← Указатели

Указатели · id 20970

ترتيب العلوم للمرعشي

المرعشي، محمد بن أبي بكر

Полный текст (163 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والإلهية خصوصًا، لأنه أكثر أغاليط الفلاسفة كما ذكر في رسالة "المنقذ للغزالي) الفصل العشرون): (حكم تعلق المنطق) قال في الأشباه: بعد التصريح بتحريم الفلسفة، [ودخل في الفلسفة المنطق، يعني أنه من مباديها. وهذا يشعر بتحريمه كالفلسفة] وفيه نظرا لأن الحساب من الفلسفة مع أنه فرض كفاية. وبالجملة إن ما يتوقف عليه الحرام لا يكون حراماً بل ما يؤدي إلى الحرام يكون حراماً وبينهما فرق فاعرف. قال ابن الحجر في "شرح الأربعين": المنطق الذي يكون حراما هو المنطق المخلوط بعقائد الفلاسفة، وأما المجرد منها كما هو المتداول اليوم فلا وجه لتحريمه، انتهى. أقول: من فوائد الاشتغال به تشحيذ الخاطر. قال الغزالي في "رسالة المنقذ": الخاطر آلة الدين كالسيف آلة الجهاد، وتشحيذ الخاطر كتحديد السيف، ولا يجوز تشحيذ الخاطر بالعلوم المحرمة، لأن فيها مضرة ولأن الخاطر يشحذ بالعلوم الشرعية ولا يخاف منها مضرة، انتهى. أقول: أشعر أن تشحيذ الخاطر مستحب. أقول بل فرض كفاية والله أعلم، [لـ] أن الخاطر آلة الدين كما صرح به، ولأن الأحمق يفسد الدين،

стр. 37

فيستحب أو يفرض كفاية قراءة بعض النسخ الدقيقة [من العلوم الشرعية] أو الآلية على وجه يحصل به تشحيذ الخاطر على عالم مدقق يخوض في الدقائق، وهو أعز من الكبريت الأحمر. وأول النسخ للاشتغال به لتشحيذ الخاطر "شرح الكافية" المقصور على الأسئلة والأجوبة الموجزة وقد يوجد في وجه ورقة واحدة منه عشرون سؤالا وعشرون جواباً، لكن ينبغي أن يكون الاشتغال به بعد تعلم المنطق والمناظرة. الفصل "الحادي والعشرون": (في حكم علم الرمل) قال في المصابيح: روى عن معاوية بن الحكم قلت للنبي

стр. 38

صلى الله عليه وسلم: منا رجال يخطون قال ﵇: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك. قال الطيبي: قيل ذلك النبي إدريس ﵇ والمشهور أن- خطه- بالنصب ليكون الفاعل مضمراً، أي وافق خطه، وروي بالرفع ليكون المفعول محذوفا. ومعنى قوله فذاك: أن ذاك الذي وافق خطه مصيبا وقيل: معنى فمن وافق خطه لا يوافق خط أحد خط النبي، لأن خط ذلك النبي معجزة، فهذا زجر ونهي. وقيل: معناه، يوافق خط بعض، خطه. وهو أي ذلك البعض صاحب قوة الفراسة والكامل في العلم، وخط بعض يوافق خطه. فالمعنى على هذا زجر من ليس له قوة الفراسة والكمال في العلم عنه

стр. 39

قال صاحب النهاية: هو علم معروف للناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن. وكيفية خط العرب: أن الرجل منهم إذا قصد شغلا يأخذ خشباً ويخط على الرمل على العجلة خطوطاً كثيرة بلا حساب، ثم يمحو خطين خطين، فإن بقى زوج فهو علامة الخير، وإن بقي فرد فهو علامة النحوسة، انتهى. قاله الطيبي رحمه اللهز أقول: لعل وجه تسميته ما في الصحاح: " الرمل خطوط تكون في قوائم البقرة الوحشية تخالف سائر لونها. انتهى. وفائدة علم الرمل التخمين بالمغيبات، كذا قاله طاش كبري زاده في مفتاح السعادة، يعني لغير النبي هو معجزته فإنه يفيد اليقين [له] الفصل "الثاني والعشرون": (فيما يكون تعلمه مكرها كراهة تحريم) هو - على ما في الأشباه- الأشعار المتعلقة بعشق النساء وأمثاله ما ينبيئ عن سخافة العقل. وقال قاضي خان: وأما قراءة أشعار العرب مما فيه ذكر الفسق والخمر والغلام فمكروه، لأنه ذكر للفواحش، انتهى. يقول الفقير: هذا إذا ذكر شيء منها على طريق الحقيقة، وأما إذا ذكر على طريق تمثيل أحوال السالكين إلى الله تعالى بها، فلا يكره ذلك

стр. 40

للسالكين لا تحريما ولا تنزيها لوقوعه في بعض أشعار المشايخ، كما نقل القشيري عن بعضهم: (فأسكر القوم دور كأس ... وكان سكري من المدير) قول قاضيخام: فمكروه، يجب أن يقيد بما إذا لم يكن قراءتها بلا تغن، إذ قراءتها بالتغني حرام، كما ذكر في الإحياء لأنها (ح) تحرك شهوة الجرام فتقضي إليه، وما يفضي إلى الحرام حرام. وقد فصلنا ذلك في "رسالتنا" في بيان التغني. الفصل "الثالث والعشرون": (فيما يكون تعلمه مباحا) مثل الأشعار التي ليس فيها ذكر الفسق، بل ذكر الأشياء المباحة مثل الجبال والوطن والفراق وكذا تعلم الهندسة وتواريخ الأخبار وما يجري مجراها، كذا في الإحياء.

стр. 41

أما: المقصد الأول ففيه (فصلان) الفصل "الأول": في الكلام المتعلق بكل فن أما علم اللغة: فهو علم الأوضاع الشخصية للمفردات. كذا في بعض الرسائل. وهذا العلم هو الذي أظهر الله تعالى به فضل آدم ﵇ على الملائكة وأحقيته للخلافة في الأرض. والوضع الشخصي أن تلاحظ اللفظ بشخصه وتضعه لمعنى، ويقابله الوضع النوعي: وهو أن تلاحظ اللفظ بشخصه وتضعه لمعنى، ويقابله الوضع النوعي: وهو أن تلاحظ ألفاظا بأمر كلي وتضعها لمعنى. كوضع المشتقات والمركبات والمجازات. والوضع النوعي يعرف في فن النحو والبلاغة. كأن تقول: اسم الفاعل معناه ذات قام بها مأخذ الاشتقاق وذلك كضارب فإنه اجتمع فيه وضعات: وضع بحسب مادته وهو الضرب وهو الوضع الشخصي فيقال الضرب معناه شيء على شيء، وذلك يعلم في علم [اللغة]. ووضع بحسب هيئته وهو الوضع النوعي.

стр. 42

فيقال الضارب معناه ذات قام بها الضرب لأنه صيغة اسم الفاعل فيعلم ذلك بعلم النجو، وكأن تقول المركب الإسنادي معناه/ إثبات أمر لآخر وذلك كزيد قائن، فإن معناه إثبات القيام لزيد. وكأن تقول: المجاز ما يراد به ما يناسب معناه الحقيقي مع قرينة مانعة عن إرادة معناه كالغيث، في رعينا الغيث فإنه يراد به لازمه الذي هو النبت، فإن الغيث موضوع أولا بالوضع الحقيقي الشخصي للمطر، وثانياً بالوضع النوعي المجازي للنبت، فالوضع في قول أهل البلاغة- المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له- هو الوضع الحقيقي. اعلم أن اللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، كذا في القاموس أقول: هذا يعم الاصطلاح، وأم اللغة التي (تقابل) الاصطلاح: فهي اللفظ الموضوع بالوضع الأول. وفي تعريف "اصطلاحات الفنون"- مؤلف ينسب إلى السيد الشريف قدس سره- ينبغي أن يستصحبه الطالب. ثم اعلم أن علم [اللغة] قد يطلق على جميع العلوم العربية.

стр. 43

والإسم المخصوص بمعرفة أوضاع المفردات هو علم متن اللغة: كذا في "المطول". ولهذا الفن مبادئ ومقاصد، أم المبادئ فهي معرفة أحوال الوضع. كما صرح به على القوشجي في كتابة المسمى "بعنقود الزواهر"، رتبه على ثلاثة عقود: الأول في الوضع، والثاني في الاشتقاق، - والثالث في التصريف. وينبغي للطالب أن يستصحب نسخة منه، إذ لم نر له نظيراً في الفنون الثلاثة. ومن المؤلفات فيها، الرسالة الوضعية لعضد الدين. ومن المؤلفات فيها العقد الأول في عنقود الزواهر. وأما المقاصد فهي معرفة معاني المفردات، ومن المؤلفات فيها منظومة ابن فرشتى وصحاح الجوهري. ومن أجمع المؤلفات فيها القاموس. ومن

стр. 44

المؤلفات فيها الأساس والفائق، كلاهما للزمخشري. أما الأساس، فميز فيه حقائق اللغة عن مجازاتها، وبين فيه صلات الأفعال. وأما الفائق، فمختص ببيان غرائب ألفاظ الحديث. وحق علم اللغة أن يقدم تعلمه على تعلم الكتب المؤلفة بتلك اللغة، فينبغي للمبتدئ أن يحفظ لغة ابن فرشتة قبل الشروع في التصريف والنحو. وأما استعمال لغة الأختري فهو يناسب المبتدئين، و [لا] ينبغي أن يعول عليها الفحول. وأما علم الصرف، يسمى علم التصريف أيضا: فهو علم باحث عن هيئات الكلم التي ليست بإعراب. قوله: ليست بإعراب، يخرج علم النحو، وقوله: عن هيئات الكلم يخرج علم الاشتقاق لأنه ليس باحثا عن هيئاتها، بل عن انتساب يعضها إلى بعض بالأصالة والفرعية. وأما التصريف المعرف بتحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة فليس إسما للعلم كما صرح به التفتازاني في شرح كتاب عز الدين. وبالجملة إن التصريف معنيين اصطلاحيين، ويضاف لفظ العلم إلى الأول دون الثاني.

стр. 45

وفي هذا الفن مؤلفات مشهورة منها الشافية. والعقد الثالث من عنقود الزواهر، وهو أنفع ما رأينا من المؤلفات فيه. وأما علم الاشتقاق: فهو علم يبحث فيه عن كيفية أخذ الألفاظ المتناسبة تركيبا ومعنى بعضها عن بعض ورد بعضها إلى بعض، كذا في عنقود الزواهر. قوله: (ورد) عطف على (أخذ). وهذا التعريف للاشتقاق الذي هو اسم الفن. وقد يطلق الاشتقاق على معنيين اصطلاحيين غير الفن، وهما ما ذكر في "التلويح": أن الاشتقاق يفسر تارة باعتبار العلم، فيقال: هو أن تجد بين اللفظين تناسباً في أصل المعنى والتركيب، فترد أحدهما إلى الآخر، فالمردود مشتق والمردود إليه مشتق منه، وتارة باعتبار العمل فيقال: هو أن تأخذ من اللفظ ما يناسب في حروفه الأصل وترتيبها فتجعله دالا على معنى يناسب معناه. فالمأخوذ مشتق، والمأخوذ منه مشتق منه، انتهى.

стр. 46

قوله: باعتبار العم، معناه أن من وجد بين اللفظين التناسب المذكور، يعلم أن أحدهما مشتق من الآخر، أعني يعلم أن الواضع، وضع أحدهما أولا ثم أخذ منه الآخر، ووضعه لمعنى آخر يناسب معنى اللفظ الأول ويعايره بوجه ما. واللفظ الأول في الأغلب المصدر، وقد يكون اسم عين كالمسيح وعيسى، اسمي ابن مريم، فإن الأول مشتق من المسح، سمي به لأنه مسح الأرض بالمشي ولم يقم في موضع، أو مسحه جبرائيل. والقاني: من العيس، وهو بياض تعلوه حمرة، سمي به لأنه لونه كذلك. وهذان المعنيان للاشتقاق أشير إليهما في تعريف الاشتقاق الذي هو: اسم الفن، فالأخذ إشارة إلى المعنى الثاني، والرد إلى المعنى الأول، والمراد من البحث في تعريف هذا الفن هو البحث على الوجه الكلي، ولذا قال في بعض الرسائل: الاشتقاق علم يبحث فيه عن المفردات على الوجه الكلي من حيث انتساب بعضها إلى بعض بالأصالة والفرعية، انتهى. أقول: فلا يذكر في علم الاشتقاق، [اشتقاق] لفظ بعينه إلا على طريق المثال، قال في عنقود الزواهر: أورد الأوائل كل واحد من علمي الاشتقاق والصرف بالتدوين لاختلاف مباحثهما وميزوهما في التعريف، والمتأخرون لما رأوا شدة الارتباط بين مسائلهما- لأن كلا منهما يبحث عن الكلمة، وإن اختلفت جهة البحث في كل منهما- خلطوهما في التدوين وأدرجوهما في تعريف واحد كما فعله ابن الحاجب في أول "الشافية" حيث قال: التصريف علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست

стр. 47

بإعراب. أقول: فدخل فيه الاشتقاق، انتهى. ولم أر مفرداً بالتدوين في الاشتقاق سوى العقد الثاني من عنقود الزواهر، ونعم المؤلف ذلك، والسيد الشريف [قسم علم العربية وبني تقسيمه على تمييز الاشتقاق عن الصرف حيث قال] في شرح المفتاح: اعلم ان علم العربية المسمى بعلم الأدب علم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا أو كتابة. ويقسم على ما صرحوا به إلى إثنى عشر قسما ... إلى آخر ما قال، فعد اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعاني والعروض والقافية والخط وقرض الشعر وإنشاء النثر والمحاضرات، وقال: ومن المحاضرات التواريخ. قال: وأما البديع فقد جعلوه ذيلاً لعلم المعاني لا قسما برأسه، انتهى. وقال في الصحاح: قرضت الشعر إذا قلته. قال بعض الفضلاء: بعض هذه [الفنون] الأدبية لا يستمد منه التفسير، وهو العروض والقافية وقرض الشعر والخط والإنشاء، انتهى.

стр. 48

أقول: ولعل المحاضرات لا يستمد التفسير منها أيضا إلا باعتبار اشتمالها على التواريخ. واعلم أن الأدب في اللغة ما حسن تناوله كما في القاموس. وأما علم الخط العربي: فهو علم يبحث فيه عن كيفية كتابة اللفظ العربي وهو أحد العلوم العربية، وتشتد إليه الحاجة، إذ من جهله يخطيء في كتابة اللفظ العربي وقراءته، إذ في الخط العربي زيادة على اللفظ ونقصان عنه، وإبدال [ملفوظ] بما ليس بملفوظ خصوصا بالهمزات، ومن المؤلفات فيه: آخر الشافية. وهذا الفن غير خط المصاحف وسيأتي ذلك. وأما علم النحو: ويسمى علم الإعراب أيضا فهو علم يبحث فيه عن أحوال الكلم إعرابا وبناء، كذا في التلويح، وهذا تعريف [باعتبار] موضوعه، وقد يعرف بأنه قوانين يعصم مراعاتها اللسان عن الخطأ في التكلم، وهذا التعريف باعتبار الغاية، وشامل لفن التصريف. فللنحو معنيان: أخص وأعم. قال الزمخشري في الكشاف: ولا يضبط هذا الفن إلا أهل النحو.

стр. 49

وقال عصام الدين، أراد بالنحو ما يشمل الصرف، أقول: لكن علم الأعراب لا يرادف إلا المعنى الأخص. وبالجملة إن النحو والتصريف يتحدان في الموضوع، وهو اللفظ المفرد، ويختلفان في محمولات المسائل. ومن المؤلفات في النحو "الكافية" وقد فاتها نصف النحو، والنصف الآخر اشتمل عليه "مغني اللبيب"، من فاته فقد فاته نصف النحو. وسمعنا أنه داخل في سلك المذاكرة في مصر المحروسة. قال السيد الشريف في شرح المفتاح: إن تمام علم النحو بعلم المعاني والبيان، لأنهما يجريان منه مجرى اللب من القشر، انتهى. واعلم أن شرح الجامي للكافية لا يقدر على تعلمها إلا أذكياء الطلبة بعد تحصيلهم بضاعة من الميزان والمناظرة. وكثير ممن لا يقدر على فهمه يشتغل بدرسه سنتين أو أكثر لتضييع أوقاته وتسمين بلادته. والشرح المسمى

стр. 50

بالمتوسط يقرب من فهم المبتدئين، وقد كان أوائل الطلبة يهتمون بقراءة المفصل للزمخشري، كما يظهر من النظر في نسخها العتيقة، وذا حقيق بذلك. ومنذ ما ترك طلبة الزمان مسالك أوائلهم لم يصلوا إلى درجاتهم، لكن الاشتغال به لا يغني أيضا عن الاشتغال بمغني اللبيب. وأما علم العروض: فهو علم يعرف به أوزان المركبات الموزونة. وهذا الفن مع صغره وسهولة تحصيله له اصطلاحات كثيرة يشين جهلها [العالم] المدرس. ومن أشهر المؤلفات فيه: مختصر الأندلسي لكن فاته بعض المباحث، ومن المؤلفات فيه الكافي وهو كاسمه، ومشتمل مسائل القافية أيضا. وأما علم القافية: فهو علم يعرف به أحوال تناسب أواخر المركبات الموزونة. وأما علم التجويد: ويسمى علم الأداء أيضا، فهو علم يبحث فيه عن مخارج الحروف وصفاتها، وقد يعرف بأنه ملكة يقتدر بها على إعطاء الحروف حقوقها، وذلك

стр. 51

لأن أسماء العلوم قد تطلق على الملكات الحاصلة من إدراكات مسائلها، كما أنها تطلق على نفس المسائل وعلى إدراكاتها. وأما التجويد المعرف: بأنه إعطاء الحروف حقوقها من المخارج والصفات فليس الذي هو اسم الفن، بل هو صفة للقارئ المجود، فللتجويد معنيان اصطلاحيان. قيل موضوعه الكلمات القرآنية، وفيه نظر، إذ البحث فيه عن مطلق الحروف، فلعله بعض علم التصريف، ولذا اشتمل عليه بعض كتبه كالشافية. ولما كان غرض من أفرده عن التصريف معرفة أحوال الكلمات القرآنية اعتبر موضوعه الكلمات القرآنية. قال علي القاري لا خلاف في أن علم التجويد فرض كفاية والعمل به فرض عين. أقول: فيه نظر لأن العلم تابع للمعلوم، كما صرح به، فلزم أن علمه فرض عين أيضا، والجواب: أن كون العلم تابعاً للمعلوم فيما إذا توقف تحصيل المعلوم عله، والعمل بالتجويد قد يحصل بالأخذ من أفواه مشايخ الأداء، بل ذلك هو العمدة، لكن بمعرفة قواعد ذلك الفن يسهل الأخذ عن أفواه المشايخ، وبها يعرف غلط الأساتذة، ويصان المأخوذ عن التحريف والشك، ويزيد بها المهارة. قال مكي في الرعاية: من لم يعرف قواعد التجويد واقتصر على السماع من أفواه الأساتذة، فذلك وهن ضعيف لا يلبث أن يشكك ويحرف، انتهى. وفي هذا الفن مؤلفات لا تحصى، فهو فن اهتم به أسلاف العلماء.

стр. 52

وقال ابن الجزري في التمهيد/ إن أولى ما قدم من علوم القرآن معرفة تجويده. أقول: وقد ترك الاشتغال بهذا الفن في زماننا، ولذا شاع غلط كثير في ألسنة القارئين، مثل قراءة الضاد المعجمة كالطاء المهملة، مع أن حقها أن تقرأ كالظاء المعجمة، كما هو المصرح به في المفصلان كتب هذا الفن، ومن اكتفى بمثل مقدمة ابن الجزري رحمة الله عليه، لا يطلع على حقائق صفات الحروف، إلا أنه يشتغل ببعض شروحه المطنبة مثل شرح على القاري. والبائس الفقير رتب رسالة حاوية على عامة مسائل هذا الفن وسماها "جهد المقل" وشرحها وسمي الشرح "البيان" ومن اطلع على ما فيهما يستغني عن أكثر المؤلفات فيه، ويصير رحلة في هذا الفن. وفي قول على القاري: والعمل به فرض عين- مسامحة، إذ ما هو فرض عين هو تجويد الحروف عن اللحن الجلي، وتفصيل هذا في رسالتنا المذكورة. وأما علم الوقف والابتداء/ فالظاهر من كلام السيوطي في

стр. 53

الإتقان: أنهما [علم] واحد حيث قال: النوع الثامن والعشرون في الوقف والابتداء أفرده بالتصنيف خلائق منهم ابن الأنباري والداني والسجاوندي وهو فن جليل يعرف به كيفية أداء القرآن، قال ابن الأنباري: من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء. انتهى كلام السيوطي. أقول: هو علم يعرف به مواضع الوقف والابتداء من القرآن. وقول السيوطي: يعرف به كيفية أداء القرآن، يصرح بأن هذا الفن داخل في التجويد، وقوله: أفرده بالتصنيف يشعر بذلك لأن الظاهر أن معناه أفراده عن علم التجويد، سئل علي رضي اله عنه عن معنى قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [الزمل: ٤] فقال: الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف. انتهى. وقال على القاري: قال ابن الجزري: إن في كلام علي ﵁ دليلا على وجوب تعلمه، انتهى. يعني تعلم الوقف. وقال ابن الجزري في

стр. 54

التمهيد: قد صنف العلماء في أقسام الوقف كتباً مدونة وذكروا فيها أصولا مجملة وفروعا في الآي مفصلة، انتهى. أقول أما أصولها المجملة فاشتمل عليها أكثر كتب التجويد. والبائس الفقير أدرجها في "جهد المقل"، بحيث لا مزيد عليها. وأما فروعها في الآي مفصلة، ففيها مؤلف أبي عمرو الداني ومؤلف ابن الأنباري. والتزم الكواشي الإشارة إلى مواضع الوقف في جميع القرآن. وأما علم مرسوم المصاحف فهو علم يعرف فيه كيفية رسم المصاحف الأئمة، أي خطها. أقول: الأئمة صفة المصاحف، والمراد منها المصاحف التي كتبها الصحابة بأمر عثمان ﵁ في زمن خلافته. قال الداني في المقنع: أرسل عثمان ﵁ إلى زيد بن ثابت وإلى عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث، وأمرهم أن ينسخوا مصاحف ففعلوا، فبعث عثمان ﵁ إلى كل أفق مصحف من تلك المصاحف التي كتبوها. وأكثر العلماء على أن عثمان ﵁ لما كتب المصحف جعله أربع نسخ، وبعث إحداهن إلى

стр. 55

الكوفة وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة. وقيل أنه جعل سبع نسخ ووجه منها نسخة إلى مكة ونسخة إلى اليمن ونسخة إلى البحرين والأول أصح وعليه الأئمة، انتهى. قوله: لما كتب المصحف، معناه لما أمر بكتب المصحف كما هو ظاهر من سابق كلامه، وإنما أضيفت المصاحف ورسومها إلى عثمان ﵁ لوقوعها بأمره، فهو كقولهم: بني الأمير المدينة، وإنما وصف تلك المصاحف بالأئمة لأن كل واحد منها استنسخت منه مصاحف لا تحصى، فصارت أئمة اقتدى برسمها المصاحف. فإذا قيل رسم الإمام، يمكن أن يراد بالإمام المصحف الإمام، وأن يراد عثمان ﵁. وإذا قيل (كذا في الإمام) يراد به المصحف البتة. قال الزمخشري في "الكشاف": قد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة [عن] القياسات التي بني عليها [الخط العربي] قال السيوطي في الإتقان، قال أحمد: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان ﵁ في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك، انتهى. فعلم أن هذا الفن فرض على الكفاية قال في بعض شروح الرائية إن خطوط مصاحف الصحابة كانت بلا نقط ولا شكل محتملة لجميع القراءات التي يعول عليها. وهذا النقط والشكل الموجود في المصاحف

стр. 56

اليوم محدث، وقالوا لا بأس به، انتهى. وقال السيوطي عن النووري/ إن نقط المصحف وشكله مستحب، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف، انتهى. والمراد من الشكل: هو رسم الحركات والسكون والتشديد والمد. أقول وعلى النقط والشكل يختص المصحف ببعض القراءات. ومصاحف ديارنا منقوطة ومشكلة على قراءة عاصم، ورواية حفص عنه. ومن المؤلفات في بيان رسم المصاحف المقنع للداني والرائية للشاطبي وجامع الكلام. وأعلم أن بعض مسائل القراءات، يتوقف على معرفة بعض المسائل هذا الفن، كالوقف على مرسوم الخط. ومن [جهل] هذا الفن يتحير عند مقابلة المصاحف. وبعض من جهله يغير خط المصحف القديم إلى ما

стр. 57

أحدثه الناس اليوم، ظنا منه أن خط المصحف القديم غلط/، وبعضهم يقرأ ﴿أُولَاتُ الْأَحْمَال﴾ [الطلاق: ٤]- بالواو- وما قرئ في الأعراف بواو واحدة، إلى غير ذلك من الأغلاط. وأما علم القراءات: فهو علم مذاهب الأئمة في قراءات نظم القرآن، والقراءات أبعاض القرآن، لكن تنقسم إلى مشهورة وشاذة، والمشهورة: هي الصحيحة المعتبرة. والشاذة: هي الضعيفة. والمراد من المشهورة هي المتواتر نقلها عن النبي ﷺ . قال ابن الجزري في النشر: كل قراءة وافقت العربية [وأحد] المصاحف العثمانية وصح نقلها عن النبي ﵇ فهي صحيحة لا يحل ردها، ويجب على الناس قبولها، سواء كانت من قراءات الأئمة السبعة أو من قراءات غيرهم، ومتى اختل أحد هذه الأركان فهي ضعيفة شاذة وإن كانت من قراءات الأئمة السبعة، انتهى. قوله، صح نقلها: لعل معناه تواتر نقلها فالتي ثبتت بخبر الآحاد شاذة. قال أبو شامة: أكثر العلماء اقتصروا في تصانيفهم على ذكر قراءات الأئمة السبعة لكثرة [الصحيح] المجمع عليه في قراءاتهم، وبعض ما نسب [إليهم] غير مجمع عليه، انتهى.

стр. 58

أقول والمجمع عليه هي المشهورة وغير شاذة، وفي الإجماع هنا إشكال، لأن الظاهر أن معناه ما أجمع عليه أئمة القراءات، وقراءة بعضهم تخالف قراءة البعض الآخر منهم، فليزم أن لا تكون مجمعا عليها، كقراءة "ملك" قرأ بعضهم بالألف وبعضهم بلا ألف، مع أن كلتا القراءتين مجمع عليها. والجواب أن اختلاف أئمة القراءات ليس في الصحة والثبوت بل في الترجيح، فكل من الأئمة يسلم ثبوت قراءة الآخرين، وهذا بخلاف اختلاف المجتهدين، فإن اختلافهم على طريق التدافع والرد، قال الجعبري/ إن الخلاف في وجوه القراءات ليس كالخلاف في الأحكام، لأن كلا من وجوه القراءات الصحيحة حق في نفس الأمر، وأما كل من وجوه الحكم المختلف فيه: فهو حق اعتبار الاجتهاد والحق في نفس الأمر واحد منها، انتهى. والمراد من الأئمة السبعة: نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبو عمرو البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم وحمزة والكسائي

стр. 59

الثلاثة كوفيون، وأغلب قراءات (هؤلاء) الأئمة مشهورة صحيحة مجمع عليها. واقتصر الشاطبي على ذكر قراءاتهم- وزاد بعض المصنفين قراءة يعقوب البصري- وأبي جعفر المدني، وخلف لكون أغلب قراءاتهم مشهورة صحيحة أيضا. إن قلت خلف راوي حمزة، فما معنى زيادة قراءته؟ قلت له قراءتان: أحدهما رواية عن حمزة والأخرى ما رجحها بنفسه، وصار بما رجحه بنفسه شيخاً وله باعتباره [رواية] كسائر الأئمة. اعلم أن رد شيء من القراءات المتواترة كفر، بخلاف غير المتواترة، فمن لم يعلم القراءات المتواترة، قد يرد ما لم يسمعه منها. قال السيوطي أوعى ما صنف في القراءات المشهورة، النشر في القراءات العشر وتقريب النشر، كلاهما لابن الجزري، انتهى.

стр. 60

ثم اعلم أن علم القراءات يخالف علم التجويد، لأن المقصود من الأول، معرفة اختلاف الأئمة في نفس الحروف أو في صفاتها. [المقصود] من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها، مثلا يعرف في التجويد أن حقيقة التفخيم كذا، وحقيقة الترقيق كذا، ويعرف في القراءات أن هذه الحروف فخمها فلان ورققها فلان. بهذا يندفع ما عسى يقال: علم القراءات يتضمن مباحث صفات الحروف كالإدغام والإظهار والمد والقصر والتفخيم والترقيق هي من مباحث علم التجويد، قال جعبري نقل القراءات السبع فرض كفاية لأنها أبعاض القرآن، انتهى. أقول لا تنحصر القراءات الصحيحة في السبع كما عرفت، فالظاهر أن يقال نقل جميع القراءات الصحيحة فرض كفاية. ومن العجب أن العلوم المتعلقة بنظم القرآن المجيد من القراءات والتجويد، قد وجدناها مهجورة في أمثال ديارنا، تجد أكثر من يحمل فوق رأسه العمامة الكبرى لا يدرون أشهر مسائل القراءات والأداء، ويقرؤون [القرآن] كالنساء وأهل القرى، غفلوا عنها وأن تحصيلهم، ثم منعتهم رياستهم وهيئاتهم عن تعلم علومه والجلوس بين أيدي شيوخه لتصحيح حروفه، ومعرفة وجوه قراءته، ثم يفتخر بعض أولئك بما يتفوه به من اصطلاحات الفلاسفة، ولعل تلك العادة وثبت إلينا من بلاد الشيعة إخوان الفلاسفة المعرضين عن طريق أهل السنة.

стр. 61

وأما المنطق: ويسمى الميزان أيضا فهو قوانين يعرف بها صحيح الفكر وفاسدة، فهو يعصم الذهن عن الخطأ في الفكر، كما أن النحو والصرف يعصمان اللسان عن الخطأ في التكلم، قال ابن حجر في شرح الحديث الأربعين للنووي: ومن آلات الشرع من تفسير وحديث وفقه، المنطق الذي بأيدي الناس اليوم، فإنه علم مفيد لا محذور فيه، وإنما المحذور في المنطق المخلوط بالفلسفة المنابذة للشريعة، ولذا قال الغزالي: لا وثوق بفقه من لا يتمنطق، يعني ابن الصلاح وغيره بتحريمه، محمول على المنطق المخلوط بالفلسفة المنابذة للشريعة، انتهى كلام ابن حجر. وأما المنطق المتداول اليوم فهو قوانين عقلية خالصة عن ذكر عقائد الفلاسفة. أقول: المنطق داخل في الكلام والفلسفة لأنه مبادئ لهما. أما دخوله في الفلسفة. فلا يوجب كونه حراماً إذ الفلسفة ليست بجميع أجزائها حراماً، إنما المحرم منها الإلهيات والطبيعيات، ألا ترى أن الحساب داخل في الفلسفة كما ستعرف إن شاء الله تعالى، مع أن الغزالي صرح بأن الحساب فرض كفاية، وأما دخوله في الكلام فيقتضي كونه فرض كفاية عند من يقول بأن الكلام فرض كفاية، وفيه بحث سيأتي وقد سبق أن الظاهر، أن بحث

стр. 62

الأدلة من المنطق فرض كفاية لكونه مبادئ أصول الفقه، وإنما يضع عن المنطق البليد الذي لا حصة له منه، وكذا الذكي، من طول الاشتغال بحيث يتلهى به عما هو أهم منه، فلا تغرنك عادات المسرفين المستغنين بأمثال هذا الفن "عن" علوم الأنبياء المرسلين، مع أن بعض مباحثه قليل الجدوى جدا وهو تفاصيل الكليات الخمس والموجهات، فالأولى أن يصرف عنان الفكر عن الخوض فيها، فإن العلم كثير والعمر قصير لا يفي زمان التحصيل منه بالقدر الأهم من العلوم قيل: (ما حوى العلم جميعاً أحد ... لا ولو مارسه ألف سنه) (إنما العلم منيع غوره ... فخذوا من كل علم أحسنه) ومن سوء تدبير طلبة هذا الفن اشتغالهم بشرح الفناري مع حاشية قول أحمد بعد إتمام شرح الحسام الكاتي. والمبتدئ لا يفهمهما قبل إتمام شرح الشمسية ومن سوء تدبيرهم بدء شرح الشمسية مع حاشية السيد، بل مع حاشية قرة داود، فإن الاشتغال بغرائب الفن قبل فهم

стр. 63

مسائله الواضحة يمنع فهم ذلك الفن، فالأولى أن يبدأ المنطق بشرح حسام كاتي، ثم بشرح الشمسية، إلى تمام تصديقاته مجردا عن الحاشية، ثم الطالب مخير، إن شاء اكتفى من ذلك الفن بهذا القدر، إن شاء اشتغل ببعض الحواشي مثل حاشية قول أحمد، على طريق المباحثة ودرك الدقائق، وذلك إنما يكون بعد معرفة طرق المناظرة. وأما علم المناظرة: ويسمى أيضا علم آداب البحث وصناعة التوجيه، فهو قوانين يميز بها الموجه من الأبحاث عن غير الموجه، وموضوعه الأبحاث، لأنه يبحث فيه عن أعراضها، وهي كونها موجهة، ومن ليس له بضاعة من هذا الفن لا يكاد يفهم أبحاث العلوم، وهذا الفن يقارب ما ذكره الأصوليون في باب القياس، لكنه ليس بعينه، إذ هذا الفن ينطبق (على الدليل المنطقي وما ذكره الأصوليون منطبق) على القياس الفقهي مع أن بينهما تخالفا في بعض الاصطلاحات ولفظ العلم ليس جزء من اسم الفن، فاسم الفن: المناظرة وآداب البحث، وقد يطلق المناظرة في الاصطلاح على صفة المناظرين أيضا، وهي بهذا المعنى تعرف بالنظر من الجانيين. وعامة طلبة زماننا يشتغلون بالشروح والحواشي، من نسخ هذا الفن مدة مديدة ولا يحصلون من بضاعة، وذلك لعدم إفرادهم المتن بالدرس، ولم أصادف في هذا الفن متنا جامعاً يقرب إلى الفهم، والبائس الفقير جمع عامة مسائله في رسالة سماها "تقرير قوانين المناظرة" ثم اختصرها واقتصر على الأهم منها في رسالة سماها "ولدية".

стр. 64

الفصل "الثاني": (بين الجدل والمناظرة) وهذا الفن يخالف فن الجدل، لأن علم المناظرة علم يقتدر به علي معرفة الصواب، فغرض المناظرة إظهار الصواب، وعلم الجدل على ما عرفه الشارح المسعود: علم يقتدر به على حفظ أي وضع كان وهدم أي وضع كان، انتهى. أقول: يريد من (أي) التعميم للحق والباطل. وقال في التلويح: الجدلي إما مجيب يحفظ وضعا أو معترض يهدم وضعا. أقول: ولعل المعنى أن الجدلي إما معلل يجيب بجدله عن اعتراض السائل فيحفظ مدعاه، أو سائل يعترض بجدله على دعوى المعلل أو دليله، فيهدم دعوى المعلل أو دليله. فقواعد الجدل حيل ومغالطات لا ينبغي أن يقابل بها إلا الخصم المتعنت. ولا يختص فن الجدل بحفظ مسألة فن معين، إلا أن الفقهاء تصرفوا في الجدل، فأوردوا المجالات العامة على المسائل الفقهية، حتى توهم أن علم الجدل اختصاص بالفقه، كذا يفهم من

стр. 65

التلويح، وذكر في آخر آداب محمد السمرقندي مسأةل من فن الجدل، وعل هذا الفن هو المراد بما في تعليم المتعلم: وإياك أن تشتغل بالجدل الذي ظهر بعد انقراض الأكابر فإنه يبعد من الفقه ويضيع العمر، انتهى. فالمراد [منه] المجادلات الواردة على المسائل الفقهية وهي المراد من الخلافيات. في قول بعض الفقهاء في ذم طلبة زمانه: يشتغلون بخلافيات ركيكة. أي ضعيفة ووجه ضعفها أنها مغالطات كاذبة يمكن إيرادها على وجود الشيء وعلى انتفائه، كقولهم: إن الشيء الذي يلزم من وجوده وعدمه المطلوب، إما موجود أو معدوم، وأياً ما كان، يلزم ثبوت المطلوب. ويسمى علم الجدل- الذي تصرف فيه الفقهاء- علم الخلاف وعرف المسعود في بعض منهواته علم الخلاف: بعلم الاختلاف الواقع بين المجتهدين. أقول: وكان بعض من العلماء الحنفية أثبتوا مجتهدات أبي حنيفة بمغالطات علم الجدل، وأبطل بها أقوال من خالفه فيها. وأما علم الكلام: ويسمى أيضا علم أصول الدين، فهو علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ورفع الشبه عنها، وقد يعرف بأنه علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام، وقوله: على قانون الإسلام، ويخرج الفلسفة الإلهية والطبيعية، فإن الأولى يبحث فيها عن ذات الله تعالى وصفاته. الثانية يبحث فيها عن

стр. 66

الممكنات، لكن [كلا] البحثين على قانون عقول الفلاسفة، وافق الحق أو خالفه، كذا في شرح المواقف وغيره. وبعض مسائل الكلام عقلي: يستقل بمعرفته العقل بالنظر في المصنوعات- وإن نطق بها الكتاب والسنة- وهو وجود الخالق بصفات يعرفها العقل، وبعضها سمعي، كبحث النبوة والمعاد، لكن قال في شرح المواقف: إن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع- يعني من الكتاب والسنة ليعتد بها- وإن كانت مما يستقل فيها العقل، انتهى. أقول: ولم أتيقن معنى (ليعتد بها) ولعله بمعنى لثياب عليها فمن لم يصادف شريعة من شرائع الأنبياء وبلغ إلى دليل عقلي إلى الباري ووحدته وسائر صفاته المعلومة بنظر العقل كما هو الحق فهو مؤمن عند الله، يثاب على إيمانه. ومن صادف شريعة من شرائع الأنبياء. ولم يدخل فيها، فلا يعتبر إيمانه الحق الذي يلغ إليه بدليل عقلي، فلا يثاب عليه. واعلم أن لهذا العلم مبادئ ومقاصد. وأما المبادئ فهي المسائل العقلية، كمباحث الأدلة ومباحث الجواهر والأعراض. وأما المقاصد: فهي المسائل الإعتقادية. اعلم أن المسائل الاعتقادية دونت على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: الاقتصار على ذكر المسائل مجردة عن الأدلة ومجادلة المخالفين، ومن المؤلفات في هذه المرتبة الفقه الأكبر لأبي حنيفة ﵀،

стр. 67

ونظم الأمالي، والعقائد النسفية، ومن أوعى المؤلفات في هذه المرتبة: شرح علي القاري للفقه الأكبر مع ما ذيل به ذلك الشرح، لابد لكل عالم أن يستصحبه. ويسمى المدون في هذه المرتبة علم التوحيد والصفات، لما أن ذلك أشرف مباحثه، كما في شرح العقايد للتفتازاني، فلا يسمى المدون في هذه المرتبة، كلاما إلا مجازا. المرتبة الثانية: ذكرها مع الأدلة بلا استقصاء فيها، وبدون ذكر مجادلات الفرق إلا نادراً. ومن المؤلف فيها، الرسالة المقدسي للغزالي. قال التفتازاني في شرح العقايد: سموا ما يفيد معرفة العقائد من الأدلة بالكلام- وهذا الفن مبتن على الأدلة القطعية، يعني العقلية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية، انتهى. أقول: وهذه مرتبة الاقتصاد

стр. 68

والمرتبة الثالثة: الاستقصاء في الأدلة مع زيادة مجادلة الفرق المخالفة، وهذه مرتبة الاستقصاء وانقسم الكلام في هذه المرتبة كما صرح به في شرح العقائد. إلى كلام القدماء: وهو الذي معظم خلافياته مع الفرق الإسلامية، خصوصا المعتزلة، ومن المؤلفات فيه كتاب الأستاذ أبي إسحاق، وكتاب أبي بكر الباقلاني، كما ذكره السبكي. وإلى كلام المتأخرين: وهو الذي زيد على ذلك خلط الفلسفة والرد على الفلاسفة. أقول: ومن المؤلفات فيه: المواقف والمقاصد قول التفتازاني (مبتن على الأدلة القطعية) فيه نظر، لما قال على القاري في أوائل شرح الفقه الأكبر: إن أدلة المتكلمين لا تشفى عليلا ولا تروي غليلا فمآلها

стр. 69

إلى الحيرة. نقل عن الإمام الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا (أو) تروي غليلا ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. انتهى. وقوله: وإلى كلام المتأخرين، هو ما قاله السبكي في كتاب "معيد النعم" ولقد حصل ضرر عظيم على المسلمين بمزج كلام الفلاسفة بكلام المسلمين، وما كان ذلك إلا في زماننا هذا وقبله بيسير، منذ نشأ نثير الطوسي ومن تابعه، ولا حياهم الله. ولم أجد أضر على أهل عصرنا وأفسد لعقائدهم من نظرهم في الكتب الكلامية التي أنشأها المتأخرون بعد نصير الطوسي. انتهى. أقول: والطوسي هذا من رؤساء الشيعة استوزره الملك الكافر، فجاء بذلك الملك إلى بغداد وأمره بقتل الخليفة وقتل علماء أهل السنة وفقهائهم واستبقى الفلاسفة والمنجمين، فلا رحم الله عظامه ولا عظم الله

стр. 70

من عظمه. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يلقي الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الكلام، ولا شك أن ما قاله الشافعي هو كلام القدماء. وقال خسرو، بعد نقل كلام الشافعي: فإذا كان علم الكلام المتداول في زمانهم هكذا فما ظنك بالكلام المخلوط بهذيانات الفلاسفة المغمورة بين أباطيلهم المزخرفة؟ انتهى. أقول: فما ظنك بالفلسفة الخالصة؟ قال السنوسي فليحذر المبتدئ جهده أن يأخذ أصول دينه من الكتب التي حشيت بكلام الفلاسفة، وأولع مؤلفوها بنقل ما هو كفر صريح من عقائدهم التي ستروا نجاساتها باصطلاحات وعبارات مبهمة على كثير من الناس، ككتب الرازي في فن الكلام، وطوالع

стр. 71

البيضاوي، ومن حذا حذوهما في ذلك، وقل أن يفلح من أولع بصحبه كلام الفلاسفة، أو يكون له نور إيمان في قلبه أو لسانه، إلى آخر ما قال: أقول: وأما (المواقف) و (المقاصد) فلم يحذو [ا] حذوهما، إذ هما وإن نقلا عقائد الفلاسفة لكنهما لم يستراها ولم يدساها بين عقائد الإيلام بل صرحا بالنقل عنهم، وعقباها بالرد عليهم. ثم اعلم بأن تمام استقصاء علم الكلام قسمان: - قسم مبادى: وهي مباحث النظر ومباحث الأمور العامة، من الجواهر والأعراض والإدراكات والعناصر والأفلاكات. - وقسم مقاسد: وهي مباحث الإلهيات والنبوات والمهاد، مع إيراد الأدلة العقلية والنقلية ومجادلة الفرق المخالفة، (والكل يشملها) مثل المواقف والمقاصد، لابد للعالم المدرس أن يستصحب شرح المواقف. وقد اقتصر في بعض الرسائل على بعض عقائد الكلام كعقائد الإمام النسفي والعقائد العضدية، واكتفى بشرحها طلبة الزمان عن الاشتغال بمبادئ علم الكلام، فغفلوا عن القواعد العقلية الكلامية وظنوا أن تلك القواعد إنما تطلب من كتب الفلسفة، فألقوا بأيديهم إلى التهلكة، وصرفوا شطرا من أعمارهم إلى ما يؤدي بهم إلى الخيبة.

стр. 72

الفصل "الثالث": (ذم التبحر في علم الكلام) ومن المؤلفات في بعض مسائل الكلام: رسالة إثبات الواجب للدواني، ولها شرح وحاشية على الشرح يشتغل بمدارستها بعض الطلبة مقدار سنة، ومضمونها مسألة واحدة، هي أن للعالم إلها واجب الوجود مع أدلة طويلة واهية، ومجادلات كثير لا ينتج [عن] الاشتغال بها إلا توهين العقيدة وإيراد الوساوس المهلكة، ومن شك في الله سبحانه ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] فهيهات له اليقين من تلك الرسالة، بل الاشتغال بها يورث شكا لأرباب اليقين ويزيد شكا للشاكين. واعلم أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات عند الخليفة بل نفي الحكم عما عدا المستثنى. والمستثنى في حكم المسكوت عنه، واعترض عليهم بأنه يلزم (ح) أن لا تكون كلمة التوحيد توحيدا تاماً، إذ لا دلالة فيها (ح) على وجود الله تعالى، فأجابوا عنه بأن معظم الكفار أشركوا وفي عقولهم وجود الإله ثابت، فسبقت كلمة التوحيد لنفي الغير، كذا في الأصول، وذلك كما

стр. 73

قال تعالى في وصف مشركي زمان الفترة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] وقال في الأحياء ما مختصره: من (أدار) نظره في عجائب خلق الله لا يخفي عليه أنه لا يستغن عن صانع يدبره بل تكاد فطرة النفوس تشهد بذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] ولذا بعث الأنبياء كلهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا: لا إله إلا الله. لا ليقولوا لنا إله أو للعالم إله، فإن ذلك كان مجبولا في فطرة عقولهم، انتهى. أقول: رأيت بحث إثبات الواجب في المواقف مع شرحه في مقدار ورقتين من قطعة مصف الطبقة، وهو أطول كتب الكلام. فالعجب من طلبة الزمان، يشتغلون بدراسة رسالة إثبات الواجب مع الشرح والحاشية، قريبا إلى تمام سنة يخوضون في المجادلات الطويلة إلى حيث لا يدرون في بعض المباحث إلى ما انجر الكلام إلى إثبات الواجب مع الشرح والحاشية، قريبا إلى تمام سنة يخوضون في المجادلات الطويلة إلى حيث لا يدرون في بعض المباحث إلى ما انجر الكلام إلى إثبات الواجب، أو إلى منع ثبوته، وأكثر من يشتغل بها من لا يحسن فهمها. ثم إنهم بكثرة ما يتخيلون رب العزة ﷻ بعلة العلل وأول سلسة الأسباب يزول من صدورهم تعظيم (رب الأرض ورب السماوات) فيا خسرانهم ويا أسفا عليهم ولم يكن لطلبة

стр. 74

العلم من خير [الأمم] يقين كيقين مشركي زمان الفترة في الخالق الإله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]. ثم أقول لأولئك [الطلبة] إن كنتم من أولي الألباب، فلكم في خلق السماوات والأرض آيات، فإن لم تكونوا منهم فكيف [تفيدكم] المجادلات الواهيات، ثم لا شك في حرمة الاشتغال بتلك الرسالة، لأنها استقصاء في مسألة كلامية لم [تشع] مخالفة من خالفها وهو منهي عنه، كما سبق في فصب مندوبات [العلوم]. وسيأتي. الفصل "الرابع": (في حكم الاشتغال بالكلام) قال في الإحياء ما مختصره: اختلفت الأقوال في حكم الاشتغال بالكلام، يعني مع مجادلة الفرق الإسلامية، فقال بعض: إنه فرض على الكفاية، وقال بعض/ إنه بدعه وحرام، وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث ومن السلف. والصواب أن كل بلد لم تشع فيه عقائد أهل البدع لا حاجة فيه إلى الكلام، فلو اتفق أن أحداً اعتقد البدعة يدعي إلى الحق بأدلة مأخوذة من القرآن والحديث، فإنه أنفع له من أدلة المتكلمين، وكل بلد شاع فيه عقائدهم يصير القيام بهذا

стр. 75

العلم فرض كفاية فيه، لكن ينبغي أن يخصص بتعلمه من له ثلاث خصال: الأولى: الحرص على التعلم، كي لا يفتر عن إزالة الشك إذا عرض. والثانية: الذكاء، فإن البليد قد لا يفهم سبيل الخلاص عن شبه (المبتدعة). والثالثة: " أن يكون في طبعه الصلاح والديانة، ولا يكون مغلوب الشهوة، فإن الفاسق ينخلع عن الدين بأدنى شبهة ولا يحرص على إزالتها، بل يغتنمها ليتخلص عن أعباء التكليف، انتهى. أقول: ولا شك في حرمة الاشتغال بالكلام المخلوط بمجادلات الفلاسفة، إذ لا يكاد يوجد بلد شاع فيه عقائدهم. قولهم: لا حاجة فيه إلى الكلام، معناه يحرم الاشتغال به في ذلك البلد تأمل. قوله: وإلى التحريم ذهب ... إلى آخرهن هو ما قاله الطيبي في شرح المشكاة نقلا عن محيي السنة: اتفق العلماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدل والخصومات في الصفات والخوض في علم الكلام، انتهى. وأما علم البلاغة: فهو علم يعرف به مطابقة الكلام الفصيح بمقتضى الحال، ففصاحة
следующие страницы →