بما حولها بحيث تصمد أمام هذه الرتابة. والحق أن التكرار عدو البيت الرديء فهو يفضح ضعفه ويشير إليه صائحًا. وهذه الخاصية المعرقلة "بكسر القاف" في التكرار تصبح أوضح في تكرار التقسيم الذي يختلف عن سائر الأصناف في أنه يتكرر كثيرًا وقد يصبح أشبه بدقات ساعة رتيبة مملة إذا لم ينتبه الشاعر. وخير مثال لهذا التكرار الهزيل الذي ارتكزت إليه القصيدة الخلابة "النارنجة الذابلة" لمحمد الهمشري وقد جرى هكذا:
كانت لنا يا ليتها دامت لنا
أو دام يهتف فوقها الزرزور١
فبالمقارنة مع المقطوعات الجميلة التي غصت بها هذه القصيدة الموهوبة نجد البيت المكرر متنافر الحروف رديء السبك بحيث يسيء إلى القصيدة كلها. ومن المزالق التي يقع فيها الشعراء في هذا الباب أن ينتقوا العبارة المكررة على أساس غنائي. وقد صنع علي محمود طه هذا في عدد من قصائده مثل "سيرانادا مصرية"٢ حيث كرر هذا البيت:
ألا فلنحلم الآن فهذي ليلة الحب
ومثل "من ليالي كيلوبترا"٣ حيث كرر هذا البيت:
يا حبيبي هذي ليلة حبي
آه لو شاركتني أفراح قلبي
ومثل "أندلسية"٤ حيث كرر هذا الشطر:
فاسقنيها أنت يا أندلسيه
стр. 282
وكل هذه التكرارات ذات موسيقى تقليدية تنبع من جو عاطفي مصطنع مما يصح وصفه في اللغات الأجنبية بكلمة Sentimental والواقع أن قيام التكرار على أساس غنائي ليس أمرًا مستحبًّا خاصة في تكرار التقسيم الذي يميل بطبعه إلى الغنائية.
стр. 283
التكرار اللاشعوري:
هذا الصنف لم يرد في الشعر القديم الذي وقف نفسه -فيما يلوح- على تصوير المحسوس والخارجي من المشاعر الإنسانية. وشرط هذا الصنف من التكرار أن يجيء في سياق شعوري كثيف يبلغ أحيانًا درجة المأساة.
ومن ثم فإن العبارة المكررة تؤدي إلى رفع مستوى الشعور في القصيدة إلى درجة غير عادية. وباستناد الشاعر إلى هذا التكرار يستغني عن عناء الإفصاح المباشر وإخبار القارئ بالألفاظ عن مدى كثافة الذروة العاطفية.
ويغلب أن تكون العبارة المكررة مقتطفة من كلام سمعه الشاعر ووجد فيه تعليقًا مريرًا على حالة حاضرة تؤلمه أو إشارة إلى حادث مثير يصحي حزنًا قديمًا أو ندمًا نائمًا أو سخرية موجعة. ونموذج هذا التكرار عبارة "أنها ماتت" في قصيدة الخيط المشدود في شجرة السرو١. فما كاد بطل القصيدة يسمعها حتى أصابته رجة شعورية أدت إلى أن يصاب بهذيان داخلي واختلاط موقت في تفكيره فراحت العبارة تعيد نفسها في ذهنه كدقات ساعة رتيبة. وإنما تنبع القيمة الفنية للعبارة المكررة، في هذا الصنف من التكرار، من كثافة الحالة النفسية التي تقترن بها.
لقد ورد هذا التكرار اللاشعوري في قصيدة عنوانها "نهاية"٢ لبدر شاكر السياب، وصحبته ظاهرة يصح أن نقف عندها وقفة صغيرة،
стр. 284
فمنذ لفت بدر السياب الأنظار إلى هذه الظاهرة بات بعض الشعراء الجدد ملتفتين إليها، وإن كانوا غالبًا لم يفطنوا تمامًا إلى الغرض الفني منها وإنما عدوه فيما يلوح تجديدًا محضًا أو نوعًا من الترف الفني.
استقى بدر السياب عبارته المكررة من كلمة أثبتها نثرًا قبل القصيدة مما قالته له فتاة: "سأهواك حتى تجف الأدمع" ويلوح من القصيدة أن ظروف الشاعر مع قائلة العبارة قد تغيرت وانقلبت حتى باتت العبارة، حين يتذكرها، تبدو له كالسخرية من الحاضر وتخزه في مرارة، ومن ثم فهي تتردد في ذهنه وتلاحقه وتتشكل أشكالًا بين "سأهواك حتى سأهواك" و"سأهواك حتى س ... " و"سأهواك حتى" و"سأهوا –".
هذه هي الأبيات:
" سأهواك حتى" نداء بعيد
تلاشت على قهقهات الزمان
بقاياه.. في ظلمة.. في مكان
وظل الصدى في خيالي يعيد
"سأهواك حتى ... س ... " يا للصدى
أصيحي إلى الساعة النائية
"سأهواك حتى" بقايا رنين
تحدين حتى الغدا
"سأهواك -" ما أكذب العاشقين
"سأهوا.." نعم تصدقين!
إن البتر هنا بليغ. ففي مثل هذه الحالات التي نجابهها كلنا أحانًا سواء في حالة حمى عالية تشتت التفكير المنتظم، أو في حالة صدمة عنيفة كوفاة شخص عزيز نفاجأ بها دونما مقدمات ... في مثل هذه الحالات يصدف أن
стр. 285
تتردد في أذهاننا عبارة مهمة تنبعث من أعماق اللاشعور وتطاردنا مهما حاولنا نسيانها والتهرب من صداها في أعماقنا. وكثيرًا مما تفقد العبارة المتكررة معناها وتستحيل في الذهن المضطرب إلى مجموعة أصوات تتردد أوتوماتيكيًّا دون أن تقترن بمدلول، ومن ثم فهي تتعرض لأن "تنبتر" في أي جزء منها، فجأة حين ينشغل العقل الواعي بفكرة طارئة يفرضها العالم الخارجي، فتصحي المصدوم من ذهوله لحظات.. ولكن سرعان ما تعود العبارة الدرامية حين يخف الانشغال بما هو خارجي وترن في السمع. أنه تكرار لاشعوري لا يد لنا فيه. وهذا هو الذي يبرر وقوف بدر شاكر السياب عند الألف في كلمة "سأهواك" وكأن الصوت في انبتر فجأة ودُفع دفعًا إلى التلاشي.
على أن السياق الذي وضع فيه بدر تكراره اللاشعوري مفتعل قليلًا والتركيز ينقصه. فالشاعر كما نرى من الأبيات يمتلك من الوعي ما يجعله يرد على العبارة ويناقشها بقوله "نعم تصدقين" "ما أكذب العاشقين" وتعليقاته هذه تبدد الجو اللاواعي الذي يرتكز إليه منطق "البتر". على أن أصالة الابتكار تبقى مع ذلك تطبع الأبيات.
وقد حاول شعراء آخرون تقليد هذا البتر في التكرار أذكر منهم الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدة له عنوانها "لعنة الشيطان"١ يقول فيها:
من يكونان؟ همسة أرجف الليل صداها وانساب في الظلماء
من يكونان؟ من يكو؟ من يـ ... واصطكت شفاه على بقايا النداء.
ولعله واضح أن البتر هنا غير مبرر نفسيًّا، فالمفروض أن هذا التكرار يمثل "أصداء" ومن طبيعة الصدى أن يتردد الجزء الأخير منه وحسب لا الأول كما في تردد عبارة الشاعر.
стр. 286
وقد استعمل بلند الحيدري هذا البتر في قصيدة عنوانها "ثلاث علامات"١ حيث يقول:
وافترقنا
أنا لا أذ ...
نحن لا نذكر أن كنا التقينا
وهو يلوح لنا بترًا ضعيفًا لا يمكن تبريره إلا بفذلكة، وقد تكون للشاعر وجهة نظر خاصة فيه لم نحزرها. إن هذه المحاولات من شعرائنا طيبة من حيث إنها محاولات في طريق وعر لم يسلك، غير أنها أيضًا محاولات متسرعة تسمها اللفظية أحيانًا. وقد يكون التكرار اللاشعوري من أصعب أنواع التكرار إذ يقتضي من الشاعر أن ينشئ له سياقًا نفسيًّا غنيًّا بالمشاعر الكثيفة. فإن الترجيع الدرامي لا يجيء إلا عبر عقدة مركزة تجعل من الممكن أن تفقد عبارة معناها فتروح تكرر في حرية وقد تنبتر وتتشكل بمعزل عن إرادة الذهن الذي يعانيها.
هذه هي الدلالات الثلاث التي صادفتها للتكرار في شعرنا الحديث، وقد تكون هناك دلالات أخرى لم أفطن إليها. وقد يتطور أسلوب التكرار في شعرنا بحيث يغتنى ويمتلك مزيدًا من الدلالات والمعاني فيتاح للبلاغة والنقد أن يضيفا إلى ما جاء في هذا البحث.
ومهما يكن فقد آن الأوان لأن ينتبه بعض شعرائنا إلى أن التكرار، في ذاته، ليس جمالًا يضاف إلى القصيدة بحيث يحسن الشاعر صنعًا بمجرد استعماله، وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه من القصيدة وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث
стр. 287
الحياة في الكلمات، لا بل إن في وسعنا أن نذهب أبعد فنشير إلى الطبيعة الخادعة التي يملكها هذا الأسلوب، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت وإحداث موسيقى ظاهرية فيه، يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري. ولعل كثيرًا من متتبعي الحركات التجديدية في الشعر المعاصر يلاحظون أن أسلوب التكرار قد بات يستعمل في السنوات الأخيرة عكازة تارة لملء ثغرات الوزن، وتارة لبدء فقرة جديدة، وتارة لاختتام قصيدة منحدرة تأبى الوقوف، وسوى ذلك من الأغراض التي لم يوجد لها في الأصل، وهو أمر نأمل أن يتجه نقادنا المتزنون إلى الوقوف في وجهه في حزم وصرامة تكفيان لردعه.
стр. 288
الباب الثاني: في الصلة بين الشعر والحياة .
الفصل الأول: الشعر والمجتمع .
باتت الدعوة إلى اجتماعية الشعر نبرة عصبية تطغى على الصحافة العربية طغيانًا عاصفًا. فالقارئ على أصدائها في كل صحيفة يقرؤها، ويسمعها تتكرر في محطات الإذاعة، وتتسلل إلى أحاديث الأندية والمجتمعات حتى باتت في عنفها تشبه تيارًا جارفًا يريد أن يكتسح القيم كلها. ونحن لا نشك في سلامة نية هذه الدعوة، وصدق إيمانها بغايتها، ومن المؤكد أنها لا تريد ضرًّا بالشعراء، فهي على العكس تؤمن بالشعر إيمانًا متحمسًا يجعلها تنتظر منه أن يحقق المعجزات في سبيل إنقاذ هذه الأمة التي تعبر اليوم مرحلة متأزمة من حياتها. على أن سلامة النية لا تملك أن تعصم من الاندفاع العاطفي الذي نلمس آثاره في هذه الدعوة، ولذلك بات على الشعر المعاصر أن يواجه الموقف ويتخذ إزاءه قرارًا.
وأول ما يؤخذ على هذه الدعوة التي تذهب إلى أن الشعر يجب أن
стр. 289
يكون "اجتماعيًّا" أنها تتسلح بمجموعة من التعابير المبهمة التي لا تحاول تحديدها من نحو قولها "الأبراج العاجية" و"المتهربون من الواقع" و"الأدب الشعبي" و"الشعراء الذاتيون". وقد أدى إلى تداول جماهير الكتاب لهذه الألفاظ إلى اضطراب شديد في مدلولاتها وأكسبها من السطحية ما يجعل الناقد المثقف يتحرج من استعمالها محاولًا صياغة تعابير جديدة تؤدي معانيها الفنية والنظرية. أما العاطفية التي يتصف بها كثير من المقالات التي تؤيد الدعوة، فهي تجعلها غالبًا خلوًّا من الرصانة الفكرية التي تتسم بها الدعوات الفنية والمذاهب الفلسفية. ويبدو لنا أن الدعوة قد نسيت حتى الآن أنها دعوة في مجال فني، فهي تتحدث عن كل شيء آخر غير الشعر، مع أنها موجهة إلى الشعراء. ومن المؤكد أنها لم تقف بعد لتفكر في أسس نظرية تخطها وتضمن بها لأتباعها من ناشئي الشعراء ما يقيهم التخبط وهم ينظمون قصائدهم وفقها، ولم تتساءل بعد عن المدلول الشعري لهذه "الاجتماعية" التي تنادي بها: أهي منهج يتقي به الشاعر الناشئ العثرات الضخمة التي تنتظره في مسالك القصيدة الوعرة؟ أهي تخطيط يدله على هيكل القصيدة ويعينه على بنائه؟ أهي تحديد للموضوع؟ كل هذه أسئلة تستهين بها الدعوة، فالجهة الشعرية من الشعر المعاصر هي آخر ما تهتم له وكأنها دعوة في مجال اجتماعي منفصل انفصالًا تامًّا عن الشعر الذي تطبق عليه.
والدعوة بصورتها الحالية تحتمل نقدًا شديدًا من جهاتها كلها: فنيًّا وإنسانيًّا ووطنيًّا وجماليًّا. وأبرز مواطن الضعف فيها أنها -كما قلنا- لا ترتكز إلى أسس فنية، شعرية، ولم يحاول كاتب واحد بعد أن يحددها من وجهتها النظرية. على أن في صيحاتها المتتابعة ما يمكن أن نعده أسسًا مبهمة تريد تشييدها، وفي حدود هذه الأسس نريد أن ندرسها ونناقش موقفها من الشعر إجمالًا.
أما من الوجهة الفنية، فيبدو لنا أن الدعوة حين تلح على أن الشعر
стр. 290
يجب أن يكون اجتماعيًّا، إنما تتناول "الموضوع" وتجعله الغاية الوحيدة المقصودة في كل شعر. فهي لا تهتم بسائر مقومات القصيدة كالبناء والهيكل والصور والانفعال والموسيقى والفكرة والمعاني الظاهرة والخفية، وإنما تقصر عنايتها على موضوع القصيدة وكأنه العنصر الوحيد الذي يكونها. وهذا مخالف لمفاهيم الشعر البديهية، فلعل الموضوع في نظر النقد الأدبي أتفه مقومات الشعر وأقلها استحقاقًا للدراسة المنفصلة، وذلك لأن كل موضوع يصلح للشعر سواء أدار حول مشاكلنا القومية أو حول شجرة توت أو معركة سباب في شارع ضيق، فالمهم على كل حال هو أسلوب الشاعر في معالجة الموضوع، ولذلك نجد الموضوع عينه ميتًا أو مغمى عليه عند شاعر، حيًّا ينبض بالجمال المنفعل عند شاعر ثانٍ. ومن هذا يبدو أن الدعوة تلح على العنصر الوحيد الذي ليس شعريًّا في القصيدة.
ولا تقتصر الدعوة على عزل الموضوع عن سائر عناصر القصيدة، وتضخيم قيمته الفنية هذا التضخيم الذي لا يشفع له شيء، وإنما تمضي في طغيانها الحسن النية، فتأبى إلا أن تحدد مجال هذا الموضوع تحديدًا صارمًا. فكل شعور لا يتعلق بالوطنية بأضيق معانيها يفوز لديها بنعوت عاطفية جارفة لا يصد اندفاعها شيء. وهكذا نجدها لا تكتفي بهدم سائر معالم القصيدة، وإنما تهدف أيضًا إلى أن تتحكم حتى في العنصر الوحيد الذي أبقته وهو الموضوع. فهي تحمل سيفًا بتارًا وتقف مترصدة، فما تكاد تعثر على انفعال خصب يستجيب لجمال وردة، أو حب ساذج أو شعور بأزمة نفسية يعانيها فرد إنسان، حتى تضرب ضربتها في عنف وقسوة وتحكم على القصيدة بالتفاهة. وقد قرأنا في الصحف العربية مقالات عجيبة في النقد تصفق لكل قصيدة اجتماعية حتى إذا كانت من وجهة نظر الفن والنقد لا تستأهل أن تسمى شعرًا، ولو أراد النقد أن يتصدى لها لانهارت انهيارًا فاجعًا. وهذا كله جناية الموضوع على الناقد.
وإذا فحصنا الدعوة من الوجهة الاجتماعية وجدناها في صميمها تنزع
стр. 291
إلى أن تجرد الشعر من العواطف الإنسانية. ذلك أن أشد سخطها واستنكارها ينهال على ما تسميه -دون أن توضح مقصدها- "المشاعر الذاتية" و"الهرب من الواقع" و"الانعزالية" ولو فحصنا هذه التعابير لوجدناها تنتهي كلها إلى أن تنكر أن يكون شعر الفرد العادي من الناس موضوعًا للشعر، فهو -لكي يستحق أن تدور حوله قصيدة- ينبغي أن يكون عملاقًا بلا مشاعر: فلا يحب الأزهار، ولا يضيع وقته في مراقبة مغرب الشمس على حقول الحنطة، ثم إنه لا يتألم لهمومه الخاصة، وهو يؤمن بأن الاستماع إلى الموسيقى في هذه الظروف العصيبة إنما هو خيانة وطنية، ونحو هذا.. وليس أشد تناقضًا من هذا. فكأن الدعوة عندما أرادت أن تدعو إلى الواقعية ابتعدت عن الواقع ابتعادًا عجيبًا، وأسلمت نفسها إلى اعتقادات نظرية لا علاقة لها بالحياة.
وما هذا الواقع الذي تدعو إليه؟ أليس هو حياة الناس؟ الناس الذين لا يمر عليهم يوم دون أن يتألموا ويضحكوا لأسباب تخصهم فرديًّا، ويعيشون مفكرين في عواطفهم وآمالهم وهمومهم، وتشغلهم قضايا حياتهم الخاصة بكل ما فيها من ذكريات وحماسات ومشاكل نفسية وصداقات وأفكار. وأي لون من الشعر يستطيع أن يعبر عن هذه الحياة الواقعية الإنسانية؟ أهو الشعر الساذج المنفعل بالعبرات والبسمات أم هو الشعر الاجتماعي الذي يقف موقف الوعظ والخطابة؟
ثم إننا حين نسلط الضوء على قولهم "انعزالي" نجدنا إزاء لفظ من تلك الألفاظ التي وسع الاستعمال معناها أو لعله ضيقه حتى فقد دقته.
فالدعوة حين تستعمل هذا اللفظ في مجال النقد الأدبي تنسى أن المجتمع إنما يترك طابعه على الفرد إجبارًا لا اختيارًا بحيث تصبح السمة الاجتماعية وسمًا طاغيًا لا يملك الفرد أن ينجو منه حتى إذا لاذ بأشد أنواع "الانعزال".
فحسب الإنسان أن تكون انطباعاته البصرية والسمعية والذهنية قد تكونت كلها في مجتمع بعينه، لكي يكون واحدًا من أفراد هذا المجتمع لا يستطيع
стр. 292
التهرب من طابعه العام. ومثل هذا الفرد لا بد أن يمثل المجتمع سواء أأراد أم لم يرد. وعلى هذا تصبح الاجتماعية سمة طبيعية لا تشبه الثوب الذي يستطيع المرء أن يخلعه متى شاء. إنها شيء ينطبع في الدم والفكر والأعصاب. وهذا شيء يلوح أن الدعوة تغفل عنه عندما تتحدث في احتقار عن أولئك "الانعزاليين الذاتيين الذين لا يمثلون مجتمعهم".
ألا يدل هذا على أن الدعوة لا تستند إلى الواقع وإنما تشيد لنفسها دعائهم من هواء في فراغ خيالي؟ ذلك أنها تغرم بالمجتمع فتحمل مصباحًا لتبحث عنه في ضوء النهار. وبدلًا من أن تتذكر أنه كيان معنوي لا وجود له إلا على صورة أفراد من الناس، نجدها تجلس على كرسي مريح وتتخيل له صورًا مثالية منمقة، ثم تطلب إلى الأفراد أن "ينضغطوا" في إطارات هذه الصور. وهذا منطق معكوس. فما هذا المجتمع؟ إنه نحن ... أنا وأنت أيها القارئ وجيراننا وأصدقاؤنا وبنو عمنا. وكلنا نمثله: الشاذ منا والذكي والغبي والموهوب. ولكن دعاة الاجتماعية لا يصدقون هذا فهم لا يدرسون بيئتنا مستدلين عليها بإنتاج شعرائها وأدبائها وإنما يريدون أن يملوا على الشعراء والأدباء أدبًا يمثل البيئة، وهذا ألطف المتناقضات.
هذا الموقف الذي تقفه الدعوة يؤدي بنا إلى خسارة اجتماعية وأدبية كبيرة، فأنصار الدعوة ينشغلون بابتداع الصور الخيالية لما يجب أن يكون عليه الكائن الاجتماعي النموذجي، تاركين الواقع يرقد خلال ذلك منسيًّا.
وهكذا نجدهم يملئون الصحف خطبًا دون أن يحاولوا استخلاص المعنى الاجتماعي الذي يدل عليه اتجاه هؤلاء الشعراء. وهل من المعقول أن يتجه جيل كامل من الشعراء إلى اتجاه بعينه دون أن تكون هنالك أسباب بيئية وتاريخية موجبة؟ إن الأدب ليس تفاحة مسحورة تنبت في الهواء وإنما هو ثمرة على شجرة تتصل بتربة ويحيط بها مناخ، وهذا هو المعنى الذي ينساه دعاة الواقعية المزعومة "Pseudo-raslism".
стр. 293
ولندرس الدعوة من وجهتها الوطنية. فماذا سنجد؟ هنا أيضًا ستجبهنا أسس منهارة لا تستطيع أن تثبت للفحص طويلًا. والحق أن العنصر الوطني قائم، ولو فكرنا، على فهم للوطنية يضيق معناها تضييقًا شديدًا.
فالدعوة عندما تؤكد أن انصراف الشاعر المعاصر إلى تصوير عواطفه الخاصة يدل على نقص في حسه الوطني -والدعوة تستعمل ألفاظًا أعنف غالبًا- إنما تفترض ضمنًا ثلاثة مضمونات غريبة تستوقف النظر. وسنحاول أن نناقشها هنا.
أول هذه المضمونات أن الدعوة تفصل فصلًا قاطعًا بين دائرة "المواطن" الصالح ودائرة "الإنسان". فلكي يكون المرء مواطنًا صالحًا في نظرها ينبغي له أولًا أن يتخلص من إنسانيته، فلا يحب قوس قزح، ولا ينفعل لمنظر الحصاد، ولا تطربه أغاني الحمامة بين النخيل في ظهيرة بغدادية، ولا تمتعه مسرات الصداقة الساذجة، وذكريات نزهة عائلية مرحة على رمال جزيرة. فكل هذا إذا تغنى به الشاعر، إنما يثبت "سلبيته" في نظر الدعوة.
وما يمكن أن يقال في نقد هذا الرأي أن نسأل أنصار الدعوة أنفسهم إن كانوا في حياتهم اليومية لا يصرفون أكثر وقتهم في العواطف العائلية والحديث عن قضايا حياتهم الواقعية والتنكيت والجدل والغناء والغضب والمزاح والانفعال؟ وما دمنا لا نستطيع أن نحكم على إنسان يفعل هذا بنقص الحس الوطني، فلماذا نعامل الشاعر معاملة أخرى، وما دامت الحياة الإنسانية لا تناقض الحياة الوطنية، فإن من غير المعقول أن نحكم على شاعر بنقص الحس الوطني لمجرد انصرافه إلى تصوير الجانب الإنساني من حياته التي يشاركه فيها الناس جميعًا.
وأما ثاني المضمونات الغريبة التي تختفي خلف هذا الحكم الذي تسوقه الدعوة، فهو ينتهي بنا إلى الحكم بأن "الوطنية" معنى مرادف للكفاح السياسي، وهذا مخالف للمعنى الحقيقي للوطنية، معنى حب الوطن العربي
стр. 294
وحسب. أما الكفاح السياسي فهو وظيفة النخبة المثقفة من القادة والزعماء والاختصاصيين في كل أمة. ويبدو أن الدعوة تتغافل عن حقيقة أخرى مهمة هي أن الوظيفة العظمى للملايين من المواطنين في كل بلد هي إعالة أسرهم وتحسين أحوالهم الاجتماعية وتهذيب أبنائهم وانصرافهم انصرافًا مخلصًا إلى أعمالهم التي تؤهلهم لها إمكانياتهم العقلية والجسمية، فليس عملهم هذا بأقل قداسة ومكانة من عمل السياسي المناضل والزعيم الموجه. وقد تكون الدعوة إلى أن يترك الفرد العربي حياته الإنسانية ويشتغل بالكفاح السياسي دعوة خطرة تسيء إلى أمتنا الفتية التي تحتاج احتياجًا شديدًا إلى أبناء مثقفين مدربين ينصرفون إلى أعمالهم التي يحسنونها: الفلاح إلى حقله، والعامل إلى آلته، والمعلم إلى تلاميذه، والميكانيكي إلى أجهزته، والنحات إلى تماثيله، والشاعر إلى قصائده. أما الكفاح السياسي فهو عمل أناس مختصين لهم من ثقافتهم ودراستهم وظروفهم ما يهيِّئُهم لهذا العمل المعقد.
أما ثالث المضمونات، فهو الحكم بأن الشعر لا يملك قيمة ذاتية في المجتمع، وإنما هو واسطة لغايات أخرى. وهذا حكم يتجاهل القيم الحيوية التي يملكها الفن في حياتنا الإنسانية بمعزل عن موضوعه. وأول هذه القيم أن الفن شحذ لملكات معينة في الإنسان لا يعقل أن الطبيعة كانت عابثة عندما أوجدتها. وثانيها ما يراه الفيلسوف الفرنسي "جان ماري غويو" J.M. Guyau من أن في الفنون كلها وسيلة لإنفاق الفائض من الطاقة الإنسانية الذي لا بد له أن ينفق، فإذا قضى المجتمع على الفن أدى ذلك إلى أن تختزن طاقة متفجرة في الذهن الإنساني دون أن تجد منفذًا، وهذا لا بد أن يؤدى إلى نوع من فقدان التوازن بين الحياتين الحركية والنفسية، وهو أمر مضر بالحياة الإنسانية.
وحتى إذا أردنا أن نعتبر الفن لعبًا مجردًا كما يرى "كانت" و"سبنسر" فسرعان ما ينصرنا المذهب التجريبي الذي يقول بأن اللعب ضرورة بايولوجية، فما يلوح لهوًا خالصًا إنما هو في الحقيقة حاجة إنسانية متأصلة
стр. 295
لا بد من إشباعها. وهذه هي الفائدة الإنسانية للشعر، وهي فائدة تجعل اهتمام الدعوة بالموضوع أمرًا لا داعي إليه، فالشاعر يؤدي إلى المجتمع الإنساني خدمة جسيمة حتى وهو "يلهو" بالتعبير عن سروره بمراقبة القمر وهو يمر عبر السماء.
وإذا استشرنا أنصار مذهب التطور وجدنا فائدة الشعر تمتد حتى تشمل جهة جديدة بما تقدمه من متعة جمالية كالمتعة التي يجدها المرء في شقشقة العصافير وسكينة الفجر وهدير الشلالات وألوان الصخور. فهذه أشياء لا تستغني عنها الإنسانية؛ لأنها بما تقدم من لذة عاطفية تعين على تطور الحواس الجمالية عند الإنسان وتساعده على النمو العاطفي. والواجب الأعظم للشاعر الوطني أن يرهف مشاعر مواطنيه ويصقل أحاسيسهم الجمالية ويدفع بهم نحو مستقبل إنساني أرفع وأعمق.
وفي ختام هذا النقد العاجل للدعوة الاجتماعية نستطيع أن نقول إن الدعوة تتناسى تناسيًا تامًّا أن آداب الأمم لا تستجيب للدعوات الخارجية، وإنما تنبع من تأثرها غير الواعي بالتيارات المتداخلة التي تكمن وراء الحياة اليومية وتنحدر من ظروفها التاريخية وملابسات حياتها النفسية عبر العصور.
ولم يرو التاريخ أن أدب أمة من الأمم قد غيَّر اتجاهاته وفق دعوة عامدة نادت بها الصحافة. ومن أعجب العجب أن يقف الذين يزاولون النقد هذا الموقف الواعظ بدلًا من أن يستخلصوا القيم التي يرتكز إليها شعرنا المعاصر الذي هو دائمًا شعر اجتماعي أنتجته تربتنا. وقد لا يخفى على الدعاة أن الموقف الوعظي ينطوي على تجاهل تام لقيمة العناصر اللاشعورية في كل أدب، وهي عناصر ضرورية مصاحبة للإبداع والأصالة والاكتمال ومن دونها لا يكون الأدب أدبًا. فلماذا سينتهي إليه الشعر العربي إن قدر لدعوة الاجتماعية أن تنجح؟ لا شك في أنه سيصبح نمطًا واحدًا مصطنعًا لا يملك الشاعر أن يحيد عنه، وفي هذا سيلقى الشعر مصيره.
стр. 296
وإذا مات الشعر فكيف سيتاح له أن يكون عامل خير في حياتنا العربية؟ هذا هو المحذور الذي ينساه دعاة الاجتماعية في اندفاعهم العاطفي. وإن أعظم ما نخشاه أن تؤدي بنا دعوتهم إلى أن نخسر أصالة شعرنا دون أن ننجح في أن نفيد الأمة العربية.
ألا تصبح الدعوة إلى اجتماعية الشعر بهذا دعوة هدم ساذجة ينبغي أن نجند قوانا الذهنية كلها في كبح اندفاعها ورد سذاجتها المستبدة عن الشعر العربي؟
стр. 297
الفصل الثاني: الشعر والموت .
لعل كل متتبع للشعر المعاصر يتذكر تلك الهتافة المتحشرجة الخصبة التي أرسلها أبو القاسم الشابي وهو ينازع في أيام احتضاره الأخير:
جف سحر الحياة يا قلبي الباكي
فهيا نجرب الموت هيا١
فهذا بيت يلفت النظر بما يتخذه من موقف تجاه الموت يخالف الموقف المعتاد للمحتضرين، فهو بدلًا من أن يعرض استسلام الشاعر لهذا الفناء الذي لا بد منه، يصوره لنا وكأنه يقبل عليه باختياره في لهفة وشوق.
ولفظة "نجرب" عميقة الدلالة هنا لما تتضمنه من إيجابية وقوة، وذلك لأن التجربة فعالية إرادية يقوم بها الإنسان واعيًا، وهي بهذا تختلف
стр. 298
اختلافًا جوهريًّا عن الموت الذي هو استسلام سالب لا مفر منه لعوامل الانحلال والسكون. فإذا كان أبو القاسم قد سَمَّى رحلته إلى هذا العالم "تجربة" فهو إنما يضع أيدينا بهذه اللفظة على موقفه من الموت، وبالتالي على موقفه من الحياة.
وقد كانت تجربة الموت تملك بالنسبة للشابي كل ما تملكه التجارب الحيوية من متعة مبهمة وغموض مغر، وفي وسعنا أن نتثبت من هذا بمراجعة قصائده حيث نجده يذكر الموت عندما يتحدث عن الجمال والحياة والشباب والأمل والربيع. ونموذج هذا في قصيدة "تحت الغصون".
فلمن كنتِ تنشدين؟ فقالت:
للضياء البنفسجي الحزين
للشباب السكران، للأمل المعبود،
لليأس، للأسى المنون١
فقد جمع في البيت الثاني الشباب والأمل واليأس والأسى و"الموت" في سياق واحد هو سياق الغناء والسكر بالحياة الكاملة التي لا يتم جمالها في نظر الشابي إلا باجتماع الفرح والألم والحركة والسكون فيها. وهذا هو التفسير لما يلوح غريبًا من أن الشاعر يجعل حبيبته تذكر الموت في اللحظة التي اكتملت فيها سعادتها، ذلك أنه كان يؤمن بأن الحياة العميقة الكاملة لا تصل قمتها من الإدراك والوعي حتى تندغم بالموت، وتفهمه فهمًا جماليًّا خالصًا. وقد كان جزء من جمال حبيبته أنها تشاركه هذا الإيمان، كما كان الاعتقاد عينه هو الذي قوى "بروميثيوس"٢ على احتمال آلامه الجسيمة الرهيبة، ولذلك جعله الشاعر يرى في الموت "ذوبانًا في فجر الجمال".
стр. 299
إن مظاهر عشق الشابي للموت تنتشر عبر شعره، هناك مثلًا هذه اللوحة الباذخة التي يرسمها لموته في قصيدة "النبي المجهول":
ثم، تحت الصنوبر الناضر الحلو،
تخط السيول حفرة رمسي
وتظل الطيور تلغو على قبري
ويشدو النسيم فوقي بهمس
وتظل الفصول تمشي حوالي
كما كن في غضارة أمسِ١
في هذا الأبيات تخلو تجربة الموت من المرارة الرهيبة، فالشابي يذكرها في هدوء حالم، وكأنها ستقوده إلى عوالم خفية مسحورة يشتاق إلى أن يجوبها. وهذا عين ما نستطيع استخلاصه من القصيدة المشهورة "الصباح الجديد"٢ فالأبيات الأخيرة فيها تذكرنا بحرارة الفرحة التي تنبثق في قلب غلام حالم يعبد البحر، وقد أتيح له أخيرًا أن يبحر في سفينة شراعية بيضاء ذات صباح دافئ ربيعي الشمس.
هذا الموقف الذي يقفه شاعرنا من الموت يعيد إلى الذاكرة موقف الشاعر الإنكليزي المبدع جون كيتس "John Keats" الذي يمكن أن نسميه شاعر الموت المفتون الأكبر، فهو يقول في إحدى قصائده: "الشعر والمجد والجمال أشياء عميقة حقًّا. ولكن الموت أعمق. الموت مكافأة الحياة الكبرى"٣. ويهتف في قصيدة مشهورة "كنت نصف عاشق للموت المريح، وناديته بأسماء عذبة في أناشيد عديدة". ثم يضيف بيتين: "الآن يبدو لي أكثر من أي وقت آخر أن من الخصوبة أن
стр. 300
أموتن"١. ويدل كيتس على جنونه بالموت حتى دون أن يتحدث عنه حديثًا مباشرًا، ويكفي أن نشير مثلًا إلى قوله في إحدى مطولاته "كان هناك موت حي في كل انبجاسة من النغم"٢. ذلك أنه يصف هنا الموت بالحياة دون أن يلوح له هذا متناقضًا على الإطلاق. والحق أننا نشعر أن الألفاظ "أموت. موت. ميت" كانت تكسر حس كيتس وتبدو له متفجرة بالجمال كما يلوح من هذه العبارات التي نقتطفها من قصائده:
"مولد أزهار غير منظورة وحياتها وموتها في سكينة عميقة"٣
"قال هذا وخطا بخفة، في لون من المرح المملوء بالموت"٤
"إنها تعيش مع الجمال، الجمال الذي يجب أن يموت"٥
"إلى بعض الأرواح المنفردة التي استطاعت أن تبعثر شبابها في الغناء وتموت"٦.
وثمة شاعر ثالث وقف الموقف عينه من الموت، هو محمد الهمشري "ذلك الشاعر الموهوب الذي كان موته خسارة شعرية كبيرة للأدب العربي الحديث". إن إحساس هذا الشاعر بالموت أكثر تميزًا منه عند الشابي مثلًا، حتى يكاد يقرب من كيتس، وكأن أي حادث يرتبط بإحساسه لا بد أن يذكره بالموت، وهكذا نجد أن سعادته بالرجوع إلى
стр. 301
قريته في قصيدة "العودة"١ تعيد إلى ذهنه ذكرى القمة العليا للحياة، تلك القمة التي يبلغها الإنسان بالموت:
أموت قرير العين فيك منعما
يخدرني نفح من المرج عاطر
ويلحفني هذا البنفسج ولتكن
مسارح عيني الربى والمخاضر
وآخر ما أصغي إليه من الصدى
خريرك يفنى وهو في الموت سائر
ولعل هذه الأبيات تذكرنا باللوحة الجميلة التي رسمها أبو القاسم لقبره، فهنا نجد العطر والبنفسج وخرير الماء وشاعرًا يموت سكران بالجمال مخدرًا بالعبير. هذه العذوبة التي يجدها الشاعر في تذكر ساعة الموت تعيد إلى الذاكرة قول كيتس في إحدى رسائله إلى خطيبته "فاني": "هناك أمران خصبا الجمال أحلم بهما: حبك وساعة موتي". والهمشري لا يقل عن كيتس تولهًا بالفناء، حتى إنه نظم ملحمة كاملة سماها "شاطئ الأعراف"٢ وتحدث فيها عن رحلته الأولى بعد الموت نحو الحياة الأخرى. والقصيدة تكاد تكون أغنية حب موجهة إلى الموت لا أثر فيها للحسرة ولا للذكرى، وكأن الشاعر يلتذ لكل لحظة من لحظات موته إن صح التعبير.
أما الشاعر الإنكليزي روبرت بروك RUPERT BROOKE الذي مات قتيلًا في الحرب العظمى، فإن حبه للموت لم يكن حب عشق كحب الشابي وكيتس والهمشري، وإنما كان حب صداقة، كان خاليًا من تلك الحدة
стр. 302
الحسية التي لمسناها في شعر زملائه. وسبب هذا، في رأينا، أن بروك لا يرى في الموت غرابة تجعله يبالغ في حبه، وإنما هو شيء اعتيادي له ما للحياة من جمال وفيه ما فيها من إزعاج لا أكثر.
وقد ترك هذا الموقف أثره في شعر بروك الذي يتجه اتجاهًا يختلف عن اتجاهات الثلاثة الآخرين. فهو مثلًا يتحدث في إحدى قصائده عن "شاعر" ميت لقي حبيبته في جهنم، فراحا يركضان عبر شوارع الجحيم سرورًا باللقاء.. ثم اكتشف فجأة أن عينيها فارغتان، وأحس، مكان شفتيها القديمتين، برودة ثلجية. وأدرك أخيرًا أنهما ميتان كلاهما١.
وفي هدوء تام يتخيل بروك في قصيدة أخرى، موت حبيبته والطقوس الرومانية التي ستقيمها أسرتها عند دفنها٢. ولا بد لنا أن ننبه هنا أن هذا الموقف يخلو كليًّا من رغبة الإيذاء التي تدفع أحيانًا بإنسان مهجور إلى أن يتخيل موت هاجرة تشفيًّا أو إغاظة. فبروك يصف موت الفتاة لمجرد اللذة التي يجدها في وصف الحادث بصفته الإنسانية. والموت عنده حدث اعتيادي لا يستدعي الجنون. وهذا أمر يجعل استعماله للانتقام والتشفي ضربًا من العبث المستحيل. وفي قصيدة ثالثة يتخيل بروك نفسه وقد مات، ولا يصحب تخيله هذا أي حزن، وإنما مقصد القصيدة أن تصف رعشة مفاجئة تسري بين الزملاء الموتى ويدرك الشاعر منها أن حبيبته قد ماتت ووافت عالم العدم٣.
ألا يبدو من هذا كله أن الموت عند بروك يتجرد من فكرته المخيفة المحزنة تجردًا كاملًا فلا تبقى منه إلا الحقيقة العارية؟ وهذا يجعل موقفه
стр. 303
منه مختلفًا عن الموقف المألوف بين الناس. فهؤلاء يجعلونه خاتمة بينما يراه بروك في أكثر الأحيان بداية فنية لإمكانيات متعددة. وهذا يعيد إلى ذاكرتنا قصيدة كيتس "هايبريون hyperion" وفيها نجد "أبولو" الإله الجديد لا يبلغ مرتبة الإلوهية إلا بعد أن يموت "die into life" وبهذا يكون الموت خطوة نحو الحياة الكبرى.
بعد هذا الاستعراض السريع لمظاهر الولع بالموت في شعر الهمشري والشابي وكيتس وبروك.. سنحاول أن نتساءل عن العلاقة الممكنة بين هذا الولع الغريب بالموت، والوفاة المبكرة التي أردت الشعراء المذكورين وهم في غضارة الشباب قبل الثلاثين. ولعل بعض السر يكمن -في حالة كيتس والشابي- في مرض السل الذي ماتا به في سن السادسة والعشرين، فالمعروف أن هذا داء عاطفي تصحبه أعراض من الحساسية والعذوبة وحدة الانفعال١ غير أن الهمشري وبروك قد ماتا فجأة لأسباب عارضة، فتوفي الأول في عملية جراحية بسيطة أحسبها الزائدة الدودية، ومات الثاني قتيلًا خلال الحرب، وهذا يبعد أن يكون المرض هو السبب في حب الموت. فبماذا، إذن، نعلل هذه الظاهرة الغريبة؟ ولم كان هذا الحب الخصب للموت عند شعراء ماتوا في ريعان شبابهم؟ أكان الغرام يتصل بالوفاة المبكرة عن طريق الإيحاء على وجه ما؟ أم كان نتبجة لإدراك غامض للموت المبكر الذي ينتظر في زاوية من زوايا المستقبل القريب؟
стр. 304
لكي نصل إلى أجوبة هذه الأسئلة نلاحظ أن بين الشعراء الأربعة صفة مشتركة يملكونها جميعًا على شيء من التفاوت، هي حدة الإحساس أو القدرة على الانفعال العنيف. وهذه صفة لا يملكها المتوسطون من الناس، ولعل هذا من حسن حظ الإنسانية. ذلك أن الانفعال إسراف في الطاقة لا ترضاه الطبيعة. والحق أن الطبيعة تمقت الإسراف في الجهات كلها وتعمل جاهدة على رد الحياة البشرية إلى الاعتدال الذي يضمن لها البقاء.
ومن السهل أن نمثل لهذا الإسراف في الانفعال بالإشارة إلى قصيدة "العاشق الأكبر" "the great lover" لبروك. وقد عد فيها الأشياء التي أحبها حبًّا شديدًا، على كثرتها. وسنعجب حين نجدها تشمل الصحون البيضاء والأكواب، والغبار، والسطوح المبللة تحت ضوء الطريق، وأقواس قزح: ودخان الخشب المحترق، وقطرات المطر المختبئة في الأزهار الدافئة، ونعومة الأغطية، وخشونة الشفوف، والغيوم، والجمال اللاعاطفي الذي تملكه آلة ضخمة ورائحة الثياب القديمة، والألم الجسمي وهو يتحول إلى الهدوء، والنوم والأماكن العالية، وأشجار البلوط، وأشياء أخرى كثيرة غير هذه. وهي أشياء منحها الشاعر كثيرًا من الانفعال الذي يخزنه سواه من الناس للأحداث الكبيرة في الحياة. فالإنسان المتوسط يدرك في أعماقه أن هذا التبذير في الإحساس مضر بحياته، ومن ثم يبتعد عنه ويحرص على الاقتصاد في العاطفة.
وفي حالة الهمشري تجبهنا تلك الحدة العاطفية التي نلمسها في الصلاة الملتهبة التي أرسلها إلى حبيبته "جتا" في عالمها اللامنظور١ وتلوح لنا في وضوح ونحن نقرأ قصيدته البديعة في "النارنجة الذابلة"٢ وكلا "جتا"
стр. 305
و"النارنجة" رمال منهارة لا يقيم عليها الإنسان المتوسط الحكيم سعادته، فالأولى وهم مطلق والثانية مجرد شجرة فانية.
وقد كانت انفعالية الشابي أكثر اتساعًا من انفعالية الهمشري حتى كانت العواطف عنده مرضًا ناهشًا، فعاش الشاعر يلهث وأتعبه الشعر حتى قتله. إن الشعر قد كان هو السل الأكبر في حياة هذا الشاعر المشتعل، ومن أجله عاش يتعذب بكل جمال يمر به، وإن كان عذابه لذيذًا.
أما كيتس فنحن نحتاج إلى أن نقف عنده وقفة أطول، فقد كان الانفعال، بالنسبة إليه، هو الموضوع وهو غاية الحياة كلها. وهذا يخالف الموقف الشائع الذي لا يرى في العواطف إلا عرضًا يصاحب الأحداث ويستحسن الإنسان المتوسط أن يتجنبه جهد الإمكان. ويكفي، لكي نشير إلى المكانة العميقة التي يحتلها الانفعال من حياة كيتس، أن نقتطف بيتين رائعين وردا في إحدى قصائده. قال:
"أواه، هل وجد قط ذلك الإنسان
المنفرد الذي أحب ولم تقتله الموسيقى؟ "١
إن المضمون الفكري الذي تنطوي عليه هذه الصرخة العاطفية الغنية بالمعاني هو أن اجتماع الانفراد والحب والموسيقى في حياة أي إنسان كفيل بأن يثير انفعاله إلى درجة قاتلة. غير أن كيتس كان يتحدث عن نفسه، وقد كان يدرك في مرارة أن الموسيقى لم تقتل مع الناس كثيرين غيره.
والحق أن كيتس قد كان يملك قدرة خارقة على الانفعال يندر مثيلها حتى بين الشعراء والفنانين الكبار وكأنه كان متجهًا بكيانه كله إلى أن يحترق ليكون شاعرًا عظيمًا. إن ألفاظه تنبجس بالعواطف الغزيرة والإحساسات الحادة حتى يكاد القارئ المرهف المتذوق لا يقوى على أن
стр. 306
يقرأ كثيرًا من شعره في جلسة واحدة. وقد عالج كيتس قضية الانفعال في أساليب مختلفة في شعره، على نطاق عام حينًا، تفصيلي حينًا آخر.
وأول ما يلفت نظرنا أن شخصياته في القصائد القصصية كانت كلها شخصيات مرهفة الحساسية تذهب في القدرة على الانفعال المركز إلى حدود بعيدة تكاد تصبح شاذة. وهكذا نجد أن "بورفيرو ومادلين"١ و"لاميا وليسيوس"٢ و"أنديميون وسينثيا"٣ و"ساترن"٤ وغيرهم كانوا كلهم متوحشين في حبهم وكرههم وسخطهم ورضاهم، وقلما كانوا يعرفون الوسط. إنهم أناس يعيشون بعواطفهم ويأكلون قلوبهم.
وهكذا نجد أنديميون -في القصيدة الوحشية الجمال التي تحمل اسمه- يغرم بسينيثا غرامًا عاصفًا لا مثيل له ويترك قلبه نهبًا لكل جمال يحيط به مهما صغر، حتى يكاد يتعذب بحبه لأشياء مثل الفراشات وزنابق الماء وضربات قاطع الأخشاب في غابات "لاتموس".
أما قصيدة "لاميا" فهي تنتهي بمعانيها اللاشعورية المكتنزة إلى أن التفكير يقضي على الحياة عندما يحاول أن يقتل العاطفة: لقد كانت "لاميا" أفعى تحولت إلى فتاة جميلة بقدرة سحرية، غير أنها كانت مخلصة في حبها للطالب "ليسيوس" عاشق الشعر والفلسفة، فبنت له قصرًا مسحورًا جدرانه من الموسيقى. وفي يوم الزواج، خلال دعوة صاخبة بالعطر والموسيقى والألوان، يتدخل "أبولونيوس" أستاذ الفلسفة فيحدق في "لاميا" تحديقة ثابتة طويلة تكشف عن حقيقتها الخيالية وتهدم الجدران الموسيقية للمنزل، وإذ ذلك تصرخ "لاميا" وتتلاشي. وإلى هنا يكون الموقف غير غريب بالنسبة للقارئ فماذا في أن يهدم الواقع الملموس
стр. 307
خيالات من هذا النوع؟ غير أن النتيجة التي انتهت إليها "ليسيوس" هي الموضوع الهام بالنسبة لكيتس. ذلك أن "ليسيوس" قد مات حالًا عندما فقد حبيبته المسحورة، وسدًى حاول "أبولونيوس" إنقاذه.
وقد كان هذا سر كيتس أيضًا.
هذه المبالغة في بذل القوى النفسية لا بد أن تؤدي بالشاعر إلى أن "يستنفذ" قواه الروحية والشعورية في بضع سنين، ثم يقف لاهثًا فجأة ويضطر إلى أن يموت. فالانفعالية تشبه الاحتراق؛ لأنها تجعل الشاعر ضعيفًا إزاء مظاهر الحياة المحيطة به، فكل جمال يعصف بقلبه، وكل اتساق يملأ مشاعره بالحماسة الطافحة، وهذه حالة تصبح فيها قيمة الأشياء المحيطة بالشاعر أغلى من حياته نفسها.
وهكذا كان الانفعال أول طريق إلى الموت في حياة هؤلاء الشعراء؛ لأن رصيد الإنسان من الطاقة العاطفية محدود بحيث إذا بالغ في صرفه انتهى إلى "إفلاس" انفعالي مبكر. وهذا الإفلاس هو الباب المؤدي إلى الموت. ولنتخيل كيتس أو الشابي من دون انفعال. إنهما ولا شك يموتان ...
ولعل هذه الحقيقة تبيح لنا أن نعتقد أن هذا الولع الذي صبه شعراؤنا على الموت كان يتضمن إدراكًا باطنًا سابقًا للخاتمة المبكرة، تسوقهم إليه ملاحظتهم الخفية لانعدام التوازن بين المبذول من طاقتهم العاطفية والرصيد الكامل منها في كل حياة إنسانية. وكأن الواحد منهم كان يشعر بأنه يقتل نفسه شيئًا فشيئًا حينما يسرف في طاقة الانفعال.
ولا شك في أن هذا يلوح حماقة للمتوسطين من الناس وهم أغلبية البشر. غير أن منطق العبقرية إجمالًا ينسجم مع ما سماه "نيتشه" بالرغبة في الفناء للتفوق على الذات. وهي رغبة غير واعية لا يد للشاعر الانفعالي فيها، فهو بطبعه مسرف، وإن أدى الإسراف إلى موته، لا بل إنه
стр. 308
يسرف لكي يموت. وهو يمنح الأشياء كلها قيمًا جمالية أعلى من القيم التي يمنحها إياها الفرد العادي، ويؤدي هذا "المنح" إلى الموت.
ومن ثم يتكون في حياة الشاعر الانفعالي مثلث من القيم زواياه الثلاث هي الانفعال والشعر والموت. فالشاعر يحب الانفعال لأنه يؤدي إلى الشعر على أنه يلاحظ أن الانفعال هو الموت لأن الأول طريق محتم إلى الثاني ...
ومن ثم تبدأ مرحلة من الغرام بالموت نفسه تقابل الغرام بالشعر حتى تصبح الألفاظ الثلاثة في معنى واحد. إنها مرحلة يندغم فيها الطريق بالغاية التي ينتهي إليها في وحدة متينة لا انفصام لها.
وربما كان رأينا هذا محض "جولة" جبنا فيها جهة وحشية من جهات التعليل الأدبي. ولعل الموضوع يحتاج إلى أن نواجهه مرة أخرى.
стр. 309
الباب الثالث: في نقد الشعر .
الفصل الأول: مزالق النقد المعاصر .
ما زال النقد الأدبي بمعناه الحديث فنًّا ناشئًا في آدابنا المعاصرة تنقصه الأسس التي يرتكز إليها في أحكامه ويعوزه التركيز والرصانة. فنحن ما زلنا نعبر من حياتنا تلك الفترة التي تتصف بالعفوية والاستغراق، وهي فترة تمر بها الآداب في أوائل يقظتها حين يكون إنتاجها غير شاعر بذاته، فيتفجر على صورة أدب يعالج الانطباعات النفسية والذهنية والاجتماعية معالجة تلقائية دون أن يقف ليراجع هذا الإنتاج ويحكم عليه.
والنقد الأدبي مرحلة يبدأ فيها الأدب العفوي إحساسه بذاته على أثر نضجه واكتمال نموه وشعوره بفيض من الحيوية الناقدة التي لا بد لها أن تنطلق. وهو في حياة أية جماعة يمثل مرحلة اكتمال ثقافي يمكن أن نسميه وعيًا بالذات ولهذا نجد المألوف في آداب الأمم أن يوجد الفنانون أولًا ثم النقاد.
стр. 310
وما دامت الحاجة إلى النقد الأدبي قد بدأت تبرز وتتضخم في آدابنا فليس من شك في أنه على وشك نمو سريع، فمتى اقتضت الظروف أن يوجد لون معين من الأدب كان لا بد له أن يوجد، وأمامنا شواهد تاريخية كثيرة على هذا القانون. على أن هذا الفرع من فروع التأليف وهو يسير على غير هدى سيضيع جهودًا كثيرة حتى يهتدي إلى الأسس التي ستواجهه وتحكمه، وحتى تنشأ فيه النظريات والمذاهب والمدارس التي تستند إلى أدبنا المحلي دون ارتكاز إلى نظريات النقد الأوروبية.
والمزالق التي يجابهها النقد العربي اليوم أكثر مما يمكن معه الاطمئنان، فالناقد يدخل هذا الميدان المضلل دون نظريات تقوده ولا مذاهب توجهه ولا أسس يعتمد عليها في أحكامه، وإنما يجد مكان ذلك إحساسًا داخليًّا مبهمًا يهتف به أنه، وهو يسلك مسلك الناقد، إنما يضع بنفسه خططًا وقوانين وأسسًا، ذلك لأنه لا يملك حتى نماذج رديئة يقيس عليها. ومن هنا ينشأ في نفسه التهيب ويحس بضرورة الحذر الشديد والاقتصاد في الأحكام وإلا جرفه تيار الابتذال. وهذا فيما نظن موقف كل ناقد مثقف يعرف هدفه معرفة جيدة، ويهمه ألا يضل الطريق. فالنقد في هذه المرحلة من مراحل نمونا الثقافي موضوع دقيق خطير، وسيكشف المستقبل القريب الغطاء عن كثير مما يمر بنا اليوم باسم النقد فيلوح لنا إذ ذلك مظهرًا من مظاهر صبانا الثقافي لا أكثر.
وأحد المزالق الشائعة التي يكثر سقوط الناقد العربي المعاصر فيها، مزلق يغلب على ظننا أنه صدى للأبحاث السايكولوجية الحديثة التي تصب اهتمامًا ضخمًا على الفنان نفسه حين تحاول تقديم إنتاجه الفني. وقد بات شائعًا أن يكتب الكاتب مقالًا في نقد قصيدة أو ديوان شعر فينتقل دون وعي إلى الحديث عن حياة الشاعر وظروفه الاجتماعية والبيئية. وليس من الضروري، لكي يتم السقوط في هذا المزلق، أن يتحدث الناقد عن مولد الشاعر وطفولته، وإنما يكفي أن يقول إن هذه القصيدة تدل على أن الشاعر جبلي مثلًا،
стр. 311
وإنه يعيش حياة هادئة ونحو هذا لكي يخرج كليًّا عن حدود مملكة النقد الأدبي ويدخل في نطاق سيرة الحياة.
ذلك أن المهمة الأدبية للناقد تبقى مقيدة بالقصيدة من وجهتها الجمالية والتعبيرية، في دراسة موضوعية خالصة، يلاحظ خلالها هيكل القصيدة العام، ويقف عند أداة التعبير فيدرس مدى اتساقها مع جو القصيدة والعاطفة التي تسيطر عليها، ويدرس الوزن واللمسات الموسيقية وأثر القافية، ويتحدث عن الموضوع وأسلوب الشاعر في تناوله، ويعين الأساس الذي ترتكز إليه الفكرة العامة، وقد يخرج إلى المقارنة بين قصيدة وقصيدة وشاعر وشاعر. ولا بأس في أية اتجاهات أخرى لا تخرج عن هذه الحدود ولا تدخل في نطاق حياة الشاعر وآرائه الاجتماعية، فهذا يدخل في باب السيرة وهي دائرة منفصلة عن دائرة النقد الأدبي.
وأقرب المزالق إلى مزلق السيرة هذا، اتجاه الناقد إلى العناية بما في القصيدة من أفكار وجعلها الأساس في نقده. وهذا خطأ شائع يسهل الوقوع فيه خاصة في هذا القرن الذي تشعبت فيه الآراء وزادت سطوتها في الأذهان فبات لكل منا معتقدة الخاص الذي يؤمن به إيمانًا عميقًا ويتحمس له. ومهمة الناقد الأدبي شاقة لأن عليه أن يتجرد من طغيان آرائه وهو يتناول القصيدة التي يدرسها، فالمهم بالنسبة له هو القصيدة لا نوعية الآراء التي تحملها. والحقيقة أن استهواء الأفكار والآراء استهواء خطر لا سبيل إلى الاستهانة به خاصة حين تكون هذه الآراء مما يمس القضايا الحساسة في أنفسنا، إنسانية كانت أو قومية أو فردية. وكثيرون من الناس يجنحون دون وعي إلى الإعجاب بكل قصيدة تعبر عن آرائهم متغافلين عن ضعف القوى الشعرية فيها تغافلًا تامًّا. وتلك حالة تشفع فيها للقصيدة عوامل لا علاقة لها بالشعر، وهي حالة يقع فيها كثير ممن يكتبون في النقد، فالقصيدة عندهم رديئة لأنها تحتوي على رأي في الحياة يخالف رأيهم وكأن لآراء الشاعر قيمة فنية تؤثر في حكمنا على شعره.
стр. 312
والمشكلة الأساسية في هذا المزلق، أن الكاتب يخلط بين القصيدة وموضوعها وهما شيئان منفصلان. ويمكن أن نقول إجمالًا أن الموضوع ينبغي أن يؤثر في القصيدة لا في الناقد، فكل ما يهم الناقد أن يلاحظه هو كفاءة القصيدة للتعبير عن الموضوع دون أن يناقش صلاحية الموضوع من الوجهة التاريخية والاجتماعية، فهذه تدخل في حدود مهمة الذين يدرسون تاريخ الحركات الوطنية والأدبية، وهي إن استأهلت من الناقد التفاتًا فهو التفات الإشارة، الذي لا يعفيه من نقد القصيدة نقدًا موضوعيًّا. والسقوط في هذا المزلق يستطيع أن يتم كما تم سابقه دون تطرف كبير. فيكفي أن يهتم الكاتب بالإشارة إلى آراء الشاعر حتى دون أن يناقشها لكي يخرج من حدود مهمته. ومن نماذج هذا الخروج أن يقول الناقد للقارئ إن الشاعر يحب الطبيعة أو إنه شديد الحساسية بدليل قوله ... وإنه يدعو للانطلاق بدليل قوله ... ونحو ذلك. فهذا كله لون من الدراسة الاجتماعية والنفسية ولا علاقة له بالنقد.
ومن أبرز المزالق التي يحذرها الناقد المثقف ما يمكن أن نسميه بالنقد التجزيئي، وهو ذلك النقد الذي يتناول القصيدة تناولًا تفصيليًّا يقف عند المظاهر الخارجية ويعفي نفسه من معالجة القصيدة باعتبارها هيكلًا فنيًّا مكتملًا. وأظهر أعراض هذا النقد اعتبار القصيدة مجموعة من المعاني وحدتها البيت على الأسلوب القديم. وفي هذه الحالة يقف الناقد عند البيت الواحد مناقشًا في أسلوب كلامي ويتناول التعابير مفصولة عن السياق فيحكم عليها بالجمال أو القبح. ويصبح ناقد هذا النوع خطرًا حين يكون ذكيًّا بارع الأسلوب، فهو إذ ذاك يفلح في تضليل طالب الأدب الناشئ وتوجيهه وجهة غالطة في التذوق والحكم، فبدلًا من أن يقدم له أسلوبًا منهجيًّا في تقييم القصيدة يشغله بملاحظات ذكية لاذعة هنا وهناك. مثل هذا الناقد ينسى أن الناقد الحقيقي يبدأ بعد هذه المرحلة التي تقف عند الثوب الخارجي وتترك جوهر القصيدة مطمورًا بعيدًا عن تذوق القراء.
стр. 313
وأحد المزالق أن يعتاد الناقد أن يكون سلبيًّا في أحكامه فبدلًا من أن يدل على مواطن الجمال في الشعر المنقود، يكتفي بتبرئته من المعايب الشائعة. ونموذج هذا تلك العبارة التي يكررها الكتاب حين يحاولون الحكم على شاعر مقبول، وهي قولهم "إنه شاعر حقيقي يشعر ولا ينظم.." أفلا تتضمن كلمة "شاعر" معنى "الحقيقي الذي يشعر"؟ ومتى كان الشاعر يمتدح بأنه ليس "نظامًا" ومن أمثلة هذه الأحكام السلبية ما قرأناه لأديب كبير في نقد ديوان لشاعر معروف. قال: "لا تكلف ولا تبذل ولا لف ولا دوران ولا بهرجة بيانية وعروضية ولا تفتيش مضن عن أوابد الكلم والمعاني". ولسنا نفهم كيف يكون هذا مديحًا إلا إذا أصبح مجرد خلو الشعر من بعض العيوب الفادحة يمكن أن يعد فضيلة تمتدح، وإلا إذا كان المعنى أن شعرنا اليوم يقوم على اللف والدوران والبهرجة والتفتيش المضني عن الألفاظ.
وأحد المزالق الخطرة يكمن وراء استهواء الأفكار والسُكْر بالنظريات، وهو مزلق يتردى فيه أولئك الموهوبون الذين قال عنهم "ت. س. إيليوت" في بعض مقالاته إنهم يملكون عبقريات خلاقة، إلا أنهم لتعطيل في قواهم المنتجة، راحوا يتسلون بالنقد الأدبي. مثل هؤلاء عادة يحوكون حول القصائد نظريات متحمسة أو تفسيرات من لون بعيد عن الأصل بعدًا كبيرًا قلما يلاحظونه، فهم منتشون ببريق الفكرة التي ابتدعوها وليس على القصيدة إلا أن تنضغط وفق القالب الذي يريدونه.
وقريب من هؤلاء أولئك الذين يحملون عن القصائد آراء سابقة قبل أن يقرءوها فليس أخطر من هذا الاستعداد العاطفي؛ لأنه أحيانًا ينوم حاسة التذوق ويعطل قابلية الحكم ليفرض رأيًا غير مقبول.
أما إغراء الأسلوب والانتشاء بالألفاظ والتعابير فهو شرك للناشئين من النقاد الذين يسكرهم إحساسهم بالقدرة على التعبير فينشئون مقالًا منمقًا عالي الأسلوب مكتمل الإنشاء، إلا أنه لا يمس القصيدة التي يتناولها إلا
стр. 314
مسًّا خفيفًا، ومن هؤلاء فئة تغرم بكتابة المقدمات التاريخية المتعلقة بموضوع الشعر. وأعرف أديبًا يكتب في نقد قصيدة تصف سنابل القمح في حقل فيبدأ من تاريخ صنع أول طاحونة هوائية.
هذه المزالق كلها قائمة أمام الناقد العربي المعاصر تفرضها عليه الظروف التاريخية التي واكبت نهضتنا الحديثة، وهي بما فيها من استهواء توشك أن تلقف كثرة بارزة من كتاب النقد المعاصرين بحيث بات المجال محفوفًا بالخطر. وما لم يتسلح الناقد المعاصر بثقافة متغلغلة نفاذة أصبح لا بد له أن يذهب في الضحايا ويساعد في إسلام أدبنا المعاصر إلى الفوضى والاضطراب.
стр. 315
الفصل الثاني: الناقد العربي والمسؤولية اللغوية
...
الفصل الثاني: الناقد العربي والمسئولية اللغوية.
تتجلى، لمن يراقب النقد العربي المعاصر، ظاهرة خطيرة شائعة فيه، ملخصها أن النقاد يتغاضون تغاضيًا تامًّا عن الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية فلا يشيرون إليها ولا يحتجون عليها. وكأنهم، بذلك، يفترضون أن من حق أي إنسان أن يخرق القواعد الراسخة وأن يصوغ الكلمات على غير القياس الوارد وأن يبتدع أنماطًا من التعابير الركيكة التي تخدش السمع المرهف، وكأن من واجب الناقد أن يوافق على ذلك كله موفقة تامة فلا يشير إلى الأخطاء ولا يحاول حتى أن يعطي تلك الأخطاء تخريجًا أو مسامحة. ولقد أصبح هذا التغافل هو القانون النافذ في كل نقد تنشره الصحف الأدبية، حتى لقد يتصدى الناقد إلى نقد ديوان شعر مشحون بالأغلاط المخجلة فلا يزيد على أن يكيل كلمات الإعجاب للشاعر على تجديده وإبداعه، مهملًا التعليق ولو بكلمة زجر عابرة، على فوضى
стр. 316
التعابير والأخطاء. أفلا ينطوي هذا الموقف من النقاد على تشجيع واضح للجيل كله على الاستهانة باللغة العربية والاستخفاف بقواعدها الرصينة؟ وإلى أي مدى ينبغي أن يعد الناقد نفسه مسئولًا عن لغة الشعر المعاصر؟
والواقع أن ازدراء الناقد للجانب اللغوي من النقد ليس إلا صورة من ازدراء الشاعر نفسه للغة وقواعدها، فإن مصدر هذا الازدراء منهما واحد، وفي وسعنا أن نعود بالظاهرة إلى منابعها الحقة في حياتنا المعاصرة نفسها. وليست اللغة بمختلف مظاهرها، إلا مرآة تنعكس فيها حياة الأمة التي تتكلمها.
إن الجذور الرئيسية لهذه الظاهرة تختبئ في شبه عقيدة موهومة وقع فيها الجيل العربي المعاصر مؤداها أن الاهتمام باللغة والحرص على قواعدها المختلفة، يدلان على جمود فكري في الأديب وقد يشيران إلى نقص صريح في ثقافته الحديثة. وقد تبلورت هذه العقيدة الزائفة في أنفس الشعراء والكتاب حتى أصبحت تعني لديهم أن التجديد يتجلى فعلًا في ازدراء القواعد النحوية وإهمال المعجم والمقاييس اللغوية التي تعترف بها الأمة كلها. ولعل الناقد العربي ملزم بأن يعترف اليوم بأنه بات يشعر بكثير من الحرج والاستحياء إذا ما هم بتنبيه شاعر إلى كلمة مغلوط فيها أو قاعدة مخروقة في شعره. ليس ذلك لأن الناقد يقر الخطأ، وإنما لأنه يخشى أن يقال عنه إنه ناقد رجعي لم يتصل بالتيارات الحديثة في النقد، ولم يسمع بعد بأن المضمون أهم من الشكل أو إنه العنصر الأوحد في القصيدة التي ينقدها.
إن القول بأهمية المضمون وسبقه لكل قيمة غيره في القصيدة قول شائع اليوم. وهناك زمرة من النقاد تشهره سلاحًا بتارًا في وجه كل ناقد يحرص على سلامة اللغة. حتى لقد قامت مدارس بعينها تدعو إلى هدم القواعد باسم
стр. 317
هذا وذاك من الأسباب الواهنة. ولم ترتفع، في ردع هذه المدارس، إلا أصوات خافتة خجلة ما لبث الصياح حتى أسكتها. وليس لهذا الصياح -في نظر العلم- اسم غير الإرهاب الفكري. وإن واجب الناقد المخلص ليقتضي أن يعلن رأيه ولا ترهبه التسميات. ذلك أن الأسماء إنما تكتسب قيمتها من الحقائق التي تسندها. ثم إن قضية اللغة العربية يجب أن تكون أعز علينا من سمعتنا الشخصية باعتبارنا كتابًا مجددين ذوي ثقافة حديثة. وبعد فهل حقًّا تستطيع الدعوة إلى سلامة اللغة أن تسلب الناقد صفة التجديد؟ وهل حقًّا حقًّا أن سلامة اللغة ليست شرطًا في جمالية القصيدة، كما يزعم بعضهم، وكما يريدوننا أن نصدق؟ وهل يسوغ لأي ناقد، مهما كان حديثًا في ثقافته، أن يتحدث بلغة النظريات والتحليلات عن أية قصيدة حافلة بالأخطاء المشوهة والتعابير الركيكة؟
إن الأمة العربية تمر اليوم بمفرق هام من مفارق حياتها، ونحن ملزمون بأن نعمل، كلٌ في الجهة التي تؤهله لها فطرته، في سبيل أن نرفع مستوانا ونبرز مواهبنا وننتج في الحقول كلها. وعلى الناقد العربي يقع قسط كبير من حماية اللغة العربية الجميلة من كل دعوة مريضة للعبث بها. إن هنالك اليوم مدارس بعينها هدفها الرسمي أن تهدم قواعد اللغة العربية وتقتضي عليها قضاء مبرمًا. وسواء أكانت هذه المدارس تصدر في دعوتها عن نزوة فكرية بريئة، أم كانت تتعمد -لغرض مبيت- أن توهن اللغة العربية وتهدم أصالتها، فإن علينا أن نتصدى لها ونناقش دعوتها مناقشة الحريص الذي يغار على لغة الضاد من أن يعبث بها عابث غير مسئول. وإنه ليحزننا أن نرى أكثر نقادنا غير عابئين.
وإلا فما الذي جعلهم يسكتون سكوتًا متصلًا على الظاهرة الخطيرة التي بدأت منذ سنين تشيع في شعر المدرسة اللبنانية الحديثة، ظاهرة العبث بالقواعد النحوية الراسخة وإخضاع اللغة للسماع الشاذ الذي لا يعتد به؟ لماذا لم يحتج أي من نقادنا على "أل" التعريف وقد راح جيل كامل من
стр. 318
شباب لبنان يدخلها على الأفعال فيقولون في مثل الأشطر التالية:
أفقاصه الترن في الهياكل
الأروقة المعاول
الترن في الشوارع الغوائل
والأكهف المنازل
التود أن تحبس بي الحياة والتجددا١
ولماذا سكت الناقد العربي على دخول "أل" هذه على المنادى بـ"يا" في مثل الأبيات التالية:
يا الفلك الدائر، يا اليوزع الحياة في فصولها
ألم أكن أنا من التراب، يا اليبخبح المطر٢
إن دفاع بعض هؤلاء الشعراء بأن هذه الأساليب السقيمة قد وردت في شواهد النحو٣ دفاع ضعيف. ذلك أننا قد خرجنا اليوم من بداوة
стр. 319
القرون الأولى التي كانت تعزل بطنًا من قبيلة ما فتجعل لغته تشذ وتنحرف. ولقد ثبت القرآن، بلغته السهلة الجميلة، صورة للغة العرب سارت عليها القرون وأغنتنا عن الشذوذ والعبث. ثم إن قواعد النحو ليست إلا صورة من القوانين التي تخضع لها الجماعات، والجماعة التي تضيع قواعد لغتها لا بد أن تضيع قواعد تفكيرها وحياتها بالتالي. إن لزوم القاعدة النحوية صورة من إحساس الأمة بالنظام ودليل على احترامها لتاريخها وثقتها بأنها أمة أصلية. وما القواعد النحوية، بعد، إلا عصارة الألسنة العربية الفصيحة عبر مئات من السنين، فلن يكون في وسع شاعر اليوم أن يلعب بها إطاعة لنزوة لغوية عابرة.
ولنتساءل، على كل حال، عن المكسب التعبيري الذي يحققه الشاعر من إدخاله "أل" على الفعل مثلًا. ولا بد أن يسوقنا هذا إلى أن نتساءل أولًا لماذا كانت الأفعال غير قابلة لدخول "أل" عليها؟ في الواقع أن قواعد النحو تخضع لمنطق العاطفة الإنسانية خضوعًا تامًّا، وما من قاعدة معقولة قط إلا وفي وسعنا أن نلتمس لها سببًا إنسانيًّا يدعمها. وإنما تدخل "أل" على الأسماء لأنها أسماء ولها صفة الاسمية، أو صفة التجريد بكلمة أخرى. فالأسماء كلها مجردة من الزمن ومن الحركة ومن العاطفة. ومثلها في هذه الصفات. إن وجودها جامد لا ينمو ولا يتغير ولا تأثير لمشاعرنا فيه. وليست كذلك الأفعال. هنا، في الأفعال، يمتد مجال الإنسانية وتعيش أحاسيسنا وحركاتنا وتقلباتنا وحياتنا كلها. إن قولنا "جاء" يمتلك من الحياة الزاخرة ما لا يملكه ألف اسم وألف صفة. هذه الحركة التي ينطوي عليها فعل المجيء، وهذه الإنسانية الكاملة التي يتضمنها وهذا الزمن الذي يختبئ في ثنايا الحروف، كل ذلك يميز الفعل ويجعله أوثق ارتباطًا بالحياة نفسها. ولذلك كان الفعل أشرف ما في اللغة، وإليه تستند الجمل والعبارات. الفعل هو حقًّا إنسانية اللغة، إذا صح هذا التعبير. ومن ثم فأية خسارة جسيمة أن تدعو مدرسة كاملة اليوم إلى
стр. 320
أن نضيع هذا الفعل ونكتب بلغة خالية منه؟ ذلك أن إدخال "أل" على الفعل يعني حتمًا أن يكف الفعل عن أن يكون فعلًا، ويكتسب جمود الاسمية. الواقع أنه، إذا تأملناه، يتحول إلى نوع من "الصفة" ويفقد طابع الامتداد الزمني١ وذلك هو السبب في الجفاف الماحل واليبوسة القاسية التي نجدها في الأبيات التي اقتبسناها سابقًا:
أفقاصة الترن في الهياكل
الأروقة المعاول
لترن في الشوارع الغوائل
والأكهف المنازل
التود أن تحبس بي الحياة والتجددا
هذا، في الحق، كلام صلد لا ليونة فيه ولا عذوبة، تترادف فيه المجردات التي توحش القلب الإنساني وتشعره بجفاف الدنيا التي يصورها الشاعر. وكم كانت الأبيات تكتسب من الحرارة والحركة والطراوة لو أن الشاعر أعطانا أفعالًا طبيعية تتنفس بين الأسماء وتخفف من وحشة التجريد فيها. ولكن هذا الشاعر الحديث يحسب القواعد، فيما يلوح، قيودًا مرتجلة قيدنا بها أسلافنا النحاة دونما سبب موجب. ولذلك رضي أن يغبن قصيدته فيحرمها من أجمل ما فيها، من الأفعال التي هي مصدر الضوء والدفء في اللغة، ثم إن "أل" هذه حين تكثر تزعج