Полный текст (163 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بتماس سطوح الأفلاك، فإنه مخالف للحديث القاطع بانفصال بعضها عن بعض. ودليل الفلاسفة مبني على نفي القادر المختار: ﴾ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ﴿[المائدة: ٦٤]
وأعلم أن في بيان أقاليم الأرض وهيئة بلدانها وسكانها وبحارها وجزائرها وجبالها وأنهارها مؤلفاً مسمى في ألسنة الناس ب "خريدة العجايب". قال طاش كبري زاده في مفتاح السعادة: علم جغرافيا علم يتعرف منه أحوال الأقاليم السبعة وعدد مدتها وجبالها وبراريها وبحارها وأنهارها، إلي غير ذلك من أحوال الربع المعمور.
وأما علم الطب:
فهو علم يبحث فيه عن أحوال بدن الإنسان من الصحة والمرض. وأما البحث عن الأدوية والأغذية فراجع إلي البحث عن البدن، إذ مرجعه أن هذا ينفع البدن وهذا يضره. وفي تعليم المتعلم: حكي عن الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: العلم علمان -علم الفقه للأديان، وعلم الطب للأبدان، وما عدا ذلك بلغة مجلس، انتهى. أراد من الفقه المعنى الأعم، وهو معرفة ما للنفس ما لها وما عليها اعتقاداً وعملاً. والبلغة بضم الباء وسكون اللام بمعنى الكفاية. واعلم أن يستمد منه الفقه فهو ملحق به. والاشتغال بهذا العلم فرض كفاية عند الغزالي، ومستحب عند الجمهور.
стр. 107
أقول: ولعل الحق التفضيل: ففي كل بلد يكثر في أهله الأمراض يكون الاشتغال به فرض كفاية وينبغي للمسلم أن يستصحب كتاباً معتبراً منه ككتاب ابن الشريف وتذكرة داود، يستغنى عن تسليم نفسه إلي الطبيب الكافر والجاهل.
وأما علم التشريج -بالجيم:
قال في القاموس: تشرج اللحم بالدم تداخل، انتهى. فهو علم يبحث فيه عن أعضاء الإنسان وكيفية تركيبها، وهو من مبادئ علم الطب، ولذا صدر مختصر القانون به. ومن فوائده: معرفة حكمة الخالق الإله وحسن تدبيره. قال الله تعالى: ﴾ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) ﴿[الذريات: ٢٠ - ٢١] قال في شرح المواقف: قد بلغ المدونات من الحكم والمصالح في أعضاء الحيوان خمسة آلاف وما لا يعلم منها أكثر مما علم. قال في مفتاح السعادة: وكتب التشريج أكثر من أن تحصى، ولا أنفع من تصنيف ابن سينا والإمام الرازي.
стр. 108
وأما علم الموعظة:
فهو علم جمع فيه ما هو سبب الانزجار عن المنهيات، والانزجاج إلي المأمورات، من الأمور الخطابية المناسبة لطباع عامة الناس، كذا في بعض الرسائل. أقول: الموعظة مصدر أريد بها هنا القول المرهب والمرغب. قال في القاموس: وعظة يعظه وعظاً وموعظة، ذكره ما يلين قلبه من الثواب والعقاب، انتهى.
قال في الصحاح: اتعظ: أي قبل الموعظة، يقال: السعيد من وعظ بغيره والشقي من اتعظ به غيره، انتهى. ولا يبعد أن يقال: إن موضوع هذا العلم المأمور به والمنهي عنه، كأن يبحث فيه أن عاقبة المأمور به كذا وعاقبة المنهي عنه كذا. ولا يبعد أن يكون الاشتغال بهذا العلم فرض كفاية، ومن
стр. 109
المؤلفات فيها "التذكرة" للقرطبي، والتنبيه لأبي الليث. وأغلب ما ألف في الموعظة مشحون بالحكايات الكاذبة والأحاديث الموضوعة ينقلها جهلة الواعظين فيوقعون أمثالهم الجهلة في ضلال مبين.
وأما علم المحاضرات:
فهو علم يحصل منه ملكة إيراد كلام مناسب للمقام من جهة معناه الأصلي، أو من جهة تركيبه الخاص، والغرض منه تحصيل تلك الملكة. كذا قال طاش كبري زاده في مفتاح السعادة. وأقول: توضيحه أن هذا العلم على ما يفهم من النظر في كتبه: علم جمع فيه من الغرابة من جهة تركيبه كقول البعض: (ما لكم) تكأكأتم على كتكأكئكم على ذي جنة افرنقعوا. أو من جهة معناه، كقول بعض الأكابر: العجز عن درك الإدراك إدراك. أو بسبب كونه حكاية أمر غريب. ويكون بعض ما جمع فيه في العقايد وبعضها في الأحكام العملية وبعضها من المواعظ وبعضها مزاجاً يضحك منه. والمحاضرات، جمع محاضرة: هو الحضور والمكالمة، ومن المؤلفات فيه (ربيع
стр. 110
الأبرار) للزمخشري، و"محاضرات الراغب للأصفهاني"، ومحاضرات القره باغي. قال في مفتاح السعادة: ومن كتب المحاضرات "حياة الحيوان" لكمال الدين الدميري، ولها كبرى وصغرى.
أقول: لا يبعد أن يكون من كتب هذا الفن كتاب "كليلة ودمنة"، وقد نقل عن ذلك الكتاب الرازي في التفسير الكبير، فظهر أنه كتاب معتبر في الشرع لأن ما ذكر فيه ضروب أمثال. وكذا كتاب "همايون نامة".
стр. 111
وأما علم التواريخ:
فهو تعيين أوقات الحوادث الماضية، وهذا الفن بعض من المحاضرات كما صرح به السيد الشريف في شرح المفتاح، قال على القاري في حاشية شرح النخبة: التاريخ الإعلام بوقت الوقايع، انتهى. أقول: هو مصدر أرخ. قال في الصحاح: أرخ الكتاب بيوم كذا، أنتهي. يعني عين وقته بيوم كذا، ويطلق الكتاب المشتمل على القصص بكتاب التواريخ لما فيه من تعيين أوقات القصص، كما يقال: ذكر ما وقع في زمن نبي كذا أو ملك كذا. والزمان عند أهل السنة متجدد معلوم للمخاطب، يقدر به (متجدد) غير معلوم له. وكما تقول: قدم زيد حين قدم عمرو، إذا كان قدوم عمرو معلوماً للمخاطب، بخلاف قدوم زيد، وكما تقول عكس ذلك، إذا كان علم المخاطب على العكس. وتواريخ الرواة يحتاج إليها مخرج الحديث.
وبعض القصص يفيد العبر كقصص الأنبياء والأتقياء، وبعضها يفيد تحريضاً على الغزو وكحكايات الغزوات، وبعضها من قبيل لهو الحديث ككتاب "شاه نامه" قال في مفتاح السعادة: موضوع هذا العلم أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والصلحاء والملوك وغيرهم. والغرض منه: الوقوف على الأحوال الماضية، وفائدته العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها، انتهى.
стр. 112
قوله: وفائدته، أي فائدة الوقوف المذكور. وقال فيه: ومن كتب التواريخ تاريخ الطبري وتاريخ ابن خلكان وتاريخ جلال الدين الأسيوطي.
وأما علم الفراسة:
فهو على ما في كتاب الإرشاد ومفتاح السعادة:
علم يتعرف منه الأخلاق الإنسانية بسبب الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن -الخلق الأول بفتح الخاء الثاني بضمها- قال الرازي في التفسير الكبير (بدله): هي الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة. أقول: وذلك كأن يستدل بسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبخمود نور العيني -بالخاء المعجمة- على بلادة صاحبها، وببرق نورهما على كياسته. قال في الإرشاد: وكتاب الإمام
стр. 113
فخر الدين الرازي في هذا الفن خلاصة كتاب أرستطاليس مع زيادات مهمة، وفائدة معرفة هذا الفن تقديم الاطلاع على أخلاق من يضطر الإنسان إلي مخالطته من صديق أو زوج أو مملوك وهذا علم يعتبر في الشرع، قال تعالى: ﴾ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ﴿[البقرة: ٢٧٣] وقال ﵇: «اتقوا فراسة المؤمن ينظر بنور الله»، انتهى. قال على القاري في شرح الفقه الأكبر: الفراسة ثلاثة أنواع:
- إيمانية: وهي نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها: خاطر يهجم على القلب. وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحد فراسة.
- قال أبو سليمان الداراني: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان.
- وفراسة رياضية: وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر.
- وفراسة خلقية -بفتح الخاء المعجمة-: وهي الاستدلال بالخلق
стр. 114
الظاهر على الخلق الباطن لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله تعالى، انتهي.
أقول: علم الفراسة اسم للنوع الأخير لأنه هو المدون المكتوب، ومدار هذا النوع التجربة، كما صرح به في مفتاح السعادة. أقول: المراد من التجربة هنا الاستقرار الناقص فلا يفيد إلا الظن، والنوعان الأولان غير مدونين لأنهما لا يدخلان تحت ضابطه، وإنما مدارهما المكائفة، ولا يختصان بالاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن كما يعلم من النظر في باب الفراسة من رسالة القشيري. وبالجملة أن معرفة الشيء بالفراسة قسمان:
- أحدهما بالمكاشفة- والآخر بالاجتهاد، وكلا القسمين انتقال من المحسوس إلي غير المحسوس. وأما ما ألقاه الله تعالى في قلب العبد من المعرفة بدون واسطة حس شيء، فليس من قبيل الفراسة.
وبالجملة، الفراسة: اسم لانتقال الذهن من محسوس إلي غير محسوس.
[٢٩ ب] قال البيضاوي في قوله تعالي: ﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴿[الحجر: ٧٥] المتفكرين المتفرسين. وقال القشيري في تفسير هذه الآية: أي العارفين بالعلامات التي يبديها على الفريقين من أولوياته وأعدائه.
فتعريف أبي سليمان الداراني، تعريف بالأعم. فتأمل قول علي القاري: خاطر يهجم على القلب. قال الرازي في التفسير الكبير: وهذا لا
стр. 115
يعرف له سبب، وهو ضرب من الإلهام. قوله: لا يعرف له سبب، يعني لا يعرف للانتقال من المحسوس إلي غير المحسوس مناسبة بينهما.
وأما علم التعبير الرؤيا:
-أي علم تفسيرها وبيان مدلولها- فقد يكون بالمكاشفة وقد يكون بالاجتهاد، ودلالتها عقلية، والدال إما نفس المرئي أو لفظة بمناسبة بين أحدهما وبين المعبر به.
والأول كقول النبي ﷺ : «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلي مهيعة، وهي الجحفة».
والثاني كقوله ﵇: «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع، فأوتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة وأن ديننا قد طاب». ثم إن معرفة مدلولها إما بالوحي وهو ليس إلا للنبي وهو يفيد اليقين البتة، أو بالإلهام أو بالاجتهاد، وهما يكونان للنبي وغيره، والأخير هو المدون، ولا يفيد إلا الظن. قال في
стр. 116
المدارك عند قوله تعالى: ﴾ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا ﴿[يوسف: ٤٢] الظان يوسف ﵇، إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي، أو يكون الظن بمعنى اليقين، انتهي.
من المؤلفات في هذا الفن: كتاب التعبير لابن سيرين رحمة الله عليه، ينبغي للعالم أن يستصحبه. وتعبي الرؤيا سنة. ثم أن التعبير بالاجتهاد يحتاج إلي حدس كامل وذوق سليم، وقد يخطئ الرؤيا إلي التعبير، بأن يكون المرئي عين الواقع لا دليله، كقوله ﵇: «رأيت في المنام أن أهاجر من مكة إلي أرض بها نخل، فذهب وهلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب».
قال التوربشتي: الوهل -بتكسين الهاء- الوهم. وقد لا تصلح الرؤاي للتعبير بأن تكون أضغاث أحلام، وهذا ليس محل التفصيل.
стр. 117
وأما تعلم اللغة الفارسية:
فلابد منه، إذ لا يخلو أكثر كتب الفتاوى عن التعبير عن بعض المسائل باللغة الفارسية، خصوصاً في باب ألفاظ الردة والطلاق. وقد ألف بها كثير من الكتب النافعة، فلا شك في استحباب تعلمها، لكن ليحذر الطالب عن الخوض فيها، إذ يجر ذلك إلي نظم الأشعار السخيفة والتلهي عن العلوم النافعة، وغاية ذلك موالاة السفهاء والظلمة ورقة الديانة.
стр. 118
الفصل الثاني من فصلي المقصد الأول في بيان التدبيرات الردية
-منها سلوك من لم يرزقه الله تعالى حدة الذهن، مسالك الأذكياء، فكم من طالب لا يقدر إلا على تحصيل جليات العقائد والفقه، يشتغل بالنسخ المغلقة والفنون الدقيقة، فيدع السعي فيما يمكن له تحصيله ويصرف أيامه في الوثوب إلي ما لا تصل إليه يده، فيحرم عن جميع المطالب العلمية، ويكون في النهاية كأنه بدأ أول مرة.
وهذا الضلال ناشئ من استنكاف البليد عن ترك السلوك إلي مسالك الأذكياء، أو من جهلة بمرتبة نفسه. قال في الإحياء: يظن كل أحد أنه أهل كل علم دقيق، فما من أحد إلا وهو راضٍ عن الله تعالى في كمال عقله، انتهى.
أقول: فيجب على العالم المدرس أن يمتحن استعداد الطالب، فيرشده إلي ما يساعده استعداده، ويمنعه عما لا تصل إليه يده، لكن لما كان غرض أكثر المدرسين في زماننا الرياء والافتخار بكثرة أهل مجلس درسهم أهملوا تلك النصيحة خشية أن لا يحضر الطالب القاصر مجلس درسهم، فلو أن ذلك القاصر اشتغل في أيام تحصيله بما تيسر له من العلوم النافعة لحصل له سعادة الدنيا والآخرة.
стр. 119
- ومنها أن من شرع في فن بالنسخة المتضمنة لدقائق ذلك الفن، كالحواشي والشروح، لا يتضح له مقاصد ذلك الفن. وقال في الإحياء: من وظيفة المعلم أن يمنع المتعلم من التشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي.
وقال فيه: ينبغي أن يحترز الخائض في علم، في مبدأ الأمر، عن الإصغاء إلي الوجوه والاختلافات، فان ذلك يدحش عقله ويحير ذهنه. وفي تعليم المتعلم: ينبغي أن يبتدئ من العلوم يكون أقرب إلي الفهم، انتهي.
أقول: وتمثل ذلك بمن أراد بناء بيت فيضع حجراً فيصبغه وينقشه ثم آخر كذلك، فيقال له: أتم بناء البيت جراداً ثم أقول: المبتدئ يقتدي بعادات أسلافه، وعادة أهل الزمان كذلك، لكنها ليست بعادة العلماء المعتبرين.
ومنذ ما حدثت تلك العادة قصرت الطلبة عن إدراك الفنون ولم يأت منهم مثل الأولين.
- ومنها أن بعض المدرسين يقرر على الطالب المبتدئ الأسئلة والأجوبة الدقيقة ويذكر قواعد الفنون بشيء من المناسبة، والطالب المبتدئ لا يفهم أكثرها ويمر أكثر الكلمات على أذنيه كأصوات الرحى، ويأخذه النعاس ويذهب نشاطه ويكل ذهنه، والقدر الذي يفهمه ويحفظه ينسى أغلبه قبل أن يقوم من مجلس الدرس.
ثم إن بعض المبتلين من الحمقاء بمدرس كذا يعجبه تدريسه، فيمدحه
стр. 120
ويعشق إليه من لم يره، ولا يدري أن ذلك المدرس ضيع أوقاته وسمن بلادته، قال في الإحياء: من وظيفة المعلم أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه مالاً يبلغه عقله فينفره ويتخبط عقله.
وقد سبق النقل عنه أن المبتدئ في علم ينبغي له الاحتراز عن الإصغاء إلي الوجوه والاختلافات.
وقال العلامة السبكي في كتاب معيد النعم: حق المدرس أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، فإن كانوا مبتدئين، فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم ويأخذهم بالأهون فالأهون إلي أن ينتهوا إلي درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات، انتهى.
أقول: وبعض الناس يظن أن الأولى أن يلقي على المبتدئين الدقائق والمشكلات ليحد ذهنه ويقوي ذكاه. أقول: كلا ثم كلا، وهل يحمل الطفل الصغير ما يحمله الأقوياء؟ ! ثم أقول: فوجب أن لا يشارك المبتدئ والمنتهي في درس، وكذا الذكي والبليد.
وفي تعليم المتعلم:
عدوى البليد إلي الجليد سريعة ... كالجمر يوضع في الرماد فيخمد
- ومنها تزيين الطالب أطراف نسخة درسه بترقيم هوامش لم يدر المراد بها ومساس الحاجة إليها، ولم يميز صحيحها عن سقيمها، وبعض
стр. 121
الطلبة يحرص على ذلك حتى لا يبقى في أطراف نسخة درسه موضعاً فارغاً مقدار ما يسع أنمله، ويظن أن ذلك علامة فطنته ودقته، لكنه علامة بلادته.
قال في تعليم المتعلم: لا يكتب شيئاً لا يفهمه، فإنه يورث كلال الطبع ويذهب الفطنة ويضيع أوقاته، وقال فيه: ويترك الحاشية إلا عند الضرورة، انتهى. فينبغي للطالب أن لا يكتب الحاشية في أطراف نسخة درسه إلا بعد معرفة معناها ومقصدها ومساس الحاجة إليها، وتلك المعرفة تتوقف على تحقيق الدرس.
- ومنها إطالة الاشتغال بفن بحيث يعوق عن تحصيل فن يساويه في الحاجة أو هو أهم منه. قال في الإحياء: لا تستغرق عمرك في فن واحد طالباً للاستقصاء فيه، فإن العلم كثير والعمر قصير. وقال فيه أيضاً: من وظيفة طالب (العلوم) أن لا يدع شيئاً من العلوم المحمودة إلا ينظر فيه نظراً يطلع به على مقصده، فإن العلوم متعاونة، وبعضها مرتبط بالبعض، ثم يشرع في طلب التبحر في الأهم فالأهم، انتهى.
قيل:
(ما حوى العلم جميعاً أحد ... لا ولو مارسه ألف سنة)
(إنما العلم منيع غوره ... فخذوا من كل علم أحسنه)
أقول ثم أقول: الأحرى لمتبحر الفقه وأصوله، والمتبحر فيهما أعز من الكبريت الأحمر لطول مباحثهما ودقة مسالكهما، لكن جرت عادة الله تعالى
стр. 122
على جعل همم الناس مختلفة في التبحر في الفنون، لأن انتظام أمر العلم إما يكون بأن يوجد في كل فن متبحر، فيكون هم واحد في الفقه، وهم آخر في العربية وهكذا، فيوجد في الدنيا مرجع استكشاف دقائق كل فن، فلو كان هم الجميع في فن واحد اختل نظام العلم. ونظير ذلك اختلاف همم أصحاب الحرف.
وأما الاستقصاء في جميع الفنون لواحد فهو متعذر أو متعسر، كذا في أوائل شرح المواقف. وينبغي للطالب أن يقصد التبحر فيما يليق بطبعه (من العلوم المهمة، وقلما ينبه الطالب على ما يليق بطبعه) فينبغي للأستاذ أن ينبهه على ذلك، كما روى أن محمد بن إسماعيل البخاري رحمة الله تعالى بدأ بكتاب الصلاة على محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليهما، فقال له محمد بن الحسن: اذهب وتعلم علم الحديث، لما رأى أن ذلك العلم ألبق بطبعه، فطلبه فصار مقدماً على جميع أئمة الحديث، كذا في تعليم المتعلم.
- ومنها عجلة بعض الطلبة إلي الفراغ عن مشقة التحصيل، فتحمله تلك العجلة على تطويل قدر الدرس على قراءة نسخ متعددة معاً فوق طاقته وعلى ترك بعض الفنون المهمة قبل إتقانه، بل قبل إتمام نسخة منه.
стр. 123
وأمثال هؤلاء لا ينالون الكمال في العلم، إذ الكمال فيه لا يتأتى إلا بالفهم والإتمام، وذلك ظاهر. قال في تعليم المتعلم: ينبغي للطالب أن يثبت على أستاذ وعلى كتاب حتى لا يتركه أبتر، وعلى فن حتى لا يشتغل بفن آخر قبل أن يتقن الأول .... إلى آخر ما قال.
وقال فيه: فهم حرفين من حفظ وقرين.
- ومنها عدم صبر بعض الطلبة على السكوت إلي أن يتم تقرير الأستاذ فيتكلم في أثناء تقريره، وفي ذلك أذية للأستاذ وإخلال لإفادة الأستاذ. قال في الوصايا القدسية، ويترك الطالب ما طالعه وفهمه قبل مجلس الأستاذ ويصغى بإلقاء السمع وحضور العقل إلي ما يقرره الأستاذ، فربما طالع وفهم ما ليس بمراد المصنف أو الشارح، ولا يمكن الأستاذ من التقرير والتحقيق، فمثل هذا المتعلم لا ينتهي بل ربما يتراجع، انتهى.
أقول: والحمقاء من الطلبة تنقسم إلي سكيت وهو أهون على الأستاذ. وإلي مكثار يتكلم مع الأستاذ ويجاوب الشركاء ويعترض على كلامهم قبل فهم مرادهم، ويتكلم بالظاهر البين، وقد يتكلم بكلام إذ استفسرته عن مراده به يتحير ولا يدري ماذا يقول، فمثل ذلك الطالب يغضب المعلم الحليم ويهلك المعلم الغضوب ويطفئ حدة أذهان شركائه، فعلى الأستاذ أن يسكته فإن لم يسكت يطرده عن مجلس الدرس. وإنما يريد الحمقاء بذلك إظهار الذكاء، والطالب الذكي تكون سيرته في الغالب الإصغاء إلى كلام.
стр. 124
الأستاذ بالتدبر والتغافل عن أقوال الشركاء، فلا يتكلم إلا عند الحاجة، وإذا تكلم يوجز، وإذا تمت الحاجة يسكت، فأيده الله تعالى وأظفره بمقصوده.
قال في تعليم المتعلم:
(إذا تم عقل المرء قل كلامه ... وأيقن بحمق المرء إن كان [مكثراً])
وقال على ﵁: إذا تم العقل نقص الكلام. وقال بزرجمهر: إذا رأيت الرجل يكثر في الكلام فاستيقن بجنونه، انتهى ما في تعليم المتعلم.
ثم إن تجاوب الشركاء قد يؤدي إلي التغاضب بين يدي الأستاذ وفي ذلك أذية عظيمة له، يعرفه من يبتلي به فأتى يفلحون؟ !
- ومنها أن بغض الطلبة يكون معظم همه إظهار الفضل والمراءة لا تحصيل العلم، فيطلب حاشيته على نسخة درسه فيحفظ منها اعتراضاً وجواباً عنه، فيورد الاعتراض على الأستاذ على أنه من مخترعات فكره، فقد يعجز الأستاذ عن جوابه فيجيب عنه أو يبقيه.
أو يحفظ منها نكتة فيقررها على الأستاذ على أنها من مخترعات فكره، كل ذلك لإظهار ذكائه وقوة حدسه، وقد لا يفهم ما في الحاشية فيضطرب كلامه ولا ينفهم مراده فيقع الأستاذ في مشقة. وأمثال هؤلاء يفتضحون كثيراً فلا يعتقدهم الأستاذ والشركاء كما يتمنونه، ثم إنهم لا يفلحون.
- ومنها استنكاف المعلم أن يقول لا أدري، فيفوه بما لا يدري
стр. 125
ويتكلف الجواب عن كل ما يسأل عنه فيتعمد الكذب أو القول الذي ليس بجواب موهماً أنه جواب. وإذا أخطأ في التقرير ونبهه عليه بعض تلامذته يخجل ويستنكف عن قبوله، فيتكلف لتصحيح غلطه بمغالطات وكلمات مجهولة الحاصل، وذا ناشيء من الكبر والرياء، ومن علاج تركه معرفة أحوال السلف، قال في الإحياء، قال الشافعي: إني شهدت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين لا أدري. ومن يريد غير وجه الله بعلمه فلا تسمح نفسه [بأن يقر على نفسه] بأنه لا يدري.
وسأل رجل علياً ﵁ عن شيء فأجاب، فقال السائل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، وقال الشعبي: لا أدري، نصف العلم، انتهى.
ولعل وجه كونه نصف العلم أن من جهل شيئاً وجهل جهله به كان مجهوله من أمرين، وهذا هو الجهل المركب، ومن قال لا أدري علم جهله به وبقي علمه بذلك الأمر.
وفي بعض الكتب: سئل علي رضي الله تعالى عنه عن شيء على المنبر فقال: لا أدري. فقيل ليس هذا مكان الجهال. فقال: هذا مكان الذي يعلم شيئاً ويجهل شيئاً، وأما الذي يعلم ولا يجهل شيئاً فلا مكان له. وسئل أبو يوسف عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل: تأكل من بيت المال كل يوم
стр. 126
كذا درهماً فتقول لا أدري، فقال: آكل بقدر علمي ولو أكلت بقدر جهلي ما كفاني ما في الدنيا جميعاً.
- ومنها طول نظر الطالب فيما لا سبيل له إلي فهمه، نظر السُّلَحفاه إلي بيضها، وذلك إما بأن يكون متعلق نظره من اصطلاحات فن لم يعثر عليه، أو لغة لم يعرف معناها، فطول النظر فيه ونصب المرفق عليه لا ينتج شيئاً، بل طريق فهمه ليس إلا أن يستفسره عمن يعرفه، أو يراجع إلي كتاب يفسره ككتاب "تعريفات إصطلاحات الفنون" للسيد الشريف، وكتاب "الصحاح" للجوهري. وإما أن يكون متعلق نظره مجملاً يفسره ما بعده أو فسره ما قبله، وقد فاه درسه أو نسيه فلا يكاد ينكشف قبل العثور على مفسره، فينبغي للطالب إذا شرع في مقاله أن يلاحظها إلي منتهاها ملاحظة خفيفة، فيطلب معرفة معاني كلماتها وكيفية تركيبها، والإطلاع على تمام حاصل تلك المقالة إطلاعاً في الجملة، ثم يشرع في المطالعة العميقة والاستطلاع على الوجوه الدقيقة وإثارة الأسئلة والأجوبة. وإما أن يكون في متعلق نظره ساقط أو زائد أو محرف فطريق الانكشاف في مقابلة النسخة بنسخة مصححة، فيجب على الطالب أن لا يطالع الدرس إلا بعد المقابلة والتصحيح.
وإذا علمت هذا فأعلم أنه إنما يفيد التأمل في كلام استقر المراد به لضيق العبارة أو خفاء مرجع الإشارة أو بعد المتعلق أو تقديم ما حقه التأخير
стр. 127
أو العكس، أو على بعض مقدمات الدليل وما يشبه ذلك مما شأنه أن يعرف بالتأمل (فح) يرجى الانكشاف بالنظر، ومراتب الناس فيه متفاوتة تفاوتاً عظيماً. وقد يطالع الطالب ما يرجي انكشافه لكن لا ينكشف فعليه (ح) أن يتبتل إلي ذكر الله تعالى والصلاة على نبيه ويقول: حسبي الله ونعم الوكيل على الله توكلت. متجهاً بقلبه إليه مستمداً منه تعالى ويقول: رب زدني علماً سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. ويدعو بما استطاع، فإن لم ينكشف بعد ذلك يراجع إلي الشرح، وإياه أن ينظر إلي الشرح قبل اليأس من معرفة المتن، إذ من فعل قلما تحصل له ملكة المطالعة.
قال في الوصايا القدسية: يطالع متن الكتاب قبل الشرح مراراً فإن فهم كلمتين من المتن خير من فهم سطرين من الشرح، انتهى.
ثم اعلم أن الطالب لا يستعد للمطالعة بعد تحصيل اللغة والتصريف والنحو إلا بعد تحصيل المنطق والمناظرة والكلام والمعاني وأصول الفقه.
فينبغي للطالب أن لا يشرع في قراءة المؤلفات الدقيقة لتحصيل ملكة المطالعة إلا بعد تحصيل ما ذكرته من الفنون، ولا أريد بالكلام المسائل
стр. 128
الاعتقادية فقط، بل مباحث الجواهر والأعراض أيضاً كما تضمنتها مثل المقاصد والمواقف. وطلبة الزمان لما هجروا تعلم تمام علم الكلام واكتفوا عنه ببعض رسائل العقائد. طلبوا مباحث الجواهر والأعراض من كتب الفلسفة وغفلوا عن تحقيقات المتكلمين في المسائل العقلية، ينبغي للطالب الذكي بعد تحصيل ما ذكرناه هنا من الفنون أن يقرأ درس المطالعة على أهلها، على شريطة المباحثة وإيراد الأسئلة والأجوبة، فلو توقف ذلك على جعل سطر واحد درس يوم واحد أو يومين أو أيام، يفعله كذلك ولا يتعجل، لإتمام االنسخة، إذ ليس المقصود من قراءة كتاب المطالعة الإطلاع على القواعد بل تشحيذ الذهن.
وقد صادفت شرحاً موجزاً للكافية مشحوناً بالأسئلة والأجوبة الموجزة الدقيقة أظنه للتفتازاني، وقد يوجد في أحد وجهي ورقة واحدة عشرون سؤالاً وعشرون جواباً، وأري أنه أولى المؤلفات للمدارسة على شريطة المطالعة والمناظرة.
ثم أقول: طلب تشحيذ الخاطر وتحصيل ملكة المطالعة يكاد أن يكون فرض كفاية، فإن الأحمق يفسد الدين، لكن لا يجوز طلب ذلك بالاشتغال بالفنون المحرمة كالفلسفة، والتعمق في أدلة الكلام، لأن الخاطر يشحذ بالاشتعال ببعض نسخ الفنون الآلية والشرعية.
- ومنها أن بعض من يقرأ الكتب الدقيقة لتحصيل ملكة المطالعة يطيل قدر الدرس ويطلب إتمام النسخة، ولا يهتم بتدقيق النظر فيها، ومثل ذلك الطالب يرجع كما بدأ.
وبالجملة: إن غرض الطالب أمران:
- أحدهما معرفة قواعد الفنون. والآخر تشحيذ الذهن. وبعض الكتب
стр. 129
يقرأ لمعرفة القواعد، فينبغي للطالب أن لا يطلب عند قراءته الوجوه الدقيقة لئلا يعوقه عن إتمامه وعن فهم أصول مسائله.
وبعض الكتب يقرأ لتشحيذ الذهن فينبغي للطالب أن لا يطلب إتمامه بالدرس بل يطلب الغوص إلي أعماقه، وإعمال قوته الناظرة بدرك الوجوه الخفية، فإن قراءة كراس (موجز) منه إلي تمام سنة خير من قراءة جميعه إلي تمام السنة.
- ومنها أن بعض الطلبة يقصر درسه في أوائل زمان تحصيله على العلوم الآلية، أملاً تحصيل العلوم الشرعية في أواخر أوقات تحصيله، أو ناوياً تدريسه بدون التعلم، اعتماداً على قوة فهمه، لكن هذا من سوء التدبير ووساوس الغرور، لأن ما أخره إن كان من فروض العين، فذلك الطالب ذو رأي مهين وآثم في كل حين.
ترى بعض من وصل درسه إلي المنطق أو المناظرة لم يصحح أداء القرآن قدر ما تجوز به صلاته، ولم يعلم فرائض العقائد والأخلاق والطهارة والصلاة، فهذا مرتكب للكبيرة ومعدود من الفسقة فكيف يظفر بالبغية؟ وإن كان ما أخره من فروض الكفايات، فلا يأثم بتأخيره عند وجود القائم به، لكن لا يأمن أن يحدث غائق عن تحصيلها بعد تحصيل العلوم الآلية (فح).
стр. 130
إن تركها رأساً فهو يصير كأحد العوام الجهلة. وشاهدنا بعض من كان كذلك. وإن شرع في تعليمها بدون سبق تعلمها فلا يتيسر له ذلك، ولا يخلص درسه عن تعمد الكذب، والطالب البصير يكون له درسان في كل حين: درس من العلوم الشرعية. ودرس من العلوم الآلية.
ويعظم الأول ويهتم به فوق تعظيمه الثاني والاهتمام به.
ولقد صادفنا من الطلبة من عكس هذا، فلو سألته عن درسه، لا يذكر إلا درسه الآلي، وقد يذكر درسه الشرعي بعد ذكر الشيء الحقير، وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة مقاصدهم. ثم إن ذلك أمارة عدم فلاحهم.
стр. 131
وأما:
المقصد الثاني
ففيه فصلان
الفصل "الأول": (في بيان ترتيب العلوم لمن أراد تحصيلها)
فالمبتدئ يلقن: الإيمان على قدر فهمه، فإن كان صبياً يؤمر بعده بتعلم القرآن من معلم صحيح الأداء إلي أن يختمه، ثم يؤمر بتعلم تفاصيل الإيمان وعقائد أهل السنة، والقدر المفروض من علم الأخلاق وعلم الصلاة.
والمتكفل ببيان هذا الجميع الرسالة التركية لمحمد البركوي، ونعمت هي لكل مبتديء عجمي. ثم يؤمر إن كان عجمياً بتعلم لغة ابن فرشتة وحفظها. وإن كان بالغاً يؤمر بعد تلقين الإيمان على قدر فهمه بتعلم الفاتحة
стр. 132
وسور قصار، ثم يؤمر بتعلم تلك الرسالة أو ما يفيد مفادها، ثم يؤمر بتعلم جميع القرآن، ثم يؤمر بتعلم لغة ابن فرشتة وحفظها. وبعد تعلم لغة ابن فرشتة صبياً أو بالغاً يؤمر بتعلم الصرف ثم النحو ثم النحو ثم علم الأحكام ثم المنطق ثم المناظرة ثم الكلام ثم المعاني ثم أصول الفقه، ثم الفقه. ولا أريد بالفقه مجرد علم الأحكام العملية بدون الأدلة كما تضمنه مختصر القدوري، بل معرفتها بالأدلة كما تضمنه الهداية. وأما مختصر القدوري أو ما يقوم مقامه من علم الأحكام فيتعلمه بعد تحصيل الصرف والنحو. إذ لا يتوقف فهمه على معرفة قواعد أصول الفقه بخلاف فهم مثل الهداية، ولا أريد بالكلام مجرد المسائل الاعتقادية، بل ما تضمنه مثل المقاصد من مباحث الجواهر والأعراض والمسائل الاعتقادية مع أدلتها والرد على المخالفين، ثم بعد ذلك يؤمر بتعلم أصول الحديث ثم الحديث رواية ودراية، ثم التفسير، وأما تعلم علم التجويد والقراءات ومرسوم المصاحف فيتعلمها الطالب متى قدر قبل تعلم التفسير. وأما الحساب والهندسة والهيئة والعروض فيحصلها متى قدر، لكن ينبغي تقديم تعلم الحساب على تعلم علم الأحكام، خصوصاً الفرائض.
стр. 133
الفصل الثاني: (في بيان مراتب العلوم)
قال الغزالي: ما من علم إلاّ وله اقتصار-بالراء- واقتصاد- بالدال واستقصاء, ونحن نشير إليها في التفسير والحديث والفقه والكلام ولنقيس بها غيرها.
فالاقتصار في التفسير ما يبلغ ضعف القرآن أي مثله في المقدار, كالوجيز للواحدي. والاقتصاد ثلاثة أضعاف القرآن كالوسيط للواحدي أيضًا. وما وراء ذلك استقصاء.
وأما الحديث: فالاقتصار فيه تحصيل ما في الصحيحين من الأحاديث بتصحيح نسخته عل رجل خبير بعلم متن الحديث, بحيث يقدر على طلب ما يحتاج إليه وقت الحاجة, ولا يلزم حفظ متون الحديث كما لا يلزم حفظ أسامي الرجال. وأما الاقتصاد فيه (فأن) تضيف إلى ما في الصحيحين الأحاديث المذكورة في المسندات الصحيحة. وأما الاستقصاء فما وراء ذلك إلى استيعاب كل ما نقل من الضعيف والقوي, ومعرفة أحوال الرجال وأساميهم.
стр. 134
وأما الفقه: فالاقتصار فيه ما يحويه مختصر المزني. والاقتصاد ما يبلغ ثلاثة أمثال ذلك المختصر, وما عدا ذلك استقصاء.
وأما الكلام: فالاقتصار فيه معرفة عقائد أهل السنة المنقولة عن السلف لا غير بلا اشتغال بالدليل وهو القدر الذي أوردناه في الفصل لأول من كتاب قواعد العقائد من الإحياء.
وأما الاقتصاد فيه فمعرفة معتقدات أهل السنة مع أدلة نقلية أو عقلية بحيث يتمكن من مناظرة المبتدع ونزع شبهته من قلب العامي, وهو القدر الذي أودعناه في الفصل الثالث من كتاب قواعد العقائد من الإحياء واقتصرنا فيه على ما حررناه لأهل القدر وسمينّاه الرسالة القدسية.
وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من المجادلات مما لم يعهد مثله في السلف فإياك أن تحوم حوله, واجتنبه اجتناب السم القاتل, فإنه الداء العضال, واقبل بهذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زماناً وزاد فيه على الأولين تحقيقاً وتصنيفاً وجدلاً, ثم ألهمه الله رشده وأطلعه على عيبه فهجره, انتهى.
وكلامه هنا يحتاج إلى شرح, فأقول: قوله ضعف القرآن بمعنى مثله قال في الصحاح: ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه, وأضعافه أمثاله. ثم
стр. 135
أقول ظهر من كلامه أن الضعف ابتداء مرتبة الاقتصار في التفسير ونهايتها القدر الذي إن زيدت عليه كلمة يصير المجموع ثلاثة أضعاف القرآن.
ويقاس على هذا أن يكون لمرتبة الاقتصاد فيه ابتداء ونهاية.
فقوله: وما وراء ذلك استقصاء, فيه نظر. ثم أقول سكت عن تلك المراتب الثلاث في شرح الأحاديث, لكنها تقاس على تلك المراتب في التفسير والله أعلم.
وسكت أيضاً عن تلك المراتب في معرفة نظم القرآن, فلعل الاقتصار فيه معرفته برواية واحدة متواترة عن الأئمة المشهورين كرواية حفص عن عاصم. والاقتصاد فيه أن يعرفه بجميع الروايات المتواترة عن الأئمة المشهورين. والاستقصاء فيه أن يضم إلى ذلك معرفة القراءات الشاذة, ولا يلزم الحفظ في هذه المراتب بل يكفي تصحيح المصحف على رجل حافظ خبير, وتعلم كتاب يتضمن القراءات, وتصحيحه على رجل خبير قياساً على ما قاله في مراتب الحديث. ثم إن ما سمّاه في مراتب الفقه هو المؤلف في مذهب الشافعي. وأما الاقتصار في المؤلف في مذهب أبي حنيفة فهو مثل مختصر القدوري. والاقتصار مثل الهداية وما وراء ذلك استقصاء مثل فتاوى قاضي خان والخلاصة.
وقوله في بيان مراتب الحديث: بحيث, متعلق بقوله: تحصيل ما في الصحيحين. ومراده من الأدلة العقلية في اقتصاد الكلام: هو الأدلة المختصرة من غير تعمق, صرح بذلك في الإحياء قبيل شروعه في رسالته القدسية التي جعلها جزءاً من الإحياء.
стр. 136
والاشتغال في هذه المرتبة بذكر أقوال المبتدعة وردها إلاّ نادراً, كما يظهر من النظر في رسالته المذكورة.
قوله: وأما الخلافيات, بيان الاستقصاء, ومن المؤلفات في هذه المرتبة: المواقف والمقاصد. وقوله: من المجادلات, المراد به مجادلات المخالفين من الفرق الإسلامية فقط, إذ خلط الفلسفة مع ردها بالكلام, لم ينشأ إلاّ منذ ما نشأ نصير الطوسي وأتباعه, كما صرح به السبكي في كتابه معيد النعم, وزمان الغزالي قبل زمان الطوسي بكثير.
وأقول كما هجر الغزالي الكلام, كذلك هجرته وتبرأت وتبت منه إلى الله تعالى الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات, وأسأل الله أن لا يحشرني يوم القيامة مع المتكلمين, وهذا القول مني بعد اشتغال بالكلام وتأليفي فيه نشر الطوالع, والآن أتمنى أن أجمع نسخة المنتشرة وأحرقها بالنار ولئلا يبقى مني أثر في الكلام, لكني لا أقدر على ذلك.
قال الغزالي: في كتاب قواعد العقائد ما مختصره/ إن الخارج عن مرتبة الاقتصاد-بالدال- في العقائد قسمان: أحدهما بحث من غير العقائد كبحث الاعتمادات والإدراكات إلى غير ذلك, يعني مباحث الجواهر والأعراض.
والأخر زيادة تقرير لأدلة العقائد, وزيادة أسئلة وأجوبة, وذلك
стр. 137
استقصاء لا يزيد إلاّ ضلالاً وجلاً في حق من لا ينفعه قدر الاقتصاد- بالدال- انتهى.
قوله: والآخر زيادة تقرير, ونهي السلف عن الاستقصاء في علم الكلام ينبغي أن يخصص بهذا القسم, أو يقال: النهي عن القسم الأول تنزيهي وعن القسم الآخر تحريمي.
ومن القسم الأول مباحث الأدلة ولا وجه للنهي عنه أصلاً. قال صلاح الدين في حاشية شرح العقائد: الاشتغال بتفاصيل علم الكلام يقاسي القلب ولذا نرى أكثر طلبته تاركي الصلاة ومرتكبي الكبائر ومضيعي العمر فيما لا يعنيهم, انتهى.
يقول الغفير: أما قسوة القلب فقد وجدناها بلا شك عند الاشتغال بها, فنسأل الله أن يقيلنا عثراتنا.
ولعل الاقتصار في علم البلاغة مثل التلخيص, والاقتصاد مثل الإيضاح وما زاد على ذلك استقصاء, كما تضمنته الشروح, والاقتصار في المنطق مثل إيساغوجي مع شرحه للحسام كاتي.
стр. 138
والاقتصاد فيه "الشمسية" مع شرحه للقطب, وما زاد على ذلك استقصاء.
والاقتصار في النحو مثل الأنموذج. والاقتصاد فيه الكافية, بل أقول لابد لبلوغ مرتبة الاقتصاد فيه تحصيل ما تضمنه مغني اللبيب أيضًا.
ومن فاته فقد فاته نصف النحو, وما زاد على ذلك استقصاء. وبالجملة الاقتصار في كل فن ما تضمنه المتون المختصرة. والاقتصاد ما تضمنه المتون المتوسطة. وما زاد على ذلك استقصاء, ولا تحد تلك المراتب إلاّ بالتقريب.
أقول ولي إجمال في تحديد هذه المراتب: وهو أن إحاطة أشهر مسائل الفن اقتصار, والزيادة عليه بإحاطة مشهوراته أيضًا اقتصاد. والزيادة عليه بإحاطة نوادره أيضًا استقصاء والله أعلم.
ثم اعلم أنه ليس المراد من تحصيل تلك المراتب حفظ ما تضمنها من الكتب, بل تصحيح نسخها والاطلاع على ما فيها إما بالتعلُّم وإما بمجرد النظر والمطالعة بحيث يقدر على طلب ما يحتاج إليه من تلك الفنون. وهذا
стр. 139
قد صرح به الغزالي في مراتب الحديث كما سبق نقله, فنقيس على ذلك غيره.
فصل: (تسمية الكمال من طلبة العلم)
اعلم أن من حصل مراتب الاستقصاء من كل فن من الفنون الشرعية والآلية يسّمى "كاملاً" في العلوم أو "تكميلاً", وقليل ما هم, ويجوز إطلاقه على من حصل مراتب الاقتصاد - بالدال- من كل فن منها باعتبار أنه متهيء للكمال تهيؤاً قريباً, وذلك مجاز بعلاقة الأول, كما يسّمى الخمر قبل الشرب مسكراً.
وأما إطلاقه على من لم يحسن بعض الفنون المعتبرة وحصل من بعضها مرتبة الاقتصار - بالراء- ومن بعضها مرتبة الاقتصاد فلا يصح ذلك لا حقيقة ولا مجازاً, إلاّ أن يراد كماله في فن معين بلغ منه مرتبة الاستقصاء أو الاقتصاد - بالدال - وقد يسمى في زماننا بعض الطلبة "تكميل المواد" ومعناه أنه كامل في تحصيل العلوم الآلية من العقلية والنقلية.
أقول: ومن العلوم الآلية, أصول الفقه وأصول الحديث وعلم التجويد ومبادئ الكلام مثل مباحث الجواهر والأعراض, وما تضمنه مغني اللبيب في النحو وما تضمنته الشافية في التصريف.
نرى أكثر من يسمون "تكميل المواد" في زماننا لم يحصل أكثر العلوم الآلية, وإنما يسمون كذلك لأن المادة عند الجهلة اسم لبعض نسخ المنطق والفلسفة, وأولئك الطلبة درسوا نسخها المتداولة, وترى بعض "التكميل" في زماننا لا يقدر على قراءة القرآن نظراً, وما قرأه لا تصح به الصلاة لما فيه من الألحان الجلية, ولا يعرف اصطلاحات الفقه, ولم يحصل بضاعة من أصول الفقه, وهكذا ... بل لا يفهم أكثر ما اشتغل به من الفنون, فلا
стр. 140
يقدر على إفادتها, وإنما مدار كونه "تكميلاً" تسمية أستاذه إياه "تكميلاً" وإذنه له بتدريس ما شاء, وإلباسه إياه رداء العلماء, ووضعه على رأسه العمامة الكبرى, فيدع التعلُّم ويتصدى لتعليم ما لا يفهمه, وإذا صادف ماهراً في فن لا يعرفه لا يتعلم منه لظنه أنه جاوز مرتبة (العلم) إلى مرتبة التعليم أو لأنه يلحقه المعرة, ونقصان الدرجة حتى لو لقي القطب العلامة لا يتعلم منه, لظنه أنه صار علامة مثله, أو لئلا يظن الناس أنه في العلم دونه. وأنا أمثل ذلك التكميل بفقير ذي عيال أعياه تعب الكسب, فقصد غنياً ليطعمه قدر ما يغنيه عن المكسب, فلما أتاه أعطاه شيئًا قليلاً لا يغنيه عن الكسب, لكنه سماه غنياً وألبسه شيئاً من لباس الأغنياء, وأذن له بالاستراحة وأكل الأطعمة الطيبة والتوسيع على العيال والأحبة, فرجع ذلك الفقير مسروراً بما يأمله من الاستراحة والحياة الطيبة, وأهله ينتظرونه بالسرور, فإذا جاء أهله لا يكون إلا ضحكة للناس, فاعتبروا يا أولي الألباب.
(تذبيل بمدح القرآن)
لتهييج نشاط الطالبين ليرغبوا فيه وفي العلوم المتعلقة به.
فنقول: القرآن كلام من تصاغر كل شيء لكبريائه وتذلل كل شيء لعزته واستسلم كل شيء لقدرته, عطاياه من الأزل إلى الأبد. بلة إبرة من بحار رحمته وملكوته كلها حبة من خزائن قدرته, ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات شرح عظمته, ثم إنه تعالى مدحه بقوله: ﴾ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) ﴿[الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] ,﴾ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ
стр. 141
مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴿[النمل: ٦] , ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ﴿[فصلت: ٤١ - ٤٢] , ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤ (﴾ [الزخرف: ٤] , ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١] , ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيم (٧٦)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] , ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين (٨٠)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠] , ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١] , ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦] , ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾ [طه: ٤] , ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] , ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢ (﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي مدح الله تعالى فيها القرآن.
فصل
(في أسمائه التي سمّاه الله تعالى بها)
وهي: علي حكيم, كتاب حكيم, كتاب عزيز, كتاب مبارك, كتاب مبين, كتاب منير, بشير نذير, روح, نور, موعظة من ربكم وشفاء لما في
стр. 142
الصدور, نبأ عظيم, هدى ورحمة وبشرة للمسلمين, كتاب الله, كلام الله, حبل الله, ذكر حكيم, ذكر للعالمين, ذكر مبارك, قرآن عجب, قرآن عربي غير ذي عوج, قرآن حكيم, قرآن مبين, قرآن عظيم, قرآن كريم, قرآن مجيد, فرقان, تبيان لكل شيء, تفصيل لكل شيء, أحسن الحديث تنزيل العزيز الرحيم, تنزيل رب العالمين, تنزيل من حكيم حميد.
فصل
(في مدائحه الواقعة في الحديث)
ومن شاء فلينظر إلى كتاب فضائل القرآن من مشكاة المصابيح. قال في الرعاية: عن عثمان ﵁ قال, قال رسول الله ﷺ : «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه». وكان أبو عبد الرحمن يجلس لإقراء القرآن ويقول: هذا الذ أجلسني هذا المجلس-يريد الحديث الذي ذكرناه-. وعنه ﵇ أنه قال: «من جمع القرآن فظن أن أحداً أغنى منه فقد حقر عظيماً وعظم حقيراً» , انتهى.
قال الإمام الجعبري في شرح الشاطبية, قال حمزة -يعني أحد أئمة
стр. 143
القراءات - رأيت في منامي كأني عرضت على الله فقال: يا حمزة اقرأ ما علمتك فوثبت قائماً, فقال لي: اجلس فإني أحب أهل القرآن, فقرأت حتى بلغت سورة﴾ يس ﴿فدعا بسوار من ذهب فسورني به فقال: هذا بقراءتك القرآن, ثم دعا بمنطقة فمنطقني بها, فقال: هذا بصومك, ثم توّجني بتاج, ثم قال: هذب بإقرائك الناس القرآن, يا حمزة لا تدع تنزيلي فإنه أنزلته إنزالاً, انتهى.
يقول البائس الفقير: فقد رأينا بعض ما يسمى "بالتكميل" لا يقدر على قراءة القرآن قد ما تجوز به صلابته, وهو قد يتصدى (للتقوى) , وقد هدم التقوى من أساسها, ويتورع عن الشبهات ويفسد الصلوات كل يوم خمس مرات, ويتخذ من القرآن ورداً, يريد أن يعبد الله بالسيئات, ثم إنه يستحي من الناس أن يقعد مع العمامة الكبرى وراء العلماء بين يدي معلم من أهل الآداء, إذ ذلك من وظائف المبتدئين, وهو قد صار من المدرسين الفضلاء. ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]. قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وبعض من لا يقدر على تلاوة القرآن على شريطة التجويد من الطلبة المشتغلين بمثل الصرف أو النحو أو المنطق أو الفلسفة, إذا حرضته على تعلم
стр. 144
القرآن من الشيخ المجود يتعلل بأن وقتي لا يفضل عن درسي, فهذا اعتذار ينبغي أن يتأمل [فيه].
стр. 145
خاتمة
ما يتعلق بالفلسفة وفيه فصول
الفصل "الأول": (في بيانها)
قال [صاحب] إغاثة اللهفان: الفلسفة معناها محبة الحكمة, والفيلسوف أصله فيلاسوفا أي محب الحكمة, ففيلا هو المحب وسوفا هي الحكمة. والحكمة نوعان: قولية وفعلية.
فالقولية: قول الحق. والفعلية: فعل الصواب.
والفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة, انتهى.
أقول: يعني الفلاسفة جمع فلسفي, معناه منسوب إلى محبة الحكمة, تجمع على فلاسفة كأشاعرة, وبيان هذا الجمع في شروح الشافية, ثم قال: وقد صار اسم الفلاسفة في عرف كثير من الناس مختصاً بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلاّ إلى ما يقتضيه العقل في زعمه, وأنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو وهم المشّاؤون خاصة. وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم- يعني في كتابه الشفا وغيره-.
следующие страницы →