Полный текст (829 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم يسر
الحمد لله الذي افتتح بالحمد كتابه وجعل لأهل العلم والعمل ثوابه وصلى الله على سيدنا محمد عبده الأمين ورسوله المكين المرسل بالكتاب المحكم الآيات البين العلامات فأمره جل ثناؤه بترتيل الكتاب وقراءته على الناس على مكث، فالقراءة بالترتيل والمكث واجبة بنص القرآن، والترتيل: التبين كما قرئ علي بكر بن سهل عن عبد الله ويوسف قال حدثنا عيسى قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس في قوله ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾، قال بينه تبيينًا، قال أبو جعفر فمن التبيين تفصيل الحروف والوقف على ما تم معناه منها وبهذا جاءت سنة رسول الله ﷺ لقوله ﵇ «لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة» وغير ذلك مما سنذكره في هذا الكتاب إن شاء الله، وهذا الكتاب نذكر فيه التمام في القرآن العظيم وما كان الوقف عليه كافيًا أو صالحًا، وما يحسن الابتداء به وما يجتنب من ذلك، وهو علم يحتاج إليه جميع المسلمين، لأنهم لا بد لهم من قراءة القرآن ليقرؤوه على اللغة التي أنزل الله جل وعز كتابه بها وفضلها ومدحها فقال جل ثناؤه
[١/ ١]
стр. 2
﴿بلسان عربي مبين﴾، وقال جل وعز ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان﴾، فمن البيان تفصيل الحروف والوقف على ما قد تم والابتداء بما يحسن الابتداء به.
قال أبو جعفر وتبيين ما يجب أن يجتنب من ذلك ونؤلفه سورة سورة كما تقدم في كتبنا غير أنا نذكر قبل ذلك أشياء من فضائل القرآن وأهله، ونقصد من ذلك ما لم يكن مطرح الإسناد لأن الفضائل قد كثر فيها ما هو مطرح الإسناد ثم تذكره بعده باب صفة قراءة النبي ﷺ وتبينه إياها وإنكاره الوقف على غير تمام ونهيه عن خلط آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة ونذكر بعده باب مذاهب الصحابة والتابعين في التمام ونذكر بعده باب ما يحتاج إليه من حقق النظر في التمام وما انتهى إلينا من كلام الصحابة ومن بعدهم من القراء والعلماء والنحويين في التمام واختلافهم في ذلك وما هو أولى، قال أبو جعفر: ولست أعلم أحدًا من القراء والأئمة الذين أخذت عنهم القراءة له كتابًا مفردًا في التمام إلا نافعًا ويعقوب، فإني وجدت لكل واحد منهما كتابًا في التمام، وأما النحويون فلهم كتب سنذكر منها ما يحتاج إليه في هذا الكتاب، فمن النحويين سعيد بن مسعدة وسهل بن محمد وأحمد بن جعفر ولمحمد بن الوليد شيء قد كان عمله في التمام وفي كتب
[١/ ٢]
стр. 3
الكسائي والفراء وأبي عبيدة وغيرهم مما يحتاج إليه في هذا الكتاب وسيمر بك إن شاء الله.
وإن كان غير نافع ويعقوب من القراء قد ذكر في التمام شيئًا فليس يخلو أمره من أحد جهتين: إما أن يكون لهم شهرتهما وإما أن يكون ليس مثلهما كما قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن محمد بن رمح عن الليث بن سعد قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة ونافع بن أبي نعيم إمام الناس كلها في القراءة، قال وحدثنا أحمد بن صالح ويونس عن ابن وهب قال: قراءة نافع سنة وقرئ على بكر بن سهل عن عبد الرحمن عن أبي جعفر قال حدثنا ابن عيينة عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «سيأتي على الناس زمان يضربون أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد إلا عند عالم المدينة»، وقال مصعب قال ابن عيينة يرى أن الحديث يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة إنه مالك بن أنس.
وقرئ على أحمد بن شعيب عن علي بن محمد بن علي قال: حدثنا محمد بن كثير عن سفيان بن عيينة عن ابن جريح عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «يضربون أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة»، قال أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب، الصواب عن ابن جريح عن أبي الزبير عن أبي صالح، وأبو الزناد
[١/ ٣]
стр. 4
خطأ، قال وأرجو أن يكون العالم مالك بن أنس، قال أبو جعفر وإنما ذكرنا هذا لأن نافعًا ومالكًا كانا في عصر واحد بالمدينة.
وسمعت محمد بن أحمد بن أيوب يعرف بابن شنبوذ، يقول كان يعقوب بن اسحق الحضرمي إمام أهل البصرة في عصره في القراءات وكان يأخذ أصحابه بعدد الآي فإذا أخطأ أحدهم في العدد أقامه، قال ابن شبنوذ: حدثني بذلك أحمد بن محمد بن شيبة العطار البصري، قال: حدثنا محمد بن شاذان الطيالسي البصري وكان أكبر رجال يعقوب الحضرمي إلا ما شاء الله، قال: كنا نقرأ على يعقوب فيأخذنا بالعدد فإذا أخطأ أحدنا في العدد أقامه.
[١/ ٤]
стр. 5
باب ذكر أشياء من فضائل القرآن وفضائل أهله
قال أبو جعفر قرئ على أحمد بن سهل المروزي عن علي بن الجعد قال: حدثنا شعبه عن علقمه بن مرثد قال سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن أبي عبد الرحمن وهو عبد الله بن حبيب المقرى السلمي عن عثمان بن عفان ﵀ قال سعد: قلت عن النبي ﷺ ؟ قال: نعم، قال «إن خيركم من قرأ القرآن وعلمه»، قال أبو عبد الرحمن فذلك الذي أقعدني هذا المقعد.
وحدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال: حدثنا علي بن معبد قال: حدثنا أحمد بن اسحاق الحضرمي ويحيى بن اسحاق السيلحيني قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد: قال حدثنا عبد الرحمن بن اسحاق عن النعمان بن سعد قال: سمعت عليًا يقول: قال رسول الله ﷺ «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، ورواه شريك عن عاصم بن أبي النجود عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «خيركم من قرأ القرآن وأقرأه»، وقرئ على أحمد بن علي بن سهل عن علي بن الجعد قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة عن النبي ﷺ قال «مثل الماهر بالقرآن مثل
[١/ ٥]
стр. 6
السفرة الكرام البررة والذي يقرأه وهو عليه شاق ويتعهده فله أجران».
قال حدثنا أحمد بن علي وحدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: حدثنا مالك بن دينار قال: بلغنا أن الله يقول «إني أهم بعذاب خلقي أو عبادي فأنظر إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإسلام فيسكن غضبي».
حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن داود الأنباري بالأنبار قال: حدثنا حميد بن الربيع قال: حدثنا أبو هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «من تعلم القرآن وعلمه ولم يحرفه وأخذ بما فيه فأنا له شافع ودليل إلى الجنة».
وحدثنا ابن داود قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الجنيد قال: حدثنا أبو عاصم قال: قال رسول الله ﷺ «إقرأوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه أما أني لا أقول ألم حرف ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر فتلك ثلاثون».
قال حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا مروان بن معاوية عن عبد الملك بن ابجر عن المنهال بن عمر وعن قيس بن سكن قال: «تعلموا القرآن فإنه يكتب منه بكل حرف عشر حسنات ويكفر بها عشر سيئات أما أني لا أقول ألم (حرف) ولكن أقول ألف عشر ولام عشر وميم عشر».
[١/ ٦]
стр. 7
وقرئ على أحمد بن شعيب بن علي عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن قال: حدثنا عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة عن أبيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله أهلين من خلقه» قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال «هم أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، قال أبو جعفر يجب أن يكون أهل القرآن العاملين به إنما أنزل ليعمل به لا ليحفظ فقط، ومعنى هذا التأويل يروى عن عمر غير أنه قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان قال: حدثنا ابن معاوية قال: حدثنا الحجاج عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري (قل بفضل الله ورحمته)، قال: فضل الله جل وعز القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.
حدثنا محمد بن أحمد الأزدي قال: حدثنا يزيد بن سنان قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أبي مليح الهذلي عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال «أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المنين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل»، قال أبو جعفر: وهذا الحديث يبين لك أن تأليف القرآن عن رسول الله ﷺ كان مؤلفًا من ذلك الوقت وإنما جمع في المصحف على شيء واحد لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله ﷺ على تأليف القرآن وفيه أيضًا من العلم الدلالة على أن سورة الأنفال سورة على حدة وليست من براءة.
قال أبو بشر عن سعيد بن جبير: السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، وقال غيره سميت
[١/ ٧]
стр. 8
طوالا لطولها، والمنون ما كان فيها مائة آية أو قريب منها بزيادة أو نقصان، والمثاني لأنها ثنت المنين أي كانت بعدها، فالمنون لها أوائل والمثاني لها ثوان وقيل لتثنية الأمثال فيها والخبر وهذا يروى عن ابن عباس وسمى المفصل لكثرة الفصول التي بين كل سورة.
قرئ على عبد الله بن محمد بن عبد العزيز عن شيبان بن فروخ قال: حدثنا عمر بن الأبح عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه».
قال أبو جعفر: ولا يلتفت إلى قول من ازرى على معلمي القرآن فظاهر مذهبه الإلحاد به، وقد ازرى هذا الرجل على الخلفاء الراشدين المهديين وقصد أهل السنة وأهل الحديث الناقلين لسنن رسول الله ﷺ بالتنقص والسب وترك قول رسول الله ﷺ «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
وحدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي قال: حدثنا ابن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن الحكم بن هشام عن عبد الملك بن عمير قال: كان يقال أنقى الناس عقولاً قراء القرآن.
وقرئ على أحمد بن علي بن سهل عن محمد بن بكار قال: حدثنا
[١/ ٨]
стр. 9
أبو معشر قال: سمعت طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من تعظيم جلال الله جل وعز تعظيم حامل القرآن غير الجافي عنه ولا الغالي فيه وأن من تعظيم جلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وإكرام الإمام العادل».
وحدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي حدثنا ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحق عن مرة عن عبيد الله قال «من أراد العلم فلينشر القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين».
وحدثنا محمد بن أحمد بن جعفر قال: قال حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يفرض إلا لمن قرأ القرآن، وكان أبي ممن قرأ ففرض له.
وحدثنا محمد بن أيوب بن حبيب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير عن عبد الحميد عن الشيباني عن بشير بن عمرو، أن سعد بن أبي وقاص فرض لمن قرأ القرآن ألفين ألفين.
وحدثني محمد بن أيوب قال: حدثنا اسحاق قال: حدثنا إسماعيل بن نعيم قال: حدثنا العلاء بن عمرو قال: حدثنا خلف بن خليفة، حدثنا أبو هشام الرماني قال: سمعت زاذان يقول قال علي بن أبي طالب وابن عباس «ليس من مسلم قرأ القرآن إلا وله في بيت مال المسلمين في كل سنة مائتا دينار، فإن أخذها في الدنيا وإلا أخذها غدًا بين يدي الله ».
[١/ ٩]
стр. 10
وقرئ على أحمد بن شعيب عن إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «يقال لصاحب القرآن إقرأ وإرقا ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها».
[١/ ١٠]
стр. 11
باب ذكر صفة قراءة النبي ﷺ وتبيينه إياها وإنكاره الوقف على غير تمام وذكر تعلم أصحابه القرآن كيف كان
قرئ على بكر بن سهل عن شعيب بن يحيى قال: أخبرنا الليث عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكه عن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمه عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: وما لكم ولصلاته، كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلي قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح ونعتت له قراءته فإذا قراءته مفسرة حرفًا حرفًا.
وحدثنا محمد بن أيوب بن حبيب قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن أبي مليكه عن أم سلمة قال: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب
[١/ ١١]
стр. 12
العالمين»، ومعنى هذا الوقوف على رؤوس من الآيات، وأكثر أواخر الآي في القرآن تام أو كاف وأكثر ذلك في السور القصار الآي نحو الواقعة والشعراء أو ما أشبههما.
وحدثني محمد بن جعفر الأنباري حدثنا هلال بن العلاء قال: حدثنا أبي وعبد الله بن جعفر قالا: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد وهو ابن أبي أنيسه عن القاسم بن عوف البكري قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول لقد عشنا برهه من دهرنا وأن أحدنا ليؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأيت اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل، قال أبو جعفر فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون التمام كما يتعلمون القرآن، وقول ابن عمر: لقد عشنا برهه من الدهر يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة.
قال وحدثني أحمد بن محمد الأزدي حدثنا يزيد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان يعني الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفه عن عدي بن حاتم الطائي قال: جاء رجلان إلى النبي ﷺ فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله جل وعز ورسوله ﷺ فقد رشد ومن يعصهما
[١/ ١٢]
стр. 13
فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ «بئس الخطيب أنت فقم»، قال أبو جعفر كان ينبغي أن يصل كلامه فيقولك ومن يعصهما فقد غوى أو يقف على رسوله فقد رشد، فإذا كان هذا مكروهًا في الخطب وفي الكلام الذي يكلم به بعض الناس بعضًا، كان في كتاب الله جل وعز أشد كراهية وكان المنع من رسول الله في الكلام بذلك أوكد، والله نسأله التوفيق.
وقرئ على علي بن أحمد بن سليمان عن موسى بن سابق، حدثنا ابن وهب، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف إقرأوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا تختموا ذكر عذاب برحمة»، قال أبو جعفر: فهذا تعليم التمام توقيفًا من رسول الله ﷺ بأنه ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة والثواب ويفصل ما بعدها إن كان بعدها ذكر النار أو العقاب نحو ﴿يدخل من يشاء في رحمته﴾ ولا ينبغي (أن) يقول ﴿والظالمين﴾ لأنه منقطع عما قبله لأنه منصوب بإضمار فعل أي ويعذب الظالمين أو وعذب الظالمين.
[١/ ١٣]
стр. 14
باب ذكر من تعلم من الصحابة والتابعين في القطع والائتناف
قد ذكرنا حديث ابن عمر أنهم كانوا يتعلمون ما ينبغي أن توقف عنده كما يتعلم القرآن وإن هذا إجماع من الصدر الأول وقد روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان﴾، وقال: فانقطع الكلام وحدثنا أحمد بن محمد بن نافع، حدثنا سلمة، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتاده في قوله جل وعز ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما﴾، قال أنزل الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا فيجب على هذا أن لا يقطع عند عوج لأن قيمًا راجع إلى ما قبله.
وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا الحسن بن محمد حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: كل مؤمن صديق شهيد ثم قرأ ﴿أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾، وكذا يروى عن مجاهد قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل التمام عند ربهم وفيه قول آخر أن يكون
[١/ ١٤]
стр. 15
التمام أولئك هم الصديقون ويكون الائتناف ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ كما قال مسروق هي للشهداء خاصة.
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يستحب أن يقف ﴿قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ ثم يبتدئ فيقول ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾، أراد أن يفرق بين كلام الكفار وجواب الملائكة، وسئل علي بن أبي طالب ﵁ عن قول الله ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾، وقد رأينا الكافر يقتل المؤمن، فقال علي ﵁: اقرأ ما قبلها ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ يعني يوم القيامة، قال أبو جعفر: لما اتصل الكلام بما قبله تبين المعنى وعرف المشكل، وقد تأول بعض العلماء حديث جرير: بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم أنه ينبغي أن ينصح من علم القرآن فيقف الذي يعلمه على ما يحتاج إليه من القطع وما ينبغي أن يستأنف به.
ويروى عن ميمون بن مهران أنه أنكر الوقف على ﴿إنما نحن مصلحون﴾ ثم يقول: فيبتدئ ﴿ألا إنهم﴾، وكذا عن عمر بن عبد العزيز، فينبغي أن يتجنب القارئ مثل هذا، أنكره ميمون بن مهران ولا يقطع عند قوله ﴿وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين
[١/ ١٥]
стр. 16
آمنوا وعملوا الصالحات﴾، فلا يجوز الوقف على مثل هذا على أي حال من الأحوال، وإذا كان يصلي فالاستحباب له ألا يقطع في آخر الركعة إلا على كلام تام ولا يقف على ﴿إنما نحن مصلحون﴾ وهو رأس العشر في عدد أهل المدينة، ولكن التمام ﴿ولكن لا يشعرون﴾ وكذا لا يقف على رأس العشرين ﴿لعلكم تتقون﴾ لأن ﴿الذي جعل لكم﴾ من نعت (ربكم) ولكن يقطع إن شاء عند قوله ﴿أن الله على كل شيء قدير﴾ وإن شاء وقف على ما بعد العشرين وهو قوله ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، ولا ينبغي أن يحتج بأن نيته وإن وقف غير ذلك فإنه مكروه عند العلماء بالتمام والسنة وأقوال الصحابة تدل على ذلك، فقد أنكر النبي ﷺ على الرجل الذي خطب فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما، ولم يسأله عن نيته ولا ما أراد وأنكر النبي ﷺ على من قال ما شاء الله وشئت ولم يسأله عن نيته، وكذا القاطع على ما لم يجب أن يقف عليه وإن كان نيته غيره فإنه يكره ذلك له، وقد كره إبراهيم النخعي أن يقال لا والحمد لله ولم يكره أن يقول نعم والحمد لله، وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه
[١/ ١٦]
стр. 17
قال لرجل معه ناقة أتبيعها بكذا؟ فقال: لا عافاك الله، فقال: لا تقل هكذا ولكن قل لا وعافاك الله، فأنكر عليه لفظه ولم يسأله عن نيته.
[١/ ١٧]
стр. 18
باب ما يحتاج إليه من حقق النظر في التمام
ذكر لي بعض أصحابنا عن أبي بكر بن مجاهد أنه كان يقول: لا يقوم بالتمام إلا نحوي عالم بالقراءات عالم بالتفسير عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن، وقال غيره: يحتاج صاحب علم التمام إلى المعرفة بأشياء من اختلاف الفقهاء في أحكام القرآن لأنه من قال من الفقهاء لا تقبل شهادة القاذف وإن تاب فإن الوقف عنده ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ فمن روى عنه أن شهادة القاذف لا تجوز وإن تاب فإن الوقف عنده ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ فمن روى عنه أن شهادة القاذف لا تجوز وإن تاب ابن عباس من رواية عطاء الخراساني عنه وهو قول شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير والثوري، وقال أصحاب الرأي شهادة القاذف المحدود فيه لا تجوز أبدًا ومن قال تجوز شهادته إذا تاب كان الكلام عنده متصلاً والوقف عند ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ ومن روى عنه أن شهادة القاذف إذا تاب جائزة عمر بن الخطاب رواه الزهري عن ابن المسيب عن عمر وروى ابن أبي طلحه عن ابن عباس ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ قال: ثم قال ﴿إلا الذين تابوا﴾ قال: ومن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله
[١/ ١٨]
стр. 19
تقبل.
قال أبو جعفر وهذا قول طاووس ومجاهد وعطاء والزهري والشعبي وأبي الزناد ومالك والشافعي، واحتج الشافعي بأن الثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل اللغة إلا أن يعرف ذلك بخبر وليس عند من يزعم أنه لا تقبل شهادة أن الثنيا له خبر إلا عن شريح وهم يخالفون شريحًا برأي أنفسهم، قال أبو جعفر: ويحتاج إلى معرفة بالنحو وتقديراته، ألا ترى أنه من قال ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ منصوبة بمعنى كملة أبيكم إبراهيم وأعمل فيها ما قبلها، لم يقف على ما قبلها ومن نصبها على الإغراء وقف على ما قبلها ويحتاج إلى معرفة التفسير لأنه إذا وقف على ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾ كان المعنى أنها حرمت عليهم هذه المدة وإذا وقف على ﴿فإنها محرمة عليهم﴾ كان المعنى أنها محرمة عليهم أبدًا وأنهم يتيهون في الأرض أربعين سنة، فيرجع في هذا إلى التفسير ويكون الوقوف بحسب ذلك ويحتاج إلى المعرفة بالقراءات لأنه إذا قرأ ﴿ويقولون حجرًا محجورا﴾ كان هذا التمام عنده، وإن ضم الحاء وهي قراء الحسن فالوقف عنده (ويقولون حجرا) وكان الرجل من العرب إذا نزلت به شدة يقول حجرا فقيل لهم محجورا أي لا تعادون كما كنتم في الدنيا تعادون حجر الله جل وعز ذلك عليكم يوم القيامة، وإذا قرأ ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين
[١/ ١٩]
стр. 20
بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾، فهذا التمام عنده إذا نصب وهي قراءة نافع وعاصم والأعمش وحمزة، ومن قرأ (والعين بالعين) فرفعها ورفع ما بعدها فالوقف عنده (أن النفس بالنفس) وهذه قراءة الكسائي واختيار أبي عبيد واحتج بحديث الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾، قال أبو جعفر فعلى هذه القراءة والعين بالعين ابتداء حكم في المسلمين ويجعل ما كتب عليهم في التوراة أن النفس بالنفس ويوجب الحكم بالقصاص في العيون وما بعدها بين المسلمين بالآية.
وممن كان يرى القصاص من العين علي بن أبي طالب ﵁ وهو قول الشعبي ومسروق والنخعي وابن سيرين والزهري والحسن ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق كما روى الحكم عن يحيى بن جعده: أن أعرابيًا قدم بحلوبه إلى المدينة فساومه مولى لعثمان بن عفان فنازعه فلطمه ففقأ عينه، فقال له عثمان: هل لك أن أضعف لك الدية وتعفوا عنه، فأبى، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب ﵀، فدعا بمرآة فأحماها ثم وضع القطن على عينه الأخرى ثم أخذ المرآة بكلبتين فأدناهما من عينه حتى سال إنسان عينه.
قال أبو جعفر فقد صار في معرفة الوقف والائتناف والتفريق بين المعاني، فينبغي لقارئ القرآن إذا قرأ أن يفهم ما يقرؤه ويشغل
[١/ ٢٠]
стр. 21
قلبه به ويتفقد القطع والائتناف ويحرص على أن يفهم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وقفه عند كلام مستقر أو شبيه به وأن يكون ابتداؤه حسنًا ولا يقف على مثل ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى﴾ لأن الواقف هاهنا قد أشرك بين المستمعين، وبين الموتى والموتى لا يسمعون ولا يستجيبون وإنما أخبر عنهم أنهم يبعثون.
قال أبو جعفر ومن لم يعرف الفرق بين ما وصله الله جل وعز في كتابه وبين ما فصله لم يحل له أن يتكلم في القطع والائتناف، فقد ذكر بعض من ألف كتابًا في هذا أن الوقف ﴿ألم يأتكم نذير قالوا بلى﴾، قال أبو جعفر: وهذا غلط لأنه لا ينبغي أن يبتدئ بما بعده فيحتاج القارئ أن ينظر أين يقطع وكيف يأتنف، فإن من الوقف ما هو واضح مفهوم معناه، ومنه مشكل لا يدري إلا بسماع وعلم بالتأويل ومنه ما يعلمه أهل العلم بالعربية واللغة، فيدري أين يقطع وكيف يأتنف.
قال أبو جعفر وسأبين إن شاء الله ما يقطع عنده ويحسن الائتناف بما بعده في هذا الكتاب وهو كتاب القطع والائتناف في القرآن العظيم.
[١/ ٢١]
стр. 22
باب ذكر الأسانيد لما في هذا الكتاب
قال أبو جعفر كل ما قلنا فيه: عن نافع فإنا كتبناه عن أبي جعفر أحمد بن عبد الله ابن محمد بن هلال المقرئ يرويه عن إسماعيل بن عبد الله المقرئ، وأشعث بن سهل عن أحمد بن محمد عن سقلاب عن نافع بن أبي نعيم وكلما قلنا قال يعقوب فهو عن هرون بن عبد العزيز عن أبي القاسم العباس عن فضل المقرئ عن أحمد بن يزيد المقرئ عن زيد بن أخي يعقوب الحضرمي عن يعقوب، وما قلنا فيه قال أبو حاتم: فهو عن عبد الله بن الفرج يعرف بابن أبي روح عن أبي حاتم وما كان عن سعيد بن مسعدة فهو عن أبي بكر بن شقير، وما قلنا فيه، قال الكسائي: فهو عبد الله بن محمد القزويني عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم وراق خلف عن خلف عن الكسائي وما قلنا فيه قال الفراء فهو عن ابن جميل عن ابن الجهم عن الفراء، وما قلنا فيه قال ابن سعدان فهو عن أبي بكر المروزي عنه، وما قلنا فيه، قال أبو عبيدة فهو عن أبي يوسف يعقوب بن علي عن ولاد بن محمد عن المصادري عن أبي عبيدة وما قلنا فيه، قال خلف فهو عن البرائي عن خلف وإن ذكرنا غيرهم بينا ذلك في السورة.
[١/ ٢٢]
стр. 23
باب ذكر السور
فأول ذلك فاتحة الكتاب، قال أبو جعفر فيها: على قراءة المدنيين والبصريين ثلاثة مواضع القطع عليها والائتناف بما بعدها حسن، فالأول منها ﴿مالك يوم الدين﴾، والثاني ﴿وإياك نستعين﴾ والثالث آخر السورة.
قال أبو جعفر يدلك على ما قلنا الحديث المسند كما قرئ على أحمد بن شعيب عن سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله عن مالك قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن أبي القاسم قال: حدثنا مالك واللفظ له عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ «كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن هي خداج هي خداج هي خداج غير تمام»، فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام فغمز ذراعي فقال: اقرأ بها يا فراسي في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «قال جل وعز قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل»، قال رسول الله ﷺ «اقرأ يقول العبد ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ يقول الله جل وعز حمدني عبدي
[١/ ٢٣]
стр. 24
يقول العبد ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقول الله أثنى علي عبدي يقول العبد ﴿مالك يوم الدين﴾ يقول الله جل وعز مجدني عبدي، وهذه الآية بيني وبين عبدي، يقول العبد ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد ﴿إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل».
قال أبو جعفر فقد تبين التمام في هذه السورة من لفظ رسول الله ﷺ لأن التمام الأول هو آخر ما لله جل وعز خالصًا وهو (مالك يوم الدين)، والتمام الثاني هو آخر ما بين الله جل وعز وبين عبده وهو (وإياك نستعين)، والتمام الثالث آخر ما سأل العبد وهو (ولا الضالين).
وعلى قراءة الكوفيين فيها أربعة مواضع منهن هذه الثلاثة والرابع (بسم الله الرحمن الرحيم)، هذا تمام وهي قراءة جماعة ومنهم من يحتج لها بأشياء عن النبي ﷺ وعن أصحابه وعن التابعين وبإجماع المسلمين على نقلها متصلة بالسور بلا فرق بينها وبين السورة فهذا الاحتجاج بالإجماع.
وأما ما هو عن النبي ﷺ مما صح سنده فما رواه
[١/ ٢٤]
стр. 25
الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال آمين، وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، فإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، فلما سلم قال: أما والذي نفسي بيديه إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ، قال أبو جعفر: فهذا إسناده لا أعلم فيه علة.
وقرئ على جعفر بن محمد بن مستفاض الفاريابي عن إسحاق بن راهويه قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: حدثنا ابن جريج عن أبي مليكه عن أم سلمه قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ يقطع قراءته آية آية (بسم الله الرحمن الرحيم) ثم يقرأ (الحمد لله رب العالمين)، قال الفاريابي: وحدثني عبد الله بن محمد بن يوسف الفاريابي قال: حدثنا أبي حدثنا عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن عبد الرحمن بن أندي عن أبيه قال: صليت خلف عمر فجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال الفاريابي: وحدثني سليمان بن عبد الرحمن وهشام بن عمار قالا: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثنا عطاء الخراساني عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه أنه كان يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال الفاريابي: وحدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا أيوب عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يستفتح الصلاة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وإذا قال (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال الفاريابي حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا
[١/ ٢٥]
стр. 26
عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحن ما كنا نعلم بانقضاء السورة إلا بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) قال: فقلت لسعيد بن جبير: فأين الآية السابعة؟ قال: هي (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال الفاريابي: وحدثنا مزاحم بن سعيد قال: حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا ابن جريج قال: أخبرني أبي أن سعيد بن جبير أخبره أنه سأل ابن عباس عن قوله جل وعز (سبعًا من المثاني) فقال ابن عباس: سبعًا من المثاني أم القرآن، قال سعيد: ثم قرأها على ابن عباس وقرأ فيها (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال أبي قال سعيد: فقلت لابن عباس: فما المثاني؟ قال: هي أم القرآن استثناها الله جل وعز لأمة محمد ﷺ في أم الكتاب فادخرها لأمة محمد ﷺ حتى أخرجها لهم ولم يعطها أحد قبل أمة محمد ﷺ ، فقلت لأبي: أأخبرك سعيد بن جبير أن ابن عباس قال له (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من القرآن؟ قال: نعم، قال: وقال عطاء في أم القرآن هي سبع بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) والمثاني القرآن.
قال الفاريابي: وحدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الوارث عن حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه يستفتح القراءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، ويقول إنما استرقه الشيطان.
قال حدثنا الفاريابي، وحدثنا قتيبة حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن حنظلة عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: من ترك (بسم الله الرحمن الرحيم) فلم يقرأ بها في الصلاة فقد ترك آية من كتاب الله.
[١/ ٢٦]
стр. 27
قال الفاريابي: وحدثنا مزاحم بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا شعبة عن الأزرق بن قيس قال: صليت خلف ابن الزبير فجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) فلما قال (ولا الضالين) قال (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال الفاريابي: وحدثنا مزاحم بن سعيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود قال: رأيت سعيد بن جبير يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في كل ركعة.
قال الفاريابي: وحدثني أبو الإصبع عبد العزيز الحراني قال: حدثني عتاب بن بشير عن خصيف أن عطاء ومجاهدًا قالا: إذا أم الرجل القوم فليجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال أبو جعفر وقد عورضت هذه الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين بما رواه شعبة عن ثابت وقتادة عن أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم أسمعهم يجهرون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال أبو جعفر، فهذا فيه غير جواب منها أنه قال لم أسمعهم وقد سمعهم غيره ولا حجة للنافي مع المثبت، ومنها ألا يجهروا ويسروا، ومنها أن أنسًا لما روى أنه لم يسمع الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم).
وروى أبو هريرة الجهر كان الحديثان غير متناقضين ويكون الجهر والإسرار جائزين، وكذا قال الحكم وإسحاق بن راهويه، إلا أن إسحاق قال الجهر أحب إلي، وأما الحديث فإنه كان يستفتح القراءة بـ (الحمد لله رب العالمين) فيحمل معناه أنه يراد بهذه السورة كما تقول سورة البقرة والذين قالوا لا يستفتح بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) قد أجازوا ذلك، فقال مالك أن أستفتح بها في
[١/ ٢٧]
стр. 28
أول السور في شهر رمضان جاز ذلك، وقال أبو حنيفة يستفتح بها سرًا عند استفتاح الصلاة على أنه قد صح ذلك عن من تقوم به الحجة، قال أبو جعفر: وقد ذكرنا المسند وقد روى ذلك عن تسعة من الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وعمار وشداد بن أوس وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبي هريرة ومن التابعين والفقهاء الزهري وعطاء وطاووس وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن سيرين وأبو إسحاق والحكم وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد.
قال أبو جعفر وفي أم القرآن خمسة أتمه على قراءة محمد بن السميفع منها الأربعة التي ذكرناها والخامس (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) هذا التمام على قراءته لأنه يقرأ (مالك يوم الدين)، فيبتدئ النداء وفيه معنى التواضع (كما قرئ) ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾.
قال أبو جعفر ولو لم يذكر إلا هذا في هذه السورة لكان كافيًا ولكنا نزيد ذلك شرحًا ليدل على ما بعده لا ينبغي أن يقف على (بسم) لأنه مضاف إلى ما بعده والمضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد والقطع على (بسم الله) جائز إلا أن الائتناف بما بعده لا ينبغي لأنه نعت، وكذا الوقف على (الرحمن) والتمام (بسم الله الرحمن الرحيم) ولا يقف على (الحمد) لأنه مبتدأ لم يأت خبره والوقف
[١/ ٢٨]
стр. 29
على (الله) جائز إلا أنه لا ينبغي أن يفعل ذلك لأن قوله (رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) نعت وهذا التمام، ولا قف على (إياك) لأنه في موضع نصب بـ (نعبد) ولا (نعبد) لأن ما بعده معطوف عليه والتمام (نستعين)، ولا يقف على (إهدنا) لأن الصراط منصوب به ولا على (الصراط) لأن المستقيم نعت له، ولا على (المستقيم) لأن ما بعده بدل ولا على (الذين) لأن ما بعده من صلته ولا على (عليهم) لأن (غير) بدل من (الذين) أو نعت أو نصب على الحال والائتناف فكذا أيضًا ولا على (المغضوب) لأن الذي يقوم له مقام الفاعل بعده، والتمام (ولا الضالين).
[١/ ٢٩]
стр. 30
سورة البقرة
من ذلك قوله جل وعز وعن ﴿الم﴾ في القطع عليها والائتناف بما بعدها أربعة أقوال: منهن أن فيها ثلاثة أتمة، والقول الثاني: أن القطع على (الم) كاف وليس بتمام والقول الثالث: أن القطع عليها ليس بتام ولا كاف والقول الرابع: أن القطع على (الم) تمام).
قال أبو جعفر وهذه الأقوال يبينها كلام العلماء في التفسير، ونحن نشرح ذلك حتى يتبين معناها ويكون ذلك دالاً عليها وعلى غيرها من أشباهها ونعزوا كل قول إلى قائله، قال الأخفش سعيد بن مسعدة: ألف تمام، لام تمام، ميم تمام، ومذهب أبي عبيدة أن مجازها مجاز حروف الهجاء، ومذهب الكسائي، أنها حروف التهجي قال أبو جعفر: فهذا قول وليس عندي بصواب لأنها في المصحف موصولة فلا يجوز قطعها كما لا يجوز مخالفة ما في المصاحف ولا تمام في كتاب الله جل وعز منها شيئًا مقطوعًا إلا ﴿حم عسق﴾ والعلة في قطعها دون غيرها أن الحواميم، سبع فلما تكررت وزيد في إحداهن شيء كان منفصلاً، والقول الثاني قول أبي حاتم قال: (الم) كاف وليس بتمام وعلته في هذا أنه زعم أنه لم يدر ما معنى حروف المعجم، فجعل الوقف كافيًا لأن ما بعدها مفيد ولم يجعله تامًا لأنه إذا وقف عليه لم يعرف معناه.
والقول الثالث أن الوقف على (الم) ليس بتام ولا كاف في مذهب
[١/ ٣٠]
стр. 31
الفراء، لأن المعنى عنده حروف المعجم يا محمد ذلك الكتاب، واجتزئ ببعضها من بعض، قال أبو إسحاق: هذا خطأ لو كان كما قال لكان بعدها أبدًا (ذلك الكتاب) أو ما أشبهه، وقول عكرمة (الم) قسم، يوجب أن لا يكون تمامًا لأن القسم متعلق بما بعده، وكذا قول قطرب إنما جيء بها ليتلى عليهم ما بعدها، وكذا قول محمد بن يزيد أنها تنبيه.
والقول الرابع أن (الم) تمام وقول أبي إسحاق كان يذهب إلى أن كل حرف منها يفيد معنى، وقول أبي الحسن بن كيسان أن (الم) تمام إلا أن تقديره خلاف تقدير أبي إسحاق لأن أبا إسحاق يقدره بمعنى: أنا الله أعلم، وابن كيسان يقدره اسمًا للسورة، قال (الم) في موضع نصب بمعنى اقرأ (الم) أو عليك (الم) قال: ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى هذا أو هو أو ذلك (الم) وقولاهما جميعًا موجود في التفسير، فأما قول أبي إسحاق فروى عن ابن عباس، كما حدثنا عبيد الله بن إبراهيم البغدادي، حدثنا حفص بن عمر بن الصباح، حدثنا أبو نعيم، حدثناش ريك عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله (الم) قال: أنا الله أعلم، و (المر) قال: أنا أرى، و (المص) أنا الله أفصل.
وقول ابن كيسان يروى معناه عن قتادة كما حدثنا أحمد بن محمد بن
[١/ ٣١]
стр. 32
نافع قال: حدثنا سلمة، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة في قوله جل وعز (الم) قال: اسم من أسماء القرآن، قال أبو جعفر: فقد صار على هذين القولين التمام (الم) وهي أولى ما قيل في ذلك وكل ما في القرآن من نظيره فهو مثله في قول الجماعة الذين ذكرناهم وأطلنا شرحه لأن له نظائر ولا نعلم أحدًا صنف كتاب تمام فجمع هذه القوال كلها فيه بشرحها وبالله التوفيق.
(ذلك) ليس بموضع قطع لأنه لا يفيد إلا بما بعده و (الكتاب) فيه تقديرات ستة: على ثلاثة منها يكون التمام ﴿ذلك الكتاب﴾ على أن يكون ما بعده مستأنفًا فمن التقديرات أن يكون ذلك مرفوعًا بالابتداء و (الكتاب) خبره وهذا قول أبي حاتم وقال: ومثله ذلك، وقال أبو عبيدة ذلك بمعنى هذا وأنشدوا:
أقول له والرمح يأطر متنه = تأمل خفاقًا أنني أنا ذلكا
أي: أنا هذا، قال أبو جعفر وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: لا يكون ذلك بمعنى هذا لاختلاف معنيهما قال: والمعنى أنى ذلك الذي سمعت به.
والتقدير الثاني: هذا ذلك الكتاب الذي كنتم ترجونه، وهذا قول محمد بن يزيد قال: ويدل عليه ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾.
[١/ ٣٢]
стр. 33
والتقدير الثالث هذه الحروف ذلك الكتاب وهذا قول الفراء.
قال أبو جعفر: فالقطع على هذه الأقوال الثلاثة (ذلك الكتاب) فأما التقديرات الثلاثة الأخر فإنه يكون الكتاب نعتًا لـ (ذلك) و ﴿لا ريب فيه﴾ الخبر، وهذا قول الأخفش سعيد حكاه عنه أبو حاتم قال: كذا قال معلمنا الأخفش وليس كما ظن واحتج بقوله جل وعز ﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ لأنه ليس بعده (لا ريب فيه) قال أبو جعفر: وهذا لا يلزم لأنه إذا كان بعده (لا ريب فيه) فهو خبر وإذا لم يكن ذلك بعده فالخبر غيره.
والتقدير الثاني: أن يكون ﴿هدى للمتقين﴾ الخبر، والتقدير الثالث أن يكون الخبر (لا ريب فيه) لأن معناه حق.
قال نافع: لا ريب تمام ورد هذا عليه أحمد بن جعفر قال: لأنه لا بد من عائد وهذا لا يلزم، قد حكى البصريون: لا بأس، وحكى الكوفيون: إن زرتني فلا براح فيجوز أن يكون (لا ريب) التمام وبحذف الخبر، وقد قرأ أبو عبد الرحمن: ﴿قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول﴾ ويجوز أن يكون (لا ريب) التمام لأن معناه حق ويكون ﴿فيه هدى للمتقين﴾ مستأنفًا، ويجوز أن يكون التمام (لا ريب فيه هدي للمتقين) المبتدأ والخبر (للمتقين) ويجوز أن يكون بمعنى: هو هدى للمتقنين، وفي المتقين تقديرات
[١/ ٣٣]
стр. 34
تكون تمامًا على أن يجعل (الذين) في موضع رفع بالابتداء ويكون الخبر ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا أي الذين يؤمنون بالغيب هم المذكورون، ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين.
قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يستحب أن يقطع عند (المتقين) لأنه رأس آية ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين يؤمنون بالغيب، فإن جعلت (الذين) نعتًا لـ (المتقين) أو بدلاً منهم لم يتم الكلام على (المتقين)، والذي قاله علي بن سليمان حسن لأن (المتقين) مع أنه رأس آية كلام مفيد على مذهب الحسن أن المعنى الذين يتقون الله جل وعز بأداء حقه يجعلونه بينه وبينهم حاجزًا من عذابه ومانعًا من عقابه والتقى والتقوى والتقيه في اللغة الخوف، قال ﴿فاتقوا النار ... ﴾ الآية، وأنشد الأصمعي:
ألا تتقون الله يا آل عامر = وهل يتقي الله الإبل المصمم
والإبل: الفاجر، والإبل: الضعيف الحيله، والمصمم: الذي يمضي على ما هو فيه (الذين) لا يوقف عليه لأنه اسم ناقص ولا على (يؤمنون) لأن (بالغيب) من تمامه ولأن (يقيمون) معطوف عليه داخل في الصلة معه وكذا ﴿ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون﴾ إن جعلناه معطوفًا على (الذين) الأول أو على
[١/ ٣٤]
стр. 35
(للمتقين) أو على المضمر لم تقف على (ينفقون) وإن جعلناه مبتدأ أوقفت على (ينفقون) وابتدأت ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ ويكون الخبر ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ هاهنا القطع، وهو أتم ما مر من أول السورة إليه يدلك على ذلك ما حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام قال: حدثنا أبو الأزهر، حدثنا روح قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيج عن مجاهد قال: من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وبعدها آيتان في نعت الكافرين، وبعدهما ثلاث عشرة آية في نعت المنافقين.
قال أبو جعفر: فهذا أحسن من قول مجاهد وهذه التمامات الثلاثة من أحسن ما في هذه الآيات ﴿إن الذين كفروا﴾ إلى قوله جل وعز ﴿لا يؤمنون﴾ فيه تقديرات ثلاثة إن جعلت (لا يؤمنون) خبر إن فالقطع عليه وإن جعلت ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ الخبر كان الوقف على (أم لم تنذرهم) كافيًا غير تمام، والتقدير الثالث أن يكون القطع (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) ثم يبتدئ (هم لا يؤمنون) يكون (هم) في موضع رفع بالابتداء و (لا يؤمنون) الخبر، والأولى أن يكون القطع (لا يؤمنون) ويكون كافيًا.
قال أبو العاليه: أنزل الله ﵎ في قادة الأحزاب ﴿إن
[١/ ٣٥]
стр. 36
الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾، فلم يكن في قادة الأحزاب نجيب ولا ناج ولا مهتد ولا أسلم منهم أحد إلا رجلان وكانا مغموصًا عليهما في دينهما أحدهما أبو سفيان والآخر الحكم بن أبي العاص ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، قال الأخفش سعيد ويعقوب هذا التمام، قال الأخفش: ولو وقف على (قلوبهم) كان أيضًا تمامًا، قال أبو جعفر: إذا وقف على (ختم الله على قلوبهم) وقدره بمعنى وختم على سمعهم لم يكن على قلوبهم تمامًا لأن الثاني معطوف عليه، وإن قدر أن الختم على القلوب خاصة فهو تمام، ويقوى هذا أن مجاهدًا قال: أن الذنوب تحيط بالقلب فإذا أحاطت به كله فذلك الطبع.
قال أبو جعفر الطبع والختم واحد والرين دون ذلك والأقفال أشدها فإن قيل فإن كان الثاني معطوفًا على الأول فلم لم يكن وختم الله على قلوبهم وسمعهم ففي هذه ثلاثة أجوبة منها أن إعادة الحرف لمعنى المبالغة في الوعيد، والجواب الثاني أن السمع لما كان واحدًا والقلوب جماعة أعيد الحرف، والجواب الثالث أن المعنى وختم على سمعهم فحذف الفعل وقام الحرف مقامه.
وروى المفضل عن عاصم ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ بالنصب، وقدر الكسائي أن المعنى (وجعل على أبصارهم غشاوة) فعلى هذا التقدير يكون (وعلى سمعهم) كافيًا، وأجاز الكسائي أن يكون التقدير (وختم على أبصارهم غشاوة) فعلى هذا القطع على ﴿غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾، تمام حسن لأنه قد انقضت
[١/ ٣٦]
стр. 37
القصة في الكافرين وابتدأت قصة المنافقين.
كما حدثنا أبو علي محمد بن جعفر بالأنبار قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل حدثنا عمر وحدثنا أسباط بن نصر عن السدي ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ قال: هم المنافقون.
قال أبو جعفر (ومن الناس) ليس بقطع لأنه لا يفيد إلا ما بعده وكذا (من) لأن (ما) بعدها داخل في صلتها وكذا يقول لأن ما بعده محكى وكذا (آمنا بالله) متصل به وباليوم الآخر كافي، وكذا (وما هم بمؤمنين) إن جعلت (يخادعون) مستأنفًا وإن قدرته في موضع الحال بمعنى مني قول آمنا مخادعين كان الوقف (والذين آمنوا) كافيًا غير تمام ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ كافي، وكذا (وما يخادعون)، وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى واحد ورويت قراءتان أخريان (وما يخادعون إلا أنفسهم)، كذا رواها أبو حاتم قال كما يقول غبن فلان رأيه، وروى عن يعقوب أنها قراءة شاذة ورواها أحمد بن يحيى (وما يخدعون إلا أنفسهم) بالرفع، قال أبو جعفر قد أجاز سيبويه مثل هذا وأنشد:
لبيك يزيد ضارع لخصومة = وأشعث ممن طوحته الطوائح
أي يبكيه ضارع وكذا التقدير بخدعهم أنفسهم كما نقول: ضرب يزيد عمرو وأي ضربه عمرو والوقف واحد، (وما يشعرون) تمام
[١/ ٣٧]
стр. 38
﴿في قلوبهم مرض﴾ قطع كاف ﴿فزادهم الله مرضا﴾ تمام ﴿ولهم عذاب اليم﴾، ليس بوقف لأن ما بعده متصل به وكذا إن كان (أليم) بمعنى مؤلم فليس بوقف أيضًا و (أليم) بمعنى مؤلم قول يقوله بعض النحويين على تساهل، والحقيقة أنك إذا قلت عذاب مؤلم جاز أن يكون قد ألم ثم زال.
و(أليم) أبلغ لأنك تخبر أنه ملازم ولهذا منع النحويون إلا سيبويه أن يتعدى «فعيل» (بما كانوا يكذبون) بآيات الله ورسله و (يكذبون) قطع حسن أيضًا أي يكذبون في نحو قولهم (آمنا) (وإذا) ليس بوقف كاف لأنها تشبه حروف الشرط فهي تحتاج إلى ما بعدها ﴿قيل لهم﴾ ليس بكاف لأن ما بعدها محكى وكذا القول في جميع القرآن ﴿لا تفسدوا في الأرض﴾ ليس بكاف لأن بعده جواب (إذا) قال أبو حاتم ﴿قالوا إنما نحن مصلحون﴾ وقف كاف والتمام ﴿ولكن لا يشعرون﴾.
قال أبو جعفر وكذا قول أصحاب التمام يقولون (مصلحون) ليس بتمام ولا يقفون عليه وهكذا سبيل الكلام إذا حكى عن قوم وهو مردود عليهم، والتمام بعد أن يأتي الرد عليهم، وكذا التمام ﴿ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾.
قال أبو حاتم ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن
[١/ ٣٨]
стр. 39
كما آمن السفهاء﴾ وقف كاف والتمام (ولكن لا يعلمون) قال أبو جعفر: هذا قريب مما قبله ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ قطع صالح ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ ليس بقطع كاف لأن الائتناف بما بعده لا يحسن.
قال أبو حاتم (مستهزءون) ليس بوقف صالح لأنه لا يستأنف ﴿الله يستهزئ بهم﴾ ولا يستأنف ﴿ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، قال: والتمام ﴿في طغيانهم يعمهون﴾، وقال يعقوب هو وقف كاف، الذي قاله يعقوب صواب على قول من قال معنى (الله يستهزئ بهم) بجهلهم وبغيهم، قال الله ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها﴾ أي تعاب، ومن قال معنى (الله يستهزئ بهم) يجازيهم على استهزائهم كان الوقف عنده ﴿يعمهون أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ وقف صالح وكذا ﴿فما ربحت تجارتهم﴾، والتمام ﴿وما كانوا مهتدين﴾. قال الأخفش سعيد: وأما قوله جل وعز ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ فالتمام فيه عند قوله جل وعز ﴿حذر الموت
[١/ ٣٩]
стр. 40
والله محيط بالكافرين﴾ لأنه أراد ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا ... أو كصيب من السماء﴾ كما تقول أنت كزيد أو أخيه، ولو قلت أنت تريد ذلك المعنى أنت كزيد ولم تذكر الأخ لم يجز السكوت عليه ولم يكن تامًا.
قال أبو جعفر هذا الذي ذكره الأخفش لا يكاد يبلغه نفس واحد ولا يصل إليه، وقد ذكر في غير هذا الموضع إن قوله جل وعز ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ لا يتم الكلام حتى يأتي بقوله جل وعز ﴿أو كصيب من السماء﴾ كما تقول ضربت زيدًا أو عمروًا فلا يجوز إذا أردت هذا المعنى أن تقول ضربت زيدًا أو تسكت فينقلب المعنى، قال أبو جعفر وهذا الذي قاله يخالف فيه لأن قولك ضربت زيدًا أو عمروًا شك وليس كذا الآية لأن معناها والله أعلم الإباحة أي مثلوهم بذا أو بذا، فإذا كان الأمر على هذا كان الوقف على ﴿ذهب الله بنورهم﴾ صالحًا ﴿وتركهم في ظلمات﴾ ليس بوقف كاف لأن ﴿لا يبصرون﴾ في موضع الحال.
قال الأخفش وإذا أردت التمام في قوله ﴿صم بكم عمي﴾ كان كل واحد منهما تامًا وهذا خلاف قوله الأول فيكون الوقف على هذا ﴿لا يبصرون﴾ وإن شئت وقفت على (صم) بمعنى هم صم وإن شئت وقفت على (بكم) وإن شئت وقفت على (عمي) يقول الوقف على (لا يبصرون) تام وكذا (عمي) وهذا مذهب
[١/ ٤٠]
следующие страницы →