← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 2094

جغرافية المناخ والنبات

يوسف عبد المجيد فايد

Полный текст (351 стр.). Показаны 316–351 · переход к 321.

стр. 316

٣- حشائش التندرا: هذا الإقليم مقصور على نصف الكرة الشمالي فالمنطقة القطبية الشمالية عبارة عن بحر يحيط به يابس بينما المنطقة القطبية الجنوبية عبارة عن يابس يحيط به ماء، وليس اليابس القطبي الجنوبي صالحًا لنمو النبات لوقوعه في أقصى العروض القطبية الجنوبية، ثم لوقوعه تحت تأثير ضد الإعصار القطبي الذي يطرد كل تأثيرات الدفء، فلا تصل إلى الإقليم، حتى إن متوسط أكثر الشهور حرارة لا يرتفع في أي مكان فوق درجة التجمد ولذلك نجد الجليد يغطي أجزاءه طول العام, وأما اليابس القطبي الشمالي فتسمح العروض التي يقع فيها بنمو النبات، هذا فضلًا عن أن عوامل الدفء تستطيع الوصول إليه. وبذلك يتراجع خط الصفر الحراري المتساوي في شهر يناير إلى طرف سبتزبرجن عند خط عرض ٧٧ ْشمالًا ونتيجة لهذا نجد هذا الإقليم -باستثناء جرينلند- به حرارة صيفية كافية لنمو النبات الذي يسوده النوع المسمى بحشائش التندرا. ومع ذلك فإن حشائش التندرا لا تنمو إلا بعد كفاح شديد ضد ظروف مناخية شديدة القسوة. فالسنة تنقسم إلى فصلين غير متكافئين، شتاء طويل شديد البرودة، ثم صيف قصير لا يتعدى شهرين أو ثلاثة، وعلى النبات أن يقطع أدوار حياته الثلاثة -الإنبات والنمو والنضوج- في خلال فصل الصيف القصير، قبل أن يداهمه الشتاء بصقيعه الدائم، ومثل هذا المناخ لا يلائمه إلا الحشائش؛ إذ إن الفصلية فيه شديدة الوضوح، ولكن الفصلية هنا تتضح في عامل الحرارة وليس في عامل المطر كما في حشائش السافانا، والفصلية الحادة في المناخ لا يلائمها بصفة عامة من أنواع النبات إلا الحشائش التي تنمو بسرعة كبيرة كأنما انتابتها حمى النمو بقصد الانتهاء من أدوار حياتها في فصل المطر والدفء. ونباتات هذا الإقليم قصيرة الجذور؛ لأن ذوبان الجليد في فصل الصيف يقتصر على التربة السطحية، وأما التربة السفلية فتظل متجمدة لا تسمح لجذور النبات بالتعمق فيها. ولا تتحمل هذه الظروف المناخية القاسية إلا نباتات قليلة أهمها

стр. 317

الطحالب والحشائش القصيرة. وقد تنمو أشجار قصيرة لا يزيد ارتفاعها عن قدم أو قدمين في الأماكن المحمية على طول المجاري المائية. وتتدرج الحياة النباتية في هذا الإقليم ففي أقصى الشمال تختفي النباتات تمامًا وتكون عبارة عن صحراء جليدية، ولكن في جنوبه تكثر الحياة النباتية نوعًا ما، وتنمو الشجيرات التي يزداد طولها ويكثر عددها وتتعدد أنواعها كلما تقدمنا نحو الجنوب. ويمكن القول بصفة عامة إن هذا الإقليم عبارة عن سهول عديمة الأشجار تقع شمال نطاق غابات المنطقة المعتدلة الباردة، إذ لا تنمو الأشجار عادة إذا انخفضت حرارة الصيف عن ٥٠ْ ف وعلى هذا يمكن أن نعتبر خط الحرارة المتساوي ٥٠ ْف في فصل الصيف الشمالي معينًا للحد الجنوبي لإقليم التندرا ويتبين من دراسة خرائط الحرارة المتساوية أنه لا توجد في نصف الكرة الجنوبي أجزاء من اليابس تقع جنوب خط الحرارة المتساوي ٥٠ ْف لفصل الصيف فيما عدا مرتفعات القارة القطبية الجنوبية. الاستغلال الاقتصادي: حياة الإنسان في الإقليم عبارة عن كفاح مستمر ضد الطبيعة وهو يعتمد على حرفة الجمع والالتقاط فيلجأ إلى صيد البر والبحر ويلعب صيد البحر دورًا هامًّا في حياته حتى إن سكناه للعروض العليا تكاد تقتصر على الجهات الساحلية. ويتطلب التغير الفصلي حياة التجوال فالبيت الصيفي هو الخيمة الخفيفة المصنوعة من الجلد وأما البيت الشتوي فهو بناء من الطوب والثلج ومواد البناء نادرة ولا سيما الخشب. وتختلف وسيلة النقل والانتقال عند سكان هذا الإقليم في الصيف عنها في الشتاء ففي الصيف يستخدمون القوارب الصغيرة في البحار والأنهار؛ لأن معظم الأرض تغطيها المستنقعات في هذا الفصل. وأما في الشتاء فيستخدمون الزحافات التي تجرها الكلاب أو الرنة لأن تساقط الثلج وتجمد المياه يحول النهر والأرض وحتى البحر إلى طريق للانتقال متشابه. ويخضع الحيوان كذلك للتغير المناخي الحاد، فمعظم الطيور تهاجر في آخر

стр. 318

الصيف إلى الأقطار الأكثر دفئًا كما يتراجع حيوان الرنة إلى أطراف غابات التيجا ويتبعه الذئب القطبي، ولكن بعض الحيوانات تظل مقيمة بالإقليم مواجهة قسوة الشتاء مثل الأرنب القطبي والثور الأمريكي والرنة وهذه تبحث عن طعامها تحت الثلج فتنبش التربة للوصول إلى حشائش التندرا المدفونة تحت طبقة الجليد التي تكون عادة رقيقة في هذا الإقليم، ويعتبر البحر موردًا هامًّا من موارد الغذاء لبعض الحيوان مثل الدب القطبي. ولا تساعد الظروف الطبيعية على قيام حياة حيوانية غنية في هذا الإقليم وأهم ما يوجد به حيوان الرنة الذي يقتات من الطحالب والحشائش الأخرى التي تظهر فوق سطح الأرض في زمن الصيف، ويستطيع الحصول عليها في فصل الشتاء بأن ينبش بحوافره الجليد الذي يغطي هذه الحشائش كما سبق أن ذكرنا، وقد أمكن استئناس هذا الحيوان في آسيا فانتفعت به القبائل التي تعيش في إقليم التندرا بهذه القارة، فمدهم بالطعام واللباس كما استخدموه وسيلة للنقل. أما في تندرا أمريكا فلم يستأنس بل ما زالوا يصطادونه ويسمى هناك كاريبو. وفيما عدا الرنة والكاريبو يعتمد الأهالي في حياتهم على الأسماك فيصيدونها في المناطق الساحلية من خلال الثقوب في الجليد، وأما الزراعة فغير ممكنة في هذا الإقليم؛ لأن درجة الحرارة لا تسمح بنضج النبات.

стр. 319

الفصل التاسع عشر: الصحاري الصحراء تعبير نباتي يطلق على الأقاليم التي يندر فيها النبات. ويندر النبات في أي إقليم نتيجة عاملين: أولهما قلة المطر, وثانيهما قلة الحرارة ومن هنا انقسمت الصحاري إلى ثلاثة أقسام: أ- صحاري حارة. ب- صحاري معتدلة. جـ- صحاري باردة وسندرس فيما يلي كل قسم من هذه الأقسام. أ- الصحاري الحارة: توجد الصحاري الحارة حيث الحرارة وفيرة والمطر القليل, بل إن الحرارة هنا تعتبر من ضمن العوامل التي تساعد على زيادة الظروف الصحراوية لأنها تساعد على البخر وتبدد القدر الضئيل من المطر الذي يسقط في هذه الجهات. ويبلغ مقدار ما يسقط من المطر في الصحاري الحارة أقل من ٢٥ سم في السنة، ولكن سرعان ما تبدد هذه الكمية بسبب شدة الحرارة ويسهل فهم هذه الحقيقة إذا ما عرفنا أن مقدار المطر الذي يسقط في جهات الغابات المخروطية هو ٢٥ سم أيضًا، ومع ذلك يساعد هذا القدر في الجهات الباردة على نمو الأشجار لأن الحرارة منخفضة لا تبدد منه شيئًا. وتقع الصحاري الحارة في غرب القارات بعد الأقاليم المدارية من ناحية القطبين. وهي جهات يسودها الضغط المرتفع والتيارات الهوائية الهابطة من الطبقات العليا من الجو، ومن شأن الضغط المرتفع أن يطرد الرياح، ومن شأن التيارات الهوائية الهابطة أن تزداد قابلية لحمل أبخرة جديدة لا للتخلص مما بها

стр. 320

على شكل مطر. وكلا العاملين يحرم الجهات الصحراوية من الظروف المسببة للمطر. توزيع الصحاري الحارة: تشغل الصحاري الحارة مساحات كبيرة في نصف الكرة الشمالي. فهي تمتد في شمال إفريقية من ساحل المحيط الأطلسي غربًا إلى البحر الأحمر شرقًا، ثم تتجاوز البحر الأحمر إلى شبه جزيرة العرب، ومنها إلى حدود بلوخستان ثم إلى صحراء ثار في الهند، ثم في أمريكا الشمالية توجد الصحراء الحارة في كاليفورنيا وأما في نصف الكرة الجنوبي فالمساحات الصحراوية أقل لعدم اتساع مساحة اليابس في هذه الجهات. فيشمل الإقليم الصحراوي مساحات بين جبال الإنديز وبين المحيط الهادي في بيرو وشمال شيلي. ثم في جنوب إفريقية توجد صحراء كلهاري في غرب جنوب القارة وتمتد حتى المحيط الأطلسي حيث توجد صحراء ناميب Namib وكذلك في استراليا توجد الصحراء في غرب القارة ويجمع بين كل هذه الجهات -سواء في نصف الكرة الشمالي أو نصفها الجنوبي- صفتان طبيعيتان هما: ١- أنها تقع في عروض حارة. ٢- المتوسط السنوي للمطر فيها أقل من ٢٥ سم. ويتبين من هذا التوزيع أن أكبر الصحاري الحارة مساحة هي الصحراء الكبرى وشبه جزيرة العرب، ويمكن اعتبارهما إقليمًا صحراويًّا متصلًا تزيد مساحته عن مساحة القارة الأوروبية كلها، ويلاحظ في هذا التوزيع أيضًا أن إفريقيا الشمالية واستراليا سيئتا الحظ في أن أكبر عرض فيهما يقع في النطاق الصحراوي وعلى العكس من ذلك نجد أمريكا الشمالية تضيق سريعًا جنوب عرض ٢٠ ْشمالًا وهو العرض الذي يحد الإقليم الصحراوي، ويعتبر خليج المكسيك في هذه الجهة مصدرًا للرطوبة يغذي الأراضي المحيطة به وبذلك يقلل من المساحة الصحراوية في أمريكا الشمالية. وكذلك الحال في أمريكا الجنوبية إذ تضيق

стр. 321

القارة في العروض الصحراوية فتنحصر الصحراء في شريط ضيق بين الجبال وبين الساحل في كل من بيرو وشمال شيلي وليس معنى الصحراء خلو الإقليم من النبات خلوًّا تامًّا بل معناه فقره الشديد في الحياة النباتية، وتنمو في الصحراء الحارة نباتات ذات طابع خاص فلا يستطيع أن يعيش في هذه الصحراء -بدون الري- إلا النباتات التي تحتمل الجفاف الشديد والتي تستطيع مقاومته بخفض البخر إلى أدنى حد ممكن وبمد جذورها في الأرض إلى أبعد حد ممكن حتى تصل إلى مستوى الماء الباطني، وباختزان المياه في سوقها وأوراقها ومن النباتات الصحراوية ما يبقى هامدًا عدة شهور بل عدة سنوات حتى إذا سقط عليه المطر استيقظ وعاد إلى الحياة. وبسبب عدم انتظام المطر الصحراوي لا توجد دورة فصلية للنبات بل نجد النبات الصحراوي وليد الصدفة يزدهر بسرعة عجيبة إذا سقط المطر، ولكنه ازدهار مؤقت لا يلبث أن يزول في فترة قصيرة. وحيثما تقترب الصحراء من البحر كما في بيرو وجنوب غرب إفريقية ينشأ من ذلك مصدر آخر من مصادر الرطوبة -غير المطر- يتمثل في الضباب الذي يتوغل في داخل اليابس في بعض الأحيان، ولبعض النباتات الصحراوية خاصية امتصاص الرطوبة من الضباب والندى بواسطة أوراقها, ومن أمثلة ذلك أيضًا اليمن حيث يغطي سفوحها ضباب من البحر الأحمر فيمد أشجار البن بالرطوبة فضلًا عن أنه يظللها ويحميها من شمس النهار المحرقة. الاستغلال الاقتصادي للصحاري الحارة: ليست الصحراء عديمة القيمة من ناحية الاستغلال الاقتصادي بل تستغل بعض جهاتها في ناحيتين هامتين: هما الزراعة واستخراج المعادن. الاستغلال الزراعي: نجد في بعض الصحاري أجزاء تقوم بها الزراعة المعتمدة على المياه الجوفية. وهذه هي التي نسميها الواحات. فالواحات عبارة عن أحواض منخفضة تتسرب إليها المياه من الجهات المرتفعة المحيطة بها ثم تظهر في منخفضات الواحات

стр. 322

على شكل ينابيع وآبار تكفي مياهها لري عدد كبير من الأفدنة وإعالة عدد وافر من السكان. ومن أحسن الأمثلة على ذلك واحات الصحراء الغربية في مصر مثل الخارجة وسيوة، هذا فضلًا عن أن بعض جهات الصحراء تجري فيها أنهار تنبع من جهات بعيدة عن الإقليم الصحراوي وتصل إلى الجهات الصحراوية فتجعل منها أقاليم وافرة الثروة الزراعية، ومن أحسن الأمثلة على ذلك مصر التي هي قطعة من الصحراء الصميمة أحالها النيل إلى قطر زراعي من الدرجة الأولى، ومن أحسن الأمثلة كذلك على تحول الصحراء إلى أرض مزروعة ما حدث في صحراء الكلورادو في أمريكا الشمالية وفي حوض نهر السند بالباكستان. ومما يبعث على الدهشة ذلك القدر الضئيل من المطر -أو حتى الندى- الذي تنمو عليه الغلات على حافات الصحراء، ولكن يمكن القول إن الزراعة في الصحراء تعتمد اعتمادًا رئيسيًّا على الري إما من المجاري المائية السطحية وإما من موارد الماء الباطنية حيث تنشأ الواحات وأشهر الغلات الصحراوية نخيل البلح الذي يجد في الصحراء الحارة أنسب الظروف لنموه، فرغم تعطش جذوره للمياه يتلفه المطر في فترة التلقيح كما يتلف ثمرته فيما بعد. فلكي ينتج النخيل ثمرًا جيدًا يحتاج إلى فصل حار طويل وهو ما لا يتوفر في الصحاري الباردة. وحيث يمكن الري تزرع الذرة بنوعيها الشامي والرفيعة وكذلك البقول تحت ظلال النخيل، وفي بعض الأحيان ينمو الكروم حيث تتسلق فروعه على جذوع النخيل وتنتج البساتين الصحراوية في بعض الجهات الرمان والتوت والكروم والمشمش والطباق والأفيون والقطن والقمح والذرة والشعير والبرسيم والبطيخ، وكل هذا بفضل وسائل الري الصناعي؛ وذلك لأن تربة الصحراء حينما تروى تكون شديدة الخصوبة عظيمة الإنتاج. الاستغلال المعدني: أجزاء كثيرة من الصحاري الحارة غنية بالمعادن، وإذا كان توزيع النبات

стр. 323

يرتبط بالمناخ ويعتمد على توفر المياه للنبات وللإنسان الذي يستغل هذا النبات, فإن توزيع المعادن لا يرتبط بشيء من هذا بل يوجد في جهات جرداء من الماء والنبات والإنسان. ومع ذلك يلجأ الإنسان لاستغلالها وينقل إليها بوسائل النقل الحديثة حاجته من الماء والطعام، ومن أمثلة ذلك منطقة النترات في شيلي ومنطقة الذهب في غرب استراليا ومنطقة الفوسفات وزيت البترول في صحراء مصر الشرقية. وفي كثير من الأماكن لا يحتاج كشف المعادن بالصحراء إلى مجهود كبير بل تتركز الأملاح السطحية بحيث يقوم التعدين المثمر ومثال أملاح النترات في شيلي والفوسفات في تونس، ولهذه الأملاح قيمة كبيرة كسماد، ولا شك أنه من المفارقات العجيبة أن أعظم مخصب في العالم يجلب من أشد أجزاء العالم جدبًا!. وخلاصة هذا أن الصحراء الحارة تساهم في الإنتاج العالمي بنصيب وافر، وهي تضم خليطًا من السكان يشتغل فريق منهم بالزراعة وفريق بالتعدين وفريق ثالث بالتجارة, غير أن الأجزاء الصحراوية ذات القيمة الاقتصادية لا تكون إلا نسبة ضئيلة جدًّا من المساحات الصحراوية بالعالم. ب- الصحراء المعتدلة: العامل الرئيسي في تكوين هذه الصحراء هو المناخ، فالمناخ في هذه الصحراوات قارس إذ تشتد الحرارة صيفًا وتشتد البرودة شتاء، وتتكون عليها في فصل الشتاء مناطق متسعة من الضغط المرتفع بسبب برودة الهواء، كما تتكون عليها في فصل الصيف مناطق من الضغط المنخفض تجذب لها الرياح من المحيط، ومع ذلك لا يسقط بها إلا نذر يسير من المطر؛ وذلك لأن الرياح تقطع مسافات بعيدة أو تجتاز جبالًا عالية قبل الوصول إلى هذه الجهات، وبذلك تفقد معظم ما بها من رطوبة قبل الوصول إليها، على أن بعض جهات هذا الإقليم القريبة من البحر المتوسط يسقط بها مطر شتوي ومثال ذلك إيران.

стр. 324

وتغطي بعض جهات هذه الصحاري المعتدلة طبقة فقيرة من الحشائش تتحول بالتدريج إلى مراعي الإستبس المعروفة. وترجع قحولة الصحراوات المعتدلة إلى ثلاثة عوامل رئيسية هي: أولًا: البعد عن البحر. ثانيًا: شكلها الحوضي بين أراضٍ مرتفعة. ثالثًا: ضد الإعصار الذي يقوم عليها شتاء. ونتيجة لهذا لا تستطيع الرياح الحاملة للمطر أن تتوغل في هذه الجهات، ثم هي إذا استطاعت الوصول إليها فإنما تهبط إلى أحواض، وبذلك تزيد حرارتها وتزداد قابليتها لحمل رطوبة جديدة لا للتخلص مما بها من رطوبة. ولا يتسع اليابس في العروض الوسطى اتساعًا يسمح بتكون الصحاري المعتدلة إلا في أوراسيا وأمريكا الشمالية وأما في نصف الكرة الجنوبي فلا نجد ما يجوز أن يعتبر من الصحاري المعتدلة إلا بتاجونيا، فهذه رغم ضيق أمريكا الجنوبية تعتبر صحراء بسبب الحاجز المحكم الذي تكونه الإنديز ضد الرياح الغربية. وأما في أوراسيا فتمتد هذه الصحراوات المعتدلة من بحر قزوين إلى حافة خنجان ولكنها غير متصلة بل تقوم فيها مجموعات من الجبال تكون واحات عالية تقطع الصحراء إلى عدد من الأحواض المنعزلة. وتتمثل الصحراء المعتدلة في أمريكا الشمالية في الحوض العظيم. وهنا ينبغي أن نلتفت إلى نوع الواحات في الصحراء الحارة والصحراء المعتدلة، فالواحات في الصحراء الحارة عبارة عن منخفضات تعتمد على الماء الباطني وأما الواحات في الصحراء المعتدلة فعبارة عن جبال مرتفعة تتلقى الرطوبة من طبقات الجو.

стр. 325

جـ- الصحراء الباردة: تقع الصحاري الباردة حيث درجة الحرارة في معظم شهور السنة أقل من الدرجة اللازمة للإنبات، وبذلك يتعذر نمو النبات. ففي المنطقة القطبية -حيث توجد هذه الصحاري- يطول الشتاء وتزداد برودته كما أن الصيف قصير المكث قليل الدفء، ونتيجة لهذه الظروف المناخية يستحيل نمو الأنواع النباتية بصورها المختلفة وواضح من هذا أن المظهر العام للإقليم القطبي شبيه بالمظهر العام للصحراء، ومن أجل هذا أطلق عليه اسم الصحراء الباردة أو الجليدية، فتشترك الصحراء الحارة والصحراء الباردة في ظاهرة هامة هي وجود جهات كثيرة جرداء من كل حياة نباتية بسبب قلة المطر في الصحراء الباردة. وهناك عامل مشترك آخر بين الصحراوين هو عدم ملاءمة المناخ لقيام الزراعة. وتنتشر الصحراء الباردة في أطراف القارات الشمالية في آسيا وأوربا وأمريكا الشمالية ثم في القارة القطبية الجنوبية. وكما تتدرج الحشائش الحارة "السفانا" إلى الصحراء الحارة تتدرج الحشائش الباردة "التندرا" إلى الصحراء الباردة ومن أحسن الأمثلة على ذلك جرينلنده في نصف الكرة الشمالي والقارة القطبية الجنوبية في نصف الكرة الجنوبي. ويوجد في جرينلنده وفي القارة الجنوبية "أنتاركتيكا" -حيث اجتمع عاملا الارتفاع والبعد عن خط الاستواء- مناخ أشد قسوة من مناخ التندرا. فجرينلنده إقليم جبلي مرتفع يتراوح ارتفاع قممه بين ٥ و ١١ ألف قدم، ولهذا كانت الجزيرة مغطاة بغطاء من الجليد لا يعرف سمكه. ولا يظهر من جرينلنده إلا شريط ساحلي ضيق. ولا يسكن من هذا الشريط الساحلي إلا جزؤه الغربي. والبحار المحيطة بها موطن لحيوانات كثيرة أهمها فرس البحر وبقر البحر والدببة القطبية والحيتان التي تمد الناس بالطعام واللباس كما تمدهم بالزيت للإضاءة والتدفئة.

стр. 326

أما أنتاركتيكا فهي قارة شامخة الارتفاع تحيط بالقطب الجنوبي ويغطيها كساء من الجليد الدائم الذي لا يذوب مطلقًا ولهذا كانت غير صالحة لقيام أية حياة نباتية أو حيوانية أو بشرية بها. الاستغلال الاقتصادي في الصحاري البرية: تكاد تكون الصحاري الباردة خالية من السكان ولكن قد يستطيع الإنسان بوسائل العلم الحديثة أن يستغلها في رعي بعض الحيوان مثل حيوان الكاريبو "الرنة الأمريكي" الذي تعتبر لحومه وجلوده ذات قيمة اقتصادية كبيرة كما قد تستغل بعض جهات الصحاري الباردة في استخراج المعادن كما في حوض نهر كلونديك في ألاسكا.

стр. 327

الفصل العشرون: توزيع النبات بالقارات إفريقيا: توضح الخريطة المبينة في "شكل ٨٥" توزيع النبات بالقارة الإفريقية وفي هذه الخريطة نلاحظ ما يأتي: أولًا: حوض الكنغو وساحل غانة: تغطي الغابات الاستوائية معظم السفوح والسهول المنحدرة نحو المحيط الأطلسي على طول شواطئ خليج غانة كما تغطي هذه الغابات الجزء الأكبر من حوض الكنغو، وهو الجزء الذي يتميز بالمناخ الاستوائي الصميم من حرارة وفيرة طول العام إلى مطر غزير دائم. وحوض الكنغو عبارة عن هضبة مستوية السطح سهلية المظهر ترتفع فوق سطح البحر بحوالي ٥٠٠ متر وتحاط من كل جانب بحافات هضاب أكثر ارتفاعًا، ونتيجة لارتفاع بعض الأجزاء يتخلل الغابات الاستوائية في حوض الكنغو بعض أشرطة من الأشجار الأقل صلابة بل وبعض مساحات من السفانا. ثانيًا: شرق إفريقيا: في شرق إفريقية تختلف الحالة النباتية اختلافًا كبيرًا جنوب خط الاستواء عنها شمال هذا الخط. ففي جنوب شرق القارة تزدهر الحياة النباتية بفضل الأمطار الصيفية التي تجلبها الرياح التجارية. فنجد في ناتال غابات شبه استوائية في الجهات المنخفضة ثم تقل كثافة الغابات وتتحول إلى حشائش كلما ارتفعنا فوق سفوح الهضبة واتجهنا نحو داخل القارة، ولكن إذا تتبعنا الساحل الشرقي نحو الشمال نجد نوع النبات السائد هو الغابات الحارة الرطبة الشبيهة بالغابات الاستوائية. وتقل الحالة النباتية غنى كلما بعدنا عن الساحل وارتفعنا فوق سطح الهضبة الإفريقية. ثم بمجرد أن نعبر خط الاستواء نحو الشمال تنقلب الحالة النباتية انقلابًا تامًّا وتتحول إلى الجدب فلا نجد في الصومال

стр. 328

إلا الحشاش الفقيرة التي تتخللها أشجار السنط. ثم إذا ما تابعنا السير شمالًا نجد الحالة النباتية تنقلب مرة أخرى في منطقة الحبشة، فتتحول من جديد إلى الغنى النباتي حيث تنمو الغابات الموسمية على المرتفعات الحارة الرطبة وتنمو الحشائش فيما عدا ذلك من أجزاء، ويعبر عن الحبشة بأنه إقليم غني يبرز وسط أقاليم مجدبة؛ والسبب في غنى الحبشة النباتي هو أمطارها الصيفية الغزيرة الناتجة عن اصطدام الرياح الموسمية بالهضبة المرتفعة، ولذلك بمجرد أن نغادر منطقة الهضبة نحو الشمال يعود الجدب مرة أخرى، بل يعود بشدة أكثر مما وجدناه جنوب الهضبة فنجد الصحراء التامة تسود الساحل الإفريقي من شمال هضبة الحبشة حتى ساحل البحر الأبيض المتوسط. ثالثًا: الصحراء: تشغل الصحراء قسمًا كبيرًا من القارة الإفريقية ولا سيما في نصف القارة الواقع شمال خط الاستواء، حتى أصبح لفظ "الصحراء" اسمًا علمًا يستخدم في اللغات الأجنبية للدلالة على "الصحراء الكبرى" في شمال إفريقية، وتعتبر هذه الصحراء الكبرى أهم ظاهرة جغرافية تستلفت الأنظار في القارة الإفريقية فهي عظيمة الاتساع لا يصطدم البصر فيها إلا ببعض الكثبان الرملية والتلال المبعثرة هنا وهناك وهي تمتد امتدادًا متصلًا من أقصى غرب القارة إلى أقصى شرقها أي أنها تمتد من ساحل المحيط الأطلسي حتى ساحل البحر الأحمر، وفي كل هذه المساحة الواسعة يسود جدب شديد وقحط عظيم وظمأ على نطاق واسع لا مثيل له في منطقة أخرى من العالم، ويندر في هذه الصحراء أن يقع البصر على خصلة من العشب أو على جذع شجرة ميتة من الظمأ، ولا يقطع هذا المنظر الممل في الصحراء إلا الواحات التي يقوم فيها بعض النبات معتمدًا على المياه الباطنية، بل إن مصر لا تعتبر أكثر من واحة أوجدها نهر النيل في هذه الصحراء؛ فمساحة الأراضي المزروعة في مصر لا تكاد تذكر إلى جانب المساحات الصحراوية التي تحيط بها من الشرق والغرب. ومثل هذا يقال على القسم الشمالي من السودان، فهو منطقة صحراوية ليس بها من علامات الحياة إلا الشريط الضئيل المساحة المطل على نهر النيل. وكذلك تشغل الصحراء مساحة كبيرة في النصف الجنوبي من إفريقيا ولكنها

стр. 329

تختلف عن الصحراء الشمالية في أنها أصغر مساحة وأقل جدبًا، وفي أنها تقتصر على الجزء الغربي من جنوب القارة، وأما الجزء الشرقي من جنوب القارة فيتمتع -كما سبق أن ذكرنا- بأمطار صيفية وفيرة تجلبها إليه الرياح التجارية الجنوبية الشرقية. وهذه الرياح الشرقية تسقط معظم حمولتها من الأمطار على الساحل الشرقي حتى إذا ما عبرت حافة الهضبة وتقدمت نحو الغرب كانت رياحًا جافة لا تحمل إلا قدرًا ضئيلًا من الرطوبة. حتى هذا القدر الضئيل من الرطوبة "شكل ٨٥" "توزيع النبات الطبيعي في إفريقيا"

стр. 330

يفقد في الطريق فإذا ما وصلت الساحل الغربي كانت جافة تمامًا؛ ولذلك كان الشريط الساحلي الغربي المواجه لصحراء كلهاري أشد جهات القسم الجنوبي من القارة قحطًا وجدبًا، ويتصل هذا الجزء المجدب بصحراء ناميب عبر هضبة دامارا ناما وأما صحراء كلهاري نفسها فهي لا تخلو من بعض العشب الفقير وبعض الشجيرات الشوكية، ثم إذا ما تجاوزنا صحراء كلهاري عبر هضبة الفلد نجد جبال الكارو ينالها شيء من المطر الذي ينمو عليه بعض العشب، ولذلك تقوم بالمنطقة التي تمتد من صحراء كلهاري حتى جبال الكارو حياة الرعي والصيد. رابعًا: تشغل حشائش السفانا مساحة كبيرة من القارة الإفريقية في شمال خط الاستواء وفي جنوبه، وهو النوع النباتي الوحيد في القارة الذي تتصل أجزاؤه في شمال القارة وجنوبها، وتقع حلقة الاتصال بين السفانا الشمالية وبين السفانا الجنوبية في هضبة شرق إفريقيا التي قامت فيها حشائش السفانا -رغم وقوعها على خط الاستواء- بسبب ارتفاعها وكما هو واضح في الخريطة شكل ١٤٠ تمتد السفانا كشريط على الحافة الشمالية للغابات الاستوائية ثم تمتد السفانا عبر هضبة شرقي إفريقية إلى الجنوب فتشغل الهضبة الإفريقية حتى جبال دراكنزبرج. ولما كان ارتفاع الهضبة يزداد كلما تقدمنا جنوبًا، كما أن خط العرض يزداد في هذا الاتجاه، فإن السفانا تفقد خواصها الطبيعية الرئيسية في هذا الاتجاه كذلك، فنجد سفانا الزمبيزي تفقد صفتها كحشائش حارة وتتحول إلى حشائش أقل كثافة وطولًا تعرف باسم محلي هو حشائش الفلد، التي يمكن اعتبارها سفانا فقيرة ما زالت تتخللها بعض الأشجار، ثم إلى الجنوب من هذا تتحول إلى حشائش إستبس أي تخلو من الأشجار فضلًا عن قصرها وقلة كثافتها. خامسًا: في الركن الشمالي الغربي من القارة وكذلك في ركنها الجنوبي الغربي وركنها الجنوبي الشرقي تقوم الأشجار الدائمة الخضرة التي هي النبات الطبيعي في هذه الأجزاء من المنطقة المعتدلة الدفيئة. فالركن الشمالي الغربي من القارة الذي تفصله سلاسل جبال الأطلس عن سائر القارة يصيبه قدر كبير من المطر تنمو عليه حياة نباتية غنية تتمثل في أشجار البلوط الدائم الخضرة في الجهات المتوسطة

стр. 331

الارتفاع، ثم في المناطق الأكثر ارتفاعًا تنمو غابات الأرز، وأما في السفوح السفلى والوديان فتنمو أشجار الزيتون والبرتقال. وكذلك تقوم حياة نباتية شبيهة بهذه في الركن الجنوبي الغربي من القارة، وأما في الركن الجنوبي الشرقي فبسبب سقوط مطر صيفي وفير في السهل الساحلي تنمو حياة نباتية أكثر كثافة تقترب في طبيعتها من الغابات الشبه مدارية، ولا يقتصر نوع الأشجار على النوع الدائم الخضرة بل تكثر بها الأشجار النفضية، ولكن بمجرد أن نترك الساحل ونتدرج في الارتفاع على حافة الهضبة تتدرج الحياة النباتية تبعًا لهذا إلى أن يسود عشب من نوع السفانا فتعتبر هذه المنطقة العشبية امتدادًا لسفانا منطقة الزمبيزي. أوروبا: تبين الخريطة الموضحة "شكل ٨٦" توزيع النبات الطبيعي في أوربا، وفي هذه الخريطة نلاحظ ما يأتي: أولًا: تعتبر النباتات الجبلية من أهم الظاهرات النباتية بالقارة. فتوزيع النبات بهذه القارة يتأثر بتوزيع مظاهر السطح "التضاريس" تأثرًا كبيرًا. وتحدث الجبال تغيرات فجائية وحادة في الحرارة والمطر ولهذا تتدرج عليها الأشكال النباتية تدرجًا فجائيًّا وحادًّا أيضًا ويبدأ هذا التدرج بالشكل النباتي الملائم للإقليم الذي يقوم عليه الجبل ثم تتدرج النباتات إلى أعلى الجبل بنفس ترتيبها في اتجاه القطب، فتنمو الغابات النفضية في أكثر الجهات مطرًا على السفوح السفلى، وتعلوها الغابات الصنوبرية. ثم نطاق ضيق من الحشائش الألبية التي تعادل حشائش التندرا في العروض العليا، وتمتاز البيئة الجبلية بالتنوع النباتي الشديد في مساحة صغيرة، ولذلك نجد الفرد الواحد من سكان الجبال يحترف الرعي والزراعة وقطع الغابات والصناعة في داخل مسكنه ويقسم وقته بين هذه الحرف جميعًا بحسب فصول السنة. فمن الأمور المألوفة في الألب الفرنسية بجنوب شرق فرنسا أن تقوم الأسرة الواحدة بزراعة الكروم على السفوح السفلى ثم بزراعة القمح والشعير على السفوح العليا ثم برعي الماشية في نطاق الحشائش الألبية

стр. 332

"شكل ٨٦ توزيع النبات الطبيعي في أوربا"

стр. 333

الذي يعلو نطاق الغابات، وتشجع المسافة القصيرة بين المناطق النباتية على سفوح الجبال على الهجرة الفصلية من منطقة إلى أخرى، ويلاحظ أن مثل هذه الهجرة متعذرة بين العروض المختلفة بسبب طول المسافة بين إقليم نباتي وآخر، هذا فضلًا عن قيام الحدود السياسية بين الدول. ويتمثل هذا التدرج النباتي كاملًا فوق كثير من جبال أوربا مثل هضبة فرنسا الوسطى والفوج وشفارتزفالد "الغابة السوداء" ومرتفعات الرين الأدنى وغابة ثورنجيا والهارتز والمرتفعات الحافة ببوهيميا، فكل هذه الجبال تتدرج نباتاتها من الغابات النفضية إلى الحشائش الباردة "الألبية" وتوجد الغابات الصنوبرية بوفرة في جبال الكربات، وأما جبال الألب فالتدرج النباتي عليها شديد الوضوح يبدأ بالغابات النفضية ثم تتدرج إلى الغابات الصنوبرية ثم تنتهي إلى الحشائش الألبية. ثانيًا: تغطي الغابات بأنواعها المختلفة مساحة كبيرة من القارة الأوروبية، فالغابات الصنوبرية تغطي النصف الشمالي من روسيا واسكندناوه شمال خط عرض ٦٣ ْشمالًا، وتغطي الغابات النفضية النصف الجنوبي من اسكندناوه ومعظم بريطانيا وشمال أسبانيا وغربها ثم باقي غرب أوروبا ووسطها. ويضيق نطاق هذه الغابات كلما اتجهنا شرقًا في القارة حتى ينحصر طرفها الشرقي -كما هو واضح من الخريطة- بين الغابات الصنوبرية وبين حشائش الإستبس. وأما غابات البحر المتوسط فتوجد في القسم الجنوبي من شبه جزيرة البلقان وبخاصة على السواحل الجنوبية الغربية للبحر الأسود ثم في يوجوسلافيا وألبانيا واليونان وإيطاليا وجنوب فرنسا وأسبانيا. ثالثًا: تشغل حشائش التندرا شريطًا ضيقًا في شمال أوروبا؛ وذلك لأن ساحل القارة الشمالي لا يمتد كثيرًا في العروض العليا هذا فضلًا عن عوامل الدفء التي تقترب من هذا الجزء المتطرف من القارة، ولذلك تستطيع الأشجار أن تنمو في جهات شديدة القرب من المحيط الشمالي، ويعبر عن هذا جغرافيًّا بأن خط الأشجار متقدم في هذه العروض العليا فلم يترك للتندرا إلا شريطًا ضيقًا، وأما الحشائش المعتدلة فميدانها الرئيسي جنوب روسيا إذ تنتشر بها هذه الحشائش حتى حافات الغابات نفضية كانت أو صنوبرية وتمتد حشائش الإستبس من رومانيا

стр. 334

إلى بلغاريا إلى وادي الفلجا الأدنى وتتصل في هذا المكان بنطاق الإستبس الآسيوي ويمكن القول إن الحد الغربي لحشائش الإستبس يمتد حتى قاعدة جبال الكربات، كما أن طبيعة المجر تلائمها حشائش الإستبس بسبب مناخها القاري الجاف، على أن مساحات كبيرة من الإستبس الأوروبية قد حولت إلى الزراعة بفضل وسائل الري والزراعة الحديثة. رابعًا: لا يوجد من أنواع الصحاري بالقارة الأوروبية إلا الصحراء الجليدية، وهذه تشغل شريطًا ضيقًا في أقصى شمال القارة، وأما الصحراء الحارة فلا وجود لها في هذه القارة لأن عروضها لا تسمح بذلك، فخط عرض ٣٠ هو الحد الشمالي للصحاري الحارة في نصف الكرة الشمالي، وأما الصحراء المعتدلة فيمكن القول أيضًا إنها غير موجودة، ولو أنه يوجد بجنوب شرق القارة حول بحر قزوين بعض جهات الإستبس الشديدة الفقر إلى درجة تقترب من ظروف الصحراء المعتدلة. آسيا: بسبب امتداد قارة آسيا في خطوط العرض من الإقليم الاستوائي في الجنوب إلى الإقليم القطبي في الشمال تتتابع فيها الأشكال النباتية من الغابات الاستوائية والموسمية في الجنوب إلى حشائش التندرا والصحاري الجليدية في الشمال، ثم بسبب اتساع القارة من الشرق إلى الغرب ووجود الحواجز الجبلية التي تمنع وصول الرطوبة من البحر إلى الداخل يشغل قلب آسيا مساحات كبيرة من الصحاري المعتدلة والمناطق العشبية الفقيرة. وأخيرًا بسبب كثرة جبال القارة وهضابها وانتشارها في مساحات كبيرة منها نجد التوزيع الفعلي للنبات يخضع لعامل الارتفاع. ومثال ذلك إقليم ألتاي وإقليم التبت في المنطقة المعتدلة الباردة من الناحية المناخية ثم إقليم إيران وإقليم منغوليا اللذان يتبعان المنطقة المعتدلة الدفيئة من الناحية المناخية كذلك. وتبين الخريطة الموضحة في شكل ٨٧ توزيع النبات الطبيعي في قارة آسيا، وفي هذه الخريطة نلاحظ ما يأتي:

стр. 335

أولًا: تشغل الجهات الصحراوية مساحة كبيرة من قارة آسيا فالصحراء الجليدية تمتد في شريط متصل شمال هذه القارة، وأما الصحراء الحارة فتشغل شبه جزيرة العرب وجنوب إيران وصحراء ثار، كذلك تشغل الصحاري المعتدلة أجزاء كبيرة من قلب القارة تمتد تقريبًا من البحر الأبيض المتوسط إلى عاموريا فوق سطح متنوع بين منخفضات ومدرجات وسلاسل جبلية عالية. وتختلف الصحاري الأسيوية عن الصحراء الكبرى الإفريقية في أن الفروق الحرارية اليومية والفصلية أكبر في الصحاري الأسيوية حيث الشتاء قارس البرودة والصيف شديد القيظ.

стр. 336

وتحيط بالصحاري حشائش الإستبس، وأقصى الصحاري المعتدلة نحو الغرب صحراء طوران، ويحيط بصحراء طوران من الشمال حشائش الإستبس التي تمتد حتى بحر قزوين، وفي قلب طوران يقع بحر آرال الذي يصب فيه النهران المشهوران سيحون وجيحون، ويستمد هذان النهران مياههما من ذوبان ثلوج البامير وتيان شان. وتقوم الزراعة على شواطئ هذين النهرين، فهما -أشبه بمصر- عبارة عن شريطين من الخضرة في قلب الصحراء، ويحف بالصحراء على طول القاعدة الشمالية الغربية للجبال نطاق من التلال والمدرجات ترتوي من مياه الجبال فتقوم عليها حياة نباتية، ولكن يبقى نمو الأشجار مقصورًا على جوانب النهر، وأما ما عدا ذلك فحشائش الإستبس هي النبات الطبيعي إذا لم يستخدم الري للزراعة. والجزء الغربي من سلاسل جبال تيان شان وألتاي وكذلك سلاسل خراسان تكثف رطوبة الرياح الشمالية فيصيبها قدر لا بأس به من المياه ولا سيما في الشتاء والربيع، ولذلك نجد حياتها النباتية شبيهة بحياة منطقة طوران، فتقوم الزراعة عند قواعد التلال ويقوم العشب في الجهات الأكثر ارتفاعًا، ثم نطاق من الغابات المخروطية ثم حشائش ألبية في أعلى "حشائش صيفية" ثم أخيرًا صحراء باردة فوق قمم الجبال. وكذلك هضبة إيران محاطة بحافات ألبرز وخراسان فتحميها من الرياح الشمالية، ولكن تجتاحها رياح باردة جافة فتتعرض للتطرف الحراري، ومن الناحية النباتية توجد بها منخفضات قاحلة تحيط بها حشائش الإستبس القصيرة الخالية من الأشجار إلا الأنواع الصحراوية كالشجيرات الملحية الرخوة المختزنة للعصارة والشجيرات الشوكية والأثل، ومثل هذه الحالة نجدها في خراسان وكوهستان، ويحيط أيضًا بهذه الصحراوات المنخفضة حشائش الإستبس القصيرة الخالية من الأشجار وتشغل هذه الحشائش المستويات الأعلى الجافة بالمنخفضات. وهنا نلحظ الفرق بين منخفضات الصحراوات المعتدلة ومنخفضات الصحراوات الحارة، فالمنخفضات الأخيرة أكثر جهات الصحراء غنى بالثروة النباتية، وأما منخفضات الصحراء المعتدلة فأكثرها جدبًا وفقرًا، وقد نشأ هذا الفرق نتيجة

стр. 337

لاختلاف مصدر الماء في كل منهما. ويشبه سهل أصفهان المروج الألبية، وتختلف الحياة النباتية في أجزاء هذا السهل بحسب ما يناله من ماء. وأما السلاسل الجبلية التي تخترق الهضبة فهي -كالسلاسل التي تحيط بالهضبة- تحتوي على وديان خصبة ذات مراعٍ جيدة، ولذلك يزداد عدد سكانها عن السهل المكشوف. وكذلك يوجد شبه بين شرق إيران وبين طوران، في صحاريها وأجزائها الملحة في المنخفضات ثم سهولها الهزيلة الحشائش ذات الشجيرات المبعثرة على قواعد فتحات الجبال في هندوكوش، ثم في واحاتها التي تقوم على شواطئ الأنهار، وتقوم الزراعة حول وديان الأنهار التي تنحدر من جبال هندوكوش نحو الجنوب والغرب، ومن أجل هذا كانت مركزًا لتجمع السكان، ويرجع الغنى النسبي لهذه الجهات إلى الأنهار التي تستمد ماءها من الثلاجات. ويمتد الحائط الجنوبي لهضبة إيران من أرمينيا إلى الهند عبر سلسلة زاجروس وهو حائط وعر مقفر إلا من بعض الواحات الجبلية المنعزلة، ولكن مظهرها العام صحراوي صرف. ثانيًا: تشغل الجهات الجبلية مساحة كبيرة أيضًا من قلب القارة الآسيوية، وتتصف الحالة النباتية فيها بالفقر الشديد. إذ تحيط الجبال المرتفعة من جميع الجهات بالهضاب الممتدة من البامير إلى خنجان فتمنع وصول الرياح المطيرة إليها. ومناخ هذه الهضاب متطرف من حيث الحرارة وجاف من حيث المطر، وأما نباتها فيغلب عليه الصفة الصحراوية, وأكثر الجهات جدبًا وفقرًا في الحياة النباتية حوض تاريم وجوبي الغربية. ويشغل حوض تاريم في معظمه صحراء تاكلامكان التي هي عبارة عن بحر من الكثبان الرملية المتنقلة. ويشغل الشريط الضيق الذي بينها وبين الجبال شجيرات هزيلة ومستنقعات وحشائش شتوية خشنة ثم واحات فوق الرواسب الغرينية ثم مساحات حصباوية، أي يغطيها الحصا والحصباء، ثم مدرجات مزروعة يقوم في أعلاها على سفوح الجبال المراعي الصيفية، ويوجد مثل هذا الترتيب النباتي على نطاق أوسع في صحراء جوبي أو صحراء شامو وعلى سفوح جبال ألتن تاج وكوينلن. ومن الأمور التي نتوقعها في نباتات الجبال المحيطة بهذه الهضاب أن سفوحها الخارجية -أي المواجهة

стр. 338

الرياح الممطرة -تكون كثيرة الأشجار، وأما سفوحها الداخلية أي الواقعة في ظل المطر فأشجارها قليلة أو معدومة- وأجزاء السلاسل التي تمتد في الصحراء مثل ألتاي وتيان شان خالية من الغابات وحتى مراعيها الألبية "الحشائش الباردة أو حشائش التندرا" مقصورة على الارتفاعات الكبيرة وينطبق هذا على زنجبار ومنغوليا أيضًا. ثم على هضبة البامير تجد السلاسل الجبلية تضغط نطاق ضيق من الحافات الشاهقة والوديان العالية، ويغطي الثلج هذه الوديان لشهور عديدة من كل عام ثم في فصل الصيف يذوب الجليد وتزدهر الحشائش الألبية التي يستغلها رعاة القرغيز استغلالًا جيدًا. أما على هضبة التبت فنجد السلاسل الجبلية تنتشر وتتباعد عن بعضها، كما يزداد عرض الوديان العالية بين الحافة الجبلية الشاهقة الارتفاع، ولا يمكن أن ينمو على هذه الارتفاعات التي تتراوح بين ٤٠٠٠، ٥٠٠٠ متر إلا الحشائش الألبية؛ وذلك لأن هذه المساحات المرتفعة تتعرض للتطرف بين الحرارة الشديدة والبرودة القاسية كما تتعرض للرياح الباردة في كل الفصول وللعواصف الثلجية في فصل الشتاء، ولا يستثنى من هذا إلا الجزء الشرقي من جنوب التبت حيث الظروف المناخية أقل حدة بحيث تسمح بقيام بعض الزراعة في الوديان الواسعة والسهول، ولذلك يتركز سكان التبت في هذا الجزء. وتتخلل السفوح الشرقية للتبت خوانق ضيقة بين حافات متوازية حادة، وتتلقى هذه السفوح أمطارًا وفيرة من الرياح الموسمية الصيفية التي تهب على الصين. ومن أجل هذا يزداد الغنى النباتي على هذه السفوح فتتدرج الحياة النباتية من الحشائش الألبية في أعلى يتلوها نطاق من الغابات المخروطية، يتلوها نطاق من الغابات النفضية ذات الأشجار العريضة الأوراق ثم تتحول هذه إلى غابات دائمة الخضرة من نوع غابات إقليم البحر المتوسط والإقليم الصيني ثم تتحول على السفوح السفلى إلى غابات كثيفة شبيهة بالغابات الموسمية أو الاستوائية.

стр. 339

ثالثًا: تشغل الجهات المتمتعة بالنظام الموسمي مساحة كبيرة من هذه القارة في جنوبها وجنوبها الشرقي وشرقها في الهند وبرما والصين الهندية وأرخبيل الملايو والصين وعاموريا واليابان. فأما في الهند فتهب الموسمية الجنوبية الغربية على الحافة الغربية لهضبة الدكن فتسقط أمطارًا غزيرة تقوم بسببها غابات كثيفة من النوع الاستوائي على ساحل مالابار, وكذلك تقوم مثل هذه الغابات في جنوب سيلان, وأما على الساحل الشرقي "ساحل كروماندل" وشمال سيلان فيسقط مطر أقل، ومن أجل هذا كانت الغابات مختلفة في نوعها وفي كثافتها فهي عبارة عن أشجار دائمة الخضرة على مسافات متباعدة. وأما وسط هضبة الدكن فيقع في ظل المطر، أي إنه قليل المطر فإذا أضفنا إلى هذا التربة التي لا تحتفظ بالرطوبة لعرفنا السبب في وجود أجزاء قاحلة في هذه الهضبة إلى جانب أجزاء يغطيها العشب وأخرى تغطيها الغابات النفضية وغابات التاكة. وإلى الشمال من هضبة الدكن نجد سهول السند والجانج، وتتدرج حالة الرطوبة في هذه السهول من الرطوبة الغزيرة في الشرق إلى الجفاف الشديد في الغرب حيث صحراء ثار، وتتبع سهول السند الصحراء الحارة التي تشمل أيضًا شبه جزيرة العرب والعراق، ولولا ما يأتي به نهر السند من مياه منحدرة إليه من جبال الهملايا لكانت سهوله عبارة عن صحراء حقيقية. وأما سهول الجانج فعلى النقيض من ذلك يصيبه مطر موسمي غزير وتأتيه مياه وفيرة من الأنهار التي تنبع من الهملايا أيضًا. ثم إذا تركنا السهول وانتقلنا إلى الهملايا في شمالها نجد الحياة النباتية تتدرج على سفوحها فتوجد النباتات المدارية إلى ارتفاع ٥.٠٠٠ قدم. ويكون القسم الغربي من هذه السفوح جافًّا وقسمها الشرقي رطبًا، ولذلك نجد الركن الشمالي الشرقي من الهند وسفوح الهملايا الدنيا في هذا الركن ثم غرب برما تسودها ظروف ملائمة لنمو الغابات الكثيفة من النوع الاستوائي. ثم على السفوح الوسطى للهملايا يوجد نطاق الأشجار الدائمة الخضرة يعلوه نطاق الغابات النفضية إلى ارتفاع ٣٥٠٠ متر بعد هذا الارتفاع يوجد نطاق الحشائش الألبية ويستمر حتى ٤٥٠٠ متر.

стр. 340

وأما برما فتسودها الغابات التي تتنوع بين غابات التاكة النفضية في برما الشرقية والسفلى بين غابات المنطقة المعتدلة الدفيئة على السفوح الجبلية المرتفعة "شبيهة بغابات الإقليم الصيني" وكذلك تتأثر الصين الهندية بالنظام الموسمي تأثرًا كبيرًا فتشغل معظم سيام وكمبوديا غابات التاكة والسافانا والأحراش وتغطي الغابات الكثيفة الجبال في شمالها وغربها، وتسود التاكه أيضًا في السفوح الدنيا، وأما في السفوح العليا فتسود غابات المنطقة المعتدلة الدفيئة "شبيهة بغابات الإقليم الصيني". ثم توجد الغابات الكثيفة الشبيهة بالاستوائية في المناطق المنخفضة في كوشن تشينا Cochoin China ولكن جزءًا كبيرًا منها أزيل لاستخدام الأرض في الزراعة. وأما شبه جزيرة الملايو فتقع في الإقليم الاستوائي وتشغلها الغابات الاستوائية وكذلك أرخبيل الملايو تقوم به الغابات الاستوائية الدائمة الخضرة على السفوح الجنوبية والشرقية والسهول المعرضة للأمطار الاستوائية الغزيرة، وأما السفوح الشمالية والغربية فتتعرض لفصل جاف ولذلك يتراوح نباتها بين الغابات النفضية التي من أهم أشجارها التاكه وبين السفانا التي تتخللها الأشجار، ثم على السفوح العليا تقوم الأشجار الدائمة الخضرة، وأخيرًا على القمم لا نجد إلا العشب. وأما في الصين فإنها لفرط ما استغلت في الزراعة لم يبق من نباتها الطبيعي إلا النذر اليسير. وتعتبر سلسلة تسينلنج شان -التي تسير من الغرب إلى الشرق- وكذا مرتفعات شمال اليانجتس فاصلًا طبيعيًّا بين نوعين من المناخ والنبات الطبيعي ففي شمال هذا الفاصل يقاسي الإقليم من التغيرات في الحرارة ومن الشتاء الجاف القارس البرد، ولذلك كان نباته من النوع الذي يزدهر في فصل الصيف. وأما في جنوب هذا فنجد المناخ يتحول إلى الظروف المعتدلة الدفيئة مع الرطوبة الدائمة ولذلك نجد السفوح الجنوبية لجبال تسينلنج تغطي بعضها الغابات الكثيفة، وقد أصبح هذا الفاصل بين النبات الطبيعي فاصلًا بين النبات المزروع أيضًا ففي الشمال يزرع الشعير والذرة بنوعيها والقمح والقطن والتبغ والعنب، وقد ساعد على ذلك التربة الصفراء الغنية التي تلائم الزراعة الكثيفة وتمكن من تكاثف السكان

стр. 341

بالإقليم. وأما جنوب هذا الفاصل فيزرع الأرز والشاي والقطن إلى جانب استغلال الغابات استغلالًا جيدًا. وفي شمال الصين نجد منشوريا وهي مقفولة من جميع الجهات بواسطة سلاسل جبلية ولذلك نجدها إقليمًا جافًّا تسوده حشائش الإستبس الخالية من الأشجار ولذلك يطلق عليها جوبي الشرقية أي إنها تعتبر إقليمًا صحراويًّا أو شبه صحراوي، ولا تزدهر الحياة النباتية في هذا الإقليم إلا في الشريط الساحلي الضيق وعلى سفوح الجبال شرقي زونجاريا حيث تنمو الغابات. ثم إلى الشمال من منشوريا توجد عاموريا وهي إقليم كثير التلال، ذو مناخ شبيه بوسط أوربا أي أنه مناخ قاري ولكنه أكثر قارية من وسط أوربا، أي أنه أكثر تطرفًا في حرارته، وبمعنى آخر نجد الفرق بين حرارة الصيف وبين برودة الشتاء أكثر في عاموريا منه في وسط أوربا. وينمو في هذا الإقليم بفضل ما يصيبه من مطر موسمي الغابات النفضية الغنية العريضة الأوراق والغابات المخروطية والحشائش. رابعًا: يوجد بالقارة الأسيوية أعظم نطاق من الغابات المخروطية بالعالم ولكنه أقلها استغلالًا في نفس الوقت، وتقع هذه الغابات في سيبيريا جنوب حشائش التندرا وتسمى "التاييجا" وتمتد هذه التاييجا السيبيرية دون انقطاع من جبال أورال تقريبًا خلال سهول شمال آسيا حتى كمتشتكا، أي أنه يمتد في شريط متصل من أقصى غرب القارة إلى أقصى شرقها. هذه هي الملاحظات الرئيسية على النبات الطبيعي بالقارة الأسيوية. وقد بينا في الخريطة رقم ١٣٤ توزيع نطاقاته بحسب الشكل النباتي السائد فيه نتيجة لظروف القارة الطبيعية من مساحة وسطح ومناخ. أمريكا الشمالية: تبين الخريطة الموضحة في شكل "٨٨" توزيع النبات الطبيعي في أمريكا الشمالية، ونلاحظ على هذا التوزيع ما يأتي:

стр. 342

"شكل ٨٨" توزيع النبات الطبيعي في أمريكا الشمالية أولًا: النبات الطبيعي السائد في أمريكا الشمالية هو الغابات، فالغابات المخروطية والغابات النفضية وغابات إقليم الصين والبحر المتوسط كلها ممثلة في أمريكا الشمالية على نطاق واسع وفي مساحات كبيرة. فالغابات المخروطية تغطي منطقة كبيرة من شمال القارة تمتد بدون انقطاع تقريبًا من المحيط الأطلسي في الشرق إلى المحيط الهادي في الغرب، وتخرج منها ألسنة طويلة تمتد فوق الجهات المرتفعة في الشرق والغرب، ويظهر هذا في الخط المتعرج الذي يحد هذه الغابات من الجنوب، ويلاحظ انحناء هذا الخط نحو الشمال في قلب القارة، إذ إن جفاف هذا الجزء يجعل حد الغابات يتزحزح نحو الشمال لكي تحل محلها حشائش الإستبس وتصبح الغابات أكثر غنًى في المنطقة الشرقية

стр. 343

بالقرب من البحيرات العظمى حيث الظروف المناخية أكثر ملاءمة لنمو الغابات، ولكن تختلط بها في هذا المكان أنواع من الأشجار ذات الأوراق العريضة، فلا تصبح أشجار الغابة مقصورة على الصنوبر والشربين والأرز وسائر الأشجار المخروطية، وإنما يوجد معها البلوط والإسفندان والقسطل وكثير من الأشجار النفضية الأخرى. وتمتد هذه الغابات الخليطة في الشرق على طول الأبلاش حتى ولاية كارولينا الشمالية كما يزداد تنوع أشجارها, وإقليم الأبلاش أكثر غنًى من إقليم البحيرات، فكان مغطى بالغابات النفضية التي تمتاز بالكثافة وتنوع الأشجار على أن هذه الغابات النفضية كانت تختلط بالغابات الصنوبرية في بعض المناطق وتبادل معها في مناطق أخرى وذلك بحسب الموقع الجغرافي لكل من هذه المناطق. وكذلك هضبة ألليجني التي ينحدر منها المسيسبي كانت مغطاة بغابات عريضة الأوراق شبيهة بغابات الأبلاش. ثم إذا ما غادرنا الهضبة في اتجاه الغرب تأخذ الغابة في التضاؤل حتى يتحول الشكل النباتي إلى حشائش معتدلة. وكذلك تغطي غابات الإقليم الصيني مساحة كبيرة في جنوب شرق القارة كما هو واضح من الخريطة ويزداد عرض هذه الغابات على شواطئ خليج المكسيك وفي دلتا المسيسبي وفي تكساس ثم يتضاءل شأن هذه الغابات كلما اتجهنا غربًا حتى تتحول أيضًا إلى سهول. وأما غابات البحر المتوسط فلا تشغل إلا شريطًا ضيقًا على المحيط الهادي شمال كليفورنيا. وكذلك تغطي الغابات الموسمية مساحات تحيط بخليج المكسيك ويطلق على هذه الغابات أحيانًا اسم "شبه مدارية" وهي على العموم غابات حارة رطبة، وقد أزيل جزء كبير منها وحلت محله الزراعة وتستمر ظاهرة الغابات هذه حتى أمريكا الوسطى، فتغطي الغابات الاستوائية الكثيفة "غابات السلفا" الأجزاء الشرقية المنخفضة لأنها تتلقى مطرًا غزيرًا من الرياح التجارية. وأما الأجزاء الغربية المنخفضة فغاباتها من النوع الموسمي؛ لأن المطر بها أقل، بل تشغل حشائش السفانا بعض جهات هذا الإقليم ثم على ارتفاع ٣٠٠٠ قدم تغطي سفوح التلال

стр. 344

غابات المنطقة المعتدلة الدائمة الخضرة، ثم على الارتفاعات الأعلى توجد الشجيرات القصيرة الهزيلة التي تتحول في النهاية إلى حشائش ألبية. ثانيًا: بينما تمتد الغابات هذا الامتداد الواسع الذي رأيناه في شمال القارة وشرقها وجنوبها الشرقي نجد وسط القارة يمتاز بشكل نباتي آخر يشغل مساحة كبيرة، ذات الشكل النباتي هو حشائش البراري المشهورة في أمريكا الشمالية، وتمتد هذه البراري أو الإستبس حتى كندا في الشمال وحتى قواعد جبال الروكي في الغرب وتخلو هذه الحشائش من الأشجار خلوًّا تامًّا إلا في بعض بقع حيث تظهر الأشجار كأنها جزر وسط محيط من الحشائش، كما أنه يظهر وسط هذه الحشائش في بقع أخرى تلال رملية أشد فقرًا من منطقة الحشائش، ويظهر في داكوتا بصفة خاصة ما يسمى "بالأراضي الرديئة" وهي أراضٍ قفراء مجدبة تتخلل حشائش البراري ثم في جنوب غرب القارة تصبح البراري أكثر فقرًا إلى أن تتلاشى، ويحل محلها إقليم قفر ينمو به نبات شوكي وعشب يابس وصبير وذلك في غرب تكساس ونيو مكسيكو، ثم بعد هذا يوجد الإقليم شبه الصحراوي في شمال المكسيك. وفيما عدا هذا النوع من الحشائش "حشائش البراري" تتمثل حشائش التندرا في أمريكا الشمالية في شريط ضيق على طول ساحل بحر برنج والأراضي المنخفضة في شمال القارة ويطلق على إقليم التندرا اسم الأراضي القفراء Barren grouuds وهو يمتد من مصب نهر ماكنزي إلى مصب نهر نلسون كما يشغل القسم الشمالي من لبرادور. وإقليم التندرا في ألاسكا أشبه بالحديقة لكثرة زهوره. ثم تتحول هذه الحديقة نحو الشرق إلى حشائش التندرا الصميمة التي لا ينبت فيها إلا العشب، ولا تستطيع الأشجار مهما كانت قزمية أن تظهر في التندرا الصميمة, ولكن إلى الجنوب من هذه المنطقة أي من هضاب ألاسكا وكولومبيا البريطانية إلى الطرف الشرقي من لبرادور تتحول منطقة التندرا إلى منطقة غنية تظهر فيها بعض الأشجار المخروطية كالصنوبر. ولكن يمكن اعتبار هذه المنطقة منطقة غابات فقيرة أكثر منها منطقة تندرا. ثالثًا: الظاهرة النباتية الثالثة ذات الأهمية في أمريكا الشمالية هي النباتات

стр. 345

الجبلية وتتمثل هذه بوضوح في النطاق الجبلي في الغرب حيث تمتد ثلاث سلاسل جبلية عالية ومتوازية من ألاسكا في الشمال إلى المكسيك في الجنوب، ورغم تنوع المناخ من الشمال للجنوب ومن الغرب للشرق فإن الحياة النباتية في هذه الجبال فقيرة أو تسودها الغابات الفقيرة التي تزداد فقرًا على الهضاب وفي الأحواض الفاصلة بينها. فالانتقال المناخي من الغرب للشرق حاد في كل من المطر والحرارة؛ ولذلك تصبح الغابات المخروطية أقل ارتفاعًا وأكثر جفافًا وأقل كثافة كلما اتجهنا على الجبال من الغرب للشرق حتى تصبح في أشد حالات فقرها في جبال روكي. ولكن السلسلة الساحلية معرضة لرياح المحيط الهادي المطيرة ولذلك تنمو عليها غابات صنوبرية تعتبر من أكثف الغابات الصنوبرية في العالم، ثم تقل كثافة هذه الغابات كلما اتجهنا شرقًا. أمريكا الجنوبية: تبين الخريطة الموضحة في شكل ٨٩ توزيع النبات الطبيعي في أمريكا الجنوبية، وأهم ما نلاحظه على هذا التوزيع ما يأتي: أولًا: تغطي الغابات الاستوائية "غابات السلفا" مساحة كبيرة من القارة في حوض الأمازون، وهي مساحة من السهل المنخفض يمتد لمسافة ٢٠٠٠ ميل في داخل القارة وتعتبر هذه الغابات أكثف الغابات الاستوائية بالعالم، وتشتد هذه الغابات كثافة في السهل الفيضي للنهر ورافده، ثم خلف هذا النطاق يقع قسم الغابة الذي يجود بالمطاط وجوز الهند، وهو قسم أكثر قيمة من الناحية الاقتصادية؛ لأن اختراقه غير مستحيل كالقسم السابق كما تمتد الغابات الاستوائية على طول الساحل الشرقي والشمالي للبرازيل وجيانا وفنزويلا. ثانيًا: تغطي حشائش السفانا مساحة كبيرة من هذه القارة أيضًا تشمل الجزء الباقي من البرازيل الذي لا تغطيه الغابات الاستوائية ثم جيانا وفنزويلا فيما عدا النطاقات الساحلية. ويلاحظ أن الغابات تكون نطاقات حول منطقة السفانا وأنها تمتد ألسنة منها خلال الحشائش. ثالثًا: تمتد حشائش البامبا "ومعناها الخلاء" إلى الجنوب الغربي من

стр. 346

مستنقعات البارانا، وهذه الحشائش عبارة عن بحر من الحشائش الخالية من الأشجار، ثم هي تتحول تدريجيًّا إلى شبه صحراء كلما اقتربنا من الإنديز غربًا،

стр. 347

كما تتحول إلى صحراء حقيقية في بتاجونيا. ولكن في أقصى جنوب القارة في الجزء الذي يستدق فيها طرفها -أي في الطرف الجنوبي لبتاجونيا والجزء الشمالي الشرقي من فويجو- تستطيع الرياح الغربية أن تتخطى الإنديز التي تنخفض في هذا المكان وتسقط أمطارها في هذه الجهات فتعود حشائش الإستبس إلى الظهور مرة أخرى، وهي أيضًا خالية من الأشجار مثل البامبا شمال الصحراء. رابعًا: نباتات، الجبال الغربية متنوعة، فتغطي الغابات الحارة، ولكنها قليلة الكثافة، كولومبيا وإكوادور. ثم إلى الجنوب من ذلك تسود الظروف الصحراوية إلى أن تبلغ أقصاها في الشريط العريض الذي يسمى صحراء أتكاما.

стр. 348

ثم إلى الجنوب من خط عرض ٣٠ ْجنوبًا تتحسن الحالة النباتية وتظهر غابات البحر المتوسط. ثم من خط عرض ٤٠ ْجنوبًا إلى أقصى جنوب القارة في فويجو تغطي السفوح الغربية غابات من الصنوبر والزان. استراليا: تبين الخريطة الموضحة في شكل ٩٠ توزيع النبات الطبيعي في أستراليا وأهم ما نلاحظه في هذه الخريطة ما يأتي: أولًا: تشغل الصحاري الحارة مساحة كبيرة من قارة استراليا حتى ليعبر عن هذه القارة بأنها صحراء حارة محاطة بنطاق نباتي غني. ثانيًا: لا توجد الغابات الاستوائية في استراليا نفسها لأنها تقع جنوب خط ١٠ ْجنوبًا، وأما الغابات الموسمية وتسمى أيضًا بالغابات المدارية الحارة الرطبة فتشغل الشريط الساحلي في شمال القارة وشمالها الشرقي بفضل الرياح الموسمية الصيفية. ولما كانت هذه الرياح تختلف قوتها من سنة إلى أخرى، هذا بالإضافة إلى أنها لا تكون في أشد قوتها إلا إذا اصطدمت بجبال، فلهذا كانت أمطار هذه الرياح غزيرة في بعض السنوات وقليلة في سنوات أخرى، كما أنها تكون غزيرة حيث مناطق الجبال وقليلة حيث الأرض منبسطة وبسبب هذه الظروف كانت الغابات غير كثيفة بل تتخللها بقع من الحشائش، كما أنها غابات نفضية إذ إن هذا هو النوع النباتي الذي يتلاءم مع هذه الظروف المناخية. ثالثًا: تشغل الغابات كذلك شرق القارة من مدار الجدي إلى الجنوب ولكنها من نوع غابات المنطقة المعتدلة الدفيئة وهي غابات غنية تسود بها شجرة الكافور، ثم تتدرج هذه الحالة النباتية في الاتجاه الغربي فتتحول إلى حشائش ثم إلى صحراء صميمة. ثم في جنوب القارة نجد أن امتدادها الجنوبي الشرقي والجنوبي الغربي يناله أمطار من الرياح الغربية في فصل الشتاء الجنوبي، ولذلك تنمو هنا الأشجار الدائمة الخضرة وعلى الأخص في جنوب غرب القارة. ويلاحظ تقوس الساحل الجنوبي من الوسط نحو الشمال، فهذا التقوس حرم هذا الجزء من أمطار الرياح الغربية وما يترتب عليها من أشجار.

стр. 349

المراجع ... ١— Ackerman, Edward A. «The Koppen Classification oF Climates in North America*, Geog. Rev., Vol. .٣١, pp. ١٠٥— ١١١, ١٩٤١. ٢- Bailey. Harry P. · A Simple moisture Index based Upon a Primary law of Evaporation". Geografiska Annaler, ١٩٥٨. Hafte ٣-٤, pp. ١٩٦-٢١٥. ٣ — «A method of determining the Warmth and Temperateness of Climate, «Geografiska Annaler, ١٩٦٠ No,١-١٦. ٤— Blair, Thomas A. -Weather Elements-. ٣d. ed Prentice Hall, Inc. New York. ١٩٤٨. ٥— " Climatology, General and Regional, "Prenlice Hall Inc., ١٩٤٢. ٦ - Brooks, C. E. P, -Climate. Ernest Benn, Ltd , London, ١٩٢٩. ٧— Byers, Horace Robert. · General meteorolgy r. McQraw- Hill Book Company, Inc. New York, ١٩٤٤. ٨— Cain, Stanley A " Foundations of Plant Geography. Harper & Brother, New York, ١٩٤٤, ٩— Conrad, V. "Fundamentals of Physical Climatology", Harvard University, Blue Hill Meteorolgical observa. tory. Mutton, Mass, ١٩٤٢. ١٠— Cotton, C. A. "Landscape as developed by the Processes of normal erosion". John wiley & Sons, Inc., New York ١٩٤٨ ١١— Volcanoes as landscape Forms., John Wiley & Sons, Inc., New York, ١٩٥٢ ١٢— Davis, W. M, "Geographical Essays". Ginn & Comp., Boston, ١٩٠٩. ١٣— Finch Vernor C. & others: Elements of Geography Physical and Cultural, McGraw— Hill Co., Inc. ٤th, ed. New York, ١٩٥٧.

стр. 350

١٤ — Glinka, K. D"The Great Soil Groups of the world and Their Development". English translation by C. F. Marbut. Edwards Bros, Inc., Ann. Arbor., Mich., ١٩٢٧. ١٥— Hardy, M. F. "The Geography of Plants". Oxford University Press, New York, ١٩٤٤. ١٦— Haurwitz, Berohard and James M. Austin'Climatology Mo Giaw-Hill Book Comp. Ioc. New York, ١٩٤٤. ١٧— Hinds, N. E. A. "Geomorphology» Prentice - Hall, Inc,New York, ١٩٥٢. ١٨— Kendrew, W. G."Climatology ٣d. ed. "Climate". Oxford University Prese, New York, ١٩٤٩. ١٩— Kuchler, A.W. "A Geographic System of Vegetation, Geog. Review, Vol. ٣٧, pp. ٢٣٣-٢٤٠, ١٩٤٧. ٢٠— Lake, Philip. "Physical Gaography". Cambridge University Press, London and New York ١٩٤٩. ٢١— Landeberg. Helmut. "Physical CJimstology". State College. Pennsylvania, ١٩٤l. ٢٢— Lobeck, A. K. "Geomorphology ; An Introduction to the Study of Landscpea" McGraw-Hill Book Comp., Inc. New York, ١٩٣٩. ٢٣— Martonne,Enimanuel de. "A.Shorter Physical Geography" Alfred A. Korpf, New York, ١٩٢٧. ٢٤— Miller, A. Austin. "Climatology". ٨d ed. E. Dutton & Co., Idc, New York, ١٩٥٣. ٢٥— Newbegin. Marion I, "Plant and Animal Geography" Methuen & Co., ١td., London, ١٩٣٦, ٢٦— Pettersen. Severre. "Introduction to Meteorology". McGraw-Hill Book Company. Inc. New York, ١٩٤١. ٢٧— Richards, P. W. " The Tropical Rainforest., an Ecological Study". Cambridge University Presff. New York, ١٩٥٢. ٢٨— Robinson, Gilbert W. "Soils: Their Origin, Constitution, and Classifaction". ٢ d ed. Thomas Muriy and Com, London, ١٩٣٨. ٢٩— Shaniz. H. L. and C, F. Marbut. The Vegetation and Soils of Africa. Research Series no, ١٣, American Geographical Society, New York. ١٩٢٣,

стр. 351

٣٠- Strahler, A. R. "Physical Geography". John Wiley & Sons, Inc. New York, ١٩٥١. ٣١- Taylur. George tf. (Elemetary Meteorology) . Prtntiea Hall Inc., New York, ٢٩٥٤- ٣٢- Thornbuty, W. D. "Principles of Geomorphology" John Wiley & Sons, Inc., New York, ١٩٣٧. ٣٣- Thornthwaite, W. C "An Approach Toward a Balional Clasaincation of Climate", Geog. Review, Vol. ٣٨, ١٩٤٨. pp. ٥٥-٩١. ٣٤- Wooldridge, S. W. and R. S. Morgan, "Outlines of Geomorphology". Longmans, Green and Co. Inc. New York, ١٩٣٧. ٣٥- Von Engeln, ٠. D. "Geomoiphology". The Macmillan Company, New York. ١٩٤٢.