Полный текст (163 стр.). Показаны 141–163 · переход к 146.
стр. 141
مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴿[النمل: ٦] , ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ﴿[فصلت: ٤١ - ٤٢] , ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤ (﴾ [الزخرف: ٤] , ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١] , ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيم (٧٦)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] , ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين (٨٠)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠] , ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١] , ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦] , ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾ [طه: ٤] , ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] , ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢ (﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي مدح الله تعالى فيها القرآن.
فصل
(في أسمائه التي سمّاه الله تعالى بها)
وهي: علي حكيم, كتاب حكيم, كتاب عزيز, كتاب مبارك, كتاب مبين, كتاب منير, بشير نذير, روح, نور, موعظة من ربكم وشفاء لما في
стр. 142
الصدور, نبأ عظيم, هدى ورحمة وبشرة للمسلمين, كتاب الله, كلام الله, حبل الله, ذكر حكيم, ذكر للعالمين, ذكر مبارك, قرآن عجب, قرآن عربي غير ذي عوج, قرآن حكيم, قرآن مبين, قرآن عظيم, قرآن كريم, قرآن مجيد, فرقان, تبيان لكل شيء, تفصيل لكل شيء, أحسن الحديث تنزيل العزيز الرحيم, تنزيل رب العالمين, تنزيل من حكيم حميد.
فصل
(في مدائحه الواقعة في الحديث)
ومن شاء فلينظر إلى كتاب فضائل القرآن من مشكاة المصابيح. قال في الرعاية: عن عثمان ﵁ قال, قال رسول الله ﷺ : «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه». وكان أبو عبد الرحمن يجلس لإقراء القرآن ويقول: هذا الذ أجلسني هذا المجلس-يريد الحديث الذي ذكرناه-. وعنه ﵇ أنه قال: «من جمع القرآن فظن أن أحداً أغنى منه فقد حقر عظيماً وعظم حقيراً» , انتهى.
قال الإمام الجعبري في شرح الشاطبية, قال حمزة -يعني أحد أئمة
стр. 143
القراءات - رأيت في منامي كأني عرضت على الله فقال: يا حمزة اقرأ ما علمتك فوثبت قائماً, فقال لي: اجلس فإني أحب أهل القرآن, فقرأت حتى بلغت سورة﴾ يس ﴿فدعا بسوار من ذهب فسورني به فقال: هذا بقراءتك القرآن, ثم دعا بمنطقة فمنطقني بها, فقال: هذا بصومك, ثم توّجني بتاج, ثم قال: هذب بإقرائك الناس القرآن, يا حمزة لا تدع تنزيلي فإنه أنزلته إنزالاً, انتهى.
يقول البائس الفقير: فقد رأينا بعض ما يسمى "بالتكميل" لا يقدر على قراءة القرآن قد ما تجوز به صلابته, وهو قد يتصدى (للتقوى) , وقد هدم التقوى من أساسها, ويتورع عن الشبهات ويفسد الصلوات كل يوم خمس مرات, ويتخذ من القرآن ورداً, يريد أن يعبد الله بالسيئات, ثم إنه يستحي من الناس أن يقعد مع العمامة الكبرى وراء العلماء بين يدي معلم من أهل الآداء, إذ ذلك من وظائف المبتدئين, وهو قد صار من المدرسين الفضلاء. ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]. قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وبعض من لا يقدر على تلاوة القرآن على شريطة التجويد من الطلبة المشتغلين بمثل الصرف أو النحو أو المنطق أو الفلسفة, إذا حرضته على تعلم
стр. 144
القرآن من الشيخ المجود يتعلل بأن وقتي لا يفضل عن درسي, فهذا اعتذار ينبغي أن يتأمل [فيه].
стр. 145
خاتمة
ما يتعلق بالفلسفة وفيه فصول
الفصل "الأول": (في بيانها)
قال [صاحب] إغاثة اللهفان: الفلسفة معناها محبة الحكمة, والفيلسوف أصله فيلاسوفا أي محب الحكمة, ففيلا هو المحب وسوفا هي الحكمة. والحكمة نوعان: قولية وفعلية.
فالقولية: قول الحق. والفعلية: فعل الصواب.
والفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة, انتهى.
أقول: يعني الفلاسفة جمع فلسفي, معناه منسوب إلى محبة الحكمة, تجمع على فلاسفة كأشاعرة, وبيان هذا الجمع في شروح الشافية, ثم قال: وقد صار اسم الفلاسفة في عرف كثير من الناس مختصاً بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلاّ إلى ما يقتضيه العقل في زعمه, وأنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو وهم المشّاؤون خاصة. وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم- يعني في كتابه الشفا وغيره-.
стр. 146
ثم قال: أول من عرف عنه القول بقدم العالم أرسطو, وكان مشركاً يعبد الأصنام, وله في الإلهيات كلام كله خطأ من أوله إلى آخره, وقد تعقبه بالرد عليه طوائف المسلمين, انتهى.
أقول: ثم صارت الفلسفة إسماً للفن. قال في الإحياء: وأما الفلسفة فهي ليست عِلماً برأسها, بل هي أربعة أجزاء, أحدهما: الهندسة والحساب وهما مباحان. الثاني: المنطق وهو داخل في الكلام. والثالث: الإلهيات وهي بحث عن ذات الله تعالى وصفاته وهي داخلة في الكلام, والفلاسفة انفردوا فيها بمذاهب بعضها كفر وبعضها بدعة. والرابع: الطبيعيات وهي بحث عن الأجسام الطبيعية, - بسيطة: وهي الأفلاك والعناصر.- أو مركبة: وهي المعادن والنبات والحيوان. وبعض مباحث الطبيعيات مخالف للدين الحق, انتهى.
أقول: والطبيعيات أيضاً داخلة في الكلام, ومعنى دخولها فيه, أن الكلام باحث عن الأجسام الطبيعية البسيطة والمركبة على وفق العقل والشرع, وكذا باحث عن الإلهيات على وفقهما, وتقييد الجسم بالطبيعي.
стр. 147
احتراز عن الجسم التعليمي, وهو عبارة عن مقدار له ثلاثة أبعاد, طول وعرض وعمق, لأن ذا يبحث عنه في الهندسة والجسم الطبيعي: عبارة عما قام به ذلك المقدار. وجعل الغزالي الفلسفة في كتابه المسمى بـ "المنقذ من الضلال" ستة أقسام, وجعل الخامس السياسة, وهي بحث عن المصالح المتعلقة بالأمور الدنيوية والإيالة السلطانية. والسادس خُلقية - بضم الخاء المعجمة- وهي البحث عن الأخلاق. قال: وجمع كلامهم فيها يرجع إلى حصر أخلاق النفس وذكر جناسها وأنواعها وكيفية اكتساب فضائلها واجتناب رذائلها, وإنما أخذوها من كلام الصوفية المتألهين المثابرين على ذكر الله تعالى, ومخالفة النفس والهوى, ومزجوها بكلامهم توسلاً بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم, ولقد كان في عصرهم جماعة من المتألهين أتباع الأنبياء, انتهى.
وذكر في المنقذ-الرياضيات- بدل الهندسة والحساب وهي أشمل لشمولها الهيئة. وقال في المنقذ: إن كلام الفلاسفة في الرياضيات برهاني, وفي الإلهيات تخميني, وقال فيه: وأما الإلهيات ففيها أكثر أغاليطهم. ومجموع ما غلطوا فيها يرجع إلى عشرين أصلاً يجب إكفارهم في ثلاثة منها, وتبديعهم في سبعة عشر, وقد أبطلنا جميعها في كتابنا المسمى: بـ "تهافت الفلاسفة". وأما الثلاثة: فقولهم بأن الأجسام لا تحشر, وأن الله تعالى لا يعلم الجزئيات بل الكليات فقط, وأن العالم قديم, إلى آخر ما قال ....
стр. 148
يقول العبد الفقير, وأشدّ ما يجب إكفارهم فيه قولهم بالعقول العشرة, وإسناد جميع المخلوقات إلى العقول العشرة, قالوا: إن الله تعالى لم يخلق إلا العقل الأول- لعنوا بما قالوا- فهم في قولهم بالعقول المذكورة أشد شركاً من عبدة الأوثان, إذ عبدة الأوثان لا يعتقدون للأوثان خلقاً وإيجاداً, وإنما يعتقدونها شفعاء عند الله فيعبدونها طمعاً في شفاعتهم.
وقال في المنقذ: لما كان كلام الفلاسفة في الرياضيات أموراً برهانية لا سبيل إلى جحدها, ربما يظن الناظر فيها أن كلامهم في الإلهيات كذلك فيعتقد بها ويكفر بالتقليد المحض. ولهذا ينبغي زجر كل من يشرع في الرياضيات عن الخوض فيها, وكل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينخلع من رأسه لجام التقوى. وقال فيها: وأما المنطقيات فليس فيها ما ينبغي أن ينكر, بل هو من جنس ما ذكره المتكلمون في مباحث النظر, وإنما يفارقونهم ببعض الاصطلاحات وبزيادة استقصاء الفلاسفة فيها, انتهى.
قوله: كلام الفلاسفة في الرياضيات برهاني, فيه نظر, لأن بعض
стр. 149
كلامهم في الهيئة تخميني, كما قال البيضاوي عند قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] إن قيل: [أليس] أن أصحاب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك, قلت: فيما ذكروه شكوك ... إلى آخر ما قال. واعترض صاحب المواقف على كثير من أدلة الفلاسفة على مسائل الهيئة, ودفع هذا النظر: أن هيئة الفلاسفة كانت في الأول بحثاً عن الدوائر الموهومة, وهي الهيئة المخلية وأدلتها برهانية البتة, وهذا مراد الغزالي, ثم جعل متأخرو الفلاسفة الهيئة بحثاً عن الأجسام العلوية والسفلية, وهي الهيئة المجسمة وبعض مسائلها تخميني.
الفصل "الثاني": (في نقل ما ذكره العلماء في ذم الفلسفة والفلاسفة)
والمراد من الفلسفة هنا هي الطبيعة والإلهية, خصوصاً الإلهية, لأن أكثر أغاليطهم فيها سبق نقلاً عن الغزالي. فنقول: أول من ذم الفلاسفة هو الله تعالى, قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣] وأحد وجوه تفسير هذه الآية أن يراد من العلم علوم الفلاسفة والدهريين من بني يونان, وكانوا إذا سمعوا بوحي الله تعالى دفعوه وصغّروا علوم الأنبياء إلى علمهم. وعن
стр. 150
سقراط أنه سمع بموسى ﵇, وقيل له لو هاجر [ت] إليه, فقال: نحن ثوم مهذبون فلا حاجة إلى من يهذبنا, كذا في الكشاف والمدارك.
قال التفتازاني في رد الفصوص: إن الفلاسفة هم السفهاء والكفرة والأشقياء المنكرون للشرائع والنحل والجاحدون لتفاصيل الأديان والملل, القائلون: إنها نواميس مرلفة لانتظام أمور الورى وحيل مزخرفة لا حقيقة لها.
عليهم لعنة الله والملائكة والناس تترى انتهى.
وقال الطيبي في حاشية الكشاف: قال الشيخ شهاب الدين التوربشتي في وصية لبعض أصحابه: أوصيه أن يسد سمعه عن أباطيل الفلاسفة فضلاً عن الإصغاء إليها, ثم إنها لا تثمر إلا الهوان في الدنيا والخزي في الآخرة نعوذ الله من ذلك, انتهى.
وقال صاحب المواقف بعد نقله اختلافات الفلاسفة في النجرة: الغرض من نقل هذه الاختلافات إبداء ما ذكروه من الخلافات ليتحقق ويتبين للعاقل الفطن أنه لا يثبت لهم فيما يقولونه ويعتقدون ولا محول على ما ينقلونه عن أوائلهم, وإنما هي خيالات فاسدة وتمويهات باردة يظهر ضعفها بأوائل النظر ثم البعض بالبعض يعتبر, انتهى.
стр. 151
قال الغزالي في المنقذ: وجب الحكم بكفر أرستطاليس ومن قبله من الفلاسفة كأفلاطون وسقراط وغيرهم, وكفر متبعيهم من متفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وأمثالهم.
إن قلت: منون أمثالهم؟ قلت: الذين يحبون الفلسفة ويخوضون فيها ويسمونها حكمة على طريق التعظيم, مثلما يعظمون علوم الشريعة ويعظمون الفلاسفة ويسمونهم الحكماء تعظيماً لهم كتعظيم مشايخ الدين أو كتعظيم النيين. ويفتخرون بما حصلوه من الفلسفة ويستجهلون من عري منها في علوم الشريعة. فورب السماء والأرض إن هؤلاء هم المتفلسفون الكفرة, وقد وجدت من أمثالهم في عصر أخي جلبي فقال فيهم في ديباجة حاشية كتاب صدر الشريعة: إن الفقه قلت الرغبة إليه عند المتفلسفين الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار, جهنم يصلونها وبئس القرار, انتهى.
يقول البائس الفقير, جامع هذه الرسالة: ولعل المتفلسفين في عصرنا أكثر منهم في عصره.
إن قلت: من أين له علم بأن ليس للمتفلسفين في الآخرة إلا النار؟ قلت: من قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] [المراد مما يضرهم السحر] قال في
стр. 152
المدارك: وفي الآية دليل على أن السحر واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية, انتهى.
والآية نزلت في أهل التوراة اشتغلوا بكتب السحر وقل التفاتهم إلى التوراة ومعنى اشتراه: استبدلوه بكتاب الله تعالى, والخلاق بمعنى النصيب كذا في التفاسير. إن قلت: أليس قد قال السيد الشريف في شرح المواقف: إن الفلاسفة هم الأذكياء؟ قلت: نعم. لكن قال الإمام الجوزي في كشف الناموس: كان للفلاسفة فطنة فاستخرجوا بفطنتهم علوماً هندسية ومنطقية ولما تكلموا في الإلهيات خبطوا, إذ لا سبيل للعقل إليها, ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في مثل الهندسيات, انتهى.
أقول: وكذا خبطوا في بعض مواضع الطبيعيات كما سبق عن الغزالي قوله: إذ لا سبيل للعقل إليها أي جميعها, إذ بعضها يستقل فيه العقل كوجود الصانع القديم ووحدته وسائر صفاته المعلومة بدليل العقل, لكن الفلاسفة خبطوا في صفاته تعالى. وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور: ٣٢] فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر, انتهى.
أقول: والكاهن مشهود عليه بالكذب والخبط, فظهر أن الكافر قد يكون ذا فطنة, ألا ترى أن الإفرنج يستخرجون يفطنتهم ودقة نظرهم صنائع تتحير فيها العقول, لكنهم يقولون: إن الله تعالى هو المسيح ابن مريم, أو يقولون: إن المسيح ابن الله.
стр. 153
الفصل "الثالث": (في ذم المتفلسفين)
وقد عرفت من هم. قال التفتازاني في رسالته المسماة "برد الفصوص": ولا يصدّنك عن آيات الله ودين الإسلام ولا يصرفنك عن اتباع هؤلاء الأنبياء خوض بعض المتفلسفين في زي الفقهاء في هذه الزندقة الهادمة لدين الإسلام وملة الأنبياء, فإنه انسلخ من الدين فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين, وصار من أئمة الكفرة في صورة علماء المسلمين, فأضل فئة من الجاهلين وطائفة من طلبة العلم المذبذبين, انتهى.
وقال السبكي في كتابه معيد النعم: ومن الناس طائفة تبعت طريقة أبي نصر الفارابي وأبي علي ابن سينا وغيرهما من الفلاسفة الذين نشأوا في هذه الأمة, واشتغلوا بأباطيلهم وجهالتهم وسموها الحكمة الإسلامية ولقبوا أنفسهم حكماء الإسلام وهم أحق بأن يسموا سفهاء جهلاء من أن يسموا حكماء, إذ هم أعداء أنبياء الله ورسله ﵈ والمحرفون لكلمة
стр. 154
الشريعة عن مواضعها, عكفوا على دراسة ترهات هؤلاء الأقوام وسموها الحكمة, واستجهلوا من عري عنها, ولا تكاد تلقي أحداً منهم يحفظ قرآناً ولا حديثاً عن رسول الله ﷺ , ولعمر الله إن هؤلاء أضر على عوام المسلمين من اليهود والنصارى, لأنهم يلبسون لباس المسلمين ويزعمون أنهم من علمائهم, فيقتدي العامي بهم, شعر:
(وما انتسبوا إلى الإسلام إلا ... لصون دمائهم أن لا تسالا)
(فيأتون المناكر في نشاط ... ويأتون الصلاة وهم كسالى)
فالحذر الحذر منهم, وقد أفتى جماعة من أئمتنا بتحريم الاشتغال بالفلسفة, انتهى.
قال أبو حفص السهرودي في كتابه المسمى: ب"رشف النصايح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية": الطامة الكبرى والفتنة العظمى قوم أبطنو الكفر واستغشوا بجلابيب الملة, وأظهروا أنهم من الأمة, وامتزجوا بأهل الإسلام ودرسوا علوم الفلاسفة والدهرية, وادعوا الحذق فيها, واستزلوا بواطن بعض طلاب العلم بإدعاء أن ما يشيرون هو باب العلم والحكمة فأفسدوا قلوباً ساكنة مستقرة في دعة الفطرة, أزعجوها عن استقرارها, وأوردوها غمران أوزارها, فهم حبايل الشيطان, وقبيله
стр. 155
المشاركون له في الإغواء والإختفاء كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] إلى آخر ما قال ...
وقال الشيخ السنوسي في شرح عقيدته: وقل أن يفلح من أولع بصحبة كلام الفلاسفة, أو يكون له نور إيمان في قلبه أو لسانه, وكيف يفلح من والى من حادّ الله ورسوله, ثم قال: ولقد خذل بعض الناس, فتجده يشرف كلام الفلاسفة الملعونين ويشرف الكتب التي تعرضت لنقل كثير من حماقاتهم, لما تمكن في نفسه الأمارة بالسوء من حب الرياسة, إلى آخر ما قال ...
وقال السيوطي في الإتقان: قوم غلب عليهم الجهل وطمعهم وأعماهم حب الرياسة وأصمهم, قد نكبوا عن علوم الشريعة ونسوها.
وأكبوا على علوم الفلاسفة وتدارسوها, يريد الإنسان منهم أن يتقدم, ويأبى الله إلا أن يزيده تأخيراً, ويبغى العز ولا علم عنده, فلا يجد ولياً ولا نصيراً, انتهى.
قوله: نكبوا أي عدلوا.
يقول الفقير: وكأنهم يدخلون في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآية.
[فصل] قال في إغاثة اللهفان: لما أقبل بنو إسرائيل على علوم المعطلة أعداء موسى ﵇ وقدموها على نصوص التوراة, سلط الله
стр. 156
عليهم من أزال ملكهم وشردهم من أوطانهم وسبى ذراريهم, كما هي عادته وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي, وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة المعطلة من الفلاسفة وغيرهم, كما سلط على بلاد العرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق, واشتغلوا بها فاستولت النصارى على أكثر بلادهم وأصاروهم رعية لهم, وكذلك لما ظهر ذلك في بلاد المشرق سلط الله عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر البلاد الشرقية واستولوا عليها, وكذلك في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة, لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد, سلط الله عليهم القرامطة الباطنية فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات واستولوا على الحجاج واستعرضوهم قتلاً وأسراً واشتدت شوكهم, انتهى.
أقول, أما قوله: بنو إسرائيل هو ما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ
стр. 157
رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٢] هـ الآية ...
وقوله: والمنطق, يريد به المنطق المخلوط بالفلسفة كما هو كذلك في الأوائل. وأما المنطق المتداول اليوم فإنه علم مفيد لا محذور فيه, لخلوه عن خلط الفلسفة كما صرح به ابن الحجر في شرح الأربعين.
الفصل "الرابع": (في حكم الاشتغال بالفلسفة)
وقد سمعت من السبكي القول بإفتاء جماعة من أئمتنا بحرمة الاشتغال بالفلسفة. ثم إن قول العلماء بأن العلم تابع للمعلوم يقتضي حرمة الاشتغال به, وقد سمعت عن صاحب المدارك في الآية المذكورة. أنها واجبة الاجتناب, والمراد من الواجب الافتراض القطعي.
وقال صاحب الكشاف: وفي الآية دليل على أن اجتناب تعلم السحر أصلح من تعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية, انتهى.
стр. 158
وقال خسرو في حاشية تفسير البيضاوي, وأما صاحب الكشاف فقال: إن في قول صاحب الكشاف كتعلم الفلسفة ما يرشدك إلى أن هذا الاجتناب عن تعلم السحر واجب احتياطاً, وإلى أنه كما لا يحرم تعلم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين يرد الشبه, وإن كان أغلب أحواله التحريم, كذلك السحر, إن فرض فشوه في ناحية, وأريد تبين فساده لهم ورجوعهم إلى الحق, وهذا لا ينافي إطلاقهم القول بتحريم تعلم السحر, انتهى.
قوله: إن فرض, يدل على أن عدم حرمة تعلم الفلسفة للمنصوب للذب إنما هو أن فرض فشو عقايد الفلاسفة [في ناحية وأريد تبين فسادها هم, ورجوعهم إلى الحق, لكن الفلاسفة] انقرضوا, والفلسفة اندرست ولا يغشيها إلا مدارسوها المتفلسفون, فلو فرض أنهم يظهرون, فإنما يظهرون ما ينجسونه, ثم إن السبكي قال في كتب معيد النعم: إنما يجوز النظر في علوم الفلاسفة للمتبحر في العلوم الدينية القادر على دفع شبهاتهم الداحضة, الواثق من نفسه على أنها لا يزحزحها رياح الأباطيل.
стр. 159
أقول: فلا يصلح أن يكون منصوباً للذب إلا قليل من العلماء, فينظر ذلك العالم المتبحر إلى الفلسفة نظره إلى وجه العدو, ويمس كتبها مس الجيفة القذرة.
قال الغزالي في رسالة المنقذ من الضلال: ولعمري لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم كمال الفضل والحذاقة والبراعة في تمييز الحق عن الضلالة, وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلالة ما أمكن, انتهى.
ثم اعلم أن علة حرمة الاشتعال بالسحر الاحتياط كما صرح به صاحب الكشاف, فكذا علة حرمة تعلم الفلسفة وتعلم كل حرام.
ولذا قال صاحب الكشاف: كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية, وفي المثل: من يستمع يخل.
قال في شرح المواقف: إن الجاحظ الذي هو من رؤساء المعتزلة كان من البلغاء, قد طالع كتب الفلاسفة, ولخص منها عقائد زائفة, لأن الإسماعيلية المسماة بالقرامطة الذين هم أخبث الفرق الضالة خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة قصداً إلى إبطال الشريعة بالتأويلات الباطلة وتفلسفوا ولم يزالوا مستهزئين بالنواميس الدينية والأمور الشرعية, انتهى.
أقول: ولقد رأيت وسمعت من العلماء المعاصرين المنتسبين إلى الدين من يتأذى بذم الفلسفة والفلاسفة, وهذا أقوى دليل على تفلسفهم
стр. 160
واستحسانهم الفلسفة, ومن نظر في باب ألفاظ الكفر وإمارات الارتداد في كتب الفتاوي, لا (بـ) شك في ارتداد هؤلاء.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧]
اللهم يا مقلب القلوب ثبن قلوبنا على دينك. آمين.
ولنختم الرسالة بما قلنا في المتفلسفين نظماً ونثراً.
أما النظم فهو:
(قل لمن يهوى وجيف الفلسفة ... ما لكم في ذي المقالات السفه)
(قل لكم من دون دين المصطفى ... نفس ارتابت وكانت في وله)
(تلك نفس ألقيت في قذره ... مرتجاً تطهيرها في مغسله)
(يا لئام القوم أنتم قوم سوء ... ويل أفلاطونكم ما أكفره)
(من أضل الله يظلم شرعه ... يهلك [الأعمار] فيما ليس له)
(في الشفا داء لقوم يبتغيه ... والإشارات انتهت في الحاميه)
(ما لهم إلا زفير أو شهيق ... إذ تراهم كبكبوا في الهاويه)
стр. 161
(ساقهم ما حصلوا في هذه ... ضل عنهم سعيهم في المدرسة)
(كلما قيل انتهوا خيراً لكم ... تسمع الآذان منهم سفسطة)
(كلما قيل ارجعوا عن ذلكم ... ادبرونا مثل حمر القسورة)
(أعين عمي قلوب غافلة ... قد أقاموا في سواء المهلكة)
(قل لكم ميعاد يوم شره ... ليس مصروفاً عن المثاقلة)
وأما النثر [فهو]:
ومن الناس من يفرحون بالفلسفة ويوالون الفلاسفة ويرتطمون في أنفسهم في الكفر والضلال, ويصدون عن سبيل الهدى طائفة من الطلبة, لكنا برآء منهم ومما يهذون به, بدا بينا وبينهم العداوة, فحسبنا ما أنزل الله وما بلغنا من رسول الله. إنا نحن المحمدية, نسعى في تحصيل العلوم الإلهية والحكم النبوية. وهي مع أصولها وفروعها ومباديها ومتمماتها بحار منيعة أغوارها.
والقواعد العقلية قد احتوت عليها كتب المتكلمين, فنحن في شغل وغنى عن مدارسة عقايد المشركين, والاقتحام في تخليطات الكافرين, ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
стр. 162
تمت الرسالة بعون الله تعالى وحسن توفيقه.
اللهم بك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢ (﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]
[استراح القلم من تبييض الرسالة فيس نة ثامنة وعشرين بعد مائة وألف].
стр. 163
الخاتمة
وبعد, فإن رحلتي مع هذا الكتاب أفدت منها الشيء الكثير, إذ أن العمل في خدمة التراث يفتح آفاقاً واسعة للاطلاع على ما خلفه أسلافنا العظماء من أعمال تعد بناء حضارياً عتيداً في تاريخ الأمم.
وكتاب ترتيب العلوم هذا فيه خلاصة تومئ من قريب إلى ذلك السفر الإسلامي المجيد, إذ أن مؤلفه أظهر فيه لمحات من خطة تصنيف خاصة لطالب العلم, كيف ومن أين يبدأ إلى أن يرقى عالياً في سلم المعرفة. وفي أثناء ذلك يبقى مستديم الملاحظة لسلوك طالب العلم موجهاً ومعلماً ومربياً كأحسن ما يكون المربي الناصح الأمين, ومحذراً من زيوف المظاهر التي إن داخلت حياة طالب العلم أفسدته وانحرفت به عن جادة الصواب.
ولم ينس رأي الشرع في تعلم العلوم كافة, فتتبعها علماً علماً مبيناً أحكام تعلمها من وجوب وندب وإباحة وحرمة وغير ذلك.
والكتب كهذا الكتاب كثيرة في مخازن التراث الإسلامي, اندرجت تحت المعارف العامة أو الفلسفة الإسلامية, وتحتاج إلى أيدٍ نشطة تواقة إلى المجد لتخرج هذا التراث من ظلام المستودعات إلى نور الحياة العلمية لينتفع بها الناس ولتأخذ مكانها اللائق بها بين مقومات الحضارات الأخرى, ككتاب النقاية وإتمام الدراية للسيوطي وغيره الكثير.
وحبذا لو توجه عناية بعض طلبة الدراسات العليا في الكليات النظرية- وحتى العلمية- إلى دراسة وتحقيق أمثال هذه الكتب التي حفل بها تراثنا العلمي الإسلامي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.