لتخصص أو لفئة على حساب التخصصات والفئات الأخرى، ولا بد من شرط حتى ولا المبتعث لبلده ومعتقده.
٦ - ومن الموازنات المهمة الموازنة بين دول الابتعاث، فلا نركز على جهة ونهمل أخرى حتى لا نقع أسرى لثقافة واحدة.
٧ - مراعاة سن المبتعث، ومدى الحاجة للتخصص من الأهمية بمكانهم لا يبتعث إلا من هو أهل للابتعاث، وفي تخصصات لم تتوفر بعد وتدعوا الحاجة إليها.
٨ - ومن الحصافة استمرار دورات للمبتعثين تعرفهم بما يجليهم، وتذكرهم رسالتهم بل توسع دائرة الدول والثقافات حتى لا تبقى تحت رحمة دولة أخرى، وحتى نستفيد من كافة التجارب والثقافات ونرسم لهم معالم النجاح، ونبصرهم بمواطن الخطر، ومخاطر الابتعاث، وتكشف لهم أسباب الإخفاق .. إلى غير ذلك من أمور يحتاج إليها المبتعث، ويلزم بها المبتعثون.
٩ - ولا بد بعد الابتعاث من رعاية ومتابعة تشعر المبتعث بجدية بعثته، ومتابعة من بعثه .. ولا بد كذلك من تقارير مستمرة عن المبتعث .. وهذا وإن تطلب جهدًا من الإدارة المعنية في وزارة التعليم العالي- في بلادنا- ومن الملحقيات الثقافية في الخارج .. فهو عنصر مهم من عناصر الترشيد.
١٠ - ولا بد من التذكير برعاية سياسة الدولة وفقها الله في التعليم فالانطلاق منها، يؤمن المسيرة بإذن الله، ويشكل حاجزًا عن تجاوز الحدود الشرعية، ويحقق التوازن بين تحصيل العلم والمعرفة وبين الحفاظ على القيم والاعتزاز بالهوية- فنحن أمة أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ..
نشكر الجهات المشرفة على الابتعاث حين تجتهد في رعاية المبتعثين بكل ما تحمله الرعاية من معان وشكرًا لسفاراتنا وملحقياتنا، ومراكزنا الإسلامية حين
стр. 3537
تكون عينًا ساهرة ومتابعة لهؤلاء المبتعثين والشكر يزجي جميلًا لكل مبتعث فهم رسالة المبتعث، وكان نموذجًا في جديته في الطلب ونجاحه أو إخفاقه- لا قدر الله- ليس ملكًا له وحده- بل لبلاده ومجتمعه وثقافته وإسلامه ..
стр. 3538
السلام شعارنا أهل الإسلام (١)
الحمد لله هو السلام ومنه السلام، وهو أهل الثناء والفضل والحمد في الأولى والآخرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحب المحسنين، ويجزي المتصدقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكمل الأمة خلقًا وأبرها قلبًا وأعفها لسانًا.
السلام مصطلح يشع منه الدفء والرحمة والحنان .. والسلام كلمة ذات معنى عظيم .. السلام اسم من أسماء الرحمن ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ والسلام تحية أهل الإسلام في الدنيا، وتحيتهم يوم يلقون ربهم- في الآخرة- سلام السلام شعارنا أهل الإسلام .. تذل به ألسنتنا ضمان ومسلم ونتقلب فيه في علاقاتنا وتحياتنا.
السلام كم يشيع من معان المحبة .. وكم يزرع من ألوان الثقة، تهدأ به النفوس، وتطمأن له القلوب، وتستقر به المجتمعات، والسلام هو المناخ المناسب للبناء الحضاري، والتقدم العلمي والاقتصادي بالسلام يأمن الخائف، ويؤمن المتخفي بإسلامه ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. ﴾ [النساء: ٩٤].
نحتاج للسلم في كل حال .. ونحتاج للمسلم حين تطعن لغة الحرب .. وتكون لغة القوة هي اللغة السائدة .. وفي هذه الأجواء تهلك الحرث والنسل وتتعطل المنافع .. ويحيق الخراب، وتهدر الطاقات .. وتتوقف الحياة وتشل حركة الأحياء ..
стр. 3539
إلا أن الذين يعشقون الحر بدون هدف نبيل قوم غلاظ الأكباد في مشاعرهم جفاء .. وفي أخلاقهم عوج .. لديهم أنانية، وفيهم حب للسيطرة .. وعندهم نزعة لفرض مبادئهم وأفكارهم بالقوة .. ولا حقق الله أماني من يريدون أن يقذفوا بغيرهم البحر .. أو يرجوا بهم في السجون (السلام) ما أعذب هذه الكلمة، وأعمق مدلولها .. إنها جزء مهم في الإسلام بل هي من خير الإسلام .. فقد سأل رجل النبي ﷺ أي الإسلام خير؟ فأجابه: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (١) هي تحيتنا أهل الإسلام منذ خلق الله أبانا آدم وقال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم، واستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك (٢).
وهي رمز وسبب للمحبة والتآلف وطريق إلى الجنة «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تأمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٣).
والسلام أحد مؤشرات الإيمان، وفي البخاري معلقًا- ووصله غيره- عن عمار بن ياسر ﵁ قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان .. الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار (٤).
إن في بذل السلام -لمن عرفت ومن لم تعرف-، من الصغير والكبير، والغني والفقير، والأبيض والأسود، والقريب والبعيد .. تواضعًا وصلة ومحبة توجب للعبيد رفعة الدرجات وتكفير السيئات .. فالمسلمان إذ التقيا وسلم كل منهما
стр. 3540
على الآخر تحاتت ذنوبهما كما يحت الشجر ورقه.
أجل لقد كان من هديه ﵊. السلام على الصبيان (١) وفي هذا تعويد لهم على الخير، وإشعار لهم بالمحبة، وتقدير لمشاعرهم .. وأكرم بذلك من تربية.
بل كان من هديه- ﵊ إشاعة السلام، فالصغير يسلم على الكبير والمار يسلم على القاعد، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير، (وأولى الناس بالله من بدأهم بالسلام) (٢).
وإذا ظن البعض أن السلام في القدوم على القوم فقط، فالسنة تصحح ذلك وتضيف السلام عند الانصراف، وفي هذا يقول ﵊: «إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم، وليست الأولى أحق من الآخرة» (٣).
وثمة تنبيه وملمح في السلام على المسلمين داخل المسجد، فبأيهما يبدأ بالتحية على المسلمين، أم بالتحية للمسجد؟ قال ابن القيم ﵀: ومن هديه ﷺ أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد، ثم يجيء فيسلم على القوم فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق الله تعالى، والسلام على الخلق هو حق لهم، وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم .. ثم ساق ابن القيم قصة الرجل المسيء في صلاته، والذي بدأ بتحية المسجد ثم السلام على النبي ﷺ كشاهد لهذا وعلى هذا- كما يقول ابن القيم- يسن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مترتبة: أن يقول عند دخوله: بسم الله
стр. 3541
والصلاة والسلام على رسول الله، ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يسلم على القوم (١).
أيها المسلمون وإشاعة السلام في بيوتنا ومع أهلنا وأولادنا أدب من آداب الإسلام، وسنة من سنن المصطفى ﷺ ، وهي كذلك في بيوت غيرنا ومع أهلها بل ننهي عن الدخول عليها بغير سلام واستئذان وفي ذلك يقول ربنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧].
عباد الله- ولأهمية السلام في الإسلام- يحمل ويبلغ لمن أوصى له بذلك .. ولقد حمل النبي ﷺ السلام من الله إلى خديجة ﵂ وبشرها ببيت في الجنة (متفق عليه).
وحمل ﵊ سلام جبريل ﵇ إلى عائشة ﵂ رواه البخاري (٢٤٤٧) وأكرم بنساء تحمل لهن السلام من السماء وفي ذلك إكرام الإسلام للمرأة- أيما إكرام-؟
وإذا حمل محمد ﷺ السلام فأمته حرية بحمل السلام وتبليغه وإقرائه .. فذلك نوع من الوصال والاتصال وإشاعة المحبة بين المسلمين. وإن حجبتهم ظروف الزمان أو المكان ومن أخطائنا التهاون في حمل السلام.
أيها المسلمون .. وإذا كان بدء السلام سنة وهو مؤشر لخيرية من بدأ فرد السلام واجب، ورد التحية بمثلها أو أحسن ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٩١].
إن رد التحية بأحسن منها تفاعل وإيجابية وتأكيد للمحبة .. وويل للمتكبرين
стр. 3542
الذي لا يريدون السلام، وإن ردوا فبنوع من البخل والكبر .. قد لا يسمع المسلم فيقع في نفسه شيء، وقد يسمعه لكن بكلمة مختصر .. أو بتعابير للوجه سيئة .. وقد يشير برأسه أو بيده .. متكبرًا عن الرد بلسانه والترحيب بكلماته.
كل ذلك خلاف هدي الإسلام في التأليف والمواساة بين المسلمين، وخلاف هدي محمد ﷺ الذي كان يبدأ من لقيه بالسلام، وإذا سلم عليه أحد رد عليه مثل تحيته أو أفضل منها، وعلى الفور دون تأخير .. إلا لعذر كصلاة أو قضاء حاجه، وكان يسمع المسلم رده عليه، ولم يكن يرد بيده ولا رأسه ولا أصبعه، إلا في الصلاة (١).
ومن الأخطاء الشائعة في السلام استبدال تحية الإسلام بغيرها كأن يبتدئ المسلم بالقول (صباح الخير، أو مساء الخير) أو نحوها من عبارات لا ترقى إلى مقام (السلام عليكم) ولا يؤجر صاحبها كما يؤجر على البدء بالسلام .. ومثل ذلك الاكتفاء بهز الرأس أو الإشارة باليد دون السلام ..
وخطأ آخر في رد السلام حين تستبدل (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) بأهلًا أو مرحبًا .. أو نحوها .. مما لا تفي بحق المسلم، ولا تصل إلى مرتبة (وعليكم السلام) إن بإمكانك أخي المسلم أن تضيف ما تشاء من عبارات التحية والتقدير والثناء والدعاء .. لكن بعد الإتيان بالواجب (وعليكم السلام).
أخي المسلم لا تحرم نفسك الأجر .. ولا تبخل على أخيك بمزيد الدعاء .. وحين تقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فقد خزن ثلاثين حسنة .. وكلما أقللت قلت الحسنات، فالسلام عليكم بعشر .. وفرق بين عشر وثلاثين.
وإذا جاد عليك أخوك بالسلام بالثلاثين .. فلا تبخل عليه في الرد بما دون
стр. 3543
ذلك والله يقول: ﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾.
ومن الأخطاء في السلام القول في ابتداء السلام: (عليك السلام) فتلك تحية الموتى، كما ورد أن أبا جرى الهجيمي أتى النبي ﷺ فقال: عليك السلام يا رسول الله، فقال: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى» (١).
ولأهل العلم كلام في تحرير هذه المسألة وتعليلها، فقد ذكروا أن الدعاء بالسلام دعاء خير، والأحسن في دعاء الخير أن تقدم الدعاء على المدعو له كقوله تعالى: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ ﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت﴾ ﴿سلام عليكم بما صبرتم﴾، وأما الدعاء بالشر فيقدم المدعو عليه على الدعاء غالبًا ﴿وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين﴾ ﴿عليهم دائرة السوء﴾ ﴿وعليهم غضب ولهم عذاب شديد﴾.
ولا ينبغي أن يفهم من الحديث: أن السلام على الموتى يبدأ (بعليكم السلام) فإن السنة أن تسلم عليهم كما يسلم على الأحياء (السلام عليكم درا قوم مؤمنين) وإنما قال ذلك النبي إخبارًا عن واقعهم والمشهور في أشعارهم كقول قائلهم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
وليس القصد أن ذلك مشروع .. بل السنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات (فليعلم) (٢).
والمهم أن يبدأ السلام بالدعاء .. ولا يبدأ بـ (عليكم).
أيها المسلمون وثمة أمر من الأهمية بمكان الإشارة إليه، وبيان الخلاف فيه،
стр. 3544
ألا وهو ابتداء السلام على أهل الكتاب، والرد عليهم، وقد عقد ابن القيم ﵀ فصلًا في هديه ﷺ في السلام على أهل الكتاب، وقال: صح عنه ﷺ أنه قال: «لا تبدأوهم بالسلام، وإذا لقيتمهوم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق» لكن قد قيل: إن هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال: «لا تبدؤوهم بالسلام» فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقًا، أو يختص بمن كانت حاله بمثل حال أولئك؟ هذا موضع نظر، ولكن قد روى مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق، فاضطروه إلى أضيقه» (١) والظاهر أن هذا حكم عام.
وقد اختلف السلف والخلف في ذلك، فقال أكثرهم: لا يُبدؤون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة وابن محيريز، وهو وجه في مذهب الشافعي ﵀، لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السلام عليك فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد: وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون له إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك، يروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وعلقمة. وقال الأوزاعي: إن سلمت، فقد سلم الصالحون، وإن تركت، فقد ترك الصالحون.
واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو الصواب،
стр. 3545
وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم، كما لا يجب على أهل البدع وأولى، والصواب الأول، والفرق أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيرًا لهم، وتحذيرًا منهم، بخلاف أهل الذمة.
وثبت عنه ﷺ أنه مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فسلم عليهم (١).
وصح عنه أنه كتب إلى هرقل وغيره: السلام على من اتبع الهدى (٢).