← Адаб

Адаб · id 2097

قضايا الشعر المعاصر

نازك الملائكة

Полный текст (349 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كلها، ويكون له ضرب واحد لا يتغير ومنه ما يسمى في الأدب العربي بالأرجوزة. وكان العرب يجعلونها موحدة القافية كما في أشطر امرئ القيس: تطاول الليل علينا دمون دمون إنا معشر يمانون وإننا لأهلنا محبون وقد نوعوا القوافي في العصور التالية حين نظموا الأراجيز العلمية مثل الألفيات في النحو وغيرها. وقد ينظم الشاعر شعرًا ذا شطر واحد ثابت الطول من أي بحر يختاره كما فعل علي محمود طه في قصيدته "ميلاد شاعر" من "الخفيف"١: أدخلوا الآن أيها المحسنونا جنة كنتم بها توعدونا اجعلوا من البدائع زونا واملئوها من الجمال فنونا املئوها فنًّا وليس فتونا وانشروا الصفو فوقها والسكونا ج- أسلوب الموشح: وهو شعر يجمع بين أسلوب الشطر الواحد وأسلوب الشطرين. وتكون أطوال أشطر الموشح متساوية كقول الشاعر من البحر السريع: عبث الوجد بقلبي فاشتكى ... ألم الوجد فلبت أدمعي أيها الناس فؤادي شغف

стр. 72

وهو من بغي الهوى لا يُنْصف كم أداريه ودمعي يكف أيها الشادان من علمكا ... بسهام اللحظ قتل السَّبُع وقد تكون أطوال الأشطر غير متساوية كما في الموشح التالي مما شاع في العصر الأندلسي المتأخر، وهو من بحر الرجز: ليلي طويل ولا معين يا قلب بعض الناس أما تلين؟ ومنه موشح ابن سناء الملك التالي، من السريع: وأمل لي حتى تراني عنك في معزل قلل فالراح كالعشق أن يزد يقتل لا أليم في شرب صهباء وفي عشق ريم فالنعيم عيش جديد ومدام قديم د- أسلوب الشعر الحر: وهو شعر ذو شطر واحد ليس له طول ثابت وإنما يصح أن يتغير عدد

стр. 73

التفعيلات من شطر إلى شطر. ويكون هذا التغير وفق قانون عروضي يتحكم فيه سندرسه بالتفصيل فيما بعد. هـ- أسلوب البند: ونحن نعزله فرعًا قائمًا بذاته، مع أنه في عدم استواء أشطره، ينبغي أن يصنف مع الشعر الحر. وإنما نعزله لأنه، في الواقع، شعر يجمع وزنين اثنين من دائرة واحدة هما الهزج والرمل وليس صحيحًا ما يذهب إليه الدارسون من أنه يقتصر على وزن واحد هو "الهزج". وبسبب كون البند ذا وزنين اثنين، خلافًا للأساليب الأخرى، فإنه من المباح فيه أن يكون له أكثر من ضرب واحد: ضربان يتعاقبان وفق خطة ذكية منسقة أجمل تنسيق كما سنبين في الفصل الخاص بالبند. "الشعر الحر" "البند". تخطيط يبين أساليب الوزن في الشعر العربي ومكان الشعر الحر منها.

стр. 74

تغعيلات الشعر الحر ... -٢- تفعيلات الشعر الحر: أساس الوزن في الشعر الحر أنه يقوم على وحدة التفعيلة. والمعنى البسيط الواضح لهذا الحكم أن الحرية في تنويع عدد التفعيلات، أو أطوال الأشطر تشترط بدءًا أن تكون التفعيلات في الأشطر متشابهة تمام التشابه، فينظم الشاعر، من بحر الرمل ذي التفعيلة الواحدة المكررة، أشطرًا تجري على هذا النسق مثلًا: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ويمضي على هذا النسق، حرًّا في اختيار عدد التفعيلات في الشطر الواحد، غير خارج على القانون العروضي لبحر الرمل، جاريًا على السنن الشعرية التي أطاعها الشاعر العربي منذ الجاهلية حتى يومنا هذا.

стр. 75

ومن تفريعات هذا القانون البسيط أنه يمكن نظم الشعر الحر بتكرار أية تفعيلة مكررة في الشطر العربي المعروف، سواء أكان البحر صافيًا مثل المتقارب: فعولن فعولن فعولن فعولن أو ممزوجًا مثل السريع: مستفعلن مستفعلن فاعلن فإنما تكون الحرية، في الشعر الحر، في حدود التفعيلة المكررة في أصل الشطر العربي فإذا كانت التفعيلة منفردة في الشطر، كما في "فاعلن" في شطر السريع لم يصح للشاعر أن يخرج عليها، فلابد له أن يوردها في مكانها، أي في ختام كل شطر من قصيدته الحرة ذات البحر السريع. وإنما حدود حريته أن يزيد عدد التفعيلة "مستفعلن" -المكررة في أصل الشطر- وينقصها فيقول في قصيدته مثلًا: مستفعلن فاعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن وينبغي للشاعر أن يتذكر دائمًا أن أي شطر في مثل هذه القصيدة، ينتهي بتفعيلة غير "فاعلن" إنما هو شطر ناشز مغلوط فيه يخرج على قانون الأذن العربية خروجًا منفرًا. والواقع أن نظم الشعر الحر، بالبحور الصافية، أيسر على الشاعر من نظمه بالبحور الممزوجة؛ لأن وحدة التفعيلة هناك تضمن حرية أكبر،

стр. 76

وموسيقى أيسر فضلًا عن أنها لا تتعب الشاعر في الالتفات إلى تفعيلة معينة لا بد من مجيئها منفردة في خاتمة كل شطر. وحدة التفعيلة في الشعر المعاصر: في الفقرة السابقة استقرأنا القانون البسيط الذي ينبغي أن يجري عليه كل شعر حر سليم. ولو التفت إليه الشعراء لما وقع طائفة منهم في الأخطاء والنشوز. ولعل الشعر الحر لو نشأ في عصور العروبة السابقة لكان له شأن آخر. فقد كان الشعراء كثيري القراءة للشعر العربي السليم بحيث يتحسسون عروض الشعر ويسلمون من الخطإ ولو لم نضع لهم قانونًا يطيعونه. ذلك فضلًا عن أن دراسة العروض كانت جزءًا من ثقافة المثقف وأدب المتأدب. ومهما يكن من أمر الظروف والأسباب، فإن الناشئين من الشعراء المعاصرين -وحتى بعض الراسخين- لم يشخصوا معنى الحرية في الشعر الحر تشخيصًا واضحًا، ولم يعرفوا من الأشطر العربية، موضع التكرار الذي تبيحه الحرية الجديدة، ولعلهم ظنوا أنها حرية مطلقة لا ضابط لها، وأنها تبيح حتى الخروج على ما تقبله الأذن العربية والعروض الدارج، ولذلك نجدهم خلطوا بين بحور الشعر نفسها فنظموا قصائد حرة تجاورت فيها أشطر من البحر السريع وأخرى من الرجز كما في الفقرة التالية لسعدي يوسف: يا طائرًا أضناه طول السفرْ قلبي هنا في المطرْ يرقب ما تأتي به الأسفارْ إن الشطر الثالث في هذه القطعة خارج على البحر السريع الذي كان

стр. 77

منه الشطران الأولان كما نلاحظ إذا نحن وزنَّا الأشطر: مستفعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن مستفعلن مفعولْ وإنما هو بحر الرجز لأن "مفعولن" لا ترد في ضرب السريع على الإطلاق وإنما هي مما يرد في الرجز بحسب قواعد العروض العربي. على أن قانوننا البسيط للشعر الحر لا يحوج الشاعر حتى إلى أن يتعلم أسماء البحور. فإنما ندرك أن "مفعولْ" ناشزة هنا لمجرد أنها واردة في مكان "فاعلن" التي التزمتها الأشطر الباقية، وكانت تفعيلة منفردة تفرض نفسها على مكانها المعين من كل شطر. إن "مفعول" لا يصح أن ترد هنا، ذلك حتى لو فرضنا جدلًا أنها يمكن أن ترد في ضرب السريع. وسبب هذا أن الشاعر قد سبق له أن عين لنفسه خاتمة كل شطر فلا مفر له من الالتزام بها مهما كانت الظروف؛ لأن ذلك هو قانون العروض العربي. ولعل من الضروري أن نلفت النظر، في ختام هذا الفصل عن التفعيلات، إلى أن الشطر الأول في القصيدة الحرة يعين للشاعر ضرب كل شطر تالٍ يرد فيها، سواء أكان البحر صافيًا أم ممزوجًا. ومعنى هذا أن وحدة الضرب قانون جار في القصيدة العربية مهما كان أسلوبها: شطرين أو شطرًا ثابت الطول، أو شطرًا متغير الطول من بحر صاف، أو شطرًا متغير الطول من بحر ممزوج، ففي الحالات كلها ينبغي أن تحافظ على ثبات الضرب. وإنما تنحصر الحرية التي نملكها في حشو الشطر.

стр. 78

-٣- بحور الشعر الحر وتشكيلاته: ١- أوزان البحور: يجوز نظم الشعر الحر من نوعين من البحور الستة عشر التي وردت في العروض العربي هما: أ- البحور الصافية: وهي التي يتألف شطراها من تكرار تفعيلة واحدة ست مرات وهذه هي: الكامل، شطره "متفاعلن متفاعلن متفاعلن". الرمل، شطره "فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن". الهزج، شطره "مفاعيلن مفاعيلن". الرجز، شطره "مستفعلن مستفعلن مستفعلن". ومن البحور الصافية بحران اثنان يتألف كل شطر فيهما من أربع تفعيلات وهما:

стр. 79

المتقارب، شطره "فعولن فعولن فعولن فعولن". المتدارك، شطره "فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن". أو "فعلن فعلن فعلن فعلن". وينبغي لنا أن نضيف هنا وزن "مجزوء الوافر" "مفاعلتن مفاعلتن" فإنه من البحور الصافية وشطره تفعيلتان. كما أنني، في سنة ١٩٧٤ قد وفقت إلى ابتكار وزن صافٍ جديد يجري هكذا: مستفعلاتن مستفعلاتن مستفعلاتن مستفعلاتن وقد اشتققته من الوزن الخليلي لمعروف المسمى "مخلع البسيط". لأنني لاحظت أن هذا الوزن لو قسمناه إلى قسمين لكان كما يلي: مستفعلن فا علن فعولن وهي صورة يزيد قسمها الأول حرفًا على قسمها الثاني، فإذا أردنا أن يكون القسمان متساويين كان علينا أن نقول "مستفعلن مفعولن فعولن" ولكنه -بهذه الصيغة- ينقسم إلى قسمين متساويين في الواقع، مختلفين في الصيغة. أما حين نريد أن تكون الصيغة أيضًا مضبوطة فإن علينا أن نقول "فعلن فعولن فعلن فعولن". ولقد لاحظت أن هذا الوزن -بزيادة حرف واحد على مخلع البسيط- يكون بحرًا صافيًا وحدته تفعيلتان، ويمكن نظم الشعر الحر منه باعتبار الوحدة تفعيلتين اثنتين كما في الطول والبسيط. غير أن توحيد التفعيلتين في تفعيلة واحدة ممكن بإضافة سبب خفيف إلى التفعيلة "مستفعلن" وبذلك تصير "مستفعلاتن"، ويصبح الوزن كما يلي:

стр. 80

مستفعلاتن مستفعلاتن مستفعلاتن مستفعلاتن وهو وزن صاف يمكن استعماله في الشعر الحر في حرية تامة. والخروج الوحيد فيه على أسلوب الخليل في صياغة التفعيلات أننا أوردنا تفعيلة فيها علة زيادة في حشو البيت. ولكن قولنا "مستفعلاتن" ذا التفعيلة الواحدة أيسر على شاعر الشعر الحر من قولنا "فعلن فعولن" ذا التفعيلتين. وذلك يبرر مخالفتنا لطريقة الخليل مبدع العروض العربي كله. ولقد جربت استعمال هذا الوزن الجديد في ثلاث قصائد حرة أوضحها "نجمة الدم" التي صورت فيها أحداث لبنان الدامية سنة ١٩٧٥ وقد قدمت هذا الوزن الجديد أول مرة إلى الجمهور داعيةً الشعراء إلى استعماله، في مجموعتي الشعرية "يغير ألوانه البحر" الصادرة ببغداد عام ١٩٧٧ وبذلك أصبح عدد البحور الصافية ثمانية بحور. ب- البحور الممزوجة: وهي التي يتألف الشطر فيها من أكثر من تفعيلة واحدة على أن تتكرر إحدى التفعيلات. وهما بحران اثنان: السريع، شطره "مستفعلن مستفعلن فاعلن". الوافر، شطره "مفاعلتن مفاعلتن فعولن". أما البحور الصافية فإن أمرها يسير لأن الشعر الحر منها ينظم بتكرار التفعيلة الواحدة له بحسب ما يحتاج المعنى من مرات "على ألا يتجاوز العدد الحدود المقبولة للذوق العربي في الإيقاع". والمزالق في هذه البحور أقل منها في البحور الممزوجة، وذلك بسبب وحدة التفعيلة. وإنما تكمن مزالق أخطر في البحور ذات التفعيلتين كما سبق أن شرحنا.

стр. 81

إن القصيدة الحرة من البحر الوافر ينبغي أن تجري على هذا النسق مثلًا: مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن فعولن فيكون التنويع في عدد التفعيلة المكررة وحسب، أي في "مفاعلتين". ويشترط أن ينتهي كل شطر في القصيدة بالتفعيلة "فعولن" لأنها كانت منفردة في شطر الوافر الأصلي فلا يصح أن يقول الشاعر مثلًا: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن والواقع أن أكثر أخطاء الناشئين ترد في قصائدهم التي تنتهي بتفعيلة منفردة، فهم يزلقون إذ ذاك فيخرجون عنها. وهذا النوع من الغلط شائع في الشعر الحر شيوعًا ملحوظًا. وأما البحور الأخرى التي لم نتعرض لها، كالطويل والمديد والبسيط والمنسرح، فهي لا تصلح للشعر الحر على الإطلاق؛ لأنها ذات تفعيلات منوعة ولا تكرار فيها. وإنما يصح الشعر الحر في البحور التي كان التكرار قياسيًّا في تفعيلاتها كلها أو بعضها. وأما ما حاوله بعض الناشئين من أن يكتبوا شعرًا حرًّا من البحور الطويل فقد انتهى إلى الفشل. إن كل ما يمكن أن يصنع من هذا البحر أن ترتب تفعيلاته كما يلي مثلًا: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

стр. 82

وهذا ليس شعرًا حرًّا، كما هو واضح، إنما هو نظام وزن يقوم على شطر ونصف لا يتعداهما، وقد استفاد الشاعر من كون إحدى تشكيلات الطويل تتألف من تكرار التفعيلتين "فعولن مفاعيلن". وسبب تعذر إقامة شعر حر من هذا الوزن أن كون الوحدة تتألف من تفعيلتين بدلًا من تفعيلة واحدة، يجعل طول الشطر محددًا لا يعدو أن يكون "فعولن مفاعيلن" واحدة أو تكرارها "فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن". وحتى هذا يبدو لاهثًا متعبًا بحيث تعسر قراءته ويخلو من ليونة الموسيقى. ولقد ورد في بعض الموشحات الأندلسية ما يشبه هذا حين كتب شاعر في قصيدة ضمنها أعجاز نونية ابن زيدون "من البسيط": غدا مناديا محكما فينا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا ووزنه كما يلي: مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن وهو في نظرنا نظم صلب تنقصه الليونة. والواقع أن في بعض الموشحات الأندلسية من الفوضى والغلط ما لا يقل عما في شعر الناشئين اليوم. ونحسب أن الأسباب واحدة في الحالتين. ٢- أوزان التشكيلات: في حديثنا السابق عن أوزان البحور تناولنا الصورة الأساسية للبحر الشعري كما نص عليها علم العروض. وعلى أساس تلك الصورة قسمنا

стр. 83

البحور إلى صافية وممزوجة. ونتناول الآن الصور الفرعية التي يتناولها العروضيون باعتبارها أنواعًا من الأعاريض والضروب وهي صور يعرفها كل من له اطلاع على علم العروض وقد أطلقت عليها اسم "التشكيلات". إن البحر الكامل مثلًا في صورته الأساسية، يجري هكذا "متفاعلن متفاعلن متفاعلن" ومنه قول المتنبي في بداية قصيدة له: اليوم عهدكم فأين الموعد؟ ... هيهات، ليس ليوم عهدكم غد إن التي سفكت دمي بجفونها ... لم تدر أن دمي الذي تتقلد قالت وقد رأت اصفراري: من به؟ ... وتنهدت فأجبتها: المتنهد والكامل، باعتباره هذا، بحر صاف لأنه ذو تفعيلة واحدة لا تتغير هي "متفاعلن". غير أن الكامل -مثل سواه من البحور- لا يستقر على صورته الصافية هذه، وإنما تعتري تفعيلته الأخيرة "أو ضربه" تغيرات فتحول إلى "فعلن" أو "مفعولن". للمتنبي مثلًا قصيدة تجري هكذا: "متفاعلن متفاعلن مفعولن" سر حل حيث تحله النوار ... وأراد فيك مرادك المقدار وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار

стр. 84

وترد للحارث بن حلزة اليشكري قصيدة ذات تشكيلة أخرى هي "متفاعلن متفاعلن فعلن" وهذا نموذج منها: لمن الديار عفون بالحبس ... آياتها كمهارق الفرس لا شيء فيها غير أصورة ... سفع الخدود يلحن كالشمس فحسبت فيها الركب أحدس في ... كل الأمور وكنت ذا حدس وإنه لواضح أن التشكيلتين: متفاعلن متفاعلن مفعولن متفاعلن متفاعلن فعلن لم تعودا تشكيلتين صافيتين، على الرغم من أنهما كليهما تنتميان إلى البحر الكامل ذي الوزن الصافي في أساسه. والصحيح أن هاتين التشكيلتين تدخلان تحت نطاق ما سميناه بالبحور الممزوجة وتخضعان لقانونها الذي شرحناه سابقًا. ومعنى ذلك أن التفعيلة المنفردة الطارئة على آخر التشكيلتين ينبغي أن تكرر في ختام كل شطر من أشطر القصيدة الحرة. وإنما التنويع في العدد مقصور على التفعيلة "متفاعلن" التي وردت أكثر من مرة في الشطر الأصلي. وهذا مثال: متفاعلن فعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن فعلن متفاعلن متفاعلن فعلن متفاعلن فعلن

стр. 85

متفاعلن متفاعلن فعلن ولقد كان القانون العروضي الذي خضع له الشاعر العربي دائمًا أنه ليس يمكن أن تجتمع تشكيلتان في قصيدة واحدة، وإنما تقتصر كل قصيدة على تشكيلة واحدة يختارها الشاعر منذ مطلع القصيدة ويلازمها في كل بيت. وذلك ظاهر في قصيدة المتنبي والحارث اللتين اخترنا نماذج منهما وهو ظاهر في الشعر العربي كله، سواء منه ما نظم قبل العروض أو بعده. وإنما الحكم في ذلك إلى الأذن العربية التي تنفر بطبعها من أن ترد تشكيلتان في القصيدة الواحدة. والواقع أن الخليل بن أحمد إنما أطلق اسم الكامل على التشكيلات السابقة وغيرها جميعًا على سبيل تصنيف هذه الأشكال تحت صنف أساسي، لا على سبيل إقرار اجتماعها في قصيدة واحدة. والأمر كذلك في البحور الأخرى ذات التشكيلات المختلفة التي عزلها الشاعر العربي في شعره فلم يخلط بينها قط. شعراؤها المعاصرون والتشكيلات: هذه المبادئ الأولية التي حافظ عليها الشاعر العربي في العصور كلها قد اضطربت وكادت تَمَّحي في أيد الناشئين الذين تناولوا حركة الشعر الحر وأقبلوا على الاندفاع معها. ذلك أنهم خلطوا التشكيلات المتنافرة وأوردوها جميعًا في القصيدة الواحدة. فكان الشاعر يجمع في قصيدته المرقعة تشكيلات البحر كلها بلا مبالاة، فإذا قصيدة البحر الكامل تستحيل إلى خليط مما يلي جميعًا: متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلاتن متفاعلن فعلن متفاعلن متفاعلن مفعولن

стр. 86

متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن فعلن ولا يخفى على كل ذي سمع شعري مدى التنافر بين هذه التشكيلات، حتى ليضطر المرء إلى أن يطوي قصائد هؤلاء الشعراء ولا يقرؤها مهملًا ما قد يكون فيها من معانٍ مبتكرة وصور جميلة وأفكار موحية. ولنقدم نموذجًا من هذا الخلط لجورج غانم من البحر الكامل: لكنهم متيقنون بأنهم صرعى حميَّا "متفاعلاتن": وعزاؤهم أن الحياة تقوم للأبطال هيَّا "متفاعلاتن": منا الصدى مني "فعلن": من مقلتي وفمي "فعلن": فأحسه نارًا ووعدًا وارتقابًا للغد "متفاعلن": هذه خمسة أشطر متجاورة من القصيدة قد أوردت في "ضربها" أربعًا من تشكيلات البحر الكامل. والأذن العربية لا تقبل في القصيدة الواحدة إلا تشكيلة واحدة، وعلى ذلك جرت آلاف القصائد منذ أقدم العصور حتى الآن. والواقع أن الشعراء -حتى في عصر الانحطاط- لم يقعوا في مثل هذا، فمع أن شعرهم كان سمجًا سقيم المعاني ركيك اللغة إلا أن موسيقى الشعر العربي كانت ترن في كيانهم فلا يستطيعون أن يخرجوا عنها. ومهما يكن فلا بد للشاعر أن يستوعب في ذهنه فكرة استقلال البحر عن التشكيلة، وأن يفهم أن لكل بحر من بحور الشعر تشكيلات مختلفة لا يمكن أن تتجاور في قصية واحدة. وإنما ينبغي أن تستقل كل قصيدة بتشكيلة ما، وأن تمضي على ذلك لا تحيد عنه إلى آخر شطر فيها. علينا أن نتذكر كذلك أن الشعر الحر ليس خروجًا على قوانين الأذن

стр. 87

العربية والعروض العربي، وإنما ينبغي أن يجري تمام الجريان على تلك القوانين خاضعًا لكل ما يرد من صور الزحاف والعلل والضروب والمجزوء والمشطور. وأن أية قصيدة حرة لا تقبل التقطيع الكامل على أساس العروض القديم -الذي لا عروض سواه لشعرنا العربي- لهي قصيدة ركيكة الموسيقى مختلة الوزن، ولسوف ترفضها الفطرة العربية السليمة ولو لم تعرف العروض: ونحن نقول هذا لا لأننا نعادي التجديد، وإنما لأن تفعيلات الشعر ومثلها النسب في الموسيقى، شيء ثابت في كل لغة ثبوت الأرقام في الرياضيات، فمهما تجددت العصور والأفكار ونمت وصعدت فإن الأرقام ونسب الشعر والموسيقى تبقى ثابتة لا تتغير. وأما ما يتغير فهو الأشكال والأنماط التي تُبنى من تلك النسب، ذلك كمثل قوس قزح، يبقى إلى الأبد محتفظًا بالألوان كلها، لا يصنع الفنانون المجدون إلا خلط تلك الألوان والتجديد في رصفها ومزجها والتصوير بها.

стр. 88

-٤- الشعر الحر شعر ذو شطر واحد: أبرز الفوارق العروضية بين أسلوب الشطرين وأسلوب الشطر الواحد فارقان اثنان لا بد لنا أن نلتفت إليهما: الأول- أن القافية، سواء أكانت موحدة أم لا ترد في نهاية كل شطر من الشعر ذي الشطر الواحد، بينما ترد في آخر الشطر الثاني من البيت في أسلوب الشطرين. ومعنى هذا أن الشطر الأول من البيت يعفى من القافية، في حين يتمسك كل شطر من الشر الحر بها لأنه شعر ذو شطر واحد. الثاني- أن الشطرين في البيت لا يتساويان تساويًا عروضيًّا وإنما قد يباح في الشطر الأول ما لا يباح في الثاني، ومن ثم فإن قصيدة الشطرين تحتاج أحيانًا إلى تشكيلتين اثنتين تجريان على نسق ثابت بحيث ترد التشكيلة عينها في صدور الأبيات، والتشكيلة الأخرى في الأعجاز. وهذه الحرية، حرية إيراد تشكيلتين، غير مباحة في الشعر الحر لأنه ذو شطر واحد. وسبب هذا المنع أن عدم انتظام وجود شطرين في هذا الشعر يضعف من إحساس السمع بموسيقى تشكيلتين اثنتين تتعاقبان ويعطي كل منهما وقعًا معينًا يختلف عن وقع الأخرى، فإذا أعطينا القصيدة تشكيلتين

стр. 89

بدلًا من واحدة، وكل شطر منها فوق ذلك طويلًا وآخر أقصر وثالث أطول اجتمع على القصيدة تعقيدان: تعقيد وجود تشكيلتين تستوعبان اهتمام الذهن، وتعقيد الأطوال المختلفة. ويؤدي ذلك إلى أن يفقد السمع إحساسه بالموسيقى ويتيه بين تنوع الطول وتنوع التشكيلة. وأما نظام الشطر الواحد ذي التشكيلة الواحدة الثابتة، مثل الأرجوزة، فإنه يساعد السمع على تذوق الموسيقى، خاصة وأن القافية الموحدة، برنينها وعلو نبرتها، لم تعد موجودة في الشعر الحر إلا في النادر النادر. ولا بد لنا أن نلاحظ أن اختلاف أحد الشطرين عن الآخر في أسلوب الشطرين هو الذي جعل وحدة الوزن البيت لا الشطر، وهو الذي جعل العروضيين يقسمون البيت أقسامًا يطلقون عليها أسماء كما يلي: الصدر اسم الشطر الأول. العجز اسم الشطر الثاني. العروض اسم التفعيلة الأخيرة من الصدر. الضرب اسم التفعيلة الأخيرة من العجز. الحشو كل ما عدا العروض والضرب في البيت. وكانت هذه الأسماء ضرورية، يستعين بها العروضيون على تصنيف الأعاريض والضروب التي وردت في كل بحر من بحور الشعر العربي. فقالوا مثلًا العروض الصحيحة والضرب المقطوع، والعروض المجزوءة والضرب المذيل ونحو ذلك، وذلك هو ما سميته "التشكيلة" في الفصول السابقة. وكان الشاعر العربي يهتدي بسليقته الشعرية إلى العروض والضرب الملائمين في كل قصيدة يقولها، وكان يطيع ذلك النموذج عبر القصيدة كلها فلا ترد فيها أكثر من تشكيلتين اثنتين إحداهما للصدور والأخرى للأعجاز "ما عدا البيت المصرع فإن صدره وعجزه يستويان". وأما حين كان الشاعر ينظم شعرًا ذا شطر واحد كالأرجوزة، فإنه

стр. 90

كان يجعل القصيدة ذات تشكيلة واحدة تتكرر في كل شطر فلا يخرج عليها قط. ولم ترد التشكيلتان مجتمعتين قط إلا في القصيدة ذات الشطرين. وهذا منطقي بالمعنى العروضي، فضلًا عن أن الأذن العربية ترتاح إليه. ذلك هو السبب الذي يجعل الشعر الحر لا يقبل أن ترد فيه تشكيلتان. فإنما التشكيلتان مزية يمنحها الشاعر إذا هو نظم قصيدة ذات شطرين اثنين يحافظ فيهما على التناسق، وعلى تساوي التفعيلات في كل شطر، وعلى تقابل كل صدر مع الصدور السابقة واللاحقة في نظام وتسلسل مضبوطين، وأما الحرية التي يعطيها الشعر الحر للشاعر فإن في مقابلها تقييدًا في التشكيلة فيقتصر الشاعر في قصيدته على تشكيلة واحدة لا يتخطاها. وإنما يفرض هذا التقييد لأسباب جمالية وذوقية؛ لأن الموسيقى التي هي قوام كل شعر، تضعف بوجود التفاوت في طول الأشطر، بحيث ينبغي للشاعر أن يسندها ويقويها بالمحافظة على وحدة التشكيلة، وبذلك يستطيع الشطر الحر أن يرن ويبعث في وعي السامع لحنًا ويخلق له جوًّا شعريًّا جميلًا. على أن الشعراء الجدد لم يتقيدوا بهذا بل خرجوا عليه. ولم يكن ذلك منهم عن سبق إصرار -فيما أعتقد- وإنما كان أساسه قلة المران وضآلة المعرفة بالشعر العربي وعروضه. ذلك أن طائفة من هؤلاء الشعراء لا تنقصهم الموهبة ولا الأصالة وقد عرفنا لهم شعرًا مقبولًا بأسلوب الشطرين. وكان الخطأ البارز، في شعرهم الحر أنهم خلطوا في القصيدة الواحدة بين تشكيلات البحر كلها على تنافرها. على أن بعضهم كان يقع في غلط أبسط من هذا فيورد في القصيدة الحرة التشكيلتين اللتين تردان عروضيًّا في أسلوب الشطرين. وهذا نموذج من شعر خليل حاوي من بحر الرجز. مستفعلن مستفعلن مستفعلن داري التي أبحرتِ غربتِ معي "مستفعلن": وكنتِ خير دار "فعول":

стр. 91

في دوخة البحار "فعول": في غربتي وغرفتي "مستفعلن": ينمو على عتبتها الغبار١ "فعولْ": ويتجلى أسلوب الشطرين في هذا الشعر أوضح لو أضفنا إليه بعض التفعيلات الناقصة فإنه سرعان ما يبدو هكذا: داري التي أبحرتِ غربتِ معي ... وكنت "لي في البعد" خير دار في غربتي وغرفتي "ساكنة" ... ينمو على عتبتها الغبار وهذا شعر ذو شطرين جار على القانون. وإنما الخطأ فيه أن ناظمه أراد أن يجمع فيه بين الراحتين الاثنتين: تنوع أطوال الأشطر، ووجود أكثر من تشكيلة، وذلك لا يكون إلا على حساب موسيقى القصيدة فإنها تفقد الجمال والرنين. والحق أن الوقوع في هذا الخطإ ليس نادرًا في الشعر الحر الذي ينظمونه اليوم. وهو كما بيَّنَّا خروج صريح على مبادئ الشعر الحر ينبغي للشاعر أن يتحاشى الوقوع فيه.

стр. 92

الفصل الثاني: المشاكل الفرعية في الشعر الحر . توطئة: حين وضع الخليل بن أحمد، المتوفى سنة ٧٥هـ١ قواعد العروض العربي القديم، استقرأها من الشعر العربي المسموع، فحصر الأوزان المعروفة جميعًا ووضع لها مقاييس عامة شاملة سماها البحور، ثم تناول التغييرات التي تعتري تلك البحور، والتفريعات عنها، وما يعتريها من زحاف وعلل واستخلص لها كلها قوانين ومقاييس لبى بها حاجة الشعر والنقد في زمانه. وكانت مقاييسه تلك مناسبة لزمانه كل المناسبة لأنها كانت مستقرأة من شعر ذلك الزمن فحصرته كله ولم تترك منه شيئًا غير مضبوط بقانون، وكان غرضه من ذلك أن يستطيع الناقد تقويم خطإ الناظم حين يخطئ على أساس علمي ثابت لا يعتريه النقص.

стр. 93

وفي زماننا نحن نشأت حركة الشعر الحر وجاءت بأسلوب جديد في رصف التفعيلات الخليلية خرج على الأسلوب الشائع. وأدت هذه الحركة إلى أن تنشأ مشكلات عروضية لم تكن تخطر على بال الخليل؛ لأن العرب لم يقعوا في مثلها، في قصائدهم. ولذلك بات علينا أن نستخلص، في هذا العصر، القانون العروضي الذي يضبط هذه المشكلات ويحمي الشاعر والناظم وناقد الشعر من الوقوع فيها. ومع أن هذه المشكلات لا تخرجنا من نطاق العروض الخليلي الرائع، ولا تحوجنا إلى استعمال كثير من الاصطلاحات الجديدة، غير أننا نحتاج -مع ذلك- إلى أن نخص الشعر الحر بفصل خاص نضيفه إلى كتب العروض العربي، وندرج فيه -كما فعلنا في هذا الفصل وسوابقه- القوانين الخاصة بالشعر الحر، والحدود العروضية التي لا يصح له أن يتخطاها. وكما كان اعتماد الخليل، في ضبطه للبحور والسقطات في زمانه على حسه الشعري، وذوقه وما يحفظ من الشعر العربي، فقد كان اعتمادي أنا أيضًا على حس الشعري وذوقي وما أحفظ من الشعر العربي. والفضل فيما قد أكون وفقت إليه من قاعدة أو قانون يرجع إلى الخليل العظيم الذي رصف الطريق لكل شعر عربي خير رصف وأدقه، وابتدع العروض ابتداعًا على غير نمط سابق. ولست أراني فعلت في هذا الفصل عن عروض الشعر الحر، أكثر من استقراء قوانين جديدة على أساس الخطوط الكبرى التي رصفها ذلك العالم الفذ. وبعد فإن لي ملاحظات حول طائفة من التفاصيل المتعلقة بالشعر الحر، وهي ملاحظات نضجت في نفسي عبر سنين كثيرة كنت خلالها أتابع ما تنشره المجلات الأدبية والصحف اليومية من هذا الشعر. وقد انتهيت بعد طول التأمل إلى أن علينا في أي عروض نكتبه للشعر الحر، أن ننتبه إلى أربع قضايا فيه هي:

стр. 94

١- الوتد المجموع. ٢- الزحاف. ٣- التدوير. ٤- التشكيلات الخماسية والتساعية. ولا بد لنا من أن نلحق بهذه القضايا الأربع العامة قضيتين خاصتين هما مسألة ورود "مستفعلان" في ضرب الرجز، و"فاعلُ" في حشو الخبب. علينا أن نشير كذلك إلى أن الخليل هو الذي وضع الاصطلاحات "الوتد"، "الزحاف"، "التدوير" ونحن لا نحتاج إلى تغييرها في عروض الشعر الحر. وإنما ينحصر ما نحتاج إليه، في تعيين الأحكام الخاصة للوتد والزحاف والتدوير في الشعر الحر نفسه؛ لأن أحكامها هنا تختلف بالضرورة عن أحكامها في شعر الشطرين وغيره، وذلك بسبب الفروق التي شرحناها بين أسلوب الشطرين وأسلوب الشطر الواحد المتغير الطول.

стр. 95

-١- الوتد المجموع: يعرف العروضيون "الوتد المجموع" بأنه مجموع ثلاثة أحرف، اثنان منهما متحركان والثالث ساكن كقولنا "لقد، هوى، صحا، نعم". ومن هذا نستطيع أن نستخلص أن هذا الوتد يختم التفعيلات "فاعلن، متفاعلن، مستفعلن" ومعنى هذا أنه يرد في أربعة من بحور الشعر الحر هي: ١- المتدارك: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن. ٢- الرجز، مستفعلن مستفعلن مستفعلن. ٣- الكامل، متفاعلن متفاعلن متفاعلن. ٤- السريع، مستفعلن مستفعلن فاعلن. وقد اقتصرت كتب العروض العربي، قديمها وحديثها، على تقديم الوتد تقديمًا عابرًا في بدايات أبحاث العروض، ثم لا تعود إلى ذكره.

стр. 96

قط. ونحن اليوم في فترة من تاريخ الشعر العربي تحتم علينا أن نعنى بهذا الوتد، خاصة في تلك التفعيلات التي تنتهي به مما ذكرنا. والذي نلاحظه -وهي ملاحظة شخصية- أن الوتد في الشعر العربي يتصف بشيء من الصلادة والقسوة، ويجنح من ثم، إلى أن يتحكم في الكلمة التي يرد بها، ويرفض أن يسمح للشاعر بتخطيه. ومعنى هذا، إذا أردنا التبسيط، أن الوتد يبلغ من القوة بحيث يستطيع أن يشق الكلمة التي يرد في أولها إلى شقين. مثال ذلك أن نقول مثلًا: شيخ المعرة شاعر ... مستفعلن متفاعلن إن الوتد الأول هنا هو الحروف الثلاثة "معر" في كلمة "المعرة" وقد جاء من الكلمة في وسطها، وبذلك شقها إلى شقين أحدهما في آخر التفعيلة "مستفعلن" والآخر في أول التفعيلة "متفاعلن". وتفسير ما نذهب إليه أن التفعيلة، بمعناها الشعري، وقفة موسيقية ينقطع عندها النغم، وهذه الخاصة أبرز وأشد في التفعيلات الوتدية التي أشرنا إليها، لما ذكرناه من قسوة الوتد وصلادته، فإذا توقف الصوت عند آخر الوتد انقسمت الكلمة إلى قسمين تتخللهما وقفة قصيرة وذلك مستكره ينفر منه السمع الشاعري نفورًا ظاهرًا. إن قسوة الوتد هذه تجعل من الكياسة الشعرية أن يحاول الشاعر إيراده في آخر الكلمة لكي يختمها به ويقويها، بدلًا من أن يورده في أولها فيقطع أوصالها ويضيع تماسكها. هذا هو القانون العام، وقد نحتاج إلى بعض الاستثناءات فيه بالنسبة للمواقع التي يرد فيها كما سنذكر. وقد يتساءل القارئ: ماذا صنع آلاف الشعراء العرب من أسلافنا لتحاشي مشكلات هذا الوتد المشاكس إذن عبر القرون؟ ولماذا لم يقعوا في

стр. 97

شركه إذا كان يستدعي هذا الالتفات الخاص من الشاعر؟ والجواب أنهم كانوا يتحاشونه بالسليقة؛ لأن طبيعة الكلمة العربية وطبيعة موسيقى الأوزان كانت ترفض للشاعر أن يقع في مزالق الوتد، فيعرف كيف يتخلص منه، وتلهمه فطرته الموسيقية أن يلجأ إلى واحدة من الطرق التالية للتخلص من أشواك الوتد: ١- أن يورد الشاعر الوتد في آخر الكلمة لا في أولها كأن يقول "متجافيًا" أو "زهر الربى" أو "ذاهبًا". ٢- أن يورد الوتد في النصف الأول من الكلمة على أن يكون آخره حرف مد. مثال ذلك قول ابن مالك: وأستعين الله في ألفيه فالوتد هو الحروف "تعي" في كلمة "وأستعين" وآخره كما نرى ياء. وقد خفف ذلك من قسوته وجعل شوكته تكسر في حرف المد. ٣- ومما يخفف وقوع الوتد في الجزء الأول من الكلمة أن يكون آخر الوتد أل التعريف مثل قول مصطفى جمال الدين من قصيدة رجزية١:

стр. 98

أهلا بعينيك أبا فلاح ... يا حاشد القلوب بالأفراح فإن الوتدين في الشطر الثاني مختومان بأل التعريف "شدأل" "ب بأل". ويتكرر هذا في أبياته التالية أيضًا: وحاصد اليأس وزارع المنى ... وساكب البرء على الجراح وجاعل الليل لفرط بهجة ... أجمل من توهج الصباح ويبدو لي أن سبب ليونة الوتد المختوم بأل التعريف أن أل هذه ليست جزءًا من الكلمة، وإنما هي أداة تضاف إلى الاسم، فالوتد المنتهي بها لا يمزق الكلمة. ولكن الذي يلوح لي، أن علينا أن نستثني من هذه القاعدة، الوتد الذي ينتهي بأل التعريف الواقعة خاتمة لعروض البيت، فإنها هنا لا تكسر شوكة الوتد وإنما يبقى مع وجودها حادًّا ويحطم جمالية البيت، ومن هذا بيت مصطفى جمال الدين نفسه من قصيدة من البحر الكامل: بغداد بالسحر المندى بالشذى ... فواح من حلل النسائم يقطر١ ولا يقولن قائل إن هذا مقبول بدليل وقوعه في شعر شعرائنا القدماء، ذلك أنه كان يرد لديهم على ندرة. أما أنا فقد كنت طوال حياتي الشعرية أنفر منه ووقعت فيه مضطرة في قصيدتي "إلى عيني الحزينتين" المنظومة سنة ١٩٤٥ في أوائل حياتي الشعرية ولم يكن جناحي قد قوي على الطيران فأوقعت التدوير في بحر وتدي عندما قلت:

стр. 99

ورأيتما خلل الدموع مفاتن الـ ... ماضي وطاف الشوق في أفقيكما وذلك لأن وقوع أل التعريف في ختام عروض البيت يشق الكلمة التي وقع فيها التدوير إلى شقين ولا يلتئم الجرح. ولابد لي أن أنبه إلى أن هذا جائز عندما يقع في عروض المجزوء مثل مجزوء الكامل، خلافًا للوافي. وهي قاعدة غريبة أشرت إليها في موضع آخر من هذا الفصل ووقفت عاجزة عن تفسيرها، فما الذي يلطف ضيقنا ويلينه ونحن نقرأ مجزوء الكامل الذي تنتهي عروضه بأل التعريف، في حين نستقبح ذلك في وافي الكامل؟ فلينظر القارئ إلى انسياب أبيات علي الجارم المجزوءة: يَخطِرْنَ حَتَّى تَعْجَبَ الْأَغْصَانُ مِنْ لِيِن الْقُدُودِ يَعْبَثْنَ بِالأًيَّامِ وَالْأَيَّامُ أَعْبَثُ مِنْ وَلِيدِ هَذَا أَوَانُ الْعَدْوِ لاَ الْإِبْطَاءِ وَالْمَشْيِ الْوَئِيد إن الأشطر هنا متموجة، مناسبة، مترقرقة وكأنها موجة عذبة تعلو وتهبط في وداعة ويسر. ويكاد الشطران يكونان شطرًا واحدًا متناسقًا فلا وقفة بينهما. ٤- ومع ذلك فإن إيقاف الوتد على حرف صلد في منتصف كلمة ليس ممنوعًا. وإنما يرد في الشعر بشروط. وذلك بأن يكون وقوعه كذلك نادرًا بحيث يرد إلى جواره، وتد يختم كلمة، ووتد آخر يقف على حرف مد، فإن وجود هذه الأوتاد التي كسرت حدتها يجعل الأذن تتقبل ورود وتد واحد عنيف في البيت، لا بل إن وروده قد يضيف تنويعًا إلى التفعيلات لقلته وندرته.

стр. 100

الوتد في شعر المعاصرين: في الحق أن شعراءنا الذين نظموا الشعر الحر يقابلون الوتد بقلة اكتراث ويتركونه، في أحيان كثيرة يهدم ألحانهم ويضعف موسيقى شعرهم دون أن يحسوا، ولا نظن ذلك يقع لهم لأن العلم بالعروض ينقصهم، فالعروضيون كما قلنا لا يتعرضون إلى هذه القضية قط، وإنما لأن معرفة شعرائنا بالشعر العربي السليم أقل مما ينبغي لهم. وقد يكون بعضهم من مدمني قراءة الشعر المعاصر وهو غالبًا غير سالم من الأخطاء العروضية، وليس مثلًا يحتذى في الذوق الموسيقي. وإلا فلا تعليل لدينا لما نراه في القصائد الحديثة من رداءة في الصياغة وركاكة في الأنغام. وأغلب الظن أن القارئ يتلو القصيدة ويحسها ضعيفة الوزن ناشزة النغم دون أن يدري سبب ذلك فيها. وهو غالبًا يخرج مغتاظًا مهيأً لأن يهاجم الشعر الحر في أول فرصة تسنح له. هذا مثلًا بيت لفدوى طوقان من قصيدة ضعيف الوزن١. قالت من الرجز: هنا استردت ذاتي التي تحطمت بأيد الآخرين. إن الأوتاد في هذا الشطر هي: ترد في كلمة "استردت" تي الـ في كلمة "ذاتي التي" تحط في كلمة "تحطمت" بأيـ في كلمة بأيدي

стр. 101

وهذا تقطيع البيت١: ومنه نرى أن الشاعرة قد وقفت أربع مرات على حرف صلد غير ممدود بينها الياء الساكنة غير الممدودة، وحكمها في هذا الموضع حكم الحرف الصلد. وهذا كما نرى من قراءة البيت، قد ألقى على الكلمات عبثًا ثقيلًا وكسرها تكسيرًا. والبيت، بعد ذلك، خالٍ من ليونة الموسيقى والتدفق الشعري الرقيق الذي يرد في بحر الرجز عادة. وذلك لأن الوتد هنا أقوى من الكلمة، بحيث قطع أوصالها. ولو كانت الشاعرة اختارت مواقف ساكنة على حروف ممدودة ينتهي عندها الوتد كما سبق أن شرحنا، أو لو أنها على الأقل قد فعلت ذلك في تفعيلتين من أربع لساعد ذلك الشطر. ولكنها لم تفعل ذلك وإنما وقعت في عكسه فجمعت بين الوقوف على حرف صلد، والوقوف في وسط الكلمة. فكانت الكلمة تبدأ في وسط التفعيلة وتنتهي في وسط التفعيلة التالية. وكذلك الأمر في التفعيلات فهي تبدأ في منتصف كلمة وتنتهي في منتصف كلمة تالية، وكل ذلك ظاهر في تقطيع الشطر الذي أوردناه سابقًا. وهو أمر شائع في الشعر الحر الذي نظموه في السنوات الأخيرة، فليست فدوى هي وحدها التي وقعت فيه وإنما اخترنا الشطر من شعرها لأنها تحسن النظم ومثل هذا في شعرها نادر. ونحب أن نشير إلى أن الوتد في تفعيلة الرجز "مستفعلن" أقسى منه في تفعيلة الكامل "متفاعلن" وذلك لأن ورود السبب الثقيل

стр. 102

"مت" في أول تفعيلة الكامل يخفف من قسوة الوتد في ختام التفعيلة بسبب موازنته له، وكأن ثقل السبب يقابل قسوة الوتد. وأما في "مستفعلن" حيث السبب الخفيف "مس" فإن الوتد في آخرها يصبح أشد قسوة لوداعة السببين الخفيفين السابقين له. ولذلك نجد الرجز أسرع انزلاقًا من الكامل إلى النثرية وضعف الموسيقى، على الرغم مما نراه من سهولة النظم على الرجز بحيث سماه أسلافنا "حمار الشعراء". ومصداق ما نقول إن أخطاء الشعراء في الشعر الحر المكتوب على وزن الرجز أكثر بكثير من أخطائهم في ذلك الشعر وهو مكتوب على وزن الكامل. ومع ذلك كله فإن قواعد الوتد في الرجز تنطبق على قواعده في الكامل ولو بدرجة أخف. ولذلك نلاحظ أن التدوير نادر الورود في البحر الكامل والبحر الطويل١ ويكاد يكون مستكرهًا ولو لم تنص كتب العروض على منعه. وإنما ذلك ملحوظ في دواوين الشعراء أنفسهم، ولسنا نراهم وقعوا فيه إلا اضطرارًا. وخلاصة الرأي أن من مستلزمات الوتد أن يقف بين الحين والحين في نهاية الكلمة، وأن تكسر شوكته ببعض الوسائل الأخرى التي ذكرناها. ذلك أمر يحتمه الذوق وتتطلبه الأذن الشعرية، وقد صنعه الشعراء، وإن كان العروضيون لم يقرروه قط. حتى ابن مالك، في ألفيته النحوية المنظومة، قد التزمه. والحق أن منظومته، من وجهة نظر العروض، تتمتع بموسيقى مقبولة نفتقدها في أكثر شعر الرجز الحديث الذي شاع في السنين الماضية. وإنه لعار يحلق بالشعر الحديث أن تكون "منظومات" أسلافنا التعليمية أوفر موسيقى من قصائد شعرائنا المعاصرين. ونحن أشد أسفًا على ذلك لأننا ندري أن شعراءنا لا يقلون مواهب عن أولئك

стр. 103

القدماء، غير أن الاستهانة بالقواعد وقلة المبالاة بالخطإ قد باتت في عصرنا شبه نمط مضلل وقع فيه الجيل. وليس الذنب ذنب الحرية كما يظن أناس يحبون التقليد والجمود، وإنما هو ذنب الجهل وضعف السمع حينًا وذنب عدم المبالاة حينًا.

стр. 104

-٢- الزحاف: يعرف العروضيون الزحاف بأنه "تغيير يلحق بثواني أسباب الأجزاء في البيت" وهذه أمثلة له تعنينا في الشعر الحر التفعيلة زحافها اسمها العروضي متفاعلن مستفعلن الإضمار مستفعلن مفاعلن الخبن فاعلن فعلن الخبن مفاعلتن مفاعيلن العصب وأكثر ما يعنينا من هذه الأمثلة هنا، الزحاف الذي يمس تفعيلة الرجز فيحيلها من "مستفعلن" إلى "مفاعلن"، وهو مرض شاع شيوعًا فادحًا في الشعر الحر، واستهان به الشعراء، أو لم يحسوا به فتركوه يعيث في شعرهم ويفسد أنغامه. والواقع أن هذا الزحاف مباح في وزن الرجز، وقد ورد في شعر أسلافنا كثيرًا وكان وروده جميلًا مقبولًا لا مأخذ عليه. وإنما أبيح ذلك في وزن الرجز لأنه يدخل تنويعًا وتلوينًا على التفعيلة "مستفعلن".

стр. 105

حيث الانتقال منها إلى زحافها، بين الحين والحين، يدخل على القصائد الرجزية جمالًا وموسيقية. ولم يزل الشاعر العربي الحديث يلجأ إلى هذا التنويع الذي هو صفة عامة في بحر الرجز تدخل في تركيبه، والعروضيون يعترفون بها ويفسحون لها مجالًا في كتبهم وقواعدهم. غير أن ما لم يكن يفعله الشاعر القديم قط، وإنما ينزلق إليه الشاعر المعاصر، هو أن يكتب أبياتًا كاملة، وأشطرًا، تفعيلاتها كلها مصابة بالزحاف. هذا، مثلًا، نموذج من شعر صلاح عبد الصبور. قال من الرجز١: وحين يقبل الماء يقفر الطريق والظلام محنة الغريب وهو كما نلاحظ شطر ذو ست تفعيلات وهذا تقطيعه: ومنه ندرك أن تفعيلات البيت الست جميعها مصابة بالزحاف دون أن يعبأ الشاعر، ولقد أصبح البيت، بسبب هذا الزحاف الثقيل المتعب، ركيك الإيقاع، ضعيف البناء، منفرًا للسمع. والواقع أنه يجمع ثلاثة من خمسة من عيوب الشعر الحر التي ندرسها في هذا الفصل، وللشاعر مندوحة عن ذلك بما يملك من رهافة شعرية نلمسها في بعض قصائده الأخرى. وكل ما يعوزه الانتباه واستكبار الخطإ. وأما سائر أصناف الزحاف التي أشرنا إليها في أول هذا الفصل فسوف نتخطاها لأننا لا نراها تحدث إشكالات خاصة بالشعر الحر. ومنها زحاف

стр. 106

التفعيلة "فاعلن" وهو "فعلن" وقد ألف الشعراء أن يعزلوه في قصائد كاملة، وقلما يستعملون فيها أصل التفعيلة "فاعلن" إلا في النادر. ومن وزن المتدارك الأصلي "فاعلن" في شعرنا المعاصر قول ميخائيل نعيمة: هللي هللي يا رياح ... وانسجي حول نومي وشاح١ وبعد فما الزحاف، إذا أردنا أن ننظر إليه نظرة بسيطة، ونخرج عن تعريفات العروضيين؟ إنه علة تعتري البيت وليس أساسًا فيه. أو هو مرض يصيب التفعيلة، واختلال صغير نحبه لأنه لا يرد كثيرًا. تمامًا كما قد نحب خصامًا صغيرًا مع أصدقاء نعزهم، أو زكامًا يداهمنا يومين ثم ينصرف تاركًا لنا إحساسًا أقوى بعذوبة العافية وجمالها. فماذا يحدث لنا لو أن حياتنا استحالت كلها إلى خصومات وزكامات لا تنتهي؟ ألن يكون طعم الحياة إذ ذاك يشبه وقع قصيدة كل تفعيلاتها زحاف؟ ومن المؤسف أن يكون النادر اليوم في قصائد الرجز هو التفعيلة السليمة. إن شعرنا صار من المرض بحيث كدنا ننسى طعم العافية. وقد تفشى الزحاف الذي هو، في نظرنا، مسئول إلى حد كبير عن شناعة الإيقاع، والنثرية، وغيرهما مما يشكو الجمهور وجوده في الشعر الحر. والحق مع الجمهور.

стр. 107

-٣- التدوير: البيت المدور، في تعريف العروضيين، هو ذلك الذي "اشترك شطراه في كلمة واحدة بأن يكون بعضها في الشطر الأول وبعضها في الشطر الثاني" ومعنى ذلك أن تمام وزن الشطر يكون بجزء من كلمة نموذج ذلك قول المتنبي من الخفيف: أنا في أمة تداركها اللـ ... ـه غريب كصالح في ثمود فكلمة "الله" قد وقع بعضها في آخر الشطر الأول وبعضها في أول الشطر الثاني. وللتدوير، في نظرنا، فائدة شعرية وليس مجرد اضطرار يلجأ إليه الشاعر. ذلك أنه يسبغ على البيت غنائية وليونة لأنه يمده ويطيل نغماته كما في هذه الأبيات من شعر أمجد الطرابلسي وهي من البحر الخفيف: وحدة العرب قد تضوع في الجو ... شذاها مثل الخميل النضير

стр. 108

وحدة العرب مزقت حجب الليـ ... ـل وشعت ملء الفضاء المنير١ وكما في أبيات علي محمود طه، من الهزج: إذا ما طافَ بالشُّرْفَـ ... ـةِ ضوء القمر المضْنَى ورفَّ عليكِ مثل الحلْـ ... ـمِ أو إشراقِه المعنى وأنتِ على فراشِ الطُّهْـ ... ـرِ كالزنبقة الوَسْنى وإنما المحذور في "التدوير" هو أن العروضيين لم يتناولوه تناولًا ذوقيًّا، بل كان كل ما صنعوا أنهم على جواز وقوعه بين الأشطر، دونما إشارة إلى المواضع التي يمتنع فيها لأن الذوق لا يستسيغه. والواقع أن كل شاعر مرهف الحاسة، ممن مارس النظم السليم، ونما سمعه الشعري، لا بد أن يدرك بالفطرة أن هناك قاعدة خفية تتحكم في التدوير بحيث يبدو في مواضع ناشزًا يؤذي السمع. ولسوف نجد، حين ندرس دواوين الشعر العربي الجيد، أن الشعراء كانوا بفطرتهم يتحاشون إيراد التدوير في بعض المواضع، ولو أن كتب العروض لم تشر إلى ذلك على الإطلاق. وإذن فما هذه المواضع التي ينبغي للشاعر فيها أن يتحاشى التدوير؟ ملاحظتي الشخصية أن التدوير يسوغ في كل شطر تنتهي عروضه بسبب خفيف مثل "فعولن" في بيتي عمر أبو ريشة، من المتقارب: رويدك لا تجرحي صمتك الر ... هيب ولا تهتكي مئزره

стр. 109

فإني أحس به همهمات الـ ... وحوش وخشخشة المقبره١ ومثل "فاعلاتن" في البحر الخفيف ونموذجها من شعر سليمان العيسى: وحدة تلهم الكواكب مسرا ... ها وتمشي في القفر ظلًّا ظليلا وحدة تفجر الينابيع في الكو ... ن فراتًا يسقي العطاش ونيلا٢ غير أن التدوير يصبح ثقيلًا ومنفرًا في البحور التي تنتهي عروضها بوتد مثل "فاعلن" و"مستفعلن" و"متفاعلن". وهذا نموذج لتدوير قائم على وتد من شعر محمد الهمشري٣ من الكامل: هي جنة الأشجار والأظلال والـ ... أعطاء والأنغام والأنداء وبسبب هذا العسر نجد أن الشعراء قلما يقعون في تدوير البحر "البسيط" أو "الطويل" أو "السريع" أو "الرجز" أو "الكامل". نعم، إن ورود بيت مدور في بحر من هذه البحور في قصيدة طويلة لشاعر متمكن شيء غير مستحيل، وفي وسعنا أن نعثر عليه إذا نحن قلبنا

стр. 110

الدواوين وصبرنا على البحث، غير أن ذلك نادر، وندرته ذات دلالة. ومن هذا النادر قول المتنبي من الكامل: الناعِماتُ القاتِلاتُ المُحيِيا ... تُ المُبدِياتُ مِنَ الدَلالِ غَرائِبا وله من الطويل: وَكَم مِن جِبالٍ جُبتُ تَشهَدُ أَنَّني الـ ... ـجِبالُ وَبَحرٍ شاهِدٍ أَنَّني البَحرُ والواقع أن التدوير هنا -حتى في شعر المتنبي- قد أساء إلى موسيقية الأبيات. ولو تجنبه الشاعر لكان أحسن. وملاحظتي الثانية حول التدوير، وقد تكون ملاحظة غريبة، أنه وهو لا يسوغ في البحر الكامل، يسوغ في مجزوء الكامل، لا بل إنه يضيف إليه موسيقية ونبرة لينة عذبة. من ذلك البيت الثاني من قول البهاء زهير١: ما لي أَراكَ أَضَعتَني ... وَحَفِظتَ غَيري كُلَّ حِفظِ؟ مُتَهَتِّكًا فَإِذا حَضَر ... تُ تَظَلَّ في نُسكٍ وَوَعظِ متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلاتن ومن هذا الشعر في الحديث أبيات علي الجارم في قصيدته المشهورة٢: يَا سَطْرَ مَجْدٍ لِلْعُرُو ... بَه خُطَّ في لَوْحِ الْوُجُودِ بَغْدَادُ إِنَّا وَفْدَ مِصْـ ... ـرَ نَفيضُ بالشوْقِ الأَكِيدِ
следующие страницы →