← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

بالعمل والإنتاج كل ذلك سلاح مهم في المعركة المحتدمة اليوم. على المسلمين اليوم أن ينازلوا عدوهم بما يستطيعون من عدة، وألا يستسلموا للصيحات المخزلة والمرجفة .. فالعدو يشعر بقوة الإسلام، ويتخوف من اجتماع المسلمين بل بات الذين خططوا للعولمة وبشروا بها يتخوفون من آثارها عليهم، وبات الذين يسيرون حركة التاريخ ونهضة الشعوب يتخوفون من استثمار العولمة للمسلمين للتبشير بدينهم وترحيل ثقافتهم للآخرين .. وهؤلاء الغرب يدركون أن الثقافة الإسلامية قابلة للانتشار والقبول، وأن الحضارة الإسلامية مؤهلة للقيادة والريادة. ومن هنا بدأت أصوات في الغرب تنادي بتخفيف الحماس للعولمة، بل وبعضها يصرح بـ (خيبات العولمة) وثمة محاولات جادة يقوم بها اليوم بعض أنصار العولمة لكبح جماحها وإغلاق الطريق على من يحاولون الاستفادة منها لقد باتوا يصرحون أن من الأسلم لنا أن نغلق الأبواب على هذا العالم ليبقى العالم الإسلامي في محيطه الضيق، بدل أن يتعمق في أرضنا ويهزم حضارتنا، ويسرق أضواء العولمة لصالحه؟ إنها أصوات لها ما يبررها، في دنيا الواقع .. فهل يقدر المسلمون حجتهم، وهل يدركون ما أدركه الآخرون من فاعلية حضارتهم وتأثير دينهم والقبول بمبادئهم. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].

стр. 3502

الخطبة الثانية إخوة الإيمان كيف نشعر بالعالمية ونستثمر العولمة وبعضنا لا يتجاوز في تفكيره ومشاعره حدود نفسه أو عشيرته .. بينما تمر أمتنا بالكرم ويمارس بحق إخواننا المسلمين الجرائم والموبقات العظام؟ إن النصرة للمظلوم حق مشروع في ديننا، وهو في لغة السياسة أسلوب من أساليب الدفاع عنا، وعدونا إذا نجح في احتلال أرض إخواننا وجيراننا فلن يتوقف مده الظالم عنا. إن أي أمة تنطوي على نفسها وتخاف أعداءها، وتنكمش على نفسها، يأكلها خصومها، ويعتبرونها مادة خامًا وطعمًا رخيصًا وذلك ما حذر عنه المصطفى ﷺ بتداعي الأمم على أمة الإسلام كما تداعى الأكلة على قصعتها. إن أي أمة مهما كانت حضارتها لا ترضى أن تكون (المائدة الرخيصة) للآخرين .. وأمة الإسلام بقيمها وحضارتها أشرف وأكرم وأعز وأقوى أن تكون (قصعة) يتنافسون الطامعون في أكلها .. وكأنها ثروة من ثرواتهم المستخرجة من أرضهم .. أو نصيبًا لأيتام يتنادى لسرقتها اللئام؟ وكيف نتطلع إلى عولمة أو عالمية نفتح بها قلوب وبلاد قوم آخرين- وفينا- معاشر المسلمين- من تقف سلوكياته المنحرفة وأخلاقه الرديئة سدًا في اقتناع غير المسلمين بالإسلام. كيف نتطلع إلى نقل العالمية في الدعوة للآخرين وفنيا معاشر المسلمين من قصر في دعوة أهله وعشيرته الأقربين؟ أو أبنائه وطلابه الدارسين؟ كيف نتطلع للعالمية في دعوة الآخرين وفينا معاشر المسلمين سماعون للقوم الكافرين؟ كيف وفينا من لو خرج معنا ما زادنا خروجه إلا خبالًا وأورثونا فتنة وبلاء؟

стр. 3503

كيف نمسح غبار الهزيمة ونتخلص من عار التبعية وفينا من يتكلمون بألسنتنا ويعيشون بيننا وقلوبهم مع غيرنا؟ كيف نحمي بلادنا ونمنع العدوان يحوس أوطاننا .. وفينا من يدلهم على العورات ويرشدهم إلى المعابر وأقرب الطرقات؟ إنها أدواء وأمرض لا نبد أن نتعافى منها، ونعالج من مرض أو ابتلي بشيء منها. أيها المسلمون ولم يعد سرًا من الأسرار أن الذين حاصروا المسلمين وغزو بلادهم وحاولوا بالقوة فرض وجودهم .. هم اليوم يعيشون في مآزق، وتلاحقهم التهم، وتزعجهم الاستنكارات الرافضة لسياستهم .. ويودون لو خرجوا من الأزمة بسلام يحمي سوآتهم ويعيد الثقة بهم .. كيف لا وهم في كل يوم يواجهون مشكلة .. ويسمعون أو يرون لافتات تندد بسيادتهم ومؤشرًا لاقتصاد بدأ يتحول للأسوأ نتيجة الإنفاق الكبير للحرب المدمرة والكتاب الغربيون يفصحون عن وضع متدن في الاقتصاد، ويكتب أحدهم مقالًا بعنوان (لا أمل ولا عمل) في جريدة نيويورك تايمز) ويقول إن أمريكا تمر بأطول زمن تراجع اقتصادي (١). وتشير لغة الأرقام أن تكلفة الجندي الأمريكي خارج أمريكا تكلف ربع مليون دولار في العام تقريبًا (٢). وثمة مبشرات للعالم الإسلامي توحي ببغضه ووعيه وتمهله من غطرسة المستعمرين، وتلك سيكون لها شأنها في المستقبل إن شاء الله فالحصار المادي لا يعني حصار القيم، والهزيمة العسكرية لفترة من الفترات لا تعني دوام النصر للمعتدين.

стр. 3504

فالمسلمون الذين أصيبوا في (أحد) وجدوا أنفسهم محاصرين وراء خندق ضيق ولكن الحصار المكاني لم يحاصر الفكرة، ولم يمت روح المقاومة، وفي غضون سنة قلب الحصار وانتقل المسلمون (بقيادة محمد ﷺ من الدفاع إلى الهجوم وعاد خصومهم الظالمون في دائرة الحصار وبين خيارات أحلاها فرٌّ، فإما أن يسمحوا للمسلمين بدخول مكة .. وإما أن يعقدوا معهم معاهدة يعترفون بقوتهم ويوقعون على عدم الهجوم عليهم. أيها المسلمون وفي مسلسل المبشرات للمسلمين أن لغة الإحصاءات تشير إلى زيادة في عدد المسلمين وانقراض في نسب أعدائهم .. واليوم يتحدث أحد أساتذة (اكسفورد) عن الوجود المتزايد للمسلمين في أوربا، وعن المسلمين المغاربة في أسبانيا، والجزائريين في فرنسا، والأتراك في ألمانيا والباكستانيين في بريطانيا ويقول: يكفي أنني اشتريت جريدة من بائع مسلم وملابس من مغسلة لمسلم، وأحضرت علاجي من صيدلية مسلم. كل هذا في شمال أوكسفورد (١). ومن هنا فلا يستغرب أن شرق قادة الغرب بالمسلمين .. وهاجموا وأغلقوا مراكزهم وأماكن عيادتهم .. ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره. إن على المسلمين أن يتقوا بربهم في النصرة والتمكين .. وعليهم قبل ذلك أن يصلحوا حالهم ويغيروا ما بأنفسهم، ويجمعوا كلمتهم وبالمعتقد الصحيح، وبالعلم الراشد والعمل الرشيد يتحقق للمسلمين ما وعدوا به. ومن الضعف أن يتعلقوا بمبتدعات لا أصل لها في الدين، ويقيموا احتفالات لم يأذن بها الشرع .. كمن يقيمون الاحتفالات في السابع والعشرين من شهر

стр. 3505

رجب ظنًا منهم أن ذلك زمن الإسراء والمعراج .. ولم يثبت من ذلك شيء .. والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى تصحيح المسار .. والتجاوز عن أمور شكلية إلى أمور جوهرية في الدين .. يبدأ العولمة بإصلاح نفسه- وفق تعاليم الإسلام الحقة- ثم يدعوا غيره للهدى والرشاد .. ولن يمكن المسلمون في الأرض حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ولله عاقبة الأمور .. اللهم أصلح أحوال المسلمين ..

стр. 3506

فتنة السيف (الفتنة والمخرج) (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أيها المسلمون: خلق الإنسان في كبد، وما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يسير على الأرض وما عليه خطيئة- أين هو صبر واحتسب، وجاهد واجتهد-. وعلى الدوام تحيط بالمسلم فتنة السراء ليمتحن على الشكر، وفتنة الضراء ليمحن على الصبر ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٣٥]. والسعيد -في خبر الذي لا ينطق عن الهوى- من جنب الفتن، فقد روى أبو داود بإسناد صحيح- عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: «أيم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهًا» (٢). وثمة أمران يكرههما ابن آدم وفيهما خير له، قال عنهما ﷺ : «اثنان يكرههما ابن آدم الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب» (٣).

стр. 3507

إن من يتأمل في كتاب أو يقرأ في تاريخ الشعوب والأمم، يرى كيف تعرض الفتن، وكيف يفتن الناس بأنواع البلايا، ففتنة بالعذاب، وأخرى بالأموال والأولاد، وثالثة بالجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ورابعة بالامتثال، وخامسة بالشبهات أو بالشهوات، وسادسة وسابعة بالغلو أو بالجفاء، وثامنة وتاسعة بالصدود والضلالة، أو التسليط والقهر والإبادة، وهكذا تكون الفتن ويبتلى الناس، ويعرف حينها الصادق من الكاذب والذين يصبرون ومن يجزعون ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ١٠]. بل لقد أخبر النبي ﷺ عن كثرة الفتن حتى قال: «لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة فاعدوا للبلاء صبرًا» (١). عباد الله: ومن البلايا والفتن التي امتحن بها المسلمون قديمًا ولا يزالون فتنة الاقتتال بين المسلمين، أو فتنة (السيف) وتلك التي حذر منها المصطفى ﷺ فقال: «إذا التقى المسلمان بسفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (٢). وعبد البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (٣).

стр. 3508

ولقد توقف العلماء عند هذه الفتن وحذروا منها غاية التحذير وأبانوا عن آثارها المرة ونتائجها السلبية على الإسلام والمسلمين، من أمثال وقعة الحرة، وفتنة ابن الأشعث التي قال عنها ابن كثير ﵀: «ولهذا لما كانت هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شر كبير، هلك فيه خلق كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون» (١). وتوقف الحافظ ابن حجر ﵀ مشيرًا إلى مذهب السلف الذي استفزوا عليه بعدما حدث من الفتن والاقتتال مؤكدًا على عدم الخروج على الأئمة- وإن كانوا أئمة جور فقال: وقولهم كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما غطة لمن تدبر بمثل هذا الرأي .. » (٢). أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ويكشف الحقيقة أكثر، ويفصل ويحذر من أسباب الفتن ويعزوها إلى أطراف ثلاثة: ١ - فئة مذنبة. ٢ - وأخرى ساكتة عن أمرهم ونهيهم. ٣ - وثالثة منكرة لكن إنكارًا منهيًا عنه. ويقول من تدبر الفتن الواقعة رأس سببها ذلك وهذا نص كلامه ﵀ فتأملوه، بقوله: وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارًا منهيًا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم فيحصل التفرق

стр. 3509

والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديمًا وحديثًا إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع (يعني ارتكاب الذنب)، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع آخر وآخر (يعني: السكوت عن الإنكار، أو الإنكار المنهي عنه) إلى أن قال الشيخ ﵀: ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن هذا أصلها (١). أيها المسلمون: إذًا علينا أن نحذر الفتن، وأن نحذر منها، وألا نسارع فيها، بل نفر منها وتلك أحد المخارج من الفتن، وطريق من طرق النجاة وإلى هذا أرشد المصطفى ﷺ وأشهد الأمة على البلاغ فقال: «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار» (٢). ولقد فهم السلف هذه النصوص وحذروا من حمل السلاح في الفتن، وقال

стр. 3510

يزيد بن صهيب (الفقير) وهو أحد التابعين (١): «من تقلد سيفه في هذه الفتن لم يزل الله ساخطًا عليه حتى يضعه عنه» (٢). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال: ٢٥]. الخطبة الثانية أخوة الإسلام وإذا كان الفرار من الفتن أحد المخارج من الفتن فالمخرج الثاني هو الدعاء والتعوذ من الفتن، فقد روى مسلم وغيره من حديث ابن عباس- ﵄: «أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (٣). وإذا كان المسلم يردد هذا الدعاء كل يوم في الصلاة فهل يستشعر معناه وهو يردده؟ ومخرج ثالث من الفتن يتمثل في صدق المبادرة لعمل الصالحات والإكثار من الخيرات فهذا مندوب له المسلم في كل حين ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [سورة البقرة: ١٤٨]. ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾ [سورة آل عمران: ١٣٣]. ولكن الندب إلى ذلك في أوقات الفتن أشد وأكد، وهذا الحبيب المصطفى ﷺ يدعونا إلى ذلك ويقول: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٤).

стр. 3511

ويرشدنا إلى فضل العبادة في الفتن حيث يقول: «العبادة في الهرج كهجرة إلي» إن الاشتغال بالعبادة فوق ما فيه من تحصيل الأجر والمغنم، فهو صارف عن الاشتغال بالقيل والقال وإضاعة الأوقات تلك التي تزيد من الفتن وتوسع دائرتها. وقد قيل: «في الفتنة يتبين من يعبد الله ممن يعبد الشيطان» (١). أخوة الإيمان: ومع الدعوة والعبادة والإكثار منها والانشغال بها، فكلنا ندعو للتوبة والاستغفار والتوبة ليست محرجًا من الأزمات والفتن فحسب، بل وطريق للسعادة والفلاح: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور: ٣١]. ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٦]. وعند هذه الآية ساق ابن كثير الحديث عن أنس: «لا يزداد الأمر إلا شدة، لا يزداد إلا شحًا، وما من عام إلا والذي بعده شر منه، سمعه من نبيكم ﷺ » (٢). وقال السعدي: وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وإنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده فيجدده وينميه ليكون دائمًا في صعود (٣). كيف نسهم في دفع الفتن؟ إذا كانت آثار الفتن تعم ولا تخص ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال: ٢٥]. فدفع الفتن مسئوليتنا جميعًا، ويمكن أن نسهم في دفعها بالوسائل التالية:

стр. 3512

١ - تعليم العلم النافع ونشره، فالعلم مبصر للناس ومانع لهم من الفتن بإذن الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر: ٢٨]. ٢ - التحذير من الفتن وآثارها وويلاتها، والنصح لإخواننا المسلمين على المستويات كافة: «الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». ٣ - الاستمرار في مشاريع الدعوة الاحتساب، فبنشر الدعوة ينتشر الخير، وينشغل الناس بالنافع المفيد، وتصح القلوب، وتقمع الشرور والفتن، وبالحسبة يحاصر المبطلون وتنطفئ المنكرات، ويشيع المعروف، وتخفف آثار الفتن. ٤ - عدم التعجل في الفتن (قولًا وعملًا) استرشادًا بهدي النبي ﷺ إذ يقول: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشيء فيها خير من الساعي ومن يشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به» (١). ٥ - الإسهام في الإصلاح حيث يقع شيء من الفتن، وتقريب وجهات النظر، وردم هوَّه الخلاف، فالخلاف شر، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الحجرات: ١٠]، ويقول: «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس». ٦ - التنبه للمتربصين والتفطن لمن يسعون بالفتنة أو يحاولون استغلال أجوائها لبث شرورهم وباطلهم، فذلك مطلب حتى لا تتسع الفتنة وتعم البلبلة.

стр. 3513

٧ - تبصير الناس بأحاديث الفتن والموقف المشروع منها، وعدم التعجل في تطبيق بعض الأحاديث العامة في الفتن، وتنزيلها على أحداث خاصة- دون علم-. ٨ - التأكيد على أهمية الوحدة والائتلاف وبيان النصوص الشرعية في ذلك، حتى ولو أدى إلى أن يتنازل المرء في سبيل ذلك عن بعض ما يحب- ما لم يكن حرامًا- في سبيل توحيد كلمة المسلمين ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة الأنبياء: ٩٢]. والخلاف شر، والشيطان يئس أن يعبد في أرضكم ورضي بالتحريش بينكم «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». ٩ - دعوة الناس إلى كثرة العبادة، وتذكيرهم بقيمة التوبة، فما وقع بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٦]. ١٠ - المشورة بين العلماء وطلبة العلم والدعاة لدفع الفتن، والنصح للولاة لتجنيب البلاد والعباد آثار الفتن وويلاتها، فالمسلمون أمرهم شورى بينهم، والدين النصيحة، ولا بد من رفض إعجاب كل ذي رأي برأيه، ولا بد من اتهام النفس وتوطينها لقول الحق وقبوله ممن جاء به. ١١ - وعماد ذلك وأساس المخرج من الفتن تحقيق التقوى، والتواصي بالصبر ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [سورة الطلاق: ٢]. ﴿يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: ٢٩]. ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠]، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر: ٣]، ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٢٠٠].

стр. 3514

السماحة (١) الخطبة الأولى الحمد لله أوحى بتقواه وحسن عبادته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، شهد له ربه وزكاه بحسن الخلق فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وأمره وأدبه فقال: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. إخوة الإسلام السماحة والسهولة والتيسير والجود والسخاء وكرم النفس معان كريمة متقاربة، وهي خلق من أخلاق الإسلام الفاضلة، دعى إليها وندب لفعلها، ومارسها المسلمون في حياتهم، فحققوا السعادة لأنفسهم، وأقنعوا الآخرين بالدخول في دينهم. عباد الله ما أحوجنا للحديث عن السماحة في زمن التلكع والمراوغة والنصب والاحتيال والفجور في الخصومة وأكل أموال الناس بالباطل، وشدة اللجاج وكثرة الخصام، والمنازعة والضغينة لأتفه الأسباب. قالوا عن السماحة إنها بذل ما لا يجب تفضلًا، وقالوا: إنها الجود عن كرم وسخاء وقالوا إنها تيسير في المعاملة، وملاينة في المحادثة، ومفاهمه جميلة، وصفح وتجاوز، وإغضاء عن الهفوات والزلات، إنها طلاقة في الوجه، واستقبال للناس بالبشر، وحسن مصاحبة للأهل والإخوان والخدم وسائر الخلق (٢). أيها المسلمون والمتأمل في القرآن الكريم يجد عددًا من آياته تدعو للسماحة

стр. 3515

والعفو والصفح فهو أقرب للتقوى ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ وهو فضل ينبغي ألا ينس ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. بل هي دعوة للتعامل مع غير المسلمين وإن أساءوا ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]. ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: ١٤، ١٥]. وفي الآية كما قال أهل التفسير أمر لعباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي لا يرجون ثوابه، ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون (١). أيها المؤمنون ديننا دين السماحة وهو أحب الأديان إلى الله، قيل لرسول الله ﷺ أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة» (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ قوله: أحب الدين، أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحًا- أي سهلًا- فهو أحب إلى الله. اهـ. السماحة في الدين لا تعني عدم طلب الأكمل .. ولا تعني التراخي المؤدي إلى الترخيص غير المشروع .. لكنها سماحة لا غلو، وترفق لا تشديد لاسيما في مواضع الرخص .. ولهذا علق ابن حجر على الحديث الصحيح الذي رواه

стр. 3516

البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا .. إلخ الحديث (رقم ٢٩). علق الحافظ بقوله: المعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل (المقصود) منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فقام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج الوقت. ثم أورد الحافظ حديث محجن بن الأدرع عند أحمد، ولفظه «إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة وخير دينكم اليسرة» ثم قال ابن حجر: وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي استعماله إلى حصول الضرر (١). وهكذا فرق العلماء بين التشدد المحذور وبين الترخيص غير المقبول حتى توضع سماحة الإسلام في موضعها الصحيح. إخوة الإسلام ومن هدي النبوة قبس يضيء في السماحة وأثرها حيث يقول ﷺ : «اسمح يسمح لك» (٢).

стр. 3517

ترى من أفضل المؤمنين وهل له علاقة بالسماحة؟ أجل، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أفضل المؤمنين رجل سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء، سمح الاقتضاء» (١). وعند البخاري: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (٢). وفي حديث عمرو بن عنبسه ﵁ قلت: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة (٣). لا إله إلا الله، كم في السماحة من خير .. وكم هي سبيل للنجاة في اليوم العصيب وإن كان صاحبها مفلسًا من عمل الخير .. قال ﷺ : «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرًا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، فقال الله نحن أحق بذلك منه، تجاوزا عنه» (٤). أيها المؤمنون ومن حياة السلف دروس في السماحة والتجاوز استحقوا بها درجات الجنان، فقد ورد أن عثمان ﵁ اشترى من رجل أرضًا فأبطأ عليه، فقال له ما منعك من قبض مالك؟ قال إنك غبتني فما ألقى من الناس أحدًا إلا وهو يلومني، قال: أو ذلك يمنعك؟ قال: نعم، قال: فاختر بين أرضك ومالك، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «أدخل الله الجنة رجلًا كان سهلًا مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا» (٥).

стр. 3518

ومن السماحة إقالة العثرة، يروى عن علي ﵁ أنه قال: «أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما تعثر عاثر إلا ويده بيد الله يرفعه» (١) والسماحة من خلق الكرماء .. وأين هذا ممن يتتبعون العورات، أو يفرحون بالسقطات، دون مناصحة وتلطف في القول. قيل: من عادته الكريم إذا قدر غفر، وإذا رأى زلة ستر (٢). ومن حكم الشعر قيل في السماحة: وإني لأستحي وفي الحق مسمح ... إذا جاء باغي العرف إن أتعذرا وقال الشافعي ﵀: وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ... ودافع ولكن بالتي هي أحسن. وأبلغ من ذلك كله .. أن الله يجزي المتصدقين .. إن الله يحب المحسنين. ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ جعلنا الله من المحسنين والمتصدقين، ورزقنا السماحة في أقوالنا وأفعالنا، وهدانا سبل السلام. أقول ما تسمعون وأستغفر الله ..

стр. 3519

الخطبة الثانية إخوة الإسلام وحين تضطرب الموازين ينبغي أن يعلم أن السماحة المنضبطة بضوابط الشرع قوة لا ضعف، وأن السمح عظيم وليس بالرجل البسيط .. فليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. والأسباب الجالبة لضدها. ومن أسباب اكتساب السماحة: ١ - التأمل في الترغيبات التي رغب الله بها من يتحلى بالسماحة، والفوائد التي يجنبها أصحاب السماحة في الدنيا والآخرة فهم أسعد الناس في الدنيا لذكرهم الحسن وهم أصحاب حظ كبير في الآخرة. ٢ - التأمل في المضار والمحاذير التي يقع فيها يكد النفس فهو قلق ضجر متعب لنفسه وللآخرين .. هذا فضلًا عن إفلاسه يوم القيامة حين يأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا .. فأولئك خصوم ودائنون صعب الخلاص منهم. ٣ - الإيمان بالقضاء والقدر والرضاء بما قسم الله للإنسان وما قدره عليه كل ذلك يمنح لمسلم رضًا وتسليمًا وطيب نفس وسماحة، وطمأنينة. ٤ - ترويض النفس على خلق السماحة والعفو والصفح والكرم حتى تستأنس بهذه الأخلاق العالية وتألفها .. فالمجاهدة طريق لتربية النفوس على المكارم. ٥ - الاقتداء والاعتبار بأهل السماحة وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ . أما أسباب الجفاء والشدة والبخل وضيق العطن- وهي ضد السماحة-، فمنها: ١ - تغليب طبيعة النفس الرديئة، والاستسلام لإغواء الشيطان ونزغاته، وعدم الاستعاذة من شره وكيده.

стр. 3520

٢ - التعلق بالدنيا واعتيازها كل شيء فلها يحب ولا يبغض من أجلها ينافح .. فصاحبها لا يهمه ما حل أو حرم .. أو أبيح أو نهى عنه، بل الحلال ما وقع بيده .. إنها أنانية تجعل المرء لا يفكر إلا بنفسه ولا يستشعر مشاعر الآخرين أو يقدر أحاسيسهم، ولذا فهو تظلمه ومسيء اللهو. ٣ - ومن أسباب الشدة والجفاء ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، والتحسر على كل فائت والحرص على كل محبوب للنفس وإن كان فيه حتفها أو كان سببًا لهلاكها. الحرص والمسابقة والعزيمة ينبغي أن تكون لأعمال الآخرة .. والسماحة والسهولة والقناعة والزهد ينبغي أن تكون للدنيا .. هكذا علمنا ديننا وأرشدنا نبينا ﷺ . يا عبد الله روض نفسك على السماحة وطيب المعشر مع الآخرين، دون أن يكون ذلك على حساب الدين، فالسماحة والبشر، وأنصاف الناس شيء، والمداهنة في الدين شيء آخر. يا مسلم تخلق بأخلاق الكرام، وخذ بنفسك إلى جميل المروءات، واصبر على ما أصابك فإن ذلك من عزم الأمور، ومهما كان فينا من نوازع الشر وهينات الأخلاق، فلا بد من الحديث مع النفس وترويضها على جميل الأخلاق. أذكر نفسي وإياكم بآثار الأخلاق الفاضلة في الدنيا والآخرة. أن صاحب الخلق محبوب مرموق عند الناس، وهو عند الله يوم القيامة بمكان يبلغ درجة الصائم القائم الذي لا يفتر. أيها المسلمون بالأخلاق الفاضلة تدعوا الآخرين للإسلام، وبالسماحة واليسر تظهر الجانب المشرق من أخلاقنا وقيمنا ومكنوز حضارتنا.

стр. 3521

تعود الحياة صفوًا لا كدرًا حين يفيء الناس للأخلاق الفاضلة- ومنها السماحة واليسر- تتقلص مساحة الشحناء، وتردم هوة المنازعة والبغضاء .. بالالتزام الأخلاق بأخلاقيات الإسلام يأمن الناس على حقوقهم، ويطمئنون إلى معاملة إخوانهم، فلا غش ولا ظغينة ولا احتيال ولا نصب .. ويتعلم غير المسلمين من المسلمين كيف تكون المعاملة بالحسنى وكيف يكون العدل مع البر والفاجر والصديق والعدو. إننا بحاجة إلى خلق السماحة تطهر بها أنفسنا من الغل والبخل .. وترسم في مجتمعاتنا شعار المحبة والإخاء .. حتى إذا أصرت فئة أو طائفة على خلاف ذلك وجدت في مجتمع المؤمنين رفضًا عمليًا لأخلاق الجفاء، واستنكارًا جماعيًا لموارد الهلكة والشحناء. اللهم كما أحسنت خلْقنا فأحسن خلُقنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرفنا عن سيئها لا يصرف عن سيئها إلا أنت. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل ..

стр. 3522

غزو من الخارج أم غزو من الداخل ؟ (١) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره أيها المسلمون لا غرابة أن نرى أو نسمع أو نشاهد شيئًا من عداوة الكفار بمختلف أديانهم وأهدافهم .. ولكن المستغرب حقًا أن نهدد من داخل بيوتنا، وأن تشن حملات ظالمة وجائرة على ديننا وقيمنا من أبناء جلدتنا وممن ينتسبون إلى أسلافنا أولئك لا بد من الحذر منهم والوعي بمخططهم وأهدافهم، ومعرفة منطلقاتهم والتعرف على أساليبهم في المكر والمخادعة، ورسم معالم للموقف منهم، وحماية البلاد والعباد من آثارهم. أجل لقد بليت الأمة بالمنافقين في سالف تاريخها وعز سلطانها .. ونجح المسلمون حينها في كشف هؤلاء وتجاوزوا محنتهم، حتى عاد هؤلاء المنافقون يعتذرون ويحلفون وهم كاذبون واليوم تتجدد النازلة بالمسلمين بهؤلاء، وتتسع دائرة العداوة، ويكثر الإرجاف والاستهزاء، وتبلى الأمة بهؤلاء المعوِّقين .. ويتكرر الموقف المسارع لكفار ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾، ويكثر اللمز بالمطوعين والسخرية بهم وبإسلامهم .. وهؤلاء الصنف من الناس يركبون كل موجة، ويسلكون كل وسيلة تتحقق لهم أهدافهم .. فهم قوميون .. مع ضيق عطن القومية .. حين يشتد عود القومية .. ثم تراهم ينقلبون على القومية- ولو كانت في سبيل الدفاع عن الحدود والحرمات- وينسلخون منها كما تنسلخ الحية من جلدها وربما بلغ بهم التخلي عن (الهوية) حدًا مجدوا معه الغزاة ورحبوا بالمستعمرين أيعقل هذا من

стр. 3523

عربي؟ .. أفيقبل هذا الترحيب بالمستعمر الكافر من مسلم؟ ولولا كلمات القوم ما صدقنا .. وهذا أحد المحسوبين علينا ودون خجل يقول: «إنني من أكثر الناس تفاؤلًا بقدوم أمريكا إلى العراق، وعندي أسباب عديدة أولها: أن أمريكا لم تدخل بلدًا إلا وحسنت من أوضاعه .. إلى أن يقول: إنني واثق أن أمريكا ستلعب في منطقتنا دور المعلم الحازم الذي يريد النجاح لتلاميذه حتى لو تطلب ذلك درسًا قاسيًا، إن العالم العربي لن يتغير من تلقاء نفسه لذلك أقول: أهلًا بالنموذج الأمريكي الحر ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾ (١). لست أدري كيف تجرأ الكاتب هذه الجرأة .. وكيف تجرأت الشرق الأوسط على نقل المقال؟ إننا أمام شريحة في المجتمع غريبة في فكرها متطرفة في طرحها، جريئة في استفزازها ومهما تعددت مسميات هؤلاء أو اختلف الناس في تصنيفهم بين علماني، وعصراني، وعقلاني أو حداثي أو مستغرب أو لبرالي فالمهم أن نعرف انتماءهم وجذورهم الفكرية ومن اعترافاتهم ندينهم، وحتى لا نتجنى عليهم هذا أحد أصحاب هذه المدرسة يربط بين ثقافتهم وثقافة الغرب وتاريخهم ويقول: «إن الحديث عن حداثة عربية مشروط تاريخيًا بوجود سابق للحداثة الغربية، وبامتداد قنوات للتواصل بين الثقافتين» (٢). و(العلمانية) التي يوصفون بها أحيانًا، لا يكتفون بالانتماء إليهم، بل ويبلغ الهوس بهم وبها حدًا يتهمون (القرآن الكريم) بالعلمنة؟ ويقول قائلهم إن

стр. 3524

الدراسة المعمقة للقرآن الكريم بين أنه علماني المنحى، وإنما حوله المسلمون إلى وجهة دينية (١)؟ ! وهؤلاء القوم لا يكتفون بالانخداع والمخادعة لمنهج التغريب بل يصرون- مع ذلك- على نقد المناهج التي قام عليها التراث الإسلامي ويقول أحد كبرائهم: «لكي نؤمن بفاعلية المنهج العلمي الغربي لا بد أن ننقد المناهج التي قام عليها التراث عند المسلمين لنكشف قيمتها في دائرة المنهجية القائمة اليوم» (٢)؟ إن نظرتهم تلك للإسلام والقرآن، وارتباطهم بحضارة الغرب وثقافته وتسويقهم لفكره وترحيبهم بغزوه .. كل ذلك يجعلنا نتبين هوية القوم وجذورهم التاريخية فلا ننخدع بطروحاتهم الزاعمة للإصلاح، ولا نغر بمقدماتهم القائلة «في ضوء شريعتنا الإسلامية» أو «وفيما لا يتعارض مع ثوابتنا وقيمنا» أو من مثل قولهم: «في إطار قيم المجتمع ومبادئه» إنها عبارات خادعة، وذر للرماد في العيون، واستغفال للبسطاء! أجل لا بد أن نعي وندرك ونتدارك الأمر قبل فوات الأوان .. ففي مجتمعنا ناقوس خطر، وحصوننا تهدد من داخلها، وفينا سماعون لهم، بل ومروجون لبضاعتهم ومستبشرون بغزوهم .. فهل بعد هذا من خطر! ! إن هذه الشريحة في مجتمعنا- وإن قل عددها- لها امتداد خارجي، ولذا تراهم ينشطون أكثر حينما يقترب أسيادهم من بلاد المسلمين، وتراهم يرقصون على الجراح النازفة ويتلذذون بالمآسي النازلة .. وبالتالي فهم لا يهددون هويتنا

стр. 3525

الإسلامية فحسب، بل ويهددون كياننا الاجتماعي والسياسي، ويطمع الغرب ويراهن على استخدام هؤلاء في فرض سياستهم في الشرق الأوسط، فقد ذكر مسئول في أحد مراكز البحث في (واشنطن) أن المركز يعمل لاختيار عدد من الشخصيات الإصلاحية ودعوتها إلى واشنطن للتعاون معها- في سبيل الترويج لمبادرة أمريكا لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط خلال الأشهر القادمة- وأن تلك الشخصيات ستحصل على حماية ضمنية من خلال حصولها على دعم سياسي وإعلامي سيفرضها على الساحة السياسية (جريدة الحياة) وهؤلاء ومرة أخرى بلا حياء ولا خوف يقولون مستبشرين ومبشرين بالحملة الأمريكية على بلاد المسلمين: «وإذا كانت الحملة الفرنسية على مصر ومشرق العرب، والصدمة الأولى قبل قرنين من الزمان تقريبًا قد قدمت العرب للحداثة وقدمت الحداثة للعرب، فإن الحملة الأمريكية سوف تقدم العرب للعولمة، وتقدم العولمة للعرب على أوسع نطاق» (١). إنهم باختصار خطر يهددنا من الداخل، وخطر يهيء السبل للمستعمر ويبشر ويمهد الطريق للغزو الخارجي .. ولا غرابة بعد هذا أن تكون حملاتهم الشعواء ضد مناهجنا الدراسية .. ومطالباتهم المتكررة بالتغيير .. وإذا حققوا شيئًا من نجاحاتهم على حين غفلة منا فهل يستطيعون تحقيق نجاحات أخرى؟ أنهم لا يحملون على علماء الأمة ورموز الصحوة الإسلامية، بل يهددون المجتمع بأسره فإذا صدرت فتوى معتبرة شنوا على المفتي حربًا لا هوادة فيها، كما حصل مع المفتي في بيانه عن منتدى جدة الاقتصادي، وإذا نجح نشاط

стр. 3526

إسلامي أجلبوا عليه واتهموا القائمين به .. كما حصل في تعليقهم على مخيم جدة الرسمي .. المرأة لم تسلم من مكرهم فهم يريدونها سافرة مختلطة .. وغاية أمانيهم أن تكون المرأة المسلمة كالمرأة الغربية في ضياعها وحيرتها وشقائها؟ والإعلام في بلادنا خرجوا به عن حدود السياسة المرسومة وتجاوزوا بنوده ومواده المقررة .. وتربعوا على ناصيتيه فلا يتيحون الفرصة- إلا قليلًا- لمن يخالفهم وينقد مسارهم أو يطرح طرحًا معتدلًا ونزيهًا. بل زادوا وتجرأوا على نقد السياسات العليا للدولة ليخلخلوها ويطرحوا البديل عنها كما حصل من أحدهم في نقد السياسة العليا للتعليم حينما استغرب أن يكون من أهداف المرحلة المتوسطة: حفز همة الطالب لاستعادة أمجاد أمته المسلمة التي ينتمي إليها ... ؟ واستغرب كذلك أن تخصص سبعة أهداف (في المرحلة الثانوية) للجوانب الإسلامية (١)؟ غريب هذا الطرح في زمن باتت الأمم تعتز بهويتها .. وتعمق الانتماء لفكرها في مناهج أبنائها ولكن الأغرب أن يسمح لهذا الطرح الفج .. وأن يغفل عن الأهداف من ورائه .. ؟ وأن تزيد لهجة هؤلاء لتسوق للفكر العفن القادم من الغرب .. وحين لا يخفى أن الغرب باشر غزو العرب والمسلمين إعلاميًا عبر إذاعة (سوا) ومجلة (أهلا) وأخيرًا أطلقت الإدارة الأمريكية قناة (الحرّة) الفضائية الإخبارية وباللغة العربية .. فقد يخفى على البعض أن بعض هؤلاء المرجفين المطبلين سخر في مقالة له بالذين يرفضون (قناة الحرّة) وقال أن أي أمة تخشى من محطة فضائية مهما كان لونها ومصدرها هي أمة خائفة ومترددة

стр. 3527

ودعا إلى النظر إلى هذه القناة باعتبارها إضافة جديدة للحرية التي نحتاجها مثل حاجتنا للهواء النقي. وفي المقابل يرفض هذا المطبل كل ما تبثه القنوات الفضائية إذا كانت ضد الهيمنة الأمريكية فقال: أليس هذا بذل وهوان وانتكاس في المفاهيم والقيم؟ (١). إذًا نحن أمام هجمة شرسة على ثقافتنا وقيمنا، وأمام تسويق مفضوح للبضاعة المزجاة لأعدائنا .. تتكئ هذه الهجمة على الإعلام، وتسخر من مناهج التعليم وتسعى جاهدة لإفساد المرأة، وترشق بسهامها الموتورة أهل الخير ولا يسلم من نقدها المسئولون والمنظِّرون للسياسات العليا في البلاد، إنها خلخلة للكيان كله، واستهداف للمؤسسات التربوية والدعوية، وتمهيد للغزاة، ومجاهرة بالفسوق وإعلان للتطرف، وتلويح بالإرهاب .. فكيف يكون الموقف، وبماذا ينقذ العباد، وتسلم البلاد؟ ١ - لا بد أولًا من الوعي واستشعار هذه المخاطر، ومعرفة أصحاب اللحن في القول، ورصد التوجهات، والتعرف على الصلات والارتباطات. ٢ - ولا بد ثانيًا من النصح والمصارحة لهؤلاء فقد يكون من بين هؤلاء مغتر فيعود إلى رشده، أو جاهل مستغرق في خيالاته، وتجارب من سبقه توقفه على الحقيقة، وهذه تجربة شجاعة يقول صاحبها- بعد إذ هداه الله-: «اندفع الفكر المتغرب يشهر حربًا شاملة على الإسلام وأهله، ظانًا أن في ذلك تحريرًا للشعب وللمرأة، وإطلاقًا للعقل .. ولكنه ما درى أن تلك الحرب تأتي بنتائج عكسية تمامًا، إذا بالشعب يحطم ويشل، وإذا بالمرأة تتيه وتضيع وإذا بالعائلة تتمزق وتتخبط، وإذا بالعقل يصبح مغلولًا إلى الغرب، وإذا بالاستقلال تبعية،

стр. 3528

وإذا بالتقدم الاجتماعي مزيدًا من التخلف، ثم وصلت الأمور إلى أن يعلن ذلك الفكر نفسه أننا نعيش من الانحطاط العربي .. (١)؟ ! ٣ - لا بد من تكاتف الجهود مع كل مخلص لحماية البلاد والعباد من خطر هؤلاء، مع اعتبار أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» واعتبار أن المركبة واحدة والسلامة للجميع. ٤ - لا بد من مشاريع عملية وبناءة في الإعلام والتعليم والتربية والتوجيه والدعوة، وأن تكون شاملة للمرأة والرجل والطفل والكبير، والمثقف والعامي. ٥ - لا بد من وضع حد للنقد الصارخ لسياسات الدولة العليا وفي مقدمتها السياسة التعليمية والإعلامية .. وأن الإصلاح مطلب ولكن تجريدها من عمقها الإسلامي وأهدافها العليا أمر مرفوض. ٦ - الارتقاء بمستوى وعي الناس عمومًا والخيرين خصوصًا، والجرأة في التصحيح للأخطاء وتطوير الأعمال والمؤسسات حتى تكون المشاريع الإسلامية على مستوى التحدي والقدرة على الجذب والتأثير. ٧ - ربط الجسور مع كل جهد خير، والتعاون مع كل عامل مخلص، وأهمية التواصل مع الآخرين وعدم الإنكفاء على الذات فمظلة الدين واسعة، وهاجس حماية الوطن من المؤثرات الخارجية والداخلية .. هدف يشمل شريحة كبرى في المجتمع. ٨ - تعميم توعية الناس بالانحرافات الفكرية والأخلاقية في وسائل الإعلام عمومًا، والتنبيه إلى مخاطرها الواقعة والمستقبلية، واستنهاض الجميع

стр. 3529

للاحتساب على المنكر والأمر بالمعروف فليس أضر على الناس من قوم يلبسون عليهم دينهم ويزيفون وعتهم؟ ٩ - التواصل مع ولاة الأمر من الأمراء والعلماء وأهل الفكر، وأصحاب المال والجاه والمسئولية والتشاور معهم في وضع حد للمبطلين. ١٠ - التعامل مع الأحداث والمستفزات بحكمة وعمق، فلا نخدع ولا نستفز، ولا نتصرف بردود الأفعال، ولا نقابل الخطأ بخطأ آخر.

стр. 3530

تجربتنا في التعليم والابتعاث (١) حين يكون الحديث عن العلم والتعليم فهو حديث عن أغلى موجود، كنز الحضارات وسراج الأمم، ومصباح العلم، فالعلم نور، والجهالة ظلمة. والعلم يرفع بيتًا لا عماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف بالعلم يشرف الإنسان ومن جاور العالم ولو كان من جنس الحيوان. ألا ترى الله ذكر (الكلب) مع أصحاب (الكهف) في مقام الثناء .. وذكر (الحمار) في مقام الجهل يحمل أسفارًا لا يستفيد منها .. التعليم في الحضارات والدول والشعوب حجر الزاوية، ومقياس للتقدم، وسبيل للرقي، وفي العصر الحاضر تقدمت دول وأخذت مكانتها الريادية في العالم .. وكان التعليم وتطويره خطوة مهمة في هذه الريادة فقد خرجت اليابان منهلكة محطمة على إثر الحرب العالمية (هيروشيما) لكن قادتها رأوا وقدروا أن التعليم سبيلهم للنهوض والتعويض .. فكان ما كان من حضارة اليابان المعاصرة. ومن قبل كانت المدارس النظامية والتطوعية في حضارتنا الإسلامية منارات أضاءت للعالم في عصور الظلمة في الأندلس ومصر والشام وغيرها. إننا حين نتحدث عن تجربتنا التعليمية في المملكة لا بد أن تشهد بهذه التجربة قصيرة الأمد عميقة الأثر .. إنها ابتدأت من (كتاتيب أولية) وانتهت إلى (جامعات شامخة) صنعت سياستها التعليمية العليا صياغة حسنة، راعت جوانب المعاصرة ولم

стр. 3531

تخل بثوابت الأصالة، فبست من تجارب الآخرين، وراعت خصوصية بلاد الحرمين، اجتهدت في جمع القيم التربوية والمهارات المتعددة، ولم تتجاوز نصوص الوحيين، شرقت وغربت في فنون الحضارات، وطافت في ميادين التجارب الأممية فأفادت منها دون أن تتأثر بسلبياتها، نظرت إلى التاريخ الماضي والمعاصر نظرة متزنة فعظمت ما يستحق التعظيم وانتقدت ما دون ذلك من سقط الحضارات وزبالات الفكر. وحين استوت هذه التجربة على سوقها كانت أهلًا لئن تصد خارج الحدود فكانت (مناهجنا) التعليمية يطاف بها بكل فخر واعتزاز في المعاهد والجامعات في العالم الإسلامي ويقتبس من نورها، بل تجاوزت هذه المناهج إلى حمل (المقررات) لتكون بين أيدي الدارسين حتى في العالم الغربي، وكانت المعاهد العربية والإسلامية، والأكاديميات- في بلاد الغرب- برهانًا على صحة مقرراتنا، وأصالة مناهجنا التعليمية، وقدرتها على المعايشة والتربية للدارسين هنا وهناك. إخوة الإسلام الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، والعلم رحم بين أهله لا تحده الحدود ولا تمنعه السدود، وفي ديننا متسع للاستفادة من تجارب الأمم والدول، ولم يترد النبي ﷺ في حفر (الخندق) وفكرته (فارسية) ولم يتردد الفاروق عمر ﵁ (تدوين الدواوين) وهي لم تكن من عادة العرب، بل من حضارة (الفرس) كل ذلك بما لا يمس ثابتًا من الدين أو ينحاز إلى فئة على حساب الهوية والقيم. ذلك كله يعني أننا لا نتحسس من الاستفادة من علوم الآخرين ومعارفهم، إنما تكمن الحساسية في التأثر والتأثير، والهزيمة الفكرية والاختراق القيمي .. ومن هنا فإن التحدي يكمن في الاستفادة من معارف الآخرين بعد بلورتها وأخذ

стр. 3532

النافع منها وطرح الضار، ورفض السلبيات .. وكلما كانت التجربة للمعارف الوافدة في أرض الوطن كانت القدرة على الأخذ والعطاء منها أوسع، والفرصة للاختيار والرفض أكبر .. ويقل مرض الاختيار حين يكون التلقي خارج حدود الوطن، فالمتلقي يساق في التيار العام، وتحيط به الثقافة، ومثقفوها وآليات تنفيذها بشكل يضيق عليه فرص الانتقاء. ومن هنا فالحديث عن (الابتعاث) و (البعثات التعليمية) يحاط بفرض النجاح والفشل، ومهدد بالإخفاق كما هو ممكن للتفوق، وكما نسلط الضوء على وارداتنا الاقتصادية، ينبغي كذلك أن نسلط الضوء على وارداتنا الفكرية، وكما نحافظ على المستوى الصحي لبلادنا ومجتمعنا فكذلك ينبغي أن نحافظ على قيمنا التربوية وصحة البيئة عن التلوث بأي نوع من أنواع التلوث الحسي والمعنوي. تجربتنا السابقة في الابتعاث خلفت آثارًا إيجابية، وكان فيها سلبيات ومن الرشد أن تقيم هذه التجربة حتى يحافظ على المكتسبات ونتخفف من السلبيات كان المبتعثون من خريجي الجامعات أكثر نضجًا وأقدر على عدم الذوبان في تلك المجتمعات المنفسخة والمفلسة في جانب القيم، بل كان لعدد من أولئك المبتعثين دور في حمل رسالة المملكة هناك عبر عدد من المراكز الإسلامية والجمعيات والمساجد التي بددت شيئًا من ظلمات الحياة الغربية وغيرت نظرة الغرب للإسلام والمسلمين! وحين عاد أولئك المبتعثون الحافظون لأماناتهم والممثلون لبلدهم أصدق تمثيل والمستفيدون من علوم الآخرين وتجاربهم .. كانوا محل الإعزاز والتقدير وتسنموا مناصب وكانوا قيادات علمية وإدارية .. ولمثل هؤلاء يكون الابتعاث. على أن هناك فئة أخرى ابتُعثت وهي بعد في ريعان الشباب ومرحلة

стр. 3533

المراهقة، وأولئك منهم من فتن وافتتن، وأفلس في ميدان العلم كما أفلس في معركة التقاليد والقيم، وعاد هؤلاء خلو الوفاق .. فما حملوا شهادات ولا استفادوا من تجارب المعرفة ولم يكونوا محل قناعة ليتسنموا مناصيت في بلادهم وكذلك تحيق المخاطر بابتعاث (المراهقين) والأمر أخطر بابتعاث (المراهقات) فالعواقب غير مأمونة. إن من أعظم المخاطر المحتملة للتوسع في الابتعاث- وخاصة لما قبل الجامعة- المخاطر الفكرية، والانسلاخ من الهوية، والمخاطر الأمنية والاختراق الثقافي والقيمي وذلك من أخطر أنواع الاختراق، فضلًا عن المخاطر السياسية، والصحية والاجتماعية .. وهي لا تقل أثرًا عن غيرها، وحين يفكر المبتعث بغير فكر أهله ومجتمعه، وحين يكون ولاؤه لمكان بعثته أكثر من ولائه لوطنه الذي بعثه فتلك كارثة .. وعلى الولاة والمخططين والمسئولين أن يعوها جيدًا. أما ابتعاث المرأة فهو يزيد في مخاطره بقدر ضعف المرأة، وحاجتها إلى أجواء آمنة أكثر من الرجل، والذئاب التي تريد أن تفترسها لا يردعها دين، ولا يمنعها حياء، ولا زج المرأة في مجتمعات الاختلاط من الخطورة بمكان، وذهاب المرأة لبلاد الكفر والإباحية دون محرم تجاوز على حدود الشرع، وتغافل عن منطق العقل، أي رعاية تلك للدرة المصونة وأين هذا من شيم العرب الذين كانوا يئدون المشقة العار؟ ويتضاعف الخطر إذا كان معظم المبتعثين من الفتيان والفتيات، فهم في مرحلة عمرية حساسة، والبيئة التي يبتعثون إليها فيها من الإغراء والفتنة والتفسخ والمجون ما يشكل مصيدة وحفرًا ملغومة لهؤلاء؟ ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.

стр. 3534

وحين نذكر بخاطر الابتعاث لا بد أن نبعث برسائل ناصحة للمسئولين في وزارة التعليم العالي أن يراعوا هذه المزالق وأن يحتاطوا في صيانة الشباب من المخاطر وأن تكون الملحقيات التعليمية في البلاد التي يبتعث إليها المبتعثون مراقبًا دقيقًا ومحتضنًا تربويًا يذكر المبتعث كلما نسي برسالته ورسالة بلاده. ورسالة أخرى تبعث للأولياء فهم أدرى بأبنائهم وبناتهم ونجاح المبتعث أو فشله لا قدر الله- سيطال أسرته- فلا بد من التحوط لمن يبعث، ومن يعرف عنه مراهقة في بلده فمن الظلم أن يبعث إلى بلاد التحرر والمجون .. أن أحدًا لا تستطيع إجبار أحد على الابتعاث، ومن حصافة الأسرة، ورعاية الأبوين أن يكون لها وجهة نظرهما في ابتعاث أولادهم، فهم أمانة وسيسألون عنها. ورسالة للمبتعثين تقول يا من قدر لهم الابتعاث .. الله الله في أنفسكم وإسلامكم، وأنتم تمثلون الإسلام في بلاد تعز فيها الإسلام، وتمثلون بلاد الحرمين مهبط الوحي ومنبع الرسالة وقبلة المسلمين، وخطؤكم كبير، ومسئوليتكم جسيمة، وإذا خلوت الدهر يومًا (أيها المبتعث) فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب .. أيها المبتعثون بشخص المجتمع يبصره إليكم فكونوا عند حسن ظنه بكم، ويتطلع المسئولون إلى أن تحفظوا العهد وتمثلوا البلد فكونوا كذلك. أيها المبتعث مقامك في البعثة تجربة لقوة إرادتك، وحسن أمانتك وصدق ولائك لدينك والانتماء الصادق لوطنك .. فهل تنجح في الاختبار؟ وإخفاقك في هذه الجوانب لا يعوضه نجاحاتك الأخرى مهما بلغت! وإلى السفارات في الخارج والملحقيات الدينية والثقافية سؤال يوجه ما دوركم في رعاية المبتعثين وتيسير سبل النجاح، وحمايتهم من المخاطر؟

стр. 3535

وللمراكز الإسلامية والعاملين فيها جهد مشكور في بلاد الغرب والشرق فهل يكون من أولويات جهودهم رعاية ومتابعة هؤلاء المبتعثين، وتعريفهم بمكامن الخطر، وأقصر طرق النجاح، وإشراكهم في الملتقيات والمنتديات حتى يظلوا على صلة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. وأخيرًا سؤال كبير يطرح: وكيف يرشد الابتعاث بشكل عام؟ اللهم احفظ مبتعثينا في حلهم ورحالهم، وأعدهم إلى بلادهم سالمين غانمين، وبارك في جهود العاملين واشكر سعي المخلصين. ١ - إن أول خطوة- في ترشيد الابتعاث- في نظري هي رصد الإيجابيات للانتفاع بها وتطويرها، ومعرفة السلبيات لتجنبها وحماية المنبعثين منها، ورسم السياسات المستقبلية وفق هذه الاستراتيجيات. ٢ - ومع وضع الاستراتيجيات المستقبلية المعتمدة على الدراسة والبيانات والإحصاءات، لا بد من معالجات سريعة لأي سلبية نظرًا، ولو بمسكنات حتى لا يستفحل الخطر وتتراكم الأخطاء. ٣ - ولا بد كذلك من الاستمرار في تطوير جامعاتنا في الداخل، وتوفير كافة التخصصات ولو أحوج في البداية إلى استقدام المعلمين في التخصصات النادرة. ٤ - الموازنة بين استقدام العقول ونقل التقنية إلى بلادنا وبين الابتعاث إلى البلاد الأخرى .. والتخلص من عقدة النقص، والشعور بتفوق الآخر، فالإصرار على النجاح يقود إليه، والخطأ طريق للصواب، ولأن نخطئ في البداية ثم نصبح في النهاية مكانًا للتصدير للآخرين .. خير من أن نخشى الإخفاق فنظل عالة على الآخرين. ٥ - وموازنة أخرى بين كافة التخصصات والفئات فلا يكون الابتعاث

стр. 3536

لتخصص أو لفئة على حساب التخصصات والفئات الأخرى، ولا بد من شرط حتى ولا المبتعث لبلده ومعتقده. ٦ - ومن الموازنات المهمة الموازنة بين دول الابتعاث، فلا نركز على جهة ونهمل أخرى حتى لا نقع أسرى لثقافة واحدة. ٧ - مراعاة سن المبتعث، ومدى الحاجة للتخصص من الأهمية بمكانهم لا يبتعث إلا من هو أهل للابتعاث، وفي تخصصات لم تتوفر بعد وتدعوا الحاجة إليها. ٨ - ومن الحصافة استمرار دورات للمبتعثين تعرفهم بما يجليهم، وتذكرهم رسالتهم بل توسع دائرة الدول والثقافات حتى لا تبقى تحت رحمة دولة أخرى، وحتى نستفيد من كافة التجارب والثقافات ونرسم لهم معالم النجاح، ونبصرهم بمواطن الخطر، ومخاطر الابتعاث، وتكشف لهم أسباب الإخفاق .. إلى غير ذلك من أمور يحتاج إليها المبتعث، ويلزم بها المبتعثون. ٩ - ولا بد بعد الابتعاث من رعاية ومتابعة تشعر المبتعث بجدية بعثته، ومتابعة من بعثه .. ولا بد كذلك من تقارير مستمرة عن المبتعث .. وهذا وإن تطلب جهدًا من الإدارة المعنية في وزارة التعليم العالي- في بلادنا- ومن الملحقيات الثقافية في الخارج .. فهو عنصر مهم من عناصر الترشيد. ١٠ - ولا بد من التذكير برعاية سياسة الدولة وفقها الله في التعليم فالانطلاق منها، يؤمن المسيرة بإذن الله، ويشكل حاجزًا عن تجاوز الحدود الشرعية، ويحقق التوازن بين تحصيل العلم والمعرفة وبين الحفاظ على القيم والاعتزاز بالهوية- فنحن أمة أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله .. نشكر الجهات المشرفة على الابتعاث حين تجتهد في رعاية المبتعثين بكل ما تحمله الرعاية من معان وشكرًا لسفاراتنا وملحقياتنا، ومراكزنا الإسلامية حين

стр. 3537

تكون عينًا ساهرة ومتابعة لهؤلاء المبتعثين والشكر يزجي جميلًا لكل مبتعث فهم رسالة المبتعث، وكان نموذجًا في جديته في الطلب ونجاحه أو إخفاقه- لا قدر الله- ليس ملكًا له وحده- بل لبلاده ومجتمعه وثقافته وإسلامه ..

стр. 3538

السلام شعارنا أهل الإسلام (١) الحمد لله هو السلام ومنه السلام، وهو أهل الثناء والفضل والحمد في الأولى والآخرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحب المحسنين، ويجزي المتصدقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكمل الأمة خلقًا وأبرها قلبًا وأعفها لسانًا. السلام مصطلح يشع منه الدفء والرحمة والحنان .. والسلام كلمة ذات معنى عظيم .. السلام اسم من أسماء الرحمن ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ والسلام تحية أهل الإسلام في الدنيا، وتحيتهم يوم يلقون ربهم- في الآخرة- سلام السلام شعارنا أهل الإسلام .. تذل به ألسنتنا ضمان ومسلم ونتقلب فيه في علاقاتنا وتحياتنا. السلام كم يشيع من معان المحبة .. وكم يزرع من ألوان الثقة، تهدأ به النفوس، وتطمأن له القلوب، وتستقر به المجتمعات، والسلام هو المناخ المناسب للبناء الحضاري، والتقدم العلمي والاقتصادي بالسلام يأمن الخائف، ويؤمن المتخفي بإسلامه ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. ﴾ [النساء: ٩٤]. نحتاج للسلم في كل حال .. ونحتاج للمسلم حين تطعن لغة الحرب .. وتكون لغة القوة هي اللغة السائدة .. وفي هذه الأجواء تهلك الحرث والنسل وتتعطل المنافع .. ويحيق الخراب، وتهدر الطاقات .. وتتوقف الحياة وتشل حركة الأحياء ..

стр. 3539

إلا أن الذين يعشقون الحر بدون هدف نبيل قوم غلاظ الأكباد في مشاعرهم جفاء .. وفي أخلاقهم عوج .. لديهم أنانية، وفيهم حب للسيطرة .. وعندهم نزعة لفرض مبادئهم وأفكارهم بالقوة .. ولا حقق الله أماني من يريدون أن يقذفوا بغيرهم البحر .. أو يرجوا بهم في السجون (السلام) ما أعذب هذه الكلمة، وأعمق مدلولها .. إنها جزء مهم في الإسلام بل هي من خير الإسلام .. فقد سأل رجل النبي ﷺ أي الإسلام خير؟ فأجابه: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (١) هي تحيتنا أهل الإسلام منذ خلق الله أبانا آدم وقال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم، واستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك (٢). وهي رمز وسبب للمحبة والتآلف وطريق إلى الجنة «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تأمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٣). والسلام أحد مؤشرات الإيمان، وفي البخاري معلقًا- ووصله غيره- عن عمار بن ياسر ﵁ قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان .. الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار (٤). إن في بذل السلام -لمن عرفت ومن لم تعرف-، من الصغير والكبير، والغني والفقير، والأبيض والأسود، والقريب والبعيد .. تواضعًا وصلة ومحبة توجب للعبيد رفعة الدرجات وتكفير السيئات .. فالمسلمان إذ التقيا وسلم كل منهما

стр. 3540

على الآخر تحاتت ذنوبهما كما يحت الشجر ورقه. أجل لقد كان من هديه ﵊. السلام على الصبيان (١) وفي هذا تعويد لهم على الخير، وإشعار لهم بالمحبة، وتقدير لمشاعرهم .. وأكرم بذلك من تربية. بل كان من هديه- ﵊ إشاعة السلام، فالصغير يسلم على الكبير والمار يسلم على القاعد، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير، (وأولى الناس بالله من بدأهم بالسلام) (٢). وإذا ظن البعض أن السلام في القدوم على القوم فقط، فالسنة تصحح ذلك وتضيف السلام عند الانصراف، وفي هذا يقول ﵊: «إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم، وليست الأولى أحق من الآخرة» (٣). وثمة تنبيه وملمح في السلام على المسلمين داخل المسجد، فبأيهما يبدأ بالتحية على المسلمين، أم بالتحية للمسجد؟ قال ابن القيم ﵀: ومن هديه ﷺ أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد، ثم يجيء فيسلم على القوم فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق الله تعالى، والسلام على الخلق هو حق لهم، وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم .. ثم ساق ابن القيم قصة الرجل المسيء في صلاته، والذي بدأ بتحية المسجد ثم السلام على النبي ﷺ كشاهد لهذا وعلى هذا- كما يقول ابن القيم- يسن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مترتبة: أن يقول عند دخوله: بسم الله
следующие страницы →