كتاب
الإشارة في معرفة الأصول
والوجازة في معنى الدليل
تأليف
الإمام الحافظ أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي
(المتوفى سنة ٤٧٤ هـ)
دراسة وتحقيق وتعليق
محمد علي فركوس
أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين
(الخروبة - جامعة الجزائر)
المكتبة المكية - دار البشائر الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقَدّمَة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وصلاة الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، وإخوانه، أجمعين إلى يوم الدين.
أما بعد:
فلقد أفرغ أئمتنا المجتهدون وسعهم في استثمار مصادر التشريع، وبذلوا طاقتهم في استنباط الأحكام بما آتاهم الله تعالى من سعة الفكر، وبُعد النظر، وقوة البيان، وسلامة الفطرة، وحسن القصد، هذا وإن اختلفت اجتهاداتهم فبناء على اختلافهم في مناهج البحث، وفي الأصول الموضوعة لكل مجتهد، فكان علم أصول الفقه كفيلًا بالنظر في الأدلة الشرعية، ومنهاجًا قويمًا للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة والنصوص، ودعامة، أساسية لدراسة المذاهب والآراء المختلفة والمقارنة بينها، ومقياسًا توزن به الآراء عند الاختلاف، وسلامة لذهن الفقيه في تجنب الخطأ وإدراك الصواب، ووسيلة ناجحة لحفظ الدين وصيانة الشريعة، ولا يخفى أنه لا يستغني عن هذا الفن من تأهل للنظر والاجتهاد، ومن يهتم بعلم الفقه والخلاف.
стр. 4
ولم يفُتْ أئمتنا المجتهدون إدراك الفوائد العظيمة لهذا العلم ومدى أهميته البالغة، فلذلك أصَّلُوا الأصول، وقعَّدوا القواعد في معرفة الأحكام الشرعية وكيفية استنباطها من أدلتها التفصيلية، فصنفوا في هذا العلم المصنفات ورتَّبوا أبوابه، وهذَّبوا مسائله، وحققوا مباحثه، ويسَّروا مسالكه، فبهذا رسموا لنا طريق الاجتهاد، وفتحوا باب البحث، فأصبح كل مجتهد يشير إلى دليل حكمه ويبيِّن وجه الاستدلال به وفق ضوابط أصولية محددة تحديدًا واضحًا ودقيقًا مبينة لمناهج استنباطهم.
ولا يُنكر فضل العلماء الذين بذلوا جهودًا مضنية وطاقاتٍ واسعة في خدمة الشريعة والعناية بعلومها بما تركوه لنا من ثروة علمية هائلة من الكتب العلمية، النافعة في شتى العلوم والفنون تعجُّ المكتبات وتزخر بها في مختلف الأمصار والأقطار، فلولا أن الله تعالى قيضهم للقيام بهذه المهمة الجليلة والعمل الجاد لما وصل إلينا شيء من هذه المصادر الأساسية التي منها الاقتباس وعليها المعول.
ولم يكن ما استنبطه العلماء من أحكام وليد الهوى والشهوة، ولا مدفوعًا بزيغ وانحراف، أو مصلحة شخصية أو مقصد مادي أو أدبي، وإنما كان وفق أسباب موضوعية علمية يعذر لمثلها المخطئ ويؤجر أجرًا واحدًا، ويُحمد المصيب ويؤجر أجرين فضلًا من الله ورحمة.
وضمن هذا المنظور فإن الإمام القاضي أبا الوليد سليمان بن خلف الباجي (المتوفي سنة ٤٧٤ هـ) أحد قادة الفكر الأندلسي الذين بلغوا ذروة المجد العلمي والنبوغ الفكري في القرن الخامس الهجري، فقد ساهم في إثراء وتعزيز الثروة العلمية العظيمة بما تركه من آثار علمية قيِّمة، نافعة جليلة، جمعت بين الرواية والدراية، والمنقول والمعقول، فبرع في القرآن والحديث وعلومهما، والفقه وأصوله، والعربية وقواعدها، وعلم الكلام ومضايقه والعقليات وغوامضها، فكان خبيرًا بها، قادرًا على التأليف فيها.
ومن مصنفاته الأصولية كتابه الموسوم بعنوان (الإشارة في معرفة الأصول،
стр. 5
والوجازة في معنى الدليل) وهذا الكتاب على اختصاره وصغر حجمه فإنه مستوعب لمعلومات أصولية نفيسة، مفيدة للمبتدئ، ولا يستغني عنها الباحث لا سيما فيما يتعلق بأصول المذهب المالكي، حيث توخى فيه المصنف الإيجاز واختصره على كتابه الأصولي الكبير: (إحكام الفصول في أحكام الأصول) (١) وأشار إلى أهم المسائل الأصولية إشارة موجزة ومختصرة كما هو ظاهر من عنوان الكتاب، فبدأ المصنف بتعريف الاصطلاحات الأصولية المالكية على نحو ما هو موجود في كتابه (الحدود في الأصول) (٢)، ثم تعرَّض إلى أدلة الشرع وقسمها إلى ثلاثة أقسام:
تناول في القسم الأول الأصل وأدرج تحته الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
أما القسم الثاني فتناول فيه معقول الأصل وأدرج تحته لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب.
وأما القسم الثالث فقد خصصه لاستصحاب الحال وجعله ضربين: استصحاب حال العقل، واستصحاب حال الإجماع.
ثم تعرض - أخيًرا - لباب أحكام الترجيح تناول ترجيحات من جهة الإسناد والمتن أولًا ثم ترجيحات العلل والمعاني ثانيًا (٣).
هذا، وبغض النظر عما يتضمنه محتوى الكتاب من معلومات وقواعد أصولية نافعة، فإن قيمته العلمية تظهر بصورة جلية في إشارة المصنف إلى جملة
стр. 6
من أقوال العلماء الأفذاذ من أئمة المذهب المالكي المعروفين بالإجادة والإتقان في علم الأصول، الذين لم يعثر على اجتهاداتهم وآرائهم الأصولية المدونة، أولم تنل حظها من الطباعة والنشر أمثال:
- أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن اسماعيل بن حمَّاد الجهضمي الأزدي البصري المتوفى سنة ٢٨٢ هـ.
- أبي الفرج عمرو بن محمد بن عمرو الليثي البغدادي المتوفى سنة ٣٣١ هـ.
- أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري المتوفى سنة ٣٧٥ هـ.
- أبي تمام علي بن محمد بن أحمد البصري.
- أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الشهير بابن القصَّار الأبهري الشيرازي البغدادي المتوفى سنة ٣٩٨ هـ.
- أبي بكر محمد بن الطيب بن جسر البصري المشتهر بالقاضي الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ.
- أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد التغلبي البغدادي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ.
- أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن خوز منداد البصري المتوفى في أواخر القرن الرابع الهجري.
- أبي الحسن عبيد الله بن المنتاب بن الفضل البغدادي.
هذا، وكتاب (الإشارة) وإن طبع مرارًا بتونس فإن طبعتها في غاية الرداءة وبها كثير من السقط سواء في الكلمات أو الجمل، وتارة فقرات برمتها، الأمر الذي يختل معه المعنى، فضلًا عن أخطاء مطبعية كثيرة تعتري مجمل النصوص الواردة.
وحتى ينال الكتاب حظه كاملًا من الدراسة والتحقيق، أحببت أن أبذل قصارى جهدي، وأفرغ ما في وسعي لإحياء كتابه من جديد في محاولة لإخراجه على صورة قريبة من الصورة التي وضعها المصنف، ولعلي بذلك أكون قد أديت بعض ما عليّ من واجبات تعميمًا للخير وخدمة للعلم.
стр. 7
وعليه، فقد تناولت دراسة هذا الكتاب وتحقيقه باتباع منهجية تتمثل في قسمين: الأول دراسي، والثاني تحقيقي.
* بالنسبة للقسم الدراسي، فقد حرصت من حيث التنظيم أن أجعل البحث مقبولًا بتسلسله، وثيقًا بترابطه ليسهل تناوله والإحاطة به، ورتبت الخطة على مقدمة وتمهيد وفصلين.
وتشمل المقدمة على بيان أهمية ما يتضمنه كتاب (الإشارة) في علم أصول الفقه من قيمة علمية، ومكانة المصنِّف العلمية، وبسط منهجي في الكتاب. ثم مهدت للفصلين الآتيين تمهيدًا بيَّنتُ فيه - باختصار - الوضع السياسي في القرن الخامس الهجري بالأندلس وهو عصر ملوك الطوائف الذي عاش فيه أبو الوليد الباجي، وانعكاساته السلبية على الوضع الاجتماعي المتردي لأصل إلى ذكر بعض ملامح الواقع العلمي وعوامل الازدهار الفكري.
ثم قسمت الفصلين على الشكل التالي:
الفصل الأول
ترجمة أبي الوليد الباجي
المبحث الأول: اسم أبي الوليد الباجي ونسبه ومولده.
المطلب الأول: اسم أبي الوليد الباجي ونسبه وألقابه.
المطلب الثاني: مولد أبي الوليد الباجي.
الفرع الأول: تاريخ ميلاد أبي الوليد الباجي.
الفرع الثاني: مكان ميلاد أبي الوليد الباجي.
المبحث الثاني: أسرة أبي الوليد الباجي وأولاده.
المطلب الأول: أسرة أبي الوليد الباجي.
المطلب الثاني: أولاد أبي الوليد الباجى.
стр. 8
المبحث الثالث: نشأة أبي الوليد الباجي ووفاته.
المطلب الأول: نشأة أبي الوليد الباجي.
المطلب الثاني: وفاة أبي الوليد الباجي.
الفصل الثاني
حياة أبي الوليد الباجي العلمية
المبحث الأول: مساعي أبي الوليد الباجي العلمية.
المطلب الأول: المراحل التعليمية لأبي الوليد الباجي.
الفرع الأول: المراحل التعليمية الداخلية.
الفرع الثاني: المراحل التعليمية الخارجية.
المطلب الثاني: شيوخ أبي الوليد الباجي وأقرانه وتلاميذه.
الفرع الأول: شيوخ أبي الوليد الباجي.
الفقرة الأولى: أهم شيوخ أبي الوليد الباجي بالأندلس.
الفقرة الثانية: أهم شيوخ أبي الوليد الباجي بالمشرق.
الفرع الثاني: أقران أبي الوليد الباجي وتلاميذه.
الفقرة الأولى: أقران أبي الوليد الباجي.
الفقرة الثانية: تلاميذ أبي الوليد الباجي.
المبحث الثاني: شخصية أبي الوليد الباجي ونشاطه العام.
المطلب الأول: شخصية أبي الوليد الباجي الأدبية.
الفرع الأول: شعر أبي الوليد الباجي ونثره.
الفقرة الأولى: صور من شعر أبي الوليد الباجي.
الفقرة الثانية: صور من نثر أبي الوليد الباجي.
الفرع الثاني: منزلة أبي الوليد الباجي بين علماء عصره.
المطلب الثاني: النشاط العام لأبي الوليد الباجي.
стр. 9
الفرع الأول: نشاط أبي الوليد الباجي العام ومناظراته العلمية.
الفقرة الأولى: نشاط أبي الوليد الباجي العام.
الفقرة الثانية: مناظرات أبي الوليد الباجي العلمية.
أولًا: مناظرة أبي الوليد الباجي لابن حزم الظاهري.
ثانيًا: مناظرة أبي الوليد الباجي لبعض علماء عصره.
الفرع الثاني: صلة الحكام بأبي الوليد الباجي.
المبحث الثالث: آثار أبي الوليد الباجي العلمية.
المطلب الأول: مؤلفات أبي الوليد الباجي العلمية.
الفرع الأول: كتب أبي الوليد الباجي.
الفقرة الأولى: كتب أبي الوليد الباجي في الفقه.
الفقرة الثانية: كتب أبي الوليد الباجي في علم الحديث والتراجم.
الفقرة الثالثة: كتب أبي الوليد الباجي في أصول الفقه والجدل.
الفقرة الرابعة: كتب أبي الوليد الباجي في الزهد والرقائق.
الفقرة الخامسة: كتب أبي الوليد الباجي المتنوعة.
الفرع الثاني: رسائل أبي الوليد الباجي ومسائله.
الفقرة الأولى: رسائل أبي الوليد الباجي.
الفقرة الثانية: مسائل أبي الوليد الباجي.
المطلب الثاني: كتاب الإشارة في أصول الفقه.
الفرع الأول: توثيق كتاب (الإشارة).
الفرع الثاني: وصف المخطوط مع بيان منهج المصنف فيه.
الفقرة الأولى: وصف المخطوط.
الفقرة الثانية: منهج المصنف المتبع في كتابه (الإشارة).
стр. 10
* أما القسم التحقيقي فيتمشل عملي ومنهجي فيه بسلوكي الخطوات التالية:
١ - اتباع منهج الإكثار ما أمكن من ذكر مصادر التخريج لتوثيق صحة النص، وزيادة تأكيده، والتعرف على مظان المباحث المتطرق إليها للفائدة التعليمية وذلك وفق قواعد تتبع، ومناهج تحتذى، ويتم ذلك بالرجوع إلى المصادر الأصلية للمؤلف ثم تثبيت المصادر الأخرى الثانوية، ويعد هذا المسلك أحد المناهج الحديثة في تحقيق التراث (١).
٢ - توجيه العناية إلى توثيق نص الكتاب، وتصحيحه، وتخليصه من شوائب التصحيف والتحريف، وذلك بمراعاة الأمور التالية:
* اتباع الرسم المعروف في العصر الحاضر، ثم معارضته ومقابلته بالمخطوط.
* إثبات السقط من الكلمات والجمل والفقرات في المتن والإشارة إليها في الهامش.
* إعجام ما أهمله الناسخ من كلمات من غير الإشارة إليها في الهامش.
* إثبات تصويبات الناسخ التي على الحواشي في صلب المتن من غير إشارة إليها في الهامش، خشية إثقال الهوامش بأمور لا ضرورة لها.
* الاستعانة بكتب أبي الوليد الباجي في تصحيح النص وتحريره منها: كتاب (إحكام الفصول في أحكام الأصول) وكتاب (الحدود في أصول الفقه) وكتاب (تفسير المنهاج في ترتيب طرق الحجاج) في علم الجدل.
٣ - بيان موضع الآيات الواردة في النصوص ونسبتها إلى سورها في القرآن الكريم.
стр. 11
٤ - تخريج الأحاديث الواردة في المتن مع الإشارة إلى قول المحدثين في التصحيح والتضعيف.
٥ - تخريج الآثار من الكتب المعنية بجمعها.
٦ - تمحيص وتحرير العزو للآراء التي ينقلها المصنف وإرجاعها إلى مصادرها الأصلية، فإن تعذر ذلك عزوتها إلى مصادر أخرى.
٧ - إحالة الآيات القرآنية المفسَّرة في المتن إلى كتب التفاسير المختلفة لتحقيق التفسير الوارد في النص.
٨ - عزو الفروع الفقهية المترتبة على الاختلاف في الأصول إلى مصادر الفقه المقارن.
٩ - الإشارة على هامش المتن إلى الآراء الأصولية الموافقة للرأي المعتمد عند المصنف والمخالفة له مع ذكر جملة من المصادر الأصولية المذهبية
المختلفة.
١٠ - عزو الإجماع الوارد في المتن إلى كتب الإجماع المخصصة له.
١١ - شرح وبيان الغموض الحاصل في بعض فصول الكتاب.
١٢ - شرح غريب المفردات اللغوية وإرجاعها إلى المعاجم الأصلية المعتمدة.
١٣ - إضافة أبيات الشعر الواردة في المتن إلى أصحابها مع الإشارة إلى المصدر أو الديوان الشعري.
١٤ - تخصيص ترجمة موجزة لكل عَلَم من الأئمة الأعلام المذكورة في النص للتعريف به، ولم استثن من انتشرت شهرته كالخلفاء الراشدين وبعض الصحابة والأئمة الأربعة، لأنه مع ذيوع اسمهم قد يجهل بعض خصوصياتهم أو كتبهم أو تاريخ وفاتهم (*). وهذه الترجمة تتضمن:
стр. 12
اسم العلم، وكنيته، ومذهبه، وبعض كتبه، وتاريخ وفاته، ثم أحيل تفصيل ذلك إلى كتب تراجم الرجال مع ذكر الجزء والصفحة.
١٥ - الاكتفاء بالإحالة إلى الصفحات المتقدمة عند تكرر الحديث أو العَلَم في موضع آخر، ما عدا الآيات التي أبين موضعها من السورة عند التكرار.
١٦ - عند تكرر مصدر سابق فإنني لا أشير في الهامش بعبارة: (المصدر السابق) أو (نفس المصدر) أو (المصدر نفسه) أو (ذات المصدر) أو (المصدر ذاته) (١) للصعوبة التي قد تزداد عن كثرة النقل على مصدر واحد، فيكثر تقليب الصفحات بزيادتها، وإنما أكتفي بإعادة كتابة المصدر من جديد بجزئه وصفحته.
١٧ - إعداد فهارس فنية علمية عامة للكتاب تسهيلًا للرجوع إليه. وهي تشتمل على:
* فهرس الآيات القرآنية.
* فهرس الأحاديث النبوية.
* فهرس الآثار.
* فهرس الأعلام والطوائف.
* فهرس الأقطار والبلدان.
* فهرس الكتب، وقد رتبت الكتب على الشكل التالي:
- كتب علوم القرآن والتفسير.
- كتب العقائد والفرق والأديان.
- كتب الحديث وعلومه.
стр. 13
- كتب أصول الفقه.
- كتب الفقه.
- كتب اللغة وعلومها.
- كتب القبائل والأنساب.
- كتب التاريخ والتراجم.
- كتب الأقطار والبلدان.
- كتب متنوعة أخرى.
* فهرس الموضوعات.
هذا، وإني لا أدعي الإصابة والعصمة من الخطأ في كل ما قمت به، فالكمال لله، والعصمة لمن عصمه الله تعالى، ولذا فإني أهيب بكل من وجد خللًا أن يبصرني بما فيه، أو عيبًا فيرشدني إليه، وسأكون له من الشاكرين.
كما يهمني أن أسجل في هذه الكلمة تقديري وشكري لكل إخواني الذين سهلوا لي السبيل في إنجاز هذا العمل من غير أن يفوتني التعبير عن مشاعر العرفان للأستاذ محمد بن الحسين السليماني على حثه ومساعدته عملًا بقوله: (مَنْ لَا يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرِ اللَّه) (١).
والله أسأل أن يجعل جهدنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن تتحقق الفائدة، ويعمم النفع، ويكتب له القبول، وأن يسدد خطانا ويلهمنا التوفيق لتقديم المزيد من العمل العلمي للأمة الإسلامية، وعلى الله قصد السبيل، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 14
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وإخوانه إلى يوم الدين.
المحقق
أ/ أبو عبد المعز
محمد علي فركوس
الجزائر في: ٢٤ ذو القعدة ١٤١١ هـ
الموافق لـ: ٧ جوان / حزيران ١٩٩١ م
стр. 15
القسم الدراسي
стр. 16
تمهيد
كان على إثر سقوط الخلافة الأموية في قرطبة في مستهل القرن الخامس الهجري ظهور بلاد الأندلس مجزئةً إلى دويلات يحكمها ملوك الطوائف، ومن أشهرهم: بنو حمود بقرطبة ومالقة والجزيرة الخضراء، وبنو هود بسرقسطة، وبنو زيري بغرناطة، وبنو عباد بإشبيلية، وبنو الأفطس ببَطَلْيَوس، وبنو عامر ببلنسية، وبنو صُمادح بالمريَّة، وبنو النون بطُليْطِلة. وكان كلُّ ملك يستقل فيها بما تحت يده رسميًا (١).
وفي تلك الفترة كانت الأندلس تموج بالفوضى والاضطرابات السياسية، واشتغال كل هؤلاء الملوك في الكيد والدس والمؤامرة بعضهم لبعض، فلا يكاد
يمرُّ يوم إلا ويحدث بها وقائع مروعة من اغتيال وحرق وتقتيل ونهب.
وفي ظل هذه الأوضاع المزرية ولد الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي سنة ٤٠٣ هـ والأندلس تعاني فتنًا ومآسي شديدة، وترعرع وشبَّ وسط
شقاق وفرقة وتطاحن ملوك الأندلس على النفوذ والسلطان والألقاب (٢). وقد جسَّد
стр. 17
ابن حزم فساد حالتهم بقوله: (اجتمع عندنا بالأندلس في صقع واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهم يخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام يتسمَّى كلُّ منهم بالخلافة وإمارة المؤمنين) (١) ولما عاد أبو الوليد الباجي من رحلته المشرقية التي قضى فيها ثلاث عشرة سنة عايش قلوبًا متفرقة، ومواقف متباينة، وكلمة مشتتة، عمل على تأليفها في سفارته بين الملوك للتصدي للعدوان النصراني (٢) خاصة بعد سقوط طليطلة وما خلَّفه من:
ذعر وانزعاج وآثار بالغة، كان لذلك كله الأثر السلبي المدمِّر على وحدة الأندلس وقوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ووجوب الاستنصار بجيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين لمواجهة الخطر النصراني المتربص، وقد توفي أبو الوليد الباجي سنة ٤٧٤ هـ قبل تمام غرضه (٣) ورؤية النصر الساحق للمسلمين على جيوش النصارى مجتمعة في معركة الزلاقة سنة ٤٧٩ هـ، وإن كان له الفضل في المسعى والجهد المبذول في سبيل الوحدة وتحقيق النصر (٤).
وقد كان لاختلال أحوال ملوك الطوائف وتشتُّت صفوفهم انعكاسات سلبية.
من الناحية الاجتماعية تمثلت في مخلفات متردِّية حيث كان هؤلاء الملوك يرهقون مجتمعهم ويلزمون رعيهم - ظلمًا - بدفع ضرائب مالية ومغارم جائرة بدعوى
стр. 18
مجابهة المصاريف المختلفة الناجمة عن ظروف الحرب والقتال، كما فشت فيهم ظاهرة المجون والفساد والإسراف والتبذير على الشهوات بمعاقرة الخمرة وعقد مجالس البدخ والأنس مع التسلية والنشوة بالمغنين والفتيات والجواري، وقد كانت هذه الظاهرة مشتركة عند جميع ملوك الطوائف وبطانتهم (١).
وفي هذا المضمون يقول محمد عبد الله عنان: (وقد قاسى الشعب الأندلسي في ظل طغيان الطوائف كثيرًا من ضروب الاضطهاد والظلم، ولم يكن ذلك قاصرًا على متاعب الفوضى الاجتماعية الشاملة التي كان يعيش في غمارها، وانقلاب الأوضاع في سائر مناحي الحياة، وتوالي الفتن والحروب الداخلية، ولكنه كان يقاسي في نفس الوقت من جشع أولائك الأمراء الطغاة، الذين كانوا يجعلون من ممالكهم ضياعًا خاصة، يستغلونها بأقسى الوسائل وأشنعها، ويجعلون من شعوبهم عبيدًا يستصفون ثرواتهم، وثمار كدِّهم، إرضاء لشهواتهم في إنشاء القصور الباذخة، واقتناء الجواري والعبيد، والانهماك في حياة الترف الناعم، والإغداق على الصحب والمنافقين، هذا، فضلًا عن حشد الجند لإقامة نيرهم، وتدعيم طغيانهم، وقد ترتب على ذلك أن انهارت المعايير الأخلاقية، واختلط الحق بالباطل، والحلال بالحرام ولم يعد الناس يعتدون بالوسيلة، بل يذهبون إلى اقتضاء الغاية، وتحقيق الكسب بأي الوسائل) (٢).
كما انتشر بين الأسر الحاكمة والمحكومة حبُّ التزوج بالنصرانيات وما يفضي ذلك إلى سوء تقدير لعواقب الأمور، وأسندت لأهل الذمة من اليهود مهام حيوية ضمن مناصب راقية متمثلة في جباية الأموال وكتابة الدواوين (٣)، حيث كانوا وراء كلِّ مؤامرة أو دسيسة مدبَّرة على حساب المسلمين، أو فتنة مشتعلة تأتي على الأخضر واليابس
стр. 19
هذا، ونتيجة لانغماس الحكام وبطانتهم في الملذات وركونهم إليها وتفريطهم في المهام، وانحلالهم السياسي والاجتماعي، أن وَهَن في نفوسهم الوازع الديني، وماتت فيهم دوافع النصرة والحمية عن الإسلام، وقد كان ذلك سببًا في ظهور التعصب القبلي والجنسي وما خلفه من أضرار كبيرة بين العرب
والموالي في معارك دامية، وما تلاه من نزعة شعوبية ظهرت لتمجيد العجم والتنقيص من قدر العرب وما صاحب ذلك من الطعن في ملة الإسلام والتطاول على الشريعة المحمدية (١).
وفي هذا العصر، كان الفقهاء أكبر عضد لملوك الطوائف في تبرير طغيانهم وقهرهم، وأكبر سند في تزكية تصرفاتهم وابتزازهم لأموال الرعية، وحرصًا على النفوذ والمال، فقد كانوا يضعون تحت خدمة السلطان فتاوى فقهية مؤيدة للظلم.
والجور والاستغلال، ومبيحة للدس والمكر والاستعانة بالكفار وغيرها من المحرمات، ويدعون الناس باسم أحكام الدين وتعاليم الشريعة وفد نوَّه أبو مروان ابن حيان هذا التواطؤ الصارخ والتضامن المخزي بين الملوك والفقهاء، المؤسس على التعاون على الإثم والعدوان حيث يقول.
(ولم تزل آفة الناس مُذ خلقوا في صنفين منهم هم كالملح: فيهم الأمراء والفقهاء قل ما تتنافر أشكالهم، وبصلاحهم يصلحون، وبفسادهم يفسدون، وقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا بما لا كفاية له، ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون، قد نكبوا بهم عن نهج الطريق ذيادًا عن الجماعة، وجريًا إلى الفرقة، والفقهاء أئتهم صموت عنهم، صدف عما أكده الله تعالى من التبيين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، وخابط في أهوائهم وبين مستشعر مخافتهم، آخذًا بالتقية في صدقهم) (٢).
غير أن داخل هذا التيار الاجتماعي العاصف بكل القيم برزت مواقف
стр. 20
مشرِّفة من فئة صالحة من العلماء مغلوبة على أمرها وتعالت أصواتها مندِّدة للباطل والجور والطغيان ومستنكرة لهذا الوضع المتردي وما آلت إليه البلاد والعباد من فساد (١).
هذا، وعلى نقيض الوضع السياسي والاجتماعي المتردي فإن الجانب الثقافي والعلمي والأدبي كاد يكون العصر الذهبي لجميع مظاهر الفكر، فقد حفل هذا العصر بحصاد ثقافي وعلمي كبير، ومردُ ذلك إلى عدة عوامل من أهمها إفراد كل ملك ببلاط فخم يجمع إلى جانبه جماعة الفكر والأدب (٢) مع تمتع كل ملك بمستوى راق في الميدان العلمي والأدبي (٣)، وفي هذا السياق يقول الأستاذ عنان: (وإنها لظاهرة من أبرز ظواهر عصر الطوائف أن يكون معظم الملوك والرؤساء من أكابر الأدباء والشعراء والعلماء، وأن تكون قصورهم منتديات زاهرة، ومجامع حقة للعلوم والآداب والفنون) (٤)، كما أن الازدهار الفكري والأدبي يرجع أيضًا إلى تمتع الحياة الفكرية في مسيرتها بشيء من الاستقلال من عصر الخلافة إلى أن آتت ثمارها في عهد ملوك الطوائف بتشجيع من الملوك وتحت حمايتهم رغم طغيانهم المطبق. ومن عوامل الازدهار أيضًا التنافس الجاد
стр. 21
بين الملوك في إنشاء المكتبات وتعميرها الأمر الذي جعل البلاد تعج بمختلف العلوم والأدب والفنون (١) مما سهَّل انتعاش الحركة العلمية والأدبية بنشاط حثيث يتجلى في: وفرة المصادر وكثرة المؤلفات في شتى العلوم، تعدد الرحلات العلمية إلى المشرق قصد التحصيل العلمي، تشجيع المناظرات والمساجلات بين العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء، فضلًا عن تنقلات العلماء إلى مختلف حواضر الأندلس لنشر علومهم وبث معرفتهم.
هذا، وقد كان القرن الخامس الهجري حافلًا بنشاط علمي حر ومتفتِّح وأدب رفيع، وجدل فقهي نشيط، لمعت فيه قمم علمية موسوعية فذة كأبي محمد ابن حزم، وأبي الوليد الباجي، وأبي عمر يوسف بن عبد البر، وأبو الحسن علي بن سيده وغيرهم الذين يرتفعون إلى الذروة في تفكيرهم ومستواهم العلمي الرفيِع.
حاصل القول: إن تجزئة بلاد الأندلس إلى إمارات متناحرة كان له مساوي عديدةٌ قضت على تماسك المسلمين ووحدتهم السياسية والعسكرية، وخلَّفت آثارًا في غاية الخطورة، ووجدت العصبيات والأهواء والمجون والفساد سبيلًا مفتوحًا للعبث بالمقدسات العقائدية والمقومات الإسلامية نتيجة لضعف الوارع الديني، رغم المحاولات الجادة التي قام بها رجال الفكر والعلم - تجاوبًا مع الوضع السياسي والاجتماعي - في سبيل توحيد كلمتهم وتحذيرهم من العواقب، ولكنها لم تجد آذانًا صاغية، ومع ذلك، فإن موانع الظلم السياسي والفساد الأخلاقي لم يثنِ العلماء في بذل جهود مضنية، وإفراغ طاقات متأججة لتحصيل العلوم وتطويرها في حركة مستمرة، ونشاط دؤوب تحت رعاية حكامهم وحرص عامتهم، ومن هؤلاء الأئمة الأفذاذ القاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الذي لمع نجمه في هذه الحقبة من الزمان كفقيه أصولي، مناظر مجادل لا يشق له غبار.
стр. 22
الفصل الأول
ترجمة أبي الوليد الباجي
المبحث الأول: اسم أبي الوليد الباجي ونسبه ومولده.
المبحث الثاني: أسرة أبي الوليد الباجي وأبناؤه.
المبحث الثالث: نشأة أبي الوليد الباجي ووفاته.
стр. 23
الفصل الأول
ترجمة أبي الوليد الباجي (١)
سنتعرض في هذا الفصل إلى التعريف باسم الباجي ونسبة وألقابه ومولده في المبحث الأول، ثم نستتبعه بأسرته وأبنائه في المبحث الثاني، ونخصص
المبحث الثالث في ذكر نشأته ووفائه.
***
стр. 24
المبحث الأول
اسم أبي الوليد الباجي ونسبه ومولده
وفي هذا المبحث نتناول اسم الباجي ونسبه وألقابه في المطلب الأول، ونخصص المطلب الثاني لمولده.
المطلب الأول
اسم أبي الوليد الباجي ونسبه وألقابه
هو سليمان بن خلف بن سعد (١) بن أيوب بن وارث، التُّجِيبِي، التميمي،
стр. 25
الباجي، القرطبي، البَطَلْيوسِي، الذهبي، الاندلسي، القاضي المالكي، المكنى بأبي الولد (١).
- فالتُّجِيبِي نسبة إلى قبيلة (تُجِيْب) العربية، بطن من بطون كندة، سموا باسم جدتهم العليا: تُجيب بنت ثوبان بن سليم بن رهاء من بني مذحج، وكان عميرة بن أبي المهاجر أول رجل من قبيلة (تجيب) نزل بأرض الأندلس مع جنود جيش الإسلام الفاتح، ثم زاد نسل التجيبيين وارتفع عددهم في الأندلس، وأصبحت لهم ديارًا، ومن ديارهم (بَطَلْيَوسْ) وهي موطن أجداد أبي الوليد الباجي (٢).
- أما التميمي (٣) فنسبة إلى بني تميم من مر بن أد بن طابخة، وهم من أكبر بطون العرب (٤).
- وأما الباجي فنسبة إلى باجة (٥) مدينة أندلسية شهيرة من أقدم مدائن
стр. 26
الأندلس بنيت في أيام الأقاصرة، وتقع اليوم في البرتغال على ١٤٠ كلم إلى الجنوب الشرقي من لشبونة.
وقد نسب أبو الوليد الباجي إليها بعد مغادرة أجداده مدينة (بَطَلْيوَس) إليها، وأقام بها إلى أن بلغ الثالثة والعشرن من عمره (١).
- أما القرطبي فنسبة إلى (قرطبة). المدينة الأندلسية الشهيرة أم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها (٢). ونسب إليها بعد انتقاله مع أسرته من باجة الأندلس إليها.
- وأما البطَلْيوسي فنسبة إلى (بَطَلْيَوس) مدينة أندلسية، بناها عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليقي بإذن الأمير عبد الله له، وهي تقع في الغرب الجنوبي من إسبانيا (٣).
стр. 27
وأضيف لأبي الوليد الباجي هذه النسبة لأن أصل آبائه من هذه المدينة، ولأنه ولد بها على أرجح الأقوال كما سيأتي.
- وأما تلقيه بـ (الذهبي) فلاشتغاله بضرب ورق الذهب للغزل، وذلك بعد رجوعه من رحلته العلمية المشرقية سنة ٤٣٩ هـ (١).
- أما الأندلسي فنسبة إلى بلاد الأندلس التي افتتحها المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد في أيام الوليد بن عبد الملك سنة ٩٢ هـ (٢).
المطلب الثاني
مولد أبي الوليد الباجي
اختلف المترجمون في تاريخ ميلاد الباجي، وفي مكان مسقط رأسه، وتفريعًا على هذا الخلاف، نخصص لتاريخ ميلاد الباجي الفرع الأول، ومكان ولادته الفرع الثاني.
الفرع الأول: تاريخ ميلاد أبي الوليد الباجي:
تعارضت أقوال المترجمين والمؤرخين لحياة الباجي واضطربت في تاريِخ ميلاده على ثلاثة أقوال:
- القول الأول: إنه ولد يوم الثلاثاء ١٥ من ذي القعدة سنة ٤٠٣ هـ وهو ما عليه الجمهور (٣).
стр. 28
- القول الثاني: إنه ولد سنة ٤٠٤ هـ. وهو ما مال إليه ابن عساكر (١).
- القول الثالث: إنه ولد سنة ٤٠٢ هـ. وهو ما ذهب إليه الباحث الإسباني آنخل جنثالث بالنثيا (٢).
والظاهر أن مذهب. الجمهور أقوى لجملة من المرجحات تتمثل فيما يلي:
١ - شهادة أم الباجي على صحة التاريخ الذي ارتضاه الجمهور، وذلك فيما رواه تلميذ الباجي أحمد بن زغلول قال: (رأيت تاريخ ميلاده بخط أمِّه - وكانت فقيهة - أنه سنة ثلاث وأربعمائة) (٣).
ولا يخفى في مثل هذه المقامات أن شهادة النساء أولى ومقدمة على الغير، وخاصة ورود تاريخ ميلاده مقيدًا من والدته، فضلًا عن كونها فقيهة.
٢ - ما ذكره أبو علي الغساني - وهو من طلبته الملازمين للباجي - أنه قال:
(سمعت أبا الوليد الباجي يقول: (مولدي في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة) (٤) ومما لا يغيب أن الشخص أعرف بنفسه وأعلم بأحواله وتواريِخ حياته.
٣ - ما رواه ابن بشكوال قال: (قرأت بخط القاضي محمد بن أبي الخير
стр. 29
- شيخنا ﵀ قال: ( ... وولد يوم الثلاثاء في النصف من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة) (١).
٤ - ليس ثمة دليل للمخالفين يتمسك به لإثبات ما ذهبوا إليه. وعليه فمذهبهم ظاهر البطلان لا يقوى على المعارضة.
الفرع الثاني: مكان ميلاد أبي الوليد الباجي:
لا خلاف بين علماء التراجم في أن أصل آباء أبي الوليد من مدينة بَطَلْيوَس (٢) ولكن محل الخلاف في مسقط رأسه هل كان في هذه المدينة أم في غيرها، وقد ترتب على هذا الخلاف ثلاثة آراء متباينة تتمثل في الآتي:
- القول الأول: إن مسقط رأسه بِبَطَلْيَوس، ثم رُحل به في صباه إلى باجة الأندلس، ثم انتقل بعدها إلى قرطبة وهو قول القاضي ابن أبي الخير (٣) وتبعه ابن خلكان (٤).
- القول الثاني: إن مسقط رأسه بباجة الأندلس بعد انتقال أجداده من بطليوس، ومن باجة الأندلس انتقل إلى قرطبة مع أسرته. وهو ظاهر قول الجمهور (٥).
- القول الثالث: إن مسقط رأسه بقرطبة، وأصله من بطليوس، ثم انتقل أجداده
стр. 30
إلى باجة الأندلس، ومنها إلى قرطبة. وهو ظاهر قول ابن بشكوال (١).
وفي تقديري أن القول الأول أرجح الأقوال السابقة للأسباب التالية:
١ - ورود تحديد مكان ولادته مقيدًا بخط القاضي محمد بن أبي الخير والكتاب يقضي بولادته ببطليوس (٢).
٢ - ذكر غالبية التراجم أن أصله بطليوس ثم انتقلوا إلى باجة الأندلس ثم سكنوا قرطبة ليس فيها قطع بتحديد محل ولادته.
٣ - أما تصدير ابن بشكوال: (أنه من أهل قرطبة) (٣) على أن مسقط رأسه بها فهو مجرد رأي يفتقر إلى دليل يعضده، بل قد روى عن شيخه محمد بن أبي الخير ما يعارضه إذ أن وجادته على شيخه قاطعة في المسألة يتعذر معها حمله على أن محل ولادته قرطبة، ومع ذلك قد لا يعني بهذا التصدير سوى ذكر أواخر منازله التي اشتهر فيها وهي قرطبة، والأمر محتمل.
٤ - أما نصوص المترجمين المشعرة بأنه من مواليد باجة الأندلس فهي مفاهيم مستوحاة من هذه النصوص تدع مجالًا للتردد فيها.
هذا والذي تطمئن إليه النفس هو القول الأول من حيث ورود التحديد مثبتًا ومقيدًا بصورة واضحة وصريحة بخلاف النصوص الأخرى فهي مجرد مفاهيم نافية للقول الأول ومثبتة لما عداه. ولا يخفى أن المنطوق مقدم على المفهوم، والمثبت أولى من النافي كما هو مقرر في علم أصول الفقه.
وإلى هذا القول ذهب المراغي (٤)، وكحالة (٥)، ومحمد عنان (٦).
***
стр. 31
المبحث الثاني
أسرة أبي الوليد الباجي وأولاده
سنتعرض بالذكر في هذا المبحث إلى أسرة الباجي في المطلب الأول، ونخصص المطلب الثاني لأبنائه.
المطلب الأول
أسرة أبي الوليد الباجي
ينتسب أبو الوليد الباجي إلى أسرة علم وتقوى ونباهة ونبل وحسن تديُّنٍ ويلتمس ذلك من:
- والده أبو سليمان خلف بن سعد، فقد كان من أهل العفة والصلاح والتقوى، كثير التعبد بالصوم والاعتكاف والتهجد، زاهدًا في الدنيا، محبًّا للعلم وأهله.
هذا، وإن لم يعرف عن أبيه سمعة في العلم إلا أنه حاز نصيبًا منه من خلال ملازمته حلقات العلم، فقد روي أنه كان يجلس في حلقة ابن شماخ وتعجبه طريقته، كما كان يلازم العالم الأندلسي أبا بكر الحصار ويحضر دروسه وحلقاته العلمية بقرطبة حتى التمس منه سابقات في الصلاح والنباهة، وقدرة على الإدراك والفهم: فزوجه ابنته أم سليمان (١).
стр. 32
- ووالدته أم سليمان (١)، فهي بنت فقيه الأندلس أبي بكر محمد بن موهب القبري القرطبي المعروف بالحصار. وقد اتصفت بالعفة والصلاح، وكانت فقيهة عابدة (٢).
- وإخوته الأربعة: إبراهيم، علي، وعمر، ومحمد، أجلة نبلاء على وتيرة أبيهم في حسن التدين، وقد اشتهر إبراهيم ومحمد منهم بالعلم والفطنة والذكاء (٣).
- وأعمامه الثلاث بنو سعد: سليمان، وعبد الرحمن، وأحمد، فقد نعتوا بالتدين والصلاح وكثرة العبادة والخير (٤).
- وجدُّه لأمه، فهو فقيه الأندلس وعالمها المشهور: أبو بكر محمد بن موهب القبري التجيبي القرطبي المعروف بالحصار، أخذ عن أحمد بن ثابت، وأحمد بن هلال، وأبي محمد الباجي من علماء بلده، ثم تفقه بالقيروان بأبي محمد عبد الله بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي وغيرهم، وقد اشتغل بجل العلوم وغلب عليه علم الكلام والجدل.
وعند رجوعه إلى الأندلس - أيام الدولة العامرية - جرت بينه وبين فقهاء عصره مناظرات عديدة تناولت مسائل غير مألوفة لدى الأندلسيين كمسألة
الكرامات، ونبوة النساء وبقاء الخضر حيًا وغيرها من الموضوعات الغريبة على العوام، الأمر الذي جرَّ عليه سخط ابن أبي عامر المعافري القحطاني، فرحل إلى سبتة (٥) وأقام بها مدة، ثم عاد إلى الأندلس وورد قرطبة متسترًا، فلما علم به
стр. 33
ابن أبي عامر أصدر عفوه عنه، وعاش بقية حياته مُمسكًا لسانه حتى توفي سنة ٤٠٦ هـ. من مؤلفاته: شرح رسالة شيخه أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، وله في العقائد تواليف كثيرة (١).
- وأخواله من أهل العلم والخير، ومنهم خاله العالم الخطيب: أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التجيبي المعروف بابن القبري (٢) وهو أحد شيوخ القاضي أبي الوليد الباجي.
المطلب الثاني
أولاد أبي الوليد الباجي
للقاضي أبي الوليد الباجي عدد من الأولاد عاش بعضهم، وتوفي آخرون في حياته.
* أما أبناء الباجي الذين توفوا في حياته فمنهم: محمد بن أبي الوليد سليمان بن خلف وكنيته: أبو الحسن. كان شابًا يتصف بالذكاء والنبل ويرجى فيه
الصلاح. مات في حياة أبيه (بِسَرَقُسْطة) (٣) سنة ٤٧٢ وبسنتين قل وفاة والده، وكان فراقه قد أثر فيه تأثيرًا بالغًا، فرثاه بمراثي حارَّة وحزينة (٤) منها
* أما أولاده الذين عاشوا بعد وفاته، فمن أشهرهم: أحمد بن أبي الوليد سليمان الباجي. وكنيته: أبو القاسم. وهو أحد العلماء البارزين، برع في علم الأصول والكلام حتى أذن له والده في إصلاح كتبه الأصولية.
وقد تفقه أبو القاسم على أبيه، وخلَفه في حلقته بعد وفاته، وجمع ديوانه، وصلَّى عليه يوم وفاته.
وقد كان ديِّنًا ورعًا زاهدًا في الدنيا، تخلى عن تركة أبيه وهي كثيرة لقبوله جوائز السلطان، وارتحل إلى المشرق لطلب العلم، ودخل بغداد والبصرة، واستقر بعدها في بعض جزائر اليمن، ثم قضى مناسك الحج، وعند عودته مات بجدَّة سنة ٤٩٣ هـ.
لأبي القاسم أحمد بن سليمان مؤلفات حسنة تدل على حِذْقِه وذكائه فمنها: (العقيدة في المذاهب السديدة) و (معيار النظر) و (سرُّ النظر) و (البرهان في أنَّ أول الواجبات: الإيمان) ورسالة سماها (الاستعداد للخلاص من الميعاد) (١)، وله نظم وأدب، فمن رقيق شعره ما أنشد لنفسه يقول:
إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ... فَاتْرُكِ الْمَيْلَ إلَيْهِ
مَنْ بِأَمْرٍ يَتَعَنَّى ... يَحْسَبُ النَّاسَ عَلَيْهِ (٢)
- وله ابنة نجيبة (٣) زوَّجها للحافظ المحدث الفقيه أبي العباس أحمد بن عبد الملك بن موسى بن عبد الملك بن أبي حمزة المُرْسِي الأندلسي - أحد طلبة الباجي - المتوفى سنة ٥٣٣ هـ (٤).
стр. 37
المبحث الثالث
نشأة أبي الوليد الباجي ووفاته
نتناول نشأة الباجي في المطلب الأول، ونخصص المطلب الثاني لوفاته.
المطلب الأول
نشأة أبي الوليد الباجي
نشأ أبو الوليد الباجي وسط أسرة عربية أصيلة، حيث أن مردَّ نسَبه من جهة أبيه وأمه إلى قبيلة: (تُجيب) العربية المشرَّفة بثناء الرسول عليها (١).
واتَّسمت هذه الأسرة بالعلم والنباهة (٢) فكان لبعض أفرادها مساهمة فعالة في الحياة العلمية، فضلًا عما اتصفوا به من مكارم الأخلاق وعرفوا بالتقوى والورع وحسن التديُّن والزهد. فلم يكن في إخوته إلا مشهور بالحج والجهاد، والصلاح والعفاف، وأمِّه وجِهَتِها إلا مشهود له بالعلم والذكاء والفطنة.
وفي كَنَف هذه البيئة العلمية، وتحت الرعاية الأسروية الداخلية، نال أبو الوليد الباجي حظه من التربية الحسنة والأخلاق العالية، وأخذ تعليمه الأوَّلي في سن مبكرة جدًّا، ساعده ذلك على تنمية قدراته الذهنية ومواهبه الفكرية، الأمر الذي فسح أمامه آفاقًا واسعة تبشِّر بغدٍ مشرق بالعلم والمعرفة.
стр. 38
وقد سادت - في عصره وضمن محيط مجتمعه بالأندلس - موجة علمية عالية تقوم على التنافس الجاد في مختلف العلوم وشتى الفنون وسائر المعارف، وفي هذا الجوِّ العلمي العام ترعرع أبو الوليد الباجي وكلُّه إرادة جدِّية، وحزم أكيد، يساعده ذكاؤه الوقاد وتعليمه الأولي، ويدفعه حرصٌ شديدٌ، ورغبةٌ مُلحَّةٌ صادقة في طلب العلم واكتسابه، والتبحُّر في أنواع المعارف المختلفة، متبعًا في ذلك هدي العلماء العاملين، ومقتديًا بهم سلوكًا وأخلاقًا.
المطلب الثاني
وفاة أبي الوليد الباجي
بعد أن قضى أبو الوليد الباجي حياة جهادية من أجل تحصيل العلم ونشره تعليمًا وتأليفًا ومناظرة، والسعي إلى دعوة حكام الأقطار الأندلسية للالتفاف حول المرابطين لنصرة الإسلام ونبذ أحقادهم وجمع كلمة المسلمين ضد عدوهم المشترك ألفنسو السادس الذي كان يتربص بالإسلام والمسلمين الدوائر، انتهى به السعي والمطاف بمدينة (الْمَرِيَّة) (١) () حيث أدركته المنيَّةُ ليلة الخميس - بين العشائين - في التاسع عشر من رجب (٢) سنة ٤٧٤ هـ.
стр. 39
وصلى عليه يوم الخميس - بعد العصر - ابنه أبو القاسم، ودفن على ضفة البحر بالرباط. ﵀ وغفر لنا وله.
وتاريخ وفاته المتقدم مثبت لدى جمهور المترجمين والمؤرخين باتفاق (١) ونازع فيه آخرون منهم:
- ابن الأثير الذي انفرد بالقول إلى أن أبا الوليد الباجي توفي في حدود سنة ثمانين وأربعمائة (٢).
- وياقوت الحموي وابن فرحون اللذان ذهبا إلى أنه توفي سنة ٤٩٤ هـ (٣).
وعليه فالمسألة على ثلاثة (٤) أقوال أرجحها - في تقديري - ما استقر عليه الجمهور هو أن سنة وفاته: ٤٧٤ هـ، وذلك للأسباب التالية:
стр. 40
١ - لأن ورود تاريخ وفاته محددًا بالشهر واليوم والساعة يدل على قول الجمهور تأسيسًا على أن: من حفظ حجة على من لم يحفظ، فضلًا عن أن هذا التاريخ مستمد من أبي عليِّ الجيَّاني نفسه وهو أحد تلاميذه (١).
٢ - ولأن جمهور المؤرخين وجلَّ المترجمين على إثبات هذا التاريخ وصحته.
٣ - ولأنه يستبعد أن تكون سنة وفاته في أحد القولين الآخرين، لأن المصادر التاريخية تشير إلى أن الباجي كان سفيرًا بين رؤساء الأندلس يسعى إلى توحيد صفهم ولمِّ شملهم وجمع كلمتهم مع المرابطين ضد عدوهم ألفنسو السادس للذود عن حياض الإسلام وثغوره، وقد توفي الباجي ﵀ قبل تمام سعيه وتحقيق غرضه وإكمال غايته (٢).
ولا يساورنا شك أن انتصار المسلمين في معركة (الزلاقة) (٣) الشهيرة قد وقع في رجب سنة ٤٧٩ هـ، فلو كانت سنة وفاته على ما قرروه لشهد النصر المؤزر ولأدرك بغيته من خلال مساعيه الوحدوية. قال الحجوي: (وفي سنة ٤٩٤ كان ابن تاشفين استأصل