← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شعاع من المحراب الجزء الأول إعداد د. سليمان بن حمد العودة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

شعاع من الحراب

стр. 4

مقدمة الجزء الاول الحمد لله رب العالمين أعان ويسر، وأسأله القبول والتسديد، والمغفرة عن الخطأ والتقصير، والصلاة والسلام على معلم الإنسانية الخير وسيد البشر محمد بن عبد الله عليه وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والتسليم. وبعد فهذه مجموعة خطب ألقيتها في جامع (سلطانة) ببريدة، في أزمنة متفاوتة، وهي حاوية لموضوعات في العقائد والعبادات وأخرى في الأدب والأخلاق، وثالثة في السير والتراجم، كما تشمل أحاديث عن فرائض وواجبات، وفضائل ومندوبات، ولم تخل من وقفات تاريخية فيها عبرة، أو مواعظ موقظة. وهذه وتلك لم يتم تصنيفها وتبويبها حسب الموضوعات، ولم يوضع في الاعتبار ترتيبها حسب الأولوية والمهمات، وإنما جاء عفويًا تؤكد الأولوية فيه أو الاهتمام ظروف الزمان أو المكان المتحدث فيها، أو حاجة الناس المتحدث إليهم، أو اختيار المتحدث نفسه لأحد الموضوعات. وقد رأيت نشرها رجاء الفائدة منها، ولا أظن الإفادة منها تعني ضعف المستفيد، ولا أفضلية المفيد، ولكن الموضوع الواحد تختلف في تحديد عناصره الأقلام، وتتناول الفكرة الواحدة بأكثر من زاوية الفهوم والأفكار. وسروري عظيم إن ستجد (الواعظ)، أو (المربي)، أو (الداعية) فيها ما يعينه على أداء مهمته، فنشر الخير بغيتنا جميعًا، والتنبيه للمخاطر على مستوى الفرد والجماعة والأمة مسؤوليتنا -كذلك- جميعًا.

стр. 5

ولقد حرصت -قدر المستطاع- تأصيل وتوثيق المعلومات الواردة بإثبات مصادرها، والتأكد من صحة النص الشرعي، وأرى ذلك مهمًا في خطب الجمع أو غيرها لأنه يبصر المطلع بمصدر المعلومة من جهة، ويمكنه من الرجوع إليها لمزيد الفهم أو استكمال ما اختصر -عند الحاجة- من جهة أخرى، وأنصح للخطباء وغيرها أن يعتنوا بمصدر العلامة تدوينًا وتحريًا، إذ قد يحتاج الخطيب نفسه يومًا الرجوع إلى معلومة نقلها وربما أخذت نصيبًا من وقته في سبيل البحث عنها. ولا يفوتني في نهاية هذه المقدمة أن أسأل الله أن يجزل مثوبة من أعان على نشر الخير بماله أو جاهه، أو مجهوده ونصحه. كما لا يفوتني أن أذكر المطلع على هذا الكتاب باغتفار الزلة، وتقديم النصيحة والمشورة، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وثبتنا عليه إلى أن نلقاك. وكتبه: سليمان بن حمد العودة القصيم/ بريدة ٧/ ٧/ ١٤١٧ هـ ص. ب. ١١٩٣

стр. 6

محنة يوسف ﵇ القصة والعبر (١) الخطبة الأولى: إخوة الإسلام، كلما اغتم المسلمون، وترادفت الفتن، وتسلط الجبارون، ووقع الأذى على المسلمين، كلما كانت حاجتهم أشد لمعرفة سنن الله في الكون، وكان شوقهم أكبر للوقوف على سير الصالحين وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام. ولئن كان الحديث قد مضى عن طائفة من أنبياء الله ورسله، وما فيها من دروس وعبر، يعقلها العالمون، وينساها الجاهلون، فإن يوسف ﵇ نموذج للابتلاء، ومثال للصبر، ومؤشر لعاقبة المتقين، وفصول قصته تؤذن بأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن الله لا يؤيد كيد الخائنين، وأن الله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون .. إلى غير ذلك من معان وقيم تبدو للعيان حين يكون الصبر واليقين، وتبرز للناظرين حين يكون الصدق ومجاهدة النفس، والانتصار على الشيطان في معركة الإغواء والإغراء. أجل إخوة الإيمان إن المسافة هائلة بين غيابة الجب وبين علو الشأن في ملك مصر، والفرق كبير في عرف الناس بين يوسف ﵇ وهو في غياهب السجن، وبين كونه من خلصاء ومستشاري عزيز مصر، وليس أقل منه الفرق بين يوسف ﵇ وهو بمثابة السلعة تباع وتشترى بأزهد الأثمان، وينتقل في الرق من سيد إلى سيد، وهو لا يملك من أمره شيئًا وبين يوسف ﵇ وهو على خزائن

стр. 7

الأرض، يتبوأ منها حيث يشاء، يملك الكيل لفئة ويمنعه أخرى، ويمنع الميرة والطعام عن وفد ويهبه لآخرين. ولكن هذه المسافة الهائلة، وتلك الفروق الكبيرة لم تكن في حياة الصديق ﵇ لولا الصدق والإحسان، والصبر ومراقبة الرحمن، والشكر لله والرضاء بما قسم والتسليم بالعسر واليسر، والدعوة لدين الله الخالص وتوحيده في كل حال، حتى وهو يعيش في ظلمات السجق ووحشته ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وهذه العاقبة الحميدة وذلك التمكين العظيم في الأرض لم يتسن ليوسف ﵇ إلا بعد أن امتحنه ربه وابتلاه، وبعد أن عانى صنوفًا من المحن والابتلاءات قص القرآن علينا محنة كيد الإخوة وما أشقه على النفس. وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهند ومحنة الجب والخوف والترويع فيه وما صاحبها من أذى وشدة إذ ربطوه بحبل ودلوه فيه، فجعل إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة فسقط في الماء فغمره حتى صعد إلى صخرة في وسطه، ولم يتخل الله عنه في هذه اللحظة، بل أنزل الله عليه اليسر في حال العسر، وطمأنه بما أوحى إليه أن له مخرجًا مما هو فيه، بل وسينصره الله على إخوته ويرفع درجته، وسيخبرهم بصنيعهم وهم لا يشعرون ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ (١)

стр. 8

قال ابن عباس ﵄: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك (١). ومحنة الرق وهو ينتقل كالسلعة من يد إلى يد على غير إرادة منه، ودون تقدير أو معرفة من استرقه به، ولذا باعوه بأزهد الأثمان ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين﴾ (٢). قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الضمير في قوله «وشروه» عائد على إخوة يوسف، وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة، قال ابن كثير: والأول أقوى لأن قوله ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة، لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه (٣). ومحنة كيد امرأة العزيز والنسوة وما صاحبها من إغراء وشهوة وفتنة، وما أشدها وأقساها! ! ويوسف ﵇ في ريعان الشباب يمتلئ جسمه حيوية وقوة، وهو في حال غربة وعزبة، وأسباب الفاحشة ودواعيها تتهيأ له، فالمرأة هي الداعية، وقد تزينت بكل ما تملك، والدعوة في بيت آمن حيث منزل عزيز مصدر، والأبواب تغلق، ويبقى باب السماء مفتوحًا، فيتذكر يوسف ﵇ من خلاله عظمة الله، ويتصور رقابته، ويرى برهان ربه، فيلوذ بحماه، وينتصر على الإغراء والشهوة، ويمتنع مقارفة الفاحشة، ويستحق أن يكون من عباد الله المخلصين ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ (٤).

стр. 9

قال ابن جرير ﵀ في تفسير البرهان الذي رآه يوسف- ﵇: والصواب أن يقال: إنه رأى من آيات الله ما زجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب ﵇ عاضًا على أصبعه- وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبًا من الزجر عن ذلك، ولا صحة قاطعة على تعيين شيء من ذلك، فالصواب بدأ يطلق كما قال الله تعالى (١). إخوة الإسلام لم تقف محن يوسف عند هذا الحد، فثمة محنة السجن بعد رغد العيش وطراوته في قصر العزيز مع ما في السجن من غربة وعزلة ووحدة، فآلام السجين تشتد حين يكون السجن ظلمًا وعدوانًا، ومحنة السجين تتضاعف حين يكون الطهر والعفاف جريمة وتهمة يؤاخذ بها الصالحون المخلصون. وتزداد الحيرة والغرابة حين نعلم أن الذين سجنوا يوسف ﵇ قد تبين لهم من الآيات والبراهين القاطعة ما يبرئ ساحته ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ فقد القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحز أيدي النساء، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف ﵇ كلها أدلة للبراءة كما قال (٢). ومع ذلك يسجن يوسف ﵇ حتى لا تنشر فضيحة امرأة العزيز بمراودتها يوسف عن نفسه عند عامة الناس، وهكذا حين يغيب العدل بين الناس يستهان بحق الأبرياء في سبيل الحفاظ على سمعة الكبراء، ويبقى بعد ذلك أن الذي يدخل السجن متهمًا مظلومًا يخرج منه بعد حين عزيزًا مكرمًا بريئًا ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عي كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾ (٣).

стр. 10

ثم محنة الرخاء والسلطان المطلق، وهو يتحكم في أقوات الناس وفي رقابهم، وفي يديه لقمة العيش التي تقوتهم، وليست محنة السراء بأقل من محنة الضراء فثمة، دواعي الكبر والخيلاء، والشح والبخل، والظلم والعدوان، والغفلة عن ذكر الله والدار الآخرة كلها أدواء تصاحب الغنى واليسر إلا من رحم الله، ويوسف ﵇ كما كان نموذجًا للصبر والرضا والتسليم بما قدر الله في زمن الشدة والضراء، فقد كان نموذجًا آخر للعدل والأمانة والشكر والذكر لله في زمن الفرج والسراء ومقاليد أمور مصر بيديه، وخزائن الأرض تحت تصرفه .. أجل لقد ضرب الصديق ﵇ نموذجًا للعفة وحسن السياسة في الرعية، وعرفت الأرض والناس به نموذجًا للحكام الصالحين، الذين تكثر نفقاتهم دون منٍ أو أذى، وتكثر الخيرات من حولهم، بهم تصلح الحياة الدنيا، وبسيرتهم يتذكر الناس الدار الآخرة، فلا جوع أو تسفيه، ولا فتنة ولا تخمة. وتأملوا كيف ترتبط الحياة الدنيا بالآخرة في أذهان العارفين ﴿رب قد آتيتني من الملك وعلمتني هن تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني في بالصالحين﴾ (١) ألا إنها أخلاق الأنبياء، نماذج خيرية بالاعتبار والاقتداء. اللهم احشرنا مع البررة الأتقياء، وبلغنا منازلة الشهداء ... أقول ما تسمعون ...

стр. 11

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره، وأسأله المزيد من فضله وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين ومن تبعهم إلى يوم الدين. أيها الإخوة المؤمنون .. أيتها الأخوات المؤمنات .. في قصة يوسف ﵇ مزيد من الدروس والعبر لمن تأملها وتدبرها ففيها تسلية لكل مظلوم، وفيها تسرية لكل مغموم، إذ يتذكر مقام الصالحين، فيستيقن أن الابتلاء على قدر الإيمان واليقين «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليك خطيئة» (١). ويقول ﵊ في حديث صحيح آخر- «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحويها- أي يقطع وسطها فيلبسها ويبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشدّ فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» (٢). وسورة يوسف كما يقول أهل التفسير: نزلت أول ما نزلت تسرية للنبي ﷺ والمسلمين معه في وقت كانوا في أشد الحاجة إلى مثلها، فالسورة مكية،

стр. 12

ويقال: إنها نزلت بعد سورة هود في تلك الفترة الحرجة بين عام الحزن بموت أبي طالب وخديجة ﵂ سندي رسول الله ﷺ ، وبين العقبة الأولى ثم الثانية التي جعل الله فيهما للإسلام والمسلمين فرجًا ومخرجًا بالهجرة إلى المدينة. وكما أخرج يوسف ﵇ من حضن أبيه، وغرب عن ديار أهله ليواجه هذه الابتلاءات كلها، ثم لينتهي بعد ذلك إلى النصر والتمكين، كذلك أخرج النبي ﷺ ، وضيق على المسلمين حتى هاجروا من مكة إلى المدينة مكرهين، وكان النصر والتمكين (١). وهي باقية كذلك تسرية لكل مسلم تنزل به فتنة أو تمر به ظروف وحالات تشابه حالة الصديق ﵇. وما أحوج الدعاة للوقوف مليًّا عند أحداث القصة يستلهمون منها العبر، ويتسلون بها حين الضجر، فتهديهم أن العاقبة للمتقين، وأن النصر في النهاية والتمكين لعباد الله الصالحين، ولكن لابد من الصبر والرضاء واليقين واحتساب الأجر عند رب العالمين. وما أحوج الساسة والأمراء والمسؤولين لسياق القصة تبصرهم بقصر الحياة من جانب، وفداحة الظلم من جانب آخر، وتهديهم إلى أحسن أساليب الحكم والعدل في الرعية من جانب ثالث. وقصة يوسف ﵇ موقظة للرقابة من الله حين يكون إغراء الشهوة، وحين تتوافر للمرء أسباب الفاحشة والفتنة. وهي تذكر بالاستغفار والتوبة حين تضعف النفس وتقع في الخطيئة، وتعترف

стр. 13

بالضعف وتلتمس المخرج ﴿قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لا تثريب عليكم اليوم يغفو الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ (١). ﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ (٢). وفي القصة عزاء للسجناء الأتقياء، وسلوة للمتهمين الأبرياء. وفيها يجتمع نموذج السراء والشكر ونموذج الضراء والصبر، وهما نموذجان ملازمان للمؤمن (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكره فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (٣). وفي القصة يبرز الصبر سلاحًا يتكئ عليه المسلم في الشدائد والأزمات، وهو صبر لا تسخط فيه ولا جزع ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ (٤). ﴿فصبر جميل عسى الله أن يأتني بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم﴾ (٥). وكذلك يلتقي صبر يعقوب ﵇ بعد رحلة شاقة من الهم والضيق وجدب الأرض ولوعة الفراق، وصبر يوسف ﵇ بعد رحلة شاقة بين ظلمات الجبّ، وظلمات السجن وشدة الغربة، وألم التهمة .. يلتقي الصبران الجميلان بإذن الله ليجمع الشمل ويرأب الصدع، ويعود الصفا، وتنتهي في بيت يوسف وملكه

стр. 14

حالة الفرقة والشحناء، ويخر الأبوان سجدًا لله شاكرين، ويطلب الأبناء المخطئون العفو والمغفرة، ويتذكر الصديق مع أبيه رؤياه في صغره. ورؤيا الأنبياء ﵈ حق- ويقول ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم﴾ (١) ويذكر يوسف ﵇ إخوته بعاقبة الصبر وجزاء الصابرين فيقول: ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (٢). اللهم ارزقنا الصبر والاحتساب، وادفع عنا وعن إخواننا المسلمين البلاء والمحن، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ... هذا وصلوا ..

стр. 15

الإمام الشافعي والنيل من العلماء (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... أيها الإخوة المؤمنون، أخرج ابن أبي الدنيا من طريق أسامة بن زيد عن أبي معن قال: لقى عبد الله بن سلام كعب الأحبار عند عمر ﵁ فقال يا كعب: من العلماء؟ قال: الذين يعملون بالعلم، قال: فما يذهب العلم من قلوب العلماء؟ قال: الطمع، وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى الناس، قال: صدقت (٢). هذه كلمات جامعة، وصفات عزيزة غالية، ما أحوج الأمة إلى توفر أصحابها، وما أسعد عيش أربابها بهذه النوعية من العلماء يعرف الحق، وبهم وعلى أيديهم يكتب الله الهداية والاستقامة للخلق، يدفعون عن هذا الدين انتحال المبطلين، ويقومون ما اعوج من سلوك أصحاب الشهوات والمترفين، ويبينون للناس ما خفي من أحكام الدين، يعيشون هموم الأمة فيفرحون لعزها ويسعدون بانتصارها، ويحزنون لمصابها ويقلقون لآلامها .. يتجردون من ذواتهم ويعيشون لغيرهم، يفتون السائل، ويعلمون الجاهل، وينصحون الغافل، ويتحملون في ذات الله ما يصيبهم من المصائب والمحن، بهم تحيا السنن، وبجهودهم ونصحهم تقمع البدع، بصدقهم وإخلاصهم يقوى جانب الأمر بالمعروف، ويعتز الآمرون، وبتجردهم وقوتهم ويوهى جانب المنكر ويذل

стр. 16

المبطلون، بهم لا يلتبس الحق بالباطل ولا يستوي الأخيار مع الأشرار، ولا تروج بضاعة النفاق ولا يسود المجتمع المنافقون. هم حراس الأمة من المتسللين الأدعياء، وهم صمام الأمان إذا أحدقت بالأمة الخطوب وتناولتها الأخطار، هم النجوم تضيء إذا تاه الدليل، أو تغيرت معالم الطريق، هذه النوعية من العلماء على الرغم من جدها وجهادها فهي مبتلاة في نفسها وأعراضها .. فالسهام موجهة إليها، والحسرة والمغرضون لا يألون جهدًا في التقليل من شأنها، وكيل التهم الفارغة لها .. ولا يزيدها ذلك عند الله إلا علوًا في الشأن، ولا عند الخلق إلا مزيدًا من الرفعة والمحبة والذكر الحسن. وسأسوق لكم نموذجًا لهؤلاء العلماء العاملين الذين لم يسلموا من أسهم الموتورين فكانت سببًا لعلو شأنهم واستمرار ذكرهم عبر القرون. حديث اليوم عن الإمام الشافعي مجدد الدين في القرن الثاني الهجري عالم عصره، وفقيه الملة، وصفه الذهبي بالثقة، الحجة، الحافظ (١). قال عن نفسه- ﵀ حفظت القرآن وأنا أبن سبع سنين وكنت أقرئ الناس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وحفظت الموطأ قبل أن أحتلم (٢). وقال عنه الإمام أحمد- ﵀: وقد سئل عنه: لقد من الله علينا به، لقد كنا تعلمنا كلام القوم وكتبنا كتبهم حتى قدم علينا، فلما سمعنا كلامه علمنا أنه أعلم من غيره، وقد جالسناه الأيام والليالي فما رأينا منه إلا كل خير (٣).

стр. 17

وكان أحمد إذا سئل عن مسألة لا يعرف فيها خبرًا يقول فيها بقول الشافعي لأنه إمام قرشي (١). وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ قال يا بني: كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناي فهل لهذين من خلف أو منهما عوض؟ (٢). ولا غرو أن يدعى لمثل هذا في الصلاة، قال الإمام أحمد ﵀: وإني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي (٣). هذا العالم الجهبذ كان مثالاً للزهد والورع وهو القائل: ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرة فأدخلت يدي فتقيأتها وذلك لأن الشبع يثقل البدن ويقسي القلب، ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف عن العبادة (٤). وهو نموذج يحتذى في العبادة واستثمار الوقت بما ينفع، وقد نقل عنه أنه كان ىجزئ الليل أثلاثًا، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام (٥). فإذا كان هذا شأنه في الليل فلا تسأل عن عبادته وحديثه في الطلب في النهار. ومع حرصه على العلم وحثه على طلبه حتى قال: طلب العلم أفضل من النافلة (٦) فكان يزينه التواضع والتجرد في طلب العلم وهو القائل: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط (٧).

стр. 18

وقال ﵀: ما كابرني أحد على الحق ودافع إلا سقط من عيني، ولا قبله إلا هبته واعتقدت مودته (١). وهو داعية خير وناصح أمين لكل متردد أو شاك متحير، وانظره كيف يجلي الصورة للسائل في وسوسة الإيمان، ويقنعه بالحجة والبرهان، فقد جاء المزني إلى الشافعي وهو يقول: إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي، فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحدًا لا يعلم علمك فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم، قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت لا، قال: هل تعلم من الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجمًا في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه أفوله، مم خلق؟ قلت: لا، قال فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منه فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق؟ إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله وإلى قوله تعالى ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إن في خلق السموات والأرض .. ﴾ الآية فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف علم ما لم يبلغه عقلك قال: فتبت (٢). وكذلك يضيء العلماء الطريق للحيارى، ملأ هذا العالم الدنيا علمًا نافعًا، وذكرًا طيبًا ونشر الله بجهوده الملة، وحفظ به وبأمثاله الفقه والسنة، ولا تزال

стр. 19

مدونات العلم تشهد بفضله وتخلد ذكره .. حتى إذا حانت منه ساعة الرحيل خاف الوعيد ورجا ربه العفو والتسديد، وقد دخل عليه المزني وهو في مرضه الذي مات فيه فقال: يا أبا عبد الله: كيف أصبحت؟ فرفع رأسه وقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا، ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الله واردًا، وما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها أو إلى نار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي دون عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظماَ فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منةً وتكرماَ فإن تنتقم مني فلست بآيس ... ولو دخلت نفسي بجرمي جهنماَ ولولاك لم يغو بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيك آدماَ وإني لآتي الذنب أعرف قدره ... وأعلم أن الله يعفو ترحماَ (١) اللهم عفوك ورحمتك وغفرانك، اللهم اغفر لأئمة المسلمين وألحقنا بركب الصالحين .. أقول ما تسمعون ...

стр. 20

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين أحاط بكل شيء علمًا، ووسعت رحمته الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قضى بالرفعة والفضل لأهل العلم والإيمان ولو كره المبطلون، وكتب على كل بشر قدره من الفتنة والبلوى، وعلى قدر الإيمان يكون البلاء، فلأشد الناس بلاءً الأنبياء ﵈ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما صح بذلك الحديث .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ناله أصناف الأذى واتهمته قريش بألوان من التهم فأظهره الله عليهم والعاقبة للتقوى اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى سائر المرسلين. إخوة الإيمان .. الإمام الشافعي الذي أطبق في الخافقين ذكره، وانتفع العالم بعلمه لم يسلم من حسد الحاسدين، ولم يكن بمنأى عن تقول المتقولين، وتناوشته سهام المتكلمين، شأنه في ذلك شأن المتقدمين والمتأخرين كما قال الإمام الذهبي ﵀ وهو يصف هذه الظاهرة ويقول: ونال بعض الناس من الشافعي غضًا، فما زاده ذلك إلا رفعةً وجلالة، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى، وقل من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا وعودي، نعوذ بالله من الهوى (١) ويحدد الذهبي- في موضع آخر- أصناف الذين يتكلمون في أهل العلم ويتهمونهم بغير حق، وأثر ذلك على العالم فيقول: «وما تكلم فيه- يعني الشافعي- إلا حاسد أو جاهل بحاله، فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجبًا لارتفاع شأنه وعلو قدره، وتلك سنة الله في عباده ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا

стр. 21

كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا﴾ (١). وقبل الذهبي كشف الإمام أحمد ﵀ أسباب كثرة الكلام والتهم على العالم من أقرانه ومعاصريه فقال «اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئًا من العلم وحرمه قرناؤه وأشكاله حسدوه، فرموه بما ليس فيه، وبئست الخصلة في أهل العلم» (٢). أي وربي صدق الإمام أحمد، وبئست الخصلة في أهل العلم إنها الماحقة للدين، والموغلة بصدور المؤمنين، والميدان الرحب يفرح به المغرضون والمنافقون، وتلك بضاعة الشيطان يصد بها المسلمين عن ذكر الله وشكره وحسن عبادته وهو يصور لهم أن ذلك هو الجهاد الحق وإنه أولى من جهاد الكفار والمنافقين، وأن كشف زيف هؤلاء أولى وخطرهم على الدين أشد وأقضي. وهكذا يزين الشيطان لبعض الناس ويتلاعب بعقولهم حتى تصبح الردود والتهم شغلهم الشاغل بها ينصرفون عن البناء وإكمال مسيرة العلماء، وبها ينسون عيوبهم وسبل إصلاحها ويشتغلون بعيوب الآخرين ويتزيدون فيها .. والمسلم الحق كما قال النبي ﷺ من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأربى الربى استطالة المرء في عرض أخيه، كما جاء في الحديث، وفي الرواية الأخرى «أربى الربا شتم الأعراض» (٣).

стр. 22

إخوة الإيمان .. أما كيف تعامل العلماء قديمًا مع هذه الخلافات والنجوى .. وماذا ينبغي أدن يتعامل به الناس حديثًا، فهو طي هذا اللغط وإهمال أصحابه، والحرص على ردم الهوة بين المسلمين، وعدم مجاراة المغرضين فلا يعني السكوت على ترديد الشائعات والتهم الضعف والخور بقدر ما يعني التعقل والثقة والانشغال بالأهم، وسيكفي الله عباده الصالحين شر الأشرار وكيد الفجار، والله تعالى يدافع عن الذين آمنوا، والحق مهما اختلط بغيره فلا بد أن يظهر أصحابه، والباطل مهما تستر أصحابه فلا بد أن يكشفهم الله ويفضحهم في جوف دارهم .. وما ربك بغافل عما يعملون، ولا يظلم ربك أحدًا، والعاقبة للتقوى. حول هذا المنهج قال الإمام الذهبي ﵀ كلامًا طويلاً أقتبس منه العبارات التالية: «كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه بل يطوى ولا يروى، ثم تحدث عما شجر من الصحابة وقال: إن أكثره منقطع وضعيف وبعضه كذب .. فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، إلى أن قال: ثم تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض وتحاربوا وجرت أمور لا يمكن شرحها فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة .. إلى آخر كلامه (١). ألا فليتق الله أولئك الذين يروجون الشائعات ويلصقون التهم وىكتبون الكتابات ويتزيدون في التأويلات، ويتدخلون في تفسير المقاصد والنيات .. وتلك لا يعلمها إلا عالم السر والخفيات.

стр. 23

وعلى من اتهم في دينه أو عرضه بغير حق أن يصبر ويحتسب، ويتجرد عن حظوظ النفس والهوى، وأن يقوم بالقسط والعدل كما أمر الله ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (١). وينبغي أن يستقر في أذهان المسلمين أن الخلاف في الرأي دون هوى ليس مسوغًا للفرقة والاختلاف وملغيًا لحقوق إخوة الإسلام، وتأملوا هذه اللفتة الطيبة عن الإمام الشافعي: يقول يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة. ثم يعلق الذهبي على ذلك ويقوله: قلت: هذا يدل على كمال عقل هذا في ما- وفقه نفسه، فمازال النظراء يختلفون (٢). فهل يفقه المسلمون أدب الخلاف، وهل يتقون الله حين الاتفاق أو الاختلاف، وهل يلتفت العقلاء إلى خطط الكافرين وموائد المنافقين، وأطماع اليهود والنصارى والمجوس والمشركين فذلك أولى وأحرى من تصويب السهام في صدور المسلمين، والحط من قدر العلماء والدعاة المجتهدين .. إن في ذلك لذكري لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. والموفق من وفقه الله والمعصوم من عصمه الله .. اللهم اعصمنا من الزلل وطهر قلوبنا وألسنتنا من الغل والحقد والكذب.

стр. 24

(١) المسلم بين الخوف والرجاء (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين أنزل خشيته في قلوب المؤمنين، وجعل خوفه سببًا للمسارعة في الخيرات، فقال تعالى: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون﴾ إلى قوله .. ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده للشريك له، امتدح أنبياءه ﵈، وأثنى على أوليائه بالخوف: فقال جل من قائل عليمًا: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ (٣). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان في أعلى مقامات الخوف من ربه، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف .. اللهم صلّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإسلام عليكم بوصية الله للأولين والآخرين ﴿ولله ما في السموات والأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله .. ﴾ (٤). أيها المسلمون والمسلمات لقد أتنى الله على ملائكته لخوفهم منه، فقال: ﴿وهم من خشيته مشفقون (٥).

стр. 25

فإذا كان هذا حال الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وتلك صفة الذين يسبحون الله بالليل والنهار لا يفترون .. فكيف ترونه ينبغي أن يكون خوف المقصرين المفرطين؟ إخوة الإيمان وللخوف من الله موجباته وأسبابه ودواعيه، قال الحليمي- ﵀ والخوف على وجوه، أحدها: ما يحدث من معرفة العبد بذل نفسه وهوانها وقصورها وعجزها عن الامتناع عن الله إن أراده بسوء، قال الله تعالى ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارًا وقد خلقكم أطوارًا﴾ أي لا تخافوا الله عظمةً .. حيث خلقكم من نطفة ثم علقة ثم مضغة. كذلك فسره ابن عباس وغيره (١). والثاني: ما يحدث من المحبة وهو أن يكون العبد في عامة الأوقات وجلاً من أن يكله الله إلى نفسه، ويمنعه مواد التوفيق، ويقطع دونه الأسباب، فلا يزال مشفقًا من حرمان محبته، خائفًا من السقوط عنده، قال تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبكما بعد إذ هديتنا﴾ وهؤلاء لفرط محبتهم وكثرة دعائهم لخالقهم سماهم الراسخين في العلم. الثالث: ما يحدث من الوعيد، قالي تعالى: ﴿وإياي فاتقون﴾ ﴿وإياي فارهبون﴾ ﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ (٢) ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ (٣).

стр. 26

وقال الإمام ابن القيم ﵀: ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم لله، وهو ينشأ من ثلاثة أمور: ١) معرفة الجناية وقبحها. ٢) تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. ٣) أن المرء لا يعلم لعله يمنع من التوبة، ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه (١). قال العارفون: ليس للعبد صاحب خير من الهم والخوف، هم فيما مضى من ذنوبه، وخوف فيما لايدرك ما ينزل به، ومن المفاهيم الخاطئة عند بعض الناس أن الخوف ضعف ومنقصة، وهو كذلك إذا كان من هموم الدنيا أو تخوف من البشر مهما كانت منازلهم، لكنه قوة ومنقبة إذا كان لله وفي الله، فالخائفون من الله أزكى قلوبًا وأكبر عقولاً من الغافلين السادرين في غيهم وشهواتهم. والخوف من الله في الدنيا من علامات أهل الجنة، حتى قيل: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ (٢)، وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: ﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين﴾ (٣). وقال ابن المبارك: من أعظم المصائب للرجل أن يعلم من نفسه تقصيرًا ثم لا

стр. 27

يبالي ولا يحزن عليه (١). ولهذا كله روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب كل قلب حزين» (٢). ذلك هو الخوف المحمود، وهو الذي يمنع صاحبه من اقتراف المعاصي، لأن صاحبه مستحضر لرقابة الله، خائف منه على كل حال، قال سهل التستري ﵀: لا يبلغ حقيقة الخوف حتى يخاف مواقع علم الله فيه ويحزن على ذلك (٣). وقال الخليفة هارون الرشيد ما رأت عيناي مثل الفضيل بن عياض، قال لي وقد دخلت عليه: يا أمير المؤمنين فرغ قلبك للحزن والخوف حتى يسكناه فيقطعاك عن معاصي الله تعالى ويباعداك من عذاب النار (٤). وبشبه العارفون حزن القلب بسكنى الدار، فكلاهما إذا خلا من الساكن خرب، قال مالك بن دينار: إن القلب إذا لم يحزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب. وخوف المسلم من الله نابع من خشيته سوء العاقبة، فهو مهما عمل لا يدري بما يختم له، فتراه دائما خائفًا وجلاً، وتلك من أشدّ الأشياء على الشيطان، وهي مبعدة لعجب الإنسان بعمله، قال إسحاق بن خلف: ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول ابن آدم: ليت شعري بم يختم لي؟ ! قال: عندها ييأس إبليس منه، ويقول: متى يعجب هذا بعمله (٥)؟ ! .

стр. 28

وفي تغييب الخاتمة عن الإنسان حكمة إلهية بالغة، قال ابن بطال: «في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف لأنه لو علم وكان ناجيًا أعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء» (١). أيها المسلمون لم لا يخاف المسلم وأعماله مهما بلغت لا تنجي صاحبها إن لم يصحبها خوف من الجليل وطلب الرحمة من الرحمن الرحيم؟ وهذا خير البرية ﷺ يقول: «ما منكم من أحد ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل» (٢). ويروى عنه قوله «لو أن رجلاً يخر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضات الله لحقره يوم القيامة» (٣). وبإسناد موقوف صحيح عن محمد بن أبي عميرة ﵁ قال: لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في طاعة الله لحقر ذلك اليوم ولود أنه زاد كيما يزاد من الأجر والثواب (٤). معاشر المسلمين الخوف الشرعي هو الذي يعلق صاحبه بالله تعلقًا مشروعًا، يدفعه إلى عمل الطاعات واجتناب المعاصي وطب المغفرة والرحمة مقرونًا بالرجاء وحسن الظن بالله، وليس بالخوف السلبي الذي يقعد بصاحبه عن العمل، أو يدعوه إلى فعل ما حرمه الله من الأقوال أو الأفعال، كحال جهلة الصوفية وأمثالهم ممن يعبد الله بالأهواء والتخيلات الفارغة.

стр. 29

إن حقيقة الخوف من الله مراقبته على الدوام والوقوف عند حدوده في السرّ والجهار ولذا كان أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله. ولا شك أن الخائفين في الدنيا هم الآمنون يوم القيامة، فمن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إلا أن سلعة الله الجنة. وقد جاء في الأثر المروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة» (١). اللهم اجعل خوفنا لك ووجلنا منك، وبخوفنا في الدنيا آمنا يوم نلقاك .. أقول ما يسمعون ...

стр. 30

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره، وأسأله تعالى أن يجعل خوفنا ورجاءنا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونسأله تعالى أن يجعلنا يوم الفزع الأكبر من الآمنين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بين للأمة بسلوكه القولي والفعلي ما به يأمنون وكيف ومم يخافون؟ اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى الآل والأصحاب والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الإخوة المؤمنون، وكما أن الخوف من الله من صفات المؤمنين فهو من شروط الإيمان كما قال تعالى ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. وهو سمة من سمات العلماء العارفين ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ولا ينبغي لعاقل أن يغتر بطول غفلة الغافلين، وأمن المفرطين، وقلة خوفهم من رب العالمين، فذلك دليل جهلهم بحقيقة ما هم مقدمون عليه من الأهوال التي يشيب لهولها الولدان، وهو مظهر من مظاهر جهلهم بعظمة خالقهم، ولو قدروا الله حق قدره لخافوه وعظموه وتقربوا إليه. وهذه مواكب الإيمان قديمًا وحديثًا يتسابقون في عمل الصالحات، ويكفون عن المحرمات، ويمتنعون من ظلم أنفسهم أو ظلم الخلق من حولهم، ومع ذلك كله يبلغ بهم الخوف من الله مبلغه، ويظلون يبكون على خطيئتهم، ويتمنى الواحد منهم لو كان جدثًا أو شجرة تعضد قبل يوم القيامة، فهذا معاذ بن جبل ﵁ أعلم الناس بالحلال والحرام حين حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له: أتبكي وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ولمسلم وأنت أنت، فقال: ما أبكي جزعًا من الموت إن حل بي، ولا دينًا تركته بعدي، ولكن إنما

стр. 31

هما القبضتان: قبضة في النار، وقبضة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أنا» (١) وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقول: «والذي لا إله غيره لوددت أني أنقلب روثة وأني دعيت عبد الله بن روثة وأن الله غفر لي ذنبًا واحدًا» (٢). بل إن أحد الخيرين عمر ﵁ يروى عنه أنه كان يقول «يا ليتنى كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدًا ثم أكلوني، ولم أكن بشرًا» (٣). وكيف لا يخاف هؤلاء وأمثالهم كثير .. وهذا صفوة الخلق محمد بن عبد الله ﷺ يضرب المثل في العبادة والتقوى ويضرب المثل في الخوف والبكاء. فعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى- وفي رواية كأزيز المرجل- من البكاء» (٤). ويقول أبو ذر ﵁ قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يرددها، والآية قوله تعالى ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (٥). وعن أبي ذر ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾

стр. 32

حتى ختمها قال: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله » (١) ثم قال أبي ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد» أمة الإسلام يطول الحديث عن الخوف من الله، وتكثر القصص في نماذج الخائفين بحق من الله .. وليس في المقام متسع لأكثر من هذا، والعبرة بالعمل بعد العلم، وعلى قدر إيمان العبد وعلمه وتقواه بخالقه يكون خوفه وكما قال الفضيل بن عياض ﵀: رهبة العبد من الله تعالى على قدر علمه بالله، وزيادته في الدنيا على قدر شوقه إلى الجنة. يا أخا الإيمان إذا أردت أن تعلم من نفسك قدر الله عندك فانظر في نسبة خوفك منه، فعلى قدر عظمة الله عندك يكون خوفك منه، وبرهان خوفك من الله مسارعتك في الطاعات وامتناعك عن المحرمات. ومن عزائم محبة الله محبة ما يحبه الله ومحبة أوليائه، وبغض ما يبغض الله والبراءة من المشركين والمنافقين، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الجوارح (٢). وحتى لا ييأس العبد من مولاه .. وحتى لا تظلم الدنيا في عينيه، وتتحول حياته إلى خوف دائم يقعد به عن العمل .. فثمة جناح آخر ينبغي أن يطير به الزمن ألا وهو الرجاء ذلك الحبل الممدود بين الأرض والسماء .. وذلك مجال الحديث في خطبة قادمة بإذن الله ..

стр. 33

(٢) المسلم بين الخوف والرجاء (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين ملاذ الخائفين، وأمل الناجين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يفر الخلق منه إليه وليس أحد يفر منه ويلجأ إليه سواه ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ (٢) وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله علم الأمة كيف يكون الخوف منه، وكيف يكون الرجاء فيه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله عباد الله واحترزوا من كل شيء دون الله، فمن فرّ إلى غيره لم يمتنع به. أيها الإخوة المسلمون قد سبق الحديث عن الخوف من الله حقيقته وفضله وآثاره ونماذج لخوف المؤمنين، فليس يسوغ الحديث عنه مهما كان مختصرًا إلا باستكمال الحديث عن الرجاء، حتى قيل: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص واحد منهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا جميعًا صار الطائر في حدّ الموت، لذلك قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا (٣). وقبل الحديث عن الرجاء أستكمل نماذج أخرى من خوف السلف، وبعضًا من ثمار الخوف وآثاره في الدنيا، وثماره في الآخرة أعزّ وأغلى، فسفيان

стр. 34

الثوري ﵀ كان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم (١). وحتى أصابه السقم حُمل مقدار من بوله فعرض على الأطباء فلم يعرفوا ما به، حتى حمل إلى راهب في ناحية الحيرة، فلما نظر إليه قال: ليس بصاحبكم مرض، إنما الذي به لما دخله من الخوف (٢). وفي رواية: قال الطبيب: هذا ماء رجل قد أحرق الخوف (٣). ولا غرابة في ذلك، فمع قيام هذا العالم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو يشعر بتقصيره في أداء الواجب، ويقول: «إني لأرى الشيء يجبر علي أن آمر به أو أنهي عنه لا أفعل فأبول دمًا» (٤). وإذا كان يطيب ذكر الخائفين من علماء وأعلام المسلمين، فالذكر أطيب حين يكون الخوف من الولاة الورعين، ويتمثله أحد أئمة المسلمين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، أولئك حقًّا هم النماذج لولاة المسلمين، وعلى قدر خوفهم من خالقهم تهابهم وتجلهم رعيتهم. قالت فاطمة بنت عبد الملك- زوج عمر بن عبد العزيز يرحمه الله- تصف خوف عمر: يا مغيرة إنه قد يكون في الناس من هو أكثر صلاةً وصيامًا من عمر، وما رأيت أحدًا قط أشد فرقًا من ربه من عمر. كان إذا صلى العشاء قعد في المسجد، ثم يرفع يديه فلم يزل يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلم يزل رافعًا يديه يبكي حتى تغلبه عيناه (٥). وعمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- هو الذي كانت لا تجف له دمعة من هذه

стр. 35

الأبيات: ولا خير في عيش امرئ لم يكن له ... من الله في دار القرار نصبب فإن تعجب الدنيا أناسًا فإنها ... متاع قليل والزوال قريب (١) إخوة الإسلام لا غرابة أن يحب الخلق من يخاف الله، فمن خاف الله أخاف منه كل شيء، ومن شغل بالله انشغل الخلق بأمره، ومن أحب الله أحبه الخلق. يقول عمر بن عبد العزيز والفضيل بن عياض رحمهما الله: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء (٢). وقال: يحيى بن معاذ الرازي- يرحمه الله-: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر شغلت بأمر الله شغل في أمرك الخلق (٣) وتلك وربي من ثمار الخوف في الدنيا. ولكل شيء حقيقة، ولكل عمل علامة يستدل بها عليه، وقد قال ذو النون: ثلاث من أعلام الخوف: الورع عن الشبهات بملاحظة الوعيد، وحفظ اللسان مراقبةً للعظيم، ودوام الكمد إشفاقًا من غضب الحكيم (٤) فالخوف شعور قلبي بعظمة الخالق في الباطن، ينشأ عنه سلوك حسن في الظاهر، إذ ليس يكفي مجرد الخوف الظاهري، فقد ينخدع الناس ببكاء شخص في الظاهر، ويشهد الله على فساد طويته في الباطن .. ولهذا لم يكتف العلماء بمجرد بكاء العينين دليلاً على

стр. 36

الخوف، بل ربما عدوه في النفاق، قال علي بن عثام: بكى سفيان يومًا ثم قال: بلغني أن العبد أو الرجل إذ كمل نفاقه ملك عينيه فبكى (١). أيها الإخوة المؤمنون، الرجاء قرين الخوف، وهو الاستبشار بفضل الله، والثقة بجوده، والارتياح لمطالع كرمه وهو من شعب الإيمان، وإنما كان الرجاء من شعب الإيمان لأنه من أمارات التصديق. قال الإمام البيهقي ﵀: وأفضل الرجاء ما تولد من مجاهدة النفس ومجانبة الهوى، قال الله ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ (٢). وفرق بين الرجاء والتمني، فالرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، أما التمني فيكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، ولذا أجمع العلماء على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل (٣). وإذا استحكم الرجاء وكان على وجهه المشروع حدث عنه من التخشع والتذلل نحو ما يحدث عن الخوف إذا استحكم، لأن الخوف والرجاء متناسبان، إذ الخائف في حال خوفه يرجو خلاف ما يخافه ويدعو الله به، والراجي في حال رجائه خائف خلاف ما يرجو ويستعيذ بالله منه، ولا خائف إلا وهو راج، ولا راج إلا وهو خائف، ولأجل تناسب الأمرين قرن الله تعالى

стр. 37

بينهما في غير آية من كتابه، قال تعالى ﴿وادعوه خوفًا وطمعًا﴾ (١) وقال تعالى ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ (٢). وفي الحديث المتفق على صحته يبين النبي ﷺ لماذا يكون الخوف والرجاء فيقول: «لو يعلم المؤمن بما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط ما جنته أحد» وقد اشتمل الحديث - كما قال الحافظ ابن حجر- على الوعد والوعيد المقتضيين للخوف والرجاء، فمن علم أن من صفات الله تعالى الرحمة لمن أراد أن يرحمه، والانتقام بما أراد أن ينتقم منه، لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته، ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه، وذلك باعث على مجانبة السيئة لو كانت صغيرة، وملازمة الطاعة ولو كانت قليلة» (٣). دخل المصطفى ﷺ على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟ » قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسوله الله ﷺ : «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو». إخوة الإيمان إذا كان يحسن الرجاء بالله في كل موطن، وحسن الظن بالله في كل حال، فذلك أجمل وأحرى في لحظات العبد الأخيرة وقرب رحيله من الدنيا، ولهذا كان السلف ﵏ يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه.

стр. 38

وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال قبل موته بثلاث: «لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله » (١). وحين دخل واثلة بن الأسقع ﵁ على يزيد بن الأسود وقد نزل به مرض ذهب عقله منه، ووجه نحو القبلة، فلما سمع يزيد باسم واثلة الصحابي بقي له من عقله ما يطلب به كف واثلة فأخذها ووضعها على صدره مرة وعلى وجهه أخرى وعلى فيه ثالثة- وذلك لموضع يد واثلة من يد رسول الله ﷺ فقال له واثلة: ألا تخبرني عن شيء أسألك عنه، كيف ظنك بالله؟ قال: اعترتني ذنوب لي أشفيت على هلكة، ولكن أرجو رحمة الله، فكبر واثلة وكبّر أهل البيت بتكبيره، وقال: الله أكبر سمعت رسوله الله ﷺ يقوله: «يقول الله أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء» (٢). فاحرصوا معاشر المسلمين على حسن الظن بربكم مع حسن العمل، واحرصوا على ذلك في وقت شدتكم، وذكِّروا موتاكم في حال نزعهم بضرورة حسن الظن والرجاء بالله، وتأملوا حال السلف من قبلكم، وهذا المعتمر بن سليمان يقول: قال لي أبي حين حضرته الوفاة: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به (٣).

стр. 39

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، قال في محكم التنزيل ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ (١) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يضاعف الحسنات ويعفو عن الزلات، وما يزال العبد بخير ما زال يرجو رحمته ويخاف عذابه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان من أشد الناس خوفًا من الله، وأكثرهم رجاءً به، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإسلام حضر أحد السلف- عبد الأعلى التيمي- جارًا له قد حضره الموت فقال له: أبا فلان: ليكن جزعك لما بعد الموت أكثر من جزعك من الموت، وأعد لعظيم الأمور حسن الظن بالله » (٢). وهنا يرد السؤال: متى يكون الخوف أفضل، ومتى يكون الرجاء أفضل؟ قال السري بن المغلس: الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحًا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف، فقال له رجل: كيف يا أبا الحسن؟ قال: لأنه إذا كان في صحته محسنًا عظم رجاؤه عند الموت وحسن ظنه بربه، وإذا كان في صحته مسيئًا ساء ظنه عند الموت ولم يعظم رجاؤه. قال البيهقي ﵀ معلقًا/ وإنما أراد به خوفًا يمنعه من معصية الله ، ويحمله على طاعته، حتى إذا حضره الموت عظم رجاؤه في رحمة ربه، وكثر عمله في إحسان الله ثقة منه بوعد الله (٣).

стр. 40

ويربط ابن القيم ﵀ بين حسن الظن وحسن العمل فيقول: ولا ريب أن حسن الظنّ إنما يكون مع الإحسان فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده .. ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها، فالذي حمله على العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه حسن عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز (١). وهكذا يربط ابن القيم بين حسن الظن وحسن العلم، ويوضح أثر حسن الظن بالله على حسن العمل، وتأملوا هذا الحديث من مشكاة النبوة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «حسن الظن من حسن العبادة» (٢). ومرة أخرى يوضح ابن القيم الفرق بين حسن الظن والغرور فيقول: وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه وساعده وساقه إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور (٣) والرجاء بلا عمل- اجتراء على الله كما قيل (٤). وهذا عبد الله بن خبيق يقسم الناس إلى ثلاثة أصناف، ويقول: الرجال ثلاثة: رجل عمل حسنةً فهو يرجو ثوابها، ورجل عمل سيئة ثم تاب فهو يرجو المغفرة، والثالث: الرجل الكذاب يتمادى في الذنوب ويقول: أرجو المغفرة، ومن عرف نفسه بالإساءة ينبغي أن يكون خوفه غالبًا (٥).
следующие страницы →