← Адаб

Адаб · id 2097

قضايا الشعر المعاصر

نازك الملائكة

Полный текст (349 стр.). Показаны 316–349 · переход к 321.

стр. 316

التعابير والأخطاء. أفلا ينطوي هذا الموقف من النقاد على تشجيع واضح للجيل كله على الاستهانة باللغة العربية والاستخفاف بقواعدها الرصينة؟ وإلى أي مدى ينبغي أن يعد الناقد نفسه مسئولًا عن لغة الشعر المعاصر؟ والواقع أن ازدراء الناقد للجانب اللغوي من النقد ليس إلا صورة من ازدراء الشاعر نفسه للغة وقواعدها، فإن مصدر هذا الازدراء منهما واحد، وفي وسعنا أن نعود بالظاهرة إلى منابعها الحقة في حياتنا المعاصرة نفسها. وليست اللغة بمختلف مظاهرها، إلا مرآة تنعكس فيها حياة الأمة التي تتكلمها. إن الجذور الرئيسية لهذه الظاهرة تختبئ في شبه عقيدة موهومة وقع فيها الجيل العربي المعاصر مؤداها أن الاهتمام باللغة والحرص على قواعدها المختلفة، يدلان على جمود فكري في الأديب وقد يشيران إلى نقص صريح في ثقافته الحديثة. وقد تبلورت هذه العقيدة الزائفة في أنفس الشعراء والكتاب حتى أصبحت تعني لديهم أن التجديد يتجلى فعلًا في ازدراء القواعد النحوية وإهمال المعجم والمقاييس اللغوية التي تعترف بها الأمة كلها. ولعل الناقد العربي ملزم بأن يعترف اليوم بأنه بات يشعر بكثير من الحرج والاستحياء إذا ما هم بتنبيه شاعر إلى كلمة مغلوط فيها أو قاعدة مخروقة في شعره. ليس ذلك لأن الناقد يقر الخطأ، وإنما لأنه يخشى أن يقال عنه إنه ناقد رجعي لم يتصل بالتيارات الحديثة في النقد، ولم يسمع بعد بأن المضمون أهم من الشكل أو إنه العنصر الأوحد في القصيدة التي ينقدها. إن القول بأهمية المضمون وسبقه لكل قيمة غيره في القصيدة قول شائع اليوم. وهناك زمرة من النقاد تشهره سلاحًا بتارًا في وجه كل ناقد يحرص على سلامة اللغة. حتى لقد قامت مدارس بعينها تدعو إلى هدم القواعد باسم

стр. 317

هذا وذاك من الأسباب الواهنة. ولم ترتفع، في ردع هذه المدارس، إلا أصوات خافتة خجلة ما لبث الصياح حتى أسكتها. وليس لهذا الصياح -في نظر العلم- اسم غير الإرهاب الفكري. وإن واجب الناقد المخلص ليقتضي أن يعلن رأيه ولا ترهبه التسميات. ذلك أن الأسماء إنما تكتسب قيمتها من الحقائق التي تسندها. ثم إن قضية اللغة العربية يجب أن تكون أعز علينا من سمعتنا الشخصية باعتبارنا كتابًا مجددين ذوي ثقافة حديثة. وبعد فهل حقًّا تستطيع الدعوة إلى سلامة اللغة أن تسلب الناقد صفة التجديد؟ وهل حقًّا حقًّا أن سلامة اللغة ليست شرطًا في جمالية القصيدة، كما يزعم بعضهم، وكما يريدوننا أن نصدق؟ وهل يسوغ لأي ناقد، مهما كان حديثًا في ثقافته، أن يتحدث بلغة النظريات والتحليلات عن أية قصيدة حافلة بالأخطاء المشوهة والتعابير الركيكة؟ إن الأمة العربية تمر اليوم بمفرق هام من مفارق حياتها، ونحن ملزمون بأن نعمل، كلٌ في الجهة التي تؤهله لها فطرته، في سبيل أن نرفع مستوانا ونبرز مواهبنا وننتج في الحقول كلها. وعلى الناقد العربي يقع قسط كبير من حماية اللغة العربية الجميلة من كل دعوة مريضة للعبث بها. إن هنالك اليوم مدارس بعينها هدفها الرسمي أن تهدم قواعد اللغة العربية وتقتضي عليها قضاء مبرمًا. وسواء أكانت هذه المدارس تصدر في دعوتها عن نزوة فكرية بريئة، أم كانت تتعمد -لغرض مبيت- أن توهن اللغة العربية وتهدم أصالتها، فإن علينا أن نتصدى لها ونناقش دعوتها مناقشة الحريص الذي يغار على لغة الضاد من أن يعبث بها عابث غير مسئول. وإنه ليحزننا أن نرى أكثر نقادنا غير عابئين. وإلا فما الذي جعلهم يسكتون سكوتًا متصلًا على الظاهرة الخطيرة التي بدأت منذ سنين تشيع في شعر المدرسة اللبنانية الحديثة، ظاهرة العبث بالقواعد النحوية الراسخة وإخضاع اللغة للسماع الشاذ الذي لا يعتد به؟ لماذا لم يحتج أي من نقادنا على "أل" التعريف وقد راح جيل كامل من

стр. 318

شباب لبنان يدخلها على الأفعال فيقولون في مثل الأشطر التالية: أفقاصه الترن في الهياكل الأروقة المعاول الترن في الشوارع الغوائل والأكهف المنازل التود أن تحبس بي الحياة والتجددا١ ولماذا سكت الناقد العربي على دخول "أل" هذه على المنادى بـ"يا" في مثل الأبيات التالية: يا الفلك الدائر، يا اليوزع الحياة في فصولها ألم أكن أنا من التراب، يا اليبخبح المطر٢ إن دفاع بعض هؤلاء الشعراء بأن هذه الأساليب السقيمة قد وردت في شواهد النحو٣ دفاع ضعيف. ذلك أننا قد خرجنا اليوم من بداوة

стр. 319

القرون الأولى التي كانت تعزل بطنًا من قبيلة ما فتجعل لغته تشذ وتنحرف. ولقد ثبت القرآن، بلغته السهلة الجميلة، صورة للغة العرب سارت عليها القرون وأغنتنا عن الشذوذ والعبث. ثم إن قواعد النحو ليست إلا صورة من القوانين التي تخضع لها الجماعات، والجماعة التي تضيع قواعد لغتها لا بد أن تضيع قواعد تفكيرها وحياتها بالتالي. إن لزوم القاعدة النحوية صورة من إحساس الأمة بالنظام ودليل على احترامها لتاريخها وثقتها بأنها أمة أصلية. وما القواعد النحوية، بعد، إلا عصارة الألسنة العربية الفصيحة عبر مئات من السنين، فلن يكون في وسع شاعر اليوم أن يلعب بها إطاعة لنزوة لغوية عابرة. ولنتساءل، على كل حال، عن المكسب التعبيري الذي يحققه الشاعر من إدخاله "أل" على الفعل مثلًا. ولا بد أن يسوقنا هذا إلى أن نتساءل أولًا لماذا كانت الأفعال غير قابلة لدخول "أل" عليها؟ في الواقع أن قواعد النحو تخضع لمنطق العاطفة الإنسانية خضوعًا تامًّا، وما من قاعدة معقولة قط إلا وفي وسعنا أن نلتمس لها سببًا إنسانيًّا يدعمها. وإنما تدخل "أل" على الأسماء لأنها أسماء ولها صفة الاسمية، أو صفة التجريد بكلمة أخرى. فالأسماء كلها مجردة من الزمن ومن الحركة ومن العاطفة. ومثلها في هذه الصفات. إن وجودها جامد لا ينمو ولا يتغير ولا تأثير لمشاعرنا فيه. وليست كذلك الأفعال. هنا، في الأفعال، يمتد مجال الإنسانية وتعيش أحاسيسنا وحركاتنا وتقلباتنا وحياتنا كلها. إن قولنا "جاء" يمتلك من الحياة الزاخرة ما لا يملكه ألف اسم وألف صفة. هذه الحركة التي ينطوي عليها فعل المجيء، وهذه الإنسانية الكاملة التي يتضمنها وهذا الزمن الذي يختبئ في ثنايا الحروف، كل ذلك يميز الفعل ويجعله أوثق ارتباطًا بالحياة نفسها. ولذلك كان الفعل أشرف ما في اللغة، وإليه تستند الجمل والعبارات. الفعل هو حقًّا إنسانية اللغة، إذا صح هذا التعبير. ومن ثم فأية خسارة جسيمة أن تدعو مدرسة كاملة اليوم إلى

стр. 320

أن نضيع هذا الفعل ونكتب بلغة خالية منه؟ ذلك أن إدخال "أل" على الفعل يعني حتمًا أن يكف الفعل عن أن يكون فعلًا، ويكتسب جمود الاسمية. الواقع أنه، إذا تأملناه، يتحول إلى نوع من "الصفة" ويفقد طابع الامتداد الزمني١ وذلك هو السبب في الجفاف الماحل واليبوسة القاسية التي نجدها في الأبيات التي اقتبسناها سابقًا: أفقاصة الترن في الهياكل الأروقة المعاول لترن في الشوارع الغوائل والأكهف المنازل التود أن تحبس بي الحياة والتجددا هذا، في الحق، كلام صلد لا ليونة فيه ولا عذوبة، تترادف فيه المجردات التي توحش القلب الإنساني وتشعره بجفاف الدنيا التي يصورها الشاعر. وكم كانت الأبيات تكتسب من الحرارة والحركة والطراوة لو أن الشاعر أعطانا أفعالًا طبيعية تتنفس بين الأسماء وتخفف من وحشة التجريد فيها. ولكن هذا الشاعر الحديث يحسب القواعد، فيما يلوح، قيودًا مرتجلة قيدنا بها أسلافنا النحاة دونما سبب موجب. ولذلك رضي أن يغبن قصيدته فيحرمها من أجمل ما فيها، من الأفعال التي هي مصدر الضوء والدفء في اللغة، ثم إن "أل" هذه حين تكثر تزعج

стр. 321

السمع وتصبح رتيبة ولا أدري لماذا يولع شعراء هذه المدرسة بها. هذا نموذج: الوحدة الفراغ والدم الصقيع والركود السأم الجامد١ هذه ثلاثة أشطر من قصيدة "وسأحتفظ باعتراضاتي الكثيرة على تشكيلات الوزن فيها" ستة أسماء وصفة، وكلها معرف بأل. ما أشد ما تبدو الدنيا موحشة ميتة لنا ونحن نعيش بين كل هذه المجردات! وأي بعد بين هذه الدنيا وحياتنا العربية الملتهبة اليوم بحرارة النضال وحماسة الاندفاع والحياة! وبعد فمهما كانت هذه الدعوة وأمثالها بريئة من القصد السيئ فهي، على كل حال، دعوة مجحفة تنطوي على بذور مميتة لن تنتهي باللغة العربية إلى الخير. وقيام مثل هذه الدعوات يلقي على الناقد مسئولية خطيرة. فمن سواه يستطيع أن يتصدى لإنقاذ اللغة والشعر من أن ينقادا لدعوات الموت والفناء هذه؟ إننا لندرك أن هناك اليوم في صفوف هذه الأمة قوى متربصة تنطوي على الشر وسوء النية ويهمها أن تهدم العروبة على أي وجه يتاح. ولعل الحرب العلنية ليست أفظع وسائل هذا العدو في محاربتنا. فإن له أساليب أخرى أخفى وأشد مضاء. وهل أخطر من أن يضعف إيمان الجيل الطالع باللغة العربية وحصانة قواعدها السليمة؟ وإذا أضعفنا ذلك الإيمان أفلن نكون قد ساعدنا في خلق جيل ضعيف الثقة بالعروبة نفسها؟ إنه ليحزننا أن نقول إننا، حتى الآن، قد مضينا في هذا طويلًا، وإن بين أيدينا الآن جيلًا يتشكك في منطقية القواعد

стр. 322

البديهية ويستخف باللغة معتقدًا أن الاستهانة بالمقاييس اللغوية أمر ينم عن التجديد الحق والتحرر الفكري. وإني لأجزم أن بين الأدباء أنفسهم فئة تؤمن بأن التنبيه إلى أخطاء النحو واللغة مظهر ضحالة ورجعية في ثقافة الناقد. وقد تكون أول تهمة توجه إلى هذا الناقد أنه غير مثقف في النقد الأدبي الحديث. على أننا لا ندعو إلى التمسك بقواعد اللغة لذاتها. ولسنا نحب أن ننصب مشانق أدبية لكل من يستعمل لفظة استعمالًا يهبها حياة جديدة، أو يدعو إلى الاستغناء عن بعض شكليات النحو البالية التي لم نعد نستعملها. لا بل إننا نؤمن أعمق إيمان بالتجديد المبدع ونعتقد أن هذا التجديد لا يتم إلا على أيدي الشعراء والأدباء والنقاد المثقفين الموهوبين. غير أن هذا كله شيء، والعبث بالمقاييس شيء آخر. نحن نرفض بقوة وصرامة أن يبيح شاعر لنفسه أن يلعب بقواعد النحو واللغة لمجرد أن قافية تضايقه أو أن تفعيلة تضغط عليه. وأنه لسخف عظيم أن يمنح الشاعر نفسه أية حرية لغوية لا يملكها الناثر١. فمن قال إن الشاعر الموهوب يستطيع أن يبدع أي شيء في غير الإطار اللغوي لعصره؟ إن كل خروج على القواعد المعتبرة ينقص من تعبيرية الشعر ويبعده عن روحية العصر. ولسنا، على كل، نفهم لماذا يريد الناقد أن يكون الشاعر الحديث طفل اللغة المدلل فيخطئ ويرتكب المحذورات ما شاء دون أن يحاسب؟ بعد أن شخصنا جوهر الظاهرة التي لفتت نظرنا في نقدنا المعاصر، وفسرناها بأنها، في حقيقتها، موجة من العناية بالمضمون جرفت النقاد

стр. 323

العرب اليوم حتى أهملوا الأداة التي يعبر بها عن ذلك المضمون، بعد ذلك نود أن ندرس صلة هذه الظاهرة بتاريخنا الأدبي وبحياتنا القائمة. فما من ظاهرة أدبية إلا ولها جذور اجتماعية تتصل بالحياة النفسية للأمة، فهل هذه الظاهرة أصيلة؟ هل تنبع من موقف أمة تتحدر من مثل تاريخنا الأدبي العربي أم أنها بمجملها ظاهرة دخيلة وافدة على حياتنا وفودًا متعفسًا على نحو ما وفدت عشرات الأشياء الأخرى من الغرب؟ إن الظواهر الأدبية تخضع للقانون العام الذي يتحكم في الظواهر كلها. فكل ظاهرة مندفعة في الأمة تعبر عن وجود نقص ما في الاتجاه الذي تندفع نحوه الظاهرة. وإذا بالغنا اليوم العناية بالمضمون، فإن معنى ذلك أن في أعماقنا إحساسًا بأننا كنا سابقًا نبالغ في العناية باللغة حتى اختل التوازن. وذلك حق من واجبنا أن نعترف به. إن أدبنا الحديث قد خضع لحركة التموج التطوري الطبيعي فانتقل من تطرف أدباء الفترة المظلمة في التمسك بشكليات الشعر ومظاهره السطحية الخارجية، إلى تطرف عصرنا في إهمال المظاهر الخارجية. على أن العشرين سنة الماضية من حياة الشعر العربي لا بد أن تكون قد استوفت حركة رد الفعل هذه استيفاءً تامًّا. هذا فضلًا عن أن ردود الفعل يجب ألا تقودنا من خطإ في أقصى اليمين إلى خطإ في أقصى اليسار. فكلا اليمين المتطرف واليسار المتطرف خطأ في هذه الحالة، ولا بد لنا أن نقف في الوسط، مسيطرين تمام السيطرة، على المضمون والأداة في وعي واتزان. وإلا فلا بد لنا أن نبقى أطفالًا مخطئين إلى الأبد نُضيع مرة الشكل لفرط حرصنا على المضمون، ونُضيع في المرة التالية المضمون بسبب إيثارنا للشكل. والواقع أن السبب المباشر في استمرار حركة رد الفعل هذه أطول مما يصح هو أن الناقد العربي يقف اليوم وقفة خشوع وتقديس أمام النقد الأوروبي ونظرياته الوافدة، وكأن ذلك النقد نموذج في الإبداع والعبقرية لا يمكن أن يصله الفكر العربي إلا بالتقليد والاقتباس والنقل. وفي

стр. 324

غمرة هذه العقيدة الواهمة، أغلق الناقد العربي الباب على منابع الفكر والخصوبة والموهبة في ذهنه وراح يغترف من معين الأساتذة النقاد الأوروبيين، دون أن يفطن إلى أن النقد الأوروبي يتحدر من تاريخ منعزل انعزالًا تامًّا عن تاريخنا. وكيف يتاح لنا أن نطبق أسس ذلك النقد الأجنبي على شعرنا الذي يتدفق من قلوب غير تلك القلوب، وعصور غير تلك العصور؟ كيف يتاح لنا أن نحقق ذلك التطبيق إلا بطفرة متعسفة ظالمة يقع القسر فيها والضغط على الشعر العربي أكثر ما يقع؟ ومن يجرؤ أن يزعم أن الذهن العربي ليس مفعمًا بالخصب والحياة، وأننا لا نقتله قتلًا عندما نضغطه في قوالب من التفكير الأوروبي جاءونا بها مؤخرًا وشهروها في وجوهنا؟ إننا لا نصدر في عقيدتنا هذه عن تعصب ولا عن ضعف إيمان بغنى الآداب الأوروبية وجمالها. ولكننا نقول، ونصر على القول، إن لآدابنا العربية شخصيتها المستقلة وإن النقد الذي يصلح لشعرنا يختلف بالضرورة، عن النقد الأوروبي، ولا بد لنا أن نستقرئ نحن القواعد، من شعرنا، ومن أدبنا، في هذا الوطن العربي، وباللغة العربية. وليست الظاهرة التي ندرسها في هذا الفصل إلا نموذجًا واحدًا من نماذج كثيرة للضلال المحزن الذي يقع فيه الناقد العربي إذا هو أسلم قياده مغمض العينين للنقد الأجنبي الوافد. ذلك أن الناقد الفرنسي مثلًا، قلما يحتاج إلى أن يفرد بابًا لنقد الأخطاء اللغوية والنحوية على نحو ما يحتاج الناقد العربي وذلك لمجرد أن المادة التي ينقدها ذاك خالية من الأخطاء فعلًا، وإذن فعلى أي وجه يستطيع الناقد العربي أن يقلده وهو يواجه قصائد مثقلة بالأخطاء؟ إن المحاكاة، في هذه الحالة، لا تتم إلا بأن يتخلى الناقد العربي عن مسئوليته فيقف متفرجًا على هموم القصيدة العربية تاركًا شعرنا يعاني من مشكلاته دونما يد تُمد لانتشاله أو صوت في الدفاع عنه. على أن النقد الأوروبي لا يقف في ضرره عند هذا، وإنما ينصب لناقدنا شركًا أخطر. هذه النظريات الأدبية الممتعة، وتلك المذاهب

стр. 325

الفلسفية والمدارس التحليلية في النقد الأوروبي.. هذه الدراسات الباهرة التي يكتبها الناقد الأجنبي هناك.. إنها تعمل في نقادنا عمل السحر فتبهرهم وتسكرهم وتفقدهم أصالة أذهانهم وتصيب حواسهم المبدعة بشيء يشبه التنويم. فما يكاد الناقد العربي اليافع يقرأ ما كتبه إيليوت ورتشردز وبرادلي ومالارميه وفاليري وغيرهم حتى يشتهي أن يطبق ما يقولون على الشعر العربي مهما كلفه ذلك من تصنع وتعسف وجور على شعرنا ولغتنا. ويكون أول ما يضحي به هذا الناقد الجالب اللغوي من القصيدة العربية فبدلًا من أن يتناول القلم ويرفع صوت احتجاج على الشذوذ والأخطاء نجده يهمل ذلك ويعتبر القصيدة منزهة لكي يتاح له أن يحللها ويغرقنا خلال ذلك بسيل من الاصطلاحات الأجنبية التي لا تنطبق على شعرنا إطلاقًا ولم توضع له. إن هذا الناقد العربي الذي يحترق شوقًا إلى أن يجاري الناقد الاوروبي في حديثه عن المدارس والنظريات الكبيرة ذات الطابع النفسي والفلسفي، لا يجد أمامه إلا قصائد عربية مزرية، ضعيفة الإنشاء، يتعثر السمع بغلطة عروضية في كل ثلاثة أشطر منها. ومن ثم فإنه مضطر اضطرارًا إلى أن يغمض عينيه عن عيوبها، لكي يتاح له أن يعيش في جنة النظريات المسحورة التي استقاها من النقد الأجنبي. وبهذا يتغاضى عن مشكلة قائمة تحت بصره لكي يتحدث عن مشكلة مستحبة يود لو وجدت بالرغم من كل شيء. إن اللوم في هذا كله لا يقع على نقاد أوروبا الذين لم يتوقفوا ليشيروا في مقالاتهم إلى أخطاء لغوية ونحوية كالتي يجب أن يشير إليها الناقد العربي. وإنما نحن الملومون. فلماذا ينبغي أن يعنينا النقاد الأوروبيون إذا كانت القصائد التي نتناولها نحن بالنقد مثقلة بإشكالات من نوع لا يحلمون هم به؟ ولماذا نحكم أولئك النقاد الأجانب في الشعر العربي الذي يتحدر من تاريخ لا صلة له بتاريخهم الأدبي؟ وما هذه "العنجهية" التي تجعل الناقد العربي يتعالى عن مواجهة مشاكل شعرنا الواقعية لمجرد أن

стр. 326

الأساتذة المبدعين من نقاد الغرب لا يتناولون مشكلات مماثلة في شعرهم؟ هذا الموقف العجيب ينم عن أن الناقد العربي لا يرى في عملية النقد إلا ترفًا فكريًّا ووسيلة يستعين بها على اللعب بنظريات النقد الأوروبي. فليس المهم أن يدرس مشاكل الشعر العربي لكي يضع الأسس الموضوعية لنقد عربي حديث، وإنما المقصد أن يشغل نفسه بتطبيق النظريات الأجنبية على هذا الشعر بأي ثمن. إن واقع شعرنا ليس هو الذي يملي على نقادنا ما يكتبون وإنما ينتقدون ليسلوا أنفسهم ويسلونا بالكلمات الكبيرة الممتعة التي ابتدعها الأوروبيون في أوقات فراغهم. والحق أن مسئولية الناقد العربي تقضي عليه اليوم بألا يكون له فراغ قط. ذلك أن شعرنا -كسائر جهات حياتنا العربية- مثقل بالإشكالات، وفي وسع همومه أن تشغلنا أعوامًا طويلة قبل أن نفرغ لتطبيق النظريات الممتعة عليه. ولعلنا نعترف كلنا بأن الشعر العربي -بعد الحرب العالمية الثانية- قد واجه صدمة غير هينة بسبب الدعوة المتطرفة إلى الحرية حتى بدت علامات الاحتضار تلوح على أكثر من واحدة من المدارس الحديثة، وإذا لم نتدارك هذا الشعر فسرعان ما سيموت. فهل نريد حقًّا أن نمضي في اللعب بالنظريات الأوروبية والكلمات الأجنبية ذات البريق والسحر؟ أم أن الشعر العربي سيعز على نقادنا فيقفون صفًّا واحدًا ليسندوه؟ ومهما سيكون موقفنا فلعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن موقف نقادنا من الفكر الأوروبي يكاد يكون موقف استخذاء. إن بعضهم يعتقد اعتقادًا جازمًا أننا أقل موهبة من شعراء الغرب وأن علينا أن نغترف نظرياتهم ونأكلها أكلًا إذا نحن أردنا أن ننشئ شعرًا عربيًّا ونقدًا. لا بل أنا أقول إن مادة شعرنا وحياتنا العربية أغنى وأخصب بكثير من مادة الشعر الأوروبي المعاصر -لأسباب منطقية لا محل الآن لبسطها- وإن موجة تجديد جارفة سوف تنبعث من عالمنا العربي هذا، ولسوف يتتلمذ الغرب على شعراء هذه الأرض الموهوبة ونقادها وأدبائها في يوم قريب. ولكن هذا لن

стр. 327

يحدث إلا بعد أن نؤمن بأنفسنا. إن الأمم المبدعة هي دائما أمم تثق بأنها موهوبة. وأما الأمم التي تزدري ذاتها وتقف وقفة الهوان أمام سواها فلن تبدع شيئًا على الإطلاق. فلنكف عن الانحناء للغرب. إننا قد سئمنا سماع الكلمات الفرنسية والإنكليزية في النقد العربي وأصبحنا نتعطش إلى نقد محلي، التجديد فيه منبعه العروبة، والمصطلحات فيه ترتكز إلى مظاهر في الشعر العربي نفسه. وإني لأهيب بالجيل الناشئ من النقاد أن يتجهوا إلى أنفسهم حين يكتبون لينبت الذهن العربي الخصيب أثماره، وسرعان ما سوف تكتشف الأمة المنابع الحقة في كيانها الفكري، المنابع العربية التي لن يغتني الأديب العربي بسواها ولا مصلحة له في سواها.

стр. 328

مقدمة الطبعة الأولى: لقد تصدرت هذه المقدمة كتاب قضايا الشعر المعاصر في طبعاته السابقة، وحين وجدت المؤلفة تصدر الطبعة الخامسة من كتابها بمقدمة ضافية ضمنتها ما جد لديها من آراء وتعليقات، رأيت أن تكون مقدمة الطبعة الأولى في الختام بعد إضافة ملاحظات، توضح نقطًا معينة، وإن كان هذا مخالفا للمألوف. دكتور عبد الهادي محبوبة اعتادت السيدة نازك الملائكة، إما أن تقدم لكتبها بقلمها، كما فعلت في ديوانها "شظايا ورماد" المطبوع في سنة ١٩٤٩م، أو أن تكلف أحد أعضاء أسرتها ليقدم لها على أساس الصلة الشخصية التي تربطها به، كما عملت في ديوانها الأول "عاشقة الليل" الذي طبع عام ١٩٤٧م، حيث قدمت له أختها الأصغر السيدة إحسان ... وها هي اليوم تبدي رغبتها في أن أقدم لكتابها هذا بنفس الدافع العائلي الذي يربطنا معًا تمشيًا مع العادة التي درجت عليها. أما سبب اتخاذها هذا المسلك فهي أنها، كما قالت: "لا تؤمن

стр. 329

بجدوى المقدمات الأدبية؛ لأن الكتاب، أي كتاب، ينبغي أن يعتمد على قيمته الموضوعية".. وهو مسلك -كما يبدو لنا- سليم إلى حد كبير إذا كان الغرض من المقدمة التعريف بالمؤلف والكتاب، أو كانت نقدية تشير إلى محاسن الموضوع أو مساوئه أو إليهما معًا. إلا أن القصد من المقدمة -كما نعرف- فضلاً عن ذلك- ربما كان مقتصرًا على إيجاز أهم النقاط البارزة في الكتاب وعرضها على جمهور القراء بأسلوب يسهل عليهم الاطلاع السريع عليه، والإفادة المتوخاة منه. وإذا أرد المقدم الزيادة في الفائدة فعليه أن يمهد لتلك النقاط المهمة بما يصلها بماضيها، وأن يطعمها بما يوضحها ويجلوها، وأن يضيف إليها موجز رأيه ليتم النفع بها.. وعلى هذا الأساس من تحديد مسئولية المقدم وتعيين واجبة فيما يعرض ويرى نتقدم بالخلاصة الآتية: تتعرض الفنون على اختلافها إلى هزات تطورية عنيفة مثلما تخضع الأمم وسائر الأجناس إلى تطورات تقدمية حاسمة. ويعنى المختصون بدراسة هذه التغيرات فيولونها استقراء وتمحيصًا، ويمعنون في البحث عن منابعها وأسبابها، ونتائجها وأهدافها.. ولا تقل عناية المولعين بالفنون والآداب بتسجيل أية ظاهرة جديدة تطرأ على ناحية فنية معينة عما لدى رجال العلوم الآخرين، ولربما فاقوهم حماسة وتوسعًا في البحث عن جذور هذه الهزة وعن أغراضها وأهدافها، لما لها من علاقة وثيقة بتطور الفكر الإنساني، وفضل كبير على رقيه. وشعرنا العربي -بين الآداب والفنون الجميلة العالمية- كان ولم يزل في طليعة فن القول من حيث معانيه وأساليبه، من حيث مضامينه وأغراضه وصور التعبير فيه، ثم حيث موازين عروضه وقافيته وتنوع أشكاله، فقد دلتنا المجموعة الضخمة من الدواوين المطبوعة والمخطوطة التي ورثناها عن العصر الجاهلي والإسلامي، على مدى الخصب الذهني والعاطفي،

стр. 330

والثراء اللغوي والتعبيري، الذي كان يتميز به الشاعر العربي خلال العصور الفائتة حتى شعر المناسبات، وفي أدب القصور والبلاطات. وقد تعرض شعرنا العربي هذا إلى أنواع من الهزات التجديدية لما فطر عليه الذوق العربي من استعداد وإمكانية للتطور، كان منها ما يتصل بأغراض الشعر ومضامينه، ومنها ما يتصل بأسلوبه وشكله. وهذا ما سنشير إليه فيما بعد - على أن لأية اتجاهة فنية جديدة دلالتها وأثرها ولا سيما هذه الحركة الخاصة بعروض الشعر وموسيقاه، وأمثالها، مما ألف الكتاب للإحاطة به، وتنسيق قواعده.. كيف لا، والشعر في مقدمة الفنون التي تصور لنا وجدان الأمة وألوان حياتها، وترسم لنا الملامح الشخصية لأفذاذها وشعرائها، كما تعكس لنا -في الوقت ذاته- مدى النشاط الفكري والوجداني الذي يبذله الشاعر في معترك الحياة؛ لإعلاء شأن الإنسان ورفع مستواه. ومن ناحية أخرى فإن الشعر باعتباره ظاهرة لا يثبت أما الإنسان المتغير في مثله وتقييمه لظواهر الوجود، فلا بد أن يواكبه بطئًا وسرعة، عمقًا وسطحية، تركيبًا وبساطة. ولسنا بصدد البحث عن الإنسان كيف ومتى يجتاز هذه المراحل الحضارية، ولكنا نريد التأكيد على مدى الارتباط بينهما من وجوه كثيرة. فالشعر كظاهرة تعبيرية في حياة الإنسان يبدأ بسيطًا -كغيره- ثم يتعقد تدريجًا بتعقيد حياة إنسان الظاهرة نفسها فيتضاعف مضمونًا من ناحية المعاني وأبعادها اتساعًا وعمقًا، ويتكاثف شكلًا من ناحية الأساليب وجودتها لغة وصياغة، ومن ناحية انتقاء الألفاظ ودقة رصفها ورقتها، ورتابة موسيقاها. وبهذا كانت لغات الأمم وآدابها في مرحلة بداوتها وجاهليتها أقل ألفاظًا وأبسط محتوى. إن هذا التعقد المأنوس، غير المتكلف، لدليل على رقي الفكر والعاطفة معًا، وتزاحم مظاهر الحضارة المحيطة بهما وتقديمها. وبهذا

стр. 331

تتكاثر الأسماء والمسميات، وتتشابه الدلالات والمدلولات حتى لتختلط ببعضها أحيانًا، فتكون مهمة الدارس المفكر التمييز بين المتشابه والمختلط من الألفاظ والمعاني، وتصبح فضيلة العبقري اكتشاف المعنى الأصيل والاهتداء إلى اللفظ المناسب له، وهو ما يسمى في عرف الفن ابتداعًا وسموًّا في الخيال. وقد عاش العربي، أول ما عاش، حياة أدنى إلى البساطة في التحضر، وليس هذا فحسب؛ لأن حضارة الإنسان آنذاك كانت لم تتزايد بعد في متطلباتها حتى تتعقد، ومظاهر الترف المعاشي لم تتعدد في معطياتها حتى تتزاحم. وبهذا كان مضمون كل شيء ساذجًا، وكان القصيد العربي يحتوي على مضامين عدة، وكان الشاعر يتنقل بين هذه الأغراض المتنوعة لتأليف القصيدة، جاعلًا من البيت وحدة مستقلة الأداء والإعراب قدر الإمكان؛ ليدل على براعته في الإيجاز. ولما اتسعت أبعاد حضارته، وتعددت صورها، كان لا بد للمضمون أن يتوسع ويطول، وبذلك ضاق صدر القصيدة عن أن ينفسح لأكثر من غرض واحد إذا استوعبه الشاعر وأجاد تحليله وتصويره، وسواء عليه أتحول إلى غيره أم لا فإن القصيدة تطول ويملها السامع والقارئ، وتخرج عن الإطار المألوف إلى دائرة الملاحم القصصية والأراجيز التعليمية.. وبذلك استبدل الشاعر تنقله بين المضامين إلى تنقل بين الأوزان المختلفة تارة، أو بين ضروب الوزن الواحد أخرى، ومن قافية لغيرها بقصد التنويع تارة أخرى. وحاول -أحيانا- الخروج على الوزن والقافية معًا فعادت به طبيعة الشعر العربي إلى واقعها أخيرًا.. وفي هذا التنقل والتنويع -على اختلافه- ما فيه من دلالات نفسية وفنية واجتماعية للشاعر والقارئ والسامع تكشف عن مستوى الحضارة الذي بلغته الأمة.. لذا كانت مسرحيات شوقي طريفة مقبولة، في حين جاءت مملولة ترجمة سليمان البستاني "١٨٥٦-١٩٢٥م" لإلياذة هوميروس، وملحمة الزهاوي "ثورة في الجحيم".. ذلك أن البستاني أتى بترجمته على شكل مقطوعات، كل

стр. 332

مقطوعة منها موحدة الوزن والقافية، وبهذا تحولت إلى مجموعة قصائد. أما الزهاوي فقد اختار لملحمته البالغة ٤٣٥ بيتًا بحر الخفيف مع وحدة القافية في الوقت الذي كان يدعو إلى الشعر المرسل والتحرر من قيد القافية، وينظم فيه. ومن جهة أخرى فليس صحيحًا أن الشعر العربي وما يعتمد عليه من مقاييس النقد الأدبي معايير ثابتة متحجرة كما وصمه بعضهم١. ولعل في تسمية الأوزان بالبحور ما يوحي لنا بالسطح الواسع، والعمق الهائل لمن يدرك كيف يعوم فيستخرج منه الجديد والغريب، فضلًا عن المعنى المعروف. وآية ما ندعيه في مرونة الأسس النقدية في أدب العرب، وخصب الذهنية العربية، وقابليتها التطورية ما عرفناه من تجديدات في المضمون والشكل طرأت على الشعر العربي بعد تاريخه المسجل بفترة وجيزة: فلم يمر عليه قرن واحد حتى دخلته أغراض جديدة بظهور الإسلام، ووجدنا الشعر السياسي مثلًا عليه. ولم تمر مائة عام أخرى حتى بدأ عهد جديد دعاه النقاد بعصر الشعراء المحدثين قبال القدامى لما دخل على الشعر من اتجاهات جديدة في الصياغة وأساليب التعبير على يد أبي نواس وأبي تمام، وبشار بن برد ومسلم بن الوليد، وابن المعتز وابن هرمة والشريف الرضي وسواهم٢.. بل إن "مطيع بن إياس" الذي عاش في أواخر الدولة الأموية في الكوفة، وأوائل الخلافة العباسية في بغداد، المتوفى سنة ١٧٠هـ = ٧٨٧م يعد أول الشعراء المحدثين، الذين جددوا في العروض العربي وكان بين هؤلاء من خرج على بحور الشعر الخليلية كـ "رزين بن زَنْدوَرْد المتوفى حوالى سنة ٢٤٧هـ" مولى طيفور بن منصور الحميري

стр. 333

خال المهدي، حيث أتى باوزان جديدة في شعره حتى لقب بالعروضي١ وفي الوقت نفسه كانت هناك محاولات تجديد في العروض قام بها أبو العتاهية فنظم بأوزان لم تعرف قبله. إذ من المعروف أن المختصين من العرب استنبطوا ستة أوزان أخرى من مقلوب دوائر البحور التي جاء بها الخليل والأخفش وسموها: المستطيل والممتد والمتوافر والمتئد والمنسرد والمطرد.. وهي مقلوب الطويل والمديد الوافر. إلخ.. كما استحدثوا ألوانًا أخرى من الشعر بأوزان جديدة إلا أنها لا يُلْتزم فيها النطق بالحركات دائمًا، وتأتي ملحونة أحيانًا، دعوها السلسلة، والقوما، وكان وكان، والمواليا. كما حاول أبو العتاهية وآخرون الخروج على قاعدة القافية الموحدة٣ وتفننوا فيها فجاءوا بما أسموه بـ "المذدوج" وهو مشطور بحر مقفى الشطرين، ثم "بالمسمط" وهو بيت مصرع بقافيتين، وأربعة أشطر بقافية موحدة يختمها الشاعر بشطر قافيته كالأولى.. ثم "المخمس" وهو يأتي بأربعة أشطر موحدة القافية تُختم بشطر قافيته تتكرر في نهاية كل مخمس. وأمعن بعضهم في التحرر من القافية فقال أبياتًا من الشعر المرسل٣. بينما حدثت حركة في الشكل دفعت إليها الآفاق الحضارية الجديدة، قام بها شعراء الموشحات في الأندلس. وهي انطلاقة تطورية خرج بها أصحابها على سنن الشعر القديم فنوعوا الأوزان والقوافي في القصيدة الواحدة وكان لذلك أثره في كل حركة تجديد جاءت بعدها. فقد ابتدع مقدم بن معافى -من شعراء الأمير عبد الله محمد المرواني- فن الموشحات في أواخر القرن الثالث الهجري ثم قوي وانتشر على يد "أبي بكر عُبادة

стр. 334

القزاز المتوفى سنة ٤٢٢هـ"، ثم ظهر فن الزجل بلغة العامة المتحضرة، واشتهر "ابن قزمان" المتوفى سنة ٥٥٥هـ، بالإبداع فيه. وسرعان ما تناقل الشعراء شرقًا وغربًا هذه الفنون وانتشرت في أوساطهم وجودوا فيها. ثم مرت بأمة العرب قرون عجاف رزحت طوالها تحت نير الاستعباد فأصيب فكرها بالخمول ومنيت حضارتها بالانهيار، وما أن استيقظت حتى قويت واستعادت مكانتها الحضارية والفكرية، وشمل حياتها التجديد، وبخاصة حينما اطلعت على أدب الغرب فاقتبست منه وتأثرت به، فكانت أول ظاهرة تجديدية في دواوين الشعراء من مهاجري سوريا ولبنان إلى أمريكا في أوائل هذا القرن، وقرأنا لهم صنوفًا متنوعة في أفانين من الشعر أمثال: إيليا أبو ماضي، جبران خليل جبران، والشاعر القروي رشيد سليم الخوري، وشفيق المعلوف وفوزي المعلوف ونسيب عريضة وغيرهم. وفي الوقت نفسه كانت دعوة التجديد في الشرق العربي تتردد أصداؤها في نفوس جماعة الديوان التي يتزعمها العقاد ويدعو لها زميلاه عبد الرحمن شكري وإبراهيم عبد القادر المازني من جهة، وجماعة "أبولو" التي يمثلها أحمد زكي أبو شادي وخليل مطران وأنصارهما من جهة أخرى، وشقت طريقها بخطى واسعة على يد محمد فريد أبي حديد وخليل شيبوب ومحمد مصطفى بدوي ولكن لم يخرج واحد من هؤلاء وأولئك عن نظام "الشعر المقطوعي" وإن أطلقوا عليه اسم "الشعر الحر" تارة و"الشعر المرسل" أخرى و"الشعر الحر المرسل" تارة ثالثة١معللين لذلك بعدم التزامه القافية الموحدة.

стр. 335

وتوفي أبو شادي في إبريل سنة ١٩٥٥م وهو يحدد الشعر الحر في مناسبات الدفاع عنه أو الدعوة له بأنه "الذي يجمع أوزانًا وقوافي مختلفة حسب طبيعة الموقف ومناسباته١. غير أن علي أحمد باكثير -من أتباع أبولو- قد اهتدى إلى الشعر الحر من دون أن يعرف ذلك، فإنه نظم مسرحيته -السماء أو إخناتون ونفرتيتي- سنة ١٩٤٣م من بحر معين هو "المتقارب" وجاءت الأشطر فيه بعدد من التفعيلات غير متساوية ولكنه -مع ذلك- أطلق عليه اسم "الشعر المرسل" لأنه لم يتقيد فيه بوحدة القافية٢فكان بموقفه هذا يذكرنا بالرحالة "كريستوف كولومبس" الذي اكتشف أمريكا وهو يظن أنها إحدى جزر الهند الشرقية. ثم تلتها حركة "الشعر الحر" في أواخر النصف الأول من القرن نفسه، في يوم الثلاثاء ٢٧ تشرين الأول من سنة ١٩٤٧ بالذات.. ففي ضحاه كان ميلاد أول نموذج له، في قصيدة بعنوان "الكوليرا" وقد كانت التجربة التي انفعلت بها الشاعرة فاستوحتها وصورتها هي أحداث "الهيضة" التي وقعت في مصر الشقيقة حينذاك ونشر الوباء أجنحة الموت الفاجع على ربوعها ... وكان يومًا مشهودًا في منزل الشاعرة وعند الأسرة بكامل شخوصها، من الأب الأديب الباحث الأستاذ صادق الملائكة إلى الأم الشاعرة المعروفة أم نزار إلى الإخوة إحسان ونزار وعصام وسُها، كما رواه لي دفتر الذكريات المخطوط بقلم المؤلفة نفسها، وهو سجل للمحاورات والأحداث التي تجري بين أعضاء الأسرة في مناسبات خاصة، وفي أوقاتها المعينة. ولعل من المفيد أن اقتطف منه ما يلي: تدخل "نازك" غرفة الاستقبال وبيدها القصيدة وتقول: هذه القصيدة

стр. 336

مشكلة جديدة من مشاكل ديواني المنحوس -شظايا- "×"١. فتجيب "إحسان": إن عشاق الشعر الأوروبي سيفهمونها ولا شك. أبو نزار: ما هذا الشعر الجنوني؟ إنه هذيان! أين الوزن، أين القافية، ما معنى الموت، الموت، الموت؟! نازك: هل تعني أنك لم تفهم فكرة القصيدة؟ أبو نزار: الفكرة تصويرية لا بأس بها: ولكن هذا الوزن المبتكر لم يطربني وأنا لا أفهمه، اسألي أمك. أم نزار: لقد قرأت القصيدة اليوم وقلت لها: إنها أشبه بالشعر المنثور مع أنها لا تخلو من وزن غريب. إحسان لنازك: اكتبي عليها أنها من الوزن الفلاني ليصدقوا. نازك: لقد قلت لك إن الجمهور سيضحك مني ولكني -مع ذلك- واثقة أن هذه القصيدة ستكون بداية عصر جديد في الشعر العربي. أبو نزار: من يقرؤها؟! أنا والعراقيون الذين اعتادوا رصانة المتنبي وجزالة البحتري؟ إنك لن تستطيعي الخروج على الذوق العربي، فأنت واحدة، والأمة ملايين. نازك: قولوا ما شئتم، أقسم لكم إني أشعر اليوم بأني قد منحت الشعر العربي شيئًا ذا قيمة. نزار: إن العمل الذي يقابل باختلاف عظيم في الرأي لا بد أن يكون عظيمًا. بهذا القدر اليسير أكتفي، وقد نقلت ما رأيته متصلًا بالموضوع من محضر الجلسة التي حوت نقاشًا طويلًا وحوارًا عنيفًا، تاركًا للمؤلفة أن تنشر وقائع مذكراتها الممتعة كاملة، ليطلع عليها القراء.

стр. 337

لقد استجاب العروض العربي لهذه الحركة التطورية الجديدة. وشاعت في الأوساط الأدبية وتلاقفها شعراء الشباب بعد نقد قاس وسخرية لاذعة.. والذي يغلب على ظننا أن حركات التطوير تلك إنما كانت بدافع الرغبة إلى الجديد وليست تخلصًا من قسوة عمود الشعر وصرامته، وإلا ما ذهب "المعري" وغيره إلى الزيادة في القيود فالتزم في القافية ما لا يلزمه العروض به، وآثرها في "لزومياته" وكذلك في "فصوله وغاياته"، حتى لكأنها وسائل للأداء كما ازدادت أعانت الشاعر على رسم صورته وتأدية غرضه.. كما نعتقد بأن حركة الشعر الحر هذه إنما هي مرحلة تطورية لعروض الشعر العربي وليست مقتبسة عن الشعر الغربي كما ذهب بعضهم١ وإن كانت تشبهه في بعض الوجوه؛ إذ ليس كل شبيه مستمدًا من شبهه، إن كان بعض أنصارها ممن قرأ أدب الغرب وأفاد منه وادعى الأخذ عنه.. ثم إنها لم تعالج "المضمون" وإن كان هو الحاجة الملحة التي دفعت إلى اختراعه٢، ولم تدرس "وحدة الموضوع" وإن كانت هي الحافز القوي إلى ابتداعه٣.. وعلى ذلك فإن كل ما وصلنا من تجديد وتنويع في الأسلوب والشكل منذ فجر النهضة الحديثة سواء أكان في مدرسة شعراء المهجر في أمريكا أو في "أبولو" في القاهرة إنما هي إرهاصات مهدت لميلاد الشعر الحر الذي كان بمنزلة رد الفعل لبعض أنواعها، والذي ابتنى قواعده على أسس فنية خاصة في العروض العربي لا يتعداها.. ونميل أخيرًا إلى القول: بأن هذه الحركة إنما هي عودة بالشعر العربي إلى أوزانه العروضية حيث جعلت -التفعيلة- أساسًا تعتمد عليه في بناء البيت بعد أن نزع فريق من الشبان إلى التطرف في التحلل منها،

стр. 338

وظن الشعر نثرًا وتوهم الوزن والقافية قيدًا، ونظم المقطوعات المنثورة ودعاها شعرًا وأضاع بذلك عنصرًا أساسيًّا من أهم خصائص الشعر، وهو موسيقى التفعيلة؛ لأن الوزن والقافية -كما نرى- ليسا قيدين في الشعر من حق الشاعر أن ينطلق ويتحرر منهما وإنما هما خاصتان من أهم خصائص الشعر الجديد ليتميز بهما عن النثر الفني.. فهي -حركة الشعر الحر- دعوة إلى الحرية في اختيار الأوزان المناسبة لا التحرر منها أو التحريف فيها لاعتقاد روادها بأن الوزن ظاهرة موسيقية لا يتخلى عنها الشعر إلا ويستحيل نثرًا. ولعل في وصف هذا اللون من الشعر "بالحر" دون التحرر ومرادفاتها مثلًا ما يشعر الباحث بضرورة الالتزام بالوزن والقافية، ولكنه التزام من نوع جديد: فيه حرية للشاعر ضمن حدود "بحور" معينة يتميز بها الشعر عن النثر، ليس في الموسيقى وحسب؛ إذ هي حاصلة فيها وإن اختلفت في نوعها ومقدارها.. التزام في بحر من البحور وحرية في عدد تفعيلات الشطر من البيت في القصيدة الواحدة. ثم التزام في القافية وحرية في تنويعها في القصيدة نفسها.. فليس "الشعر الحر" امتزاجًا بين بحور مختلفة أو التنويع فيها١ ولا ابتداع بحور جديدة، أو تحررًا من قيد الوزن والقافية؛ لأنهما إيقاع لا يريد دعاة "الشعر الحر" فقدانه وإنما يحرصون أشد الحرص على الرتابة فيه، وعلى تكرار النغم الذي يحدثه. ومزية هذا الكتاب لا تنحصر في تحديد مفهوم "الشعر الحر" الذي اختلف في تطبيقه كثير من النقاد والكاتبين فضلًا عن الشعراء المجددين، وإنما حاولت الكاتبة أن تضع له قواعد عروضية كاملة في فصول مطولة ودعت العروضين والشعراء إلى دراستها، فإذا صحت أصبحت جديرة بأن تثبت فصلًا في كتب العروض العربي الذي لم يتناول -بطبيعة

стр. 339

الحال- هذا الأسلوب المعاصر في الوزن. وليس ذلك فحسب، وإنما قدمت لتلك الفصول الطويلة بنبذة عن تاريخ الشعر الحر باعتباره حركة جديدة ظهرت سنة ١٩٤٧م ثم درست أسبابه الاجتماعية كما تمثلتها هي وكرست جهدها لوضع عروض لهذا الشعر يقيس عليه الناشئون قصائدهم فلا يقعون في الأخطاء. والكاتبة تؤكد أن أغلب الشعر الحر الذي ينشر اليوم حافل بالغلط العروضي والشقطات، غير أنها تشعر -في يقين- أن هذا الغلط لن يستمر؛ لأن شباب الجيل القابل سيكون أكثر فهمًا وتذوقًا لأسرار اللغة العربية والأوزان الشعرية، كما خصصت المؤلفة فصلًا طويلًا للأخطاء العروضية الشائعة، صنفتها فيه إلى أصناف، وضعت لها عناوين مميزة، مثل: الخلط بين التشكيلات، ومستفعلان في ضرب الرجز، وغير ذلك. والكتاب -فضلًا عن هذا- دعوة إلى تطوير أساليب النقد العربي بحيث يساير الشعر المعاصر وبالتالي الحياة المعاصرة نفسها، وهذه الفكرة ترد على صورة دعوة فعلية أحيانًا نجدها مبثوثة في عناوين الكتاب، ولا سيما المتعلقة بالشعر الحر، كما ترد على صورة فصول في النقد تحاول فيها الكاتبة أن تطور تلك الأسس التي تدعو إليها والتي تكاد تكون بمجموعها محاولة جديدة في النقد الأدبي. أما الفصول التي تضع أسسًا جديدة في النقد فيمكننا التنبيه إليها، وهي: أ- هيكل القصيدة: وفيه تدرس القصيدة العربية على أساس بنائها لا على أساس موضوعها. وفي هذه الدراسة تمييز دقيق بين الموضوع وبناء القصيدة، وقد انتهت فيه إلى وجود ثلاثة أنواع من الهياكل، أطلقت عليها: الهيكل المسطح، الهيكل الهرمي، والهيكل الذهني، وجاءت بمثال مفصل من كل صنف. والذي يلاحظ أن الكاتبة وضعت كثيرًا من الاصطلاحات الجديدة التي يحتاج إليها الناقد المعاصر، مثل: الكفاءة، التماسك، الصلابة، ومثل: الأوزان الصافية والممزوجة، ومثل: التشكيلات وتريد بها

стр. 340

الشكل العروضي لضرب القصيدة في الشعر الحر، وهي تعادل في العروض القديم مجموع العروض والضرب في البيت الواحد، ولم يضع له القدماء اسمًا. ومثل: التكرار البياني واللاشعوري وتكرار التقسيم. ب- الفصلان البلاغيان عن "التكرار" في الشعر الحديث. وهي محاولة جديدة كل الجدة في إقامة بلاغة عربية على أساس الشعر المعاصر، ذهبت الكتابة فيهما إلى أن البلاغة ينبغي أن تتطور موضوعاتها بحيث تستوعب ما جد من أساليب في لغتنا. وكل من تتبع ما ورد عن التكرار في أدبنا القديم وكتبنا البلاغية يرى بوضوح أن هذين الفصلين جديدان في موضوعهما، فقد قسمت في الفصل الأول التكرار، بناء على ملاحظتها للشعر قديمًا وحديثًا: إلى تكرار الحرف، وتكرار الكلمة، وتكرار العبارة، وتكرار المقطع. وأتت بأمثلة وضعت على أساس استقرائها لها، شبه قواعد جمالية لهذا التكرار. وبحثت في الفصل الثاني معاني التكرار، كما بدت لها، فقسمتها إلى تكرار بياني، وتكرار لا شعوري، وغيرهما وجاءت بلفتات جديدة تستحق الدراسة. ج- ولعل أبرز الفصول -بعد ذلك- هو الفصل المعنون بـ "البند ومكانه من العروض العربي" وقد ذهبت فيه الكاتبة خلافًا لمن سبقها ممن درسوه إلى: أنه شعر ذو وزنين لا وزن واحد كما توهم دارسوه، وأثبتت ذلك بالاستشهاد، ثم وضعت عروضًا كاملًا لهذا اللون الطريف من الشعر الذي شاع في العراق خلال القرون الثلاثة الفائتة. والذي نظنه أن هذا الفصل سيثير مناقشات من قبل المعنيين بالنقد والشعر معًا. د- ومن مزايا الكتاب التي تلفت نظر الباحثين -أخيًرا- موقف المؤلفة من استيراد النظريات الأوروبية وتطبيقها على الشعر العربي، وقد فصلت هذا الموضوع النقدي الدقيق في فصل "الناقد العربي والمسئولية اللغوية" وتوصلت إلى أن قواعد النقد العربي الأساسية ينبغي أن تنبع من البيئة العربية ومن طبيعة الشعر العربي لا أن تستورد من خارج محيطهما.

стр. 341

وبعد: ففي الوقت الذي تكبر فيه رائدة الشعر الحر فيما اهتدت إليه من قواعد لحركة التجديد الشعرية، ولما ابتدعته من مصطلحات، وتوصلت إليه من نتائج تعتبر ثروة لغوية وأدبية في النقد العربي، نختلف معها في نقاط عدة نكتفي بإيجاز اثنين منها: ١- المفارقة في مصطلح "الشعر الحر": ووجه المفارقة في هذا الاصطلاح أنه ينطوي على تجديد في الشعر ولكننا إذا أمعنا النظر فيه نجده لم يزل يحتفظ بتعريفه عند نقاد الأدب منذ عهد قدامة بن جعفر بأنه القول الموزون المقفى الذي يدل على معنى١.. وأنه تجديد نحو الحرية في الشعر، ولكننا إذا استقرأنا ما نظم فيه نراه لم يخرج على عمود الشعر الذي حدده "المرزوقي" في مقدمته لشرح ديوان الحماسة٢. وهو -الشعر الحر- بنظر مبدعيه سبيل لانطلاق الشاعر من قيود شكلية تعوق خياله عن الإبداع والاسترسال، وتصد لسانه عن التعبير والتصوير، غير أنه برفع تلك القيود قد فرضوا عليه قيودًا معنوية قاسية من أجل أن يكون ما يقوله شعرًا ما دام الشعر نغمًا ملحنًا، وليس موسيقى فحسب. ٢- تجريد النثر من الموسيقى: في معرض الموازنة بين النثر والشعر في الفصل الذي تحدثت به المؤلفة عن "قصيدة النثر" انتهت إلى "أن الموسيقى ملازمة للشعر لا له". والذي نعرفه أن النثر الفني موسيقى تأتيه من توازن الجمل وسجعها، ذلك التوازن الذي هو أقرب إلى الوزن في الشعر، وذلك السجع الذي هو أشبه بالقافية فيه، مما يدلنا على أنه هو الأصل الذي ارتقى منه الشعر، كما كان الرجز هو الحلقة الوسطى بين النثر المتوازن المسجوع وبحور الشعر الناضجة. ولكن هذا الطراز من البيان العربي قد جفاه المجددون من الكتاب أيضًا حتى ولو كان عفويًّا غير

стр. 342

متكلف، وناله من التعريض والتنديد ما نال الشعر الموزون المقفى.. فالتفعيلة -كما هو واضح- موجودة في النثر وبخاصة الفني منه. والموسيقى توجد فيه كما توجد في الشعر، إلا أن في الوزن موسيقى لا نجدها في غيره بله في عدمه حتى ليخيل إلينا ونحن ننشد قصيدة موزونة أن في الوزن شيئًا أبعد من الموسيقى اللفظية نفسها، هو نَغَمُ المعنى الذي كان صداه الوزن. ولعل هذا هو الذي ألصق الوزن بالشعر لأنه غناء في الأصل، وجعله من خصائصه وميزاته، ليس في لغة العرب وحسب وإنما في لغات الأمم جميعها، وإلا فلماذا اهتدى السمع المرهف إلى القافية، وناشد انسجامها مع الوزن والمضمون ولم يكتف بالوزن مثلًا؟ وقبل أن نختم هذه المقدمة الموجزة ألا يصح لنا أن نتساءل: أي الطريقين أقرب إلى الحرية في الشعر ما دمنا ننشدها لتحقيق ذاتية الشاعر: وسهولة تنقله في تصوير مشاعره مع المحافظة على موسيقى الشعر وإيقاعه: هل الالتزام بتفعيلة واحدة من بحر معين كما توصلت إليه صاحبة الكتاب ودعت له باسم الشعر الحر أم باستخدام عدة أوزان يختارها الشاعر، ينتقل بينها حسب انسجامها مع الموضوع كما ذهب إليه أبو شادي وأصحاب أبولو جميعهم؟ والله نسأل أن يلهمنا السداد، ويهدينا سبيل الرشاد. د. عبد الهادي محبوبة بغداد "١٩٦٢"

стр. 343

فهارس الكتاب: ثبت الاعلام: "أ" الأخفش "سعيد بن مسعدة" ١٣٢/ ٣٤٤ إبراهيم أنيس ٣٤٤ إبراهيم عبد القادر المازني ٣٤٥ الأنباري ٩٧ ابن خلكان ٩٧ بن الخلفة ٩٥/ ١٩٨/ ٢٠٠/ ٢٠٤/ ٢١٠ ابن دريد ٨/ ٩/ ١٠/ ١١ ابن رشيق ٢٧٥/ ٣٤٤ ابن زيدون ٨٧ ابن الفارض ١٤٥/ ٢٨١ ابن قزمان ٣٤٥ بن مالك ١٠٢/ ١٠٧ ابن معافى ٣٤٤ ابن المعتز ٣٤٣ ابن هرمة ٣٤٣ أبو تمام ٣٤٣ أبو العتاهية ٣٤٣ أبو العلاء المعري ١١/ ١٢/ ٥٨/ ٣٤٨ أبو فراس الحمداني ١٥٠ أبو القاسم الشابي ٢٦٩/ ٢٧٣/ ٣٠٤/ ٣٠٥/ ٣٠٦/ ٣٠٧/ ٠٨/ ٣١٠/ ٣١٢/ ٣١٤ أبو القاسم محمد كرو ٢٦٩/ ٢٧٣/ ٣٠٤ أبو نزار الملائكة ٣٤٧ أبو نواس ٣٤٣ أبو هلال العسكري ٢٦٦/ ٢٧٥ إحسان الملائكة ٣٣٩/ ٣٤٦/ ٣٤٧ أحمد خاكي ١٦٤ أحمد زكي أبو شادي ٣٤٥/ ٣٤٦/ ٣٤٩/ ٣٥٣ أحمد عبد المعطي حجازي ٢٧٩ أحمد مطلوب ١٥ أحمد الهاشمي ١٩٧ أدونيس "علي أحمد سعيد" ٣٤٣ أسعد مصلوح ٣٤٥ لأصفهاني ٣٤٤ المرزباني محمد بن عمران ٣٤٤ المرزوقي ٣٥٢ أمجد الطرابلسي ١١٢/ ١١٣/ ٢٥٩/ ٢٦١/ ٢٧٠

стр. 344

أم نزار الملائكة ٢٧/ ٣٤٦/ ٣٤٧ الآمدي ٣٤٣ امرؤ القيس ٥٨/ ٧٦/ ٢١٩ أنور العطار ٢٤٥ إيليا أبو ماضي ٢٥٨/ ٢٦١/ ٢٦٩/ ٢٨٤/ ٣٤٥ إيليوت "توماس سترنز" ٣٢٣/ ٣٣٥ "ب" باقر بن السيد إبراهيم الحسيني ٢٠٨/ ٢١٠ الباقلاني ٨/ ٩/ ١٠/ ٣٤٤ البحتري ٣٤٧ بدر شاكر السياب ١٣/ ١٤/ ١٧/ ١٨/ ١٩/ ٢٠/ ٣٦/ ٤٣/ ٤٦/ ٤٧ ١٢٥/ ١٦٥/ ١٦٦/ ١٦٧/ ٢٣٦/ ٢٦٨/ ٢٧٣/ ٢٧٤/ ٢٧٨/ ٢٨١/ ٢٨٢/ ٢٨٥/ ٢٨٧/ ٢٨٨/ ٢٨٩ بدوي الجبل ٤٢ بدير متولي حميد ١٩٧ بديع حقي ١٤/ ١٧ برادلي ٣٣٥ بروك "روبرت" ٣٠٨/ ٣٠٩/ ٣١٠/ ٣١١ بروميثيوس ٣٠٥ بريفير "جاك" ١٥٥ البستاني ٣٤٢ بشار بن برد ٢٤/ ٣٤٣ بشارة الخوري ١٩٠/ ٢٧٦ بلند الحيدري ٤٥/ ٤٧/ ٢٩٠ البهاء زهير ١١٥ "ت" توفيق صايغ ٢١٦ "ج" جبرا إبراهيم جبرا ١٥٣/ ١٥٤/ ٢١٦/ ٢١٧/ ٢١٩ جبران خليل جبران ٢١٨/ ٢٥٨/ ٢٨٤/ ٣٤٥ الجرجاني ٣٤٣ جميل الملائكة ١٣٥ جورج غانم ٩١/ ١١٨/ ١١٩ "ح" الحارث بن حلزة اليشكري ٨٩/ ٩٠ الحارث بن عباد ٢٦٧ حسب الشيخ جعفر ١٢٢ حسين العشاري ٢٠٤/ ٢٠٦/ ٢١١ الحصري القيرواني ١٣٣ "خ" خزامى صبري ٢١٤/ ٢١٦/ ٢١٩/ ٢٢٦ الخطيب ٣٤٤ الخليل بن أحمد ٦/ ٧/ ١١/ ٢٤/ ٢٦/ ٢٧/ ٤٢/ ٧٤/ ٩٠/ ٨٥/ ٩٧/ ٩٨/ ٩٩/ ١٣٢/ ١٣٥/ ١٣٧/ ١٩٧/ ١٩٩/ ٢٠٣/ ٣٤٤ خليل حاوي ٢٥/ ٩٥/ ٩٦ خليل الخوري ١٢٥/ ١٨٤/ ١٨٧ خليل شيبوب ٣٤٥ خليل مطران ٣٤٥/ ٣٤٨ خير الدين الزركلي ١٩٠ "ر" رتشردز ٣٣٥ رزين بن زندورد ٣٤٣ الرصافي ١٩٠/ ١٩٧

стр. 345

"ز" زكي نجيب محمود ١٦٤ الزهاوي "جميل صدقي" ١٨٩/ ١٩٠/ ٣٤٢/ ٣٤٣ "س" سبنسر ٣٠١ السراج الوراق ٢٤ سيتول "إيدث" ١٥٣ سعدي يوسف ٨١ سليمان العيسي ١١٤/ ١٧٩ سها الملائكة ٣٤٦ س. موريه ٣٤٥ "ش" شاذل طاقة ٣٧/ ٤٦ الشاعر القروي "رشيد سليم الخوري" ٣٤٥ الشريف الرضي ٣٤٣ شفيق معلوف ٣٤٥ شوقي "أحمد" ١٩٠/ ٣٤٢ شكسبير "وليم" ١٦٣/ ١٨٨ "ص" صادق الملائكة ٣٤٦ صالح جودت ١٧٣ صلاح عبد الصبور ١١٠/ ١٢٧/ ١٣١/ ١٩١/ ٢١١ "ط" طيفور الحميري ٣٤٣ "ع" عبادة القزاز ٣٤٤/ ٣٤٥ عبد الله بن محمد المرواني ٣٤٤ عبد الله بن مناذر ١٦٣ عبد الرحمن شكري ٣٤٥ عبد الرزاق عبد الواحد ٢٨٩ عبد العزيز دسوقي ٣٤٩ عبد الكريم الدجيلي ٨/ ٩/ ١١/ ١٢/ ١٤/ ٢١٠ عبد اللطيف الكمالي ٢٠ عبد الهادي محبوبة ٣٣٩/ ٣٥٣ عبد الوهاب البياتي ٣٧/ ٤٣/ ٤٥/ ٢٧٧/ ٢٧٩/ ٢٨٣/ ٢٨٤ عرار "مصطفي وهبي التل" ١٤/ ١٧ عصام الملائكة ٣٤٦ العقاد ٣٤٥ علي أحمد باكثير ١٤/ ١٧/ ٣٤٦ علي الجارم ١٠٤/ ١١٥ علي محمود طه ٧٥/ ٧٦/ ١١٣/ ١٧٢/ ١٧٣/ ٢٤٨/ ٢٦٩/ ٢٨٤/ ٢٨٦ عمر أبو ريشة ٧٥/ ١١٣/ ١١٤ عمر بن أبي ربيعة ٢٤ عمير بن شييم القطامي ١٥١ "غ" غازي "الملك" ٤٢ "ف" فاليري "بول" ٣٣٥ فدوى طوقان ٥٣/ ١٠٥/ ١٠٦/ ١٢٤/ ١٣٠/ ١٣١/ ١٧٩/ ١٨٠/ ١٨١/ ١٨٢/ ١٨٣ فؤاد رفقة ١٦٨ فواز الطرابلسي ١٥٥ فوزي المعلوف ٣٤٥

стр. 346

"ق" قدامه بن جعفر ٣٥٢ "ك" كانت "إمانويل" ٣٠١ كرستون كولومبيس ٣٤٦ كليب ٢٢٦ كيتس "جون" ٣٠٦/ ٣٠٧/ ٣٠٨/ ٣١٠/ ٣١٢/ ٣١٤ كويو"جان ماري" ٣٠١ بروكلمان "كارل" ٣٤٤ "ل" لويس عوض ١٤/ ١٧ "م" المازني "إبراهيم عبد القادر" ٣٤٥ مالارميه "ستيفن" ١٣٥ مالك حداد ١٦٠ مالك بن الريب ٢٨٠ المتنبي ٥٨/ ٨٨/ ٩٠/ ١١٢/ ١١٥/ ٣٤٧ مجاهد عبد المنعم مجاهد ١٨٢/ ١٨٣ محمد فريد أبو حديد ١٤/ ١٦٤/ ٣٤٥ محمد فهمي ٢٨٦/ ٣٠٨ محمد الماغوط ١٥٨/ ١٦٠/ ٢١٨/ ٢٢٦ محمد مصطفى بدوي ٣٤٥ محمد الهمشري ١١٤/ ٢٦٤/ ٢٨٦/ ٣٠٧/ ٣٠٨/ ٣١٠/ ٣١١/ ٣١٢ محمود حسن إسماعيل ١٤/ ١٧٣/ ٢٣٧/ ٢٣٩/ ٢٦٥/ ٢٦٦/ ٢٧٢/ ٢٨٤/ ٢٨٥ محمود درويش ٧/ ٢٢/ ٢٣ محموة شكري الآلوسي ٣٣٢ محمود مصطفي ١٩٧ مسلم بن الوليد ٣٤٣ مصطفى جمال الدين ١٠٢/ ١٠٣ مصطفى صادق الرافعي ٢١٨/ ٢١٩ مطيع بن إياس ٣٤٣ ملك أبيض ١٦٠ ممدوح حقي ١٩٧ المنخل اليشكري ١٤٥ المهلهل ٢٦٦ المهدي ٣٤٤ ميخائيل نعيمة ١١١/ ٢٥٨/ ٢٦٧/ ٢٦٨/ ٢٦٩ "ن" نازك الملائكة ١٤٧/ ٢٨٣/ ٢٨٤/ ٣٣٩/ ٣٤٦/ ٣٤٧ نذير العظمة ٢٠٧/ ٢٠٨/ ٣٢٨/ ٣٣١ نزار قباني ٥٣/ ١١٦/ ١٢٩/ ١٣٠/ ١٣١/ ١٤١/ ١٧٣/ ١٧٩/ ١٩١/ ٢٤٢/ ٢٤٥/ ٢٤٦/ ٢٧٨/ ٢٧٩/ ٢٨٢/ ٢٨٣ نزار الملائكة ٣٤٦/ ٣٤٧ نسيب عريضة ٢٤٥ نوري السعيد ٤٢ نيتشه "فردريك" ٣١٤ "هـ" هشام بن عبد الملك ٦١ هوميروس ٣٤٢ "ي" ياقوت ٣٤٤

стр. 347

ثبت الموضوعات: القسم الأول في الشعر الحر صفحة الباب الأول – الشعر الحر باعتباره حركة ٣١ ١- بداية الشعر الحر وظروفه ٣٥ البداية ٣٥ الظروف ٣٧ المزايا المضللة في الشعر الحر ٤٠ نتائج التدفق في الأوزان الحرة ٤٣ الخواتم الضعيفة للقصائد الحرة ٤٥ عيوب الوزن الحر ٤٧ إمكانيات الشعر الحر ومستقبله ٤٨ ٢- الجذور الاجتماعية لحركة الشعر الحر ٥٠ الشعر الحر اندفاعة اجتماعية ٥٤ النزوع إلى الواقع ٥٦ الحنين إلى الاستقلال ٥٧ النفور من النموذج ٥٨ الهرب من التناظر ٦٠ إيثار المضمون ٦٢

стр. 348

صفحة الباب الثاني – الشعر الحر باعتباره العروضي ٦٧ ١- العروض العام للشعر الحر ٦٩ وطئة ٦٩ الشعر الحر أسلوب ٧٤ تفعيلات الشعر الحر ٧٩ بحور الشعر الحر وتشكيلاته ٨٣ الشعر الحر شعر ذو شطر واحد ٩٣ ٢- المشاكل الفرعية في الشعر الحر ٩٧ توطئة ٩٧ الوتد المجموع ١٠٠ الزحاف ١٠٩ التدوير ١١٢ التشكيلات الخماسية والتساعية ١٢٣ فاعل في حشو الجنب ١٣٢ الباب الثالث – الشعر الحر باعتباره أثره ١٣٩ ١- الشعر الحر والجمهور ١٤١ توطئة ١٤١ طبيعة الشعر الحر ١٤٤ الظروف الأدبية للعصر ١٥٠ إهمال الشعراء ١٦٢ ٢- أصناف الأخطاء العروضية ١٧٧ الخلط بين التشكيلات ١٧٧ الخلط بين الوحدات المتساوية شكلا ١٨١

стр. 349

صفحة الباب الرابع – ملحق بقضايا الشعر الحر ٣٩ ١- البند ومكانه من العروض من العروض العربي ١٩٥ ٢- قصيدة النثر ٢١٣ القسم الثاني الباب الأول – في فن الشعر ٢٣١ ١- هيكل القصيدة ٢٣٣ الموضوع ٢٣٤ الهيكل الجيد وصفاته ٢٣٥ ثلاثة أصناف من الهياكل ٢٤١ ٢- أساليب التكرار في الشعر ٢٦٣ ٣- دلالة التكرار في الشعر ٢٧٥ التكرار البياني ٢٨٠ تكرار التقسيم ٢٨٤ التكرار اللاشعوري ٢٨٧ الباب الثاني – في الصلة بين الشعر والحياة ٢٩٣ ١- الشعر والمجتمع ٢٩٥ ٢- الشعر والموت ٣٠٤ الباب الثالث – في نقد الشعر ٣١٧ ١- مزالق النقد المعاصر ٣١٩ ٢- الناقد العربي والمسؤولية اللغوية ٣٢٥ مقدمة الطبعة الأولى ٣٣٩ فهارس الكتاب ٣٥٤