← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الخوف، بل ربما عدوه في النفاق، قال علي بن عثام: بكى سفيان يومًا ثم قال: بلغني أن العبد أو الرجل إذ كمل نفاقه ملك عينيه فبكى (١). أيها الإخوة المؤمنون، الرجاء قرين الخوف، وهو الاستبشار بفضل الله، والثقة بجوده، والارتياح لمطالع كرمه وهو من شعب الإيمان، وإنما كان الرجاء من شعب الإيمان لأنه من أمارات التصديق. قال الإمام البيهقي ﵀: وأفضل الرجاء ما تولد من مجاهدة النفس ومجانبة الهوى، قال الله ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ (٢). وفرق بين الرجاء والتمني، فالرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، أما التمني فيكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، ولذا أجمع العلماء على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل (٣). وإذا استحكم الرجاء وكان على وجهه المشروع حدث عنه من التخشع والتذلل نحو ما يحدث عن الخوف إذا استحكم، لأن الخوف والرجاء متناسبان، إذ الخائف في حال خوفه يرجو خلاف ما يخافه ويدعو الله به، والراجي في حال رجائه خائف خلاف ما يرجو ويستعيذ بالله منه، ولا خائف إلا وهو راج، ولا راج إلا وهو خائف، ولأجل تناسب الأمرين قرن الله تعالى

стр. 37

بينهما في غير آية من كتابه، قال تعالى ﴿وادعوه خوفًا وطمعًا﴾ (١) وقال تعالى ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ (٢). وفي الحديث المتفق على صحته يبين النبي ﷺ لماذا يكون الخوف والرجاء فيقول: «لو يعلم المؤمن بما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط ما جنته أحد» وقد اشتمل الحديث - كما قال الحافظ ابن حجر- على الوعد والوعيد المقتضيين للخوف والرجاء، فمن علم أن من صفات الله تعالى الرحمة لمن أراد أن يرحمه، والانتقام بما أراد أن ينتقم منه، لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته، ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه، وذلك باعث على مجانبة السيئة لو كانت صغيرة، وملازمة الطاعة ولو كانت قليلة» (٣). دخل المصطفى ﷺ على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟ » قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسوله الله ﷺ : «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو». إخوة الإيمان إذا كان يحسن الرجاء بالله في كل موطن، وحسن الظن بالله في كل حال، فذلك أجمل وأحرى في لحظات العبد الأخيرة وقرب رحيله من الدنيا، ولهذا كان السلف ﵏ يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه.

стр. 38

وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال قبل موته بثلاث: «لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله » (١). وحين دخل واثلة بن الأسقع ﵁ على يزيد بن الأسود وقد نزل به مرض ذهب عقله منه، ووجه نحو القبلة، فلما سمع يزيد باسم واثلة الصحابي بقي له من عقله ما يطلب به كف واثلة فأخذها ووضعها على صدره مرة وعلى وجهه أخرى وعلى فيه ثالثة- وذلك لموضع يد واثلة من يد رسول الله ﷺ فقال له واثلة: ألا تخبرني عن شيء أسألك عنه، كيف ظنك بالله؟ قال: اعترتني ذنوب لي أشفيت على هلكة، ولكن أرجو رحمة الله، فكبر واثلة وكبّر أهل البيت بتكبيره، وقال: الله أكبر سمعت رسوله الله ﷺ يقوله: «يقول الله أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء» (٢). فاحرصوا معاشر المسلمين على حسن الظن بربكم مع حسن العمل، واحرصوا على ذلك في وقت شدتكم، وذكِّروا موتاكم في حال نزعهم بضرورة حسن الظن والرجاء بالله، وتأملوا حال السلف من قبلكم، وهذا المعتمر بن سليمان يقول: قال لي أبي حين حضرته الوفاة: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به (٣).

стр. 39

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، قال في محكم التنزيل ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ (١) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يضاعف الحسنات ويعفو عن الزلات، وما يزال العبد بخير ما زال يرجو رحمته ويخاف عذابه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان من أشد الناس خوفًا من الله، وأكثرهم رجاءً به، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإسلام حضر أحد السلف- عبد الأعلى التيمي- جارًا له قد حضره الموت فقال له: أبا فلان: ليكن جزعك لما بعد الموت أكثر من جزعك من الموت، وأعد لعظيم الأمور حسن الظن بالله » (٢). وهنا يرد السؤال: متى يكون الخوف أفضل، ومتى يكون الرجاء أفضل؟ قال السري بن المغلس: الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحًا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف، فقال له رجل: كيف يا أبا الحسن؟ قال: لأنه إذا كان في صحته محسنًا عظم رجاؤه عند الموت وحسن ظنه بربه، وإذا كان في صحته مسيئًا ساء ظنه عند الموت ولم يعظم رجاؤه. قال البيهقي ﵀ معلقًا/ وإنما أراد به خوفًا يمنعه من معصية الله ، ويحمله على طاعته، حتى إذا حضره الموت عظم رجاؤه في رحمة ربه، وكثر عمله في إحسان الله ثقة منه بوعد الله (٣).

стр. 40

ويربط ابن القيم ﵀ بين حسن الظن وحسن العمل فيقول: ولا ريب أن حسن الظنّ إنما يكون مع الإحسان فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده .. ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها، فالذي حمله على العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه حسن عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز (١). وهكذا يربط ابن القيم بين حسن الظن وحسن العلم، ويوضح أثر حسن الظن بالله على حسن العمل، وتأملوا هذا الحديث من مشكاة النبوة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «حسن الظن من حسن العبادة» (٢). ومرة أخرى يوضح ابن القيم الفرق بين حسن الظن والغرور فيقول: وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه وساعده وساقه إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور (٣) والرجاء بلا عمل- اجتراء على الله كما قيل (٤). وهذا عبد الله بن خبيق يقسم الناس إلى ثلاثة أصناف، ويقول: الرجال ثلاثة: رجل عمل حسنةً فهو يرجو ثوابها، ورجل عمل سيئة ثم تاب فهو يرجو المغفرة، والثالث: الرجل الكذاب يتمادى في الذنوب ويقول: أرجو المغفرة، ومن عرف نفسه بالإساءة ينبغي أن يكون خوفه غالبًا (٥).

стр. 41

وأنشد بعضهم: ما بال دينك ترضى أن تدنسه ... وإن ثوبك مغسول من الدنس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس (١) ومن حكم لقمان أنه قاله لابنه، يا بني اُرج الله رجاءً لا يجرئك محلى معصيته، وخف الله خوفًا لا يؤيسك من رحمته. قال ابن القيم ﵀: الرجاء حاد يحدو به في سيره إلى الله، فلولا الرجاء لما سار أحد، فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء (٢). وإذا علم حد الرجاء الشرعي وعلم حسن الظن بالله على مفهومه الصحيح، فقد كان للسلف ﵏ أقوال ومأثورات في تطميع الناس بفضل الله وسعة رحمته وعدم الانقطاع عن رجائه والوقوف ببابه، بل كانوا يحذرون من تيئيس الناس وتقنيطهم من رحمة الله. فهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ حين دخل عليها عبيد بن عمير قالت: أعمير بن قتادة؟ قالوا: نعم، قالت: أحدث أنك تجلس ويجلس إليك، قال: بلى يا أم المؤمنين فقالت: «فإياك وإملال الناس وتقنيطهم» (٣) ومر عبد الله بن مسعود ﵁ على قاص وهو يذكر فقالت: يا مذكر لا تقنط الناس، ثم قرأ ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ (٤) وليس الأمر قصرًا على عائشة وابن مسعود في تطميع

стр. 42

الناس بفضل الله وعدم تقنيتهم، بل كان ديدن الصحابة رضوان الله عليهم عدم التشديد حتى قال عمير بن إسحاق: «كان ممن أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ فمن سبقني، فما رأيت قومًا أهون سيرة ولا أقل تشديدًا منهم» (١). وما بالهم لا يكونون كذلك وهذا قدوتهم ومعلم البشرية وهاديها بإذن ربها يقول وقد خرج على رهط من أصحابه وهم يتحدثون، والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، فلما انصرفوا: أوحى الله إليه: يا محمد لم تقنط عبادي، فرجع إليهم فقال: «أبشروا وقاربوا وسددوا» (٢). قال البيهقي ﵀: ففي هذا دلالة على أنه لا ينبغي أدن يكون خوفه بحيث يؤيسه ويقنطه من رحمة الله، كما لا ينبغي أن يكون رجاؤه بحيث يأمن مكر الله أو يجرئه على معصية الله (٣). وينبغي أن تكون هذه وتلك منهجًا لمن يتصدرون لتعليم الناس وتوجيههم. اللهم ارزقنا خوفك ورجاءك ووفقنا لطاعته واسلك بنا سبيل أوليائك يا رب العالمين ... هذا وصلوا ...

стр. 43

ومن يتوكل على الله فهو حسبه (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، بعث الرسل بالتوحيد الخالص، فقال جل من قائل عليمًا ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وصف خليله إبراهيم ﵇ بصفات غاية في تحقيق التوحيد، فقال تعالى ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم﴾ (٣). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أمره خالقه بإخلاص العبادة لله وحده وفي كل شأن من شؤونه وهو أمر لأمته بعده، فقال جل ذكره: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ (٤). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى معلمي الناس الخير من عباد الله الصالحين وأشمل بالصلاة والسلام آل محمد الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين وتأملوا في عقيدتكم فإنها أغلى ما تملكون، وانظروا في سلامة وإخلاص عبوديتكم لله رب العالمين.

стр. 44

إخوة الإيمان وفي زحمة الحياة الدنيا وصخبها، وفي ظل زينتها وافتتان الناس بها. ولهوهم وغفلتهم وانشغالهم عن الحياة الأخرى نحتاج إلى تذكير بقضايا العقيدة الكبرى فعليها ينبغي أن تقوِم الحياة، وعليها ينبغي أن يكون الممات، وليس للعبد خيار في صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كالخوف والرجاء والدعاء والذبح والنذر، والتوكل والإنابة، والاستعانة والاستعاذة .. ونحوها من أمور العبادة الأخرى. لا خيار لنا في صرف شيء منها لغير الله والحق تعالى يقول ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه .. ﴾. وحين يضعف اليقين، أو تغيب عن الناس تعاليم المرسلين يتخبطون في مسيرتهم، ويشركون مع الله غيره في عبادتهم. وتعالوا بنا معاشر المسلمين لنقف مع أنفسنا وقفة مصارحة ومحاسبة في واحدة من هذه العبادات لنرى واقعنا ونبصر حجم أخطائنا ونعود إلى رشدنا. إنها عبادة التوكل على الله التي يدعوني للحديث عنها قلة ما يسمعه الناس عنها، وكثرة الأخطاء فيها، وشيوع الجهل في تحقيق مقصد الشرع منها. واستعجل في ذكر شيء من هذا الأخطاء الواقعة في هذه العبادة في حياة الناس اليوم حتى يعلم مسيس الحاجة للحديث في الموضوع هذا من جانب، ومن جانب آخر حتى تكون معرفة الداء طريقًا لأخذ الدواء. فمن مظاهر عدم التوكل على الله- حق توكله- التخوف الذي يصل إلى درجة الهلع والرعب- ليس من تذكر القيامة ومشاهدها، وإنما لأمر طارئ من أمور الدنيا، والحرص والطمع المؤديان إلى الشح والبخل، وطلب الشفاعة دائمًا من الآخرين فيما قدروا عليه وما لم يقدروا، والاستدواء بالأدوية المحرمة

стр. 45

والذهاب للسحرة والكهان وأهل الشعوذة والدجالين وطلب النصر والحماية من الآخرين، وتعليق الرزق أو الأجل على أسباب لا تنتهي إلى رب العالمين، والشعور الدائم بالقلق، والتفكير السلبي بالمستقبل، والتخوف المستمر على المال والولد والاستجابة لوساوس وأوهام الشياطين، والتذلل المخزي للخلق أيا كانت منازلهم، والسكوت عن قولة الحق لا لمصلحة في الدين وإنما خوف التبعة وإيثارًا للسلامة والعافية حتى وإن كان في ذلك غضب رب العالمين، والتجاوز في طلب الرزق من الحلال إلى الحرام ومرده ضعف اليقين وقلة التوكل على الله في تأمين رزقه ورزق من يعوله من البنات والبنين .. إلى غير ذلكم من المظاهر. إخوة الإيمان إذا علم هذا فينبغي أن يعلم أن التوكل عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، وإنها من أعمال القلوب، وهي اعتماد القلب على الله وثقته به، وأنه كافيه، قال الله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ جاء في المسند وسنن ابن ماجه والدارمي عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأعلم آية في كتاب الله لو أخذ الناس بها لكفتهم» ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا﴾ (١). وينبغي أن يعلم أيضًا أن التوكل قرين الإيمان، فلا إيمان بلا توكل، قال تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ (٢). قال العلماء: التوكل فريضة يجب إخلاصه لله، وهو من أجمع أنواع العبادة وأعظمها لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة فإنه إذا أعتمد على الله في جميع

стр. 46

أموره الدينية والدنيوية دون كل من سواه صحّ إخلاصه ومعاملته مع الله، وهو من أعظم منازل ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله (١). وإذا كان التوكيل قرين الإيمان، فهو علامة الإسلام قال الله تعالى ﴿قال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾ (٢). إخوة الإسلام أما الأنبياء والمرسلون ﵈ فكانوا قممًا شامخة في التوكل على الله، التزموه في ذوات أنفسهم، ودعوا الناس إليه، وتأملوا في مسيرتهم، واسلكوا طريقتهم، فهم المبلغون عن الله وهم أدرى الناس بطرق الخير والفلاح. فهذا نوح ﵇ يقول لقومه ﴿يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم .. ﴾ (٣) وقال تعالى عن نبيه هود ﵇ ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾. وقال عن شعيب ﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾ وقال لنبيه محمد ﷺ ﴿فتوكل على الله إنك على الحق المبين﴾ وعن توكل الرسل إجمالاً ودعوتهم إليه قال الله عنهم ﴿وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ (٤).

стр. 47

أمة الإسلام أمر التوكل عظيم، وصرف شيء منه لغير الله يؤدي بصاحبه إلى الشرك صغيرًا كان أو كبيرًا، قال أهل العلم: التوكل على الله قسمان: أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من نصر أو حفظ أو رزق أو شفاعة فهذا شرك أكبر. والثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله عليه من رزق أو رفع أذى ونحو ذلك فهو نوع شرك أصغر، والوكالة الجائزة: هي توكيل الإنسان في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه، لكن ليست له أن يعتمد عليه في حصول ما وكل فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه، وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على الله الذي أوجد السبب والمسبب (١). تأملوا ذلك جيدًا واحرصوا على عقيدتكم، ولا يأتينكم الشيطان من حيث لا تشعرون أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ... نفعني الله وإياكم ..

стр. 48

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين وفق من شاء لسلوك صراطه المستقيم، وأغنى من استغنى به عن الخلق أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بيده الخير كله، وعنده مفاتح الغيبة لا يعلمها إلا هو، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإسلام إذا علمتم معنى التوكل ومنهج الأنبياء فيه، والمظاهر السلبية لعدم التوكل، والآثار السيئة لعدم التوكل على الله، فمن حقكم أن تعلموا أثر التوكل على الله، ومآثره الجليلة في حياة الإنسان. فالتوكل على الله يكسب صاحبه قوة وشجاعة تهون في سبيلها قوة الخلق ومكائدهم مهما كانت، وكلما قل قدر المرء من التوكل زاد نصيبه من الضعف والخور، ولاحقته الهموم وسيطرت عليه الأوهام ومن يتوكل على الله فهو حسبه ويورث التوكل صاحبه حفظًا وحمايةً له من الله وقت الشدائد والأزمات فهذا الخليل ﵇ حين ألقي في النار تجلله التقوى ويحميه التوكل على الله من الاحتراق، وزاده في هذه اللحظات الحرجة ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ وهذا محمد ﷺ وأصحابه في حمراء الأسد يدفع الله عنهم الوهن، ويقذف في قلوب أعدائهم الرعب حين قالوا: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. روى البخاري والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾.

стр. 49

فالتوكل على الله طريق السعادة فأسعد الناس في هذه الحياة هم المتوكلون على الله حق توكله، إذ ليست السعادة بالأموال الطائلة ولا بالزينة الظاهرة، ولكنها الطمأنينة في القلب وهدوء البال وراحة الضمير، والاستعداد ليوم الرحيل وتلك وربي لا تحصل إلا بالتوكل واليقين، ولعل هذا يفسر لكم سر شقاء القوم الكافرين مهما توفرت لهم ملاذ الحياة وتهيأ لهم من سبل الراحة، ويفسر لكم من جانب آخر كيف نال السعادة أقوام عاشوا بالأكواخ أو شبهها وقامت بنيان بيوتهم على جريد النخل أو نحوها، كانوا يأكلون القديد ويفترشون الحصير حتى أثرت في جنوبهم، ومع ذلك كانت السعادة تغمر حياتهم في الدنيا وهم في الآخرة في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وعلى قدر نقصان مكيال التوكل يقل حجم السعادة كافرًا كان أم فاسقًا. ففي التوكل على الله باب واسع للرزق ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ ويلهث دون جدوى أولئك الذين يعلقون رزق الله على مجهودهم دون ربطه بحبل التوكل على الله، وفي حياة الناس عبرة فأنت ترى فئامًا من الناس يجهدون أنفسهم وربما واصلوا ليلهم بنهارهم في سبيل البحث عن الدرهم والدينار وقد تراهم من أفقر خلق الله وقد لا يوفرون لأنفسهم لقمة العيش فيضطرون إلى سؤال الناس واستجدائهم في حين ترى خلقًا من خلق الله أضعف حيلاً وأقل تفكيرًا وقد ضمن الله رزقهم وكفاهم من عنده، ويا له من حديث عظيم رواه عمر ﵁ عن النبي ﷺ وفيه قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا». ولماذا لا يتوكل المسلم على الله ويثق بما عنده وهو يعلم أن الأجل محدود، والرزق مضمون، وقد قدر للمرء نصيبه من هذه الحياة وهو بعد لم ير النور.

стр. 50

ففي التوكل على الله قطع لدابر وساوس الشيطان الذي لا يفتأ يخوف الإنسان عن مخاطر المستقبل الذي سيصير إليه، ويرجف به في طلب المعاش خشية الفقر والعيلة، وما يزال يلقي الأوهام عليه في صحته حتى يمرضه وإن كان سليمًا معافى، ويحاول جاهدًا قطع حبله بالله فيصله بمخلوقين لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا فكيف يرتجى منهم تقديم النفع لغيرهم، أو جلب الفقر لسواهم. أيها المسلمون لا يعني التوكل على الله عدم الأخذ بالأسباب المأمور بها شرعًا، فذلك نوع من التواكل لم يقره الإسلام، وأنتم تعلمون قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال له أعقل دابتي أم أتكل على الله؟ فأجابه ﵊ «اعقلها وتوكل» (١). وحين كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن الموكلون، أنزل الله لهم ولغيرهم ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ (٢). قال العارفون: التوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبًا بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا، ولا عجزه توكلاً، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها- كما ذكر ذلك ابن القيم وغيره (٣). إخوة الإسلام، قال بعض السلف جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته فقال ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ فلم يقل له

стр. 51

كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه (١) فتوكلوا على الله حق توكله، واستعينوا به وحده يكفكم ما أهمكم، ويوسع لكم في أرزاقكم ويمتعكم متاعًا حسنًا في الدنيا، وتفوزوا بالسعادة يوم لقاه. أختي المسلمة ألتفت إليك بشكل خاص .. وأنت أدرى الناس بنفسك، أدعوك لترك القلق وعدم الاستسلام للأوهام، والاعتصام باليقين والتوكل على الله وستجدين فيه علاجًا لكل مرض وداء من كل سقم. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة، وأن يهب لنا صدق التوكل عليه وخالص العبادة له.

стр. 52

محنة التتر أحداث وعبر (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين واخشوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. إخوة الإيمان من أيام موسى ﵇ وما حصل له ولبني إسرائيل من الأذى والعذاب على يد فرعون وملأه، إلى غزوة أحد وما وقع فيها من شدة على الرسول ﷺ والمؤمنين على أيدي الكافرين، أنتقل بكم للحديث عن أحوال العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري يوم أن ضعف سلطان المسلمين، وتفرقت كلمتهم، وأثقلتهم خطاياهم، وتنازعوا أمرهم بينهم، حينها خرجت جحافل المغول المتوحشة تسفك الدماء، وتقتل الأبرياء، وتهتك أعراض النساء، وتستولي على الممتلكات والضياع دون رادع أو حياء، في مشاهد بشعة تكاد تنكرها العقول لولا ثبوتها، ولهولها وشدتها ظنت طوائف من المسلمين بالله الظنون، وربما خيل لبعضهم أن شجرة الإسلام قد اجتثت من أصولها،

стр. 53

وأن بذرة المسلمين قد استؤصلت من جذورها، بل بالغ البعض فظن في تلك الحوادث المؤلمة نهاية العالم، واعتبرها آخرون أشد من فتنة الدجال، أجل لقد بقي المؤرخ ابن الأثير- وهو شاهد عيان لبعض أحداثها- عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها وهو يقول: فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا أو كنت نسيًا منسيًا إلا أني حدثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعًا .. فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم- ﵇ وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا (١). وبالله لا شك أن من يجيء بعدنا إذا بعد العهد ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها، والحق بيده، فمتى استبعد ذلك فينظر أننا سطرنا نحن، وكل من جمع التاريخ في أزماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها، يسر الله للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم، فلقد دفعوا من العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه (٢). هذا الوصف من ابن الأثير وهو بعد لم يشهد الفاجعة العظمى والمصيبة الكبرى لسقوط بغداد ونهاية الخلافة الإسلامية الكبرى على أيدي العباسيين، ويقول ذلك وهو لم يعلم بتجاوز التتر بلاد العراق إلى بلاد الشام وما حصل فيها من المآسي والآثام، تلك الأحداث التي يصفها بجلاء، ويشخص فيها أحوال

стр. 54

الناس، ويصور مشاعرهم ومواقفهم بدقة وخبرة شيخ الإسلام ابن تيميه عليه رحمة الله حين يقول: فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده ودأب الأمم وعاداتهم، لاسيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طبق الخافقين خبرها، واستطار في جميع ديار الإسلام شررها، وأطلع فيها النفاق ناصية رأسه، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيها عمود الكتاب أن يجتث ويخترم، وحبل الإيمان أن ينقطع وينصرم وعقر دار المؤمنين أن يحل بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار، وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أن ما وعدهم الله ورسوله إلا غرورًا، وأن لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم أبدًا .. ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت اللبيب لكثرة الوساوس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، حتى بقي للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان، وميز الله فيها أهل البصائر والإيقان من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق أو ضعف إيمان، ورفع بها أقوامًا إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقوامًا إلى المنازل الهاوية، وكفر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامة مختصرة من القيامة الكبرى (١). معاشر المسلمين: هذا جزء من وصف ابن الأثير وابن تيمية رحمهما الله - لهذه الحادثة الكائنة وهو يكشف لكم عن استمرار البلوى والامتحان لأهل الإيمان عبر الزمان والمكان، ويكشف من جانب آخر اختلاف مواقف الناس حين الشدائد والمحن، وكيف يثبت الله المؤمنين، ويفضح المنافقين، ويكشف حقد الكافرين، وكيف يرفع بها أقوام، وتحط من خطاياهم، ويزل بها آخرون

стр. 55

وتكون فتنة لهم، يقول شيخ الإسلام- في بقية وصفه- من الناس من أقصى همته النجاة بنفسه لا يلوي على ماله ولا ولده ولا عرضه- بعد أن تحدث عن أصناف الناس في هذه المحنة- «ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعمل الصالح والبر والتقوى، وبليت فيها السرائر وظهرت الخبايا، وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال يخون صاحبه أحوج ما كان إليه من المال، وذم سابقه وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السبيل، كما حمد ربه من صدق ما جاءت به الآثار النبوية .. إلى أن يقول وتحزبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين وآخر خاذل له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام .. » (١). أيها الإخوة المؤمنون فإن قلتم: وهل وقع في هذه المحنة ما يستوجب هذه الوحشة وذلك الفرق والذهول لأهل الإسلام؟ أجبت أن نعم وإليكم نماذج لما حصل. ففي بخاري المسلمة دخل التتر عنوة، وطلب أهلها الأمان، فأظهر لهم «جنكيز خان» العدل وحسن السيرة وهو يروم غير ذلك، إذ أمر بالتوجه إلى قلعتها الحصينة التي احتمى بها طائفة من العسكر لم يتمكنوا من الهروب مع أصحابهم، وطلب من أهل البلد الخروج معه لمحاصرتها ومن تخلف عنه قتل، فكانت تلك بداية الاستخفاف والاستذلال، فخرجوا خوفًا من بطشه، وأمرهم بردم الخندق المحيط بالقلعة ففعلوا، وبلغ من سوء التتر واستهتارهم أن استخدموا كل شيء في ردم هذا الخندق حتى ألقيت المنابر وربعات القرآن في الخندق، وبعد قتال مرير دخلوا القلعة وقتلوا جميع من احتمى بها من المسلمين، ولم تقف المأساة عند هذا الحد، بل عادوا مرة أخرى إلى البلد

стр. 56

يقتلون ويأسرون ويفسدون، حتى قال ابن الأثير: وكان يومًا عظيمًا من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان .. ورضي بعض المسلمين بالقتل دون ذلك الفساد لا سيما أهل العلم والفقه والدين (١). وفي سمرقند نصب التتر كمينًا لأهلها، فوقع في شراكهم سبعون ألفًا من المسلمين قتلوا في غداة واحدة شهداء (٢). ثم عادوا إلي البقية من أهلها يقتلون ويأسرون ويفسدون، فهدمت المساجد وفضت الأبكار، وعذبوا الناس بأنواع العذاب. أما في «مرو» فأحصى ما قتلوه في يوم واحد فبلغ سبعمائة ألف إنسان- كما نقل- ابن كثير (٣). وفي نيسابور ذبح المغول جميع أهلها، وحتى يتأكدوا من هلاكهم جميعًا قطعوا رؤوسهم، وعملوا منها ثلاثة أهرامات، هرمًا لرؤوس الرجال وهرمًا لرؤوس النساء، وثالثًا لرؤوس الأطفال (٤). إخوة الإيمان هذه المآسي كلها وأمثالها، دون مأساة بغداد- التي تحتاج إلى حديث خاص- خلفت- في بدايتها- جوًّا من الرعب والضعف والمسكنة يصف لنا ابن الأثير بعض مظاهره ويقول: حكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلاً في طريق، فجاءنا فارس من التتر وقال لنا: حتى يكتف بعضنا بعضًا، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله

стр. 57

ونهرب؟ ! فقالوا: نخاف، فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل، فأخذت سكينًا وقتلته وهربنا فنجونا (١). ويذكر المؤرخون أن رجلاً من التتر أخذ رجلاً من المسلمين ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح ففعل حتى جاء التتري بسيف وقتله به (٢). قال ابن الأثير: وبلغني أن امرأة من التتر دخلت دارًا وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلاً، فوضعت السلاح وإذا هي امرأة فقتلها رجل أخذته أسيرًا (٣). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولم عذاب الحريق﴾ (٤) نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

стр. 58

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالين أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فيا إخوة الإسلام فليس القصد من ذكر هذه الأحداث المؤلمة التلذذ بذكر قصصها، ولا الاستزادة من معرفة أخبارها، فلمثل هذه الأحداث يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان. وإنما القصد الاستفادة من عبرها ودروسها، والوقوف على الأسباب التي أدت إليها، ومعرفة طرق العلاج التي تسلك للخلاص منها. وإليكم بعض الدروس والعبر لمثل هذه الأحداث والخطوب: ١ - إن سنة الله جارية قديمًا وحديثًا، والذين تروعهم الأحداث المؤلمة في البوسنة والهرسك أو فلسطين، أو يعجبون للحرب العقائدية في أرض الشيشان، أو يستغربون تصفيات المسلمين في بورما وتايلند، وكشمير والفلبين وغيرها من بلاد المسلمين- ومن حقهم ذلك- لكن عليهم أن يتذكروا أنها حلقة في صراع الحق مع الباطل، وأنها معركة أطرافها القرآن الحق، حتى وإن ضيعه أهله، ولم يلتزموا بكل ما فيه .. والتوراة والإنجيل وسواهما من الأديان والنحل الباطلة، إذ يراد القضاء على البقية الباقية من هذا الدين، والسحق لهذه الشعوب المسلمة التي بدأت تتلمس طريق الخلاص، وتعود للإسلام وتعتز بالدين. ٢ - وغربة الدين وضعف المسلمين لا ينبغي بحال أن يقود إلى الإحباط وخور النفوس، ولا ينبغي أن يكون سلمًا لأن يخامر القلب الشكوك، أو أن

стр. 59

يظن المسلمون بربهم الظنون السيئة، بل يجب أن يكون مادة للصبر والثبات على دين الله والبذل في سبيله حتى يأذن الله بالفرج يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ .. معلقًا على حديث: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء» «وكثير من الناس إذا رأى المنكر وتغير كثير من أحوال الإسلام فزع وكل وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنبه فليصبر إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار» (١). ٣ - وكما أن المسلم مأمور بالصبر والثبات على دين الله في كل حال ولاسيما في المحن، ومنهي عن سوء الظن بالله، فهو منهي كذلك عن التأفف أو الاعتراض على شيء من أقدار الله، وقد حكى ابن كثير في ترجمة الشيخ عفيف الدين يوسف بن البقال قال: كان صالحًا ورعًا زاهدًا حكى عن نفسه قال: كنت بمصر فبلغني ما وقع من القتل الذريع ببغداد في فتنة التتار، فأنكرت في قلبي وقلت: يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له؟ فرأيت في المنام رجلاً وفي يده كتاب فأخذته فقرأته، فإذا فيه هذه الأبيات فيها الإنكار علي: دع الاعتراض فما الأمر لك ... ولا الحكم في حركات الفلك ولا تسأل الله عن فعله ... فمن خاض لجة البحر هلك إليه تصير أمور العباد ... دع الاعتراض فما أجهلك (٢) ٤ - الدرس الرابع أن يفتش المسلمون في أحوالهم، ويصدقوا مع أنفسهم في

стр. 60

البحث عن أسباب الذلة والهوان .. وسيجدون أن أعظم الأسباب كامن في ذوات أنفسهم، وأن الله لا يسلط عليهم عدوًا من خارج أنفسهم إلا إذا هم خالفوا أمره وعصوا رسوله ﷺ . يقول الحق ﵎ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ (١) ويقول تعالى ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (٢) ويقول جل ذكره: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ (٣). بل لقد أنزل الله- فيما أنزل على محمد ﷺ قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ (٤). وإذا كان هذا مع أهل الإيمان فلا تسأل عن غيرهم من أهل الضلالة والفجور والعصيان؟ وما ربك بغافل عما يعملون. ٥ - الدرس الخامس: هذه الأحداث المؤلمة على أهل الإسلام قديمًا وحديثًا كما تؤكد سنة الابتلاء وتمييز الصادقين من الكاذبين، فهي تؤكد كذلك عظمة هذا الدين، وأنه صخرة شماء، غني عنهم، لكنهم هم الفقراء إلى عفو الله ورحمته، فإذا صلحت أحوالهم واستقامت أمورهم على شريعة الله فليبشروا

стр. 61

بنصر الله تحقيقًا لوعد الله والله لا يخلف الميعاد ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (١). ٦ - سادسًا- ويبقى بعد ذلك صنفان من الناس لهما أثر كبير في صلاح الناس واستقامتهم ألا وهم العلماء والأمراء، وحيث لا يزال الحديث متصلاً بأحداث التتر منع المسلمين، وللحديث بقية، فسأورد لكم في الخطبة القادمة بإذن الله بأن العلماء والأمراء لهم أثر كبير في استصلاح أوضاع المسلمين، ومن ثم تحقيق النصر المؤزر في وقعة عين جالوت على أعداء الدين. ٧ - أيها المسلمون ويبقى سلاح الدعاء سهمًا نافذًا، وعدة ما لها من نفاد يملكها الفقراء كلما يملكها الأغنياء، وتشوي فيها الذكر والأنثى على حد سواء، ولا يعذر بها العامة فضلاً عن العلماء، فألحوا على الله بالدعاء بنصرة هذا الدين والتمكين للمؤمنين واظهروا لله الفاقة والتضرع والخشوع، وادعوه دعاء المضطر، لاسيما في مثل هذا اليوم الذي نصر الله فيه الحق على الباطل (يوم عاشوراء) وهو يوم الجمعة فيه ساعة تستجاب فيها الدعوة كما تعلمون .. وأنتم ومعظمكم لله صائمون وللصائم دعوة لا ترد. ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة .. فهو يجيبه المضطر إذ دعاه ويكشف السوء.

стр. 62

عين جالوت بين جهاد الأمراء وإخلاص العلماء (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين أعز الإسلام بجهود العلماء المخلصين، ونصر الدين بجهاد الأمراء والسلاطين الصادقين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب العزة والغلبة لعباده المتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقائد المجاهدين الصادقين، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن هذه الدار خلقت لتفنى، وأن الآخرة خير وأبقى. أيها المسلمون واستكمل الحديث عن غزو التتر لبلاد المسلمين، وأعرض لنماذج من مواقف العلماء والأمراء في غابر السنين وفي التاريخ عبرة للمعتبرين. وقبل هذا وذاك أعرض بإجمال لواقع الأمة الإسلامية في منتصف القرن السابع الهجري، وأؤكد أن أدواء الأمة من داخلها أخطر عليها وأشد من كيد أعدائها. فالتنازع والخصام بين المسلمين لأغراض الدنيا، والولاءات والتحالفات مع الخصوم الكفرة من أعظم أسباب الذل والهوان، ولا تنتصر الأمة المسلمة إذا قطعت أوصالها، وأصبح كل حزب بما لديهم فرحون، ولم يكن للمسلمين خليفة واحد يجمع شملهم، ويوحد كلمتهم، ويظهرهم صفًا واحدًا أمام أعدائهم. وقد كان للمسلمين- في هذه الفترة- نصيب من هذا.

стр. 63

حتى قال ابن الأثير: فالسيف بين المسلمين مسلول، والفتنة قائمة على ساق (١). يقول الحافظ ابن كثير في بيان شيء من ذلك: استهلت سنة ثمان وخمسين وليس للناس خليفة. وملك العراقين وخراسان وغيرها بلاد المشرق لهولاكو خان ملك التتار، وسلطان ديار مصر الملك المظفر وسيف الدين قطز مملوك المعزّ أيبك التركماني، وسلطان دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر، وبلاد الكرك والشوبك للملك المغيث بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وهو حرب مع الناصر صاحب دمشق على المصريين، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وقد عزموا على قتال المصريين وأخذ مصر منهم، وبينما الناس على تلك الحال دخل جيش التتر- صحبة ملكهم هولاكو- وجازوا الفرات على جسور عملوها، ووصلوا إلى حلب فحاصروها سبعة أيام ثم فتحوها بالأمان لأهلها، ثم غدروا بهم، وقتلوا منهم خلقا لا يعلمه إلا الله ، ونهبوا الأموال وسبوا النساء والأطفال، وجرى عليهم قريب مما جرى على أهل بغداد، وبقيت حلب كأنها حمار أجرب (٢). إخوة الإيمان لم يصل التتر بلاد الشام إلا وقد عاثوا في الأرض فسادًا في العراق، ويكفي أن تعلم من مآسيهم في بغداد - حين أسقطوها وقتلوا الخليفة العباسي فيها (أنهم مالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة

стр. 64

من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منها إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطح حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة) (١). ولم ينج من هذه المذبحة الرهيبة أحد إلا أهل الذمّة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي- الذي ساهم في دخول التتر وحسن لهم القبيح وجنى على المسلمين السفه، وعلى أصحاب ملته من الرافضة، بل وعلى نفسه حيث راح في النهاية ضحية غدره وفجوره، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، والله المستعان. أيها المسلمون لم تكن المحالفات مع الكفار -مع عظيم أمرها- الداء الوحيد والسبب الأول والأخير لهزيمة المسلمين أمام جحافل التتار، بل انضاف إلى ذلك ضعف همة ملوك الإسلام عن الجهاد، وانشغالهم باللهو واللعب، وغفلتهم عما يراد بأمتهم، حتى قيل: إن التتر حين أحاطوا بدار الخلافة (بغداد) يرشقونها بالنبال من كل جانب، أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وقد جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك، وفرع فزعًا شديدًا، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم) (٢). وهذا ابن الأثير ﵀ ينعي على الإسلام وأهله، ويصف أحوال ملوكه قبيل وفاته بسنتين ويقول معلقًا على أحداث سنة ٦٢٨ هـ (ثمان وعشرين وستمائة

стр. 65

هجرية) ما نصه: (فالله تعالى ينصر الإسلام نصرًا من عنده، فما نرى في ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد، ولا في نصرة الدين، بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من العدو، قال تعالى: ﴿واتقوا لمدة لا تصيبن الذي ظلموا منكم خاصة﴾ (١). وفي محاولة من المؤرخين لتلمس أسباب نهاية الدولة العباسية يقول ابن كثير: ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد كما كانت بنو أمية إلى أن يقول: حتى لم يبق مع الخليفة العباسي إلا بغداد وبعض بلاد العراق، وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات (٢). معاشر المسلمين لم تكن آثار هذا الضعف والهوان لتقف عند حدود بغداد أو حلب، بل قصد التتر دمشق بعد إسقاطهم عددًا من المدن قبلها وصاحب دمشق وحلب (الناصر) هو أكثر الأمراء الأيوبيين قوة واقتدارًا (٣)، ومع ذلك سقطت دمشق دون مقاومة تذكر للتتر، وفي ظل التحالف والتآلف بين التتر والنصارى فقد عاث النصارى فسادًا في بلاد المسلمين، وطافوا ومعهم صليب محمول على رؤوس الناس، وهم ينادون بشعارهم ويقولون: «ظهر الدين الصحيح دين المسيح» ويذمون الإسلام وأهله، بل وفوق ذلك وزيادة في النكاية بالمسلمين كانوا يحصلون أواني الخمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرًا، ومعهم قماقم ملأى بالخمر يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم وغضبًا لدين الله وغيرةً

стр. 66

على محارمه، ومع شدة التتر وقسوتهم وضعف المسلمين ومسكنتهم اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة وشكوه إلى متسلمها من قبل التتر (أبل سيان) وكان معظمًا لدين النصارى- وما كان متوقع من هذا وأمثاله خيرًا، وقد كان، فقد طرد هؤلاء وأهانهم- لكنهم أدوا ما عليهم (١). وبإزاء هذه الظروف الصعبة، وفي مقابل هذا الهوان والذل المستشري من معظم ملوك الإسلام- في تلك الفترة- ينتصب الملك المظفر قطز يرحمه الله- للمهمة، ويعلن راية الجهاد خفاقة، ويستعين بالله، ويستشير العلماء ويدنيهم، وينصح للأمراء المتخاذلين ويحذرهم، ويحملهم مسؤولية حرمات المسلمين ويقول: (يا أمراء المسلمين لكم زمان وأنتم تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين) (٢). وقطز هذا موصوف بالفروسية والشجاعة، وحسن السياسة ومتانة الديانة، محببًا للرعية كما يقول الذهبي (سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٠٠) ويقول عنه ابن كثير: وكان رجلاً صالحًا كثير الصلاة في الجماعة ولا يتعاطى المسكر ولا شيئًا مما يتعاطاه الملوك (٣). وقال في موضع آخر: وقد كان قطز شجاعًا بطلًا كثير الخير ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا (٤).

стр. 67

نعم إخوة الإسلام بالصلاح والتقى، والنصح للإسلام بالجهر والخفاء والقيام بحقوق الرعية ظاهرًا وباطنًا، تحب الرعية الراعي، ويسود المجتمع الودّ والصفاء، وذلكم خيار الأمراء، كما قال المصطفى ﷺ : «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (١). اللهم أصلح رعايا المسلمين ورعاتهم وألف بين قلوبهم، واجمع على الحق كلمتهم، اللهم أبطل كيد الكافرين، واهتك ستار المنافقين، وانصر عبادك الصالحين، أقول هذا وأستغفر الله ...

стр. 68

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ينزل النصر على من يستحق النصر من عباده في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر المرسلين، وعلى الآل الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد إخوة الإسلام ففي العشر الأخير من رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة للهجرة كانت وقعة عين جالوت الشهيرة التي أعز الله بها الإسلام ونصر المسلمين، وكبت اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، وظهر دين الله وهم كارهون، وكان وراء هذا النصر- بعد توفيق الله وتسديده- همم عالية تمثلها قطز ومن معه من الأجناد الصادقين، ونصح وإخلاص وحض على الجهاد والتضحية من قبل العلماء والمخلصين. أما الأمراء فقدوتهم الملك المظفر قطز الذي بادر التتر قبل أن يبادروه، وحين علم ما صنعوا بالشام المحروسة عزم على غزوهم قبل أن يغزوه، وأشاع في القادة روح الجهاد ونصحهم عن التقاعس وحمّلهم مسؤولية ضياع البلاد وهلاك العباد، ولم يكن مجيدًا للغة الخطاب دون لغة الحسام، ولم يكن من أهل الريب والنفاق بل كانت شجاعته ظاهرة وأهدافه سامية- كذلك نحسبه ويحسبه المؤرخون والله حسيبنا وإياه، ولا نزكي على الله أحدًا. ذكر عنه أنه لما كان يوم المعركة بعين جالوت قتل جواده ولم يجد أحدًا في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم النجائب فترجل وبقي واقفًا على الأرض ثابتًا، والقتال عمال في المعركة وهو في موضع السلطان من القلب، فلما رآه بعض الأمراء

стр. 69

ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها، فامتنع وقال لذلك الأمير: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك، ولم يزل كذلك حتى جاءته الوشاقية بالخيل فركب، فلامه بعض الأمراء، وقال: لم لا ركبت فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك؟ فقال- ﵀ أما أنا فكنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان حتى عدّ خلقًا من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضع الإسلام (١). ويقول الذهبي ويذكر عنه أنه يوم عين جالوت لما رأى انكشافًا في المسلمين رمى عن رأسه الخوذة وحمل، ونزل النصر (٢). وكان ﵀ يستنزل النصر من الله وحده، ويتأسى بالرسول ﷺ في وقت القتال، وينتظر دعاء المسلمين، وقد نقل عنه أنه حين رأى عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: (لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال، وتهب رياح النصر، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم) (٣). وكانت المعركة يوم الجمعة ذلكم توكل على الله حميد، وإدراك واع لقيمة الزمن فريد، وتأس مشروع بخير البشر ﵊. وحين صدق المجاهدون وتوفرت أسباب النصر أنزله الله النصر وأقر به أعين المسلمين، وقتل من قتل، وأسر خلق من الروم، وكان قائد التتر ونائب هولاكو على بلاد الشام «كتبغا نوين» وجماعة من أهل بيته في عداد (٤). وظل قطز متصلاً بربه شاكرًا أنعمه، فهو حين تحقق من قتل (كتبغا) خر لله

стр. 70

ساجدًا ثم قال: (أنام طيبًا، كان هذا سعادة التتار وبقتله ذهب سعدهم)، قال ابن كثير: وهكذا كان كما قال، ولم يفلحوا بعده أبدًا (١). يا أمة الإسلام إذا كان هذا بعضًا من جهاد وصدق الأمراء، فإليكم نموذجًا من صدق وإخلاص العلماء في محنة التتر- فوق ما سلفه فحين فكر السلطان «قطز» بجمع الأموال من الناس ليصرف منها على الجهاد والمجاهدين طلب رأي العلماء فتحدثوا، وكان من بين هؤلاء العز بن عبد السلام يرحمه الله- وكانت العمدة على ما يقوله العز- كما نقل الحافظ ابن كثير: وكان حاصل كلامه أنه قال: (إذا لم يبق في بيت المال شيء، ثم أنفقتم أموال الحوائض المذهبة وغيرها من الفضة والزينة، وتساويتم أنتم والعامة في الملابس سوى آلات الحرب بحيث لم يبق للجندي سوى فرسه التي يركبها، ساغ للحاكم حينئذ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم، لأنه إذا دهم العدو البلاد وجب على الناس كافة دفعهم بأموالهم وأنفسهم) (٢). قال الخالدي: (وقد تقبل السلطان المؤمن هذه النصيحة بقبول حسن، فأمر جميع الأمراء من المماليك بجمع ما لديهم ففعلوا، عند ذلك تسابق المسلمون إلى المشاركة بكل ما يملكون من أموال وأنفس، لأنهم رأوا قيادتهم تضرب لهم المثل الأعلى في البذل والفداء) (٣). وإذا أفلح هذا السلطان مع هذا العالم في إنقاذ البلاد والعباد حين كان التشاور والتناصح ومصلحة المسلمين رائدهما، فقد كان للعز موقف آخر مع

стр. 71

سلطان آخر ألا وهو الصالح إسماعيل الذي أخرج العز من الشام بسبب إنكاره عليه تسليم (صغد، والثقيف) إلى الفرنج، وأخرج معه كذلك العالم أبا عمر بن الحاجب المالكي، فقصد أبو عمر صاحب الكرك فأكرمه، وقصد العز صاحب مصر فأكرمه، وولاه قضاء مصر وخطابة الجامع العتيق، ثم انتزعهما منه وأقره على تدريس الصالحية (١). حتى تولى قطز أمر مصر فصار ما صار مع من استشاره العز في عين جالوت. ألا ما أحوج المسلمين إلى قراءة تاريخهم والاستفادة من أحداثه وعبره، ويوم يُقرأ التاريخ بتجرد فستكون تجارب السابقين رصيدًا يستفيد منه اللاحقون، وسوف تكون أحداث التأريخ ومروياته مادةً يجمع الله بها شمل المسلمين، ويوم أن تصح النوايا، وتصبح الحاكمية المطلقة لشرع الله في الأرض يسود المسلمون وتسلم ديارهم من نهب المعتدين، وتتهاوى بإذن الله مخططات الكافرين والمنافقين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 72

(١) حصائد الألسن (١) الخطبة الأولى إن الله نحمده ونستعينه ونستغفره .. أيها الإخوة المسلمون .. عن حصائد الألسن، وآفاتها الخطيرة، وغوائلها المهلكة حديث من الأهمية بمكان، وهي لكثرتها ربما لا يحس الناس بها أو يقدرون خطر بعضها دون البعض الآخر. أما العارفون فقد عدوا اللسان عشرين آفة، يتعامل الخلق بها كلها لكن ما بين مقل ومستكثر، وما بين محتاط مقتصد فيما يقول، وبين متعد مفرط يرى أنه ما دام بإمكان لسانه أن يتحرك فلا عليه أن يطلقه، حتى ولو كان ذلك الإطلاق على حساب دينه وكرمه ومروءته، وليت هؤلاء بل ليتنا جميعًا نفقه قول المصطفى ﷺ «من صمت نجا» (٢) إذ لا نجاة لمن لا يحسن استخدام اللسان بالمعروف إلا بالصمت، ولا شك أن الصمت يحتاج إلى مجاهدة نفس وطول مران، لكن الكف عن الشرور والآثام طريق موصل إلى الله وجنته، فهذا أعرابي- كما في حديث البراء ابن عازب ﵄ جاء إلى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة قال: «أطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وأنه عن النكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير» (٣). إخوة الإسلام .. فهذه الآفات العشرون للسان تختلف في حريتها، وتتفاوت في

стр. 73

عقوباتها، لكن بعضها يجر إلى بعض، وإذا تجاوز اللسان آفة سهل عليه مقارفة الآفة الأخرى، وهكذا يكون للسان نصيب من هذه الآفات لها فيهلكه لسانه. تعالوا بنا معاشر المسلمين نتذكر هذه الآفات مبتدئين بأخفها ومترقين إلى الأغلظ قليلاً، ونؤخر الكلام في الغيبة النميمة والكذب، فإن النظر فيها أطول، والعقاب فيها أشد. وأوصي نفسي والسامعين- ونحن نستمع لهذه الآفات - أن نحاكم واقعنا إليها، وأن نحاسب أنفسنا على ضوئها، فتلك ثمرة المواعظ والخطب، وتلك صفات المؤمنين الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الذين قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير أولئك الذين هدى الله وأولئك هم أولو الألباب. وأول هذه الآفات اللسان: الكلام فيما لا يعني المتكلم إذ هو ضياع للعمر والوقت فيما لا فائدة فيه، وهل هناك أغلى على الإنسان من وقته وعمره، وفوق بين من يزرع بكل كلمة يقولها شجرة له في الجنة وبين من يجني الأشواك على نفسه بسبب كثرة كلام لا فائدة فيه، وربما جره إلى مكروه أو حرم. قال العلماء: وحد الكلام أن تتكلم بكلام لو سكت عنه لم تأثم، ولم تستضر به في حال ولا مال (١). فإذا علمت هذا فاعلم أن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وتأمل هذه النصيحة من حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، فقد روى عنه مجاهد ﵀ قال: سمعت ابن عباس يقول: خمس لمن أحب إلى من الدهم الموقوفة -وهي العدد الكثير من الإبل أو الخيل-: لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنه

стр. 74

فضل، ولا آمن عليك الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعًا، فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت، ولا تمار حليمًا ولا سفيهًا فإن الحليم يقلبك والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به واعفه مما تحب أن يعفيك منه، وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإجرام (١). الآفة الثانية من آفات اللسان فضول الكلام، ويتناول الخوض فيما لا يعني، والزيادة فيما يعني على قدر الحاجة، فمن أنهى مقصوده بكلمة، فالكلمة الثانية فضول .. فكيف بمن يتحدث الساعات الطوال بكلام فضول؟ والحق ﵎ يقول ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (٢). ولا شك أن فضول الكلام يجر إلى مزالق ومخاطر وكان عمر بن عبد العزيز- ﵀ يقول: إنه ليمنعني من كثير فضول الكلام، وفضول المال (٣). أيها المؤمنون إذا كان هذا في شأن فضول الكلام وما لا يعني فلا تعجبوا إن رأيتم ثلة من الصالحين يندر حديثهم ويقل خلطتهم للناس إلا بخير وما بهم من علة لكنه الفقه في الدين، والاستحضار الدائم للعرض على رب العالمين، والبكاء على الخطايا ورجاء التكفير، ولهؤلاء وأمثالهم تزف البشرى فالنبي ﷺ يقول: «طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته» (٤).

стр. 75

الآفة الثالثة: الخوض في الباطل وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء، ومجالس الخمر، ومقامات الفساق وتكبر الجبابرة ومراسمهم المذمومة. إلى غير ذلك من الخوض في الباطل، والخليق بالمسلم أن يرفع نفسه عن الدنايا، وما يكون سببًا لاقتراف المحرمات أما أهل النار فيعترفون أن خوضهم في الباطل من أسباب دخولهم النار ﴿ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين﴾ (١). الآفة الرابعة: المراء والجدل، وهو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم. وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعته فإن كان حقًا فصدق به، وإن كلام باطلاً أو كذبًا ولم يكن متعلقًا بأمور الدين فاسكت عنه (٢). فإياك أخي المسلم والمراء والجدل فهما مظنة للضغائن والأحقاد، وقساوة القلوب وتنافرها، وحضور الشياطين وانفلات زمام الألسن، وربما تكلم الإنسان في تلك الحال بكلام ندم عليه، لكنه كان يرغب الانتصار به على من يماري ليس إلا. إخوة الإسلام ليس الإحجام عن المراء، أو الصمت حين تتطاول ألسنة الآخرين نوعًا من الضعف والهزيمة كلا .. وإن بدا ذلك لضعاف العقول. بل هو نوع من التعقل والحكمة وضبط للنفس حين تتأزم وقلة هم الرجال الذي يملكون أنفسهم عند الغضب، وليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب - كلما أخبر الصادق المصدوق ﵊.
следующие страницы →