زياد لابنة معاوية، وكانت عند ابنه، فافتخرت يوما عليه، وتطاولت، فشكاها إلى أبيه زياد، فدخل عليها بالدّرّة يضربها، ويقول لها أشغرا وفخرا! وأما قول الفرزدق:
شغّارة تقذ الفصيل برجلها ... فطّارة لقوادم الأبكار (١)
/ فإنه من غريب شعره، وفسره قال: معنى «شغارة» أنها ترفع رجلها للبول، وقوله: «تقذ الفصيل برجلها»، أى تركله وتدفعه عن الدنوّ إلى الرّضاع، ليتوفّر اللبن على الحلّب، وأراد «بتقذه» (٢)، أى تبالغ فى إيلامه وضربه، ومنه الموقوذة (٣)؛ فأما قوله: «فطّارة لقوادم الأبكار»، فالفطر هو الحلب بثلاث أصابع، والقوادم هى الأخلاف، وإنما خصّ الأبكار بذلك؛ لأنّ صغر أخلافها يمنع من حلبها ضبّا (٤)، والضبّ هو الحلب بالأصابع الأربع (٥)؛ فكأنه لا يمكن فيها لقصر أخلافها إلا الفطر؛ ومعنى البيت تعييره نساء جرير بأنهنّ راعيات، وذلك مما تعيّر به العرب النساء؛ ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت:
كم عمّة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت عليّ عشارى (٦)
كنا نحاذر أن تضيع لقاحنا ... ولها إذا سمعت دعاء يسار (٧)
ثم تلا ذلك بقوله: شغارة ...
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوه: وعندى أن قوله «شغّارة» كناية عن رفع رجلها للزنا، وهو أشبه بأن يكون مراده فى هذا الموضع، ألا ترى أنه قد وصفها بالوله، وترك
стр. 110
حفظ اللّقاح عند سماعها دعاء يسار؛ ويسار اسم لراع؛ فكأنه قد وصفها بالوله إلى الزّنا والإسراع إليه، وترك حفظ ما استحفظته من اللّقاح؛ فالأشبه أن يكون قوله: «شغّارة» - مع كونه عقيب البيت الّذي ذكرناه- محمولا على ما أشرنا إليه.
فأما قولهم: ذهبوا شغر بغر فليس من هذا فى شيء وإنما يراد به أنهم ذهبوا متفرّقين متشتتين، ومثله ذهبوا عباديد وعبابيد، وشعاليل وشعارير وأيادى (١) سبا؛ كلّ ذلك بمعنى واحد.
وأما قوله: «فإذا أنه أجبّ»، فيعنى به المقطوع الذكر؛ لأن الجبّ هو القطع؛ ومنه بعير أجبّ إذا كان مقطوع السّنام: وقد ظن بعض من تأول هذا الخبر أن الأمسح هاهنا هو القليل لحم الألية، كالأرصع والأرسح والأزلّ (٢)، وهذا غلط، لأن الوصف بذلك لا معنى له فى الخبر، وإنما أراد تأكيد الوصف له بأنه/ أجبّ، والمبالغة فيه، لأن قوله: «أمسح» يفيد أنه مصطلم (٣) الذّكر، ويزيد على معنى أجبّ زيادة ظاهرة.
*** [ما قالته العرب فى أحوال القمر، وتفسير ما ورد فى ذلك من الغريب]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى القاسم بن الحسين الورّاق قال حدثنا سليمان ابن داود الطّوسىّ قال حدّثنا سوّار بن عبد الله القاضى عن الأصمعىّ قال: دخلت على