Полный текст (351 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
درجة الحرارة هي تلك التي تختزن كمية كبيرة من المياه في أنسجتها أو تلك التي تحتاج بسبب حياتها النشيطة إلى مجرى مائي خلالها يضمن سريان الماء بسرعة وباستمرار بين قاعدة النبات وبين قمته, فنباتات الصبير وغيرها من النباتات التي تسمى بـ "المكتنزة باللحم" -مثل هذه النباتات- قد تعيش في الصحاري الحارة ولكنها تختفي من الجهات الباردة كما أنها لا تقوى على مقاومة التقلبات الشديدة في درجة الحرارة. وعلى العكس من ذلك النباتات الهادئة البطيئة في نموها، فإنها أكثر مقاومة وأشد احتمالًا للتقلبات الحرارية، ومثل هذه النباتات يوجد خارج الجهات التي تلائم الحياة النباتية النشيطة. ويتخذ النبات وسائل واقية للحرارة والبرودة، فتوجد نباتات عارية لا يحميها شيء تتجمد لعدة شهور متتالية -في موسم الأزهار في بعض الأحيان- ثم بمجرد ذوبان الثلوج تستأنف حياتها من المرحلة التي وقفت عندها بعد التجمد، فمثل هذا النبات لم يصبه ضرر من البرد وكل ما يحدث أن يقف نموه في فترة البرد ثم يستأنف النمو في فترة الدفء.
أثر المياه في النبات:
يختلف النبات عن الحيوان والإنسان في أن اكتسابه للمياه ليس مقصورًا على ما يوجد في التربة وإنما يشمل أيضًا ما يوجد في الهواء على شكل بخار. على أن معظم النباتات الضخمة تتلقى مياهها من التربة من خلال جذورها ثم تتخلص من الزائد منه بتنفسه على هيئة بخار غير مرئي من خلال أفمام صغيرة منتشرة فوق الطبقة الخارجية للأوراق والجذوع. والجو الذي يحتوي على كمية كبيرة من بخار الماء ذو فائدة كبيرة للنبات، فإذا ما وجد بخار الماء في الهواء في أوقات متفرقة أو في حالة دائمة تغزر الحالة النباتية وتكون في حالة خضرة نضرة, وزيادة بخار الماء في الهواء عن المعتاد من الظواهر الاستثنائية ذات الصفة المؤقتة. ولذلك ليس هناك ضرر على النبات من هذه الزيادة. وأما نقص الرطوبة في الهواء فيكون في حالتين: إما النقص المؤقت كما في الأقاليم ذات الفصول الجافة والتي تهب عليها رياح جافة، وإما النقص المستمر كما في الأقاليم الصحراوية.
стр. 282
ويحمي النبات نفسه ضد فقدان الرطوبة من خلال أوراقه وجذوعه بعدة طرق، ولما كانت الرياح تزيد من عملية البخر، ثم هي تزداد قوة كلما ارتفعت عن سطح الأرض، فإن قوتها على إحداث البخر تزداد عند قمم الأشجار فتتأثر بهذه القوة الأشجار العالية أكثر من الأشجار الواطية، ولما كانت قمة الشجرة في الوقت نفسه هي أبعد أجوائها عن المصدر الرئيسي للماء وهو التربة، فمعنى هذا أن قمم الأشجار أكثر عرضة للجفاف لبعدها عن التربة من جهة ولازدياد تأثير الرياح عليها من جهة أخرى ونتيجة لهذا كانت الأشجار المعرضة للجفاف أقصر من تلك التي لا تخشى الجفاف، ويرتبط سمك الجذع بقصره عادة، وكذلك نجد الأوراق الحساسة التي يفقد عن طريقها معظم الرطوبة تتناقص عددًا وحجمًا في حالة الجفاف، كما تتخذ هذه الأوراق لنفسها جلدًا سميكًا أو طبقة من الشعر أو الشمع أو الصمغ أو غير ذلك لمقاومة البخر، وفي بعض الأحيان تلتف الورقة على نفسها لنفس الغرض. وأما الجذوع فإنها تحمي نفسها ضد البخر باتخاذ قشرة سميكة أو غطاء من الفلين.
وأما النباتات التي لا تخشى فقدان الماء وعلى الأخص الأشجار فتكون طويلة رفيعة وتكون ذات أوراق عريضة رقيقة وخفيفة وذات أفمام قليلة في جلدها الرقيق. وكذلك قشرة جذوعها تكون رقيقة وناعمة كما أنها تتنفس بحرية. وكثيرًا من أشجار الغابات الاستوائية تتقي التناوب بين زيادة المطر وزيادة الجفاف بأن تنقسم أوراقها إلى وريقات تتحرك بحرية وتستطيع أن تقف مستقيمة بحيث لا تعرض للشمس إلا حافاتها، وتدور مع الشمس بحيث لا يتعرض منها للشمس إلا هذه الحافات كما أنها تنحني في وقت المطر.
وإذا كانت المياه الباطنية مضمونة دائمًا فيمكنها أن تعوض أي جفاف في الهواء، كذلك إذا وجد مجرى مائي في الصحراء فإنه يضمن الحياة النباتية الغنية على شواطئه، ومثال ذلك مصر التي ما هي إلى شريط ضيق من الغنى النباتي على شاطئ النيل في قلب صحراء شديدة الجدب.
وزيادة الماء في التربة فوق القدر الذي يحتاجه النبات يضر به؛ لأنه يمنعه من
стр. 283
التنفس بحرية، وفي الأقطار الحارة نجد النباتات التي تنمو في مستنقعات دائمة، فلا تستطيع جذورها أن تتنفس بحرية لعدم وجود الهواء في الماء الراكد، نجد مثل هذه النباتات ذات أعضاء خاصة تظهر فوق سطح الماء للقيام بوظيفة التنفس، ومن أمثلة ذلك المانجروف الذي ينمو على شواطئ البحار في الجهات الاستوائية المنخفضة، فلهذه الأشجار جذور خاصة للتنفس. ثم إذا كانت المياه الباطنية تندر في التربة بصفة مؤقتة أو دائمة فإن النبات يتخذ لنفسه جذورًا طويلة قوية لكي تمتص المياه الباطنية على أعماق كبيرة تحت السطح. ومثال ذلك أشجار الكافور فإنها تستطيع أن تنمو نموًّا جيدًا في الأقطار الجافة بفضل جذورها الطويلة، وقد وجد أن لبعض النباتات الصحراوية جذورًا طويلة تصل إلى عمق ٤٠ قدمًا.
وليست كل أنواع المياه مفيدة للنبات، فالمياه الملحية لا تستطيع التوغل في الجذور بل قد تمتص هي نفسها المياه من الجذور، ويحدث هذا في الجهات القلوية أو الملحية. وتحتوي المياه في كثير من المستنقعات على أحماض مشتقة من النباتات المتعفنة، وفي هذه الحالة تكون التربة الجافة أفضل من مثل هذه التربة الكثيرة المياه, وتكون نباتات مثل هذه الجهات المستنقعية على هيئة نباتات الجهات الجافة قصيرة الجذوع ذات أوراق صغيرة بل تكون عديمة الأوراق في بعض الأحيان.
وتستطيع نباتات كثيرة أن تعيش في الجهات القليلة المياه، وذلك باختزان الماء في أنسجتها والاحتفاظ بقدر دائم من هذا الماء المختزن لا تبدد منه شيئًا بالبخر، وإذا ما بدد منه شيء عوضته في الظروف النادرة التي تسقط فيها الأمطار في هذه الجهات. وبسبب الحرص على ما بها من ماء مختزن تكون أوراقها صغيرة جدًّا حتى لا تتعرض للبخر، وتوصف هذه النباتات بأنها أشبه بقرب ماء غير مسامية حتى لا ينفذ الماء منها إلى الخارج، كما تسمى أحيانًا بالنباتات البدينة أو المكتنزة باللحم وتسمى أيضًا مخازن الماء أو مستودعات الماء، ومن أمثلتها الباوباب أو شجرة خبز القرود "عيش القرود" ومن أمثلتها أيضًا أنواع الصبير المختلفة والتين الشوكي.
стр. 284
وخلاصة هذا كله أن كمية الماء التي يستطيع النبات أن يحصل عليها تعتبر أهم عامل يحدد شكل النبات وطريقة حياته، فالنباتات التي تنمو في الجهات ذات المياه الغزيرة -سواء في التربة أو في الجو- تكون طويلة الساق عريضة الأوراق، وأما النباتات التي تنمو في جهات محدودة المياه فإنها تكون قصيرة الساق صغيرة الأوراق وتكون ذات جذور طويلة لكي تصل إلى المياه الباطنية البعيدة الغور فتخزنها أجسامها المنتفخة.
وتسمى النباتات التي تنمو في الجهات الغزيرة الأمطار بالنباتات المحبة للمياه، ويكون نمو هذه النباتات نشيطًا وغزيرًا. وأما النباتات التي تعيش في الجهات الجافة فيكون نموها بطيئًا وتوصف بأنها من النباتات المقتصدة لأنها تقتصد في استهلاك المياه وتدخر في جسمها قدرًا منه من موسم المطر لموسم الجفاف الشديد، وتقضي هذه النباتات موسم الجفاف في نوم أو ركود أي إن نموها يقف في هذا الموسم ثم تتجدد حياتها في الأوقات التي تتوفر فيها الرطوبة، وهي حينما تنمو في موسم المطر تنمو نموًّا سريعًا جدًّا كأنها على سباق؛ وذلك لكي تستغل كل دقيقة من هذا الموسم، ويعبر بعض الكتَّاب عن هذه الحالة بأن هذه النباتات أصابتها حمى النمو، ويتكيف شكلها نتيجة للجفاف فتكون جذورها أحيانًا على شكل بصلات أو أنابيب أو مصاصات وذلك للحصول على الماء أولًا ثم اختزانه ثانيًا.
وفي جهات الجفاف الدائم تبقى معظم النباتات في حالة حياة غير محسوسة، في شكل حبوب غير ظاهرة. فإذا ما سقط مطر مفاجئ تنطلق هذه الحبوب نحو الحياة انطلاقًا سريعًا ولكن في صورة حشائش مؤقتة ثم لا تلبث أن تموت بعد أسابيع قليلة مخلفة وراءها حبوبًا جديدة تنتظر دورها في النمو تحت تأثير مطر مفاجئ آخر، على أن بعض الحبوب تبقى حية لعدة سنوات وتخرج عدة دفعات من الحشائش بعد كل مطر مفاجئ.
أثر الضوء في النبات:
الضوء ضروري لحياة النبات؛ لأن المادة الخضراء "وهي المسماة كلوروفيل"
стр. 285
لا تنمو ولا تعيش إلا في الضوء, والنباتات التي لا تحصل على قدر كافٍ من الضوء كما في قيعان الغابات الكثيفة تكون ضعيفة هزيلة ذات أوراق وفروع قليلة، وتميل مثل هذه النباتات إلى الطول لعلها تصل إلى الضوء في أعلى الغابة.
وإذا كان مقدار الضوء متوسطًا فإن هذا يلائم ازدهار النبات بالأوراق الخضراء ولكنه لا يكفي ازدهارها بالأزهار النضرة، وأما إذا كان مقدار الضوء وفيرًا فإن هذا يلائم النباتات القصيرة ذات الأوراق الصغيرة ولكن أزهار مثل هذه النباتات تكون كبيرة عادة وذات ألوان زاهية.
فإذا زاد الضوء عن حاجة النبات فإنه يتلف مادته الخضراء، ولذلك نجد في الأقطار ذات الشمس الساطعة أن أوراق النبات -وعلى الأخص الأشجار- تدور مع الشمس بحيث لا تعرض لأشعتها إلا حافات الأوراق، ومن الأمور الملفتة للنظر دوران الأوراق في الغابات الاستوائية.
وكثرة الضوء في بعض الأقطار الشمالية تعوض نقص الحرارة، ولذلك تزرع الحبوب في العروض العليا رغم قصر فصل الصيف وبرودته.
أثر الرياح في النبات:
كلما كان الهواء جافًّا كلما أخرج النبات ما به من ماء على هيئة بخار من خلال سطحه المعرض للهواء، ولا سيما من خلال الأوراق والمسام الموجودة في جذوعه، فإذا كان هذا البخار يحمل بعيدًا باستمرار بواسطة الهواء فإن عملية البخر من النبات ستزداد كذلك، وهذا هو التأثير الرئيسي للرياح على النبات، وإذا كانت عملية البخر بتأثير الرياح أسرع من عملية تعويض الرطوبة بواسطة الجذور فإن الأجزاء العارية من النبات تجف وتيبس، وبسبب هذا تموت الأوراق والبراعم والفروع وترجع عدم قدرة النبات على تعويض ما يفقده من رطوبة إلى جفاف التربة أحيانًا وإلى تجمدها أحيانًا أخرى، ففي كلا الحالتين لا يجد النبات ماء سائلًا يمتصه. وتوجد هذه الحالة في الجهات القطبية وفي الصحاري والنطاقات الجبلية.
стр. 286
والرياح القوية قد تمنع وجود النباتات الغزيرة النمو، الطويلة الجذوع، العريضة الأوراق، كما قد تحد من نمو الأشجار بصفة عامة، ويحدث حول القطبين وفوق الجبال، وحتى الأعشاب لا تستطيع النمو في الجهات ذات الرياح العنيفة كما هو الحال في جزر المحيط الهادي التي برغم توفر الماء والحرارة وكل الظروف الملائمة لوجود الغابات الكثيفة فإن حافات الجبال وقممها المعرضة للرياح العنيفة جرداء من الأشجار بل ومن الأعشاب الطويلة. وقد لوحظ أن الرياح هي التي تعين في معظم الأحوال حدود الأعشاب القطبية والألبية.
ويتخذ النبات عدة وسائل لمقاومة الجفاف الذي تسببه الرياح القوية منها قصر الجذوع وصغر الأوراق، كما تكون الأوراق سميكة قليلة المسام. وتتركز هذه المسام على الجانب السفلي للورقة متخذة شكل تعرجات وحزات، كما تكون الأعشاب والأشجار الصغيرة قزمية ومنحنية. وأما الفروع والبراعم فإن معظمها يموت ويكون ما تبقى منها قصيرًا ومتجمعًا إلى بعض حتى ينجو من أثر الرياح العنيفة.
والزوابع العنيفة قد تقتلع غابة بأكملها، كما أن الرياح البحرية المحملة بالأملاح تمنع نمو الأشجار بقرب الساحل؛ لأن الأملاح الزائدة عن الحاجة تقتل معظم النباتات، على أنه لا ينبغي أن تنسينا كل هذه العيوب فضل الرياح على النبات، إذ إن معظم الجهات المطيرة مدينة بأمطارها للرياح التي تجلب إليها الرطوبة من أماكن بعيدة، ومن أحسن الأمثلة على ذلك الرياح الموسمية والرياح الغربية.
أثر التربة في النبات:
يحصل النبات على معظم حاجته من الماء وعلى غذائه المعدني من التربة، وبهذا كانت كمية الماء في التربة من أهم الأشياء في حياة النبات، فإذا زادت هذه الكمية أو قلت عن حاجته الفعلية تعرضت حياته للخطر وتتوقف كمية الماء في التربة على حجم الذرات أو الجزئيات الصغيرة التي تتكون منها هذه التربة، فالماء ينزلق سريعًا من فوق التربة الصخرية أو يتسرب خلال شقوقها، كما أن الماء
стр. 287
يتوغل خلال التربات الحجرية والحصباوية والرملية إلى آخر مدى يستطيع الوصول إليه، وبذلك يترك الطبقة السطحية من التربة جافة لتأثرها بالبخر، ولذلك تكون مثل هذه التربات المسامية جافة وجرداء من النبات رغم ما يسقط عليها من أمطار. وأما التربات المكونة من الطين والطفل فتكون ذراتها دقيقة، وبذلك لا تسمح للمياه بالتسرب سريعًا إلى باطن التربة أو التبخر إلى الهواء، ومثل هذه التربات يكون أكثر خصوبة من السابقة. ويمكن القول عمومًا أن الطين والطفل والتربات السوداء تقاوم تسرب المياه إلى الباطن أو إلى الهواء، وتوصف هذه التربات بأنها ثقيلة، وأحيانًا تكون باردة لا يتخللها إلا القليل من الهواء، ويجف سطحها في بعض الأحيان فتصبح متماسكة وتكون غطاء غير مسامي شديد الضرر بالحياة النباتية.
والتربة المكونة من الطين أو الطفل أكثر أنواع التربات ملاءمة للحياة النباتية. رغم أن قيمتها الفعلية تتوقف على حالة المناخ وبعض الظروف الأخرى. وأما التربات الأخف فإنها لا توفر للنباتات تربة متماسكة يثبت فيها جذوره، وبذلك لا تصلح للحياة النباتية الكثيفة مثل الغابات. وتناسب هذه التربات الخفيفة نمو الأعشاب والشجيرات وسائر النباتات ذات الجذور الضحلة.
وتكتسب التربات التي نمت فيها النباتات مدة من الزمن خصوبة جديدة من بقايا النباتات الميتة والمتحللة مثل الجذور والأوراق والأخشاب ومن بقايا الحيوانات كالحشرات والديدان وغيرها، فإن هذه البقايا النباتية والحيوانية المتحللة تتجمع في طبقات التربة العليا مكونة ما يسمى بالتربة الخضراوية، وإذا حدث هذا التركيب في بيئة يتوفر فيها الهواء والرطوبة والدفء فإن التربة تكون شديدة الغنى بالغذاء اللازم للنبات. وأما إذا لم يتوفر الهواء والماء والحرارة فإنه تتكون من ذلك تربة رديئة تضر بالحياة النباتية. ويزداد النوع الأخير من التربة سوءًا في بعض الأحيان فتتجمع البقايا المتعفنة في هيئة طبقة داكنة اللون أسفنجية التركيب حمضية التكوين، ولا يعيش في مثل هذه التربة إلا أنواع نباتية قليلة. وفي الجهات التي تنمو فيها الحشائش بكثرة تتشابك جذيراتها التي لا حصر لها. فتكون غطاء من التربة غير مسامي، فلا يسمح بتخلل الماء
стр. 288
والهواء في التربة وبذلك تصبح هذه التربة ضارة بالنباتات الكبيرة وإن كانت تظل ملائمة لنمو الحشائش.
وتختلف التربات اختلافًا كبيرًا في نسبة الغذاء المعدني الذي تحتويه، وكما هو الحال في الضوء والحرارة والماء نجد لكل نبات احتياجاته الخاصة من الغذاء من حيث النوع والكمية، فالغذاء الذي يناسب هذا النوع من النبات قد لا يناسب ذاك. وفي التربات الفقيرة ينمو النبات ببطء ولا يعلو كثيرًا عن سطح الأرض، كما أن بعض النباتات لا تستطيع النمو في بعض التربات، ومثل ذلك أن غابات القسطل لا تستطيع الوجود في التربات المحتوية على الجير. كما أن كمية الملح في التربة إذا وصلت إلى حد معين استحال معه نمو معظم النباتات، ولا توجد إلا نباتات قليلة تعيش في التربة المحلية كبعض الأعشاب والشجيرات.
انقسام النبات إلى أشكال بحسب المناخ:
هناك ثلاثة أشكال رئيسية للنبات هي:
١- الغابات
٢- الحشائش
٣- الصحاري.
ويتضح من هذه الأسماء أن الرطوبة هي العامل الأول في هذا التقسيم، سواء أكانت هذه الرطوبة على شكل مطر يسقط على الأرض أو بخار يحمله الهواء.
ثم يتدخل عامل الحرارة فيقسم كل شكل من هذه الأشكال الرئيسية إلى ثلاثة أيضًا:
فتنقسم الغابات إلى:
١- غابات حارة
ب- غابات معتدلة
جـ- غابات باردة
وتنقسم الحشائش إلى:
أ- حشائش حارة
ب- حشائش معتدلة
جـ- حشائش باردة
стр. 289
وتنقسم الصحاري إلى:
أ- صحاري حارة
ب- صحاري معتدلة
جـ- صحاري باردة
العوامل التي تتحكم في توزيع النبات على سطح الأرض:
بعد أن عرفنا العوامل المؤثرة في حياة النبات ننتقل إلى دراسة العوامل التي تتحكم في توزيعه فنجد أن توزيع النبات على سطح الأرض يخضع لثلاثة عوامل رئيسية هي ما يأتي:
أولًا: التوزيع الفصلي للأمطار.
ثانيًا: التوزيع الفصلي للحرارة.
ثالثًا: نوع التربة.
فأما العامل الأول -وهو توزيع المطر- فله أهمية خاصة في العروض الدنيا والوسطى -من صفر إلى ٤٥ْ؛ وذلك لأن الحرارة متوفرة طول العام في كل أقاليم هذه العروض، فالتباين المناخي وما يتبعه من تباين نباتي إنما يرجع هنا إلى توزيع المطر، لذلك يتخذ توزيع المطر أساسًا للتمييز بين الأقاليم النباتية في هذه العروض.
وأما العامل الثاني وهو توزيع الحرارة فله أهمية خاصة في العروض العليا -الأكثر من ٤٥ْ؛ لأن الرطوبة متوفرة بهذه العروض بينما تقل درجة الحرارة؛ ولهذا يعتبر عامل الحرارة هو العامل الرئيسي في الاختلافات النباتية بالعروض العليا.
وأما عن العامل الثالث فإن لكل تربة معينة نبات خاص يجود فيها، ولذلك تختلف أنواع النبات وفصائله باختلاف أنواع التربة، ولكن أغلب أنواع التربة صالحة لنمو النبات ولذلك يمكن إهمال هذا العامل عند دراسة التوزيع العام للأقاليم النباتية. فالتوزيع العام وليد العوامل المناخية وحدها "الحرارة والمطر" حتى يمكن القول إن الأقاليم النباتية ما هي إلا صور مناخية. وأما أثر التربة فمقصور على إحداث بعض الاختلافات المحلية.
стр. 290
وقد يتغلب نوع التربة على العامل المناخي فيؤدي إلى نمو الحشائش حيث تكون ظروف المطر والحرارة ملائمة لنمو الغابات، ومثال ذلك تربة الحجر الجيري التي تتسرب منها المياه. وقد يحدث العكس فتنمو الغابات حيث تكون ظروف المطر والحرارة ملائمة لنمو الحشائش ومثال ذلك التربة الصلصالية التي تختزن المياه، ولكن تغلب عامل التربة على العامل المناخي لا يكون إلا في حالات قليلة.
وهناك مبادئ عامة في توزيع النباتات على سطح الأرض أهمها ما يأتي:
أولًا: تحتوي كل منطقة من المناطق المناخية على الأنواع النباتية الثلاثة، فالمنطقة الحارة تحتوي على غابات وحشائش وصحاري، والمنطقة المعتدلة تحتوي كذلك على غابات وحشائش وصحاري، والمنطقة الباردة تحتوي أيضًا على غابات وحشائش وصحاري، وهناك تدرج في كل منطقة من الغابات إلى الحشائش إلى الصحاري في اتجاه شمالي جنوبي وفي اتجاه شرقي غربي، أي توجد أقاليم انتقال بين الأقاليم النباتية وبين بعضها.
ثانيًا: هناك تدرج من قاعدة الجبل إلى قمته، وهذا التدريج يسير بنفس الترتيب من خط العرض الذي يقع عليه الجبل إلى القطب، فالغابات الصنوبرية التي على جبال الألب أو الهيمالايا أو الكربات، هي من نفس نوع الغابات الصنوبرية الواقعة في شمال سيبيريا وأوربا، وكذلك في أعلى الجبال يوجد ما يسمى بالحشائش الألبية وهي تعادل حشائش التندرا في أقصى الشمال.
ثالثًا: توجد اختلافات محلية في توزيع النبات في كل إقليم نتيجة لاختلاف الظروف المحلية، إذ تؤثر هذه الظروف في حالة النبات فتغير من التوزيع العام الذي ذكرناه، ولكن هذه حالات نادرة.
стр. 291
الفصل السابع عشر: الغابات
الأحوال المناخية التي تساعد على نمو الغابات:
العامل الأول في وجود الغابات بأشكالها المختلفة هو توفر الرطوبة في التربة طول السنة أي أن جذور الأشجار تجد حاجتها من الماء في كل الأوقات، فوجود فصل جاف في إقليم ما لا يمنع من نمو الغابات؛ لأن التربة قد تختزن المياه اللازمة لتغذية جذور الأشجار في هذا الفصل، ومثال ذلك الغابات الموسمية التي تستطيع مقاومة الجفاف فترة تتراوح بين أربعة شهور وخمسة.
وهناك عدة وسائل تتخذها الأشجار لمقاومة فصل الجفاف، من هذه الوسائل صغر الأوراق وسمك القشرة اقتصادًا للمستهلك من المياه بطريق البخر "النتح"، ومن هذه الوسائل اختزان الشجر للمياه في جذوعه وأوراقه في فصل المطر لكي يرتوي بها في فصل الجفاف، ومن هذه الوسائل نفض بعض الأوراق -أي التخلص منها- في فصل الجفاف. اقتصادًا للمستهلك من المياه من جهة وتقليلًا للمفقود بالبخر من جهة أخرى.
ولا شك أن الغابة التي تحتاج أشجارها إلى الاقتصاد في استهلاك المياه لا تكون في كثافة الغابة التي تتمتع أشجارها بالرطوبة طول العام، فكلما ازداد الجفاف وطال فصله قلت أشجار الغابة وصغر حجمها وزادت المسافات بين كل شجرة وأخرى، وبذلك تتضاءل الغابة بازدياد الجفاف حتى تتحول في النهاية إلى إقليم حشائش.
والعامل الثاني في وجود الغابات هو درجة الحرارة فتعتبر درجة الحرارة ٤٣ ْف الحد الأدنى اللازم لنمو الأشجار، وتسمى المدة التي تزيد فيها الحرارة
стр. 292
عن هذه الدرجة "فصل النمو"، ويعتبر عامل الحرارة هو العامل الرئيسي في تحديد طول فصل النمو، وتقاوم الأشجار ظروف الحرارة المنخفضة وما يتبعها من تساقط الثلوج بعدة أمور منها اتخاذ الشكل المخروطي والأوراق الإبرية.
أنواع الغابات:
يتضح مما سبق أن الغابات تخضع للتوزيع الفصلي لعاملي الرطوبة والحرارة، فتحاول الأشجار في كل بيئة أن تتلاءم مع هذا التوزيع فتنقسم السنة بحسب الظروف المناخية إلى فصل نمو وفصل ركود. فإذا توفرت الحرارة والرطوبة طول العام، كان نمو الأشجار مستمرًّا طول العام كذلك، بمعنى أنه لا يوجد فصل نمو وفصل ركود، ومثل هذه الغابة تتخذ شكلًا خاصًّا هو الذي نسميه "الغابة دائمة الخضرة" وأشجار هذا النوع ضخمة عريضة الأوراق تحتفظ بها مخضرة طول العام فلا يتغير مظهر الشجرة من فصل إلى آخر.
وأما إذا توفرت الحرارة طول العام ولم تتوفر الرطوبة أي تعرض الإقليم لفصل جفاف فإن الأشجار تنفض أوراقها لا سيما إذا اتفق فصل شدة الحرارة مع فصل شدة الجفاف، فهذا يزيد من عملية البخر وتبديد ما بالشجرة من رطوبة لاسيما وأن أوراق الأشجار النفضية من النوع العريض، ومثل هذه الغابة تتخذ شكلاً خاصًّا هو الذي نسميه "الغابة النفضية" لأنها تنفض أوراقها في فصل الجفاف.
وأما إذ توفرت الرطوبة طول العام ولم تتوفر الحرارة، أي تعرض الإقليم لفصل تقل فيه درجة الحرارة عن ٤٣ ْف لمدة تزيد على ستة شهور فإن نمو الأشجار يقف وتمر الغابة بفترة ركود، وتقاوم الأشجار هذه البيئة ذات الحرارة المنخفضة والثلوج المتساقطة باتخاذ الشكل المخروطي والأوراق الإبرية، أي إن هذه الغابة تتخذ شكلًا خاصًّا هو الذي نسميه "الغابة المخروطية"، ويلاحظ أن أشجار الغابة المخروطية تحتفظ بأوراقها طول العام أي لا تنفضها؛ وذلك لأن الرطوبة متوفرة طول العام لا سيما وأن الغابة المخروطية تستطيع أن تحيا على قدر من المطر أقل من القدر الذي تحتاجه الغابة النفضية وهو ١٥ بوصة.
стр. 293
خلاصة هذا أن طول فصل النمو هو الذي يتحكم في شكل الغابة، فإذا كان فصل النمو أقل من سنة وأكثر من ستة شهور، كان نوع الغابة نفضيًّا وإذا كان فصل النمو أقل من ستة شهور كان نوع الغابة مخروطيًّا.
ويستخلص من هذا أيضًا أن الأشكال الرئيسية للغابات ثلاثة هي:
١- الغابات الدائمة الخضرة.
٢- الغابات النفضية.
٣- الغابات المخروطية.
"أولًا" الغابات الدائمة الخضرة
توجد الغابات الدائمة الخضرة في ثلاثة أقاليم هي:
أ- الإقليم الاستوائي.
ب- إقليم البحر المتوسط.
جـ- الإقليم الصيني.
وسنصف كلًّا منها ونوزعها ونبين قيمتها الاقتصادية.
١- الغابات الاستوائية:
وصف الغابة: تنمو الغابة الاستوائية في أشد جهات العالم حرارة ورطوبة مجتمعين، وتسبب هذه الحرارة المرتفعة طول العام والمطر الغزير المتواصل نمو الغابات الكثيفة ذات الأشجار الضخمة، ويصف بعض الكتاب الغابة الاستوائية بأنها حديقة معلقة فوق أعمدة تتخللها سراديب مظلمة، وذلك لأن شدة الحرارة وغزارة المطر تسببان قوة النمو في هذه الغابة، حتى إن الأغصان التي تتألف منها تيجان الأشجار الطويلة تتشابك وتكون مظلة ضخمة تنمو تحتها طبقة من الأشجار القصيرة، ينمو بين هذه الطبقة الثانية من الأشجار خليط من النباتات الزاحفة والمتسلقة التي تتشابك أيضًا مع بعضها، ثم أخيرًا تنمو مجموعة من النباتات الطفيلية، ومن مجموع هذا كله يتألف ما نسميه بالغابات
стр. 294
الاستوائية، فهي غابة دائمة الخضرة، ذات طبقات، حتى ليبلغ اشتباك فروع الأشجار في أعلى الغابة إلى درجة تكوين غطاء متصل يكون هو بدوره تربة لنمو طبقة أخرى من النباتات، ويصف بعض الكتَّاب الغابة الاستوائية بأنها بحر عظيم من الخضرة.
من الصفات العامة في الغابة الاستوائية تنوع أشجارها حتى ليندر أن نجد أكثر من شجرتين من نوع واحد في الفدان الواحد، ومن صفاتها أيضًا طول الجذوع وخلوها من الأفرع إلا في أعلاها حيث تنتهي بفروع كثيرة الأوراق تتشابك بعضها مع بعض بحيث تكون ستارًا كثيفًا يمنع ضوء الشمس من الوصول إلى أسفل الغابة. ومن أجل هذا كان قاع الغابة مظلمًا لا يكاد الضوء يصل إليه مما يدفع بالأشجار إلى التنافس في سبيل الوصول إلى الضوء، ولقد أدى تنافس النباتات في سبيل الوصول إلى أعلى الغابة حيث الضوء والهواء إلى وجود النباتات المتسلقة وقد سميت كذلك لأنها تتسلق غيرها للوصول إلى أعلى الغابة.
وتزيد هذه النباتات المتسلقة من كثافة الغابة وصعوبة اختراقها، يضاف إلى ذلك أكوام النباتات المتعفنة التي تغطي قاع الغابة.
وليس للحياة النباتية في هذه الغابة فصلية خاصة بمعنى أن السنة لا تنقسم فيها إلى فصول متعاقبة للنمو والإزهار والإثمار والموت، بل توجد هذه الفصول ممثلة في وقت واحد ويرجع السبب في هذه الفوضى إلى تشابه الحالة المناخية طول أيام السنة، وبذلك نجد شجرة مثمرة إلى جانب أخرى في دور الإزهار وبجانبهما ثالثة في دور الموت ... وهكذا.
توزيع الغابات الاستوائية:
توجد الغابات الاستوائية في سهول الأمازون بأمريكا الجنوبية "غابات السلفا" كما توجد في حوض الكنغو وساحل غانة بأفريقية ثم في الملايو وجزر الهند الشرقية بالقارة الأسيوية كما توجد غابات شبيهة بالغابات الاستوائية في برما وأسام وبنغال. ويعتبر إقليم الأمازون أفضل الأقاليم التي تتمثل فيها الغابات الاستوائية
стр. 295
أتم تمثيل فغاباته ضخمة الأشجار شديدة الكثافة، وأما حوض الكنغو وساحل غانة فمع أنهما يشتملان على المميزات العامة للغابات الاستوائية من حيث الكثافة ودوام الغابة وضخامة الأشجار، إلا أن الغابات الاستوائية الإفريقية أقل كثافة من مثيلاتها في أمريكا الجنوبية، وكذلك الغابات الاستوائية الأسيوية لا تبلغ مرتبة غابات أمريكا الجنوبية من حيث الكثافة وضخامة الأشجار، وطبيعة السطح الذي تنمو عليه مثل هذه الغابات إما أن يكون سهلًا منبسطًا أو سفح جبل لا يزيد ارتفاعه عن ١٠٠٠متر.
القيمة الاقتصادية للغابات الاستوائية:
إن الظروف الطبيعية التي سببت كثافة الغابة الاستوائية وضخامة أشجارها هي نفس الظروف التي تعوق استثمار هذه الغابة حتى جعلت قيمتها الاقتصادية ضئيلة.
فمن حيث الظروف المناخية نجد أن الرطوبة والحرارة مجتمعين تبعثان على خمول الجسم وضعف التفكير وخور الهمة، فالهنود الحمر بغابات الأمزون والأقزام بغابات الكنغو يعيشون معيشة بدائية للغاية لا يبذلون مجهودًا في استغلال بيئتهم بل يقنعون بما جادت عليهم هذه البيئة من خيرات غذائية وفيرة. بل إن بعض هؤلاء يحيى حياة أقرب ما تكون إلى حياة القردة إذ يبنون أكواخهم فوق قمم الأشجار، ومع أنه في بعض الجهات التي تقل فيها كثافة الغابة ينشط السكان في استثمارها، إلا أن المناخ الحار الرطب يجعل حدًّا لهذا النشاط ويقف حائلًا دون زيادته ومن أمثلة ذلك استغلال غابات شبه جزيرة الملايو وغابات جزر الهند الشرقية مثل جاوة وبرنيو.
ومن حيث نوع الأخشاب نجد أنها من الأنواع الصلبة التي لا يسهل قطعها وتشكيلها وبذلك كانت فائدتها محدودة ولعل أبلغ الأمثلة على ذلك أن مدينة مناؤس الواقعة في قلب غابات الأمازون تستورد أخشاب البناء من غابات الأقاليم المعتدلة بأمريكا الشمالية وذلك لندرة الأخشاب اللينة بالغابات الاستوائية.
ومن حيث قوة النمو قد يظن أن هذه الصفة من مزايا الغابات الاستوائية
стр. 296
غير أن الواقع أن قوة النمو في هذه الغابات تجعل إزالة الأشجار وإعداد الأرض للزراعة أمرًا شاقًّا للغاية، كما تجعل المحافظة على الأرض وتنقيتها مما ينمو بها من أعشاب مهمة عظيمة التكاليف، وقد لوحظ أنه بعد الجهود المضنية في سبيل إزالة الغابة لاستثمارها في الزراعة أن هذه الزراعة غير ممكنة بسبب قوة النمو إذ سرعان ما تنمو النباتات البرية التي تتلف الزراعة مثل الغاب والحشائش الكثيفة.
كما يتعرض الاستغلال الزراعي بالغابات الاستوائية لأخطار فيحدث في بعض الجهات التي تزال غاباتها ولا سيما في سفوح الجبال أن الأمطار الغزيرة تجرف التربة حتى تصل إلى الصخر الأصم.
ومن أجل هذه الصعوبات في سبيل الاستثمار الاقتصادي، ينبغي ألا تخدعنا ضخامة الغابات الاستوائية فنعتقد أنها منطقة غنية بثروتها الاقتصادية، إذ الواقع أن هذه الغابات من أقل الأنواع النباتية إنتاجًا.
ولكن الإنسان يعمل جاهدًا على التغلب على هذه الصعوبات وقد نجح في ذلك في كثير من الجهات؛ إذ أمكن استثمارها في إنتاج عدة غلات ذات قيمة اقتصادية كبيرة كالمطاط وزيت النخيل والكاكاو وقصب السكر، وأصبحت المزارع تنتشر في الإقليم الاستوائي على حساب الغابة، وقد حدث هذا نتيجة للنشاط الزراعي الذي قام في أقاليم المنطقة المعتدلة، فجزء كبير من صناعات الدول الكبرى في أوربا وأمريكا يعتمد على غلات الإقليم الاستوائي سواء المواد الغذائية أو المواد الخام اللازمة للصناعة.
ويمكن القول إن المطاط ونخيل الزيت أهم أشجار الغابة الاستوائية من الناحية الاقتصادية، فهما مورد هام من موارد الثروة؛ لأن الصناعة الحديثة تعتمد عليهما ولكن جمع المطاط ونخيل الزيت من الأشجار البرية يكلف نفقات باهظة لما سبق أن ذكرناه من تفرق الأشجار التي من نوع واحد في أنحاء الغابة الاستوائية، فكان لا بد من الاعتماد على الأشجار المزروعة وقد نجحت هذه الطريقة إذ ثبت أن إنتاج المطاط البري في البرازيل لم يستطع منافسة
стр. 297
إنتاج المطاط المزروع في جزر الهند الشرقية. وما يقال عن المطاط يقال عن بقية الأشجار مثل نخيل الزيت والماهوجني والأبنوس وغيرها من الأشجار التي يمكن الاستفادة من ثمارها أو أخشابها.
والسنة الزراعية في الإقليم الاستوائي غير منظمة بمعنى أنه لا يوجد تقسيم فصلي لمراحل الزراعة المختلفة، فلا يوجد فصل معين للبذر وآخر للحصاد، بل إن الفوضى التي وجدناها في النبات الطبيعي نجد مثيلًا لها في النبات المزروع.
ويصحب انتشار المزارع عادة انتشار المساكن ونشأة القرى والمدن، مما أدى إلى تعمير جهات كثيرة من الإقليم الاستوائي ونشاط الحركة التجارية إلى جانب النشاط الزراعي. وكان لا بد بعد هذا التغيير الاقتصادي في حياة الغابة أن تتقدم طرق المواصلات، ولكن في هذه الناحية أيضًا تتغلب طبيعة الغابة الاستوائية التي تجعل مد الطرق البرية وصيانتها أمرًا عسيرًا للغاية يتطلب مجهودًا كبيرًا ومالًا وفيرًا ومن أجل هذا ما زالت الأنهار أيسر السبل لاجتياز الغابات الاستوائية فتركزت على شواطئها مراكز العمران المختلفة.
ورغم كل هذه الجهود البشرية ما زال معظم الغابات الاستوائية على حالته الطبيعية لم تغير منه المحاولات التي بذلت لاستغلاله، وعلى الأخص غابات الأمازون والكنغو. وأما غابات ساحل غانة وشبه جزيرة الملايو وجزر الهند الشرقية فقد تقدم الاستغلال الاقتصادي بها تقدمًا كبيرًا.
ب- غابات البحر المتوسط:
يشغل إقليم البحر المتوسط المناخي الأجزاء الغربية من سواحل المنطقة المعتدلة الدفيئة، والنوع النباتي الطبيعي القائم في هذا الإقليم هو الغابات الدائمة الخضرة؛ لأن الظروف المناخية به تلائم نمو الأشجار ولا تلائم نمو الحشائش؛ وذلك لأن فصل المطر يتفق مع فصل البرودة، والشجرة هي النوع النباتي الذي يلائم هذه الحالة المناخية -حالة اجتماع المطر والبرودة في فصل واحد- إذ ترتوي الشجرة بالماء وتقاوم البرودة بمتانة بنيانها، وأما الحشائش فلا تستطيع
стр. 298
ذلك كما أن موسم الجفاف يتفق في هذا الإقليم مع موسم الحرارة وهي حالة مناخية لا تسمح إلا بقيام الأشجار، إذ تستطيع الشجرة في هذا الفصل أن تستفيد من الحرارة وتقاوم الجفاف بأساليب مختلفة لا تقوى عليها إلا الأشجار، وأما الحشائش فتحتاج إلى دفء ومطر في وقت واحد وهما عاملان لا يجتمعان في فصل واحد في إقليم البحر المتوسط، ومن هذا كان هذا الإقليم إقليم أشجار وليس إقليم حشائش.
على أن حالة الغابة في هذا الإقليم بحسب كمية المطر ففي الجهات التي يتوفر فيها المطر تنمو الغابات الدائمة الخضرة حقيقة، فتكثر أشجار الصنوبر والأرز والبلوط الدائم الخضرة "الشاهلبوط" والكافور الدائم الخضرة "الجارا"، ثم في الجهات الأقل مطرًا ينمو البلوط النفضي والكافور النفضي ثم حينما يزداد فصل الجفاف طولًا تتدهور الغابة وتتحول إلى شجيرات ولكنها شجيرات دائمة الخضرة أيضًا مثل الصفصاف والآس والحصالبان.
وأهم الصفات المناخية بإقليم البحر المتوسط التي لها تأثير على حالته النباتية صفتان: الصفة الأولى أن درجة الحرارة فوق الحد الأدنى اللازم لنمو النبات طول العام، والصفة الثانية أن موسم الجفاف -وهو الصيف- ليس جفافًا تامًّا في جميع الحالات، ومعنى هذا أن الحرارة والمطر متوفران في هذا الإقليم معظم شهور السنة، وهو ما يسمح بنمو الأشجار وتكاثفها إلى حد تكوين غابة في كثير من الحالات. ويمتاز هذا الإقليم بالتتابع المنتظم في أحواله المناخية، وقد ظهر هذا التتابع المنتظم في أدوار حياة النبات به، فيعتبر فصلا الربيع والخريف موسم الغزارة النباتية لاعتدال الحرارة وكفاية المطر بهما.
وكذلك الشتاء يعتبر من مواسم الغنى النباتي بهذا الإقليم، ولكنه لا يصل إلى مستوى الربيع والخريف بسبب البرودة النسبية. وأما الصيف فهو فصل ركود حقيقي بسبب الجفاف الذي يزيد من قسوته شدة الحرارة التي تجعل أية كمية من المطر تسقط في هذا الفصل لا قيمة لها، إذ سرعان ما تضيع بالبخر، ويتوقف احتفاظ النبات بالحياة على قدرته على مقاومة هذا الجفاف الشديد
стр. 299
الذي يتصف به فصل الصيف، وتتخذ النباتات وسائل عدة لمقاومة الجفاف وتحاول بكل وسيلة الإقلال من إفراز المياه ومن هذه الوسائل سمك القشرة والأوراق الشوكية والأوراق ذات الغطاء الشمعي أو الوبري، وفي الحالات التي يعجز فيها النبات عن مقاومة الجفاف يتحول الإقليم إلى تربة جرداء وصخور عارية.
ومن صفات هذا الإقليم المناخية كذلك ازدياد كمية المطر مع الارتفاع؛ لأن المطر التضاريسي غير قاصر على شهور الشتاء، وقد أدى هذا إلى كثافة الغابات الجبلية، ولكن الأشجار تتحول في هذه الحالة إلى أشجار نفضية عريضة الأوراق مثل شجرة الزان وأبو فروة، ثم تتحول هذه الغابة في أعلى الجبال إلى منطقة أعشاب ألبية.
الاستثمار الاقتصادي:
رغم أن هذا الإقليم إقليم أشجار لا تعتبر الأخشاب من موارده الاقتصادية. وبينما لا تستغل أخشاب الأشجار نجد ثمارها عظيمة القيمة، فتزرع أشجار الفواكه معتمدة على الرطوبة الطبيعية أو على الري. وإلى جانب زراعة الأشجار تزرع النباتات الحولية كالخضروات والحبوب، وعلى الأخص القمح.
ومن أشجار هذه المنطقة ما يقاوم الجفاف بطبيعته كالزيتون، ومنها ما يحتاج إلى ري كالموالح، وهذه تشغل العمال في فصل الصيف "فصل الجفاف" ويلائم طول هذا الفصل نمو بعض الفواكه كالعنب، كما يلائم صناعة تجفيف الفواكه. بصفة عامة كالزبيب والتين. وأما فصول المطر "الشتاء والربيع" فتلائم زراعة الخضروات والحبوب التي يتم نضجها وضمها في أوائل فصل الصيف.
وتنقسم الأشجار في هذا الإقليم إلى أشجار أصيلة وأشجار دخيلة، فالأشجار الأصيلة هي التي بها خاصية مقاومة الجفاف كأشجار الزيتون والتين والعنب وهذه من الأنواع التي تقاوم الجفاف بواسطة تعمق جذورها في التربة، وأما الأشجار الدخيلة فتحتاج في هذا الإقليم إلى ري صناعي إذ لا تحتمل موسم الجفاف الطويل، ومن أمثلتها أشجار الخوخ والبرتقال والليمون، ومع ذلك فقد استقرت هذه الفواكه في كل جهات إقليم البحر المتوسط المناخي حتى أصبحت تعتبر من مميزاته
стр. 300
ولكنها في الأصل من أشجار الإقليم الصيني أو الإقليم المداري ونقلها الإنسان إلى إقليم البحر المتوسط، إذ إنها تحتاج إلى رطوبة في فصل الصيف، وهي صفة لا تتوفر في إقليم البحر المتوسط، ولذلك لا بد لهذه الأشجار من أن تعتمد على الري الصناعي في فصل الصيف.
ولا تنمو بهذا الإقليم نباتات مائية كثيرة إلا حيث تساعد العوامل المحلية على وجود الرطوبة في فصل الصيف كالأحراش التي تنمو على شواطئ الأنهار وكبساتين البرتقال التي تعتمد على الري، وكأشجار كاليفورنيا الحمراء التي ترتوي من الضباب في فصل الصيف الجاف.
وتنمو النباتات الحولية سريعًا في فصل الربيع وتنتج حبوبها قبيل حلول فصل الجفاف، ويتخذ بعضها لنفسه جذورًا بصلية أو درنية، وتزدهر النباتات عادة في أوائل الربيع ثم تموت أزهارها في أوائل الصيف ولكن تبقى جذورها حية.
ورغم أن كثيرًا من أشجار هذا الإقليم لا قيمة له كمورد للخشب فإن إزالة هذه الأشجار لاستغلال الأرض في الزراعة لا يكون إلا حيث تصلح التربة لذلك وحيث يتوفر الري الصناعي.
وينمو في هذا الإقليم بعض العشب ولكنه عشب فقير قليل القيمة لا يصلح إلا لغذاء الماعز وهو حيوان هزيل يرضى بالقليل. ويمكن القول بصفة عامة بأن الحشائش ليست من نباتات البحر المتوسط؛ لأن موسم الحرارة لا يتفق مع موسم الرطوبة، ولهذا كانت الظروف أكثر ملاءمة لنمو الأشجار، ولما كانت المراعي الغنية غير موجودة بهذا الإقليم فقد تعذرت تربية الماشية وحل محلها الماعز وعلى ذلك نجد بهذا الإقليم نقصًا طبيعيًّا في موارد اللحوم وموارد الألبان كالزبد واللبن، ويحل محلها الفول بدلًا من اللحم وزيت الزيتون بدلًا من الزبد وعصير الفاكهة بدلًا من اللبن.
стр. 301
٣- غابات الإقليم الصيني:
لا ينخفض متوسط الحرارة في الإقليم الصيني في أي شهر من الشهور إلى درجة تحول دون نمو النبات، كما أن الرطوبة متوفرة به في كل الفصول ولذلك كان النوع النباتي الذي يلائم هذا الإقليم هو الأشجار الدائمة الخضرة كالصفصاف والبلوط. وإذًا فغابات إقليم الصين دائمة الخضرة مثلها في ذلك مثل إقليم البحر المتوسط, غير أن عدم وجود فصل جاف في إقليم الصين أتاح الفرصة لوجود أشجار أخرى مثل السرخس والخيزران وهي أنواع لا تستطيع أن تعيش في إقليم البحر المتوسط بسبب وجود فصل جاف به, وكذلك بينما نجد غابات البحر المتوسط فقيرة متناثرة ذات أشجار هزيلة بسبب قلة المطر ووجود الفصل الجاف، نجد غابات الإقليم الصيني غنية بأشجارها العالية الضخمة ذات الأوراق العريضة، وذلك لانتظام سقوط المطر بهذا الإقليم في كل فصول السنة من جهة ووفرة كميته من جهة أخرى.
ومع أن الشجرة الدائمة الخضرة هي النوع النباتي الرئيسي السائد بهذا الإقليم إلا أنه توجد به بعض أشجار نفضية بل وصنوبرية في بعض الأحيان. فنجد في هذه الغابة أشجار البلوط والأسفندن والجوز والسوسن وأشجار النخيل والأشجار السرخسية والأشجار الصنوبرية ذات الأوراق الإبرية. وكثيرًا ما تضارع غابات الإقليم الصيني الغابات الاستوائية من حيث ضخامة الأشجار ولكنها أقل منها كثافة.
الاستثمار الاقتصادي:
لغابات الإقليم الصيني قيمة كبيرة كمورد للأخشاب؛ فكثير من أشجارها يعطي خشبًا جيدًا مثل أشجار البلوط والجوز وبعض الأشجار الصنوبرية التي يوجد بها الخشب المعروف باسم الخشب العزيزي.
على أن أجزاء كثيرة من هذه الغابات قد اجتثت وحلت محلها الزراعة ومناخ الإقليم الصيني ملائم بطبيعته للرعي والزراعة. وهنا نلاحظ الفروق الهامة في الحالة النباتية بين الحافة الغربية للمنطقة المعتدلة الدفيئة "إقليم البحر
стр. 302
المتوسط" وبين الحافة الشرقية لهذه المنطقة "الإقليم الصيني" فإقليم البحر المتوسط أقل غنى في أشجاره؛ إذ ليست لأشجاره قيمة اقتصادية تذكر، وأقل غنى في مراعيه؛ حيث إنه لا يصلح لنمو الأعشاب، وأقل غنى في زراعته؛ بسبب قلة كمية المطر وطول فصل الجفاف. وأما في الإقليم الصيني فقد عرفنا أن لأشجاره قيمة اقتصادية كبيرة كمورد للأشجار. من حيث الرعي نجد أعشاب هذا الإقليم غنية بسبب توفر الدفء والمطر في كل فصول السنة. ومن حيث الزراعة تنمو به غلات قيمة كالتبغ والقطن والذرة والأرز والشاي وقصب السكر والبرتقال، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الفاكهة لا تحتاج إلى ري، وتؤدي الظروف المناخية إلى نجاح الزراعة هنا نجاحًا عظيمًا، فالصيف طويل وفير الرطوبة خالي من الصقيع خلوًّا تامًّا لمدة ثلاثة شهور على الأقل، ولذلك كان هذا الفصل ملائمًا للنمو الغزير وتجنى الغلات في الخريف قبل حلول برودة الشتاء بعكس إقليم البحر المتوسط الذي تجنى غلاته في الربيع قبل حلول فصل الصيف فالعامل المناخي الهام في إقليم البحر المتوسط هو الرطوبة؛ وذلك لتوفر الدفء طول العام, وأما العامل المناخي الهام في إقليم الصين فهو الحرارة؛ وذلك لتوفر الرطوبة طول العام.
وبينما نوع الحبوب السائد في إقليم البحر المتوسط هو القمح بسبب وجود فصل حار جاف يساعد على النضج والحصاد، نجد نوع الحبوب السائد في إقليم الصين هو الذرة في الجهات المتوسطة المطر، والأرز في الجهات الغزيرة المطر، وهما نوعان من الحبوب يحتاجان إلى حرارة ورطوبة مجتمعتين في فصل واحد، وكقاعدة عامة لا تنجح زراعة الحبوب الأخرى بإقليم الصين بسبب عدم وجود فصل حار جاف يسمح بنضجها وجنيها. ولكن يعوض هذا أن هذه الحرارة والرطوبة مجتمعتين في فصل الصيف يؤديان إلى ازدهار نباتات أخرى ذات قيمة اقتصادية كبيرة. مثل التوت والشاي الذين يغلان غلة من الأوراق القيمة خلال هذا الفصل.
والغالب في هذا الإقليم أن تزرع الأرض بمحصول واحد في السنة. ولكن في جهاته التي تتمتع بشتاء دافئ تزرع الأرض بغلة أخرى بعد جني الغلة الصيفية.
стр. 303
وبسبب هذه الطاقة العظيمة في الإنتاج الزراعي، سواء ما يستخدم منها في إنتاج المنسوجات كالقطن والتوت، أو في إنتاج المواد الغذائية كالحبوب والفاكهة والشاي، كان هذا الإقليم قادرًا على إعالة عدد كبير من السكان. ولذلك عرفت بعض جهات هذا الإقليم بازدحام السكان بها ازدحامًا شديدًا.
ثانيًا: الغابات النفضية:
تنفض الأشجار أوراقها لأسباب مختلفة, ففي الإقليم الموسمي تسقط الأشجار أوراقها في فصل الصيف اتقاء شدة الحرارة، وفي الإقليم المعتدل تسقط الأشجار أوراقها في فصل الشتاء اتقاء شدة البرد. على أن الإقليم الرئيسي للغابات النفضية هو الحافة الغربية من المنطقة المعتدلة للباردة "إقليم غرب أوربا المناخي" ثم الحافة الشرقية من هذه المنطقة "إقليم سنت لورنس المناخي" ويعتبر هذان الإقليمان الموطن الأصلي للغابات النفضية، وهذا يرجع إلى أن أوراق الأشجار بهما رقيقة تتأثر سريعًا بالصقيع، فاختارت الأشجار فصل الشتاء ليكون فترة سكونها، فتتخلص من أوراقها قبل حلول هذا الفصل. ويطلق على الفصل الذي تتخلص فيه، الأشجار من أوراقها فصل السقوط في بعض الأقاليم، كما يطلق عليه اسم فصل الخريف في أقاليم أخرى مثل إنجلترا.
ولا بد لقيام الغابات النفضية من وجود فصل شتاء بارد طويل ينخفض متوسط الحرارة به إلى أقل من ٦ ْم، وهي النهاية الصغرى اللازمة لنمو النبات. فإذا ما كان الشتاء معتدلًا غير بارد كما في بعض جهات غرب أوربا نمت الأشجار الدائمة الخضرة ذات المظهر شبه المداري مثل أشجار عنب الديب في جنوب غرب أيرلنده وأشجار الآس والصفصاف في كورنوال، ولكن أغلب جهات إقليم غرب أوربا يسودها الشتاء الطويل البارد ولذلك كان النبات الطبيعي السائد بهذا الإقليم هو الغابات النفضية وتمتد هذه الغابات لمسافة كبيرة في الداخل إلى أن يضع تناقص المطر حدًّا لامتدادها، ويكون ذلك عند خط طول ٥٠ ْشرقًا في أوراسيا، وأما في أمريكا الشمالية فامتداد الغابة النفضية
стр. 304
محدود، ومعظم الغابة بالحافة الغربية من المنطقة المعتدلة الباردة من النوع المخروطي، ولا تمتد شرقًا إلى ما بعد جبال كورديلليرا.
ولا ينتج المناخ البحري الصرف -أي الواقع على حافة البحر مباشرة- أحسن الغابات النفضية؛ لأن من شروط قيام هذه الغابات وضوح الانتقال الفصلي في الحرارة والمطر، وهو شرط غير متوفر على السواحل، يضاف إلى هذا أن الرياح المحملة بالأملاح ضارة بالأشجار. ولكن بمجرد أن نغادر الشريط الساحلي ونصل إلى الجزء الداخلي الذي يوصف مناخه بأنه شبه بحري يجود نمو الغابات النفضية، ومن أمثلة ذلك غابات إنجلترا وفرنسا وألمانيا ومن أهم أشجار هذه الغابات البلوط والزان والدردار والإسفندان وأبو فروة والزيزفون والبتولا.
وكذلك تتحول الغابة النفضية بالتدريج كلما اتجهنا شرقًا إلى منطقة حشائش ثم إلى منطقة شبه صحراوية بسبب تناقص المطر، حتى إذا ما اقتربنا من الحافة الشرقية تظهر الغابة من جديد بسبب تزايد المطر من جديد، ولكن الغابات في شرق القارات ليست نفضية صرفة، بل إن أشجارها خليط من المخروطية والنفضية. ثم إذا سرنا نحو القطب نجد أن هذه الأنواع النباتية كلها تتحول إلى غابات مخروطية تمتد في شريط متصل من شرق القارات إلى غربها خلال أوراسيا وأمريكا الشمالية وهي غابات لا تتبع المناخ المعتدل البارد الذي نحن بصدده وإنما تتبع المناخ البارد الصرف الذي سيرد ذكره فيما بعد.
الاستثمار الاقتصادي:
أخشاب الغابات النفضية ذات قيمة عظيمة إذ يمكن قطعها وتشكيلها بسهولة وهي في هذه الميزة تفوق أخشاب الغابات الاستوائية. ومن مميزات الغابة النفضية أيضًا تجمع النوع الواحد من الأشجار في بقعة واحدة إذ إن هذا ييسر عملية الاستغلال ويزيد من قيمتها الاقتصادية بالإضافة إلى قيمة أخشابها.
стр. 305
وكانت الغابات النفضية تغطي جهات كثيرة من شمال غرب أوربا ووسطها ولكنها اجتثت في الوقت الحالي وحلت محلها الزراعة والرعي والصناعة، وأما في أمريكا الشمالية فلم يتقدم المجهود البشري تقدمًا كبيرًا في إقليم الغابات النفضية؛ لأن معظم كلومبيا البريطانية -حيث تسود هذه الغابات- جبلي شديد الوعورة لا يشجع كثيرًا على الاستيطان البشري والاستغلال الاقتصادي، وعلى العكس من ذلك إقليم الغابات النفضية في شرق القارات، فقد تقدم هذا الإقليم تقدمًا كبيرًا في العالم الجديد حيث اجتثت الغابات في الولايات المتحدة الأمريكية وفي كندا وحلت محلها حركة صناعية كبرى. بينما في العالم القديم ما زال هذا الإقليم على حالته الطبيعية فلم يحدث في الإقليم الأسيوي تقدم صناعي كبير يضارع التقدم الذي وجد في الولايات المتحدة الأمريكية. وما زالت منشوريا معتبرة من الأقطار التي لم تعمل فيها يد الإنسان بالتغيير الكبير.
ولقد سببت عملية إزالة الغابات النفضية اختفاء هذا النوع من مساحات كبيرة حيث حلت محلها الحشائش. ثم تزال هذه الحشائش في الغالب لكي تحل محلها الزراعة، والحشائش التي تحل محل الغابات بعد قطعها تكون عظيمة الكثافة بسبب غزارة المطر كما أنها تنمو في جميع فصول السنة بفضل شتاء المناخ البحري المعتدل؛ ولذلك تعتبر غذاء جيدًا للقطعان ولا سيما الماشية المدرة للألبان.
الغابات الموسمية:
تنمو هذه الغابات في جهات تشبه إقليم الغابات الاستوائية من حيث الحرارة وأما من حيث المطر فيوجد بها فصل جاف، وكان من الضروري أن يسبب هذا الفصل الجاف في جهات الغابات الموسمية اختلاف هذه الغابات عن الغابات الاستوائية، ويمكن أن نحصر وجوه الاختلاف بين النوعين فيما يلي:
١- الغابات الموسمية غابات نفضية أو على الأقل شبه نفضية، فهي ليست دائمة الخضرة كالغابات الاستوائية بل تنفض أشجارها أوراقها العريضة في موسم الجفاف اتقاء لفقدان الرطوبة.
٢- الغابات الموسمية ليست في كثافة الغابات الاستوائية بل تتباعد
стр. 306
أشجارها عن بعضها، وواضح أن اختلاف نظام المطر بين الإقليمين هو السبب في الاختلاف في كثافة الغابة.
٣- أحجام الأشجار أقل في الغابات الموسمية.
٤- ليست الغابة الموسمية منقسمة إلى طبقات نباتية واضحة كالغابات الاستوائية بمعنى أن الحياة النباتية في أسفل الغابة ليست غزيرة.
ومما تجدر ملاحظته أنه في موسم المطر لا تظهر فروق واضحة بين الغابات الاستوائية وبين الغابات الموسمية فإذا ما حل موسم الجفاف تظهر هذه الفروق، ومن أهم أشجار الغابات الموسمية البامبو, ويتضح من توزيع الغابات الموسمية أن هذه الغابات تسود في جنوب شرق آسيا وأمريكا الوسطى.
ثالثًا: الغابات المخروطية "الصنوبرية"
الغابات الصنوبرية ذات أشجار مخروطية الشكل إبرية الأوراق توجد في المنطقة المعتدلة الباردة والمنطقة دون القطبية حيث الشتاء طويل قارص البرودة، وقد اتخذت الأشجار في هذه الجهات الشكل المخروطي حتى لا يتراكم عليها الثلج المتساقط خلال فصل الشتاء، إذ إن معظم التساقط في هذا الفصل يكون على شكل ثلوج وليس على شكل أمطار. كما تقاوم الأشجار برودة هذه المنطقة باتخاذ الأوراق الإبرية السميكة ذات الطبقة الصمغية. وتمتد هذه الغابات في شمال أمريكا الشمالية في كندا وآلاسكا ثم في شمال أوربا في اسكندناوة وشمال روسيا ثم شمال آسيا في سيبيريا ثم في أعالي الجبال في شمال غرب أوربا ووسطها. ومعنى هذا أن الغابات المخروطية تكاد تكون مقصورة على النصف الشمالي من الكرة الأرضية بسبب اتساع مساحة اليابس به وضيق هذه المساحة في المنطقة دون القطبية بنصف الكرة الجنوبي.
وتحتاج الغابة المخروطية إلى كمية صغيرة من الأمطار إذ يكفيها حوالي عشر بوصات من المطر مركزة في فصل النمو، وتقل كثافة الغابة وتصغر أشجارها كلما انتقلنا شمالًا أي كلما ابتعدنا عن المنطقة المعتدلة الباردة وتوغلنا في المنطقة
стр. 307
دون القطبية حتى نصل إلى حد تعجز فيه الأشجار نهائيًّا عن النمو، ويسمى هذا بالحد النهائي لنمو الغابات أي الحد الذي لا تنمو الغابات في شماله, وتعتبر الغابات دون القطبية أقل قيمة من الغابات المعتدلة الباردة بسبب صغر حجم الأشجار واختفاء الأنواع الجيدة من الصنوبر بالغابة دون القطبية.
على أن الغابات المخروطية ليست خلوًّا من الأشجار النفضية بل توجد بها هذه الأشجار مثل الجوز والبتولا والصفصاف والراتنج بل ويمتد وجود الأشجار النفضية حتى الحد النهائي لنمو الغابات.
والتحول من غابات نفضية إلى غابات مخروطية سببه مناخي، وهو قيام نوع من الأشجار لا يحتاج لأن ينفض أوراقه بل يستطيع أن يحتفظ بهذه الأوراق على أن تتخذ المظهر الإبري لمقاومة البرد. ولكن في بعض الأحيان يكون التحول من غابات نفضية إلى غابات مخروطية لأسباب تتعلق بالتربة، فحيث توجد التربة الرملية مثلًا في المنطقة المعتدلة الباردة تقوم الغابات المخروطية في الجهات التي كان ينتظر أن تقوم فيها الغابات النفضية، والقيمة الاقتصادية للغابة المخروطية كبيرة إذ تعتبر من المصادر الهامة لتموين العالم بالأخشاب اللينة بل هي أعظم مورد في العالم لهذا النوع من الأخشاب، إذ تفوق الغابات النفضية في هذه الميزة وهي ليونة الخشب وسهولة قطعه وتشكيله، كما تعتبر هذه الغابات من الموارد الهامة للب الخشب اللازم لصناعة الورق، وللحيوانات ذات الفراء التي تعيش فيها.
وفيما يختص بقطع الأخشاب تقدم استغلال هذه الغابات في كل من أوربا وأمريكا الشمالية. فأما في شمال أوربا فإن غاباتها المخروطية تستغل منذ زمن بعيد حتى أصبحت مساحات كثيرة فيها خالية من هذه الأشجار، وأما في أمريكا الشمالية فتستغل غابات كندا استغلالًا جيدًا حيث توجد أشجار الصنوبر الأبيض والأحمر والراتنج -كل في التربة الملائمة له- ويقع مركز قطع الأخشاب في شرق كندا على طول شواطئ سنت لورنس كما تستغل أشجار الشربين والراتنج من كلمبيا البريطانية استغلالًا جيدًا كذلك. وأما في آسيا فما زال استغلال الغابات
стр. 308
المخروطية ضعيفًا لظروف طبيعية كثيرة منها كثافة الغابة وجريان الأنهار نحو الشمال مما يجعل اختراق الغابة عسيرًا بسبب الكثافة أولًا وبسبب جريان الأنهار نحو الجهات غير المغمورة ثانيًا؛ فلا يمكن أن تتخذ وسيلة من وسائل نقل الإنسان أو الأخشاب خلال هذه الغابات، بل إن هذه الظروف الطبيعية التي عليها الأنهار تجعل وجودها من العوامل التي تعوق الاستغلال الاقتصادي, فهذه الأنهار تتجمد في الشتاء ثم تأخذ في الذوبان ابتداء من الربيع وبطبيعة الحال تذوب أجزاؤها العليا أولًا لتعرضها للدفء قبل غيرها بسبب وقوعها في الجنوب، فإذا ما اتخذت هذه المياه الذائبة مجراها نحو الشمال وجدت مجرى النهر في الأجزاء الوسطى والدنيا ما زال في حالة تجمد لأن الدفء لم يصبها بعد بسبب وقوعها في الشمال فلا يجد الماء طريقًا فيفيض على الجانبين وبذلك تتحول الغابة المخروطية في سيبيريا -في موسم الدفء والنشاط- إلى مستنقعات تعوق الحركة والاستغلال وتفسد الحالة الصحية، فضلًا عن أن مياه المستنقعات تتلف الأخشاب وتجعل مرتبتها الاقتصادية منحطة.
ولا يمكن اختراق الغابات السيبيرية إلا في الشتاء حينما تتجمد المياه، ولكن في هذا الفصل أيضًا يصعب استغلال الغابة، فالأنهار متجمدة والمحيط المتجمد الشمالي نفسه متجمد، مما يجعل عملية نقل الخشب وتسويقه متعذرة، وباهظة التكاليف، ولذلك ظلت الغابات السيبيرية بكرًا حتى الوقت الحاضر إلا على حافاتها الجنوبية.
وأما استخدام لب الخشب في عمل عجينة الورق فتتفوق في ذلك كندا واسكندناوه، وأما صيد الحيوانات ذات الفراء فتتفوق في ذلك سيبيريا والمنطقة المحيطة بخليج هدسن.
وقد أجهدت الغابات المخروطية إجهادًا كبيرًا فنضب معينها من جهات كثيرة حتى لتعتبر كندا وروسيا القطرين الوحيدين في العالم اللذين ما زالا قابلين للاستغلال في هذه الناحية الاقتصادية.
стр. 309
الفصل الثامن عشر: الحشائش
تنمو الحشائش في الجهات التي يكثر فيها المطر في فصل وينعدم في فصل آخر بشرط أن يتفق موسم المطر مع موسم الدفء فتنمو الحشائش نموًّا سريعًا في هذا الفصل الممطر الدافئ حتى إذا ما انتهى وحل فصل الجفاف والبرودة ماتت الحشائش وأصبحت الأرض مقفرة من النباتات, فهذه الفصلية الحادة في الحالة المناخية يظهر صداها في الحياة النباتية، فتوجد النباتات في فصل وتنعدم في فصل آخر، وليس هناك نوع نباتي يلائم هذه الحالة إلا الحشائش، فالأشجار تستغرق في نموها عدة سنين وتتخذ من الوسائل ما يقاوم تقلبات الفصول، وأما الحشائش فلا تتعدى حياتها بضعة شهور، ثم هي من الرقة والهزال بحيث تعجز عن مقاومة تقلبات الفصول، وبذلك لا تستطيع الحياة عامًا بأكمله بل تحيا مع موسم المطر والدفء وتموت بانتهاء الموسم.
وتقع الجهات الملائمة لنمو الحشائش في الأجزاء الداخلية من كل المناطق المناخية الصالحة للحياة النباتية، أي كل المناطق المناخية باستثناء الجهات الصحراوية فتنمو الحشائش في الأجزاء الداخلية من الإقليم المداري ويعرف هذا النوع من الحشائش باسم السفانا، كما تنمو الحشائش في الأجزاء الداخلية من المنطقة المعتدلة ويعرف هذا النوع باسم الإستبس. كما تنمو الحشائش في الأجزاء الداخلية من المنطقة الباردة وتعرف باسم التندرا. وسنتناول بالدراسة كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة على حدة.
١- حشائش السفانا:
السفانا هي الحشائش المدارية وتسمى أيضًا الكامبوس واللانوس وهي تغطي مساحات كبيرة في أمريكا الجنوبية إلى الشمال والجنوب من غابات الأمازون
стр. 310
وكذلك في إفريقية في السودان ومرتفعات شرق أفريقية وحول صحراء كلهاري وتمتد في جنوب هذه القارة حتى ناتال، وتوجد في أستراليا على هيئة نطاق دائري حول الصحراء الوسطى.
وواضح من هذا التوزيع أن حشائش السفانا تنمو في الأجزاء الداخلية من الإقليم المداري، وأما الجهات البحرية من هذا الإقليم فتنمو بها الغابات الضخمة القريبة الشبه من الغابات الاستوائية؛ وذلك بسبب الأمطار الغزيرة التي تسقط طول العام على هذه الجهات البحرية من الإقليم المداري.
وقد سبق أن بينا الظروف المناخية في الأجزاء الداخلية من الإقليم المداري، وعرفنا أن السنة فيها تنقسم إلى فصلين: فصل الشتاء وتهب فيه الرياح التجارية الجافة، ثم فصل الصيف وتسقط فيه أمطار انقلابية تعمل على خلق نوع من الحشائش يمتاز بالطول والغزارة بسبب توفر الرطوبة والحرارة في فصل واحد.
ويستحيل نمو الغابات في الأجزاء الداخلية من الإقليم المداري بسبب طول فصل الجفاف، وتصبح الحشائش هي النوع النباتي الوحيد الذي يستطيع النمو بغزارة وعلى نطاق واسع في هذه الأجزاء فتنمو وتكبر بسرعة مدهشة في موسم المطر وتموت بسرعة مدهشة كذلك في موسم الجفاف على أنه توجد في وسط حشائش السفانا أشجار قليلة متفرقة هنا وهناك، وليست هذه الأشجار من أشجار الجهات البحرية بهذا الإقليم، وإنما هي نوع من الأشجار التي تقاوم موسم الجفاف بوسائل مختلفة.
والمنظر العام لإقليم السفانا أشبه بالبستان؛ لأنه عبارة عن امتداد هائل من الحشائش الطويلة تتخلله أشجار قليلة مبعثرة هنا وهناك، وفي البقع المنخفضة من هذا الإقليم تتجمع الأشجار في شكل غابة صغيرة، ثم على الحافات الجبلية تتفرق الأشجار أو تختفي تمامًا.
ويبلغ طول حشائش السفانا من مترين إلى ثلاثة أمتار، ولكنها في بعض
стр. 311
الأماكن تبلغ ارتفاعًا يتراوح بين أربعة وخمسة أمتار، ويتخلل هذه الحشائش أعشاب وشجيرات، وبعض هذه الشجيرات ذات أوراق دائمة الخضرة، وبعضها من النوع الشوكي اتقاء لجفاف الشتاء ونتيجة لتفاعل عوامل السطح والتربة والمناخ نجد المظهر العام في إقليم السفانا يتنوع من مكان إلى آخر، ولذلك يمكن التمييز بين المظاهر الرئيسية الآتية من مظاهر السفانا:
١- جهات منخفضة تسمح الموارد المائية فيها بنمو الأشجار بغزارة، وتظهر هذه الأشجار في شكل تجمعات هنا وهناك أو في شكل غابات صغيرة محدودة المساحة مبعثرة داخل إقليم السفانا، وقد أطلق عليها بعض الرحالة اسم الواحات؛ وذلك لأن التضاد بين بقع الأشجار وبين الامتداد الواسع للحشائش شبيه بالتضاد بين البقع الخضراء وبين المساحات الرملية الهائلة في الصحراء.
٢- جهات منبسطة تمتد فيها الحشائش لمسافات طويلة وهذه الحشائش مرصعة بأشجار النخيل المبعثرة هنا وهناك.
٣- منطقة عشبية شجيرية مرصعة ببعض الأشجار التي على شكل المظلة "الشمسية".
٤- جهات كثيفة الحشائش بحيث يتعذر اختراقها إذ ترتفع فيها الحشائش إلى حوالي ستة أمتار تتخللها أشجار منخفضة.
٥- جهات مكشوفة تشغلها حشائش لا يزيد ارتفاعها عن متر، وتتخلل هذه أشجار البوباب أطل أشجار السفانا، وتسمى هذه الشجرة أحيانًا "عيش القرود".
٦- جهات مكشوفة الحشائش خالية من الأشجار.
والميزة الطبيعية لحشائش السفانا هي قدرتها على مقاومة الجفاف الطويل وكان لهذه الميزة في تكوينها، إذ إنها تنمو في خصلات متماسكة ذات جذور قوية متماسكة ويتجمع هشيم السنوات الماضية فيكون غطاء للتربة يحميها من
стр. 312
البخر ثم إن الغطاء في الوقت نفسه كالسفنجة يختزن بعض الماء فيُمَكِّن النبات من أن يحيا حياة النائم خلال الفصل الجاف. وتظهر التربة عارية بين خصل الحشائش المنعزلة.
وفي كثير من الجهات تختلط حشائش السفانا بعدد من النباتات غير الحولية والشجيرات التي تتباين ما بين نفضي وشوكي ودائم الخضرة.
ومما هو جدير بالملاحظة أن جهود الإنسان تعمل على انتشار حشائش السفانا في بعض الجهات؛ وذلك بسبب عادة حرق هذه الجهات فتموت بسبب ذلك الأشجار وسائر النباتات غير الحولية، ولا تستطيع النمو مرة أخرى بينما الحشائش تنمو فجأة وبسرعة بمجرد سقوط المطر في الموسم التالي, ومن أحسن الأمثلة على ذلك إفريقيا إذا امتدت فيها الحشائش على حساب الغابات الموسمية بل على حساب الغابات الاستوائية في بعض المناطق.
وتلائم طبيعة السفانا حياة كثير من الحيوانات مثل الأبقار الوحشية "الوعول" والجاموس والحمار الوحشي والزراف ثم الفيلة وأفراف الماء وغيرها من الحيوانات آكلة العشب والأشجار، ثم هي بدورها طعام الحيوانات المفترسة آكلة اللحوم.
الاستثمار الاقتصادي:
جهات السفانا صالحة للاستغلال الاقتصادي بسبب وفرة المطر وصلاحية التربة واستواء السطح وسهولة المواصلات وغنى الموارد الطبيعية، ووجوه هذا الاستغلال متعددة منها الصيد وتربية الماشية والزراعة. ويستطيع الزارع بواسطة الري أن يزرع كل غلات الجهات الاستوائية والمدارية، ولذلك كانت مناطق السفانا محط أنظار الدول الأوروبية فتنافست في سبيل استعمارها وحاربت بعضها البعض في سبيل الاستيلاء عليها.
والحياة الزراعية في إقليم السفانا متأثرة إلى حد كبير بالفصلية التي نشاهدها في المناخ، ففي الفصل المطير -الذي هو فصل الحرارة في نفس الوقت- تتوفر
стр. 313
الظروف الملائمة لنمو النبات، ثم في فصل الجفاف تتوفر الظروف الملائمة لجني الغلات، ومن أهم هذه الغلات القطن والذرة والبن وقصب السكر.
ولكن أهم مقومات الحياة الاقتصادية بهذا الإقليم هو الرعي، والحيوان الذي يتلاءم مع هذا النوع من الحشائش هو الماشية، وبهذا كانت تربية الماشية أمرًا شائعًا في كل جهات السفانا الإفريقية وفي إقليم الكامبوس في البرازيل وإقليم اللانوس في فنزويلا.
وسكان السفانا أكثر رقيًّا ونشاطًا من سكان الغابات الاستوائية، فليس في السفانا ذلك الخمول الذي تسببه الحرارة والرطوبة في الإقليم الاستوائي. فالفصلية الواضحة في المناخ المداري لا تجعل الحياة مملة وعلى وتيرة واحدة بل تجعلها متغيرة, فيتجدد نشاط الإنسان ويزداد إقباله على العمل وبذلك يزداد إنتاجه.
٢- حشائش الإستبس:
الإستبس هي حشائش المنطقة المعتدلة بقسميها الدافئ والبارد. وتسمى أيضًا حشائش البمباس وحشائش البراري وحشائش السهوب. وهي تشغل مساحات واسعة في نصف الكرة الشمالي في أوراسيا حيث تسمى بالإستبس. وفي أمريكا الشمالية حيث تسمى بالبراري ثم مساحات أقل سعة في نصف الكرة الجنوبي وتتوزع حشائش الإستبس على النحو التالي:
أ- جنوب شرق أوربا.
ب- جنوب غرب سيبيريا.
جـ- براري أمريكا الشمالية.
د- إقليم البمباس في أمريكا الجنوبية.
هـ- هضبة جنوب إفريقيا.
و حوض مري ودار لنج في استراليا.
وقد كان لموقع هذه الجهات في وسط القارات بعيدًا عن البحر أثره في حالتها النباتية؛ فمن حيث الحالة المناخية نجد أن المناخ القاري هو السائد فتشتد الحرارة في الصيف حتى يصبح من الأمور المألوفة أن ترتفع الحرارة إلى
стр. 314
حوالي ٣ ْمئوية, كما تشتد البرودة في فصل الشتاء حتى يصبح من الأمور المألوفة كذلك أن تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون درجة الصفر ومن أثر بعد هذه الجهات عن البحر أيضًا قلة المطر؛ لأن الرياح الممطرة تقطع مسافات طويلة في سبيل الوصول إلى هذه الجهات، وبذلك تفقد معظم حمولتها من الرطوبة قبل الوصول إليها، فلا يصيبها إلا قدر ضئيل من المطر لا يسمح إلا بنمو نوع نباتي خاص هو الحشائش القصيرة الفقيرة. أو المتوسطة في الطول والغنى بحسب اختلاف الكمية الفعلية للأمطار التي تصيب الجهات المختلفة، ولا تمكن مثل هذه الحالة المناخية من نمو الأشجار حتى إنه من المميزات الخاصة بهذا الإقليم خلوه من الأشجار خلوًّا يكاد يكون تامًّا.
وحشائش الإستبس هي النوع النباتي السائد في قلب القارات بصفة عامة سواء في ذلك المنطقة المعتدلة أو الباردة، وتمتاز المنطقة المعتدلة والمنطقة الباردة بنوعين من النبات، فحيث تسقط الأمطار بوفرة تقوم الغابات بفصائلها المختلفة ويكون هذا بقرب السواحل، وأما حيث تسقط الأمطار بقلة فتقوم الحشائش ويكون هذا في قلب القارات بصفة عامة، والانتقال تدريجي بين حشائش الإستبس وبين الغابات المعتدلة والباردة. على مثال الانتقال التدريجي الذي رأيناه بين الغابات الاستوائية وبين حشائش السفانا، أو بين حشائش السفانا وبين الصحراء.
وموسم المطر في مناطق الإستبس هو الربيع وأوائل الصيف، ومعنى هذا أن موسم المطر متفق مع موسم الدفء وهو مما يساعد على نمو الحشائش وازدهارها ولكن لا تلبث الحرارة الشديدة في أواخر الصيف أن تقتل هذه الحشائش وقد سبق أن بينا أنه نتيجة لتأثر الأرض بحرارة الشمس في فصل الربيع تأخذ مناطق الضغط المنخفض في التكون فوق هذه المساحات الواسعة من اليابس، فتجتذب إليها الرياح المحملة بالرطوبة من المحيط فتسقط ما بها من مطر ولكنه مطر قليل كما سبق أن ذكرنا بسبب طول المسافة التي قطعتها الرياح في طريقها إلى قلب القارات حيث توجد مناطق الإستبس وإذا قارنا بين خرائط متوسط المطر السنوي وبين خرائط النبات في كل من أوربا وآسيا وأمريكا الشمالية لعرفنا أن هذه الحشائش توجد حيث يقل المطر عن حوالي ٣٥ سم في السنة.
стр. 315
الاستغلال الاقتصادي:
أهم النواحي التي يستغل فيها الإنسان جهات الإستبس هي الرعي والزراعة، فهما الحرفتان الرئيسيتان في هذا الإقليم.
فمن حيث الرعي نجد بهذا الإقليم الغنم والماعز والخيل وقطعان الماشية. على أن نوع الحيوان يختلف من مكان لآخر في جهات الإستبس المختلفة، ففي استراليا وجنوب إفريقيا وبعض جهات الأرجنتين تسود تربية الأغنام، وأما في كندا وروسيا فيتعذر تربية الأغنام على نطاق واسع بسبب البرد الشديد، ثم في أورجواي وبعض الجهات الأخرى من الأرجنتين تسود تربية الماشية، ويمكن القول بصفة عامة إن الحياة الاقتصادية في كل هذه الجهات تعتمد اعتمادًا رئيسيًّا على الرعي.
على أن مساحات كبيرة من إقليم الإستبس والبراري قد تحولت إلى الزراعة، وعلى الأخص الأجزاء التي قامت فيها وسائل الري، فمكنت من زراعة الحبوب، وأهم الحبوب التي تزرع في هذه الجهات القمح الذي يأتي في المرتبة الأولى في نصف الكرة الشمالي يتلوه الشعير والشوفان والشيلم، وأما في نصف الكرة الجنوبي فالغلة الرئيسية هي الذرة. ويساعد المناخ على نجاح زراعة الحبوب في جهات الإستبس. فإن رطوبة الربيع ودفئه يساعدان على نمو البذور وازدهار النبات ثم يأتي الصيف فيساعد على نضج الحبوب، ثم تلائم الحرارة والجفاف في أواخر الصيف موسم حصاد الغلات ولقد أصبحت الزراعة حرفة رئيسية في البراري بأمريكا الشمالية والبمباس في أمريكا الجنوبية، والفلد بجنوب إفريقيا والإستبس في استراليا، حتى لتعتبر هذه الجهات في الوقت الحالي مخزن العالم في الحبوب. ومع ذلك لا تزال هناك مساحات واسعة تسود فيها حرفة الرعي في جهات الإستبس الأسيوية.
وتقوم بهذا الإقليم حرفة الصيد أيضًا، إذ تكثر به الحيوانات، وهي على نوعين: نوع آكل العشب الذي يعيش على الحشائش. ونوع آكل اللحوم الذي يعيش على النوع الأول.
стр. 316
٣- حشائش التندرا:
هذا الإقليم مقصور على نصف الكرة الشمالي فالمنطقة القطبية الشمالية عبارة عن بحر يحيط به يابس بينما المنطقة القطبية الجنوبية عبارة عن يابس يحيط به ماء، وليس اليابس القطبي الجنوبي صالحًا لنمو النبات لوقوعه في أقصى العروض القطبية الجنوبية، ثم لوقوعه تحت تأثير ضد الإعصار القطبي الذي يطرد كل تأثيرات الدفء، فلا تصل إلى الإقليم، حتى إن متوسط أكثر الشهور حرارة لا يرتفع في أي مكان فوق درجة التجمد ولذلك نجد الجليد يغطي أجزاءه طول العام, وأما اليابس القطبي الشمالي فتسمح العروض التي يقع فيها بنمو النبات، هذا فضلًا عن أن عوامل الدفء تستطيع الوصول إليه. وبذلك يتراجع خط الصفر الحراري المتساوي في شهر يناير إلى طرف سبتزبرجن عند خط عرض ٧٧ ْشمالًا ونتيجة لهذا نجد هذا الإقليم -باستثناء جرينلند- به حرارة صيفية كافية لنمو النبات الذي يسوده النوع المسمى بحشائش التندرا.
ومع ذلك فإن حشائش التندرا لا تنمو إلا بعد كفاح شديد ضد ظروف مناخية شديدة القسوة. فالسنة تنقسم إلى فصلين غير متكافئين، شتاء طويل شديد البرودة، ثم صيف قصير لا يتعدى شهرين أو ثلاثة، وعلى النبات أن يقطع أدوار حياته الثلاثة -الإنبات والنمو والنضوج- في خلال فصل الصيف القصير، قبل أن يداهمه الشتاء بصقيعه الدائم، ومثل هذا المناخ لا يلائمه إلا الحشائش؛ إذ إن الفصلية فيه شديدة الوضوح، ولكن الفصلية هنا تتضح في عامل الحرارة وليس في عامل المطر كما في حشائش السافانا، والفصلية الحادة في المناخ لا يلائمها بصفة عامة من أنواع النبات إلا الحشائش التي تنمو بسرعة كبيرة كأنما انتابتها حمى النمو بقصد الانتهاء من أدوار حياتها في فصل المطر والدفء.
ونباتات هذا الإقليم قصيرة الجذور؛ لأن ذوبان الجليد في فصل الصيف يقتصر على التربة السطحية، وأما التربة السفلية فتظل متجمدة لا تسمح لجذور النبات بالتعمق فيها. ولا تتحمل هذه الظروف المناخية القاسية إلا نباتات قليلة أهمها
стр. 317
الطحالب والحشائش القصيرة. وقد تنمو أشجار قصيرة لا يزيد ارتفاعها عن قدم أو قدمين في الأماكن المحمية على طول المجاري المائية. وتتدرج الحياة النباتية في هذا الإقليم ففي أقصى الشمال تختفي النباتات تمامًا وتكون عبارة عن صحراء جليدية، ولكن في جنوبه تكثر الحياة النباتية نوعًا ما، وتنمو الشجيرات التي يزداد طولها ويكثر عددها وتتعدد أنواعها كلما تقدمنا نحو الجنوب.
ويمكن القول بصفة عامة إن هذا الإقليم عبارة عن سهول عديمة الأشجار تقع شمال نطاق غابات المنطقة المعتدلة الباردة، إذ لا تنمو الأشجار عادة إذا انخفضت حرارة الصيف عن ٥٠ْ ف وعلى هذا يمكن أن نعتبر خط الحرارة المتساوي ٥٠ ْف في فصل الصيف الشمالي معينًا للحد الجنوبي لإقليم التندرا ويتبين من دراسة خرائط الحرارة المتساوية أنه لا توجد في نصف الكرة الجنوبي أجزاء من اليابس تقع جنوب خط الحرارة المتساوي ٥٠ ْف لفصل الصيف فيما عدا مرتفعات القارة القطبية الجنوبية.
الاستغلال الاقتصادي:
حياة الإنسان في الإقليم عبارة عن كفاح مستمر ضد الطبيعة وهو يعتمد على حرفة الجمع والالتقاط فيلجأ إلى صيد البر والبحر ويلعب صيد البحر دورًا هامًّا في حياته حتى إن سكناه للعروض العليا تكاد تقتصر على الجهات الساحلية.
ويتطلب التغير الفصلي حياة التجوال فالبيت الصيفي هو الخيمة الخفيفة المصنوعة من الجلد وأما البيت الشتوي فهو بناء من الطوب والثلج ومواد البناء نادرة ولا سيما الخشب.
وتختلف وسيلة النقل والانتقال عند سكان هذا الإقليم في الصيف عنها في الشتاء ففي الصيف يستخدمون القوارب الصغيرة في البحار والأنهار؛ لأن معظم الأرض تغطيها المستنقعات في هذا الفصل. وأما في الشتاء فيستخدمون الزحافات التي تجرها الكلاب أو الرنة لأن تساقط الثلج وتجمد المياه يحول النهر والأرض وحتى البحر إلى طريق للانتقال متشابه.
ويخضع الحيوان كذلك للتغير المناخي الحاد، فمعظم الطيور تهاجر في آخر
стр. 318
الصيف إلى الأقطار الأكثر دفئًا كما يتراجع حيوان الرنة إلى أطراف غابات التيجا ويتبعه الذئب القطبي، ولكن بعض الحيوانات تظل مقيمة بالإقليم مواجهة قسوة الشتاء مثل الأرنب القطبي والثور الأمريكي والرنة وهذه تبحث عن طعامها تحت الثلج فتنبش التربة للوصول إلى حشائش التندرا المدفونة تحت طبقة الجليد التي تكون عادة رقيقة في هذا الإقليم، ويعتبر البحر موردًا هامًّا من موارد الغذاء لبعض الحيوان مثل الدب القطبي.
ولا تساعد الظروف الطبيعية على قيام حياة حيوانية غنية في هذا الإقليم وأهم ما يوجد به حيوان الرنة الذي يقتات من الطحالب والحشائش الأخرى التي تظهر فوق سطح الأرض في زمن الصيف، ويستطيع الحصول عليها في فصل الشتاء بأن ينبش بحوافره الجليد الذي يغطي هذه الحشائش كما سبق أن ذكرنا، وقد أمكن استئناس هذا الحيوان في آسيا فانتفعت به القبائل التي تعيش في إقليم التندرا بهذه القارة، فمدهم بالطعام واللباس كما استخدموه وسيلة للنقل. أما في تندرا أمريكا فلم يستأنس بل ما زالوا يصطادونه ويسمى هناك كاريبو. وفيما عدا الرنة والكاريبو يعتمد الأهالي في حياتهم على الأسماك فيصيدونها في المناطق الساحلية من خلال الثقوب في الجليد، وأما الزراعة فغير ممكنة في هذا الإقليم؛ لأن درجة الحرارة لا تسمح بنضج النبات.
стр. 319
الفصل التاسع عشر: الصحاري
الصحراء تعبير نباتي يطلق على الأقاليم التي يندر فيها النبات. ويندر النبات في أي إقليم نتيجة عاملين: أولهما قلة المطر, وثانيهما قلة الحرارة ومن هنا انقسمت الصحاري إلى ثلاثة أقسام:
أ- صحاري حارة. ب- صحاري معتدلة. جـ- صحاري باردة
وسندرس فيما يلي كل قسم من هذه الأقسام.
أ- الصحاري الحارة:
توجد الصحاري الحارة حيث الحرارة وفيرة والمطر القليل, بل إن الحرارة هنا تعتبر من ضمن العوامل التي تساعد على زيادة الظروف الصحراوية لأنها تساعد على البخر وتبدد القدر الضئيل من المطر الذي يسقط في هذه الجهات. ويبلغ مقدار ما يسقط من المطر في الصحاري الحارة أقل من ٢٥ سم في السنة، ولكن سرعان ما تبدد هذه الكمية بسبب شدة الحرارة ويسهل فهم هذه الحقيقة إذا ما عرفنا أن مقدار المطر الذي يسقط في جهات الغابات المخروطية هو ٢٥ سم أيضًا، ومع ذلك يساعد هذا القدر في الجهات الباردة على نمو الأشجار لأن الحرارة منخفضة لا تبدد منه شيئًا.
وتقع الصحاري الحارة في غرب القارات بعد الأقاليم المدارية من ناحية القطبين. وهي جهات يسودها الضغط المرتفع والتيارات الهوائية الهابطة من الطبقات العليا من الجو، ومن شأن الضغط المرتفع أن يطرد الرياح، ومن شأن التيارات الهوائية الهابطة أن تزداد قابلية لحمل أبخرة جديدة لا للتخلص مما بها
стр. 320
على شكل مطر. وكلا العاملين يحرم الجهات الصحراوية من الظروف المسببة للمطر.
توزيع الصحاري الحارة:
تشغل الصحاري الحارة مساحات كبيرة في نصف الكرة الشمالي. فهي تمتد في شمال إفريقية من ساحل المحيط الأطلسي غربًا إلى البحر الأحمر شرقًا، ثم تتجاوز البحر الأحمر إلى شبه جزيرة العرب، ومنها إلى حدود بلوخستان ثم إلى صحراء ثار في الهند، ثم في أمريكا الشمالية توجد الصحراء الحارة في كاليفورنيا وأما في نصف الكرة الجنوبي فالمساحات الصحراوية أقل لعدم اتساع مساحة اليابس في هذه الجهات. فيشمل الإقليم الصحراوي مساحات بين جبال الإنديز وبين المحيط الهادي في بيرو وشمال شيلي. ثم في جنوب إفريقية توجد صحراء كلهاري في غرب جنوب القارة وتمتد حتى المحيط الأطلسي حيث توجد صحراء ناميب Namib وكذلك في استراليا توجد الصحراء في غرب القارة ويجمع بين كل هذه الجهات -سواء في نصف الكرة الشمالي أو نصفها الجنوبي- صفتان طبيعيتان هما:
١- أنها تقع في عروض حارة.
٢- المتوسط السنوي للمطر فيها أقل من ٢٥ سم.
ويتبين من هذا التوزيع أن أكبر الصحاري الحارة مساحة هي الصحراء الكبرى وشبه جزيرة العرب، ويمكن اعتبارهما إقليمًا صحراويًّا متصلًا تزيد مساحته عن مساحة القارة الأوروبية كلها، ويلاحظ في هذا التوزيع أيضًا أن إفريقيا الشمالية واستراليا سيئتا الحظ في أن أكبر عرض فيهما يقع في النطاق الصحراوي وعلى العكس من ذلك نجد أمريكا الشمالية تضيق سريعًا جنوب عرض ٢٠ ْشمالًا وهو العرض الذي يحد الإقليم الصحراوي، ويعتبر خليج المكسيك في هذه الجهة مصدرًا للرطوبة يغذي الأراضي المحيطة به وبذلك يقلل من المساحة الصحراوية في أمريكا الشمالية. وكذلك الحال في أمريكا الجنوبية إذ تضيق
следующие страницы →