Полный текст (163 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا وبعد،
فيقول البائس الفقير محمد المرعشي المدعو بساجقلي زاده، أكرمه الله سبحانه بالفوز والسعادة.
أعلموا معاشر الطلبة- أصلح الله أموركم ومد أعماركم وأحيا بكم رسوم الدين وهدى بكم قوما آخرين- أنه كان يوجد في كل قرن من القرون الماضية من هذه الأمة طائفة من العلماء المؤلفين والأعلام المحققين وخلا الآن من أمثالهم الجوانب، وخلف الأسود في غاباتها الأرانب، أترون أن ذا من خواص الأزمنة، وغلبة البلادة على طباع أواخر هذه
стр. 2
الأمة، بل المنقول من سيرهم والمتبادر من كلماتهم في مؤلفاتهم أنهم تناولوا متون الفنون المعتبرة وهي مسائلها المشهورة. قال في الكشاف: اعلم أن متن كل علم طبقات العلماء فيه متدانية إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطي يسيرة، وإنما الذي تباينت فيه الرتب وعظم التفاضل والتفاوت إلى أن عد ألف بواحد، ما في العلوم من غوامض الأسرار ومحاسن النكت، انتهي مختصرا.
فسأل إلى تجاويف صدورهم من كل فن جدول، فصار ملتقى الجداول بحرا، وما زالوا يزيدون إلى الفنون فوائد، فأنشئوا شروحا لها وأدرجوا تلك الفوائد، ومتونا طويلة وجعلوا للشروح حواشي دقيقة، حتى صار لبعض المتون حاشية على شرحه، ونظم أصحابهم كثيرا من تلك المتون والشروح والحواشي في سلك المذاكرة، فثقل الحمل وطالت المسافة حين قل الزاد وهزلت الراحلة، فآل أمر الطلبة إلى أن تركوا
стр. 3
بعض الفنون المعتبرة رأسا ومن بعضها ثلثا أو نصفا، والباقي يريدون تناوله أولاً مع الشروح والحواشي، فلا [ت] فرغ أذهانهم من تخيل المباحث المتشعبة والاحتمالات المشتتة والأقوال المضطربة لفهم المسائل المشهورة، وجمعها في الخزانة، وهذا خلاف ما عليه السلف قال في ""تعليم المتعلم": كان المشايخ يحتارون للمبتدئ صغارات المبسوطة لأنه أقرب إلى الفهم والضبط وأبعد من الملالة وأكثر وقوعا بين الناس، انتهى.
ولا يفهمون كثيرا من الحواشي فتذهب فطنتهم لما في "تعليم المتعلم": ينبغي أن يجتهد المتعلم في الفهم فإذا تهاون ولم يفهم مرة أو مرتين يعتاد ذلك فلا يفهم الكلام اليسير، وفيه أيضا: لا يكتب المتعلم شيئا لا يفهمه فإنه يفهم الكلام اليسير، وفيه أيضا: لا يكتب المتعلم شيئا لا يفهمه فإنه يورث كلالة الطبع ويذهب الفطنة.
أقول: فما ظنك باستماعه لما لا يفهم؟ ! نعم ينبغي الاشتغال بحاشية
стр. 4
بعض الفنون بعد فهم أصول مسائله وإحاطتها، ويغلط بعض الطلبة في ترتيب الفنون والقدر اللائق من السعي لكل فن، فيشرع في بعض الفنون قبل تحصيل ما يتوقف فهمه عليه. وقد لا يهتم لفهم فن [ت] شتد الحاجة إليه، ويطيل البحث فيما لا يكثر الاحتياج إليه، وأمثال هذه التدبيرات الردية مدار تنزلهم وعدم وصولهم إلى مقاصدهم، فأردت أن أنبئكم معاشر الطلبة بخير من ذلك، وأدلكم على تجارة تنجيكم عما يرديكم بإنشاء رسالة تتضمن: مقدمة ومقصدين وتذييلاً وخاتمة.
المقدمة: في تعداد الفنون النافعة وتقسيمها إلى شرعي وغير شرعي، وتقسيم أحكام الاشتغال بالفنون.
- المقصد الأول في التعريفات الفنون النافعة وبيان التدبيرات الردية.
- المقصد الثاني في بيان الترتيب اللائق للمبتدئ في الاشتغال بتلك الفنون وبيان مراتب العلوم.
стр. 5
والتذييل في مدح القرآن. والخاتمة فيما يتعلق بالفلسفة.
وسميتها "ترتيب العلوم" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 6
" المقدمة "
أما المقدمة ففيها [فصول]
الفصل "الأول": (في تعداد الفنون النافعة نفعا يعتد به)
منها بعض العلوم العربية: وهو علم اللغة والتصريف والاشتقاق والخط العربي والنحو والعروض والقافية والبلاغة والمحاضرات.
ومنها بعض العلوم العقلية: وهو علم الميزان والمناظرة ومبادئ علم الكلام والرياضيات- أعني الهندسة والحساب والهيئة- ومنها العلوم المأخوذة من الكتاب والسنة: وهي علم العقائد والأخلاق والموعظة وعلم الفقه وأصوله.
ومنها العلم اللدني. ومنها [علوم] القرآن: وهي علم نظمه وتجويده ووقفه وابتدائه ومرسوم مصاحفه وقراءته وتفسيره.
стр. 7
ومنها علوم الحديث: وهي علم متنع ومعانيه وأحواله من القوة والضعف بحسب اختلاف نقلته ويسمى علم أحواله: "علم أصول الحديث".
ومنها علم التشريح وعلم الطب وعلم الفراسة وعلم تعبير الرؤيا وعلم اللغة الفارسية وكيفية تراكيبها.
فتم تعداد الفنون النافعة، إذ ما عدا المذكورات، إما مضر كالفلسفة والسحر وعلم أحكام النجوم، أولا ينفع علمه نفعا يعتد به ولا يضر جهله كما ذكر في الإحياء أن النبي ﷺ مر برجل والناس مجتمعون عليه فقال ﵇: "ماهذا؟ " فقالوا: رجل علامة، فقال ﵇: "بماذا؟ " قالوا: بالشعر وأنساب العرب، فقال ﵇: "علم لا ينفع وجهل لا يضر"
الفصل "الثاني": (في فوائد العلوم المذكورة)
اعلم أن لكل من المذكورات فائدة ولتلك الفائدة فائدة أخرى إلى أن ينتهي إلى الفوز بسعادة الدارين. كما قال في "شرح المواقف": غاية
стр. 8
فوائد [علم] الكلام هي الفوز بسعادة الدارين فهي منتهي الأغراض وغاية الغايات.
أقول لكن العلوم الشرعية أقرب إلى ذلك الفوز من العلوم الآلية.
واعلم أن كل منفعة تترتب على فعل تسمى فائدة من حيث ترتبها عليه، وغاية من حيث أنها على طرف الفعل ونهايته، وغرضا من حيث أن الفاعل فعل ذلك الفعل لأجل حصوله، وكتبت كلاماً طويلاً متعلقا بالفائدة لكن [ي] تركته عند التبييض خوفا من الإملال.
الفصل "الثالث": (في تقسيم العلم إلى شرعي وغير شرعي)
ويطلق على العلم الشرعي العلك الديني لاتحاد الدين والشريعة بالذات.
اعلم أن العلم الشرعي يجيء على ثلاثة معان:
الأول: ما ذكر في "الأحياء" أن العلوم تنقسم إلى شرعية وغير شرعية- أعني بالشرعية ما يستفاد من الأنبياء صلوات الله عليهم- ولا يرشد إليه العقل مثل الحساب ولا التجربة مثل الطب ولا السماع من غير الأنبياء مثل [اللغة]، انتهى.
стр. 9
أفاد أن ما نطق به النبي إن كان شيئا من هذه الثلاثة لا يعد علماً شرعيا وبالجملة إن العلم الشرعي [على ما ذكره] ما لا يعلم إلا من الشارع.
- والمعني الثاني: ما يستفاد من الشارع أو يستمد منه المستفاد من الشارع مختصا به، أي لا يستمد منه غير المستفاد من الشارع. وهذا المعنى أشار إليه خسروا في "حاشية تفسير البيضاوي"، وهذا المعنى أعم من الأول لأنه لم يقيد بقوله ولا يرشد [إلى أخره]، وزيد فيه ما يستمد منه إذ يدخل فيه علم أصول الفقه ولا يدخل في المعنى الأول، وأما العربية فلا تدخل في شيء من هذين المعنيين إذ لا يختص مدارها بالعلوم الشرعية.
- والمعنى الثالث: [ما] قاله ابن الحجر في "شرح الأربعين": وجب كون المنطق علماً شرعيا، إذ هو ما صدر من الشارع أو توقف عليه الصادر من الشارع توقف وجود كعلم الكلام أو توقف كمال كعلم النحو والمنطق، انتهى. فلم يعتبر الاختصاص المعتبر سابقا في المعنى الثاني، فيدخل في هذا المعنى جميع العلوم الآلية وإنما لا يدخل مثل الطب والتشريح.
ومعنى توقف الوجود ما ذكره شارح المواقف: لولا ثبوت الصانع [بصفاته] لم يتصور علم التفسير والحديث ولا علم الفقه وأصوله، انتهى.
يشعر كلام ابن الحجر أن علم الكلام غير صادر عن الشارع مع أن
стр. 10
المسائل الاعتقادية كلها مما صرح به الشارع أو أشار إليه، لكن بعضها يستقل فيه العقل وهو ثبوت الصانع بصفاته بالنظر إلى المصنوعات، وثبوت نبوة النبي بالنظر إلى المعجزة، فمراده من علم الكلام هو هذا الباب فقط، ولما أرشد إليه العقل لا يعد مستفاداً من الشارع وإن نطق به الشارع كما عرفت في المعنى الأول.
الفصل "الرابع": (اشتراك أسماء العلوم بين المعاني الثلاثة)
اعلم أن أسماء العلوم كالنحو والصرف والمعاني والفقه وغيرها مشتركة بين المعاني الثلاثة، وهي المسائل وإدراكاتها والملكة الحاصلة من تكرر تلك الإدراكات. وتلك الملكة هي القدرة على استحضار كل مسألة كلية من مسائل العلوم متى يرد عليك جزئي من حزئيات موضوع تلك المسألة. وفائدة ذلك الاستحضار استنباط حال ذلك الجزئي من ذلك الكلي، فإن يرد عليه زيد في "ضرب زيد"، فتستحضر كل فاعل مرفوع فتفكر في نفسك أن زيداً هنا فاعل وكل فاعل مرفوع فتعرف أن زيدا مرفوع وتسمى هذه الملكة ملكة الاستحضار، ثم إنه بتكرر تلك الاستنباطات تحصل ملكة الاستنباط، وهي القدرة على استنباط أحكام الجزئيات من المسائل الكلية كما عرفت مثاله.
والملكة الثانية هي ملكة المطالعة، فلابد لحصول ملكة المطالعة من معرفة القواعد الكلية ثم من تكرر معرفتها، - أعني تكرر تذكرها-، ثم
стр. 11
من استنباط أحكام بعض جزئيات موضوعاتها منها، ثم من تكرر تلك الاستنباطات. وتختلف مراتب الأشخاص في تلك الملكة.
وعلم إن إضافة لفظ العلم إلى النحو والصرف والفقه وغيرها من أسماء العلوم من قبيل شجر الأراك. وأسماء العلوم هي المضافات إليها.
الفصل "الخامس": (في أحكام العلوم)
وهي على ما ذكره ابن نجيم في "الأشباه": فرض عين وفرض كفاية ومندوب وحرام ومكروه ومباح. أقول: مدار هذا التقسيم انقسام المعلوم كذلك، إذ قيل أن العلم تابع للمعلوم، وهنا نظر لأن من المعلوم ما يكون واجبا فعلمه واجب. قال في "تعليم المتعلم": إن ما يتوسل به إلى إقامة الواجب يكون واجباً، انتهى.
أقول فأهم العلوم ما هو فرض عين على المكلف قبل كل شيء. وهو علم التوحيد والصفات، ثم ما فرض عليه عيناً بعد ذلك في كل وقت
стр. 12
كمعرفة فرائض الأخلاق ومحرماتها، ثم ما فرض عليه عيناً في بعض الأوقات كعلم الصلاة والصوم وعند بلوغ المرء إلى وقت افتراضها ثم ما فرض عليه على الكفاية عند عدم وجود القائم به، ثم مستحبات العلوم، ومن مستحبات العلوم تحصيل فروض الكفاية عند وجود القائم بها.
وستعرف تفصيل ذلك إن شاء الله سبحانه فيفترض هذا الترتيب في تحصيل العلوم، ومن أخطأ الترتيب فقد ظلم إنه لا يفلح الظالمون.
الفصل "السادس": (حكم العلم كحكم المعلوم)
[اعلم] أن حكم العلم كحكم المعلوم فإن كان المعلوم فرضا أو واجبا أو سنة فعلمه كذلك إذا توقف المعلوم على ذلك العلم، وإنما قيدنا به لأنه إذا لم يتوقف [عليه] لا يكون حكم العلم حكم المعلوم، فإن تجويد القرآن قدر ما يخلص عن اللحن الجلي فرض عين، لكن العلم المدون المسمى بعلم التجويد ليس بفرض كفاية كما صرح به على
стр. 13
القاري، وسبب ذلك أن تجويد القرآن لا يتوقف على معرفة ذلك الفن بل يمكن تحصيله بمشافهة الشيخ المجود.
وإن كان المعلوم حراما قطعيا أو مكروها تحريميا أو تنزيهياً، فعلمه كذلك إن لم يكن المرء ولا غيره مظنة وقوعه في ذلك المعلوم، ولذا قال في "المدارك" عند قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ في الآية دليل على أن تعلم السحر واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية، انتهى.
الفصل "السابع": (إذا كان مظنة الوقوع في الحرام أو المكروه)
وإن كان المرء مظنة الوقوع في الحرام القطعي أو المكروه التحريمي أو التنزيهي، فيفرض عليه معرفة طريق التجنب عن الأول، ويجب عليه معرفة طريق التجنب عن الثاني، ويستحب معرفة طريق التجنب عن الثالث، لأن التجنب عن الأول فرض وعن الثاني واجب وعن الثالث مستحب، ولما وقف معرفة طريق التجنب عن شيء على معرفة ذات ذلك الشيء، لما قال في "تعليم المتعلم"- في بيان محرمات الأخلاق- ولا يمكن التحرز عنها إلا بعلمها وعلم ما يضادها، فيفترض على كل إنسان علمها، انتهى.
يفترض عليه معرفة الأول أي الحرام القطعي، ويجب معرفة الثاني،
стр. 14
ويستحب معرفة الثالث. كأن وقع المرء بين السحرة والفلاسفة وخاف أن يفعل السحر أو يعتقد الفلسفة، فإنه يفترض عليه (ح) معرفة السحر والفلسفة لتجنب عنهما.
وهكذا إذا باشر التجارة فإنه مظنة الوقوع في الربا فيفترض عليه معرفة طريقة التجنب عن الربا وهي تتوقف على معرفة نفس الربا. وكذا كل من باشرا أمراً يخاف أن يقع في محرماته أو مكروهاته. وكذا من له عضو سليم يفترض عليه ويجب معرفة محرمات ومكروهات [يخاف] أن يفعلها به فاعرف.
الفصل" الثامن": (حكم علم الحرام والمكروه إذا فشا بين الناس)
وإن كان مظنة الوقوع في الحرام أو المكروه كثير من الناس، فعلم ذلك الحرام أو المكروه تحريما أو تنزيها فرض كفاية أو واجب كفاية أو مستحب كفاية على من لم يكن مظنة الوقوع فيها. وفرض عين أو واجب عين أو مستحب عين على من كان مظنة الوقوع فيها. فإن علمه البعض في بدة فيها مظنة الوقوع سواء كان ذلك العالم مظنة الوقوع [أولا] يسقط عن
стр. 15
الباقين الذين ليسوا بمظنة الوقوع، لا عن الباقين الذين هم مظنة الوقوع، فإن جهله أهل تلك البلدة جميعاً أثموا في ترك الأولين وأساءوا في ترك الثالث، مثال ذلك أنه إذا باشر التجارة كثير من أهل بلدة فمعرفة محرمات التجارة ومعرفة طريق التجنب عنها فرض عين على المتجرين وفرض كفاية على غير المتجرين فإن قام بع واحد من المتجرين أو غير المتجرين يسقط عن الباقين الغير المتجرين لا عن الباقين المتجرين، فإنه فرض عين على كل واحد منهم فاعرف.
وأما إن كان مظنة الوقوع في الحرام أو المكروه قليل من الناس نادر فعلهم ذلك الحرام أو المكروه ليس بفرض كفاية ولا واجب كفاية على أحد، بل فرض عين أو واجب عين أو مستحب عين على ذلك المظنة لما قاله قول أحمد في "حاشية الخيالي": فرض الكفاية هو القيام بما يحتاج إليه عامة
стр. 16
الخلق من جهة المعاش والمعاد، انتهى. وكلام الغزالي في الإحياء يشعر بذلك. ولعل وجه ذلك أن في التكليف بالقيام بما يحتاج إليه قليل من الناس حرجا عظينا، ومعرفة مقدار الكثرة والقلة هنا موكول إلى عرف الناس والله أعلم.
الفصل "التاسع": (حكم من يخشى على نفسه الغواية من تعلم المحرمات)
وإن كان [ما] خيف أن يقع كثير من الناس فيه من المحرمات لا يؤمن من أن يجر من يعلمه إلى الغواية مثل السحر وشبهات الفلاسفة والفرق الضالة فلا يحوز أن يقوم به إلا من يأمن من نفسه أن يفعل السحر أو يقع في شبهات الفلاسفة والفرق الضالة، كما صرح به الغزالي في جواز الاشتغال بمجادلات الفرق وسننقله في بيان علم الكلام. وشرطه السبكي في جواز الاشتغال بالفلسفة. وبالجملة أن من لا يأمن من إصابة الضرر له عند مباشرة دفع ضرر الغير لا يجب عليه مباشرة دفعه، ثم إن كان الضرر دينيا فلا تجوز تلك المباشرة.
стр. 17
الفصل "العاشر": (في فرض العين من العلوم)
وهو علم ما كلفه الله عبده في الحال الذي هو فيه. وما كلفه ثلاثة أنواع: اعتقاد وفعل وترك. كذا في التترخانية.
قيل فرض العين من العلوم علم الحال ومعناه علم ما كلفه الله عبده في الحال الذي هو فيه، فعلم الحال معرفة مسائل الإيمان وما فرض من الأخلاق والأفعال، وما حرم منهما، وتفصيل ذلك ما قال في التتارخانية:
إذا بلغ الإنسان في ضحوة النهار يجب عليه معرفة الله تعالى بصفاته بالنظر والاستدلال وتعلم كلمتي الشهادة مع فهم معناهما، ثم إن عاش إلى وقت الظهر يجب عليه [أن يعلم] الطهارة قبل تعلم صلاة الظهر، ثم تعلم الصلاة وعلم جراً إلى آخره، ثم إن عاش إلى شهر رمضان يجب عليه [تعلم] كيفية الصوم وما يقوم به وما يفسده، فإن استفاد مالاً يجب عليه تعلم كيفية الزكاة ونصابها، وإن بلغ استطاعة الحج وجب عليه تعلم المسافرة إلى مكة وإحرام الحج ومناسكه في مواطنها، هذا إن عاش إلى أشهر الحج،
стр. 18
وهكذا التدريج إلى علم سائر الأفعال الواجبة التي هي فرض عين. وأما الترك فيجب بحسب ما يتجدد من الحال ويختلف باختلاف الأشخاص، ألا ترى كيف يحرم التكلم بالفواحش والنظر إلى السوءات للصحيح، ولا يجب ذلك على الأبكم والأعمى إلى هنا كلامه.
قوله: إذا بلغ يفهم منه أنه لا يجب عليه معرفة الله تعالى قبل البلوغ، وهذا قول كثير من مشايخنا. وقال الشيخ أبو منصور في الصبي العاقل: إنه يجب عليه معرفة الله تعالى، وهو قول كثير من مشايخ العراق، كذا قاله على القاري في ذيل شرح الفقه الأكبر.
قوله بالنظر والاستدلال: يريد النظر إلى خلق السماوات والأرض والاستدلال الإجمالي بحيث تطمئن نفسه، ولا يريد أدلة أهل الكلام لأن ذلك فرض كفاية لا فرض عين.
قوله: وتعلم كلمتي الشهادة مع فهم معناهما، فيه نظر، إذ لا يجب تعلم الكلمتين بل تعلم معناهما ومضمونهما بأي طريق كان، ويدخل في الاعتقاد برسالة النبي ﷺ اعتقاد حقيقة جميع ما جاء به.
стр. 19
قوله: ثم إن عاش إلى وقت الظهر يجب إلخ ... ، يفهم منه أنه لا يجب عليه شيء من العلوم غير الإيمان إلا أن عاش إلى وقت الظهر، وفيه نظر، لما في "تعليم المتعلم". وكذلك: أي كما يفترض على المكلف علم ما يقع في حاله، يفترض عليه علم أحوال القلب من التوكل والإنابة والخشية والرضاء فإنه واقع في جميع الأحوال، انتهى.
قوله: وهكذا التدريج إلى علم سائر الأفعال الواجبة التي هي فرض عين كما إذا أجنب يجب عليه معرفة كيفية الغسل، وإذا تزوج يجب عليه معرفة حقوق الزوجية.
قوله: وأما الترك، أي ترك شيء فيجب بحسب ما يتجدد من الحال، فمن باشر التجارة يجب عليه ترك الربا أو التحرز عنه، فيجب عليه علم التحرز عنه ولا يجب في حال عدم مباشرته لها، قال في "تعليم المتعلم": وكل من اشتغل بشيء يفترض عليه علم التحرز عن الحرام فيه، انتهى. ثم اعلم أن من فروض العين الاستدلال العقلي على وجود الصانع ووحدته وسائر صفاته المتواترة كما أشار إليه المنقول عن التتارخانية. وأما سمعيات أركان الإيمان فظني أنه لا يفترض الاستدلال العقلي عليها. يومي إلى ذلك ما
стр. 20
في "تعليم المتعلم": ويعرف الله بالدليل، فإن إيمان المقلد وإن كان صحيحا عندنا لكن يكون أثما بترك الاستدلال، انتهى.
وأما الاستدلال الشرعي، أعني به أن تؤخذ العقائد من الشرع، أما بمطابقة الكتاب والسنة، أو بإخبار علماء الشريعة أنها مما أخبر به الشارع ففرض عين البتة، سواء كان"ـت) العقائد مما يستقل فيه العقل كوجود الصانع بصفاته التي تعرف بالنظر إلى المصنوعات أو مما [لا] يستقل فيه العقل لما قال في شرح المواقف: إن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتد بها وإن كانت مما يستقل فيه العقل، انتهى.
الفصل "الحادي عشر": (العاقل البالغ لا يعذر بالجهل بخالقه)
إن العاقل البالغ لا يعذر بالجهل بخالقه وإن لم يبلغ إليه خبره من جهة الرسول. قال على القاري في ذيل الفقه الأكبر، ذكر الحاكم
стр. 21
الشهيد عن أبي حنيفة أنه قال: لا عذر لأحد في الجعل بخالقه لما يرى في خلق السماوات والأرض وخلقه نفسه، وعليه مشايخنا من أهل السنة والجماعة، يعني أن من مات بدون معرفة خالقه قبل أن يبلغ إليه خبره من جهة الرسول يعذب.
وقال الأشعري: لا تجب يعني يعذر بجهله إذا لم يبلغ إليه من جهة الرسول بقول تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وتمام الكلام في شرح علي القاري. وأما سمعيات ما شرط في الإيمان وهي نبوة النبي ووجود الملائكة ونزول الكتب وأحوال الآخرة وفرضية الصلاة وحرمة الزنا وغير ذلك مما علم ضرورة مجيء النبي به من عند الله تعالى، فلا يفترض عليه تصديقها بمجرد العقل قبل أن تبلغ إليه من جهة النبي بطريق التواتر،
стр. 22
إذ لا يستقل فيه العقل قيعذر بجهلها قبل البلوغ إليه، وأما بعد بلوغها إليه بطريق التواتر فلا يتم إيمانه إلا بتصديقها.
ويفترض عيناً على المكلف المسلم طلب علم ضروريات الدين، وهي على ما في "شرح المقاصد": ما تواتر كونه من الدين بحيث يعلمه عوام المسلمين من غير حاجة إلى نظر واستدلال، كسمعيات مسائل الإيمان. ولا يتوقف افتراض طلبها بوقت فيفترض عليها طلبها حين أمكن، كما يفترض عليه طلب [علم] كيفية أداء المفروضات حين افتراضها. وطلب علم التحرز عن الحرام في أمر باشره حين باشره. وعلى كل ذلك يحمل قوله ﵇: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
الفصل "الثاني عشر": (علم ما ليس من ضروريات الدين)
وأما علم ما أجمع عليه أهل السنة من العقائد مما لم يكن من ضروريات الدين فلا يفترض طلبه عيناً، بل كفاية فقط، وذلك ككون القرآن غير
стр. 23
مخلوق، وأن الله تعالى مرئي في دار الآخرة، وأن النبي ﷺ أفضل من الملك. قال علي القاري في "شرح الفقه الأكبر"، ذكر السبكي في تأليف له، لو مكث الإنسان مدة عمره ولم يخطر بباله تفضيل النبي على الملك لم يسأله الله تعالى عنه. وقال في التتارخانية: لو لم يخطر بباله أن القرآن مخلوق أو قديم أو أن الله مرئي أو غير مرئي فهو مات على الإسلام، وأما بعد الخطور والسماع فلابد من معرفة ذلك، انتهى.
قوله: مات على الإسلام، يعني لا يعذبه بـ[ـه] الله تعالى به ولا يكفر بجهله.
قوله: وأما بعد الخطور والسماع، أي بعدهما معاً، أراد بالسماع ٠ السماع بطريق التواتر- أن مما أجمع عليه أهل السنة.
قوله: فلا بد من معرفة ذلك، يعني يفترض عليه تصديقه وقبوله ويأثم بجحده. نقل الدواني عن الغزالي أن منكر المجمع عليه إذا لم يكن من ضروريات الدين لا يكفر، انتهى.
стр. 24
يعني المجمع عليه ما أجمع عليه أهل السنة بعد الصحابة، إذ ما أجمع عليه الصحابة يكفر منكره عند البعض إذا بلغ إليه بطريق التواتر إجماعهم على ذلكن كما عرف ذلك في أصول الفقه وتمييز ضروريات الدين عن المسائل الإجماعية، وتتميز الإجماعية عن الإختلافية، وهو ما اختلف فيه أهل السنة ليس بهيم. ومن أطلع على شرح الفقه الأكبر لعلي القرى مع ذيل شرحه، اطلع على عامة المذكورات، وذلك كنز عظيم جزاه الله تعالى به الزلفي والنعيم المقيم.
الفصل "الثالث عشر": (في فرض الكفاية من المعلوم)
وفرض الكفاية مطلقا هو القيام بما يحتاج إليه عامة الخلق من جهة المعاش أو المعاد كما عرفت، وفرض الكفاية من العلوم المدونة على ما ذكر في "الإحياء": علم القراءات الصحيحة وعلم تفسيرها وعلم تجويدها وعلم الأحاديث أي الصحيحة قياسا على القراءات، ولأن في إحاطة كلها حجا عظيماً، وعلم معانيها، وعلم أصول الحديث، وعلم الأخلاق، يعني ما عدا علم التصوف، وعلما الفقه والأصول، وعلم الكلام ٠ والمراد بالكلام هنا مقاصده، وهي العقائد مع أدلتها المختصرة التي صنعها المتكلمون-
стр. 25
ويدخل فيه ما أجمع عليه أهل السنة مما ليس من ضروريات الدين، وأما ما اختلفوا فيه، وهو ما اختلف فيه الأشاعرة والماتريدية، فيحتسب معرفته وترجيح رأي الماتريدية والله أعلم. ولا يدخل في الكلام هنا مجادلة الفرق الضالة والفلاسفة إذ هي ليست بفرض كفاية مطلقا، بل في أقطار خيف أن يقع كثير من الناس في عقائدهم كما سننقله عن الغزالي، وأما مبادئ الكلام: وهي بحث الإدراكات وغيرها من مباحث الجوهر والعرض فداخلة في استقصاء الكلام كما سنفعله عن الغزالي في بيان مراتب العلوم.
وفرض الكفاية من العلوم هو مرتبة الاقتصاد -بالدال- كما سيجيء في الفصل الآتي. وإنما قيد [نا] الأدلة بالمختصرة لما سننقل عن الغزالي في بيان مراتب العلوم: أن من الخارج عن مرتبة الاقتصاد- بالدال- في العقائد زيادة أسئلة وأجوبة وذلك استقصاء لا يزيد إلا ضلالا وجهلا في حق من لا يقنعه قدر الاقتصاد- بالدال-، انتهى.
أراد بقدر الاقتصاد الأدلة المختصرة من غير تعمق، كما صرح به الغزالي في الإحياء، وسننقله أيضا في بيان مراتب العلوم. ومن فروض الكفايات المذكورة في الإحياء: علم الحساب، وعلم متن اللغة وعلم النحو، ويريد بالنحو معنى يشتمل الصرف كما ستعرف ذلك في الإحياء، لأنهما أي اللغة وعلم النحو، ويريد بالنحو معنى يشتمل الصرف كما ستعرف ذلك في الإحياء، لأنهما أي اللغة والنحو آلتان لعلم كتاب الله وسنة رسوله.
أقول: وهذا التعليل يدل على كونه علم البلاغة فرض كفاية أيضا، وعلم الطب فرض كفاية عند الغزالي ومستحب عند الجمهور.
أقول: والحق أن كل بلد غلب فيه الأمراض يكون علم الطب فيه
стр. 26
فرض كفاية، ثم أقول: وينبغي أن تكون مباحث الأدلة من المنطق فرض كفاية، لأنه من مبادئ أصول الفقه، ولذا جعلت جزءا من بعض كتبه كـ"مختصر المنتهي" وأما علم المناظرة فلا شك في استحبابه، وإنما الشك في كونه فرض كفاية، والظن الغالب كونه فرض كفاية، إذ كثرت الحاجة إليه في العلوم الآلية.
وينبغي أن يكون من فروض الكفاية علم مرسوم المصاحف، يقول السيوطي في "الإتقان": قال الإمام أحمد: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان ﵁، وقال في المقنع: سئل مالك هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى، ولا مخالف له من علماء الأمة، انتهى.
الفصل "الرابع عشر": (مراتب العلوم)
إن قلت لكل علم مدون ثلاث مراتب: اقتصار- بالراء- واقتصاد- بالدال- واستقصاء، كما سيأتي بيانها.
ويقال للمرتبة الأخيرة التبحر، فأية هذه المراتب من العلوم المذكورة في الفصل السابق فرض كفاية؟
стр. 27
قلت لعل تلك مرتبة الاقتصاد- بالدال- لأن مرتبة الاقتصار- بالراء- لا تفي باندفاع الحاجة العامة.
قال الاستروشني: في الكراهية والاستحسان، بلوغ المرء درجة الفتوى، وبيان الحلال والحرام بين الناس فرض كفاية، انتهى.
وبلوغ درجة الفتوى لا تحصل بمرتبة الاقتصار- بالراء- في الفقه.
وقال الغزالي في الإحياء: الاقتصار- يعني - بالراء- في علم الكلام معرفة عقائد أهل السنة بلا اشتغال بالدليل، وأما الاقتصاد فمعرفتها بأدلة نقلية أو عقلية بحيث يتمكن من مناظرة المبتدع، مع عدم الاشتغال بأقوال المبتدعة ورد أدلتهم إلا نادراً، انتهى.
ولا يخفى أن من لم يشتغل بأدلة العقائد لا يقدر على دفع شبهات الناس في العقائد فلا تندفع الحاجة العامة بمرتبة الاقتصار- بالراء- من الكلام.
أقول: وقس على الفقه والكلام باقي العلوم.
وأما الاستقصاء: ففي كونه فرض كفاية حرج عظيم. قال الغزالي في "الإحياء" بعد بيان فرضية علم الحساب على الكفاية: وأما التعمق في دقائق علم الحساب فهي فضيلة لا فريضة.
стр. 28
وقال ابن نجيم في "الأشباه": إن التبحر في الفقه وعلم القلب مندوب إليه. أقول: فقس على هذه الثلاثة ما عداها.
فتعين أن فرض الكفاية مرتبة الاقتصاد بالدال.
الفص "الخامس عشر"
(كيفية تحصيل مرتبة الاقتصاد)
إن قلت ما كيفية تحصيل مرتبة الاقتصاد- بالدال- بحيث يتم بها فرض الكفاية؟ قلت: قال الغزالي في الإحياء: وأما الحديث بتصحيح نسخته على رجل خبير يعلم متن الحديث، بحيث يقدر على طلب ما يحتاج إليه وقت الحاجة، ولا يلزم حفظ متون الحديث، كما لا يلزم حفظ أسامي الرجال.
وأما الاقتصاد فيه كأن تضيف إلى الصحيحين الأحاديث المذكورة في المسندات الصحيحة، انتهى.
فلم يشترط في مرتبة الاقتصاد- بالدال- الحفظ/، كما [لم] يشترط "هـ" في مرحلة الاقتصار، وإنما شرط أمرين:
-
стр. 29
الأول: العلم لفظاً ومعنى مع تصحيح النسخة على رجل عالم بمتن الأحاديث.
- والثاني: القدرة على طلب ما يحتاج إليه من الأحاديث وقت الحاجة.
أقول: والثاني قلما يكون بدون كتب الفهرس. وقس على الحديث ما عداه من الفنون، وإنما لم يشترط الحفظ لأن فيه حرجاً عظيماً.
الفصل "السادس عشر": (حكم حفظ القرآن)
قال السيوطي في "الإتقان": إن من فروض الكفايات على الأمة حفظ قوم منهم، يبلغ عددهم حد التواتر، كل القرآن. وتعليمه أيضا فرض كفاية وهو من أفضل القرب، انتهى.
وبلوغ العدد إلى حد التواتر فيه اختلافات، والصحيح أن العدد ليس بشرط في حد التواتر، بل حده عدم تجويز العقل تواطؤهم على الكذب.
قوله: على الأمة، يشعر أن ذلك ليس بفرض الكفاية على أهل كل بلد، بل على جميع الأمة، فيسقط الفرض عن جميعهم بحفظ قوم منهم، وفيه نظر: لأن معنى كون ذلك فرض كفاية صيانة القرآن عن التحريف والشك فيه، وإمكان أن يراجع إليهم من يشك في شيء من كلمات القرآن أو حروفه
стр. 30
وأعني بإمكان المراجعة إليهم- القدرة الميسرة-، إذ معنى كون الشيء فوض كفاية، دفع الحرج عن الناس بحسب المعاش أو المعاد، وفي مراجعة من في أقصى بلاد المشرق إلى من في أقصى بلاد المغرب حرج عظيم.
فالظاهر أن يفترض كفاية وجود حفاظ يبلغ عددهم حد التواتر في أقطار بحيث يتيسر المراجعة إليهم من كل بلد من بلاد الإسلام.
قوله: كل القرآن، معناه جميع القراءات الصحيحة، ولا يكفي حفظ رواية راو واحد أو قراءة شيخ واحد، كما يشير إليه قول الجعبري: نقل القراءات السبع فرض كفاية لأنها أبعاض القرآن، انتهى.
ثم إن في اشتراط الحفظ هنا نظر، يكفي تصحيح قوم منهم يبلغ عددهم حد التواتر مصاحفهم على حفاظ لا يشكون في صحة حفظهم، أو على مصاحف لا يشكون في استقامتها، وكونهم بحيث يقدرون على طلب ما يحتاج إليه من الآيات قياسا على ما قلها الغزالي في اقتصاد الحديث، كما نقلناه.
قوله: وتعليمها فرض كفاية، لا يختص بالقرآن، بل جميع فروض الكفايات من العلوم تعليمها فرض كفاية، وذلك ظاهر.
وأما ما كان علمه فرض عين، فتعليمه فرض كفاية بالطريق الأولى.
الفصل "السابع عشر": (واجب العين وواجب الكفاية)
وكما يكون بعض العلوم واجب عين، وهو "علم" ما يقع في حال المرء من الواجبات والمكروهات التحريمية، كذلك يكون بعضها واجب كفاية،
стр. 31
وهو علم ما يقع في حال عامة الناس من الواجبات والمكروهات التحريمية.
الفصل "الثامن عشر": (في المندوب عينا)
وهو علم التصوف والاستقصاء في العلوم التي هي فروض كفايات، سوى الاستقصاء في علم الكلام، لما قال الطيبي في شرح المشكاة، قال محيي السنة: اتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدل والخصومات في الصفات والزجر عن الخوض في علم الكلام، انتهى.
وقال في الخلاصة: تعلم علم الكلام والنظر فيه والمناظرة وراء قدر الحاجة منهي عنه، انتهى.
وقدر الحاجة: ما يتقد ربه على إثبات المذهب ودفع الخصم، كما في البزازية وهو مرتبة الاقتصاد- بالدال- كما سبق.
ومن المندوب تعلم ما هو فرض كفاية من العلوم عند وجود القائم بع.
ومن المندوب تعلم المرء السنن والمكروهات التنزيهية الواقعة في حاله.
وعلم الطب مستحب عند الجمهور، وفرض كفاية عند الغزالي كما سبق.
стр. 32
أقول: ولا يبعد أن يكون من المندوبات تعلم الفارسية لمساس الحاجة إليها في بعض كتب الفتاوي.
ومن المستحبات: معرفة القراءات الشاذة، إذ لا معنى لكونها فرض كفاية والله أعلم.
وكذا معرفة ما عدا الصحيح من الأحاديث إذا لم يكن مقطوع الوضع.
واعلم أن علم السنة على الكفاية سنة على الكفاية، كالإعتكاف في العشر الأخير من رمضان.
وكذا علم السنن والمكروهات التنزيهية الواقعة في حال عامة الخلق.
ثم اعلم أنه ينبغي أن يكون علم تعبير الرؤيا مستحباً، لأن النبي ﷺ عبر رؤيا أصحابه. وقال في "المدارك" في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] أي تعبير الرؤيا، وتعبيرها تفسيرها وكان يوسف النبي ﵇ أعبر الناس للرؤيا، انتهى.
فيستحب الإطلاع على مؤلف فيه معتمد "ككتاب التعبير" لابن سيرين.
стр. 33
الفصل "التاسع عشر": (في المحرم من العلوم)
وهو علم الحرام الذي لا يقع في حال أحد فلا يخاف وقوع أكثر الناس فيه وهو تعلم السحر والفلسفة في قطر لم يفشيا فيه، ولا يخاف على أكثر الناس وقوعهم فيها. منه الاستقصاء في أدلة علم الكلام. ومنه مجادلة الفرق الضالة الإسلامية والفلاسفة في قطر لم تفتش عقائدهم فيه. ومنه الاشتغال بعلم أحكام النجوم، وهو على ما في بعض الرسائل علم يعرف به الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية.
قال في الكتاب المسمى "بالنوازل": الاستدلال بسير النجوم وحركات الأفلاك على الحوادث بقضاء الله وقدره جائز، كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض، ولو لم يعتقد بقضاء الله أو ادعى علم الغيب بنفسه يكفر، انتهى.
يعني يكفر إذا اعتقد تأثير النجوم بالذات لا [بواسطة] ما جرى عادته تعالى على خلق الأثر عند سيرها، وكذا يكفر إذا ادعى أنه يعلم الغيب من عنده لا بالعلامة.
стр. 34
ومنه علم الموسيقى، وعلم الشعبذة، وعلم الحرف كما ذكره ابن نجيم في الأشباه والنظائر.
أما الموسيقى: فهو علم يبحث فيه عن النغمات وقد وضعته الفلاسفة.
وأنا الشعبذة: فهي اراءة الشيء في رأي العين بغير ما عليه حقيقته بسبب خفة يد المباشر لذلك الشيء كما في القاموس، فيحرم علمه لأنه لعب، [ويرادفه الشعوذة- بالواو بدل الباء].
وأما علم الحرف فهو علم الجفر، وهو علم يعرف به رقم حروف الهجاء على كيفية ذكرت في كتاب الجفر، وغايته الإطلاع على المغيبات الآتية وتسخير الناس وقهرهم. وقال ابن العربي: واضع هذا العلم على ﵁، وموضوعه: حروف الهجاء، وجعفر الصادق هو الذي غاص في
стр. 35
أعماق هذا العلم وصنف فيه الخافية، وهذا العلم لا يطلع عليه إلا صاحب كشف عظيم وذوق سليم، انتهى.
أقول: فظهر أن الاشتغال به يجوز لصاحب الكشف العظيم والذوق السليم وقليل ما هم، ويحرم لغيره لأنه يتخبط ويكذب بسببه.
وقال في "الإحياء": ويذم علم السحر والطلسمات يعني يحرمان.
وقال الطيبي في "شرح الكشاف": وتتفاوت درجات تحريم العلوم المحرمة. أقول والظاهر من كلمات العلماء أن أشدها تحريما الفلسفة الطبيعية
стр. 36
والإلهية خصوصًا، لأنه أكثر أغاليط الفلاسفة كما ذكر في رسالة "المنقذ للغزالي)
الفصل العشرون): (حكم تعلق المنطق)
قال في الأشباه: بعد التصريح بتحريم الفلسفة، [ودخل في الفلسفة المنطق، يعني أنه من مباديها. وهذا يشعر بتحريمه كالفلسفة]
وفيه نظرا لأن الحساب من الفلسفة مع أنه فرض كفاية.
وبالجملة إن ما يتوقف عليه الحرام لا يكون حراماً بل ما يؤدي إلى الحرام يكون حراماً وبينهما فرق فاعرف. قال ابن الحجر في "شرح الأربعين": المنطق الذي يكون حراما هو المنطق المخلوط بعقائد الفلاسفة، وأما المجرد منها كما هو المتداول اليوم فلا وجه لتحريمه، انتهى.
أقول: من فوائد الاشتغال به تشحيذ الخاطر. قال الغزالي في "رسالة المنقذ": الخاطر آلة الدين كالسيف آلة الجهاد، وتشحيذ الخاطر كتحديد السيف، ولا يجوز تشحيذ الخاطر بالعلوم المحرمة، لأن فيها مضرة ولأن الخاطر يشحذ بالعلوم الشرعية ولا يخاف منها مضرة، انتهى.
أقول: أشعر أن تشحيذ الخاطر مستحب. أقول بل فرض كفاية والله أعلم، [لـ] أن الخاطر آلة الدين كما صرح به، ولأن الأحمق يفسد الدين،
стр. 37
فيستحب أو يفرض كفاية قراءة بعض النسخ الدقيقة [من العلوم الشرعية] أو الآلية على وجه يحصل به تشحيذ الخاطر على عالم مدقق يخوض في الدقائق، وهو أعز من الكبريت الأحمر. وأول النسخ للاشتغال به لتشحيذ الخاطر "شرح الكافية" المقصور على الأسئلة والأجوبة الموجزة وقد يوجد في وجه ورقة واحدة منه عشرون سؤالا وعشرون جواباً، لكن ينبغي أن يكون الاشتغال به بعد تعلم المنطق والمناظرة.
الفصل "الحادي والعشرون": (في حكم علم الرمل)
قال في المصابيح: روى عن معاوية بن الحكم قلت للنبي
стр. 38
صلى الله عليه وسلم: منا رجال يخطون قال ﵇: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك.
قال الطيبي: قيل ذلك النبي إدريس ﵇ والمشهور أن- خطه- بالنصب ليكون الفاعل مضمراً، أي وافق خطه، وروي بالرفع ليكون المفعول محذوفا. ومعنى قوله فذاك: أن ذاك الذي وافق خطه مصيبا وقيل: معنى فمن وافق خطه لا يوافق خط أحد خط النبي، لأن خط ذلك النبي معجزة، فهذا زجر ونهي. وقيل: معناه، يوافق خط بعض، خطه.
وهو أي ذلك البعض صاحب قوة الفراسة والكامل في العلم، وخط بعض يوافق خطه. فالمعنى على هذا زجر من ليس له قوة الفراسة والكمال في العلم عنه
стр. 39
قال صاحب النهاية: هو علم معروف للناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن. وكيفية خط العرب: أن الرجل منهم إذا قصد شغلا يأخذ خشباً ويخط على الرمل على العجلة خطوطاً كثيرة بلا حساب، ثم يمحو خطين خطين، فإن بقى زوج فهو علامة الخير، وإن بقي فرد فهو علامة النحوسة، انتهى. قاله الطيبي رحمه اللهز
أقول: لعل وجه تسميته ما في الصحاح: " الرمل خطوط تكون في قوائم البقرة الوحشية تخالف سائر لونها. انتهى.
وفائدة علم الرمل التخمين بالمغيبات، كذا قاله طاش كبري زاده في مفتاح السعادة، يعني لغير النبي هو معجزته فإنه يفيد اليقين [له]
الفصل "الثاني والعشرون": (فيما يكون تعلمه مكرها كراهة تحريم)
هو - على ما في الأشباه- الأشعار المتعلقة بعشق النساء وأمثاله ما ينبيئ عن سخافة العقل. وقال قاضي خان: وأما قراءة أشعار العرب مما فيه ذكر الفسق والخمر والغلام فمكروه، لأنه ذكر للفواحش، انتهى.
يقول الفقير: هذا إذا ذكر شيء منها على طريق الحقيقة، وأما إذا ذكر على طريق تمثيل أحوال السالكين إلى الله تعالى بها، فلا يكره ذلك
стр. 40
للسالكين لا تحريما ولا تنزيها لوقوعه في بعض أشعار المشايخ، كما نقل القشيري عن بعضهم:
(فأسكر القوم دور كأس ... وكان سكري من المدير)
قول قاضيخام: فمكروه، يجب أن يقيد بما إذا لم يكن قراءتها بلا تغن، إذ قراءتها بالتغني حرام، كما ذكر في الإحياء لأنها (ح) تحرك شهوة الجرام فتقضي إليه، وما يفضي إلى الحرام حرام.
وقد فصلنا ذلك في "رسالتنا" في بيان التغني.
الفصل "الثالث والعشرون": (فيما يكون تعلمه مباحا)
مثل الأشعار التي ليس فيها ذكر الفسق، بل ذكر الأشياء المباحة مثل الجبال والوطن والفراق وكذا تعلم الهندسة وتواريخ الأخبار وما يجري مجراها، كذا في الإحياء.
следующие страницы →