← Адаб

Адаб · id 2097

قضايا الشعر المعاصر

نازك الملائكة

Полный текст (349 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذوقه. ومن هنا ينهض المشكل. لقد ثبت لنا أن أغلب الشعراء الناشئين الذي نظموا الشعر الحر كانوا دون مستوى هذه الحرية التي أعطيت لهم، فقد راحوا يكتبون بلا توقف، فكان المرء، وهو يقرأ شعرهم يجري في معترك لاهث لا راحة فيه. وما من شك في أن الناضجين من الشعراء يقدرون عظم المسئولية التي تلقيها الحرية على عواتقهم. ذلك أن هذا الوزن الحر لا يقدم أية مساعدة وإنما يقع العبء كله على سياق المعنى، وارتباطات الألفاظ في القصيدة، وليس هذا بالأمر الهين.

стр. 37

نتائج التدفق في الأوزان الحرة: هذه "التدفقية" التي لاحظناها تؤدي إلى قيام ظاهرتين ملحوظتين في الشعر الحر يمكن أن نعدهما من عيوبه: أ- تجنح العبارة في الشعر الحر إلى أن تكون طويلة طولًا فادحًا. وهذا نموذج من قصيدة لبدر شاكر السياب: وكأن بعض الساحرات مدت أصابعها العجاف الشاحبات إلى السماء تومي إلى سرب من الغربان تلويه الرياح في آخر الأفق المضاء حتى تعالى ثم فاض على مراقيه الفساح١ هذه الأشطر كلها عبارة واحدة، وليست فيها وقفة من أي نوع. وهذا مثال ثان من قصيدة لعبد الوهاب البياتي: أترى الظلال الهائمات وراءه وعت الغناء

стр. 38

فاسترسلت في شبه حلم واستفاقت للمساء تروي أحاديث الصبيات اللواتي كن يصطدن الرجال بغنائهن وراء أسوار الليال١ العبارة هنا سؤال وبترها خلال القراءة أعسر؛ لأن نبرة التساؤل التي تبدأ بقوله "أترى الظلال" ينبغي ألا تنتهي قبل لفظ "الليال". وهذا الطول في العبارة عيب تساعد عليه طبيعة الشعر الحر، ولا بد للشاعر من الوعي المتصل لكي يتحاشاه. والحقيقة أننا لو تأملنا قيود الأوزان الحرة لوجدناها لا تقل عن قيود أوزاننا القديمة إن لم تزد، فالوقفة اضطرارية في الحالتين وإن اختلفت أسبابها. وذلك أمر يحتم على الشاعر الحر أن يتبع نظامًا صارمًا في صياغة عباراته بحيث يعوض عن القيود الجبرية في نظام الشطرين. ب- تبدو القصائد الحرة وكأنها لفرط تدفقها، لا تريد أن تنتهي، وليس أصعب من اختتام هذه القصائد. وسبب هذه الظاهرة ما سبق أن نبهنا إليه من انعدام الوقفات. ففي نظام الشطرين تقدم الوقفة القسرية للشاعر مساعدة كبيرة؛ لأنها هي في ذاتها وقفة، فلا يبقى على الشاعر إلا أن يختم المعنى، وهنا تستطيع أية عبارة جهورية قاطعة أن تؤدي المهمة، خاصة في قصائد الوصف والمناجاة ونحوها. أما في الوزن الحر فإن الوقفات الطبيعية معدومة، والشاعر إذا استعمل أشد العبارات جهورية وقطعًا يحس أن القصيدة لم تقف، وإنما استمرت تتدفق، وعليه لذلك أن يستمر في تغذيتها وإطالتها رغم انتهائه مما أراد أن يقول. وتشتد المتاعب في قصائد الوصف والمناجاة لأسباب تتعلق بطبيعة هذه القصائد، ولذلك

стр. 39

تصلح الأوزان الحرة للشعر القصصي والدرامي أكثر من صلاحيتها لغيره.

стр. 40

الخواتم الضعيفة للقصائد الحرة: يلوح لنا من مراجعة الأساليب التي يختتم بها الشعراء قصائدهم الحرة أنهم شاعرون، ولو دون وعي، بصعوبة إيقاف التدفق الطبيعي في الوزن الحر. ولذلك يلجئون إلى أساليب شكلية غير مقبولة يحاولون بها أن يغلبوا تلك الصعوبة. من تلك الأساليب اختتام القصيدة بتكرار مطلعها، ونموذجه قصيدة لبلند الحيدري يبدؤها ويختتمها بالمقطع التالي١: يا صدقي لم لا تحمل ماضيك وتمضي عن طريقي قد فرغنا وانتهينا وتذكرنا كثيرًا ونسينا٢ وليس هذا الاختتام محض صدفة، فالشاعر قد استعمله في قصائد كثيرة غير هذه منها "أعماق" و"ولن أراها" و"حب قديم" و"غدًا نعود" في ديوانه "أغاني المدينة الميتة". ثم إن هذه الظاهرة لا تقتصر على بلند الحيدري، فهي تطل علينا في شعر عبد الوهاب

стр. 41

البياتي١ ونحن نلمحها عند بدر السياب٢ وعند شاذل طاقة٣. والواقع أن تعاقب اختتام القصيدة بتكرار مطلعها لدى هؤلاء الشعراء جميعًا يشي بأنهم يستشعرون الصعوبة التي أشرنا إليها في اختتام القصائد الحرة فيلجئون إلى هذه الوسيلة الشكلية. والواقع أن هذه الأسلوب ليس إلا تهربًا من الشاعر، يفر فيه من صعوبة الاختتام الطبيعي. وهو إنما يقع في ذلك التهرب تحت ضغط الشعر الحر. وليس التكرار هنا إلا نوعًا من التنويم يخدر به الشاعر حواس القارئ موحيًا إليه بأن القصيدة قد انتهت. ومن الأساليب التي يلجأ إليه الشعراء في اختتام القصائد الحرة أسلوب لجأ إليه بدر شاكر السياب في قصيدته "حفار القبول". قال في آخر تلك القصيدة الطويلة: وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد ويظل حفار القبول ينأى عن القبر الجديد متعثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور وقال في خاتمة قصيدة أخرى: ويلوك ظلك من بعيد وهو يومئ بالوداع وأظل وحدي في صراع٤ إني أسمي هذا الأسلوب في الاختتام أسلوب "ويظل.."، وهو

стр. 42

ليس مقصورًا على بدر السياب، كما قد يظن، فهذه مثلًا خاتمة قصيدة لبلند الحيدري١: ويدور فيها العقربان تك. تك. يا للجبان. يا للجبان متى سيومئ بالوداع؟ وأظل أزحف في صراع هذه القصائد كلها تختتم بأسلوب "ويظل" وهو أسلوب تنويمي كالسابق؛ لأنه يسلم المعنى إلى استمرارية مريحة وكأن الشاعر يقول لقارئ: "وقد استمر الأمر على هذا.." وبهذا ينتهي دوره، ويصح للقصيدة أن تنتهي. وإنما المسئول عن هذا كله هو الطبيعة المتدفقة للشعر الحر. على أن هذه الطبيعة ينبغي ألا تُعفي شاعرًا ناضجًا من إنهاء قصيدته إنهاء فنيًّا مقبولًا.

стр. 43

عيوب الوزن الحر: إذا كانت مزايا الشعر الحر الثلاث: الحرية والموسيقية والتدفق قد استحالت شراكًا للشاعر، فما بالنا بالعيوب التي يتضمنها هذا الوزن؟ وإنما تنشأ تلك العيوب عن طبيعة الشعر الحر نفسه، وأبرزها عيبان اثنان يتركز كل منهما إلى تركيب التفعيلات في الشعر الحر، وسنقف عندهما فيما يلي:

стр. 44

أ- يقتصر الشعر الحر بالضرورة على عشرة بحور من بحور الشعر العربي الستة عشر، وفي هذا للشاعر غبن يضيق مجال إبداعه. فلقد ألف الشاعر العربي أن يجد أمامه ستة عشر بحرًا شعريًّا بوافيها ومجزوئها ومشطورها ومنهوكها. وقيمة ذلك في التنويع والتلوين ومسايرة مختلف أغراض الشاعر الكبيرة، بحيث يصبح اقتصار الشعر الحر على نصف ذلك العدد نقصًا ملحوظًا فيه. ب- يرتكز أغلب الشعر الحر -ثمانية بحور منه من عشرة- إلى تفعيلة واحدة. وذلك يسبب فيه رتابة مملة، خاصة حين يريد الشاعر أن يطيل قصيدته. وعندي أن العشر الحر لا يصلح للملاحم قط؛ لأن مثل تلك القصائد الطويلة ينبغي أن تركز إلى تنويع دائم، لا في طول الأبيات العددي فحسب، وإنما في التفعيلات نفسها وإلا سئمها القارئ. ومما يلاحظ أن هذه الرتابة في الأوزان تحتم على الشاعر أن يبذل جهدًا متعبًا في تنويع اللغة وتوزيع مراكز الثقل فيها، وترتيب الأفكار، فهذه كلها عناصر تعويض تخفف من وقع النغم الممل.

стр. 45

إمكانيات الشعر الحر ومستقبله: مؤدَى القول في الشعر الحر أنه ينبغي ألا يطغى على شعرنا المعاصر كل الطغيان؛ لأن أوزانه لا تصلح للموضوعات كلها، بسبب القيود التي تفرضها عليه وحدة التفعيلة وانعدام الوقفات وقابلية التدفق والموسيقية. ولسنا ندعو بهذا إلى نكس الحركة، وإنما نحب أن نحذر من الاستسلام المطلق لها، فقد أثبتت التجربة، عبر السنين الطويلة أن الابتذال والعامية يكمنان خلف الاستهواء الظاهري في هذه الأوزان. والحق أن الحركة قد بدأت تبتعد عن غاياتها المفروضة منذ سنة ١٩٥١، ولا نظن هذا غريبًا، ولا داعيًا للتشاؤم. فلو درسنا الحركة من وجهتها

стр. 46

التاريخية لوجدنا أنها لا تختلف عن أية حركة أخرى للتحرر، سواء أكانت وطنية أم اجتماعية أم أدبية، وفي لتاريخ مئات الشواهد على ثورة الجماعات ومبالغتها في تطبيق مبادئ الثورة وسقوطها في الفوضى والابتذال قبل استقرارها الأخير. ولهذا نحس بالاطمئنان إلى سلامة الحركة، رغم مظاهر الرخاوة والإسفاف التي غمرتها. وإذا كنت قد تنبأت في سنة ١٩٥٤ -في مقال لي نشرته مجلة الأديب- بأن حركة الشعر الحر: "ستتقدم في السنين القادمة حتى تبلغ نهايتها المبتذلة، فهي اليوم في اتساع سريع صاعق، ولا أحد مسئول عن أن شعراء نزري المواهب، ضحلي الثقافة سيكتبون شعرًا غثًّا بهذه الأوزان الحرة"١ إذا كنت قد تنبأت بذلك، فأنا أجد نبوءتي تلك قد تحققت بكل حرف فيها. وإذا صح لي أن أطرح نبوءة جديدة، أبنيها على مراقبتي للموقف الأدبي في وطننا العربي اليوم، فأنا أتنبأ بأن حركة الشعر الحر ستصل إلى نقطة الجزر في السنين القادمة، ولسوف يرتد عنها أكثر الذين استجابوا لها خلال السنين العشر الماضية. على أن ذلك لا يعني أنها ستموت. وإنما سيبقى الشعر الحر قائمًا ما قام الشعر العربي وما لبثت العواطف الإنسانية. ولسوف ينتهي التطرف إلى اتزان رصين، ويجني الأدب العربي من الحركة ثمراتها. وأما الشعراء الذين ذهبوا ضحايا لمزالق الشعر الحر، ولا بد لكل حركة ناجحة من ضحايا، فحسبهم أنهم هم الذين أنقذوا الشعر من الهاوية، ولقد أعطونا نماذج للرداءة والتخبط تحمينا من أن نقع في مثلها، فكانوا بذلك خلاص الشعر الحديث دون أن يدروا.

стр. 47

الفصل الثاني: الجذور الاجتماعية لحركة الشعر الحر مدخل ... الفصل الثاني: الجذور الاجتماعية لحركة الشعر الحر. لعل القانون الذي يتحكم في حركات التجديد عامة هو أنها كلها محاولات لإحداث توازن جديد في موقف الفرد والأمة بعد أن اعترت الموقف عوامل خارجية فرضت عليه أن تتخلخل بعض جهاته وتميل. وسرعان ما يصبح التجديد حاجة ملزمة تفرض نفسها فرضًا، فلا تملك الأمة إلا أن تلبي طائعة وتستسلم لهذا الزائر الذي يطرق الباب ملحًّا. ولقد ألفت المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ أن تقابل التجديد في كثير من الريبة والتحفظ فلا تتقبله إلا بعد رفض طويل ومقاومة تبدو فيها الجماعات وكأن حافزًا أقوى منها يدفعها إلى أن تحمي نفسها من هذا الطارق المريب. وقد ألفنا أيضًا أن نرى المجددين يسخطون على هذا التردد الذي يقابل به تجديدهم ويرمون الجماهير بالجمود والبلادة وقلة القدرة على تقدير الإبداع. على أن النظرة الاجتماعية المتأملة لا بد أن تجعلنا أقل لومًا للجمهور، فما هذا التحفظ في الواقع إلا صوت التماسك والأصالة في شخصية الأمة التي ترفض أن تنهار بإزاء كل فكرة جديدة تعرض، وإلا

стр. 48

لم تعد أمة ولم يعد في إمكانها أن تحفظ تراثها. أن التحفظ، بالمعنى البايولوجي، ضرب من الدفاع عن النفس يواجه به الفرد الإنساني عوامل العدوان ومخاطر المفاجأة التي تعترضه. وذلك لأن تقبلنا لأي رأي نصادفه يعني في حقيقة الأمر، أن نتهدم تهدمًا كاملًا ثم نعيد بناء أنفسنا بحيث تلتئم هذه المادة الغريبة مع المواد السابقة التي اخترناها في أذهاننا، ولذلك وحسب لا نستطيع أن نتكرم بقبول كل رأي يعرض علينا، وإنما لا بد لنا أن نتريث ونقاوم. إن طبيعتنا تفرض علينا هذا التحفظ بإزاء الأفكار، كما تفرض علينا قواعد الصحة أن نتحفظ بإزاء الحالات المفاجئة من الحرارة والبرودة والضغط، والتحفظ في الحالتين يتضمن المحاولة الدائبة لإعداد الفكر والجسم إعدادًا متدرجًا لقبول الحالة الجديدة دونما تمزق أو أذى، ذلك أن كل رأي جديد يعرض للأمة يتضمن هزة كاملة لكيانها العقلي والنفسي، فلا تستطيع أن تقبله فورًا، وإنما لا بد لها أن تعدل في مضموناتها السابقة وتعيد تنظيمها حتى تلتئم مع الحالة الجديدة. لقد كانت هذه الحالة من الانكماش والرفض رد الفعل الأول الذي لقيته حركة الشعر الحر حين انبثقت أول مرة في العراق، فقد قابلها الأدباء والجمهور مقابلة غير مرحبة ورفضوا أن يتقبلوها وعدوها بدعة سيئة النية غرضها هدم الشعر العربي.. وإنما كانت فكرة إقامة القصيدة العربية على "التفعيلة" بدلًا من "الشطر" صادمة للجمهور لأنها سألته أن يحدث تغييرًا أساسيًّا في مفهوم الشعر عنده، وقد كان لا بد للجمهور العربي، وهو يحمل ثقافة غنية عريقة أن يتماسك في وجه هذا الطلب المفاجئ، ويرفضه ريثما يدرسه ويفسح له مكانًا. لقد ألف هذا الجمهور أن يرص له شعراؤه القدماء ثلاث تفعيلات أو أربعًا في وحدة ثابتة اعتاد أن يسميها الشطر، فإذا هو يفتح عينيه فجأة ذات صباح فيرى أمامه قصائد أشطرها لا تتقيد بعدد معين من التفعيلات،

стр. 49

فقد يرد شرط ذو تفعيلتين يليه آخر ذو أربع تفعيلات وثالث ذو تفعيلة واحدة. اعتاد الجمهور أن يكون البيت ذو الشطرين وحدة في القصيدة، فإذا هو اليوم يقرأ شعرًا حطم فيه استقلال البيت تحطيمًا متعمدًا قضى على عزلته وأدمجه في الأبيات الأخرى. كان العروضيون يتحدثون مثلًا عن وزنين متميزين اسمها "الكامل" و"مجزوء الكامل" فإذا الشاعر الحديث يدمج الوزنين حين يريد ويعدهما وزنًا واحدًا لأن تفعيلتهما واحدة. والواقع أن ملخص ما فعلته حركة الشعر الحر أنها نظرت متأملة في علم العروض القديم واستعانت ببعض تفاصيله على إحداث تجديد يساعد الشاعر المعاصر على حرية التعبير وإطالة العبارة وتقصيرها بحسب مقتضى الحال. ولم تصدر الحركة عن إهمال للعروض، كما يزعم الذين لا معرفة لهم به، وإنما صدرت عن عناية بالغة به جعلت الشاعر الحديث يلتفت إلى خاصية رائعة في ستة بحور من الشعر العربي تجعلها قابلة لأن ينبثق عنها أسلوب جديد في الوزن يقوم على القديم ويضيف إليه جديدًا من صنع العصر. وما كاد الجمهور العربي يتسامع بالدعوة حتى أسرع إلى رفضها وأساء الظن بها واتهمها. وكانت أحب التهم إلى قلوب المعارضين أن الشباب من الشعراء قد أحدثوا طريقة يتخلصون بها من صعوبة الأوزان العربية القائمة وتعينهم على تغطية كسلهم وضحالة مواهبهم الشعرية. قالوا إن الحرية من القيود العروضية استسلام إلى السهولة والرخاوة ولجوء إلى الترف، وإن هذا الشعر الحر قضية هينة يسيرة يستطيعها حتى من لم يكن شاعرًا. والواقع أنه ليس من الثابت فلسفيًّا أن الحرية أسهل من اتباع القيود. ولعل الأمر أن يكون على العكس. وذلك لأن كل حرية على الإطلاق تتضمن مسئولية. لقد كانت الإنسانية في كل زمان ومكان حريصة على قيودها فبقيت تجرها وتتمسك بها مع أنها تحز عنقها وذراعيها، لا لشيء إلا لأن هذه القيود تحمي من متاعب الحرية ومسئولياتها ومآزقها،

стр. 50

وما القيود، إذا تأملنا إلا طرف ممهدة مرصوفة تعطي الإنسانية الأمان والشعور بالاستقرار. إنها أشبه بسياج عالٍ يحمي المحبوسين فيه من احتمالات الضلال. والذهن الكسول يجد في القيود راحة لأنها تقيه مشقة الاختيار ومخاوف الاستقلال. وعلى هذا الأساس وضعت المجتمعات القوانين الصارمة والنظم ورصفت الخطط المفصلة لكل مسلك إنساني. إن الحرية خطرة لأنها تتضمن مغامرة فردية يجازف فيها المرء براحته وكيانه، ولن يقوى على مخاوفها إلا من كان شديد الثقة بنفسه. وإذا كان التقييد رصفًا لطريق واضح لا تتيه فيه الخطى، فإن الحرية تترك الإنسان وحيدًا بإزاء عشرات من الطرق عليه أن يختار منها ما يلائم رغباته وظروفه. وأنه ليدري أن بعض هذه الطرق قد تورده موارد الهلاك والدمار. لذلك يؤثر أغلبية البشر أن يقبلوا القيود ويعيشوا في ظلها آمنين. ولعلهم في صميم أنفسهم ينظرون إلى الحرية وكأنها مقامرة غير مضمونة أو معاهدة مع الشيطان. وهذا محزن للذهن المتأمل، غير أن الإنسانية، كما قلنا، تؤثر سعادتها وسلامتها على كل شيء آخر. ومعها الحق. على أننا، ونحن نفند مزاعم المعارضة، غير مضطرين إلى الاكتفاء بفكرة نظرية حول الحرية، فإن الشعر الحر الذي يملأ الكتب والصحف اليوم يمدنا هو نفسه بالدليل على أن الحرية أصعب من التقييد. فلو أنشأنا دراسة مفصلة تقوم على الإحصاء وقارنَّا بين الأغلاط العروضية الواردة في الشعر المعاصر، قبل الشعر الحر وبعده، لدلت النتائج على أن من أسهل الأمور أن يقع الشاعر الذي يستعمل الأسلوب الحر في أغلاط الوزن والزحاف. وأبرز دليل على ما نذهب إليه أن الشاعرين نزار قباني وفدوى طوقان ينظمان قصائد بالأوزان القديمة وقصائد حرة فلا تقع أغلاط الوزن إلا في قصائدهما الحرة. وأن الناقد العروضي ليبتسم عاذرًا حين يرى هذه الظاهرية الطريفة، فلن يرتاب أحد يسمو شاعرية نزار وفدوى، وقد اعترف لهما العصر برهافة السمع. ولكن الشعر الحر

стр. 51

كله مزالق وهو ينصب شركًا، فإذا لم يكن الشاعر على حذر، كان من السهل أن ينتقل فجأة من الرجز إلى السريع أو المنسرح لمجرد أن "مستفعلن" تتصدر البيت.

стр. 52

الشعر الحر اندفاعة اجتماعية: كان السؤال الذي انصبت حوله مناقشات المعترضين على "البدعة" يتركز حول الأسباب الداعية التي دفعت هذه "الفئة الضالة" من الشباب إلى تبني حركة لقلب الأوزان العربية. وقد ذهبوا في التأويل مذاهب شتى، فقال بعضهم إن الشباب مولع بالأغراب والشذوذ، وقال آخرون إن الجيل الجديد كسول يضيق بالجهد ولا يصبر على متاعب الشطرين وأهوال القافية الموحدة فتخلص إلى السهولة. ورأت فئة ثالثة أن الحركة بمجملها منقولة عن الشعر الأوروبي ولا علاقة لها بالشعر العربي. والحق أن هذه المزاعم لا تخلو من مثل ذلك الصدق العفوي الذي نجده مصاحبًا حتى لأكثر الأحكام بعدًا عن رصانة التأمل ووضوح القصد. ولعل السذاجة في الحياة الإنسانية لا تخلو من الحكمة خلوًّا تامًّا مهما بلغت درجتها. غير أن في الأمثال هذه الأحكام المتسرعة، على كل حال، تغاضيًا لا يسكت عنه عن بعض الحقائق الأولية المتعلقة بالمجتمعات ونموها وتطورها. أفتراه من الممكن أن تنشأ حركة في مجتمع ما ويستجيب لها جيل من الناس على مدى عشر سنين بطيئة طويلة دون أن تمتلك جذورًا اجتماعية تحتم انبثاقها وتستدعيه؟ أمن الجائز أن تنبعث هذه الحركة من أعماق الفراغ والسكون دونما جذور ولا روابط ولا مسببات؟ وما الذي يجعل حركة ما تظهر في عصر معين دون عصر؟ في الواقع أن الأفراد الذين يبدءون حركات التجديد في الأمة ويخلقون الأنماط الجديدة، إنما يفعلون ذلك تلبية لحاجة روحية تبهظ كيانهم وتناديهم

стр. 53

إلى سد الفراغ الذي يحسونه. ولا ينشأ هذا الفراغ إلا من وقوع تصدع خطير في بعض جهات المجال الذي تعيش فيه الأمة. ويغلب أن يكون الفرد المبدع غير واعٍ وعيًا حقًّا لهذا التصدع، غير أنه مع ذلك يندفع إلى التجديد الذي يعوض عما تصدع، وهو في هذا مقود بمحتمات بيئية قاهرة لا قدرة له على مقاومتها. إنه ليشعر بضغط داخلي مستبد يدفعه دفعًا إلى إحداث هذا الجديد. ولعله في اندفاعه إلى الإبداع ينساق بعين الدافع القسري الذي يجعل ماء ذا مستوى عالٍ يندفع إلى أول بقعة منخفضة يصادفها ولا يكف حتى يملأها. إن تشبيهنا هذا ليس رديئًا، فلعل علم الاجتماع يقرنا على هذا الاعتراف بسطوة التيارات الاجتماعية على الذهن الإنساني. هذا بالإضافة إلى أن ما يسمونه بدعوة "الفن للحياة" تستريح إلى مثل هذه الفكرة التي تجعل المجتمع هو الجذر الأساسي لكل حركة أدبية. ولعل الدليل على أن حركة "الشعر الحر" كانت مقودة بضرورة اجتماعية محضة هو أن محاولات وأدها قد فشلت جميعًا، فما زال تيار الشعر الحر يشتد ويتلاطم حتى اضطر مؤتمر الأدباء العرب الثالث في القاهرة إلى أن يعترف به رسميًّا ويدخله في أبحاثه الرئيسية. وهل في وسع المهاجمات، مهما قويت وأصرت، أن تقتلع حركة انبعثت من صميم الظروف الاجتماعية للفرد العربي؟ إن حركة ما ليس عرضًا خارجيًّا يسهل نزعه بمقال أو مقالات، بمقاطعة أو استنكار. وهذا لأنها، كما قلنا، اندفاع محتوم لملء فراغ وإقامة تصدع. والحق أن في إمكاننا أن نعد حركة الشعر الحر حصيلة اجتماعية محضة تحاول بها الأمة العربية أن تعيد بناء ذهنها العريق المكتنز على أساس حديث، شأنها في هذا شأن سائر الحركات المجددة التي تنبعث اليوم في حياتنا، في مختلف المجالات. إن العوامل الاجتماعية الموجبة التي جعلت الشعر الحر ينبثق كثيرة. ولكننا سنحصي منها في بحثنا هذا أربعة. وكلها، كما سنرى، تتعلق

стр. 54

بالاتجاهات الاجتماعية العامة للفرد العربي المعاصر وترتكز إلى تفاصيل الشعر القديم وخصائص الشعر الحر نفسه. ١- النزوع إلى الواقع: تتيح الأوزان الحرة للفرد العربي المعاصر أن يهرب من الأجواء الرومانسية إلى جو الحقيقة الواقعية التي تتخذ العمل والجد غايتها العليا، وقد تلفت الشاعر إلى أسلوب الشطرين فوجده يتعارض مع هذه الرغبة عنده لأنه من جهة مقيد بطول محدود للشطر وبقافية موحدة لا يصح الخروج عنها، ولأنه من جهة أخرى حافل بالغنائية والتزويق والجمالية العالية. أما القيود التي تضيق آفاق الأوزان القديمة، فهي تلوح للفرد المعاصر ترفًا وتبديدًا للطاقة الفكرية في شكليات لا نفع لها، في وقت ينزع فيه هذا الفرد إلى البناء والإنشاء وإلى إعمال الذهن في موضوعات العصر. إنه يكره أن يضيع جهوده في إقامة هياكل شعرية معقدة، لها من الرصافة والهيبة أكثر مما يطيق. ولعل الرصانة الشديدة منفرة للذهن العامل الذي يريد البناء، وذلك لأنها تقيد الحركة. والشاعر يريد أن يتحرك ويندفع. إن مشكلات العصر تناديه وهو لا يجد وقتًا لترف القيود وبطر القافية الموحدة. ثم إن فروض العمل والحياة المنتجة تتطلب أن يخلق لنفسه أسلوبًا أكثر حرية وأقل هيبة وجلالًا. وهو في هذا أشبه بإنسان يشتغل فلاحًا ويضايقه أن يلبس ثيابًا أنيقة مترفة لأنه يحتاج إلى لباس بسيط يعطيه الحرية على الحركة والقدرة على العمل. ولذلك انطلق الشاعر الحديث وخلق أسلوب الشعر الحر ببساطة أسلوبه وخلوه من الرصانة. أما الغنائية فهي تنشأ عن الموسيقية العالية في الأوزان القديمة، ومن ثم فهي تعطي تلك الأوزان جوًّا من العاطفة المصطنعة والخيال. والغنائية

стр. 55

ملازمة للتقييد لأنها تتضمن مبالغة وإسرافًا في العواطف. فما يكاد الشاعر يقع في مآزق القافية الموحدة ويتلكأ عند البيت الواحد حتى يعتريه إحساس بأنه لا يعبر، وإنما يكتب شيئًا مترفًا تتحكم فيه هذه الملكة الجميلة المستبدة التي تقف في آخر البيت وتصر على أن تكون أبرز ما فيه. ولعل هذا الإحساس بالترف والفراغ هو الذي يجعل الشعر القديم حافلًا بالأجواء المثقلة بالعنبر ونسيم الصبا والثياب الحريرية تجرها فتيات ناعمات لا عمل لهن سوى الدلال ونوم الضحى. إن الشاعر المعاصر -وهو فرد في مجتمع يعمل ويبني- يضيق بهذا الجو الكسول النعسان، وهذه الجمالة المفروضة فرضًا؛ أنه يريد أن يكون شعره مفكرًا، إيجابيًّا، طويل العبارة، فلا تسمح له بذلك الغنائية العالية في الأبحر الشطرية. وهو ينفر من هذه النبرة العاطفية المموسقة لأنها لا تلائم نزوعه إلى العمل والنشاط، ومن ثم فهو يريد أن يحطمها ويخرج من قمقم الأحلام وأوهام ألف ليلة وليلة. لقد وجد في الشعر الحر مهربًا من هذا الجو المثقل بالجواري والحرير وأشعة مصباح علاء الدين، وهو يطلب الواقعية حتى إذا كانت قاسية خشنة فيمد يديه ليلمس الحقيقة ولو أدمتهما. وأما لماذا يصلح الشعر الحر للتعبير عن حياة ليس الجمال الحسي غايتها العليا؛ فلأنه كما أشرنا يخلو من رصانة الأوزان القديمة ويجعل غايته التعبير لا الجمالية الظاهرية. وهكذا تستطيع النظرة الاجتماعية أن تتبين في حركة الشعر الحر جذور الرغبة في تحطيم الحلم والإطلال على الواقع العربي الجديد دونما ضباب ولا أوهام. ٢- الحنين إلى الاستقلال: يحب الشاعر الحديث أن يثبت فرديته باختطاط سبيل شعري معاصر يصب فيه شخصيته الحديثة التي تتميز عن شخصية الشاعر القديم. أنه يرغب

стр. 56

في أن يستقل ويبدع لنفسه شيئًا يستوحيه من حاجات العصر. يريد أن يكف عن أن يكون تابعًا لامرئ القيس والمتنبي والمعري. وهو في هذا أشبه بصبي يتحرق إلى أن يثبت استقلاله عن أبويه فيبدأ بمقاومتها. ويعني هذا أن لحركة الشعر الحر جذورًا نفسية تفرضها، وكأن العصر كله أشبه بغلام في السادسة عشرة يرغب في أن يعامل معامل الكبار فلا ينظر إليه وكأنه طفل أبدًا. إن حرقة الاستقلال هذه تساهم إلى حد ما في دفع الشاعر الحديث إلى البحث في أعماق نفسه، عن مواهب كامنة غير مستغلة وعن مقدرات وخصائص يمكن أن تشحذ وتبرز فتعطيه شخصية متفردة تميزه عن أسلافه. وقد وجد الثورة على القوالب الشعرية متنفسًا لهذه الحرقة إلى الاستقلال فثار عليها. ولا ريب في أن هذه النزعة هي تفسير ما نراه من إيغال بعض الناشئين من الشعراء في التطرف والاندفاع وقد ظنوا أن الأوزان القديمة عاطلة عن القيمة وتعالوا حتى على القواعد الشعرية التي رسخت عبر مئات من سنوات الشعر واللغة. ولن يصعب على الناقد المتزن أن يغفر لهؤلاء المتطرفين نزق أشطرهم ورعونة قوافيهم ما دام يدرك الأساس النفسي للمبالغة التي سقطوا فيها. ٣- النفور من النموذج: من طبيعة الفكر المعاصر عمومًا أنه يجنح إلى النفور مما أسميه "بالنموذج" في الفن والحياة. وأقصد بالنموذج اتخاذ شيء ما وحدة ثابتة وتكرارها بدلًا من تغييرها وتنويعها. وتلاحظ فكرة النموذج في الفن الإسلامي القديم في ما نرى على جدران المساجد والقصور وقبب الجوامع ومنائرها، حيث يقوم التزيين على أساس تكرار وحدة تجريدية ثابتة، أو مجموعة وحدات منضمة في وحدة أكبر، على أن تراعى في التكرار النسب

стр. 57

المضبوطة ضبطًا دقيقًا. إن الأساس الذي قام عليه هذا الفن العربي عين الأساس الذي قام عليه شعرنا القديم. فقد كان الشطر أو البيت يتخذ وحدة ويحافظ الشاعر على عزلة هذه الوحدة بتحاشي التضمين الذي مر تعريفه مراعيًا المسافات المضبوطة بينها وبين سائر الوحدات التي يتكررها إلى نهاية القصيدة. وجاء الشاعر المعاصر باتجاهاته الحديثة ونظر في نظام الشطرين فوجده يبيح له شكلًا مقيدًا بنمط معين ذي طبيعة هندسية مضغوطة. إن الأشطر المتساوية والوحدات المعزولة لا بد أن تفرض على المادة المصبوبة فيها شكلًا مماثلًا يملك عين الانضغاط وتساوي المسافات. أو لنقل أن هندسية الشكل، لا بد أن تتطلب هندسية مقابلة في الفكر الذي يستوعبه هذا الشكل، وذلك بمعزل عن حاجة السياق. والقوالب تفرض شكلها على المادة التي تنضغط في داخلها، وإذا كانت القصيدة الشطرية ملزمة بالمحافظة على أطوال ثابتة ومسافات متناسقة فإن المادة التي يعالجها الشاعر لابد أن تصبح هي الأخرى ذات مسافات متناسقة وذلك بحكم قانون خفي يربط بين الشكل والمضمون ويجعل الواحد منهما مؤثرًا في الآخر، متأثرًا به في الوقت نفسه. وأبسط نتائج هذا الإلزام في القصيدة العربية القديمة ما نلاحظه من ميل العبارات إلى أن تنتهي بانتهاء الشطر، وإذا امتدت فإلى نهاية البيت حيث القافية الموحدة تنتصب شامخة وتبني جدارًا متينًا يصعب على المعنى أن يتخطاه. ونحن نعلم يقينًا أن من شروط البيت الجيد عند العرب أن يكون مستقلًّا في معناه وصياغته عما بعده، بحيث عدوا "التضمين" عيبًا فادحًا من عيوب الشعر. يضاف إلى هذا أن الشطر لا يسمح للشاعر بأن يستعمل عبارة أقصر منه، فكان لابد للشاعر أن ينهي العبارة معه. وهكذا فرضت الأشطر المتساوية أن تكون العبارات متساوية إلى حد ما، أو مقسومة إلى قسمين متساويين. وفي هذا ما لا يروق للشاعر الحديث الذي

стр. 58

يميل إلى التعبير فيستعمل عبارة قصيرة ذات كلمتين أحيانًا. وقد يروق له أن تستوعب عبارة واحدة بيتين أو ثلاثة. وقد يحب أن يقف في نصف الشطر ويبدأ عبارة جديدة تنتهي في نصف الشطر التالي. وكل هذا يعينه على إحداث أثر معين أو إثارة حالة نفسية يقصدها. والحقيقة أن هذا هو ما نصنعه في الحياة أيضًا. فلو أصغينا إلى رجل عامي يقص حكاية لالتفتنا إلى ما يحدثه تنويع الأطوال في عباراته من أثر عميق في المستمعين. وهذا ما يحرم منه الشاعر الذي يستعمل طريقة الشطرين والقافية الموحدة. لقد وجد الشاعر الحديث نفسه محتاجًا إلى الانطلاق من هذا الفكر الهندسي الصارم الذي يتدخل حتى في طول عبارته، وليس هذا غريبًا في عصر يبحث عن الحرية ويريد أن يحطم القيود ويعيش ملء مجالاته الفكرية والروحية. الواقع أن إحدى خصائص الفكر المعاصر أنه يكره النسب المتساوية ويضيق بفكرة النموذج ضيقًا شديدًا، فما يكاد يقع على اتساق متعاقب منتظم في جهة من جهات حياته حتى يشتاق إلى أن يحدث فوضى صغيرة في مكان منه فيربك النموذج ويخرج على الرتابة، ولهذا أمثلة كثيرة في مبانينا وبرامجنا وحياتنا. ولم تكن حركة الشعر الحر إلا استجابة لهذا الميل في العصر إلى الخروج على فكرة النموذج المتسق اتساقًا تامًّا. والواقع أن الحياة نفسها لا تسير على نمط واحد ولا تتقيد بنسبة ثابتة في أحداثها، وإنما تجري بلا قيد، لا بل إن اللغة وهي منبع كل فكر وكل شعر، لا تتبع نماذج. إننا نتكلم بحسب الحاجة فنطيل عباراتنا ونقصره وفق المعنى لا وفق نظام هندسي مفروض. ولذلك ثار الشاعر المعاصر على أسلوب الشطرين وخرج إلى أسلوب التفعيلة وبات يقف حيث يشاء المعنى والتعبير. ٤- الهرب من التناظر: في طفولتنا كانت البيوت التي يعيش فيها الناس ببغداد بيوتًا شرقية في بنائها، تتوسطها ساحة واسعة قد تكون فيها حديقة صغيرة يطلقون عليها

стр. 59

اسمًا فارسيًّا هو "البقجة" فكان البناء يحيط بهذه الساحة من جهاتها الأربع. وإذ أنظر الآن إلى الوراء، ألاحظ أن نظام الشطرين الخليلي في الشعر كان متناسبًا مع هذا الطراز في البناء لأن الشطرين تتوسطهما فسحة أو سكتة في وسط البيت. والواقع أن شكل البناء هذا، قد كان هو المستعمل في البلاد الإسلامية منذ العصر الأموي فيما أعلم؛ لأنني شاهدت في مُتْحف دمشق الوطني نموذجًا كبيرًا لقصر الخليفة هشام بن عبد الملك فكان مبنيًّا على الطراز نفسه: ساحة واسعة في الوسط فيها الحدائق، تحف بها مباني القصر من أربع جهات. ولسنا ندري كيف كانت قصور ملوك المناذرة والغساسنة تُبنى في الجاهلية وإن كنت لا أستبعد أن تقوم على النسق نفسه ما دام هناك ارتباط خفي بين شعر الشطرين وطراز المباني. وفيما بعد، عندما راحت بغداد القرن العشرين تتسع إلى الضواحي، بدأ الناس يبنون بيوتهم على الطراز الغربي المعدل فلا يستبقون ساحة وسط البيت وإنما يجعلون الفسحة أمام البيت ووراءه -حدائق- ولكن تأثير نظام الشطرين الشعري بقى نافذ المفعول في طراز البناء؛ لأن المهندس كان حريصًا دائمًا على تشييد بيت له جانبان متناظران تمام التناظر، فالجانب الأيمن يشبه الجانب الأيسر كل الشبه بحيث لو مددنا خطًّا وسط البيت لكانت الجهتان متطابقتين. وقد استمر هذا النسق المتناظر مسيطرًا على مباني مدينة بغداد إلى حوالي سنة ١٩٥٥. وفي سنة ١٩٤٩ ظهرت مجموعتي الشعرية "شظايا ورماد" وفيها الدعوة الأولى إلى الشعر الحر. وإذ أنظر الآن إلى الماضي، أحس أنني إنما ثرت على طريقة الشطرين الخليلية، نفورًا من المنزل المتناظر الذي يتطابق جانباه تمام التطابق. والحق أنني كنت أستشعر ضيقًا شديدًا بنظام البيوت في بغداد كنت كلما رأيت مسكنًا متناظرًا شعرت بنفسي تضيق وتظلم. ولم يخطر على

стр. 60

بالي أنني إنما دعوت تلك الدعوة الحارة، إلى إقامة الشعر على أشطر غير متساوية، تفعيلاتها غير متناسقة في العدد؛ لأنني أدعو أيضًا إلى تغيير نظام المباني، ولأنني أنفر من التناظر وأتعطش إلى هدمه والثورة عليه. وعندما استجاب كثير من شعراء العصر إلى دعوة الشعر الحر بدأ طراز المباني يتغير. وماذا نجد اليوم؟ لقد أصبح المهندس، حين يبني بيتًا أو عمارة، يتعمد ألا يجعلها متناظرة، فما يكاد يلاحظ أقل ميل إلى هذا التناظر، حتى يُنزل بالنسق فوضى من نوع ما، تخلخله ولو على شكل رسوم وخطوط وألوان لا نموذج فيها، ولا مقياس لها، وإنما هي نثر بلا تخطيط. وعلى هذا، تكون سطوة الشعر الحر على الحياة العربية اليوم، ناشئة عن أننا نتأثر بطراز المباني التي نحيا فيها، وهي مبانٍ ثائرة على التناظر ثورة واضحة لكل ذي بصر. وإني لأومن إيمانًا قويًّا بأن الشعر والفن ليسا معزولين عن الحياة، وإنما يرتبطان بها ارتباطًا كاملًا. ومن ثم فإن تخطيط شوارعنا الحديثة وطراز مبانينا لابد أن يؤثر تأثيرًا مباشرًا في شعرنا وفنونا. وهذا هو الحذر الكامن وراء سطوة الشعر الحر على حياتنا الحديثة، في ظني. وعلى ذلك فإن الذين ينادون بضرورة القضاء على شعر التفعيلة الذي لا نسق ثابتًا له، إنما يتغافلون عن طراز بيوتنا وأشكال شوارعنا وينسون أنها لا بد أن تترك طابعها على أذهاننا وميولنا النفسية وتدفعنا إلى جهة معاكسة للتناظر الذي ننفر منه اليوم، ونحاول دائبين أن نحدث فوضى تخل به ولو إخلالًا جزئيًّا. ٥- إيثار المضمون: يتجه الفرد العربي المعاصر على العموم إلى تحكيم المضمون في الشكل، وهذا مرتبط بما نراه من ميل العصر إلى الإنشاء والبناء، وهو ميل عام يستوعب مختلف مظاهر حياتنا. إن الشكل والمضمون يعتبران في أبحاث الفلسفة الحديثة وجهين لجوهر واحد لا يمكن فصل جزئيه إلا بتهديمه أولًا.

стр. 61

والنقد العربي المعاصر جدير بأن يلتفت إلى هذه الوحدة الوثيقة، وينبه إلى ما في الفصل بين وجهيها من خطر على الفكر والأمة. غير أن الحركات الاجتماعية والأدبية لا تخضع للمنطق العقلي وإنما يتحكم فيها قانون التطور الاجتماعي. ولقد جاء عصرنا هذا على أثر العصر المظلم الذي غلبت فيه على الشعر العربي القوالب الشكلية والصناعية الفارغة والأشكال التي تعبر عن حاجة حيوية. ووجد الشاعر الحديث نفسه خلفًا لأجيال من الشعراء يكتبون الألغاز والمهمل والتشطيرات ولزوم ما لا يلزم وكل ما يدل على أنهم لا يريدون إيصال مضمون لازم معين إلى قرائهم، وإنما همهم أن يخلقوا أشكالًا مجردة ذات قيمة ظاهرية وحسب. وقد كان رد الفعل المباشر، عند الشاعر المعاصر، أن يتجه إلى العناية بالمضمون ويحاول التخلص من القشور الخارجية. وكانت حركة "الشعر الحر" أحد وجوه هذا الميل لأنه، في جوهره، ثورة على تحكيم الشكل في الشعر. إن الشاعر الحديث يرفض أن يقسم عباراته تقسيمًا يراعي نظام الشطر، وإنما يريد أن يمنح السطوة المتحكمة للمعاني التي يعبر عنها. ونظام الشطرين، كما سبق أن قلنا، متسلط، يريد أن يضحي الشاعر بالتعبير من أجل شكل معين من الوزن، والقافية الموحدة مستبدة لأنها تفرض على الفكر أن يبدد نفسه في البحث عن عبارات تنسجم مع قافية معينة ينبغي استعمالها، ومن ثم فإن الأسلوب القديم عروضي الاتجاه، يفضل سلامة الشكل على صدق التعبير وكفاءة الانفعال، ويتمسك بالقافية الموحدة ولو على حساب الصور والمعاني التي تملأ نفس الشاعر. وكل هذا إيثار للأشكال على المضمونات، بينما يريد العصر أن ينشغل بالحياة نفسها وأن يبدع منها أنماطًا تستنفد طاقته الفكرية والشعورية الزاخرة. إن كل ميل إلى تحكيم الشكل في المعنى يغيظ الشاعر المعاصر ويتحداه، وهذا هو السبب في ما نراه من مبالغة بعض الناشئين في استعمال الأوزان الحرة حتى كادوا ينبذون الأوزان القديمة نبذًا تامًّا.

стр. 62

هذه العوامل الخمسة تبدو لنا العوامل الرئيسية التي أحاطت بحركة الشعر الحر، ولكنها ليست العوامل كلها. إن من الممكن أن ننظر إلى الحركة من زوايا أخرى فنرى فيها مظهرًا لضيق الشباب بهالة التقديس التي يحيط بها النقاد العرب أدبنا، وكأن هذا الأدب كمال لا غاية بعده. ولعل التقديس يعد في نظر الجيل العامل نوعًا من الجمود، وذلك يتضمن فكرة التحقق والاكتمال والوصول، وهي فكرة تجعل العمل والجهد شيئًا لا داعي له ولا فائدة فيه. وقد يكون جيلنا متبرمًا بمضمونات الشعر القديم، وعندما وجد أن أشباح الماضي تعشعش في هذه الأوزان قرر أن يتركها فترة ليبني كيانًا شعريًّا في أوزان جديدة ريثما يتاح له الاستقلال الكامل فيعود إلى هذا القديم بنظرة أصفى وفهم أعمق. وإنه ليهمنا أن نشير إلى أن حركة الشعر الحر، بصورتها الحقة الصافية، ليست دعوة لنبذ شعر الشطرين نبذًا تامًّا، ولا هي تهدف إلى أن تقضي على أوزان الخليل، وتحل محلها، وإنما كان كل ما ترمي إليه أن تبدع أسلوبًا جديدًا توقفه إلى جوار الأسلوب القديم وتستعين به على بعض موضوعات العصر المعقدة. ولا أظنه يخفى على المتابعين أن بعض الموضوعات تنتفع بالأوزان القديمة أكثر ما تنتفع بالوزن الحر. ولذلك لا نرى وجهًا نبرر به ميل بعض الناشئة إلى أن ينظموا شعرهم كله بالأوزان الحرة "وقد تناولت هذه الظاهرة بالنقد في الفصل السابق". غير أن التطرف شيء مألوف في تاريخ الدعوات الأدبية والاجتماعية. ونحسب أن كل حركة تبدأ متطرفة أولًا، ثم ترتد إلى الاعتدال بعد أن تشذبها التجارب وتصقلها الحاجة. ثم إننا على يقين من أن كثيرًا من المغالين في استعمال الشعر الحر سيرتدون في السنين القادمة إلى الاعتدال والاتزان ويعودون إلى الأوزان الخليلية فيكتبون بها بعض شعرهم. أما اليوم فنحن في شيء من القلق على الحركة، تقلقنا هذه المغالاة التي تصاحبها، وتلك الحدة والعصبية التي يكتب بها بعض أنصارها المتحمسين

стр. 63

الذين حسبوا أن محاربة آدابنا القديمة جزء من أهداف الشعر الحر. وكأن من الممكن، على الإطلاق، أن نبدع نحن شيئًا لم يساهم أجدادنا الموهوبون في تمهيد السبيل إليه منذ ألف سنة. والواقع أن حركة الشعر الحر لن ترسخ في تاريخنا حتى يدرك الشاعر الحديث أن تراثه القديم قد كان هو المنبع الذي ساقه إلى إبداع الجديد. ولعل إنكار القديم والمغالاة في النفور منه مظهر من مظاهر ضعف الثقة بالنفس عند الأمم، وقد لا يكون غريبًا أن يحس الفرد العربي، في هذه الفترة من حياته، بشيء من هذا. ولكننا على ثقة من أنه، وهو سليل هذا التراث الخصيب، لا يمكن أن يبقى في هذا المستوى طويلًا، ولا بد أن يسيطر على أبعاد نفسه كلها في المستقبل القريب. وإذ ذاك سيبدو له الشعر الحر نقطة صغيرة في تاريخه الكبير. وسيدرك، أول مرة، أن أوزانه التي ابتكرها قد بلغت مرحلة النضج وباتت جزءًا حيًّا من تاريخه الأدبي العريق.

стр. 64

الباب الثاني: الشعر الحر باعتباره العروضي . الفصل الأول: العروض العام للشعر الحر . توطئة: لعله شيء لا ريب فيه أن كثيرًا من الشعراء الذين تلقوا الدعوة إلى الشعر الحر في حماسة لا يعرفون حتى الآن الغرض منها. إن بعضهم يخلط بينها وبين الدعوة إلى تجديد الموضوع في القصيدة العربية، وبعضهم يظن أن غايتها الوحيدة هي تثبيت دعائم ما يسمونه بالواقعية في الشعر. ولئن كنا لا ننكر أن هذه الظنون وأمثالها لا تتعارض مع طبيعة الشعر الحر، غير أننا نلح مع ذلك على التذكير بأن الشعر الحر ظاهرة عروضية قبل كل شيء. ذلك أنه يتناول الشكل الموسيقي للقصيدة ويتعلق بعدد التفعيلات في الشطر، ويعني بترتيب الأشطر والقوافي، وأسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد وغير ذلك مما هو قضايا عروضية بحته، إننا مع الشعر الحر بإزاء دعوة إلى دراسة الإمكانيات التي تقدمها بحور

стр. 65

الشعر العربي الستة عشر للشاعر المعاصر الذي يهمه التعبير عن حياته في حرية وانطلاق. وما لم يدرك الشاعر العربي خطورة موقفه في هذا المفرق الموسيقي من تاريخ الشعر العربي، ومدى ما يمكن أن يسقط فيه من أغلاط ذوقية وعروضية وهو يندفع، فإن حركة الشعر الحر تسقط يومًا بعد يوم في هاوية مبتذلة ما كنا نحب أن تصير إليها. وإنه ليخيل إلى من يراقب ما تنشره الصحف الأدبية من هذا الشعر أن شعراءنا يتناولون الأوزان الحرة ويلعبون بها كما يلعب طفل غير مسئول بحزمة أوراق مالية عالية القيمة. إنه فرحٌ بملمسها الناعم، بخشخشة ورقها، بألوانها ورسومها. إنه يكدسها ويدعكها ويبعثرها ويمزقها ثم يقف متفرجًا منتشيًا بما صنع، غير منتبه إلى ما بين يديه من ثروة. ولن ينكر أحد أن في بحور الشعر العربي إمكانيات موسيقية غنية في وسعنا أن نستخرجها إذا نحن كففنا عن اللعب بالتفعيلات وصفها وتلوينها وبعثرتها على أسطر متتالية فارغة من المعنى. والحق أنه إذا كانت اثنتا عشرة سنة من الشعر الحر لم تصح شعراءنا من السكرة الأولى التي جاءت بها فرحة الحرية فإن الأمر لا يبشر بالخير الكثير. هذا قد كان موقف الشعراء أنفسهم من الشعر الحر، فماذا كان موقف الجمهور؟ لعلنا كلنا نعلم أن أغلب القراء -وبينهم ناظمون متمكنون- ما زالوا يجهلون الأساس العروضي الخليلي للشعر الحر. إن طائفة منهم تحسبه نثرًا لا وزن له مرصوصًا على أسطر متتالية بدافع غيّة صبيانية في نفس كاتبه. وأنا أميل إلى أن أعتقد بأن الجمهور غير ملوم في فكرته هذه. فإنما روج لها بعض الشعراء الكبار من الجيل الماضي، وقد راحوا يصرحون، في لذة لا تخلو من التشفي، أن الشعر الحر ليس موزونًا وإنما هو نثر. وبذلك ساهموا في هدم الناحية العروضية من الشعر الحر. ولعلنا أن ندافع حتى عن هؤلاء الشعراء الكبار. ذلك أن أكثرهم لم يكونوا نقادًا للشعر يومًا بحيث يستطيعون الكتابة عن ظاهرة

стр. 66

عروضية خالصة مثل الشعر الحر. وإنما يقع أكثر اللوم على النقاد الذين أهملوا الشعر الحر كل الإهمال فلم يحاول أي منهم أن يكتب بحثًا أو كتابًا يتناول فيه حركة الشعر الحر من جانبها العروضي. وقد كانت الأبحاث القليلة التي نشرت لي منذ سنة ١٩٥٢ في مجلتي الأديب والآداب١ وغيرهما هي -فيما أعلم ولعلي لم أتابع المنشور كله- الأبحاث الوحيدة التي عُنيت بعروض الشعر الحر وألحت في دعوة النقاد والشعراء إلى الالتفات إليه. وأما الناحية التي عني بها النقد العربي في دراساته حول الشعر الحر فقد كانت غالبًا ناحية موضوعاته ومعانيه والصور فيه. فكان الناقد يكتب فصولًا طويلة عن عشرات من القصائد الحرة دون أن يشير ولو بسطر إلى الناحية العروضية منها، مع أن تلك القصائد التي كان الناقد يتحدث عنها كانت مشحونة بالأخطاء الوزنية. وأن المراقب الحريص على مستوى نقد الشعر في وطننا العربي ليتساءل في اهتمام عن سبب هذا: أترى هؤلاء النقاد لا يتحسسون الوزن ولا يستشعرون الخطأ العروض؟ أهم ضعيفو الشعور بموسيقى الشعر بحيث لا تصك أسماعهم كل تلك النشازات والأغلاط؟ أم أن لمسلكهم تعليلًا آخر أعمق جذورًا؟ من الحق أن نقول أن طائفة من هؤلاء النقاد الذين يكتبون عن الشعر الحر دون أن يتعرضوا للأخطاء العروضية فيه يملكون حس النقد وملكة التذوق، ويستجيبون للشعر على أجمل ما نحب لهم. ومن الثابت عندي أن بعضهم قد مارسوا نظم الشعر السالم من الأخطاء بأسلوب الشطرين. وإنما يكمن إهمالهم للناحية العروضية من الشعر الحر في ظاهرة أعماق بدأت تشيع في الجو الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية، وأعني بها ظاهرة الرومانسية في النقد. ومنبع هذه الظاهرة في أدبنا العربي، شيوع تلك

стр. 67

النظريات التعبيرية expressive theories التي نادت بأن الشاعر ملهم، وبأن الأوزان تنبعث مغنية في أعماقه دون أن يحتاج إلى دراسة العروض وأوزان الشعر. لقد سرت هذه النظريات إلى مفاهيم النقد نفسها فقالوا بأن الناقد نفسه ملهم بحيث تنبع الأحكام من كيانه دون أن يميز القواعد بوضوح، وظنوا أن الارتكاز إلى القوانين الأدبية الدارجة يقلل من قيمة الناقد باعتباره موهوبًا يرتكز إلى الفطرة المبدعة ولا يحتاج إلى الدراسة العلمية. يضاف إلى ذلك أن الناقد العربي -وهو يدرس شعر شاعر يحتقر العروض لأنه ملهم- أصبح يكره أن يرتكز إلى قواعد العروض حذرًا من أن يسيئ إلى ذلك الشاعر الملهم بتنبيهه إلى القواعد التي تتعارض مع إلهامه وموهبته. ومهما يكن من أمر الأسباب فإن نقادنا المحدثين أصبحوا ينطوون على الاستحياء من علم العروض ويؤثرون إقصاءه عن قيم النقد وأصوله، وكأن شعرنا أجمل وأرق وأسمى من أن يقاس بالمقاييس الموضوعية التي استقرأها أسلافنا عبر القرون من آلاف القصائد العربية القديمة. وقد حان لنا أن نحارب هذه النزعة الخجول في النقد، خاصة في هذه السنين التي تعرض خلالها الشعر إلى هزة غير هينة بسبب قيام حركة الشعر الحر. وما دام الشعر الحر -في أساسه- دعوة إلى تطوير الشكل، ما دام يتناول الأوزان والتشكيلات والقوافي، فليس في إمكاننا أن ننقده إلا على أساس موضوعي من علم العروض. على أن دعوتنا إلى العودة إلى علم العروض، ونفض الغبار عنه من أعماق المكتبة العربية، لا ترمي إلى تقييم الشعر الحر، وتقويمه وحسب، وإنما نقصد بها أيضًا إلى أن نجد للشعر الحر أصولًا أرسخ تشده إلى الشعر العربي القديم وتضعه في مكانه من سلم التطور بحيث يقتنع القارئ الموسوس بأن وزن الشعر لم يحطم على أيدينا، ولأننا لا نقل حرصًا عليه من أي شاعر قديم مخلص. وسرعان ما سنكشف أننا نحتاج إلى أن نطور

стр. 68

الدراسات العروضية التي توقف نموها منذ زمن ولم تلحق بسائر فروع العلوم العربية. فقد تطور الشكل في الشعر العربي بحيث لم تعد كتب العروض القديمة تكفي تمام الكفاية في نقد الأشكال الجديدة التي نمت اليوم، وبات ضروريًّا أن يطور العروض نفسه ليستطيع مواجهة الشعر. وإنه لطبيعي تمامًا أن تظهر الأنماط أولًا، ثم تعقبها القواعد التي بها يقاس الفاسد منها، وهذا لأن النمط خلق تندفع به طبيعة فنان تلهمه روح العصر، وأما القواعد فهي مجرد استقراء واعٍ.

стр. 69

-١- الشعر الحر أسلوب . أول ما ينبغي لنا أن نفعل ونحن نضع عروضًا للشعر الحر أن نحدد مكانه العام في كتاب العروض العربي. وسوف نقرر بدءًا أن الشعر الحر ليس وزنًا معينًا أو أوزانًا -كما يتوهم أناس- وإنما هو أسلوب في ترتيب تفاعيل الخليل تدخل فيه بحور عديدة من البحور العربية الستة عشر المعروفة. ولذلك فإن أول مدخل ينفذ منه الشعر الحر إلى كتب العروض أن يُحصى مع الأشكال الشعرية العامة التي ندرسها. وأنا أقترح أن ينص كتاب العروض على أن العرب -ومنهم نحن المعاصرين- قد كتبوا الشعر على أساليب تنحصر فيما يلي: أ- أسلوب البيت "الشطرين": ومنه أكثر الشعر العربي، وهو شعر ذو شطرين متساويين في عدد تفعيلاتهما قوام الشطر الواحد فيه إما تفعيلتان كما في الهزج والمضارع، أو ثلاث تفعيلات كما في الكامل والسريع، أو أربع تفعيلات كما في المتقارب والبسيط.

стр. 70

ولا يشترط فيه أن يكون العروض والضرب متساويين وإنما يباح في أحدهما ما لا يباح في الآخر، كما في قول عمر أبو ريشة من "الرمل"١: كنتُ كالملاح في لجته ... كسرت مجدافه الريح فتاها فاعلاتن فاعلاتن فاعلن ... فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ويحافظ الشاعر على نمط الأشطر عبر القصيدة كلها فتتبع صدور الأبيات قانونها الذي هو حذف السبب الخفيف من "فاعلاتن" وبذلك تصبح "فاعلن"، كما تتبع الإعجاز قانونها في تناسق لا يخرج عليه الشاعر إلا في البيت المصرع "الذي يجري الشاعر على صدره قانون العجز ويختمه بضربه". ومن الغلط بيت الشاعر علي محمود طه من بحر "الرمل": يا لها! كيف استقرت ثم فرت ... لحظة مرت ولكن ما وعاها فقد خرج شطره الأول على عروض "الرمل" المباح في غير ما "تصريع" مع أن قصيدته هذه قد حافظت على القانون في أبياتها جميعًا٢. وإنما يباح عدم تساوي العروض والضرب لأن هذا شعر ذو شطرين، وذلك هو النمط العربي في كل شعر يجري على هذا الأسلوب. ب- أسلوب الشطر الواحد: وهو شعر يتألف كل شطر فيه من تفعيلات ثابتة العدد عبر القصيدة

стр. 71

كلها، ويكون له ضرب واحد لا يتغير ومنه ما يسمى في الأدب العربي بالأرجوزة. وكان العرب يجعلونها موحدة القافية كما في أشطر امرئ القيس: تطاول الليل علينا دمون دمون إنا معشر يمانون وإننا لأهلنا محبون وقد نوعوا القوافي في العصور التالية حين نظموا الأراجيز العلمية مثل الألفيات في النحو وغيرها. وقد ينظم الشاعر شعرًا ذا شطر واحد ثابت الطول من أي بحر يختاره كما فعل علي محمود طه في قصيدته "ميلاد شاعر" من "الخفيف"١: أدخلوا الآن أيها المحسنونا جنة كنتم بها توعدونا اجعلوا من البدائع زونا واملئوها من الجمال فنونا املئوها فنًّا وليس فتونا وانشروا الصفو فوقها والسكونا ج- أسلوب الموشح: وهو شعر يجمع بين أسلوب الشطر الواحد وأسلوب الشطرين. وتكون أطوال أشطر الموشح متساوية كقول الشاعر من البحر السريع: عبث الوجد بقلبي فاشتكى ... ألم الوجد فلبت أدمعي أيها الناس فؤادي شغف

стр. 72

وهو من بغي الهوى لا يُنْصف كم أداريه ودمعي يكف أيها الشادان من علمكا ... بسهام اللحظ قتل السَّبُع وقد تكون أطوال الأشطر غير متساوية كما في الموشح التالي مما شاع في العصر الأندلسي المتأخر، وهو من بحر الرجز: ليلي طويل ولا معين يا قلب بعض الناس أما تلين؟ ومنه موشح ابن سناء الملك التالي، من السريع: وأمل لي حتى تراني عنك في معزل قلل فالراح كالعشق أن يزد يقتل لا أليم في شرب صهباء وفي عشق ريم فالنعيم عيش جديد ومدام قديم د- أسلوب الشعر الحر: وهو شعر ذو شطر واحد ليس له طول ثابت وإنما يصح أن يتغير عدد

стр. 73

التفعيلات من شطر إلى شطر. ويكون هذا التغير وفق قانون عروضي يتحكم فيه سندرسه بالتفصيل فيما بعد. هـ- أسلوب البند: ونحن نعزله فرعًا قائمًا بذاته، مع أنه في عدم استواء أشطره، ينبغي أن يصنف مع الشعر الحر. وإنما نعزله لأنه، في الواقع، شعر يجمع وزنين اثنين من دائرة واحدة هما الهزج والرمل وليس صحيحًا ما يذهب إليه الدارسون من أنه يقتصر على وزن واحد هو "الهزج". وبسبب كون البند ذا وزنين اثنين، خلافًا للأساليب الأخرى، فإنه من المباح فيه أن يكون له أكثر من ضرب واحد: ضربان يتعاقبان وفق خطة ذكية منسقة أجمل تنسيق كما سنبين في الفصل الخاص بالبند. "الشعر الحر" "البند". تخطيط يبين أساليب الوزن في الشعر العربي ومكان الشعر الحر منها.

стр. 74

تغعيلات الشعر الحر ... -٢- تفعيلات الشعر الحر: أساس الوزن في الشعر الحر أنه يقوم على وحدة التفعيلة. والمعنى البسيط الواضح لهذا الحكم أن الحرية في تنويع عدد التفعيلات، أو أطوال الأشطر تشترط بدءًا أن تكون التفعيلات في الأشطر متشابهة تمام التشابه، فينظم الشاعر، من بحر الرمل ذي التفعيلة الواحدة المكررة، أشطرًا تجري على هذا النسق مثلًا: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ويمضي على هذا النسق، حرًّا في اختيار عدد التفعيلات في الشطر الواحد، غير خارج على القانون العروضي لبحر الرمل، جاريًا على السنن الشعرية التي أطاعها الشاعر العربي منذ الجاهلية حتى يومنا هذا.

стр. 75

ومن تفريعات هذا القانون البسيط أنه يمكن نظم الشعر الحر بتكرار أية تفعيلة مكررة في الشطر العربي المعروف، سواء أكان البحر صافيًا مثل المتقارب: فعولن فعولن فعولن فعولن أو ممزوجًا مثل السريع: مستفعلن مستفعلن فاعلن فإنما تكون الحرية، في الشعر الحر، في حدود التفعيلة المكررة في أصل الشطر العربي فإذا كانت التفعيلة منفردة في الشطر، كما في "فاعلن" في شطر السريع لم يصح للشاعر أن يخرج عليها، فلابد له أن يوردها في مكانها، أي في ختام كل شطر من قصيدته الحرة ذات البحر السريع. وإنما حدود حريته أن يزيد عدد التفعيلة "مستفعلن" -المكررة في أصل الشطر- وينقصها فيقول في قصيدته مثلًا: مستفعلن فاعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن وينبغي للشاعر أن يتذكر دائمًا أن أي شطر في مثل هذه القصيدة، ينتهي بتفعيلة غير "فاعلن" إنما هو شطر ناشز مغلوط فيه يخرج على قانون الأذن العربية خروجًا منفرًا. والواقع أن نظم الشعر الحر، بالبحور الصافية، أيسر على الشاعر من نظمه بالبحور الممزوجة؛ لأن وحدة التفعيلة هناك تضمن حرية أكبر،
следующие страницы →